Полный текст (895 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
تحجب الكلَّةُ منه قمراً ... ويحوزُ الدرع منه أَسَدا
قمرٌ إن هزَّ رمحاً في الوغى ... هزَّ من عطفيه غصناً أَملدا
ليْتَهُمْ إذ منطقوا أَعطافَهُ ... بالثريا قلَّدُوه الفرقدا
طافَ بالراح التي لم تَدَّرِعْ ... بحسام المزج إلا زَبَدَا
فَعَلاَها دُرُّهُ ياقوتةً ... ذاب سقماً جسمها فاطَّرَدَا
ومنها في المديح، وقد أفضى به الغلو إلى الكفر الصريح:
صِرْفُ جِرْيالٍ يرى تحريمها ... من يرى الحافظَ فَرْداً صَمَدَا
بَشَرٌ في العينِ إِلا أنَّهُ ... من طريقِ العقل نورٌ وهدى
جلَّ أن تدركه أعيننا ... وتعالى أن تراه جَسَدا
فَهْو في التسبيح زُلْفَى راكعٍ ... سَمِعَ الله به من حمدا
تدركُ الأفكارُ فيه نبأً ... كادَ من إجلاله أن يُعْبَدا
واقتصرت على هذه أنموذجاً لشركه، وأخرت الباقي من سلكه؛ وأنشدت له مطلع قصيدة:
عوجا بمنعرج السفحين أو رُوحَا ... فقد قضى مَرْبَعٌ كنتم له روحا
وللشريف الأخفش من قصيدة يمدح فيها الشريف القاضي المفضل إمام ابن حيدرة بن علي قاضي بلبيس كان وأولها:
لنجرانَ، فالبرقُ الحجازيُّ أَبْرَقَا ... وعُسْفانَ، فالمُزْنُ اليمانيُّ أودقَا
ومن جملتها:
شريفٌ يدُ الشرعِ انتقتْ منه قاضياً ... فكان لهذا الدين أفضلَ مُنْتَقَى
خلائقُهُ في العدلِ تُرْضَى وتُرتجَى ... وسطوته في الحقِّ تُخْشَى وتُتَّقَى
إذا ما تَعَدَّى ماردٌ لسمائه ... أَعدَّ له نجماً من القَذْفِ مُحْرِقَا
يُثَبتُ مَنْ لَمْ يَرْقَ في ذروة العُلاَ ... ويَدْحَضُ عن عَرْشِ المعالي مَنِ ارْتَقَى
وسبَّاقُ غاياتٍ بإِبطاءِ وَثْبَةٍ ... ولم يُبْطِ بالتثبيت إلا ليسبقا
هو الغيث يَمِّمْهُ إذا كان مُمْطِراً ... وخُذْ حذراً منه إذا كان مُصْعِقا
وما اصفرَّ لونُ التبرِ عند اجتماعه ... بكفيه إلا خيفةً أن يُفَرَّقا
وآخر هذه القصيدة:
فلا طَمَحَتْ بي نحو غيركَ عَزْمَةٌ ... ولا بابٌ منك دونِيَ مُغْلَقَا
ومن شعراء بني رزيك:
الخطيب المفيد أبو القاسم هبة الله بن بدر المعروف ب
ابن الصياد
وجدت له في مجموع ما ألفه الجليس بن الحباب في شعراء ابن رزيك والمداح فيه، من قصيدة أولها:
بسمعي عن التَّعذَالِ فيك تَصامُمُ ... فجهديَ عِصْيَانِي إذا لامَ لائِمُ
منها يصف عدوه:
ولما رأَى الغَدَّارُ قُرْبَ حلولهِ ... تيقَّنَ أن الموتَ ما منه عاصمُ
ولو كان ذا حَزْمٍ لما حَامَ قبل أن ... يرى الخيلَ بل من قبلِ تبدو الصوارم
أمستخبرٌ هَل من قَدَارٍ لريشةً ... على هزِّ بحرٍ مَوْجُهُ متلاطم
وله فيه من قصيدة:
كأنَّ اختطافَ الهامِ عندكَ بِالظبا ... ابتهاجاً به يومَ الوغى ثَمَرٌ يُجْنَى
غداةَ جعلتَ البيضَ أَغمادها الطُّلاَ ... وخَيْلَ العِدَا تُقْنَى وسُمْرَ القَنَا تَقْنَا
وله من قصيدة يذكر فيها قتله أرناط مقدم خيل الفرنج:
عنْ سيفِ دين الله سلْ أَرناطا ... حيثُ المنية كاسُها يُتَعَاطى
والمشرفيَّةُ قد حَكَتْ في جيشهِ ... في العَلِّ والنَّهَلِ القَطَا الفُرَّاطا
قد شام طيرُ الكفرِ منه مِنْسَراً ... أَشْغَى وعاينَ مِخْلباً عَطَّاطا
هو مُلْبِسٌ جُثَثَ العِدَا في الحربِ مِنْ ... حُلَلِ النجيعِ مجاسداً ورياطا
فجيادُهُ تشكو مزاحمةَ القَنَا ... وتردُّ خِرْصَان الرماحِ سياطا
هو فارسُ الإسلام يحفظ بالظُّبَا ... من دينه الأَطرافَ والأوساطا
كم قد أنارَ من الأَسِنَّةِ أَنجما ... لما أثار من العَجَاج غُطاطا
стр. 632
فتخالُهُ مَلَكاً رمى بشهابه ... في الرَّوْعِ شيطانَ الحروب فَشَاطا
وله من أخرى:
شرَّدْتَهُمْ حتى لقد قَاسَوْا على ... تلك العِقَابِ أَليمَ كلِّ عِقَابِ
سِيمُوا العذابَ وذكَّرَتْهُمْ حالَهَمْ ... حِفظَاتُ أيامٍ سَلَفْنَ عِذَاب
هابُوكَ فانْذَعَرُوا ومِنْ أَعذارهمْ ... أن السَّوامَ تهابُ ليثَ الغاب
وله من أخرى:
لله أنت على أَقبَّ مُطَهَّمٍ ... نَهْدٍ بجوزاءِ السماءِ مُشَنَّفِ
ومنها:
أَضْرَمْتَ في أَكبادهمْ من بَعْدِهِ ... بالنصل نارَ تأسُّفٍ وتَلَهُّفِ
ففؤادُ ذي الجأشِ الربيطِ مخافةً ... يحكي جناحَ الطائرِ المُترَفْرِفِ
وله من أخرى:
وشرَّدَها إِشفاقُها منكَ فاغتدتْ ... ترى الأَرْضَ خوفاً وهْيَ من ضِيقها فِتْرُ
فذلُّوا كأنَّ العِزَّ ما كانَ بَيْنَهُمْ ... وصاروا كأنَّ الفقرَ عندهمُ قَبْرُ
وله من أخرى:
أَضْحَتْ لواتَهُ شُرَّداً من بأْسِهِ ... فلديهمُ سعةُ الفضاءِ مَضيقُ
لم يضربوا طُنُباً لخوفهمُ فهمْ ... مثلُ الوعولِ إذا حواها النِّيقُ
إن غابَ فيهم وجهُهُ فخيالُهُ ... ليلاً كما هو في النهار طَرُوق
لو هبَّتِ الريحُ اغتدى لسماعها ... قلبُ الشجيع القلبِ وهْوَ خَفُوق
جعلوا الهزيمةَ عنه بِرّاً إذ لهم ... لسواه في شَقِّ العِصِيِّ عُقُوق
وسمعت أن هذا ابن الصياد كان من شعراء الصالح بن رزيك. وكان سريع الخاطر في النظم لا يقف قلمه، ولا يتضع فيه علمه، ويغريه الصالح بجلسائه يهجوهم وكانوا يتعرضون به وسمعت أن ابن الحباب كان كبير الأنف وكان ابن الصياد مولعاً بأنفه قد هجاه بأكثر من ألف مقطوعةٍ وما كان يصده شيءٌ عنه حتى انتصر له أبو الفتح بن قادوس فقال فيه:
يا من يعيبُ أُنوفَنَا ... الشمَّ التي ليست تعابُ
الأَنْفُ خلقةُ ربنا ... وقرونك الشمُّ اكتساب
ابن قيصر
من أهل الاسكندرية
كان كثير المنظوم، قليل الجيد منه.
قرأت في مجموع: كتب الفقيه الرشيد أبو الحسن علي بن قيصر في جواب كتاب:
وصلَ الكتابُ فلا عَدِمْتُ يَداً ... نَثَرَتْ عليه جَوَاهِرَ الكَلِمِ
وعجبتُ كيف تَرَى لها أَثَراً ... وبنانُها يَنْهَلُّ كالدِّيَمِ
ووجدت له في مجموع شعراء ابن رزيك قصيدة فيه أولها:
الصبرُ عن بانِ الحمى وعقيقهِ ... في حقِّ ساكنِهِ أَجلُّ عُقوقِهِ
ظبيٌ ظُبَا أَلحاظِهِ فتَّاكةٌ ... تُغْنيه يومَ الروعِ عن إبريقهِ
لو قال يوم الأنس:
سيانِ عندي الخمرُ في إبريقه ... أو ما حواه ثغرُه من ريقهِ
أين هذا من قول ابن حيوس:
فعلُ المُدَامِ ولونُها ومَذَاقُها ... في مُقْلَتَيْهِ وَوَجْنَتَيْهِ وَرِيقهِ
تمام قصيدة ابن قيصر:
لا فرقَ بين خيالِهِ وَوِصالِهِ ... في سَرْد ماطِلِه وفي تحقيقهِ
ومنها:
والله ما للشمس في إشراقِها ... وضياءِ بهجتها كبعض شروقهِ
كالرِّئْمِ حالَ نفارِهِ، والبدر عند ... كمالِهِ، والغصنِ عند بُسُوقِه
لا تجعلِ الهجران بعضِ عقوبتي ... فتكلِّفَ السُّلوَانَ غيرَ مطيقِه
وارفقْ فمن دينِ المُرُوَّةِ في الهوى ... وعداته رفق الهوى برفيقه
والله ما صَدَقَ الملامُ ولا جرى ... ذا العذلُ عند ذوي النُّهَى بطريقه
كلُّ الجوارح في يديه فأَيُّها ... يُصْغي لزورِ العذل أو تنميقه
فَذَرِ الملامَ فحبذاه لذكرِه ... فيه، ملام الصبِّ في مَعْشوقه
يا راكب المَهْرِيِّ أَضحى ظلُّه ... في عُرْضةِ البَيْداء من مَسبوقه
بلِّغ إلى المَلِكِ الهمامِ أَمانةً ... تبليغُها للحرِّ من توفيقه
стр. 633
حتامَ حظِّي في الحضيضِ وإنه ... في الفضل عند الناس في عَيُّوقِهِ
مثلي بمصرَ وأنت مالكُ رِقِّهِ ... مثلُ العُقابِ مُفَرَّداً في نِيقهِ
ومنها:
والله حَلْفَةَ صادقٍ بَرٍ بها ... يُضْطَرُّ سامعُها إلى تصديقه
لو كنتُ أَرضَى الشِّعرَ خطَّةَ فاضلٍ ... لجعلتُ عِرْضَكَ روضةً لأنيقهِ
ومنها:
إنّ الحديثَ صلاحُه بصلاحِ مُنْهيه ... كذاك فُسُوقُه بفسوقِه
والصيرفيُّ يبينُ عند محكِّهِ ... كم بين خالصِهِ إلى سَتُّوقِه
ولقد أشاعَ الناس أنك في الورى ... من ليس يَنْفقُ باطلٌ في سوقه
أَبْطِلْ بنورِ العقل سلطانَ الهوى ... واعملْ بكلِّ الجهد في تَطْليقه
فأجابه الصالح بن رزيك بقصيدة منها:
نفق التأدُّبُ عندنا في سُوقِهِ ... وبدا اليقينُ لنا بلَمْعِ بروقهِ
أَهدى ليَ القاضي الفقيهُ عرائساً ... فيها بديعُ الوشي من تنميقه
فأجلْتُ طَرْفِي في بديعِ رياضه ... من ورده وبَهارِهِ وشقيقه
فكأنما اجتمع الأحبّةُ فانبرتْ ... يدُ عاشقٍ تهْوِي إلى معشوقه
أَدَبٌ سعى منه إلى غاياتهِ ... وأَتى فَسَدَّ عليه مَرَّ طريقه
ولقد علمتُ بأن فضلَكَ سابق ... يُعْتَدُّ مَنْ جاراهُ مِنْ مَسْبوقه
فلذا اقتصرتُ ولم أَرَ الإِمعانَ في ... شأوِ امرىءٍ أصبحتُ غيرَ مطيقه
وأَرى الزمان جرى على عاداته ... في جمعه طوراً وفي تفريقه
والشوقُ في قلبي تضرَّمَ وهْجُهُ ... فمتى أراه يكفُّ عن تحريقه
والدمعُ من عيني يَسُحُّ فهل يُرَى ... من بحره يوماً نجاةُ غريقه
نَزَّهْتُ في بستانِ نظمك ناظري ... فَحَظِيتُ من زَهْرِ الرُّبَى بأنيقه
يات من تَدُلُّ فنونُ ما يأتي به ... من حَلْيِ مَنْطِقِه على توفيقه
أنت امرؤٌ مَن قال فيك مقالةَ ... الغالي فكلُّ الخلقِ في تصديقه
وأَنا أَرَى تقديمَ حاجةِ صاحبي ... من دون حاجاتي أَقلَّ حقوقه
وكذا الكريمُ فمهمِلٌ لأموره ... لا مُهمِلٌ أبداً أُمورَ صديقه
هذا النجاحُ، فكل ما قد رُمْتَهُ ... قد تمَّ فانظرْ منه في تحقيقه
محمد بن هانىء
هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مفضل الأزدي الأندلسي موضعه مع شعراء الأندلس واتفق إيراده ها هنا وينسب إلى ابن هانىء المغربي الأندلسي.
كان في العصر الأقرب، وهو معروفٌ بالنظم المهذب، وتوفي في آخر أيام الصالح بن رزيك قبل سنة ستين، على ما سمعته من المصريين، وطالعت ديوانه بمصر فنقلت منه ما انتقدته، وعقلت ما عقدته، ونسخت ما نسخ السرح، ونسج الزهر، وانحلت العقود الصحيحة لنسيم شمال أسحاره، وتمثلت العقول الصاحية لتسنيم شمول عقاره. ووجدت له على قافية الهمزة من قصيدة:
سَدَلَتْ غدائرَ شعرِها أَسماءُ ... وَسَرَتْ فما شَعَرَتْ بها الرُّقَبَاءُ
والليلُ تحت سَنَا الصباحِ كأَسودٍ ... وَضَحَتْ عليه عِمَامةٌ بيضاء
زارتْ نُعَاماها وزارَ خيالها ... فتيمَّمَتْ بكليهما تَيْماءُ
ومشتْ تميس يجرُّ فضلَ ذيولها ... دِعْصٌ يميلُ، وبانةٌ غَنَّاء
هُنَّ المها يحوي كناسُ قلوبنا ... منهن ما لا تحتوي السِّيراءُ
يُوحِشْنَ أفئدةً وهنَّ أَوانِسٌ ... ويرُعْنَ آساداً وهنّ ظباء
وتحولُ دون قبابها هنديةٌ ... بيضاءُ، أو يَزَنِيَّةٌ سمراء
ومنها في المخلص:
لأُمَزِّقَنَّ حشا الدُّجُنَّةِ نحوها ... والليلُ قد دَهِمَتْ به الدهْناءُ
في متن زنجيِّ الأَديمِ كأنما ... صَبَغْتهُ مما خاضَها الظلماء
стр. 634
وكأن محمرَّ البروقِ صوارمٌ ... سُفِحَتْ على صفحاتِهِنّ دماء
أَو يَثْنِيَنِّي لا أَزورُ خيامَها ... ولأَسعدَ القاضي الأشمِّ مضاء
ومنها في المديح وتقريظه بالقضاء:
قاضٍ له دِينٌ وصدقُ شهادةٍ ... ذو الجاه فيها والضعيفُ سواءُ
وعدالة حُفِظَتْ بعقلٍ راسخٍ ... لا تستميلُ جنابَهُ الأَهواء
وله من أخرى أولها:
لمن الآنساتُ وهْيَ ظِباءُ ... واليعافيرُ حُجْبُها السِّيَرَاءُ
والشموسُ التي لويْنَ غصوناً ... لَمْ تُرَنِّحْ خصورَها صَهباءُ
فاختفَى في القُدودِ أَرْيٌ ورَاحٌ ... وبدا في الخدود نارٌ وماء
تنثني قامةً وتَجْرَحُ طَرْفاً ... فهْيَ للسَّمْهَرِيَّةِ السَّمْراءُ
طَرَقَتْ والكَبَاءُ والمندلُ الرطبُ ... عليها وحَلْيها رُقَبَاء
ومنها:
ودُوَيْنَ الفتاةِ أبيضُ رقرا ... قُ الحواشي ولأْمَةٌ خَضْرَاء
وفتى لاحَ فوق أدهمَ نهدٍ ... قمراً في عنانه ظلماءُ
وكماةٌ تجلو الأسنَّةَ شُهْباً ... ودُجَاهَا العَجَاجَةُ الشَّهْبَاءُ
تصدُرُ المرهفاتُ عن مورد الها ... مِ كما ضرَّجَ الخدودَ حَيَاءُ
يا لحى اللهُ ريبَ دهرٍ خؤونٍ ... سادَ فيه كرامَهُ اللؤماء!
وزماناً نحبُّه! فكأنا ... حِين يَسْطُو بنا له أعداء
ومنها في المخلص:
بالعلا يُعْرَفُ الكرام ولكنْ ... عُرِفَتْ بالمُوَفَّقِ العلياءُ
ماجدٌ لو عَرَا اللّيَاليَ داءٌ ... كان في رأيه لهنَّ شفاء
راحةٌ لا تُرَاحُ من هَدْمِ جُودٍ ... ببنانٍ لها المعالي بناء
هدم الجود ليس بتقريظ، وإنما المدح لو قال من هدم المال بالجود.
فهو والدهرُ حِنْدِسيٌّ بهيمٌ ... غُرَّة في جبينه زَهْرَاء
ولو ان الصّبَا لها منه عَزْمٌ ... نَهضَتْ بالجبال وهْيَ رُخَاء
طَوْدُ حِلْمٍ رَسَتْ به الأرضُ لمَّا ... شمخت منه ذِرْوَة شَمَّاءُ
ومنها:
ذكرُكَ الراحُ والمُذَكِّرُ ساقٍ ... وكأنَّ المسامعَ النُّدَمَاءُ
فإذا ما أُديرَ حمدُك صِرْفاً ... هزَّ أَعطافنا عليك الثناء
وله في جارية رقاصة:
ولطيفةٍ في الرقص يُعْطَفُ قَدُّها ... كتعطُّفِ اليَزَنِيَّةِ السمراءِ
تختصُّ بالحركات منها سرعةٌ ... كتخصُّصِ الأرواح بالأعضاء
خَفَّتْ فلو رقصت بأعلى لُجَّةٍ ... ما بلَّ أخْمَصَها حَبَابُ الماءِ
وله
وأَغْيَدَ خدُّه يَنْدَى فيجري ... على وَرْدِيِّهِ الدرُّ المذابُ
صفا ماءُ الشبابِ بِوجْنَتَيْهِ ... فلاحَ عليه من عَرَقٍ حَبَابُ
وله في الأوصاف:
نديمي أَفِقْ فالفجرُ قد لاح ضوءُهُ ... كما سَالَ نَهْرٌ أو كما سُلَّ مِقْضَبُ
وذا فلكٌ ساقٍ يديرُ كؤوسَهُ ... نجوماً إذا وافَتْ فمَ الغَرْبِ تُشْرَبُ
وقد شاخض زنجيُّ الدُّجى والذي بدا ... به من هلالٍ حاجبٌ لاحَ أَشْيَبُ
وله من قصيدة:
أَوْدَعُوا الزُّهْرَ حُدوجاً وقبابا ... وسَرَوا في شَعَرِ الليلِ فشابا
ولوى الطرفُ سناهُمْ فانبرى ... يحسب الجُرْدَ اليعابيبَ الرِّكابا
صيَّرُوا الجنح سَنَا الصبح وما ... سَفَرُوا عن غُرَرِ الغيدِ نِقَابا
إذ توارى الفجرُ بالليلِ كما ... وَلَجَ السيفُ اليمانيُّ القِرَابا
وَحَنى قوسَ هلالٍ رُبَّما ... طَرَدَتْ سهماً رأيناه شهابا
إنَّما ودَّعَ قلبي جَلَدِي ... يوم ودَّعْتُ سُلَيمى والرَّبابا
ومنها:
حُجِبَتْ في نورها وَجْنَتُها ... فرأيتُ الشمسَ للشمس حِجَابا
وَجْنَةٌ حمراءُ تَنْدَى عرقاً ... مثلما رَقْرَقَتِ الراحُ الحَبَابَا
стр. 635
نفختْ ريحُ الصبا جَمْرَتَها ... فانبرتْ تُظْهِر في الماء التهابا
وجرى الصُّدْغُ على أَوَّلِها ... مثلما طرَّزْتَ بالسَّطْرِ الكتابا
وله في العذار:
وأَسمرَ ذَنْبي للعواذلِ حُبُّهُ ... وذلك ذنبٌ لست منه بتائبِ
عُذِلْتُ على حُبِّي له حينَ ذَبَّلَتْ ... له الشفةُ اللمياءُ خُضْرَةَ شارب
وقد كنتُ أَهوى الحاجبين الَّلذَيْ لَهُ ... فكيف وقد صارتْ ثلاثَ حواجب
وله
أَلا كلُّ شيءٍ للأنامِ مُحَبَّبٌ ... إِليَّ بغيضٌ، والحبيبُ حَبيبُ
أما عجباً أن هام فيه رقيبُهُ ... وأَني على ذاك الرقيبِ رقيب
ومما برى جسمِي وأَرَّق ناظري ... وعلَّمَ قلبي فيه كيف يذوب
حبيبٌ اراه سائغاً، كلَّ ساعةٍ ... ينال سوايَ وصلَهُ وأَخيب
فوا أسفا لي إِنني ليثُ غابةٍ ... ويظفَرُ دوني بالفريسةِ ذيبُ
وله من قصيدة في أثنائها:
أَغارُ على ذيلها بالصَّبَا ... إذا شمَّرَتْ منه ما سحَّبَا
وأخشى على جَمْرَتَيْ خَدِّهَا ... بِمَرِّ النواسمِ أن تُلْهَبَا
تَعَالَى النقابُ سنا وجهه ... فخِلْتُ النقاب به نُقِّبَا
وما احمرَّ من صبغةٍ لونُهُ ... ولكن بوجنتها خُضِّبَا
مشى وهْو في خدِّها عقرباً ... فمثَّلَ في وردةٍ عقربا
سقى اللهُ ليلتنا بالعُذَيْبِ ... غمائمَ من أَمْنِه عُذَّبَا
فكم بتُّ بين مِراحِ الظباءِ ... تجاذِبُني، وصفاحِ الظُّبَا
وقد لاح لي بدرُهَا مَشْرَعاً ... لَمَحْتُ على مائه طُحْلُبَا
إلى أَنْ جَرَى صُبْحُها أَشقراً ... فطاردَ من فجره أشهبا
ولاعبَ فضِّيَّ بَرْدِ الغما ... م برقٌ فصيَّره مُذْهَبا
ومنها:
ويمنعُ شمسَهُمُ أَنْ تلوحَ ... عجاجُ الوغى ودُخان الكَبَا
وله من قصيدة:
زادَ العقيق بخدٍ غيرِ مُنْتَقِبِ ... قاني الغلالَةِ كالهنديِّ مُخْتَضِبِ
بدرٌ تَمَزَّقَ عنه الليلُ حين سرى ... كذلك البدرُ يَسْري غَيْرَ محتجب
ذو غُرَّةٍ قُنِّعَتْ بالحسن من قَمَرٍ ... ولَبَّةٍ قُلِّدِتْ بالحَلْي من شُهُب
خدٌّ أَلَمَّ لريعانِ الشبابِ به ... سحرٌ تدرَّعَ فيه الماءُ باللهب
ومنها في المخلص:
لا تُصْغِرَنِّي لكونِ الجسم مُغْتَرِباً ... فإنَّ في الجسم عقلاً غيرَ مُغْتَرِب
يَغْنَى اللبيبُ بعقلٍ منه عن فِطَنٍ ... حيث استقرَّ وعن أُمٍ له وأب
وهل أَخافُ من الأيام نائبةً ... وللسديد يدٌ تَسْطُو على النُّوَبِ
ومنها في المدح:
لو كنتَ إذْ تُوزَنَ الأعمالُ سائِلَهُ ... ما حازَ من صالح الأَعمالِ لم يُجِبِ
يا مُبْغِضَ الذَّهَبِ المحبوب راحته ... حتى كأَنَّ ذهابَ الحَمْدِ في الذهب
وله في العذار من قطعة:
ولما أَشاعَ الحبُّ في الناس مِلَّةً ... وقادَ قلوباً كيف شاء وأَلْبَابا
جلا الحُسْنُ للعشاق وَجْهَكَ قِبْلَةً ... وصوَّر فيه من عِذَارَيْكَ مِحْرابا
وله من قصيدة:
تلكَ البدورُ العامِريَّاتُ ... لها من الأَنْصُلِ هَامَاتُ
بدورُ أَسدافٍ تَثَنَّى بها ... في السَّيْرِ قُضْبٌ بَشَرِيَّات
تشكو نواهنَّ قلوبٌ وما ... لها سواهُنَّ سماوات
كِدْنَ يَكِدْنَ القُضْبَ لو بُدِّلَتْ ... أَوْراقُهُنَّ الذهبيَّاتُ
كلُّ عقيقيَّةِ خَدٍ لها ... فروعُ فَرْقٍ سَبَجِيَّات
ومنها:
ويُرْعَشُ الرِّدْفُ كأنَّ الذي ... لاعَبَهُ منهنَّ حَيّاتُ
يا شَرَكاً صيدَ بها طائرُ القَلْبِ ... أَما منكنَّ إفلات
стр. 636
كمْ فتكتْ بي يومَ جِزْعِ اللِّوَى ... بيضٌ وأنتُنّ الحمالات
أَسْنى من الصبح على ناظري ... لو أَنَّكُنَّ الحَلَكِيَّاتُ
ومنها:
حَمَلْتِ جسماً خلتُهُ سائلاً ... إذْ مَوَّجَتْ عِطْفَيْهِ لَبّاتُ
رفَّ به العَصْبُ اليماني كما ... رَفَّتْ على الماء خميلات
كأنما أنمله طُوِّقَتْ ... أَسِنَّةُ الطعن خَضيباتُ
هل تخبرينا والهوى صارمٌ ... لنا به عندكِ ثارات
بأيِّ ذنبٍ خُضِّبَتْ من دمي ... تلك البَنَانُ العَنَمِيَّات
كيفَ ترومينَ دماً لم تَزَلْ ... تَعْجزُ عنه اليزنيات
ومنها في الافتخار:
يرمي بها المَعْرَكَ مني فتى ... تَرْهَبُ ذكراه المَنِيّات
يُقْدِمُ في الموتِ كما أَقْدَمَتْ ... على النَّدَى منه سَجِيَّاتُ
إِنْ لم تكنْ ذي الأريحياتُ لي ... لِمَنْ تكون الأريحياتُ
لو أنَّ لي في الدهر من قوةٍ ... دَرَتْ عُفَاةٌ ما المُرُوَّاتُ
والدهرُ إِنْ أَذْهَبَ قُوتِي فَلِي ... من جُود إسماعيلَ أَقْوَاتُ
وله من قصيدة مطلعها:
لنا بين بطنِ الواديين مُعَرَّجُ ... بحيثُ الغَضَاريَّانُ والظلُّ سَجْسَجُ
وفي ملتقى ظلِّ الأَراكِ ومائِهِ ... نسيمٌ بأنفاس الرُّبَى يتأَرَّجُ
وتصفيقُ أَمواهٍ لرقصِ أَمالدٍ ... عليهن أصواتُ الحمائمِ تَهْزِجُ
وقد نَسَجَ النُّوَّارُ بالغيم أَبْرُداً ... ولم أَحْسَبِ الأَبرادَ بالغيم تُنْسَج
ودارَ على الأَغصانِ زَهْرٌ كأنها ... قدودٌ عليهن المُلاَءَ المُدَبَّجُ
خليليَّ من قحطانَ هاجَ لِيَ الأَسى ... حمامٌ بأَفْنَانِ الغصونِ مُهَيَّج
ومنها:
أَحِنُّ إلى البرقِ اليمانيْ لأَنَّه ... كقلبيَ خفَّاقُ الجناحِ مُوَهَّج
وقد ضَرَّجَ الدمعَ الذي كان ناصعاً ... بعينيَّ، خدٌّ بالحياءِ مُضَرَّج
بدا في بياضٍ للشبابِ وحُمْرَةٍ ... كأنَّ عليه النارَ بالماء تُمْزَج
فأما سوادُ القلب مني فَحَازَهُ ... من الغادةِ الحسناء وسْنَانُ أَدْعَج
ومنها:
وليلٍ تركتُ البرقَ خَلْفِيَ عاثراً ... وتحتَ غُباري راشحُ العِطْفِ دَيْزَجُ
ولا ناصرٌ إلا قناةٌ وصارمٌ ... ولا صاحبٌ إلا فتاةٌ وهَوْدَج
وقد لَمَعتْ زُرْقُ الأَسنَّةِ أَنجماً ... وما إِنْ لها غيرُ القنا اللَّدْنِ أَبْرُج
فأيقظَ جفنَ الحيِّ منِّيَ صاهلٌ ... وَرَوَّعَهُ شَخْتُ الصفيحين أَبلَجُ
وقالت هزبرُ الغابِ زارَ خيامَها ... وما زارها إلا كَمِيٌّ مُدَجَّجُ
وأَسمرُ مَيَّادٌ وَعَضْبٌ كأَنما ... يلوحُ عليه الزِّئْبَقُ المُتَرَجْرِجُ
ومنها في المخلص:
أتَأْنَفُ أَن نَسْرِي إليها بصافنٍ ... إلى جودِ إسماعيلَ يَسْرِي ويُدْلجُ
وله
وَمُزَنَّرٍ كالصبحِ يحمل لِمَّةً ... سحماءَ مظلمةً كليلٍ داجِ
يجلو الامَ بكأسه فكأنما ... يَسْعَى على نُدَمائهِ بِسرَاجِ
وله
ومهفهفٍ لما رآنيَ ناظراً ... منه إلى وجهٍ كضوءِ صباحِ
أَهْوَى لمبسمه البنانَ مُسَلِّماً ... فكأَنما أَوْمَى لقَطْفِ أَقَاح
وله من قصيدة في الأوصاف والتشبيه
قلْ لنسيمٍ زار عندَ الصباحْ ... من حَلَكِيَّاتِ الرُّبَى والبِطاحْ
عرِّجْ على جسمٍ كأن الضَّنَا ... عِقْدٌ عليه وهْو فيه نِصَاحْ
أَما ترى النجمَ لُجَيْناً وقد ... كان قُبَيْلَ الصبحِ تِبْراً صُرَاحْ
والفجرُ قد مدَّ خليجاً فلو ... تنكسرُ الظلماءُ عنه لساح
стр. 637
كأَنَّما شمَّرَ عن مِعْصَمٍ ... مُخَضِّبٍ راحتَهُ بالصَّبَاحْ
كأنما الروضُ بإشراقِهِ ... وجهُ كريمٍ فوْقَهُ البشرُ لاح
كأنما نرْجِسُهُ مَحْجِرٌ ... ضاعَ عليهِ نومُهُ حين طاح
كأنما جاذَبْنَ من دَوْحِهَا ... ذوائبَ الأغصان أَيدي الرياح
كأنَّ أَعطاف أَماليدها ... رنَّحها الغَيمُ بكاساتِ راح
ومنها:
كأنما الآسُ على ورْدهِ ... سُمْرُ العوالي وخدودُ المِلاحْ
كأنما الجدولُ نشوانُ لا ... ينفكُّ من نشوته غيرَ صاح
منها:
كأنما السُّحْبُ رعالٌ بها ... للخيلِ في كل مَغَارٍ جِماح
كأنَّ أَطرافَ بروقٍ هَفَتْ ... راياتُ صُفْرٌ ومواضٍ صِفاحْ
كأنما الرعد كَمِيٌّ سَطَا ... على كميٍ ولَّى فصاح
كأنَّما الديمةُ مُنْهَلَّةً ... يمينُ إِسماعيلَ يومَ السماح
وله من أخرى:
أَشاقَك باللِّوَى بَرْقٌ أَلاَحا ... فجُنَّ به جَنَانُكَ حين لاَحَا
هفا هفوَ اللواءِ الوَرْدِ أَرْخَى ... ذوائبَهُ فلاعَبْنَ الرياحا
كأن البرقَ في الظلماءِ سِرٌّ ... تَضَمَّنَ غيرَ كاتمِهِ فباحا
وقاسمني صَدُوحُ البَانِ شَجْوِي ... فأجريتُ الدموعَ لهُ وناحا
ومنها في الخروج إلى المدح:
وكم تَعِبٍ بزورةِ ذي نَوَالٍ ... ولو زارَ المُوَفَّقَ لاسْتَراحا
ومنها في المدح:
وبين بَنَانه والفَيْضِ خُلْفٌ ... وما نرجو لخُلْفِهِمَا اصطلاحا
وله في الخمر:
قم فاسْقِني والغربُ يطوي ليلَهُ ... والشرقُ ينشرُ رايةَ الإصباح
شَفَقاً عَلاه من المِزاجِ كَواكبٌ ... لكنه شَفَقٌ دَعَوْهُ براحِ
حلَّ المزاجُ بها فَشَعْشَعَ نورها ... فعلَ السَّلِيطِ بشعْلَةِ المصباحِ
وله في ذم صاحب:
يا ربِّ أنت مَلأَتَ عَقْد مصاحبي ... سَقَماً فهل سَبَبٌ إلى تصحيحهِ
فبما جعلتَ الطَّوْدَ يُشْبِه ثِقْلَه ... في روُحه بل رأْسَه في ريحه
فاجعل ثقالةَ روحهِ في عقلهِ ... الخاوي وخفَّةَ عقلِهِ في روحهِ
وله في مليح:
لئن أَذْلَلْتَ خَدَّكَ وهْو ليلٌ ... فلِمْ أَعززتَ وجهك وهْو صبحُ
وكانت مسْحَةٌ للحسن فيه ... فصار من العِذار عليه مَسحُ
وله من قصيدة مطلعها:
نسيمٌ سرى والفجرُ يَنْضُو مُهَنَّدا ... فَقَلَّدَ جِيدَ الغصن من جَوْهرِ النَّدَى
ومنها:
وخِلْنَا الصَّبا حاكَتْ من النَّهر لأْمَةً ... وهزَّتْهُ هنديّاً وصاغَتْهُ مِبْرَدَا
فلله نشوانٌ بغيرِ مُدَامَةٍ ... قويمٌ فلولا النطقُ خِلْناهُ أَمْلَدا
سقاه براحِ الحسن راحُ شبابهِ ... فعربدَ من أجفانه وتأَوَّدَا
ومنها:
وشبَّ بماءِ الراح نارَ مُدامةٍ ... فذوَّبَ في الطَّاسِ اللجينيِّ عَسْجَدا
جلاها عروساً عاطلاً فتَخَفَّرَتْ ... فقلَّدَها بالمَزْجِ مما تقلَّدا
ومنها في الأوصاف والتشبيهات:
وليلٍ دجوجيِّ الجناح كأنما ... أُمِدَّ بموجِ البحر أو صار سَرْمَدَا
كأنّ الثريا فيه للبدرِ عاشقٌ ... يَمُدُّ إِلى توديع محبوبهِ يَدَا
مَرَقْتُ به في مَتْن أَدهم صاهلٍ ... أَغَرَّ إذا أَبْرَقْتُ بالسيف أَرْعَدا
كأن الذي في وجهه وإهابه ... ظلامُ ضلالٍ فيه ضوءٌ من الهدى
وله من قصيدة خببية:
ما البرقُ يلوُ توقُّدُهُ ... ترتاعُ فليلُكَ سَرْمَدُهُ
يَهفو في مَتْن غمامته ... كالجحفلِ تَخْفُقُ أَبْنُدُه
والغيهبُ كالزنجيِّ سَطَا ... وبياضُ الصبحِ مُهَنَّده
ومنها:
أَرْدَى بالصارِم أَحْوَرَهُ ... وسطا بالضيغمِ أَغْيَدُهُ
ومنها:
стр. 638
أبصفحةِ خدِّك طُلَّ دَمِي ... فتعصفَرَ منه مُسَوَّدُهُ
أم لحظُك أُدْرِج في كبدي ... فسوادُ جَنَاني إِثْمدهُ
ومنها في المخلص:
ما بالُ زماني يُجْهدني ... وأَذُمُّ عُلاي فأحْمَدُهُ
وإذا لم يُغْضِ أخو جَلَدٍ ... للجود فأَين تجلُّده
أيجورُ الدهرُ على بَشَرٍ ... وندى ابنِ سلامةَ يَعْضُدُهُ
ويلين الحقُّ على أَحدٍ ... وبإسماعيلَ تَشَدُّدُه
يختالُ الدين لئن رُتِقَتْ ... بمعالي المخلصِ أَبْرُدُه
ومنها:
لو أنّ الدهرَ له كَلِمٌ ... لَتكَلَّم أنَّكَ أوْحَدُه
وله من قصيدة:
أَدِرْهَا كما مَجَّ النَّدَى وَرَقُ الوَرْدِوأَشْرَقَ جِيدُ الجُود في لُؤلُؤِ العِقْدِ
حبابٌ على صهباءِ راحٍ كأنَّهُ ... فُتاتٌ من الكافور في العَنْبر الوَرْد
تَخَيَّلْتُها مصروعةً في مِزَاجها ... بما مَلأَتْ فاها من الزَّبَدِ الجَعْد
كَواها سِنانُ الماء طعناً فَدُرِّعَتْ ... مخافةَ عَوْدِ الطَّعْن بالْحَبَبِ السَّرْد
نَجِيعيّةٌ حمراءُ ضُمَّ زجاجُها ... عليها كم ضُمَّ النقابُ على الخطِّ
إذا قرعَ الإبريقُ جاماً تَطَايرَتْ ... كما طارَ بالقَدْح الشَّرارُ من الزَّنْدِ
لها لَمعانُ البَرْقِ والكأسُ دونها ... غمامٌ وللإبريق قَعْقَعَةُ الرَّعْدِ
ومنها:
وغِمْدِ زُجاجٍ من بَنَاني نجادُهُ ... لسيفِ مدامٍ لا يَمَانٍ ولا هِنْدِي
نُجَرِّدَ منه كلَّ ماضٍ مُخَضَّبٍ ... وما سُفِحتْ منه دماءٌ على حِقْد
إِذا جالَ فيه جوهرٌ من حَبَابهِ ... وسُلَّ كما سُلَّ النِّجارُ من الوَغْد
نقلناه للأَجسامِ منَّا كأنما ... تضايقَ في غِمْدٍ فَرُدَّ إِلى غمد
يشق جيوبَ الليل عنَّا اتّقادُهُ ... كما شَقَّ ذُو الثُّكْلِ الحدادَ على الفَقْدِ
ومنها:
غزالٌ لوَرْدِ الكأس في نُدَمائِهِ ... إِذا ما سقاها بطشةُ الأَسَدِ الوَرْد
تثنتْ به راحُ الصَّبا تحتَ بُرْده ... وَهُزَّ فخلنا نشوةَ الراح بالبَرْد
وأَبْدَى من الجَمْر المُضَرَّمِ وَجْنَةً ... وقام من الماءِ الزُّلال على قَدِّ
وأبقى عبيرَ الخدِّ مسكُ عِذارهِ ... كما احمرَّ بُرْدٌ شُقَّ عن نَحْرِ مُسْوَدِّ
وحار سوادُ القلبِ في نارِ حُبِّه ... فكان الذي أُخفيه مثلَ الذي أُبْدي
وظلَّ يُسَقِّي كلَّ ذي صَفْوَةٍ أخٍ ... بأَصْفَى وأَحلى من لَمَاهُ ومن وُدِّي
ومنها في المديح:
ولا يمنعُ المعروفَ عن مُسْتَحِقِّهِ ... كمن يَحْجُبُ الحَيْرَانَ عن طُرُق الرشد
ومنها:
إذا خانتِ الأَيدي حبالٌ تَمَسَّكُوا ... بحبلٍ إلى السرِّ الإلهِيِّ مُمْتَدِّ
ومنها في وصف كتابته وبراعته:
عجبتُ لطِرْسٍ منك لم يَغْدُ مُحْرِقاً ... وقد حُلَّ مما شَبَّ فِكْرُكَ من وَقْدِ
ومن أَلْسُنٍ إن قلتَ كلَّتْ كأنما ... جَمَدْنَ بما في نظمهنَّ من البَرْدِ
ومنها في وصف صداقته:
ونعمَ خليلُ المرءِ مثلي يَرَى الذي ... صَفَا من وداد الخلِّ أَغْنى من الرِّفْدِ
إذا لم أَجِدْ عند الصديقِ تجلُّداً ... على حَمْلِ ثقْلي كانَ واجِدَهُ عندي
وله في وصف مغنيين:
ومُغَنِّيَيْنِ يُقَرِّبَان لذي الهوى ... ما شئتَ من مَغْنَى الهَوَى المتباعِدِ
نَطَقَا لنا بلطافةٍ وتوافُقٍ ... فكأنما نَطَقَا بصوتٍ واحد
وله من قصيدة في القاضي يحيى بن قادوس:
أَمِنَ الأَهِلَّةِ والشموسِ خدودُ ... ومن الذوابل والغصونِ قُدُودُ
وعلى معاطفِ كلِّ أَهْيَفَ ناعمٍ ... من مثل ما نَسَجَ الربيعُ بُرُود
стр. 639
أغصانُ بانٍ ما تميدُ بها الصَّبَا ... وتمرُّ أَنفاسي بها فتميد
ومنها:
مُقَلٌ يُضِئْنَ من الجفون كأنها ... بيضُ الصوارمِ والجفونُ غُمودُ
أحداقُهُنَّ الزُرْقُ زُرْقٌ لُمَّعٌ ... يومَ الكفاح، وسودُهُنُّ أُسُود
لولا دماءُ العاشقين شَفَحْنَها ... ما احمرَّ في وَجَناتها التَّوْريد
لم أَدْرِ قبلَ شفاهها وثغورِها ... أَنَّ الشقائقَ حَشْوُهُنَّ عقود
ومنها:
وارْفَضَّ من عَرَق الحياءِ جُمانُهُ ... فتقلَّدَ الدُّرَّيْنِ منها الجيدُ
رقَّتْ معاقدُ أزْرِه فكأنَّما ... تلكَ المعاطفُ ما بها تَجْسِيد
نشوانُ تجرحُ مقلتاه قلوبَنَا ... فهو النزيفُ وَلَحْظُهُ العِرْبيد
ومنها في المخلص:
إنْ كان مذمومَ الأَذِمَّةِ في العُلا ... زمنٌ فمحمودُ العُلا محمودُ
وله من قصيدة:
أَما وقوامِ الأَمْلَدِ المتأَوِّدِ ... يجاذبُ من أَعْطَافِهِ دِعْصُهُ النَّدِي
لقد رَقَصَ البانُ المُرَنَّحُ بالصَّبَا ... فغنَّتْ له الأطيارُ أَلحانَ مَعْبَدِ
ومنها في وصف فرس:
وكائِنْ أخوضُ الليل من مِثْلِ شعرها ... إِليها على رَخْوِ العنانين أَجْردِ
كأن عقيقاً جسْمُهُ وكأنما ... سنابِكُهُ مخلوقَةٌ من زبرجد
كأن خدودَ الغانيات أَعَرْنَهُ ... من الحسن ما في كل لونٍ مُوَرَّدِ
حَمَلءتُ بها سمراءَ خَطٍ لو انَّها ... رأتْها قدودُ البان لم تتأوَّدِ
وعَضْباً صقيلاً مازجَ النارَ ماؤُه ... عليه فلم تَخْمَدْ، ولم تَتَوقَّدِ
مضاربُهُ تُسْدِي وتُرْدِي كأَنَّمَا اسْ ... تَعَرْنَ خلالاً من سجايا مُحَمَّدِ
وله
يا أَمْيَسَ الأَغصان من أَوراقهِ ... بُرْدُ الحرير مُحَبَّرٌ واللاَّذُ
مَهْلاً على دَنِفٍ تُقَدُّ بصارم ... اللَّحَظَات منه لقلبهِ أَفْلاذ
أَفنى مدامِعَه عليكَ تأسفاً ... مذ بِنْتَ دَمْعٌ وابلٌ ورَذَاذُ
وأَلانَ حُبُّكَ منه قلباً قاسياً ... كالنارِ لانَ لحرِّها الفولاذُ
وقال من قصيدة مطلعها:
سَفَرْنَ ووجهُ الصبح يلتاحُ مُسْفراً ... فكنَّ من الإِصباح أسْنَى وَأَنْوَرَا
ومِسْنَ كأغصانِ الخمائلِ بُدِّلَتْ ... من الزَّهَرِ الفَيْنانِ وَشْياً مُحَبَّرَا
أَبَحْنَ لعشَّاقٍ خدوداً دَوَامِياً ... ولكن حماها كلُّ وَسْنَانَ أَحْوَرَا
وَجَرَّدْنَ حُمْرَ اللثْم عنها وإنما ... شَقَقْنَ عن الورد الشقيقَ المعصفرا
ومنها:
وكم نمَّ عنها في الدُّجَى نَفَسُ الصَّبَا ... فبتنا نخالُ الليلَ مِسْكاً وَعَنْبَرا
وكم أرهفتْ عِطْفاً فلو خيزرانةٌ ... تميل بِعطفٍ مَيْلَها لتكسَّرَا
ترى خَصْرَها يَعْيَا بحمل وشاحها ... ويحملُ من كُثْبَانِ يَبْرِينَ أعْفَرَا
ومنها:
وليلٍ ركبنا منه أدهَمَ حالكاً ... فصارَ بنور الفجرِ أبْلَجَ أشْقَرَا
إلى أنْ أَطَلَّ الفجرُ فيه كأَنه ... حسامٌ تلالا أو خليجٌ تفجَّرا
وفضَّضَ نورُ الصبح تبرَ نجومِه ... فَدَرْهَمَ للظلماءِ مِرْطاً مُدَنَّرا
وللمزنةِ الوطفاءِ دمعٌ كأنما ... يَمُدُّ على البطحاء بالنور أَعْقَرا
وخلنا لشخصِ الريح راحاً وأنْمُلاً ... تحوكُ على زرق المياه السَّنَوَّرا
ومنها في المخلص:
أسافحةً منا النجيعَ مُحَجَّراً ... متى أصبَحَ السيفُ اليمانيُّ مَحْجِرَا
ألا فاغمِدي صمصامَ لحظٍ سَلَلْتِه ... كما سَلَّ رضوانُ الحسامَ المظفَّرا
مليكٌ له عَضْبٌ إذا شامَ بَرْقه ... رأيتَ المنايا بين غَرْبَيْهِ جَوْهرا
стр. 640
عَلَتْ ماءَهُ نارٌ فلولا التهابُها ... لسالَ ولولا ماؤهُ لتَسَعَّرا
وأرْهَفَهُ حُبُّ الطُّلاَ فَهْو ناحلٌ ... ولولا وصالٌ دائمٌ دقَّ أن يُرَى
وكان يقودُ الخيلَ يَعْثُرْنَ بالظُّبا ... فينفُضُها في مُقْلةِ الشمس عِثْيَرا
ولولا النجيعُ المُنْهَمِي في مجالها ... صَبَغْنَ سوادَ الليل بالنَّقْع أَغْبَرا
ومنها:
يضمُّ كريماً منهمُ كلُّ سابغٍ ... فتلمحُ غدراناً تَضَمَّنُ أَبْحُرَا
ومنها:
فقلْ لملوكِ الرومِ أين فِرارُها ... إذا مَلِكُ الإسلامِ في الله شَمَّرَا
وكيف تنال البعضَ من غَمْضَها وقَدْ ... سَرَى رُعْبها فيها سنينَ وأَشهُرَا
ومنها في صفة القلم والرمح:
سَطَوْتَ بعسَّالَيْنِ في كلِّ مُشْكِل ... أَرَتْنا صفاءَ العيش لما تكدَّرا
يراعانِ هذا يملأُ الطرسَ حكمةً ... وذاك يُذيقُ الحتف ليثاً غَضَنْفَرا
وإنْ ظَمَأٌ أضناهما يَرِدَا على ... نفوس العِدَا من غير إذنٍ ويَصْدُرَا
فيشربُ هذا أسودَ الليلِ حالكاً ... ويشرب هذا قانىءَ الدَّمِ أَحْمَرا
وله من أخرى:
لعلّ نسيمَ الروضِ من خَلَلِ الزَّهْرِ ... يصافِحُنِي بين الخميلة والنَّهْرِ
فقد شابَ زنجيُّ الدجى حين أشْرَقَتْ ... على عَنْبرِ الظلماءِ كافورةُ الفَجْرِ
وسال نَدَى مُزْنٍ على أُقْحُوَانةٍ ... كما جال رِيقٌ من حَبيبٍ على ثَغْر
وما لاحَ دُرٌّ فوق وَشْيٍ وإنما ... ترقرقَ دمعُ الطلِّ في مُقَلِ الزهر
وفوق احمرارِ الوردِ رَشْحٌ كأنما ... متونُ الخدودِ الحمر طُرِّزْنَ بالعُذْر
فلله روضٌ لَفَّ أَطرافَ دوْحِه ... مُلاءةُ نُورٍ حاكها راقمُ القطر
وسندسُ نبتٍ تحت زهرٍ كأنه ... جناحُ ظلامِ الليل كُلِّلَ بالزهر
وأوراقُ آسٍ زعزعَتْ من غصونها ... قدودُ حسانٍ مِسْنَ في حُلَلٍ خُضْرِ
شَموليَّةُ الأَمواهِ معلولةُ الصبا ... غُلاَميّةُ الأعطاف مِسْكيةُ النَّشْرِ
مذانبها زُرْقُ النطافِ كأنما ... معاطِفُهُنَّ الرُّعْشُ يُهْزَزْنَ من سكر
يجولُ شعاعَ الشمس فوق صِقالِها ... كما جالَ إفرندُ اليمانيَّة البُتْرِ
ولما مَرَرْنا بالرسومِ التي بَدَتْ ... كما سالَ ماءٌ في سِجِلٍ على سَطْرِ
تَنَسَّمْتُ رَيَّا زهرةٍ فوق نُضْرَةٍ ... فقلت خَلُوقٌ في حُليٍ على نَحْرِ
ولاحت ذُكاءٌ في جناحَيْ غمامةٍ ... فقلت سليمى ضُمِّنَتْ كِلَّتَيْ خِدْرِ
وَدَارَ بغُصْنٍ نرجسٌ فكأَنه ... لجينٌ وتبرٌ في نطاقٍ على خَصْر
ومنها:
وأعلنتُ أشواقي وناحتْ حمامةٌ ... فلم أَدر حقّاً أيُّنا العاشقُ العُذْري
ومنها:
لأدَّرِعَنَّ الليلَ نحو خيامها ... على ظهرِ خوَّار العنانين مُزْوَرِّ
بوهْنٍ كأنّ البدر تحتَ جَنَاحهِ ... مُحَيَّا فتاةٍ لاحَ في غَسَق الشَّعْر
وملءُ يميني بحرُ سيفٍ تموَّجَتْ ... مياهُ المنايا بين غَرْبيه والأَثْر
سرى رَوْعُهُ في السلم والحرب مثلما ... سرى ذِكرُ إسماعيلَ في البرِّ والبحر
وله من قصيدة:
يا وردَ خدٍ خالُهُ عنبرُ ... وغِمْدَ جَفْنٍ سيفُهُ أَحْوَرُ
ما خالُك النَّدُّ وماذا الذي ... ضُرِّجَ من وجنتهِ مُجْمَر
لكنه أَسودُ عيني وقد ... فاض من الدمع دمٌ أَحْمَرُ
ما تبعثُ الموتَ يمانِيّةٌ ... وإنما يبعثُهُ المَحْجِرُ
ومنها:
ناشدتك الله قضيبَ النَّقا ... أَمَا بوصلي أَبداً تُثْمِرُ
هِجرانُكَ الليلُ، وما ينجلي ... ووَصلكَ الصبحُ، وما يُسْفِر
стр. 641
خُلِقْتَ ماءً وأَحالَ الهوى ... جسميَ ناراً فلذا تَهْجُر
لو لم يكن ثغرُكَ في ساكنٍ ... عذبٍ لقلنا إنه جَوْهَر
زعزعتَ موجَ الردف في مِئْزَرٍ ... يكادُ فيه يَغْرَقُ المِئْزَر
وله
لائمي في قمرٍ بتُّ له ... ساجداً إذ لاح في ليل الشَّعَرْ
لك دينٌ ولناسٍ غيرُهُ ... ولبعضِ الناسِ أديانٌ أُخَرْ
وكما للشمس قومٌ سَجدُوا ... فكذا يسجدُ قومٌ للقمَرْ
وله من أخرى:
عطفَ القضيب على الكثيبِ الأَعْفَرِ ... وجلا الظلام على الصَّبَاح المُسْفِر
ومنها:
أتميسُ قامتُهُ ويعبَثُ طَرْفُهُ ... بِدَمِي كعاداتِ الوَشيج الأَسْمَرِ
ومنها:
أَجرى لنا عصرُ الصِّبَا في جسمهِ ... ماءَ الشبيبة صافياً لم يُعْصَرِ
وأَراكَ منه الوَشْيَ في حُلَلِ القَبَا ... طيِّ الجميلةِ في عَرِينِ القَسْوَرِ
وبدا لماءِ الورد في أَبرادهِ ... ما للحدائق في الغمامِ الممطر
وأَلاحَ تحت مراشفٍ بمباسمٍ ... درّاً مَصُوناً في عقيقٍ أَحْمَرِ
فعلمتُ لمَّا خضتُ في بحرِ الهوى ... أَنَّ المراشفَ من بحارِ الجوهر
ومنها في المدح:
ما زلتَ تبلغُ في العُداة خَطَابةً ... والطِّرْفُ منتصبٌ مكانَ المنبر
أَشْمَمْتَهُمْ عَرْفَ الحِمام بمِجْمَرٍ ... كانتْ رماحُك عودَ ذاك المُجْمَرِ
وبسطتَ من كفَّيك عشرَ أَسنةٍ ... في الحرب، بل في السلم عَشرة أبحرِ
وله من أخرى:
مَشَتْ فحكتْ مِشيةَ الجؤذرِ ... وأَشْبَهَتِ الصبحَ في المَنْظَرِ
وماسَتْ وقد جاذبتها الصَّبَا ... ذيولاً من السندس الأَخضر
فقلتُ قضيبُ النَّقَا يانعٌ ... يميسُ على حِقْفِه الأَغْفَرِ
ومنها:
لقد فَضَلَتْ كلَّ ممشوقةٍ ... تتيهُ على القمر المُقْمِرِ
كما فضلَ الناسَ في مجدهمْ ... أبو جعفرِ بِن أَبي جعفَرِ
فَتىً إن دَجَا حادثٌ حالكٌ ... فمرآه كالفَلَقِ المُسْفِرِ
وله
لله درُّ عَشِيَّةٍ نَادَمْتُهَا ... والعَيْشُ من مُقَلِ الشبيبة ينظرُ
غرَّاءُ ضُعِّفَ نورُها فكأنَّما ... أَمسى يُشَعْشِعُها صباحٌ أَنْوَر
خطَّ البهارُ بها بمقلة وَسْمِه ... خدَّ الغمام فبات وهْو مُعَصْفَرُ
ما كان أحسنها بصُفَّةِ برْكَةٍ ... باتت بخَفْقِ الريح وهْيَ سَنَوَّرُ
بيضاءُ جال بها الربيعُ كأنه ... ذَوْبُ اللُّجَيْنِ جرى عليه الجوهر
طاف الربيعُ بمائها فكأنه ... خدٌّ أَطافَ به عِذارٌ أخضر
وقال من قصيدة مطلعها:
يا حاديَ العيسِ من نجدٍ قِفِ العِيسَا ... واجعلْ لنا بمغاني الأَيْكِ تَعْرِيسا
ومنها:
فاجنحْ بهنَّ إلى حيثُ الربيعُ كَسَا ... مناكبَ الأَرضِ من نَوْرٍ طياليسا
والهُضْبُ تحت ذيولِ المُعْصِرات كما ... عَايَنْتَ في الحَلَقِ البُرْدَ الكرابيسا
والسَّرْحُ تحت مُوَشَّى النَّوْرِ تحسِبُها ... إذا نَظَرْتَ إليهنَّ الطواويسا
وفي بروجِ القبابِ الحمرِ شُهْبُ مهاً ... صَيَّرْنَ أَفلاكَها البُزْلَ القناعيسا
وله
ومهفهف أبدى الشباب بخدِّهِ ... صُدْغاً فرقْرَقَ وَرْدَه في آسهِ
تتلهَّبُ الصهباءُ في وَجَنَاتِهِ ... فتسيرُ من عينيه في جُلاَّسه
حتى إذا ملأَ الزجاجةَ خدُّهُ ... نُوراً وفاحَ الخمرُ من أَنفاسهِ
خالَ الزجاجَة أُفْعِمَتْ بمدامةٍ ... فدنا ليشرب نُورَهُ من كاسه
وله، وأحسن، أتى بتشبيه في تشبيه، يعجز عن مثله كل ذي رويةٍ وبديه
ومُعَذَّرٍ أَجفانُهُ وعذارُهُ ... يتعاضدان على فَناءِ الناسِ
стр. 642
سفكَ الدماءَ بصارمٍ من نرجسٍ ... كانت خمائلُ غِمْدِهِ من آس
وله في ذم الصبح حين فرق بينه وبين محبوبه:
عَشَقْتُ الظلامَ وعِفْتُ الصباحَ ... إذا كان أَفْلَتَ منِّي قَنَصْ
كأنَّ الدُّجَى وجهُ زنجيَّةٍ ... مليحٌ بدا الصبحُ فيه بَرَصْ
وله
يا من يريدُ على الإساءة وُدَّنَا ... طَرْفُ الوداد عن المسيء غَضِيضُ
ليس الودادُ عن الإساءَةِ ظاهراً ... كالماءِ ليس عو الضِّرَام يفيض
أنت الحبيبُ لنا بكونك محسناً ... فإذا أسأْتَ لنا فأنت بغيض
وله من قصيدة:
ومحجوبةٍ لو أُبْرِزَتْ دون مِرْطها ... رأيتَ عليها من سَنَا نورها مِرْطَا
تخالُ هلالَ الأُفْقِ نصفَ سوارها ... إذا لاح والجوزاءَ في نَحْرِها سِمْطا
وتحملُ بدرَ التِّمِّ وجهاً وشِنْفَهَا ... سِمَاكاً وشُهْبانَ الثريا لها قرطا
ويضحى بماء الوَرْدِ ورديُّ خدِّها ... لِمَا مَزَجَ الساقي لندْمانه اسْفِنْطَا
فينثرُ منه لؤلؤاً عُدَّ جامداً ... بصولجِ لامٍ لاحَ بالصُّدْغ مُخْتطَّا
وله من قصيدة:
خليليَّ عوجا باللَّوَى، ها هُوَ الجَزْعُ ... نَشِمْ بارِقاً بالرقْمَتين له لَمْعُ
ومنها:
أَشارَ علينا بالسلامِ فكلُّنَا ... له بَصَرٌ يدنو فيحسدهُ سَمْعُ
وأَسهرني لما سَرَى البرقُ مَوْهِناً ... حمامٌ بأَفنانِ الغصونِ له سَجْعُ
وما شاقني إلا تأوُّدُ بانةٍ ... ومرُّ نسيمٍ لا طُلولٌ ولا رَبْعُ
وطيفُ خيالٍ حين كاد يزورني ... بَدَا لعمودِ الفجر في ليله صَدْعُ
فما للهوى بل ما لدُرِّ مدامعي ... تحوَّلَ مرجاناً وعهدي به دَمْعُ
وما للمطايا الراسماتِ كأنما ... لوصلِ السهوب الفيح مِن وجدها قَطْعُ
ظعنَّ بمن عندي وإن نَزَحَتْ لها ... هَوىً بين أَحْنَاء الضلوع له لَذْع
ومنها:
غلاميّةٌ مال الشبابُ بِعطفها ... فلم يكُ للصهباء في مثله صُنْع
تفوح بلا طيبٍ كما أنَّ جيدها ... تجلَّى بلا حَلْيٍ، وفعلاهُما طَبْعُ
وتكسرُ أحياناً محاجِرَ نَرْجَسٍ ... كأن الذي ما بين أهدابها الجَزْعُ
ومنها في المخلص:
يضاهين من رضوانَ سيفاً مؤيَّداً ... يُرَى فوقَ أَعناقِ الأَعادي له وَقْعُ
ومنها في وصف السيف:
وللنصرِ مَثْوىً فوقَ حدِّ حُسَامِهِ ... إِذا حانَ من هامِ الكماةِ به فَرْعُ
وليس الذي يبدو عليهِ فِرِنْدُهُ ... ولكنَّها الأرواحُ فيهِ لها جمع
وله
وقائلةٍ مالي أرى الحظَّ وافراً ... بكلِّ دَنِيءٍ في الرجال وضيعِ
فقلتُ لها: لا يُتْحفُ الدهر ماجداً ... أَنافتْ بهِ علياؤه بصَنيع
يضيقُ بماء النيل مُنْخَفِضُ الثرى ... ويُحْرَمُ منه الريَّ كلُّ رفيع
وله من قصيدة في الفراق:
لولا الفراقُ لمَا بكيتُ نجيعاً ... ولما حَرَمْتُ المقلتين هجوعا
ولما حنيتُ على ضِرامِ تشوُّقٍ ... يأْبَى الخمودَ، جوانحاً وضلوعا
أَمَّا العزاءُ لأَجْلِ مَنْ فارقتُهُ ... فقد استحال مع الفؤاد دموعا
ولكم شكوتُ، فما شكوت لراحمٍ ... ولكم دعوتُ، فما دعوت سميعا
أَسْتَوْدعُ الرحمنَ مَنْ وَدَّعْتُ يو ... مَ وداعه قلباً به مفجوعا
وله
لو أَنَّ يوماً قتيلَ الحِبِّ طالَبَهُ ... بالثَّأْرِ منْهُ طَلَبْتُ اللَّحْظَ والصُّدُغَا
هما استعانا على قَتْلي فصار لذا ... قدُّ الفؤادِ، وهذا صِلُّهُ لَدَغَا
لم تبلغِ البيضُ والسمرُ النحافُ على ... أيدي الفوارسِ منّي ما هما بَلَغا
يا حاملَ اللحظ والأَصداغ أسلحةً ... مات الكميُّ فلا تُحْدِثْ عليهِ وَغَى
стр. 643
ويا مُرِيقَ دمي ظلماً وجاحِدَهُ ... هل لونُ خدِّك إلا من دمي صُبِغا
قد يعلمُ الله أني غيرُ مُنْعَجِمٍ ... فما لعوديَ مُذ فارقْتَني مُضِغا
ويعلمُ الليلُ أن الشوق هيَّجني ... حتى غرقتُ بماءِ الدمع حين طغى
سعى إليك بيَ الواشي فأبعدني ... يا ليت شيطانَ ذاك السَّعْيَ ما نَزَعَا
وفاز منك بما قد كنت أَحْرُسُهُ ... من أين ذا الذئبُ في أمواهنا وَلَغا
أَلقاك ذا لَثغٍ في القول من دَهَشٍ ... وما عرفتُ لساني يعرف اللَّثَغَا
أنتَ الذي لو رآه الغصْنُ ما انعطفتْ ... أعطافُه، وجبينُ الشمس ما بزغا
لم يبدُ غيركَ شخصٌ في الورى حسنٌ ... كأن فيك جميع الحسن قد فُرِغَا
وله من قصيدة:
ماسَتْ بدعصِ نَقاً يجاذبُ أَهْيَفَا ... ولوتْ عليه الخزرانةَ مِعْطفا
خودٌ حَوَتْ مُقَلَ الماة وجيدَها ... وحَوَى الوشاحُ لها هضيماً مُخْطَفَا
بيضاءُ ترفُلُ بالكثيب مُهَيَّلاً ... والبدرِ أَنْوَرَ والقضيبِ مهفهفا
أبدى الوداعُ لنا برَخْصِ بنانها ... عَنَماً ببعضِ دمِ القلوبِ مُطَرَّفا
منها في المخلص:
ما للتي طَعَنَتْ وتَّتخذُ القنا ... والبيضَ سَجْفاً بالكماةِ مسجَّفا
مَرَّتْ على صدِّ الوفاء بِبَيْنها ... كمرورِ إسماعيلَ في طُرُقِ الوَفا
وله من قصيدة:
أما وحميَّا الكأسِ هَزَّتْ لنا عِطْفا ... وبدرِ تمامِ الحسنِ يسعى بها صِرْفا
وساقٍ يكادُ السكرُ يُسْقِطُ نِصْفَهُ ... مزاحاً ويُبْقي في مآزره النصْفا
ومخضوبةٍ قبَّلْتُها ولثمتُهُ ... فأتبعتُ ثغرَ الراحِ من ثغرهِ رَشْفا
وخَلْقٍ له مثل الحميَّا وَوَفْرَةٍ ... تمازجُ أرواح النَّدامى بهِ لُطْفا
كأن اليراعَ النَّضْرَ أوراقهُ قَناً ... له العَذَبُ الخفَّاق يستأنفُ الرَّجْفا
كأنَّ خليج الماء أوجَسَ طَعْنةً ... فدرَّعَ أجناداً وجدَّ لها صَفَّا
كأن اعتناقَ القُضْب والغيمُ دالجٌ ... وَداعُ خليطٍ ذَرّ من دمعه وَكْفَا
كأن اخضرارَ الدوح، والنهرُ ضاحكٌ ... غياهبُ شقَّ الفجرُ من جُنْحها سَجْفا
كأن رياضَ النهر مَدْحِيَ باسطٌ ... له الحَسَنُ الوَهَّابُ يومَ النَّدَى كَفَّا
وله
كلُّ من أَعْرِفُهُ يَظْلِمُني ... وسوى ذاك فعَنِّي يُنْصِفُ
فعدوِّي كلُّ من أَعرفهُ ... وصديقي كل من لا أعرف
له من قصيدة مطلعها:
ليتها إذ قاسَمَتْكَ العِناقا ... علّمَتْكَ الصبرَ لا الاشتياقا
ومنها:
لِنُسائلْ مِعْصَمَيْنا فإِنَّا ... ما نطقنا مذ عرفنا الفراقا
كم على جيدٍ وخصرٍ أُدِيرَا ... مَرَّةً عِقْداً وأُخرى نِطاقا
ومنها:
وكأَنَّ الحُسْنَ آلاتُ خَرْطٍ ... أَبرَزَتْ في الصَّدْرِ منها حِقَاقا
سَفَرَتْ عن بدرِ تِمٍ فلما ... نُبِّبَتْ كان النّقابُ المِحَاقا
ومنها:
وجرت في قمرِ الخدِّ منها ... عبرةٌ كانت عليهِ انشقاقا
ومنها في الممدوح وهو قاض:
حاكمٌ أظهرَ للعَدْل فينا ... كلَّ ما لاقَ بعقلٍ وراقا
حكمةٌ لو عاقنا الدهرُ عنها ... كان عن حكمةِ لقانَ عاقا
نثرَ التأويلَ دُرّاً ولكن ... غاصَ من علمٍ بحاراً دقاقا
ومنها:
يَدُهُ للمال إلفٌ غَضُوبٌ ... كلما واصَل شاء افتراقا
تأْبِقُ الأموالُ عن راحتيهِ ... بندىً عَلَّمَهُنَّ الإباقا
وله من قصيدة مطلعها:
سَرَى وقد عنَّ لعينيَّ الأَرَقْ ... واشمَطَّ بالفجر قَذَالٌ للغَسَقْ
مزنٌ يهزُّ البرقُ في أرجائهِ ... مثلَ اليمانيَّاتِ في أيدي الأُفُق
стр. 644
بكى فللنُّوَّارِ منهُ ضَحِكٌ ... كهُزْءِ معشوقٍ بحبٍ قد عَشقْ
والزُّهْرُ مثل الزَّهْر في أغصانه ... أو كالغواني تحت أَبراد السَّرَق
وله من قصيدة:
لك اللهُ من برقٍ بنَعْمَأنَ أَبْرَقَا ... وصافحَ رِثْماً بالكثيبين والنَّقا
أَلاحَ وعمرُ الفجرِ في أُخْرَياتهِ ... فغادرَ للظلماءِ جَيْباً مُشَقَّقا
سرى، وظلامُ الليل يجلو صباحَهُ ... فلاحَ إلينا أدهمُ الليلِ أَبْلَقا
وما هاجني إلا رنينُ مطوَّقٍ ... أقامَ على الأغصانِ يدعو مُطَوَّقَا
ولله نَشْوَى جاذب الدعصُ خَصْرَها ... هضيماً بما دونَ السِّوارِ مُمَنْطَقا
ومنها في المدح:
ويُخْشَى لديه اليَأْسُ من حيثُ يُرتجى ... ويُرْجَى لديهِ الجودُ من حيث يُتَّقى
مُحَيّاً يريكَ الشمسَ نورُ جبينهِ ... فكلُّ مكان حَلَّهُ كانَ مَشْرِقا
ومنها:
وإِنَّكَ لو أَوْمَأْتَ دونَ مَجَسِّهِ ... إلى الحجَر القاسي بيمناك أَوْرَقا
إذا ما ملكتَ المالَ مَلَّكْتَهُ الوَرَى ... كأَنَّكَ لم تُرْزَقْهُ إلا لِيُرْزَقَا
ومنها في القلم:
تَهُزُّ يراعاً كالردينيِّ ذابلاً ... يَفُلُّ سناناً حين يسطو ومِخْفَقَا
ترى العَلَقَ القاني مداداً لخطِّهِ ... وجانحةَ القِرْنِ المدجَّجِ مُهْرَقا
صحائفُهُ تَفْري الصفائحَ كلما ... نُشِرْنَ، وتحكي الروضَ فيها منمَّقا
فلو لاحَظَتْ عينُ ابنِ أوسٍ متونَها ... رأى أَيُّها كُتْباً من السيف أصدقا
يعني ابن أوس حيث يقول: السيف أصدق إنباء من الكتب وله من قصيدة مطلعها:
عزَّ المنامُ فجفني جائلُ الرَّمَقِ ... وبات قلبيَ لا يشكُو سِوَى الْحدَقِ
ومنها:
كالخيزرانةِ ما لاحتْ لها وَرَقٌ ... إلا من الوَشْي بين التِّبْر والوَرِقِ
فالغصنُ ما ماسَ ريعانُ الشباب بهِ ... سُكْراً وغيرُ مدام الحسن لم يَذُقِ
ومن قصيدة:
يَنْثُرُ الطَّلَّ كما يُنْثَرُ مِنْ ... وَجْنَةِ المعشوق رَشْحُ العَرَقِ
ومنها:
ذو وقارٍ مازجَ البشْرَ كما ... مازجَ الصُّبْحَ عَبُوسُ الغَسَقِ
ومن شعره:
يا من أراهُ الخير يكتُمُ ضِدَّهُ ... خَدٌّ عليهِ من حَيَاءٍ رَوْنَقُ
احذرْ مكايد وَجْنَةٍ محمَّرةٍ ... فالجمر محمرُّ الغِلاَلَة مَحْرِقُ
ومن شعره:
يحكي الغمائمَ جودُهُ ولربما ... قَصرَتْ عن المَحْكي فَعَالُ الحاكِي
ما بالهُ يَهَبُ النَّدَى مُتَبَسِّماً ... والمُعْصِراتُ كأنهن بواكي
ومن شعره:
إيهاً لصائلِ حَلْيها ولِثامها ... هذَا يُعَانقها وذاكَ يُقَبِّلُ
ومنها:
ولقد يُجِيشُ الشَّوْقُ راكد عَبْرَتي ... فكأنَّه لَهَبٌ وجَفْني مِرْجَلُ
نَجْدِيَّةٌ وَافَاك من لحظاتها ... نظرٌ بسفحِ دم القلوبِ موكَّلٌ
ومن شعره:
ومهنَّدٍ سَبَح الفرندُ بصفحهِ ... وطَفَا فيُحسَب مُغْمَداً مسلولا
وله في الخال:
يا ناظراً في خدِّ أَغْيَدَ مائس ... خالاً يَرِقُّ نضارةً وجَمَالا
سكن الفؤادَ وحلَّ بعض سوادِهِ ... في وَرْد جنتهِ فسمِّيَ خالا
وله في صفة الروض والنهر:
وناصعِ ماءٍ كان كالبدر مائلاً ... ولثَّمه ظلٌّ فلاحَ هلاله
وله في ذم الخمر:
فأيسرُ ما فيها لذي العقلِ أنها ... إذا وَلَجَتْ في رأسه خَرَجَ العَقْلُ
ومن شعره:
قُمْ فاسْقِني بالكأس إنء أمكنَتْ ... كأسٌ وإلا فاسْقنِي بالفَمِ
أما تَرَى النجم الذي كان كالدِّ ... ينارِ قد أصبحَ كالدرهمِ
والفجرُ في رَوْض الدُّجَى جدولٌ ... سارَ ليَسْقي زَهَرَ الأَنْجُمِ
ومن شعره:
стр. 645
قضيبُ لُجَيْنٍ نَوَّرَ الوَرْدُ فوقَهُ ... ولكنَّهُ ما شَقَّ عنهُ كمامَهُ
أرى الحِبَّ دِيناً والمحبِّين أُمَّةً ... وصُدْغَيْه مِحْراباً وقلبي إِمَامَهُ
لدى وَجْنَةٍ قد حُطَّ للشَّعْر فوقها ... مِجَنٌّ على نونٍ يعانقُ لاَمَهُ
ومن شعره:
قد غارتِ الصهباءُ منك بوجنةٍ ... خجلاً فعادت للبنان من الفَمِ
ومنها في المدح:
إنا لنطلبُ من سواهُ سَمَاحةً ... كالشَّهْدِ يُطْلَبُ في مُجَاجِ العَلْقَم
وإذا رجوتَ من البخيل يَداً فقد ... طالَبْتَهُ بلزومِ ما لم يلزَمِ
ومن شعره:
يا كعبةً لِي خالها ... محَجَرٌ لو انِّي أَسْتَلِمْ
ومن شعره:
رَشَأٌ تعلَّق خَصْرُهُ من رِدْفِه ... فَهُوَ الظلومُ وخَصْرُهُ المَظْلومُ
ومنها:
لا تستبينُ كأنَّما أَرواحها ... خُلِقَتْ وما خُلِقَتْ لهنَّ جسوم
ومن شعره في وصف الفرس:
هل يُدْنيَنِّي من جَنَاب خيامها ... بَرْقٌ تقلَّد جيدُه بعنانِ
ومنها في صفة السيف:
ومهَّندٍ متمّوجٍ متضرِّمٍ ... من صفحتيه بغمدهِ فَجْرَانِ
عَضْبٌ ترقرقَ ماؤه في نارهِ ... فَعَجبْتُ كيف تَأَلَّفَ الضِّدَّانِ
يَنْدَى ويَدْمَى تارةً فكأنما ... لَمَسَتْ مضاربَهُ يَدَا رِضْوَانِ
ومنها:
وتَسُلُّ أيدي الدارعين قَوَاضِباً ... مثل الجداول سِلْنَ من غُدْرَانِ
ومن شعره:
وأحْسَنُ من قُنُوِّ خضابِ خودٍ ... دَمٌ يَحْمَرُّ في زُرْقِ السِّنَانِ
ومن شعره:
فإن كان بعضُ الناس مشتبهاً به ... فذا ملكٌ هادٍ وذلك شَيْطَانُ
وله في كبير الأنف:
أَعْجِبْ بمن إن حلَّ في بيتٍ له ... فلأنفِهِ في الدار بَيْتٌ ثانِ
وتكَادُ تُخْفِيهِ ضخامةُ أنفهِ ... فكأنَّه أنفٌ بلا إِنسانِ
ومن شعره:
أقولُ والبرقُ لمَّاعٌ يمانيُّ ... أجدولٌ أم صفيحٌ هندوانيُّ
والفجر يسعى على آثار غَيْهبهِ ... مثل الغُدَاف سعى يتلوه بازِيُّ
والشمسُ في المزنة الحمراءِ تحسبها ... خَدّاً حواهُ قناعٌ أُرْجُوانيُّ
ومنها:
أهوى ببغدادَ من بالخَيْفِ منزلهُ ... فالحب مني حجازيٌّ عراقيُّ
ومنها:
تَحْوي المعالي ويحويك الزمانُ بها ... كالقلب يَحْوِي المعاني وهْوَ مَحْوِيُّ
ووجدت في ديوانه قصيدة لكنها في ديوان ابن خفاجة الأندلسي فمنها:
ومشَى النسيم يجرُّ فَضْلَ ردائهِ ... بين الحدائق مِشْيَةَ الخُيَلاَءِ
نشوانَ يعبثُ بالغصون وَيَنْثَنِي ... مَرَحاً فيعثرُ في غديرِ الماء
ومنها:
قَمَرٌ يمدُّ من الثريَّا راحةً ... ضُمَّتْ على قَدَحٍ كنجم سَمَاءِ
يَسْقِي فأسقيه فيشربُ حُسْنُهُ ... عَقْلِي ويشربُ راحُه أعضائي
ومنها في العذار:
كأسٌ لها حَبَبٌ يدور بها كما ... دارَ السِّوَارُ بمعصمِ الحسناءِ
صفراءُ نَمَّ بها الزجاجُ كأنها ... شَمْسٌ مُحَجَّبَةٌ بجسمِ هَوَاءِ
ومنها:
سَمْحٌ يوكَّل بالخطوب سماحُهُ ... إن الدواء موكَّلٌ بالداءِ
ومنها:
وتراه أصدقَ من رأيتَ مواعداً ... والصدقُ بعضُ مواهبِ الكرماء
تَنْدَى أناملهُ ويُشرق وجهُهُ ... فيجود بالآلاء واللألاء
ابن جوشن
من شعره
لعلَّ الذي أَثنى بما هو أهلُهُ ... وتوَّجَني من كلِّ فخرٍ بتاجهِ
سيقبلُ عُذْري في الجواب لأنني ... غدوتُ كمن ضَاهى اللُّجَيْن بعاجه
رآني وأياهُ كثمْدِ قرارةٍ ... وموجِ خضمٍ يرتمي بارتجاجهِ
لقد زارني منه كلامٌ كأَنما ... تمثَّل فيه الروض عند ابتهاجه
ومعنىً تجلَّى تحت مصقول لفظهِ ... كما لاحَ صِرْفُ الراحِ تحت زجاجه
стр. 646
وإِنيَ بالبرِّ اليسير مُوَاجِهٌ ... وإنك بالفضل الكثير مواجهي
الشريف أبو محمد
الحسن بن الشريف الجليس
وجدت في ديوان أبي عبد الله بن هانىء مكتوباً قطعة كتبها إليه ابن الشريف الجليس في جواب شعر له:
أَهديتَ لي منكَ شعراً ... كما تجلَّتْ عقودُ
فلستُ أَدري بماذا ... أَجزيك عما تجود
لأنَّ رفدِي إِذا ما ... أَجْزَأْتَ شيءٌ يَبِيدُ
وإِنَّ شكركَ فضلٌ ... مع الزمانِ خَلُود
عليَّ كلُّ مزبدٍ ... وما عليك مَزِيد
تم شعره.
أبو التقي صالح بن الخال
وجدت له في ديوان أبي عبد الله بن هانىء قصيدة كتبها إليه وهو موعوكٌ يقتضي زيارته، منها:
يا ناقضاً في قوافيه عُرَى النَّقْضِ ... يُنير مُسْوَدَّها منه بمُبْيَضِّ
قل لابن هانيْ عن ابن الخال محتسباً ... مما يؤدِّيه نَفْلُ القول للفَرْض
أمسيتَ بدرَ نجومِ الشعرِ أَجمعَ مُذْ ... أَصبحتَ لي نَيِّرَ الآدابِ في الأرض
فاجنحْ لزورةِ شِلْوٍ مُشْحَنٍ وصِباً ... أَلهى انتظارُك بعضاً منه عن بعض
لا ترجُ لي في تلافي مهجةٍ سبباً ... فإنه إنْ تراخى خفتُ أن أَقْضِي
ومنها:
أُخَيَّ لا تتقاضاني مكافأةً ... على يدٍ عُضِلَتْ عن مُنْتَهى النَّهْض
ومنها:
إن القطوعَ إذا استولتْ على أَحدٍ ... رمتْه في سائر الأحوال بالبُغْضِ
سل كاسراتِ صروف الدهر هل سَلِمَتْ ... جُنُوبُها حين عضَّتني من العضِّ
إن النوائبَ لما آثرت عَرَضي ... سامَحْتُهُنَّ به بُقْيَا على عِرْضي
لا تأمَنَنِّي وإن دارت دوائرُها ... عليَّ بالجور أن أَمْضِي كما تمضي
أَقْسَمْتُ لو يَمَّمَتْ حُمَّايَ منكَ حِمىً ... ما خاضَ إِنسانُ عيني جَدْوَلَ الغُمْض
لا يُحْرِجنَّك تحريكي لمأْثُرَةٍ ... نسيمُ برقِ عُلاها صادقُ الوَمْض
فالعَضْبُ للهزِّ قبل الضرْب مُفْتَقِرٌ ... والسهم يحتاجُ قبل الرمي للنَّبْضِ
إذا انبساطيَ لم يُحْدِثْ مُجَاذَبَةً ... للقبضِ منك وهبتُ البسطَ للقبض
هب ذنبَ عَتْبِيكَ للحمَّى فإنَّ لها ... وساوساً لدواعي المسِّ قد تُفْضِي
فأجابه أبو عبد الله بن هانىء عنها بقصيدة منها:
لبيك لبيك من داعٍ إلى فَرْضِ ... يدعو فأقضي وفرضُ الحجِّ ما أَقضي
إن كان جفنُ ودادي عنك غَمَّضه ... ما قد زعمتَ، نَبَا جفني عن الغُمْض
لكن أصابك أمرٌ لو علمتُ به ... مضتْ تَعُودُكَ روحي قبل أن أَمضي
فكيف أصبحتَ من عَظِّ الزمان فقد ... أصبحتُ بين نيوب الهم في عَضِّ
ومنها:
الله يعلم أني مذ علمتُ بما ... حُمِّلْتَ أَبْكي بقلبٍ فيك مُرْفَضِّ
كأَنما الأرضُ ضاقتْ بي مذاهبها ... وهْيَ الرحيبةُ بين الطول والعرض
أُمْسِي وأُضحي ولا أَنْفَكُّ مضطرباً ... كأَنَّ جسميَ عِرْقٌ خافق النبْضِ
قد فُضَّ جَمْعُ غرامي فيك عن كبدي ... فما لجمعِ همومي غيرُ مُنْفَضِّ
إن تستفقْ فظلامي أبيضٌ يَقَقٌ ... أَوْلا فثغرُ صباحي غيرُ مبيضِّ
ومنها:
وكيف ما خافتِ الحُمَّى أَمَا خَشِيَتْ ... من مِقْوَلٍ كذباب السيف إذ يمضي
ومنها:
أو صادفت فيكَ نار الهمِّ فانجذبَتْ ... والجنسُ بالجنس مُسْتَدْنٍ ومُسْتَقْضِ
والخطبُ طِرْفٌ جموحٌ لا لجامَ لهُ ... يأتي الكريمَ بلا سَوْطٍ ولا رَكْضِ
فلا يروِّعْكَ ما تلقاهُ من أَلَمٍ ... فكلُّ سُهْدٍ إلى طيبِ الكَرَى يُفْضي
وذكر أنه أرسلها إليه، وتوفي ابن الخال بعد أيام يسيرة.
أبو الفخر الإسناوي
له في مرثية أبي التقي ابن الخال:
стр. 647
سقى الله قبراً جاورَ المزنَ من أَسىً ... على من حَوَاهُ دمعُ كلِّ أديبِ
فأوفتْ له حزناً كرامُ معاشرٍ ... بشقِّ قلوبٍ لا بشقِّ جُيُوب
وقَلَّ على ماضي الضريبة، نُزِّهَتْ ... له شِيَمٌ، من مُشْبِهٍ وضَرِيبِ
ابن الضيف
هو حيدرة بن عبد الظاهر بن الحسن بن علي الربعي الضيف.
كان من دعاة الأدعياء، الغلاة لهم في الولاء، وكان في حدود سنة خمسمائة في عهد آمرهم، وله فيه مدائح كثيرة، لدواعي لمنائح مثيرة. وقع إلي ديوانه بخطه، وكنت عازماً لفرط غلوه على حطه، لأنه أساء شرعاً وإن أحسن شعراً، بل أظهر فيه كفراً، فلم يستحق لأساءته كفراً ولا غفراً. لكنني لم أر أن أترك كتابي منه صفراً، لأن البحر الزاخر، يركبه المؤمن والكافر، ويقصده البر والفاجر، يحمل الغثاء كما يحمل الدر، والمركب فيه يجمع العبد والحر. وقد أوردت من مستحسناته كل ما يعفي على سيئاته، ويغضي به على هفواته. فمما عنيت بإثباته، من قصائده ومقطوعاته، قوله من قصيدة يعارض بها ابن هانىء المغربي:
طَلَعَتْ صباحاً مشرقاً يتهلَّلُ ... ووراءها بالوَحْفِ ليلٌ أَلْيَلُ
ودنَتْ بها شمسُ الظهيرةِ تَعْتَلي ... نوراً وما للشمس طَرْفٌ أَكْحَلُ
وثنتْ قضيبَ الخيزرانةِ تحتهُ ... حِقْفٌ يكاد تسرُّعاً يتَهَيَّلُ
ومنها:
فالخدُّ ضمَّخَهُ حريقٌ مُشْعَلٌ ... والَّغْرُ عطَّرَه رحيقٌ سَلْسَلُ
وقوله من أخرى:
هَزَّتْ كثيباً بالقوامِ مَهِيلاَ ... وثنتْ قضيباً فوقهُ مجدولا
ورنتْ بمقلةِ جُؤْذَرٍ هاروتُها ... بالسحر ينفثُ بكرةً وأصيلا
ورمتْ بأسهمها فؤاداً مُدْنَفاً ... منّي، وقلباً لا يزالُ عليلا
ومضتْ مودَّعةً فعَطَّرتِ الرُّبَى ... أَرجاً تَجُرُّ بهِ الرياحُ ذُيولا
تُهدي الصَّبا منها لطيمةَ عنبرٍ ... ونسيمُ أنفاس الشمال شَمولا
من ذمَّ أيام الفراق فإنَّ لي ... صبراً على يومِ الفراق جميلا
إن ودَّعَتْ فَلَثَمْتُ ثغراً أَشْنَباً ... ورشفتُ ريقاً بارداً معسولا
وقوله من أخرى في الشيب:
لباسُ المشيبِ لخلعِ الشبابِ ... وقربُ القتيرِ بعيدُ الذهابِ
ونَشْرُ الزمان بأحداثهِ ... لمسطورِها طيُّ هذا الكتاب
وجدَّةُ أثوابه أَخْلَقَتْ ... بأثوابِ عُمْرٍ بطيء الإِياب
مناسِرُهُ اختطفتْ مهجتي ... وأَظفاره أَنْشَبَتْ في إهابي
أَرقِّعُ منه قميصَ البياضِ ... وأسترُهُ بسوادِ الخضاب
فإن قيلَ هذا سُخَامُ المشيبِ ... فقلتُ: على فقدِ عصرِ الشباب
ومنها:
حنانيكَ من زائرٍ ليتهُ ... يبدِّلُني وَصْلَهُ باجتنابِ
حِبَالةُ إِعراضِه صَيَّرَتْ ... سكونَ الحياةِ إِلى الاضطراب
وقوله من أخرى:
فتأمَّلْ ربعاً إِذا ما خلا ... أهلوهُ فالوجدُ منه ليس بخالِ
ذاك مَغْنىً يُغْنيك مَرْأىً عن ... السمع بتجديده الهوى وهْو بالِ
طالما أمكَنَتْ به فُرَصٌ جا ... ذَبْتُ فيها مغازلاتِ الغزال
بين وردٍ كوردِ خَدَّيه في ... الحسن وروضٍ كوجهه في الجمال
ونَدىً كالدموع في مُقَلِ النر ... جسِ أو فيضِ عَبْرَةٍ في دلال
يا لقومي من سحر تفتير طَرْفٍ ... وقعُهُ في القلوب وقعُ النبال
ومنها:
كلما بَلْبَلَتْهُما راحةُ التَّجميشِ ... هاجَتْ سواكنَ البَلْبَالِ
تحت ريحانِ طُرّةٍ جَمَعَتْ ما ... بين شمسِ الضحى وبدر الليالي
فلهذا بالخال نقطةُ ذالٍ ... ولذاك الحُليِّ صورةُ دال
ومنها:
لهف نفسي على قضيبِ نُضَارٍ ... يستميلُ القضيبَ بالاعْتدال
يتجلَّى أعلاهُ عن بَدْر تِمٍ ... ويباري ردفاه دِعْصَ رِمال
стр. 648
وعليه مجاسدٌ أَلبسته ... الْحسنَ من فَرْقهِ إِلى الخلخال
فإذا لاح في السواد رأَينا ... شمسَ دَجْنٍ أو هالةً في هلال
ومنها
ذابَ قلبي بنارهِ فجرى في الدَّمْع ... كالنارِ في سليطِ الذُّبَالِ
وتِلافُ الكريم في ذلةِ اللو ... عةِ عزٌّ وراحةٌ في كَلاَل
مثلما يُتْلِلفُ الأجلُّ جمالُ الْمُلكِ ... أموالَه بحفظ المعالي
ذو اعتزامٍ لو أنَّه في فرندِ السيفِ ... طبعاً أَضاء قبل الصِّقال
رَجَلٌ يسترُ الأيادي فتبديها ... سِماتٌ على وجوهِ الرجال
وله أَسهمٌ حدادٌ إِذا طِشْنَ ... يُحَرِّكْنَ راسياتِ الجبال
وقوله من أخرى:
لله أجراعُ اللِّوَى ما أَعجبا ... ولقاءُ أَبناءِ الهوى ما أَعذبا
ومنها:
وأَوانسٌ غيدٌ كأسْرابِ المَهَا ... وفوارسٌ صِيدٌ كأسْهابِ الدَّبَا
جعلوا حشاياهمْ متونَ جيادِهمْ ... قد ذلَّلُوها فاستلانوا المركبا
لمعتْ بروقُ جيادِهمْ بطِرادهم ... حتى كأَنّ على العيون بها هَبا
واستمطروا دِيَمَ الدماءِ حوافلاً ... بأسنَّةٍ رَوَّتْ بهنَّ الأَكْعُبَا
تلك المنازلُ لو هَتَفْتُ بها يُرَى ... بعليلها نَفَسُ الرياحِ مُطَيَّبَا
فيها تُهزُّ قَناً بأشباه النَّقَا ... وبها تُسلُّ ظُباً بأجفان الظِّبا
وبها كواعبُ لو تسنَّمن الرُّبَى ... طلعتْ لنا الأقمار من تلك الرُّبَى
ومنها:
بتنا بها نجلو عروسَ زجاجةٍ ... قد أُلْبِسَتْ ثوبَ الرحيقِ المُذْهَبَا
نَثَرَتْ عليه بالمزاجِ لآلئاً ... عامتْ فعادتْ كالبُرِين تَسَرُّبا
فصفاؤُه يفترُّ عنه ترقرقاً ... وبرودُه يزدادُ منه تلهبا
ومغرِّدٍ، لي من فتورِ جفونِه ... سُكْرٌ، وسكرٌ إن شدا وتطرُّبا
نَبَّهْتُهُ ويدُ الوعيم تَؤُودُهُ ... ليناً وتكسو وجنتيهِ تخضُّبا
لأَرُوضَ روضاً بالتداني مُمْرِعاً ... وأَزورَ مَغْنىً بالغواني مُعْشِبا
وأَشُمَّ ريحانَ الشعورِ مُطَيَّباً ... وأُعَلَّ خمراً بالثغور مُشَنَّبا
وأَمُصَّ رمَّانَ الصدورِ مُشَزَّباً ... وأَعَضَّ تُفَّاحَ الخدودِ مُكَتَّبَا
وقوله من قصيدة:
قد أطيلتْ قوادمُ اللَّكْنِ للجا ... هل لكنْ جناحيَ المحصوصُ
ومنها:
كَيْف طَيَّرْتُموه ف سعةِ الآ ... فاقِ وهْو المُدَلَّهُ الْمَقصُوصُ
ومنها:
أو ليس العقودُ تجمع أسبا ... جاً ودُرّاً واسمُ الجميعِ فصوصُ
ومنها يصف الشعر:
فتأملْ بظاهر العدل والرأ ... فةِ مدحاً ما شأنهُ التنغيصُ
لفظه الشهدُ والقريحةُ نارٌ ... والمعاني دُهْنٌ فنعمَ الخَبِيصُ
ومن مراثيه قوله من قصيدة يرثي بها والده:
عادَ جفني من الدموعِ كَليلاً ... قَبْلَ أن أشتفي وأَشْفِي عليلا
ومنها:
وعظيمُ المصاب يشتفُّ ماءَ القلب ... حتى يعودَ يَبْساً محِيلا
طاحَ صبري مع الرقاد فَعُوِّضْ ... تُ غراماً مع السُّهاد طويلا
لفقيدٍ قد كان قرَّةَ عينِ الدَّهْرِ ... فضلاً وريقَهُ المعسولا
إِنَّ خطباً أصابنا في أبي الفتح ... لخطبٌ أَفاد حُزْناً طويلا
وكذا عادةُ الزمانِ إذا عا ... دى أَصابَ الجليلُ منه الجليلا
صاحِ لا تغتررْ بعيشك في الدنيا ... ونكِّبْ عنها بزهدٍ سبيلا
فَهْيَ أُمٌّ تُذِلُّ كلَّ عزيزٍ ... من بَينِها كما تُعِزُّ ذليلا
وقوله من قصيدة:
غيومُ غمومٍ لا يَرِمْنَ عن الجَفْنِ ... ومُزْنُ دموعٍ هنَّ أَسْخى من المُزْنِ
ومنها:
стр. 649
ومن عجبٍ إرسالُ عينٍ سخينةٍ ... على لوعةٍ هل يُطْفَأُ السُّخْنُ بالسُّخْنِ
وأعجبُ منها أَنْ تَفيض شئونُها ... على ظمإٍ منها بمنبجسٍ هَتْنِ
وقوله من أخرى:
أرى الشوقَ مُسْوَدَّاً كقلبي من الأَسَى ... وإِنْ كانَ محمرَّاً فمن أَدْمُعِي الحُمْرِ
وقد حالَ دمعي بين نَوْمِي وناظري ... وحال غرامي بين قلبيَ والبِشْرِ
كأنكَ حُلْمٌ كنتَ فاستيقظتْ لهُ ... جفونُ الردى واستأثرَتْ منك بالعُمْرِ
وقوله من أخرى:
كدأْبِكَ في الصبرِ يا ابنَ النُّهَى ... فكلُّ الأمورِ إِلى مُنْتَهَى
وكل امرىءٍ مُسْلِمٍ نَفْسَهُ ... إِلى الموتِ إن شاءَه أَوْ أَبَى
نُعِدُّ، لتسبقَهُ، العادياتِ ... فيدركنا بيسيرِ الخُطَى
ونأملُ عمرانَ أعمارنا ... فيهدمُ آمالنا والرَّجا
وما العيشُ إلا كحُلْمٍ مضى ... وبرقٍ سرى، أو كظلٍ أَرَى
حياةُ الفتى مركبٌ للحِمام ... وجثمانُهُ هَدَفٌ للبِلى
نروحُ ونغدو به ضاحكين ... وضِحْكُ القضاءِ علينا بُكَا
وإنَّ مُنَى المرءِ طولُ الحيا ... ة في نِعْمَةٍ كانَ أَو في شَقَا
أَلا إِنَّما الدهرُ يُملي لنا ... ومن يأْمنُ الدهر أَنّى سَطا
ومن مقطوعاته في معانٍ شتى قوله في طول الليل:
يا ليلةً عُمْرُ الزما ... نِ بطولها مِثْلُ القُلاَمَهْ
يُثْنِي عليَّ ظَلاَمُهَا ... وغرامها يثْنِي الغَمامَهْ
حتى كأنَّ نهارها ... يبدو به فجرُ القيامَهْ
وقوله في المعنى:
أَرَّقَ عيني شادنٌ دَنِفٌ ... بهجره فالرقادُ مُخْتَطَفُ
والليلُ من طوله كدائرةٍ ... لا آخِرٌ عنده ولا طَرَفُ
وقوله أيضاً في طول النهار وقصر الليل:
طال النهار على المحب كأنَّهُ ... يومُ الحسابِ بآخرِ الدهرِ
وكأن ليلته وقد طلعت ... عُقِدَ العِشَاءُ بها مع الفجر
وقوله في أمرد التحى:
كنتَ حَيّاً في المُرْدِ حتى إذا ... عَذّرْتَ جاءَ المماتُ والتعذيرُ
مثلُ سطر العنوانِ يبدو وتُطْوَى ... منه في باطنِ الكتابِ سطور
وقوله في عواد، وزعم أنه عمل في المنام:
ومسمعٍ مبدعٍ بصَنْعَتِهِ ... يريكَ من فَضْلِ حُسْنِهِ عَجَبَا
حَرَّكَ عوداً كالرعد مُقْتَرِناً ... بالبرق من كفِّه إذا ضَرَبا
وقوله:
أَكْرِمْ بنفسكَ إن أَرَدْ ... تَ العزَّ عن ذلِّ السُّؤالْ
واستغنِ عن عِدَةِ البخيلِ ... أَتَتْ بعذرٍ واعتلال
فالطبعُ أَغلبُ للفتى ... والبخلُ من لؤم الرجال
كم بين مختلفِ المقا ... لِ وبين متَّفق الفعال
ومباعدٍ طُرُقَ النَّدى ... ومقرِّبٍ طُرُقَ النوال
هذا يسابقُ بالعطا ... ءِ وذا يُعَلِّلُ بالمِطال
حاز الغِنى من لا يجو ... دُ وجاد ذاك بغير مال
وقوله يصف عدو الفرس في الميدان:
كم سابحٍ أعددتُهُ فوجدتُهُ ... عند الكريهةِ وهْوَ نسرٌ طائرُ
لم يَرْمِ قطُّ بطرفهِ في غايةٍ ... إلاّ وسابَقَهُ إليها الحافر
وقوله في المعنى:
كم جوادٍ يسبقُ الوهْمَ فما ... يقتفيهِ الوهمُ إلاّ تَبَعا
راهَنَتْ أوظافُهُ ألحاظَهُ ... ثم جاءَا غايةَ السَّبْقِ معا
وقوله:
قمرٌ لاث عليهِ مُطْرَفاً ... لازَوَرْديّاً رقيقَ الحاشِيهْ
وعليه صبغةٌ من حسنه ... فَهْيَ في كلِّ فؤادٍ ساريهْ
يضحكُ القلب إذا عايَنَهُ ... ولَكَمْ عينٍ عليهِ باكيهْ
طَرْفه جَنَّةُ عَدْنٍ أُزْلِفَتْ ... وبخدَّيْهِ جحيمٌ صاليَهْ
стр. 650
نَمْنَمَ الصُّدْغان فيها طُرَراً ... كُتِبَتْ من ذهبٍ في غاليَهْ
شَبِهَتْه العينُ لما أَنْ بدا ... روضةً ذاتَ قطوفٍ دانيه
أو قضيباً فوقه سَوْسَنَةٌ ... أو هلالاً في سماءٍ صاحيَه
وقوله:
آذَنَ قلبي بالهوى شادنٌ ... أَيْقَظَهُ من طرفِهِ الناعسِ
أَلْبَسْتُهُ الحُسْنَ رداءً له ... نفسي فداءُ القمَرِ اللابسِ
غَرَسْتُ في وجنتهِ وردةً ... من نظرة المسْتَرِقِ الخالسِ
فخافَ أن أقطفها خِفْيَةً ... بِقُبلةٍ والغرسُ للغارسِ
فمرَّ في ميدانهِ مسرعاً ... يا ليتني فارسُ ذا الفارسِ
الجزء الثاني
ظافر الحداد
من أهل الإسكندرية، أبو منصور ظافر بن القاسم الجروي الجذامي
كنت سمعت به قديماً، وأنشدني له الشريف أحمد ابن حيدرة الحسيني الزيدي سنة خمس وخمسين قال: أنشدني ظافرٌ الحداد لنفسه وهو قريب العصر غريب النظم والنثر:
لا فرقَ بينكمُ وبين فؤادي ... في حالِ قربي منكمُ وبِعادي
فلقد حَبَبْتُكمُ على عِلاَّتِكمْ ... كمحبَّةِ الآباءِ للأولادِ
ونزلتمُ مني وإن لم تُنْصفوا ... بمنازلِ الأرواحِ في الأجسادِ
ورجوتُ سُلواناً بسوءِ صنيعكم ... عندي فصارَ ذَرِيَعةً لودادي
قد كنتُ أطمعُ بالخيال لو انكمْ ... لم ترحلوا يوم النَّوَى برُقَادِي
قال: وأنشدني لنفسه:
بمنازِل الفُسْطاطِ حَلَّ فؤادي ... فارْبَعْ على عَرَصَاتهِنَّ ونَادِ
يا مصرُ هل عَرَضَتْ لغصنٍ فوقه ... قَمَرٌ برَبْعكِ إِرْبَةٌ لمَعَادي
تَرِفٌ يُمَيِّلُهُ الصِّبا مَيْلَ الصَّبَا ... بقوامِ خُوطِ البانةِ الميَّادِ
أَتُرَى أنالَ النيلَ بعضَ رُضَابهِ ... فعَذُبْنَ منه مياهُ ذاك الوادي
فأفادَ منه الطعمَ لكنْ شُرْبُ ذا ... يُرْوي وذاك يَزِيد كَرْبَ الصَّادي
واهاً على تلك الديار فإنها ... أوطانُ أحبَابي، وأَهل ودادي
ولقد أَحِنُّ لها ولَسْنَ منازلي ... وأَوَدُّهَا شَغَفاً، ولَسْنَ بِلادي
دِمَنٌ لبستُ بها الشبابَ ولِمَّتي ... سوداءُ ترفلُ في ثيابِ حِدَاد
والعيشُ أَخضرُ، والديارُ قريبةٌ ... وأَبيتُ من أملي على ميعاد
والقلبُ حيث القلبُ رَهْنٌ والظُّبضا ... حَدَقُ الظِّبَاءِ الغِيدِ قَيْدُ الغادي
شَتَّتُّ شَمْلَ الدَّمْعِ لما شَتَّتُوا ... شملي، وصحتُ به بَدادِ بَدادِ
فالآن تخترقُ الجفونُ عُبَابَه ... ما بين مَثْنَى تَوْأَمٍ وأُحَاد
قَاني المَسِيلِ كأنَّ فَيْضَ غُرُوبهِ ... فوقَ الخدود عُصارةُ الفِرْصَادِ
قال: وأنشدني أيضاً لنفسه:
هذا الفراقُ وهذه الأظعانُ ... هل غيرُ وقتك للدموع أوانُ
إن لم تُفْضْها كالعَقيقِ فكلُّ ما ... تدعوه من سُنَنِ الهوَى بهتانُ
هذا الغرامُ على ضميركَ شاهدٌ ... عَدْلٌ فماذا ينفع الكتمانُ
إن كنت تدَّخِرُ الدموعَ لبَيْنِهِمْ ... فالآنَ قد وقَع الفراقُ وبانوا
عُذْرُ المتيَّمِ أن يكون بقلبهِ ... سَقَرٌ وبين جفونه طُوفانُ
ولقيت ببغداد الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري الإسكندري في سنة ستين، وذكر لي أنه كان من ظرفاء الشعر وفصحاء الأدباء، انتهت به الحال إلى أن صار من شعراء مصر، وله ديوان مشهور، وبالجودة له مشهود. قال: أنشدنا بعض أصحابنا بالإسكندرية لظافر:
ولي همَّةٌ تَبْغِي النجومَ وحالةٌ ... تُصَحِّفُ ما تَبْغيه فَهْوَ لنا ضِدُّ
إِذا رَفَعَتْنِي تلك، تخفضُ هذه ... فكلُّ تناهٍ في إرادته الحدُّ
فما حالُ شخصٍ بين هاوٍ وصاعدٍ ... وليس له عن واحدٍ منهما بُدُّ
стр. 651
تولَّتْنِيَ الأرزاءُ حتى كأنما ... فؤادي لكفَّيْ كلِّ لاطِمَةٍ خَدُّ
قال: وأنشدني صاحب بالإسكندرية، قال: وصل إلى أبي كتاب من ظافر، وفيه:
وَصل الكابُ فكانَ موقعُ قربهِ ... مني مواقعَ أَوْجُهِ الأحباب
فكأَنه أَهدى أَجلَّ مآربي ... حتى لقاءَك ثُمَّ عَصْرَ شبابي
وقرأتهُ وفهمتُ ما فيهِ فيا ... لله ما يَحْويه من آداب
فجزالةُ العلماء في أثنائه ... ممزوجةٌ بحلاوةِ الكُتَّاب
أقول: ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري، والله له غافر. حداد، لو أنصف لسمي جوهرياً، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلىء حرياً، أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية رياً، فيا له ناظماً فصيحاً مفلقاً جرياً.
ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت بأفاضل دولته كالقاضي الفاضل، ونجم الدين بن مصال، رأيتهم يثنون على ظافر. وأنشدني له قصيدة خائية وقصيدة رائية، وأنشدني مهما، ووعدني بهما بعض الأفاضل.
ومن شعره:
في لحظها مَرَضٌ للتِّيه تحْسَبُهُ ... وَسْنَان أو فقريبَ العهد بالرَّمَدِ
تريك ليلاً على صبحٍ على غُصُنٍ ... على كثيبٍ كموج الرَّمْلِ مُطَّرِدِ
ومنها:
كأنَّ أَنْجُمَها في الليل لائحةً ... دَرَاهِمٌ وَالثُّرَيَّا كَفُّ مُنْتَقِدِ
ومنها:
وبِتُّ أَلْثُمُهَا طَوْراً وَأُشْعِرُهَا ... فِعْلَ الهوى بي وقَدْ نَأمَتْ عَلَى عَضُدِي
ومن شعره:
وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحَهُ ... وأَعدمه وَكْراً وأَفْقَدَهُ إِلْفَا
تذكَّرَ رَعْياً بين أَفْنَانِ بانةٍ ... حَوَافِي الخَوَافِي ما يَطِرْنَ به ضَعْفَا
إذا التحفَ الظَّلْمَاءَ ناجى همومَهُ ... بترجيع نَوْحٍ كاد من دِقَّةٍ يخفى
بأَشْوقَ مني مذ أَطاعتْ بك النوى ... هوائيةٌ مائيةٌ تَسْبق الطَّرْفا
تولَّتْ وفيها منكَ ما لو أَقِيسُهُ ... بباقي الوَرَى ما كان في وصفه أَوْفَى
وله
رحلوا ولولا أنني ... أَرْجو الإِيابَ قضيتُ نحبي
والله ما فارقتهمْ ... لكنَّنِي فارقتُ قلبي
ولظافر من قصيدة أوردها ابن بشرون في المختار يصف فرساً:
خاضَ الظلام فاهتدى بغُرَّةٍ ... كوكبُها لمقلتيهِ قَائِدُ
يجاذبُ الريحَ على الأرضِ ومِنْ ... قلائِد الأفْقِ لهُ قَلائِدُ
ينصاعُ كالمرّيخ في التهابِهِ ... وأَنْتَ فوق ظهرهِ عُطَارِدُ
ومنها:
تُعْطي وأنت معدمٌ وإنما ... يعطي أخوك الغيثُ وهْوَ وَاجِدُ
وله في قصر الولاية بالإسكندرية:
كم قد رأيتُ بهذا القصر من مَلِكٍ ... دارتْ عليه صروفُ الدهرِ فاخْتُلِسَا
كأنه والذي قد كان يجمعُهُ ... طيفٌ تصوَّرَ للرَّائي إذا نَعَسَا
وله في ابن حديد قاضي إسكندرية يهنئه بشهر رمضان:
شهرُ الصيام بكَ المهنَّا ... إذ كان يشبه منك فَنَّا
ما سار حولاً كاملاً ... إلا ليَسْرِقَ منك مَعْنَى
وينالَ منك كما ننا ... لُ ويستفيدَ كما استفدنا
فرأى هلالَكَ من محلّ ... هلاله أَعْلَى وَأَسْنَى
بهرتْ محاسنُكَ الوَرَى ... فأعادت الفُصَحَاءَ لُكْنَا
وإذا مَدَحْنَاكَ احتقرْ ... نا ما نقولُ وإن أَجَدْنا
والفضلُ أَجمعُ بعضُ وَص ... فِكَ فهْو غايةُ ما وَجَدْنَا
إنَّ الَّذِي صَدَحَ الحمَا ... مُ به ثناؤُك حين غَنَّى
وأَظُنُّ ذلك مُوجِباً ... طرَبَ القضيبِ إذا تَثَنَّى
فتهَنَّ شهرَكَ واسْتَزِدْ ... بقدومه سَعْداً ويُمْناً
فمكانُهُ من عامِهِ ... كمكانِكَ المحروسِ مِنَّا
стр. 652
وله في الغزل:
وصادحٍ في ذُرَى الأغصان نَبَّهَني ... من غَفْوةٍ كان فيها الطيفُ قد طَرَقَا
فكان بين تلاقينا وفُرْقَتِنَا ... كما تَبَسَّمَ بَرْقٌ غَازَلَ الأُفُقَا
فقلتُ لا صحتَ إِلاَّ في يَدَيْ قَرِمٍ ... غرثانَ يوردُ منك المُدْيَةَ العَلَقَا
وقمتُ أنتزعُ الأَوكار من حَنَقٍ ... مِنِّي وأَستلبُ الأَغصان والورَقا
لو نَاحَ للشوقِ مثلي كنتُ أَعْذِرُهُ ... لكنه مَوَّهَ الدعوى وما صَدَقَا
ومنها:
لولا ليالٍ لنا بالبانِ سالفةٌ ... كَرَرْتُ من زفراتي فيه فاحْتَرَقَا
وله مما يُغنى به:
عتبتُ ولكنني لم أَعِ ... وأين ملامُك من مسْمَعي
وما قَدْرُ عَتْبِكَ حتى يزيل ... غراماً تَمَكَّنَ من أَضْلعي
وما دامَ لومُكَ إلا وأنت ... تَقْدِرُ أَنَّ جَناني معي
مَضَى كي يودِّعَ سكَّانَه ... غداةَ الفِراق فلم يَرْجع
فُؤاديَ في غيرِ ما أنت فيهِ ... فَخُذْ في ملامتهِ أو دَعِ
وله
أَفي كلِّ يومٍ لي لدى البَيْنِ حَسْرةٌ ... كأَنَّ الهوى وَقْفٌ عليَّ خصوصُ
نَأَوْا فالأسى يُجْري غُروبَ مدامعي ... على الخدِّ حتى كدتُ فيه أغوصُ
أَلومُ غُرابَ البَيْنِ عند فراقهم ... وما البينُ إلا مَرْكَبٌ وقَلُوص
لهم في استراقِ القلب باللَّحْظ عادةٌ ... فواعجباً حتى العيونُ لُصُوصُ
وله في الهرمين والصورة المعروفة بأبي الهول:
تأمَّل بنْيَةَ الهرمين وانظرْ ... وبينهما أبو الهولِ العجيبُ
كعمَّارِيَّتَيْنِ على رحيلٍ ... لمحبوبين بينهما رقيب
وماءُ النيل تحتهما دموعٌ ... وصوتُ الريح عندهما نحيبُ
وله في حمام:
حمَّامنا هذه حِمامُ ... وإنما حُرِّفَ الكلامُ
تجمعُ أوصافَها ثلاثٌ ... البَرْدُ والنَّتْنُ والظلام
وله من أبيات:
فتميسُ الغصونُ زهْواً إذا غَنَّتْ ... عليهنَّ مُطربات الطُّيورِ
وكأنَّ المياهَ في الجدول الجا ... ري حسامٌ في راحَتَيْ مذعورِ
وله أيضاً:
وصبيحةٍ باكرْتُهَا في فتيةٍ ... أضحتْ لكل نفيسةٍ كالأَنْفُسِ
والبدرُ قد ولَّى بعَبْسَةِ راحلٍ ... والصبحُ قد وافى ببِشْرِ مُعَبِّس
والنَّوْرُ قد أَخفى النجومَ كأنه ... سَيْلٌ يَسيلُ على حديقةِ نرجس
وله في الزهد والحكمة:
أُوصيكَ بالبعدِ عن الناسِ ... فالعزُّ في الوَحْدَةِ والْيَاسِ
ووحدةُ الصَّمْصَامِ في غِمْدِهِ ... خَصَّتْهُ بالعزَّة في الباسِ
وقوله:
هيَ الدنيا فلا يحزنْكَ منها ... ولا من أهلها سَفَهٌ وعَابُ
أتطلبُ جِيفةً لتنالَ منها ... وتُنْكرَ أنْ تُهارِشَكَ الكلابُ
وقوله:
نَقْطَعُ الأوقاتَ بالكُلَفِ ... وقُصارانَا إلى التَّلَفِ
أَملٌ تُرْجَى مطامِعُهُ ... لا إِلى حَدٍ ولا طَرَفِ
تُعْجِبُ الإِنسانَ مكْنَتُه ... وهْو بابُ الهمِّ والأسَفِ
وهْو ديْنٌ للزمان فلا ... يفرحِ المغرورُ بالسَّلَفِ
أَترى الجزَّارَ عن كرَمٍ ... جودُهُ للشاةِ بالعَلَفِ
وقوله:
إذا أَذِنَتْ لك الدُّوَلُ ... تذكَّرْ كيف تَنْتَقِلُ
فلو سَمَحَتْ بها الأيّا ... مُ لم يَسْمَحْ بها الأجَلُ
وقوله:
كنْ من الدنيا على وَجَلِ ... وتوقَّعْ سرعةَ الأجَلِ
آفةُ الألبابِ كامنةٌ ... في الهوى والكَسْبِ والأمَلِ
تخدعُ الإنسانَ لذّتُها ... فَهْي مِثلُ السمِّ في العَسَل
أنتَ في دنياك في عملٍ ... والليالي فيك في عمل
ومن شعره في المراثي: قال يعزي الأفضل بأخيه المظفر:
стр. 653
إذا كان عُقْبَى ما يسوءُ التصبُّرُ ... فتقديمُهُ عند الرزيّةِ أَجدَرُ
وليس الشجاعُ النَّدْبُ مَنْ يضرب الطُّلا ... دراكاً ونارُ الحرب تُذْكَى وتُسْعَرُ
ولكنه من يؤلمُ الثُّكلُ قلبَهُ ... وتعروه أحداثُ الزمانِ فيَصْبِرُ
لئن عَظُمَ الخَطْبُ الشديدُ مَحَلُّه ... فحلمُك أَعلى منه قَدْراً وأكبر
وبعضُ الذي يحويه صدرُكَ هِمَّةٌ ... تضيقُ به الدنيا جميعاً وتصغر
لقد زعزعتْ شُمَّ الجبالِ رزيَّةٌ ... أَلَمَّتْ ولكنْ طَوْدُ حلمك أَوْقَرُ
بعلمك تَستهدي نفوسُ ذوي النُّهى ... وأنت بها قال المُعَزُّونَ أَخْبَرُ
وحكْمُ التعازي سُنَّةٌ نبويّةٌ ... وإلاّ فمنك الحزم يبدو ويَصْدُرُ
ومنها:
لقد سَلَبَتْ كفُّ الرَّدَى منك مهجةً ... تَكَنَّفَهَا للحزْمِ والعزْمِ عَسْكَرُ
فويحَ المنايا كيفَ غالَتْهُ وهْيَ في ... صنائعكمْ فيما يُخافُ ويُحذرُ
وتصريفُها بين الصوارمِ والقَنا ... بأيديكم والخيلُ بالهامِ تَعْثرُ
وأنت لها نعم الذريعةُ في الوَغى ... إذا ضاقَ نَفْسُ القِرْن دِرْعٌ ومِغْفَرُ
وما قيمةُ الدنيا فيأسِر لفظها ... جلالك؛ كلا فهي أَدنى وأحقر
ومن شعره في غير ذلك قوله في التوجع بفقد الشباب:
أَسَفِي على ردِّ الشباب الزائلِ ... أَسَفٌ يطول عليه عضُّ أناملي
وَلَّى فلا طمَعٌ لعطْفةِ هاجرٍ ... منه، ولا أَمَلٌ لأَوْبةِ راحل
هذا على أنَّ العفاف وهِمَّتِي ... لم يُظْفِرَا حظِّي لديه بطائل
وله من أبيات:
ونفَّرَ صبحُ الشيبِ ليلَ شبيبتي ... كذا عادني في الصبحِ معْ مَنْ أُحِبُّهُ
وله
سأتبعُ عَزْمي حيثُ عمَّ وأَنتحي ... وجوهَ المنايا في ظهورِ المخاوفِ
عسَى عزَّةٌ تُنْجِي من الذلِّ، أَو غِنىً ... من الفقرِن أو أَلقى الرَّدَى غيرَ آسفٍ
وله
أما والهوى لو أَنَّ أحكامه قَسْطُ ... لما اجترأتْ أن تَمْلِكَ العَرَبَ القِبْطُ
ومنها:
وخطَّتْ على لَبَّاتِها البيضِ أَسْطُراً ... يكون بأطراف الوَشيج لها نَقْطُ
بأيدي رجالٍ تعرف الحربُ ضَرْبَهُمْ ... كأنَّهُمُ من نَسْجِ عِثْيَرِهِمْ شُمْط
بِجُرْدٍ يُطير النارَ بالقاعِ رَكْضُهَا ... كأَنْ قد توارَى في سنابكها النِّفْط
وإِلاَّ فَلِمْ تُنْمَى المذاكي، وتنتمي ... شفارُ المواضي، أو لِما يُرْكَزُ الخطُّ
وله
أَرى الشرَّ طبعَ نفوسِ الأَنامْ ... يُصَرِّفها بين عارٍ وَذَامْ
فإن كانَ لابدَّ من قُرْبِهِمْ ... فَزُرْهُمْ على حَذَرٍ واتِّهام
وما ذاك إلا كأكلِ المريض ... شهوتُهُ من أَضرِّ الطعام
وقد ينتهي شرُّ من لا تخافُ ... إلى غايةٍ في الأذى لا تُرَامْ
كما يقتلُ النملُ وَهْو الضَّعِيفُ ... شِبْلَ الهِزبْرِ البعيدِ المرام
وما للرماحِ على طولها ... مع البعدِ فعلُ قِصَارِ السِّهام
وله في مجدور:
قالوا مَحَا الجُدَرِيُّ بهجتَهُ ... قَسَماً بربِّ مِنىً لقد كَذَبُوا
لكن صَفَتْ صهباءُ وَجْنَتِهِ ... لوناً فجمَّلَ صَفْوَهَا الحَبَبُ
وله
ويوم بَرْدٍ عقودُهُ بَرَدٌ ... لها سلوكٌ من هَيْدبِ المَطَرِ
ينثرهُ الجوُّ ثمَّ يَنْظِمُ منه ... الأرضَ بالزهْرِ كلَّ منتشر
فَهْوَ يحاكي الحبيبَ في اللون واللُّطْفَ ... وعذبَ الرُّضَابِ والخَصِرِ
فالغيم يبكي، والزهر يضحك، والبروقُ ... تُبْدِي ابتسامَ ذي خَفَر
وله
стр. 654
هذا الفراقُ وهذه الأظعانُ ... هل غيرُ وقتِكَ للدموع أَوَانُ
تتناهبُ الزفراتُ قلبَكَ كلما ... غَنَّى على فَنَنِ الغَضَا حَنَّانُ
قد حان حَسْبُك أن تَكلَّم مُقْلَةٌ، ... يومَ الترحل، أو يشيرُ بنان
لكن عَدَاكَ عن الأحبَّةِ مثلُها ... قَدٌّ، ولحظٌ ذابلٌ، وَسِنان
للبيضِ دون البيضِ ضَرْبٌ مثلما ... للسمر دون السمر فيك طعان
من كل معتقل القناةِ تخالُهُ ... أَسَداً يلوذ بكفِّهِ ثعبان
أخذه من قول أبي بكر بن اللبانة المغربي: فقلنا الصل يتبع ضيغما. وله:
يا ساكني مصرٍ أَمَا مِن رحمةٍ ... فيكم لمن ذهبَ الغرامُ بلُبِّهِ
أَمِنَ المروءةِ أن يزورَ بلادكم ... مثلي ويرجعَ مُعْدِماً من قلبه
وله من أول قصيدة:
هَجَرَ العذولَ وراحَ طَوْعَ غُوَاتِه ... ورأَى قبيح الغَيِّ من حسناتِه
ومنها:
يَبْدُو على الوردِ الجنيِّ إذا بدا ... خَجَلٌ من التقصير عن وَجَنَاتِه
يمشي فيلقَى خصرُهُ من ردفه ... مثلَ الذي أَلقاهُ من إِعْناتِه
وكأنّ نَمْلَ عِذارِه قد خاف أنْ ... يَسْعَى به فيزلّ عن مِرْآتهِ
لا تُرْعِ طَرْفَكَ خُضْرةً نبتتْ به ... فمصارعُ الألباب بين نَباته
مثلُ الحسامِ يروقُ خُضْرةَ جوهرٍ ... في متنه، والموت في جَنَباته
من لونهِ ذَهَبٌ وأَيُّ مثوبة ... يحظى بها لو خَصَّني بزكاته
لا تنكرنّ السحر فَهْوَ بطرفه ... ودليلُهُ ما فيَّ من نَفَثاتِهِ
وله
وليلةٍ باتَ فيها البدرُ يَفْضَحُنا ... غيظاً على قَمَرِي إذ باتَ يفضَحُهُ
والروضُ يُبدي إلينا من سرائرهِ ... معنىً يدقّ ولفظُ الريح يَشْرَحُه
وكلما نفحتنا من أَزاهره ... رَيَّا فمنَّا نسيمُ المسك ينفحَهُ
وقد تناهى بنا ضيقُ العناق إلى ... حدٍ كمُنْطَبقِ الجَفْنَيْنِ أَفسَحُهُ
كأنما قصدُ قلبينا لِقاؤُهُما ... دون الوسائطِ في أمرٍ نُصَحِّحُه
ولظافر هذا قصيدة زائية، وقع إلي منها ما أثبته وهو:
حُكْمُ العيونِ على القلوبِ يجوزُ ... ودواؤها من دائهِنَّ عزيزُ
كم نظرةٍ نالَتْ بطرفٍ ذابلٍ ... ما لا ينالُ الذابلُ المهزوزُ
فحذار من تلك اللواحظِ غِرّةً ... فالسحرُ بين جفونها مركوز
يا ليت شِعري والأماني ضَلَّةٌ ... والدهرُ يدرك صَرْفُه ويجيز
هل لي إلى زمنٍ تصرَّم عهدُهُ ... سببٌ فيرجعُ ما مضى فأفوزُ
وأزورُ مَن أَلِفَ البِعاد وَحُبُّهُ ... بين الجوانح والحشا مركوز
ظبيٌ تَنَاسَبَ في الملاحةِ شخصُه ... فالوصفُ حين يطولُ فيه وجيز
والبدرُ والشمسُ المنيرةُ دونه ... فالحسنُ منه يروقُ والتمييز
لولا تثنِّي خصرِهِ في رِدْفِه ... ما خِلْتُ إلاّ أَنه مغروزُ
تهفو غِلاَلَتُه عليه لطافةً ... فبجسمه من طَرْزِها تطريزُ
من لي بدهرٍ كانَ لي بوصاله ... سمحاً ووعدي عنده مَنْجوز
والعيشُ مُخْضَرُّ الجناب أَنيقُهُ ... ولأَوْجهِ اللذاتِ فيه بروز
والماءُ يبدو في الخليج كأنه ... أَيْمٌ لسرعةِ سيره محفوز
والروضُ في حُلَلِ النبات كأنما ... فُرِشَتْ عليه ديابجٌ وخزوز
والزهرُ يوهِمُ ناظريه بأنه ... ظهرتْ به فوق الرياض كنوز
فأَقَاحُهُ وَرِقٌ، وَساقِطُ طلِّهِ ... دُرٌّ وَنَوْرُ بَهارِه إبريز
ومنها:
وكأنما القُمْرِيُّ يُنْشِدُ مَصْرَعاً ... من كلِّ بيتٍ والحمامُ يُجِيزُ
وكأنما الدولابُ يَزْمُرُ كلما ... غَنَّتْ، وأَصواتُ الضفادع شِيز
стр. 655
يا رُبَّ غانية أَضَرَّ بقولها ... أَنِّي بلفظة مُعْدِمٍ منبوزُ
فأجبتها ما عازني نَيْلُ الغِنى ... لكنْ مطالبةُ الحميدِ تَعُوزُ
في هذا البيت لحن، قال عازني والصحيح أعوزني وتعوز، وهذا يدل على أنه لحنةٌ
ما خابَ مَن هَضَمَ التفضلُ ما لَهُ ... كرماً، وَوَافرُ عرضهِ محروزُ
وهذا أيضاً صوابه محرز.
وله أيضاً:
لئن أنكرتْ مقلتاها دَمَهْ ... فمنه على وَجْنَتَيْها سِمَهْ
وها في أَناملها في بعضُهُ ... دَعَتْهُ خِضاباً لكي تُوهِمْهْ
هذا من قول الآخر:
خذوا بدمي ذاتَ الخضابِ فإنني ... رأيت بعَيْنِي في أناملها دمي
إذا كان لم يجنِ غيرَ الهوى ... فَيُقْتَلُ بالهجرِ ظُلْماً لِمَهْ
فقالتْ بما سُقْمهُ والدموع ... فأظهرَ من سِرِّنا مُعْظَمَهْ
فديتكِ دمعيَ من بَثَّهُ ... هواك وجِسْمِيَ من أسقمَه
وأنشدني القاضي أبو القاسم حمزة بن علي بن عثمان وقد وفد من مصر إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعين قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني الديباجي قال: أنشدنا ظافر الحداد لنفسه في كرسي النسخ:
نَزِّهْ لحاظك في غريب بدائعي ... وعجيبِ تركيبي، وحكمةِ صانعي
فكأنني كَفَّا مُحِبٍ شَبَّكَتْ ... يومَ الفراقِ أصابعاً بأصابع
قال ابن عثمان: وأنشدنا أبو الحسين يحيى بن محمد بن الحسين الأزدي بالإسكندرية قال: أنشدنا ظافر الحداد لنفسه بمصر في العذار:
أَطْلَعَ الشمسَ من جبينك بدرٌ ... فوقَ وَرْدٍ من وجنتيك أَطَلاَّ
فكأن العذارَ خافَ على الور ... دِ جَفَافاً فمدَّ بالشَّعْر ظِلاَّ
قال: وأنشدنا أيضاً لنفسه ارتجالاً وقد أحضره الأمير السعيد ابن ظفر والي الإسكندرية، ليبرد خاتماً في يده قد ضاق عن خنصره:
قَصَّرَ في أوصافك العالَمُ ... فاعترفَ الناثرُ والناظمُ
من كنِ البحرُ له راحةً ... يضيقُ عن خنصرهِ الخاتَمُ
فأمر له بعطاء، فقيل له: إن كنت ذا خاطر سمح، فأنشدنا أسرع من لمح في هذا الغزال المستأنس، يعني غزالاً كان في حجر الأمير، فقال:
عجبتُ لجرأةِ هذا الغزالِ ... وأَمْرٍ تَخَطَّى له واعتمدْ
وأَعْجِبْ به إِذْ بدا جاثماً ... فكيف اطمَأَنَّ وأَنْتَ الأَسَدْ
فأمر له بعطاءٍ آخر، فقال له الرجل ممتحناً: انظم في هذه الشبكة المسدولة على هذه الدار شيئاً، فقال:
رأيتُ ببابك هذا المنيفِ ... شباكاً فأَدْرَكَنِي بعضُ شَكْ
وفكرتُ فيما جرى لي فقلتُ ... مكانُ البحارِ يكونُ الشّبَكْ
فقال الأمير لممتحنه: دعه وإلا أخذ ما علي.
وله، وقد استدعاه بعض أصحابه إلى الجيزة وقلى له سمكاً يقال له الراي فاقترح على الغريزة من قريحته نظم هذه الأبيات الوجيزة:
أيا سيداً فقاَ أَعْلى الرُّتَبْ ... وحازَ الجمال بأدْنَى سَبَبْ
أَمَالَكَ في الرَّايِ رأْيٌ فإِنَّ ... له صفةً أوجبَتْ أن يُحَبْ
تَرَبَّى مع النيلِ حتى رَبَا ... وصارَ من الشحم ضَخْماً خِدَبْ
ولا حِسَّ للعَظْمِ في أَكْلِهِ ... فليس على السنِّ منهُ تَعَبْ
يَرُوقُكَ نِيئاً وفي قَلْيهِ ... فتنظرُ في حالتيهِ العَجَبْ
نصول السكاكين مصقولة ... وفي القَلْيِ تمويُههَا بالذهب
قال: وأنشدني لنفسه:
قدٌّ يقدُّ به القلوبَ إذا انثنى ... يُنبيك كيف تَأَوَّدُ الأَغْصَانُ
كالصَّعْدَةِ السمراء قد أَوْفَى بها ... مَنْ لَحْظُ مُقْلَتِهِ الضعيفِ سنانُ
ما خلتُ أَنَّ النارَ في وجناتهِ ... حتى بَدَا في عارضيه دُخَانُ
وأورد له ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار قصيدة طويلة أثبت منها ما هو في صفاء النضار وأولها:
سائلِ الدارَ إن سألتَ خبيرا ... واسْتَجِرْ بالدموع تَدْعُ مُجيرا
стр. 656
وتعوَّذْ بالذكر من سُنَّةِ الغد ... ر ولا غروَ أن تكون ذَكُورا
أَفْهَمَتْنِي على قُحولِ ربُاهَا ... فكأني قرأتُ منه سطورا
دَمُ عيني بالسَّفْح حَلَّ لدارٍ ... لا يرى أَهلُها دماً محظورا
ومنها:
هيَ دارُ العيش العزيز بما ضَمَّتْ ... قضيباً لَدْناً وظَبْياً غَريرا
ما تخيَّلْتُ أنها جَنَّةُ الخُلْد ... إلى أن رأيت فيها الحُورَا
يا لُواةَ الديوان هل في قضاءِ ... الحُسْن أن يَمْطُلَ الغنيُّ الفقيرا
احفظوا في الإسار قلباً تَمَنَّى ... شَغَفاً أن يموت فيكمْ أسيرا
وقتيلاً لكمْ ولا يشتكيكمْ ... هل رأيتمْ قبلي قتيلاً شكورا
ومنها:
نَصَلَ الحوْلُ بعدكم وأَراني ... بَعْدُ من سَكْرَةِ النَّوَى مَخْمُورا
ارْجِعُوا لي أيامَ رَامَةَ إِنْ كا ... نَ لما كان وانقضى أَنْ يَحُورَا
وشباباً ما كنت من قبل نَشْرِ ... الشيب أخْشَى غُرَابَهُ أَنْ يَطيرا
إنْ تكنْ أَعْيُنُ المَهَا أَنْكَرَتْني ... فلعمري لقد أَصَبْنَ نكيرا
زَاوَرَتْ خُلَّتَينِ مِنِّيَ إِقتا ... راً يُقَذِّي عيونَها وقَتيرا
كنتُ ما قد عَرَفْنَ ثم انتَحَتْنِي ... غِيَرٌ لمْ أُطِقْ لها تغييرا
وخطوبٌ تُحيل صبغتَها الأَبشا ... رَ فضلاً عن أَن تُحِيلَ الشُّعورا
وافتقادي من الكرام رجالاً ... كان عيبي في ظلهمْ مستوراً
فارقوني فقلَّلُوني وكم كا ... ثَرْتُ دهري بهمْ فكنت كثيرا
ومنها في التخلص:
ولقد أَبقتِ الليالي أبا الفضل ... فأبقتْ في المجد فضلاً كبيرا
لاحَ فينا فأقمرت ليلةُ البد ... ر وأَعطْى فكان يوماً مَطِيرا
الفقيه ابن الكيزاني المصري الواعظ الشافعي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرح الأنصاري المعروف ب
ابن الكيزاني
فقيه واعظ مذكر حسن العبارة، مليح الإشارة، لكلامه رقة وطلاوة، ولنظمه عذوبة وحلاوة. مصري الدار، عالم بالأصول والفروع، عالم بالمعقول والمشروع، مشهود له بألسنة القبول، مشهور بالتحقيق في علم الأصول. وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث، ومعرفة بالقديم مكون الحديث، إلا أنه ابتدع مقالة ضل بها اعتقاده، وزل في مزلقها سداده، وادعى أن أفعال العباد قديمة، والطائفة الكيزانية بمصر على هذه البدعة إلى اليوم مقيمة. أعاذنا الله من ضلة الحلم، وزلة العلم، وعلة الفهم. واعتقد أن التنزيه في التشبيه، عصم الله من ذلك كل أديبٍ أريب ونبيلٍ نبيه.
وله ديوان شعر يتهافت الناس على تحصيله وتعظيمه وتبجيله لما أودع فيه من المعنى الدقيق، واللفظ الرشيق، والوزن الموافق، والوعظ اللائق، والتذكير الرائع الرائق، والقافية القافية آثار الحكم، والكلمة الكاشفة أسرار الكرم.
توفي بمصر سنة ستين وخمسمائة وهو شيخ ذو قبول، وكلام معسول، وشعر خال من التصنع مغسول، ودفن عند قبر إمامنا الشافعي ﵁. والكيزانية بمصر فرقة منسوبة إليه، ويدعون قدم الأفعال، وهم أشباه الكرامية بخراسان.
أنشدني الفقيه أبو الفتح نصر الفزاري الإسكندري ببغداد في ذي الحجة سنة ستين، قال: أنشدني ابن الكيزاني وقد دخلت إليه زائراً بمصر في شوال سنة خمس وخمسين لنفسه:
إِذا سمِعْتَ كثير المدح عن رجلٍ ... فانظر بأيِّ لسانٍ ظلَّ ممدوحَا
فإن رَأَى ذاك أَهلُ الفضل فارْضَ لهم ... ما قيل فيه وخُذْ بالقول تصحيحا
أَوْ لا فما مَدْحُ أَهلِ الجهل رافِعُهُ ... وربما كان ذاك المدح مجروحَا
واستعرت من الملك الناصر صلاح الدين وقد لقيه قبل أن ملك مصر قطعة بها من شعره في الغزليات وغيرها في الزهديات، وأثبت منها هذه المقطوعات فمنها قوله:
اصْرِفوا عنّي طَبِيبي ... وَدَعُوني وَحَبيبي
عَلِّلوا قلبي بذكرا ... هُ فقد زادَ لهيبي
طابَ هَتْكي في هواهُ ... بَيْنَ وَاشٍ ورقيبِ
стр. 657
لا أُبالي بفَوَات النَّفْ ... سِ ما دامَ نصيبي
ليسَ مَنْ لامَ وإن أَطْ ... نَبَ فيه بمُصيب
جَسَدي راضٍ بسُقْمي ... وَجُفُوني بنَحيبي
وقوله:
سواءٌ أن تلوما أو تُرِيحا ... رأيتُ القلب لا يَهْوَى نصيحا
أمَا لو ذُقْتُمَا صَرْفَ الليالي ... إِذَنْ لعذَرْتُمَا القلبُ القَرِيحا
وكانت فُرْقةُ الأحباب ظَنّاً ... فأصبح بَيْهُمْ خَبَراً صريحا
ولو لم ينزلوا سَلماتِ نَجْدٍ ... لما استنشقتُ للسَّلَماتِ ريحا
ولا أهديتُ للأسماع يوماً ... غناءً من حمائمها فَصِيحا
وها أَنا قد سمحتُ بدمعِ عيني ... وكنتُ بدمعها أَبداً شَحيحا
وأمكنتُ المحبَّةَ مِن قِيادي ... وصنتُ مع النَّأي وُدّاً صحيحا
وقد سكن الجوى قلْباً صحيحاً ... وقد تَرَكَ الهوى صَدْراً قريحا
وقوله:
ما سمح الدهر لي بشيءٍ ... إلا تقاضاه فاستَرَدَّا
كنت ضَنِيناً بودِّ قومٍ ... أرعى لهم ذِمَّةً وعهدا
فاختلَسْتُهُمْ يَدُ الليالي ... وعَوَّضَتْ بالوصال صَدَّا
وقوله:
قد قتلتِ فاتئدي ... لا تُعَذِّبي كَبدي
وانظري جَوىً وهوىً ... سٌلِّطا على جسدي
لا تهدّدي بغَدٍ ... فالمماتُ بعد غدِ
كلما طلبتُ رِضاً ... بالوصال لم أَجِدِ
ما أَرَى صدودكُمُ ... ينتهي إلى أَمدِ
إنني بذلتُ دَمي ... ما عليكِ من قَوَدِ
إن بخلتِ أن تصلي ... فاسمحي بأن تعدي
مُذْ عَلِقْتُ حُبَّكُمُ ... لم أَمِلْ إلى أَحَدِ
ما جرى صدودُكمُ ... قبل ذاك في خَلَدِي
فارحمي قتيلَ ضَناً ... في هواكِ واقتصدي
وقوله:
قلْ لمن وكَّلَني بالسُّهُدِ ... إنّ مَن أَسْهَرْتَه لم يَرْقُدِ
بنتَ والشوقُ مقيمٌ في الْحَشا ... يتمادَى حَرُّهُ في الكبدِ
أَنا في أَسْركَ فانظرْ واحتكمْ ... ما على هجركَ من جَلَدِ
لا يَغُرَّنَّكِ يا مالكتي ... رَمَقٌ يبقى ليومٍ أَو غَدِ
وقوله:
تلذُّ لي في هَوَى ليلَى معاتبتي ... لأنّ في ذكرها بَرْداً على كَبِدي
وأشتهي سَقَمي أن لا يفارقني ... لأنها أودعَتْهُ باطنَ الجسَدِ
وليس في النوم لي ما عشتُ من أَرَبٍ ... لأنها أوقفَتْ جَفني على السُّهُدِ
ولو تمادتْ على الهِجران راضيةً ... بالهجر لم أشكُ ما ألقى إلى أَحدِ
فإن أَمُتْ في هواها فَهْيَ مالكتي ... وما لعبدٍ على مولاه من قَوَدِ
اللومُ أَشبه بي منها وإن ظلمتْ ... أنا الذي سُقْتُ حَتْفي في الهوى بيدي
وقوله:
لو أنّ عندكَ بعضَ ما عندي ... لرثيتَ لي من شدَّةِ الوَجْدِ
كلَّفْتَني ما لو يُكلَّفُهُ ... صَلْدٌ لذابَ له صَفَا الصَّلْدِ
يا ليت لما رُمْتَ تُتْلِفُني ... في الحبِّ كان بما سوى الصَّدِّ
لو كان هذا من سواكَ على ... ضَعْفي لكنتُ إليك أَستَعْدي
وقوله:
ليلتيْ رامةَ عُودَا ... واجعلا العهد جَديدا
قَرِّبَا ما كان صَفْواً ... لهوىً منا بَعِيدا
وإذا ما بَخِل الدهرُ ... بإِسعافي فجودا
أذكَرَتْني سَمُراتُ ... الحيِّ إذ مِسْنَ قدودا
مثلما أذكرني الرَّبْربُ ... أحداقاً وجيدا
ومنها:
ولقد أَنْصَفْنَ حِيناً ... ثم أَعْقَبْنَ صدودا
وغدا صَرْفُ الليالي ... مُبْدِياً فينَا مُعِيدا
فلكمْ أَقْرَحَ بالدمعِ ... جفوناً وخُدُودَا
стр. 658
ولقينا بعد لينِ ... العيشةِ الصَّعْبَ الشديدا
أيها الدهرُ أَقِلْنِي ... جُزْتَ في الجَوْر الحدودا
قد أَرَى الليل طويلاً ... فِيكَ والأيامَ سُودا
فأنا الدهرَ طريدٌ ... أَبْتَغِي صَبْراً طريدا
وله
أصبحتُ مما بيَ لا أدري ... ماذا الذي أَصْنَعُ في أمري
إن بحتُ لاآمَنُ من لائمٍ ... والصبرُ قد ضاق به صدري
وقد تشفَّعْتُ إليه بهِ ... ولا يَرى شيئاً سوى الغَدْر
لا حظَّ لي منه سوى صَدِّهِ ... أما لليل الصدِّ من فَجْرِ
قتلىَ بالسيف وإن لم يَجُزْ ... أَهْوَنُ من قتليَ بالهجر
وقوله:
يا من بدا هجرانُهُ ... ما أنتَ أَوَّلُ من هَجَرْ
هيَ سنَّةٌ مألوفةٌ ... فيمن تَقَدَّمَ أو غَبَرْ
داومْ على ما أنت ... فيهِ فإنما الدنيا عِبَرْ
عَوَّدْتُ نفسي الصبرَ، ... والأجْرُ الجزيلُ لمن صَبَرْ
قوله:
شَرِيفُنَا يَمْضي ومَشْرُوفُنَا ... وإنما يُفْتَقَدُ الخَيِّرُ
كالجوِّ لا يوجد إظلامه ... إلا إذا ما عُدِمَ النَّيِّرُ
وقوله:
يا مُؤْنسي بذكره ... وموحشي بهجرهِ
ومن فؤادي مُوقَفٌ ... لنهيهِ وأمرهِ
انظرْ إلى معذَّبٍ ... عادمِ حُسْنِ صَبْرِهِ
غادره جَوْرُ الهَوَى ... مُوَكَّلاً بفكرهِ
وسُقْمُهُ لعاذليهِ ... قائمٌ بعذرهِ
وقوله:
أَسْعَدُ الناس من يكاتمُ سِرَّهْ ... ويرى بَذْلَهُ عليه مَعَرَّهْ
إنما يُعْرَفُ اللبيبُ إذا ما ... حَفِظ السرَّ عن أخيه فَسَرَّهُ
إن يجد مَرَّةً حلاوةَ شكوا ... هُ سيلقى نَدامَةً ألف مَرَّه
وقوله:
أتُرَى أضمرتْ قديماً هَجْرَا ... أم وَفَى الدهر بالتفرُّق نَذْرَا
نَظَرَتْ نظرة المشوقِ وللبَيْنِ ... بقلبي جَوىً تُشِبُّ الْجَمْرَا
لا وتلك الجفونِ والبرقع السا ... ترِ عن مُقلتي الخدودَ الحُمْرَا
ما توسَّمْتُ قبل زَمِّ المطايا ... أن أرى هَوْدَجاً تكنَّفَ بدرا
أَزْمَعُوا رحلةً وقد نشروا الليل ... عليهمْ من جانبيهِ سِتْرَا
واستقلَّوا وللمطايا اشتياقٌ ... مستمرٌّ إذ حَثَّها السَّيْرُ قَسْرَا
عاطفات الأعناقِ من حَذَر التفريق ... نحو الديار يَنْظُرْنَ شَزْرَا
عزَّ لي أن أرى المزارَ بعيداً ... والديارَ التي توسَّمْتُ قَفْرَا
والعهودَ التي عهدْتُ إليهمْ ... بُدِّلَتْ منهمُ مَلالاً وغَدْرَا
وقال أيضاً:
اشربْ على منظر الحبيبِ ففي ... بهجتهِ نائبٌ عن البَدْرِ
ومَتِّعِ الطرف من لواحظهِ ... تَغْنَ بها عن سُلاَفةِ الخمر
قد سَمَحَ الدهر بالوصال فكنْ ... في دَعَةٍ من بوادرِ الهَجْر
وقال:
إن حَجَبُوا شخصكَ عن ناظري ... ما حَجَبوا ذكركَ عن خاطري
قد زارني طيفكَ في مضجعي ... يا حَبَّذا طيفُكَ من زائر
وصَلْتَنِي أَفْديكَ من واصلٍ ... هَجَرْتَني أفديك من هاجرِ
وقال:
وإني لأهوى ذكركمْ غير أنني ... أغارُ عليكم من مسامع جُلاَّسِي
عرفتُ بكم دهراً وللعبد حرمةٌ ... فلا تتركوني مُوحَشاً بعد إيناسي
وقوله:
قل للذي يَحْدو بأجمالهمْ ... ماذا على الأحباب لو عَرَّسُوا
وحَقُّ من كان له مُؤْنِسٌ ... يَفْنَى إذا فارقه المُؤْنس
ما ودَّعونا ومَ جَدَّ النَّوَى ... وإنما ودَّعتِ الأنفسِ
وقوله:
بربكما عَرِّجَا ساعةً ... ننوحُ على الطَّلل الدارسِ
стр. 659
فَفَيْضُ الدموعِ على رَسْمِهِ ... يُتَرْجِمُ عن حُرَقِ البائسِ
وعهدي بِغزْلانه رُتَّعاً ... لدى مَلْعَبٍ بالدُّمَى آنسِ
ولي فيهمُ شادنٌ أَهْيَفٌ ... يفوقُ على الغصُن المائسِوقوله:
أصبحتُ ممن كنت مسْتأنساً ... به لخُبْثِ الدهر مُسْتَوْحشاً
ما ينقضي يومٌ ولا ليلةٌ ... إلا بأحوالٍ تُمِضُّ الحَشَا
وقوله:
نَمْ هَنِيئاً فلست أعرفُ غمْضَا ... قد جعلتُ السُّهادَ بعدك فَرْضَا
لستُ ممن يرى سواك بديلاً ... لا ولا يبتغي لعهدك نَقْضَا
لكَ قلبي تملُّكاً فاحتكمْ ... فيه على أنني بحكمك أَرْضَى
وقوله:
بالله يا منتهى سُقْمي وأمراضي ... هل أنتَ راضٍ فإني بالهوى راضِ
لم يبق لي غَرَضٌ فيمن سواكَ فلا ... تعنُفْ على مهجتي يا كلَّ أغراضي
أما تميلُ إلى وَصْلٍ تَسُرُّ بهِ ... فقد مضى العمر في صَدٍ وإعراضِ
الحسن علَّمك التحكيمَ فابقَ على ... وَجْهِ العدالة في التحكيم يا قاضي
وقوله:
عَوَّضوني من رضاهم سَخَطَا ... إذ رأوني بالهوى مُغْتَبِطَا
وسَطَوْا إذ مَلَكوني عَبثاً ... حَبَّذا من جار منهم وسَطا
عَتَبُوا إذ زارني طيفهمُ ... إنما كان منامي غَلَطا
وأرادوا الصبر لما هجروا ... فلعمري كلَّفوني شَطَطَا
وقوله:
جَهْدُ عيني أن لا تذوقَ هُجُوعَا ... وجفوني أن لا تكفَّ دُمُوعَا
ولساني أن لا يزال مُقِرّاً ... أنني لستُ للعهود مُضِيعا
وفؤادي أن لا يُلمَّ به ... الصبْرُ وسقْمي ألا يرومَ نُزُوعَا
ولقد أَوْدَعَ الغرامُ بقلبي ... زفراتٍ أضحى بها مَصْدُوعَا
وإذا أَطْنَبَ العذولُ فقد عا ... هدتُ سمعي أن لا يكون سَمِيعا
وحرامٌ على التلهُّف أن ... يَبْرَحَ أو يَحْرِقَ الحَشَا والضلوعا
وبعيدٌ أن يجمع الله شملي ... بالمسرَّات أو نعودَ جَمِيعا
وقوله:
هنيئاً لعينٍ مُلِّيَتْ منك مَنْظَرَا ... وسَقْياً لأذْنٍ مُتِّعَتْ منك مَسْمَعَا
ولستُ أرى صَفْوَ الحياة وطيبَها ... إلى أن يعود العيش أَوْ يتجمَّعا
وقوله:
وعاذلٍ ضاق به ذَرْعي ... لم أُعْطِهِ البُلْغَةَ من سَمْعِي
أقول لما لجَّ في عذلهِ ... كلَّفْتَني ما ليس في الوُسْعِ
دع مُهْجَتي تحرقها زَفْرَتي ... ومقلتي يُغْرِقها دَمْعي
الحبُّ شَرْعٌ بين أربابهِ ... وما سلوُّ القلب في الشَّرْعِ
وقوله:
ما لقلبي من لوعة البين راقِ ... أتراني أَحْيَى ليوم التلاقي
عَزْمَة لم تَدَعْ لجفنيَ دَمْعَا ... لا ولا في الحَشَا مكانَ اشتياقِ
أطمعوني حتى إذا أَسَروني ... عَذَّبوا مهجتي وشَدُّوا وَثَاقَي
واستلذُّوا الفراق حتى كأنْ لم ... يعلموا أنه مَرِيرُ المَذَاق
ما على ذا عاهدتكمْ فذروا الهجرَ ... ليَرْقَا من دمعيَ المُهْرَاقِ
إن تكونوا حَرّمتمُ الوصل فالجفنُ ... بعيدُ المدى على الانطِباقِ
في سبيل الهوى نفوسٌ أقامتْ ... بعد وشك النَّوَى على الميثاق
لا يَغُرَّنْكم فلست على البينِ ... إذا لم تُبقوا عليَّ بباقِ
وقوله:
خَلِّصوني من يَدَيْ عذلكمُ ... ما أنا أولُ صَبٍ عشقا
قد تسربلتُ بسقمٍ لا شُفِي ... وتَهتّكْتُ بدمعٍ لا رَقَا
إنما لذَّةُ عيشي في الهوى ... لا أبالي بنعيمٍ أو شَقا
ليس يَبْقَى تحت أحكام الهوى ... أبداً إلا محبٌّ صدقا
стр. 660
وحبيبي لو رآه عاذلي ... كان باللوم عليه أَلْيَقَا
حَبَّذَا العيشُ الذي كان صَفَا ... منه والكأسُ الذي كان سَقَى
بَسَطَ الدهرُ إلينا باعَهُ ... لم يزل يَعْبَثُ حتى فَرَّقَا
أنا لا أسلو عن الحِبِّ ولا ... أبتغي من أَسْرِهِ أن أُطْلَقا
أخَذ الدهر لَحْينِي رَمَقِي ... ليته أَبْقَى عليَّ الرَّمَقَا
وقوله:
ما أودعوكَ مع الغرام وَوَدَّعوا ... إلا ليتلفَ قلبُكَ المشتاقُ
قف فاستلمْ أَثَرَ المطيِّ تعَلُّلاً ... إن لم يكن لك نحوهنَّ لحاقُ
وتنحَّ عن دعوى هواك فإنه ... إِن لم تمتْ يوم الفِراق نِفَاقُ
وقوله:
ملك الشوقُ مهجتي ... حبَّذَا من تملَّكا
قد رماني بحبّهِ ... ونَهَاني عن البُكا
إنما راحةُ المحبِّ ... إذا أنّ أَو شَكا
ما أَرى للسُّلُوِّ عنه ... وإن جارَ مَسْلَكا
وقوله:
يا كاتمَ الحُبِّ والأجفانُ تَهْتِكُهُ ... وطالبَ العِتْق والأشواقُ تملكُهُ
شرط المحبَّة أن لا يشتكي مَلَلاً ... من قد رأَى أَنّ فَرْطَ الحب يُهْلِكهُ
والصبرُ تحت مذلاّتِ الهوى أَبداً ... عزٌّ فما منصفٌ في الحب يَتْرُكه
دَم المحبِّ بأيدي الحِبِّ مبتذَلٌ ... إن شاءَ يمنعهُ أو شاءَ يَسْفِكهُ
من كان في شَرَكِ الأشواق مُرْتَهَناً ... كانت له عُلَقٌ لا بدّ تُمْسِكُهُ
وقوله:
أيَّ طريق أَسْلُكُ ... وَأَيَّ قلْبٍ أَملك
وَأَيَّ صبرٍ أَبتغي ... وهو بكُمْ مُستهلَكُ
أَدارني حبّكمُ ... كما يدُور الفلكُ
أَأَنْثَنِي وكلُّ عضوٍ ... فيه منكمْ شَرَكُ
أَخلصتُ فيكم باطناً ... فيه هَوىً لا يُدْرَكُ
جَلَّ فما في صَفْوِه ... شَوْبٌ ولا مُشتَرَكُ
ولاؤكم لي مَذْهَبٌ ... وذكركمْ لي نُسُكُ
ومهجتي مملوكةٌ ... يا حبذا المملَّكُ
وإنْ أَردتمْ فاحقِنوا ... وإن أَردتم فاسفكوا
ما أَنتمُ ممن يُخَلَّى ... حُبُّهُ ويُتْرَكُ
وقوله:
يا دارُ هل تجدين وجد الشاكي ... أَمْ تعطفين على بُكاءِ الباكي
لا تُنْكري سَقَمي فما حَكَم البَلاَ ... في مُهجتي إلاّ لأجل بِلاكِ
أَصبحتِ داثِرَة الجَنَابِ وطالما ... طابَ الهوَى وغَنِيتُ في مَغْناكِ
أَمحلَّ إطرابي بعيشكِ عاودي ... لوْلاكِ ما كان الجوى لوْلاكِ
ما قصَّرَتْ نَوْحاً حماماتُ اللِّوَى ... مُذ غاب عن قُمْرِيِّها قَمَرَاكِ
وقوله:
إني لأعجب من صُدو ... دكِ وانعطافكِ في خيالكْ
يا ليت ذاك مكان ذا ... عندي وذا بمكان ذلكْ
لأكون مشتملاً على ... وَجْهِ الحقيقة من وِصالك
وقوله:
أَنْعموا لي بالوصالِ ... وارحموا رقَّةَ حالي
لا تذيبوا مهجتي ... بَيْنَ التجنِّي والدلالِ
ليس عندي في هواكمْ ... قد بَدَا لي قد بَدَا لي
إنما قصدي رضاكمْ ... قد حَلا لي قد حَلا لي
فإِن اخترتم عذابي ... لا أُبالي لا أُبالي
وقوله:
هجَروا مخافة أن يُمَلُّوا ... ظَنُّوا صوابهمُ فَزَلُّوا
أَوَ لَيْسَ هُمْ روحي فكيف ... أَمِيلُ عنهمُ حيث حَلّوا
لم يجهلوا تحريمَ قتلي ... في الهوى فبمَ استحلُّوا
لكنهمْ علموا بفرْ ... طِ محبتي لهمُ فَدَلُّوا
وتعزَّزوا بالحبِّ فاطَّ ... رحوا محلّي فاستدلُّوا
لم يبقَ من رمَقي لهج ... رِ أَحبّتي إلاّ الأقلُّ
لله ما تركوه من ... جسمي سليماً أو أَعَلُّوا
وقوله:
стр. 661
يا منصفاً في كل أحوالهِ ... لا تخرجِ الإنصافَ عن رسمهِ
هَبْ أَنني أبديتُ جُرْماً وقد ... يعتذر الإنسان من جُرْمِهِ
قد كثُرَ القيلُ وحاشاكَ أن ... تسمع قولَ الخصم في خصمهِ
انظرْ إلى الباطن من أمرنا ... فراحةُ العالمِ في علمهِ
فإنْ رأيتَ الحقَّ حقي فلا ... تمكِّنِ الظالمَ من ظُلمهِ
وقوله:
إن بين الكَرَى وأجْفان عيني ... مثلَ ما بين وَصْل حِبِّي وبيني
ولقد أوجبَ الهوى بُعْدَ صَبْري ... مثل ما أوجب النَّوَى قُرْبَ حَيْنِي
زعم اللائمون أنَّ سقامي ... شَيْنُ جسمي فليت لونيَ شيني
لي ديونٌ على الحبيب كثيرٌ ... وأرى حَظِّيَ المِطَالَ بَدْيني
أَنَا من كثرة الصدود مَلِيءٌ ... غير أَنِّي في الوصل صِفْرُ اليدينِ
وقوله:
أنا بالصبر فيه لا الصبرِ عَنْهُ ... تحت حكم الهوى بما جاءَ منْهُ
قد صفَتْ في محبَّةٌ لم أكدِّرْ ... هَا وعهدٌ مقدَّم لم أَخُنْهُ
فاعتراني الصدودُ إن زال حُبّي ... وحُرِمْتُ الوصال إن لم أَصُنْهُ
قد تمنيتُ أن تكون وصولاً ... فتفضَّلْ بهِ عليَّ وكُنْهُ
كل حبٍ له إذا نَظَرَ النا ... ظرُ كُنْهٌ وما لحبِّيَ كُنْهُ
وقال:
تريد الهوى صِرْفاً من الضُّرِّ والبَلْوَى ... لعمرك ما هذِي قضيَّةُ مَنْ يَهْوَى
إذا لم يكن طَرْفُ المحبِّ مُسَهَّداً ... وأَدْمُعُهُ تَجْرِي فهذا هو الدعوى
ولا حبَّ إلا أن ترى كُلْفَةَ الهوى ... ألذَّ من المَنِّ المنزَّل والسَّلوَى
وحتى ترى القلب القريحَ من الهوى ... يمانعه الصبرُ الجميل من السَّلْوَى
رَعَى اللهُ من أعطى المحبةَ حَقَّهَا ... وإن لم يكن فيها من الأمر ما يَقْوَى
ونقلت له من مجموع آخر هذه المقطعات الموشعا ت ورأيت إثبات ما به من الأبيات قال:
يا من يَتِيهُ على الزمان بحسنهِ ... اعْطِفْ على الصبِّ المشوق التائهِ
أَضْحَى يخاف على احتراق فؤادهِ ... أَسَفاً لأنك منه في سودائه
وقال:
يا حاديَ العِيسِ اصْطَبِرْ ساعةً ... فمهتجي سارتْ مع الرَّكْبِ
لا تَحْدُ بالتفريق عن عاجلٍ ... رِفْقاً بقلبِ الهائمِ الصَّبِّ
لو كنتَ تدري ما احتكامُ الهوى ... وجَوْرهُ من تَلَفِ القَلْبِ
رثيتَ لي مما يُجِنُّ الحَشَا ... من شدة الهِجْران والكَرْبِ
وقال:
والله لولا أنَّ ذكرَك مُؤْنِسي ... ما كان عيشي بالحياة يطيبُ
ولئن بكتْ عيني عليك صبابةً ... فلكلِّ جارحةٍ عليك نحيبُ
أتظنُّ أن البعد حلَّ مودتي ... إن بانَ شَخْصُك فالخيال قريبُ
كيف السلُّو وقد تمكَّنَ في الحشا ... وَجْدٌ على ما في الفؤاد رقيبُ
وإليك قد رَحَلَ الهوى بحُشَاشتي ... والسُّقْمُ مُشْتَمِلٌ وأنتَ طبيبُ
وقال:
يا من يصارِمُني بلا سببِ ... مَهْلاً فإنَّ هواك بَرَّحَ بي
انظرْ إلى رمَقٍ تجيلُ به ... أيدي الهوى أنفاسَ مكتَئِبِ
واسمَحْ بحسن العَطْفِ منك لمن ... غَادَرْتَهُ وَقْفاً على العَطَبِ
قد فُلَّ صبري فيك منهزماً ... لا ينثني وهواكَ في الطَّلَبِ
وقال:
حاولتُ وصلكمُ فعزَّ المطلبُ ... وذهبت أسألكم فضاقَ المَذْهَبُ
لا تَعْتِبوا أني تشكَّيْتُ الهَوَى ... رُدُّوا عليَّ تَصَبُّرِي ثم اعْتِبوا
أَثْبَتُّمُ غَدْراً وما أنا غادرٌ ... وجعلتمُ ذنباً ما أنا مُذْنِبُ
إني لأعجب من تحمُّلِيَ الهوى ... وبقاءُ جسمي بعد ذلكَ أَعْجَبُ
стр. 662
لابدَّ منكم فاهجروا أو وَاصلوا ... ما مثلكمْ في الحبِّ من يُتَجَنَّب
وقال:
أَمَا واشتياقي نحوكم ودُموعي ... عليكم وذُلِّي فيكمُ وخضوعي
لئن كان جسمي عنكمُ مُتَخَلِّفاً ... لقد سرتمُ يوم النَّوَى بهجوعي
ولا غَرْوَ إن أفنيتُ روحي صَبَابَةً ... إذا لم تَمُنُّوا منكمُ برجوع
لعل نسيمَ الريح إن حلَّ أرضكم ... يكونُ بتبليغ السلام شفيعي
وقال:
عَيَّرُوني بأنْ سَفَحْتُ دموعي ... حين همَّ الحبيب بالتوديع
زعموا أنَّني تَهَتَّكْتُ والحِبُّ ... على ما أريد غَيْرُ مطيعي
لم يذوقوا طعم الفِراق ولا ما ... أَحْرَقَتْ لوعةُ الهَوَى من ضلوعي
كيف لا أسفح الدموعَ على رَسْمٍ ... عَفَا بعد سَاكنٍ وجموع
وقال:
بَعُدْتُم فَقَرَّبْتُمْ ببعدكمُ حَتْفي ... وما الموتُ إلا في مفارقة الإلْفِ
وقالوا اتَّبِعْ عُرْفَ المحبين في الهوى ... فقلت لهم جارَ الغرامُ على العُرْف
وحَمْلُ يسيرِ الحب يُتْلِفُ مهجتي ... فكيف بتحميلي الكثيرَ مع الضعف
وقد زاد بي لَهْفي فلولا تستُّرِي ... لناديتُ من فَرْط الصبابة والَهْفي
فلا تتركوني للحوادث نُهْبَةً ... فقد صَنَعَ الشوق المبرِّحُ ما يكفي
وقال:
يا من يَرَى عَذَلي به وتحرُّقي ... ونحولَ جسمي في الهوى وتَشَوُّقي
لم أَلْقَ مثلك مُفْرِطاً في صدِّهِ ... عَمْداً ولا في الحب مثلي قد شَقِي
فبفرط صَدِّك بل بفرط مَحبَّتي ... إلاَّ نظرْتَ إليَّ نظرة مُشْفِقِ
إني لأَجْرَعُ منك ما لو ذُقْتَهُ ... لعلمتَ ماذا في الهوى قلبي لَقِي
جُرْ كيف شئتَ فلستُ أولَ عاشق ... كأسَ المحبَّة في محبته سُقِي
وقال:
لولا المطامعُ بالتلاقي ... لَذُبْتُ من فَرْطِ اشتياقي
إنَّا وإنْ نَأْتِ الديا ... رُ بنا على قُرْبِ الوفاقِ
تمضي بنا الأيامُ في ... صَفْوِ الهوى والودُّ باقِ
وأظلُّ أمحو بالترحِّي ... فيكمُ أَثَرَ الفراق
وقال:
أَسُكَّانَ هذا الحيِّ من آل مالكٍ ... مسالمةٌ ما بيننا وجَمِيلُ
أَلم تَعِدونا أن تزُورُوا تكرُّماً ... فما بالُ ميعاد الوصالِ يطولُ
وَحُلْتُمْ عن الوَعْدِ الجميل مَلالَةً ... وأنتمْ على نَقْضِ العهودِ نُزُول
إذا قيل من تهوونه صار حَانِثاً ... بِعَيْشِكُمُ ماذا هناكَ يقول
وإنا لنَسْتَبْقِي المودَّة والهوى ... شهيدٌ لنا إذ ليس عنه نَزُولُ
ولا تَحْسَبُوا العُتْبَى عليكم تَوَجُّعاً ... فيطمعَ واشٍ أو يَلجَّ عَذُولُ
رضينا رضينا أن نُبِيح نفوسنا ... وما عاشقٌ منا بذاكَ بخيلُ
وما منكمُ بُدٌّ على كل حالة ... وإن كان فيكم هاجرٌ وملولُ
كذاك الهوى: هذا حبيبٌ مُعَزَّزٌ ... وهذا محبٌّ في هواه ذليل
ووجدٌ وشوقٌ وارتياحٌ ولوعةٌ ... وهجرٌ وسقمٌ دائمٌ ونحولُ
دواعي الهوى محتومةٌ فاصطبرْ لها ... وإن جارَ بَيْنٌ أو جفاكَ خليل
علمن بوشك البَيْن أَوَّلَ حالهِ ... وما حَضَرَتْنَا للوداع عقولُ
إذا ما طمعنا أَنْ تَقَرَّ ديارُهُمْ ... تداركهم بعد الرحيلِ رَحِيلُ
وقال:
ناديتهم إذ حَمَّلوا ... بحقكمْ لا تعجَلُوا
تعطَّفوا بنظرةٍ ... من قبل أَنْ تَحَمّلُوا
لم يبق إِلا نَفَسٌ ... وأدمعٌ تَنْهَمِلُ
ما وقفةٌ لمُغْرَمٍ ... لم يُغْنِهِ التَّعَلُّلُ
ويا فراقُ كمْ تُرَى ... أنتَ بنا مُوَكَّلُ
стр. 663
أنا المُعَنَّى بهمُ ... إن أسرعوا أو نَزَلوا
فخلِّ عن عَذْلي فَلَنْ ... يَنْفَعَ فيَّ العَذَلُ
ما لفؤادي عنهمُ ... صَبْرٌ ولا لي مَعْدَلُ
ولا سروري حينَ ولَّى ... وغرامي مُقْبِلُ
وغادروا قلبي على ... جَمْر الهوى يَشْتَعِلُ
وقال:
أَطْرَقْتُ حين رأيتهُ خَجَلاَ ... عند اللقاء فظنَّه مَلَلاَ
حاشَا ودادي أن يُنَهْنِهَهُ ... جَوْرُ الهَوَى ولو انَّهُ قَتَلا
وقال:
تعالَوْا نحاكمكمْ على لأيِّ مذهَبٍ ... أَبَحْتُمْ، بلا جُرْم أَتَيْتُ بهِ، قَتْلي
فإن قلتمُ حُكْمُ الهوى فاصنعوا يَداً ... مخافةَ أَنْ تُبْلَوْا بجَوْر الهَوَى مثلي
أو التزموا عهداً أُعَلِّلُ مهجتي ... بهِ واتركوا الآمال في قبضة الأمَلِ
وإلا فردّوا لي فؤادي فإنما ... سمحتُ به كي تسمحوا ليَ بالوصْلِ
وقولوا لنومي عُدْ وللشوق لا تَزِدْ ... وللعين كُفّي واقطعوا سَبَبَ العَذْل
وهذي قضايا الحق قد جئتكم بها ... فما لكمُ لا ترجعونَ إلى العَدْل
وقال:
تِهْ كيف شئتَ دَلالا ... لا صبر لي عنك لالا
إني لأحْمَد قَلْباً ... صَبَا إِليك ومالا
فلستُ أَبْغِي بحالي ... سواكَ ما عِشْتُ حالا
وقال:
لو كان هذا الهوى الذي قَتَلا ... ما بين قلبي وبينهمْ عَدَلا
لما استحلّوا بهجرهمْ تَلَفِي ... ولا استمالوا إلى الذي عذَلا
أمنحهم رِقَّ مهجتي ودمي ... ويمنحونَ الصدودَ والمَلَلاَ
ما كل من بَرَّح الغرامُ به ... والحبُّ يبغي بحبِّه بدلا
وقال:
أتزعم ليلى أَنني لا أحبها ... وأَني لما ألقاهُ غَيْرُ حَمُولِ
فلا ووقوفي بين أَلْوِيَة الهوى ... وعصيانِ قلبي للهوى وعذولي
لو انتظمَتْني أَسْهُمُ الهجر كلها ... لكنتُ على الأيام غَيْرَ مَلُولِ
ولست أبالي إذ تعلَّقْتُ حبها ... أفاضَتْ دموعي أم أَضَرَّ نحولي
وما عبَثي بالوم إلا تعَلُّلاً ... عَسَى الطَّيْفُ منها أن يكونَ رسُولي
وقال:
ما أَرْخَصَ الدمعَ على ناظري ... في الحبِّ إلا وَصْلُكَ الغالي
يَسُرُّني فيكَ عذابي وأَنْ ... تَبْقَى رَخِيَّا ناعم البال
قد أَطْنَبَ العُذَّالُ في قِصَّتِي ... وأكثروا في القِيل والقال
ما قلبهمْ قلبي ولا وَجْدُهُمْ ... وجدي ولا حالهمُ حالي
وقال:
ليتني كتُ مُخَلَّى ... بحبيبي أَتَملَّى
مَنَعوه من وصالي ... فَاْنثَنَى عِزِّيَ ذُلاَّ
ففؤادي بين شوقي ... وغرامي يَتَقَلَّى
وأراهم حسبوني ... بسواهمْ أَتَسَلَّى
لا رَعَى الله مُحِبّاً ... تَرَكَ الحُبَّ وَمَلاَّ
كنتُ بالصبر ضنيناً ... فتولَّى حين وَلَّى
وقال:
ناديتُ حاديَهمْ والعِيسُ سائرةٌ ... رفقاً فقلبي بهمْ رَهْنٌ وما عَلموا
إن كنتَ في غفلةٍ عما أكابدُهُ ... فَدَمْعُ عيني على ما في الحَشَا عَلَمُ
وقد تولَّى عزاءُ النفس مذ رحلوا ... عني فكيف أُطِيق الصبر بَعْدَهُمُ
همُ استحلوا دمي عمداً فلا حَرَجٌ ... إن أسعفونيَ بالإنصاف أو ظلموا
والله لو أنني خُيِّرْتُ من زمني ... ما كان لي بُغْيَةٌ في الناس غَيْرَهُمُ
وقال:
تَخَيَّرْ لنفسك من تصطفيهِ ... ولا تُدْنِيَنَّ إِليكَ اللِّئاما
فليس الصَّدِيق صديقَ الرَّخاء ... ولكنْ إذا قَعَدَ الدهر قاما
تنامُ وهمَّته في الذي ... يَهُمُّكَ لا يَسْتَلِذُّ المناما
стр. 664
وكم ضاحكٍ لك أحشاؤه ... تَمنَّاك أَن لو لَقِيتَ الحِماما
وقال:
ليس حظي من الحبائب إلا ... لوعةٌ أو تأسُّفٌ أو غَرَامُ
حَكَّموا البَيْن والهوى فيَّ لما ... علموا أنَّني بهم مُسْتَهامُ
أنا راضٍ فليصنعوا ما أرادوا ... كلُّ صبر عنهم عليَّ حرامُ
هُمْ رجائي وهم نهاية سُولي ... وهمُ بُرْء مُهْجَتي والسلام
وقال:
أَيَّ صبر تركتمُ ... ليَ لما رَحَلتُمُ
لي فؤادٌ متيَّمٌ ... سائرٌ حيث سرتمُ
أنا في كل حالة ... عَبْدكم إن رضيتمُ
ثابتٌ تحت حكمكم ... جُرْتُمُ أو عَدَلْتُمُ
فبحقِّ الهوى المبرِّح ... إِمَّا رَحِمْتُمُ
وديوان شعره كبير وقد انتخبنا منه ما صفا، وأوردنا ما كفى، وهو على هذا النفس، والنمط السلس، وهو مما انطبع في سمع الطبع، وانتظم نظم الودع، وتوقد بدهن الذهن، ولم يخل مع ذلك من وهن اللحن، سهل اللفظ، مقبول في سبيل الوعظ، يستخلص القبول، ويسترقص العقول.
جماعة ذكرهم ابن الزبير في مجموعه
أبو عبد الله محمد بن مسلم بن سلاح
من شعراء مصر، القريبي العصر. ذكره أبو الصلت في حديقته، ونقلت من مجموع المهذب بن الزبير هذه الأبيات من قصيدته:
يغالبُني حكمُ الفِرَاقِ فَيَغْلِبُ ... ويَقْتَادُ شَمْلِي للبعاد فَيُصْحِبُ
وتَأْمَنُ أوطاني اجتنابي فقلما ... يُطيل لها عُمْرَ الأماني التَّجَنُّبُ
كأنَّ حراماً أن يرى الشَّمْلَ جامعاً ... زمانٌ بتفريق الأحبَّة مُعْجَبُ
لقد آن أن تُقْصَى لُبَانَةُ مُؤْمِنٍ ... بوَصْلٍ ويدنو نازحٌ متجنِّبُ
وأن أَثْنَيَ العَزْمَ المصاحب للنَّوَى ... إلى أَوْبَةٍ نحو الأحبة تُقْرِبُ
عسى الرَّحِمُ اللاتي أطالَ أُوَامها ... عقوقي من ماء المبرَّةِ تَشْرَبُ
فقد أخذ الهجرانُ منها نَصِيبَه ... فما بال هذا الوصل ليس يُنَصَّبُ
وله
لي عنك في حَرْب الزمان وسَلْمِهِ ... وتجارب الأيام أعْظَمُ مُشْغَلِ
أنا كالحسام بصفحتيهِ رقة ... في العَيْنِ وهْوَ يَحُزُّ حَدَّ المَفْصِل
لو ساعدتني من زمان خُلَّةٌ ... وَهي الغِنى أدركتُ أَقْصى المأمَل
أو كان لي حظُّ الجهول فإنه ... رَأْسُ الفضيلة في الزمان الأرذل
ابن منكلان التنيسي
كان قبل سنة خمسمائة، له:
ولم أدر أن الشيخ بَغَّا لأنني ... غريبٌ ولي عن أن أسائلَهُ بُدُّ
وأَوْجَبَ حالُ الوقت ذكرى لفَيْشَتِي ... فمالَ إلى نحوي بلحيته يَشْدُو
وحدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنهم فزِدْتَني ... جنوناً فَزِدْنِي من حديثك يا سَعْدُ
وأنشدت له:
عِمَّةٌ من نَسِيجِ رَفَّاءٍ شَعْرِى ... مَزَّقَتْهُ من الزمان الحُتُوفُ
هَوَ شَيْءٌ وفي الحقيقة لا شيءَ ... فرأسي مُعَمَّمٌ مَكْشُوفُ
وله في شريف يوكل في الحكم:
أيا شريفاً سَيِّىءَ الخُلْقِ ... مُسْتَقْبَحَ الخِلْقَةِ والخَلْقِ
كم تنصر الباطلَ ظلماً وما ... تُحْسِنُ أَنْ تَدْخُلَ في الحقِّ
تأخذ أرزاقَ بني آدمٍ ... أأنت مخلوقٌ بلا رِزْقِ
أبو عبد الله
محمد بن بركات النحوي المصري
كان في عصرنا الأقرب، وهو نحوي مصر والمغرب. له:
يا عُنُقَ الإبريق من فضَّةٍ ... ويا قَوَامَ الغُصُنِ الرَّطْبِ
هَبْكَ تجافيتَ وأقصيتني ... تقدر أَنْ تَخْرُجَ من قلبي
قال القاضي الفاضل: ليس له أحسن من هذين البيتين، وذكره ابن الزبير في الجنان وقال: كان عالي المحل في النحو واللغة وسائر فنون الأدب، منحطاً في الشعر إلى أدنى الرتب.
علي بن عباد الاسكندري
стр. 665
ضرب رقبته صاحب مصر المنبوز بالحافظ لمدحه ولد الأفضل لما استولى على الملك، وقبضه الحافظ ليدبر له فلك الهلك، وتركه في حبسه مغتراً بنفسه، وفتك بابن الأفضل في الميدان، وعاد الحافظ إلى المكان، وأهدر دم ابن عياد، وملك من دمه، حيث لا قود، القياد.
ذكر ابن الزبير في مجموعة أن ابن عياد حضر في بعض البساتين يشرب تحت شجرة ومعه غلام حسن الوجه فتساقط عليه من ثمرها، فقال:
ودوحةٍ كالسَّماءِ نادمني ... من تحتها بَدْرُهَا على حَذَرِ
فأنشأتْ بالنجوم تَرْجُمُهُ ... وذاكَ من غَيْرَةٍ على القَمَرِ
وقرأت له في مجموع في مدح محمد بن أبي أسامة كلمة ذات أوزان موشحة:
يا من ألوذ بظلِّهِ ... في كل خطب مُعْضِلِ
لا زلتُ من أصحابهِ ... متمسِّكاً بيد السلاَمَهْ
آمِناً من كل بَاسِ
في الحوادثِ والصُّرُوفِ
وأعوذُ منه لفضلهِ ... في كل أمر مشكلِ
ما لاح فجر صوابهِ ... كالشمس من خَلْف الغمامَهْ
لا تميلُ إلى شِمَاسِ
دون موضعها الشريفِ
وأعدُّه لي مَعْقِلاً ... أضحَى عليه مُعَوّلي
عند المثول ببابه ... لما أمنت من الندامَهْ
في السماع وفي القياسِ
المحض والنظر الشريف
وأجلُّهُ عن مثلهِ ... مثل الحسام الفَيْصَل
ماضٍ بحدّ ذُبابه ... في كل جمجُمةٍ وهامَهْ
ثابتٌ صعب المراسِ
على مباشرة الحتوفِ
ولابن عياد:
كأنما الأرض لوْحٌ من زَبَرْجَدَةٍ ... بدَتْ إليكَ على غِبٍ من السُّحُبِ
والأقحوانة هَيْفَا وَهْيَ ضاحكةٌ ... عن واضحٍ غير ذي ظَلْمٍ ولا شَنَبِ
كأنما شمسه من فِضَّةٍ حُرِسَتْ ... خوفَ الوقوع بمسمارٍ من الذَّهَبِ
وذكره لي الفقيه نصر الإسكندري ببغداد، وقال: كان ابن عياد شاعراً مجيداً طريف الشعر مشهوراً وتنقلت به الأحوال إلى أن صار من شعراء صاحب مصر وحظي عنده ونال حظاً وافراً، فلما تولى أبو علي بن الأفضل، وحبس الحافظ، نظم فيه قصيدة، أولها:
تبَسَّمَ الدهر لكن بعد تَعْبِيسِ ... وقُوِّضَ اليأسُ لكنْ بعد تَعرِيسِ
ومنها:
إذا دَعَوْنَا بأن تَبْقَى لأنفسنا ... دُعاءَنَا فابْقَ يا ابن السادَةِ الشُّوسِ
ومنها يذكر عود الملك إليه:
وقد أعاد إِليه الله خاتمَهُ ... فاسترجعَ الملك من صَخْرِ بن إبليس
وهذا البيت كان سبب قتله، وله قصة مشهورة.
رضي الدولة أبو سليمان
داوود بن مقدام بن ظفر المحلى
من بلد المحلة من الديار المصرية بأسفل مصر. ذكره القاضي الفاضل، وقال: شاعر ملء فكيه، توفي في عصرنا هذا، له:
لئن لذَّ لي طولُ المقام ببلدةٍ ... لذي مَلَكٍ يُثْنِي عليه الْمُهَاجِرُ
ففي الناس من يَقْضِي من الحج فَرْضَهُ ... وآخَرُ من طِيبِ المُقام يُجاوِرُ
وله
إذا كنتَ في الليل تَخْشَى الرقي ... بَ إذ أنت كالقَمَر الْمُشْرِقِ
وكان النهارُ لنا فاضحاً ... فباللَّهِ قل لي متى نلتقي
ثم طالعت كتاب جنان الجنان الذي صنفه ابن الزبير سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة، وذكر فيه هذا داوود، وقال: هو من أبناء الجند بأسفل مصر إلا أن همته سمت به من الأدب إلى دوحةٍ يقصر عنها أمثاله، ولا يطمع فيها أضرابه وأشكاله، وعضده على ذلك جودة الطبع ونفاذ القريحة، حتى أدرك بعفو خاطره وسرعة بديهته ما لم يبلغ إليه كثرةٌ من أبناء عصره في الدأب على اقتناء الأدب. وذكر ما معناه أنه كسدت سوقه، وجحدت حقوقه، وهو منحوس الحظ غير مبخوت، منكوب الجاه بحرفة الأدب منكوت. قال ابن الزبير: ومما أنشدني لنفسه قصيدة مضمنةً شرح حاله، وهي:
وقد بَكَرَتْ تلومُ على خمولي ... كأنّ الرزق يجلبُه احتيالي
تُقَدِّرُ أنني بالحرْصِ أَحْوِي ... الثراءَ وذاكمُ عَيْنُ المُحَال
تقولُ إذا رأت إرشادَ قولي ... هُبِلْتَ ألا تَهُبُّ إلى المعالي
стр. 666
ومَنْ لم يعشق الدنيا قديماً ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصال
فلو أَدليتَ دَلْوَك في دلاءٍ ... مَتَحْتَ به من الماء الزُّلال
وكم أدليتُ من دَلْوٍ ولكن ... بلا بَلَلٍ يُرَدُّ على قَذَالي
وكم عَلَّقْتُ أطماعي رَجاءً ... بخُلَّبِ بارقٍ وَوَميض آلِ
فلا أنا بالكفاف النَّزْرِ راضٍ ... ولا أنا عن طِلاب الكُثْرِ سال
ولكنْ ذاكَ من قَبْلِ اعتمادي ... على عبد العزيز أَبي المعالي
يعني الجليس بن الحباب.
ومنها:
أَصِخْ وأَجِبْ إجابة أَلْمَعيٍ ... كما خُلِقَ اللَّهاذِمُ للعَوَالي
وكم مَنْ سادَ قبلكمُ اتفاقاً ... فلم أخْطِرْ سيادَته ببالي
فلِمْ يا سادتي أَقْصَيْتُمُوني ... وفي الإقصاءِ عُنْوَانُ الملال
ومنها يعرض بهجو بعض أصحاب الدواوين:
من أجل الغَنَاءِ أَحَلْتُمُوني ... على بَغَّاءَ ذي داءٍ عضال
يكلفني مع البَرْطِيل..... ... وذلك بيننا سبب التقالي
فما لي ما لَهُ فيهِ مجالٌ ... و...... ليس بفضل عن عيالي
ومنها:
وكُتّابٌ لهمْ أبداً حُمَاتٌ ... تُعَدُّ لها الرُّقَى مثل الصِّلالِ
وكلهمُ يجرُّ إليه نفعاً ... فعادتُهُ احتجابي واعتزِالي
بأيدٍ تبتدرْن إلى الرَّشاوي ... كأيدي الخيل أَبْصرَتِ المَخَالي
ولستُ أزُورهمْ إلا بشعرِ ... أُنَمِّقُهُ وذلك جُلُّ مالي
فأَغْشَى بالمِحَال الصِّرْفِ منه ... مجالسَهُمْ فأرجعُ بالمُحَالِ
وكم قبَّلْتُ من كفٍ ولكن ... يهونُ على مُقَبَّها سِبَالي
وأحضرُ من ركابٍ في ركابٍ ... إلى أن خَفَّ من ثِقْلٍ طحالي
وأثَّرَتِ السنابكُ فوق رجلي ... بوَطْءِ نعالِها مثلَ الهلال
وهذا يَسْتَطِيل عليَّ زَهْواً ... وذاك يُعِلُّني كأسَ المِطال
وقد علموا وإن لم يصرفوني ... ببأسٍ أنْ سيصرفني مَلالي
وحالي كلَّ يوم في انتقاص ... ومن باب التمحُّلِ قولُ حالي
من قول عبد المحسن الصوري:
أَقُلْ حالي وإنَّ مَقَال حالي ... لمن قُبْحِ الحلِّي بالمُحَال
ومنها:
فيا عُمَرَ الحوائجِ قُمْ بأمري ... فقد نَبَّهْتُ منكَ أَجَلَّ كالي
فها أنا قد رجعتُ إلى ذُرَاكمْ ... فمنهُ نَشْأتي وله مآلي
وعُدْتُ كما عهدتَ من اتصالي ... لكم عَوْد النِّصال إلى النِّبال
فإن أُبلغْ بكم أَملي فإني ... رَجَوْتُ الرِّيَّ من سُحُبٍ ثقالِ
وإن أُحْرَمْ فقد أبلغتُ عذري ... فإنّ الذَّنْبَ للأيام لا لي
وله في الهجو:
من كان ذا نِحْلَةٍ يُعَجَّلُهَا ... فالشعر حَظِّي من سائر النِّحَلِ
إن لم يُنِلْنِي حَظّاً بحرفتهِ ... فكم شَفَى غُلَّتي من السِّفَلِ
وله من أول أبيات:
طالَ ليلي فيك يا بَدْرَ الدُّجَى ... أَرْتجي منك الذي لا يُرْتَجَى
لا أرى أن أشتكي ما حلَّ بي ... يَأْمُرُ الشوقُ وَيَنْهَاني الحِجَى
يا مُعِيرَ الغُصْنِ قَدّاً أَهْيَفا ... ومُعِيرَ الظّبْيِ طَرْفاً أَدْعَجَا
علِمَتْ عيناك عذري فيهما ... فأقامتْ ليَ فيك الحُجَجَا
وله يستهدي شعيراً:
إليك ابْنَ إبراهيم راحةَ مُشْتَكٍ ... لِنَفْثَةِ مَصْدورٍ شكا حَرَّ صدرِهِ
تكنَّفَهُ الحرمانُ حتى لو انه ... سَرَى يستميح الغيثَ ضَنَّ بقطره
وأصعبُ ما يُمْنَى به في مقامهِ ... شِرَاهُ شعيراً في تقلُّص سِعره
ويقصُرُ عن تكليف ذلك وَجْدُه ... وأنَّى له ذكرٌ يَفوهُ بذكرهِ
فجُدْ لي بهِ وارحمْ فديتُك شاعراً ... قُصَارَاهُ أن يُجْزَى شَعيراً بشِعره
стр. 667
وله في أمير يعرف بابن كازوك، ولي المشارفة بالغربية، وعزله عن شغله من قصيدة:
أيها المخلصُ المكينُ ومن كفَّاه ... في كل أَزْمَةٍ يَكفَانِ
بَانَ عَنَّا أهلُ المحبة واعْتَضَنَا ... بأهل البغضاءِ والشَّنَآنِ
نحن أَشْقَى بَخْتاً وأتعسُ حَظّاً ... إذ قضَانا بصَفْقة الخُسرَانِ
وأخسُّ الورَى وأهونُهم بين ... الرعايا قَدْراً على السلطان
إذ رعانا بأَبْغَضِ الخلق مذ كا ... نَ وكانوا لكل قاصٍ ودانِ
رجلٌ صِيغَ من حَماً شِيب بالشِّرَّةِ ... خَلْطاً والشؤمِ والخذلان
والزِّنَأ والبِإاء والجهلِ والإفْكِ ... وسوء الطباع والبُهْتان
ما ظنَنَّا من قبله أننا نلقى ... جميعَ السَّوْءَاتِ في إنسان
يتلقَّاك كالحاً عابسَ الوجه ... بقلبٍ خالٍ منَ الإيمان
وله إخوةٌ وأفعالهم في الما ... ل فعلُ الذئاب بالحُمْلانِ
حَرَّ قلبي على مثوليَ بالبا ... بِ وقَوْلي لصاحب الديوان
أيها الألمعيُّ أعوزك الرُّعْيَانُ ... حتى استُرْعِيتَ بالذّؤبان
أي شيء غالَ الكفاةَ من الكُتَّابِ ... لولا عوائقُ الحرمان
ومنها:
صاحبُ الخيل والجواشِنِ وَالبَيْضِ ... وبيضِ الطُّلاَ وسُمْر اللِّدَان
مالَهُ والنكُولَ عن سفر الشا ... م وصَدْم الأقران بالأقران
وَطِلاَبَ المشارفاتِ وتحقيقَ ... بقايا العُمَّالِ والخُزَّان
ليس هذا إلا لأنَّ الخراف ال ... بيضَ في ريفنا بلا أَثْمان
والرحيقَ الذي عهدناهُ لا يب ... تاعُ إلا بالنَّقْدِ أو بالرِّهان
يُجْتَلَى في الكؤوس صِرْفاً مع المُجَّانِ ... والمُسْمِعاتِ بالمَجَّانِ
والإجابات للمآدب أَشْهَى ... للفَتى من إِجابة الديوان
وطِلاب الدليل بالرَّسْم أَوْلَى ... من طلابِ البرازِ للفُرْسانِ
ومنها:
فاتركونا معاشرَ الجند واغْنَوْا ... بِدَرُورِ الأرزاقِ كلَّ أوانِ
والولاياتِ والحماياتِ والغُرْ ... م وأخذ الأَجْعَال من كل خانِ
والمعاصير والسواقي وتَسوِي ... غِ الضِّياع المُفَرَّدَاتِ الحسان
وارتعوا في جَزُورِ ذي الدولة الها ... مي نَدَاها في أطيب اللُّحْمَانِ
واشْغَلُونَا بما به يُشْغَلُ الهرُّ ... لنَفْعٍ أو خيفةَ العُدْوَانِ
بالطِّحال المسْدودِ أو طَرَف الريَّةِ ... أو بالمِعْلاقِ والمُصْرَانِ
واغنموا هُدْنَةً كتهويمة الركْ ... بِ وُقِيتُمْ بها من الحِدْثَانِ
وله من قصيدة:
ألا هكذا فليسْعَ من كان ساعياً ... ويَرْقَ إلى العلياء من كان راقيا
ويبلذل محبوباً من النفس غَالياً ... ليُحْرِزَ مطلوباً من الحمد عَالِيا
وله من قصيدة:
كَتَمَ الغرامَ ولم يَدَعْهُ لسَانُهُ ... فَوَشَتْ بسرِّ جَنَانه أَجْفَانُهُ
رَشَأٌ أُعانِقُ من رشاقةِ قَدِّهِ ... رُمْحاً وسودُ المقلتين سِنَانُهُ
ومنها يستهدي فرساً:
وأعِنْ على سفَري إليك بأَجْرَدٍ ... طاوٍ يضيق بجرْيهِ مَيْدَانُهُ
جذلانَ ينفض مِذْرَوَيْهِ كما مشى ... للسكر طافحُ سلْسَلٍ نَشْوَانُهُ
يعدو على مَهَلٍ فتحسب أنه ... بازٍ طَوَى بُعْدَ المَدَى طَيَرَانُهُ
ويروحُ يوم السَّبْق مُجْريهِ على ... ثِقَةٍ بأنَّ له يُحازُ رِهانُهُ
والنفسُ توقنُ أنني سأعود عن ... هذا المقامِ وفي يديَّ عنانُهُ
مسعود الدولة النحوي
стр. 668
مقدم الشعراء أيام الأفضل بن أمير الجيوش في الإنشاد. كتب إليه بعض المصريين أبياتاً في القطائف، منها:
جاءت مناسبة أخلاقَ مُهْديها ... قطائفٌ كلُّ طَرْفٍ مُودَعٌ فيها
نَزَّهتُ ناظرتي في حسنها وفمي ... في طيبِها وجَناني في معانيها
فقال مسعود الدولة في جوابها:
لله درُّ قوافٍ أنت مُهْدِيها ... لا يستطيع حَسُودُ الفَضْلِ يُخْفيها
عَزَّتْ مطالبُها عَزَّت مطامعها ... جَلَّتْ مقاصدها دَقَّتْ معانيها
فيها بدائعُ حُسْنٍ قد خُصِصْتَ بها ... تجري مع النفس لُطْفاً في مجاريها
من ذا يُعارضها من ذا يجاريها ... من ذا يُساجلها من ذا يُباريها
سَمَتْ عن الوصفِ حتى أنّ مادحها ... كأنّهُ بفَمِ التقصير هاجيها
ما إنْ يملُّ مع التكرار سامعُها ... ولا يكلُّ عن الترداد قاريها
تَمْضِي الليالي عليها وهْيَ خالدةٌ ... والفكر من غِيَرِ الأيام واقيها
إنّ القوافيَ تحييها محاسنها ... إذا حُفِظْنَ وتُفْنِيها مساويها
ظَفِرْتَ يا ظافراً بالنُّجْحِ هِمَّتُهُ ... فيما يرومُ وفازتْ في مساعيها
إني بعجزيَ عن شكريك معترفٌ ... والله يجزيك بالحُسْنَى ويُنْمِيها
حظي الدولة أبو المناقب عبد الباقي
ذكره ابن الزبير في كتابه، وقال هو ممن يذكر لاشتهاره لا لجودة أشعاره، وكان محظوظاً، وبالكرامة ملحوظاً، معاصر ابن حيوس. وحكي أن ابن حيوس لما وصل إلى مصر استأذن له الوزير في الإنشاد بالقصر، فهيء له محفل في يوم، فأنفذ الداعي إلى حظي الدولة، وأعلمه وتقدم إليه بالحضور للإنشاد، فلما حضر اعتقد أن الشاعر المأذون له هو فأنشد، وأطال، ثم دخل ابن حيوس، وأنشد، فأظهروا له الملال. وأطلق له ألف دينار، فأخذها حظي الدولة، فاجتهد الوزير، حتى قسمها بينه وبين ابن حيوس، ومن شعرهك
مُؤَمَّلٌ يَهَبُ الدنيا بما جَمَعَتْ ... لآمليه ولا يعتدُّ ما وهبَا
ومُنءتَضٍ كلَّ يوم في المهارقِ من ... أقلامه مُرْهَفاتٍ قُطَّعاً قُضُبَا
طوراً تكون سُيُوفاً في عِدَاه وأَطْواراً ... تكون على قُصَّاده سُحُبَا
كالسَّيْل والليل واللَّيثِ الغَضَنْفَرِ ... والغيث المُزَمْجِرِ إن أَمْلَى وإن كتبا
ومنها:
فلا تُعَرِّفْهُ آباءً له كَرُموا ... او يلحقوا الزَّمنَ الأَقْصَى أَباً فأَبَا
فالراحُ قد أكثر المُدَّاح وصفهمُ ... لها ولم يذكروا في وصفها العِنَبا
وله يلغز بالميزان:
أخوَان هذا إن يَحُزْ ... مالاً فهذا مُعْدِمُ
متلاصقان وربما ... جَلَبَ التفرُّقَ درهمُ
ما ذاك من بُخْلٍ ولكنَّ ... الجميعَ مُبَرْسَمُ
ابن عبد الودود
له في حبيبه وقد اختضب:
فلا تظنّوه بالمرجان مُنْتَعِلاً ... ولا تخالوهُ بالحنّاء مُخْتَضِبَا
وإنما قاض دمعي عند رؤيته ... فخاض من دَمِ عيني بَعْضَ ما انسكبا
وله من قصيدة يعاتب فيها ابن مكنسة على تبذله وضراعته:
ومَن ذا لحرِّ الشعر غيريَ مالكاً ... وذهني لسلطان القوافي سُلَيْمَانُ
تلذُّ لَظىً لي إِنْ تَبَسَّمَ مالِكٌ ... وأكره رَضْوَى إن تجهَّم رضوان
وله
بَني حديدٍ أتمَّ اللهُ نعمتَكم ... إن العتاب لِعِرْضِ المرء تهديدُ
سَقَيتموني بكأس المَطْلِ مُتْرَعَةً ... حتى تمايَلْتُ والسكرانُ عِرْبِيدُ
قال: أخذه بعض أهل العصر، وأحسن الأخذ، فقال:
يا مَنْ عَلِقْتُ بحَبْلِهِ ... إذ خفتُ من جَوْر الليالي
وتَخِذْتُهُ لي جُنَّةً ... من صَرْف دهرٍ ذي اغْتِيال
ما للوَرَى يَحْظُون منك ... على تباعدهم ومالي
أُسْقَى بمَطْلِكَ دائماً ... فعلامَ أَشْرَقُ بالزُّلال
стр. 669
أأمنتَ من سُكْرِي وقد ... سَقَّيْتني كأس المِطالِ
وله في عامل بالإسكندرية:
أنا رزقي سبعون بل وثمانو ... ن وما تلحق البقولَ الخلولُ
كلُّ هذا وكلّ رزقك دينا ... رٌ وفي مثل ذا تحار العقولُ
أبو الحسن علي بن سعيد المعروف ب
ابن كاتب أسلم
له:
وكم ليلٍ جَلَوتُ الكأسَ فيهِ ... وقد نَظَمَ الحَبَابُ لهُ عُقُودَا
ونادمْنا به صُوَراً إذا ما ... احتَسَاها شاربٌ وقَعَتْ سجودا
يُلَبِّسها المديرُ لها بروداً ... فيَسْلُبُ شُرْبُها تلك العقودا
وله في ضمن رسالة:
تَعْنُو لأحكامه الأيامُ خاضعةً ... فيما يحاوِل منها أو يطالبُهُ
يا من حوى ما لو انَّ الدهر يجمعه ... من المناقب لم تُذْمَم نوائبه
شمائلٌ كنسيم الروض قد عَطِرَت ... شمائلُ الجوِّ منه أو جنائبهُ
وجودُ كَفٍ لو انَّ الغيث يُشْبهها ... فَيْضاً لما انقطعت يوماً سحائبُهُ
وله
أيامُ عَصْرِكَ كُلُّها قد أُلْبِسَتْ ... خِلَعَ الرّياضِ الزُّهْر غِبَّ سمائها
فإذا أَتَتْ أيامُ عيدٍ لم تَبِنْ ... بفضيلةٍ فيها على نُظَرائها
وله وقد أهدى أقلاماً:
يا سيدَ الرؤساءِ والنَّدْب الذي ... جازتْ مناقبُه مَدَى الجَوْزَاءِ
قد أَنَفَذَ المملوكُ أقلاماً لها ... بيديك فعلُ البيض والأَنْوَاءِ
تُرْدِي العِدَا إِنْ أُعْمِلَت بالبأسِ أَوْ ... تُحْيِي الوَلِيَّ بنائلٍ وعطاء
وذكره الأجل الفاضل وقال: كان من ثغر الإسكندرية وتوفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ومن شعره في والده الأشرف ابن البيساني ﵀ من قصيدة:
أَجَلْ أَنْتَ من كلِّ مَلْكٍ أَجَلّ ... وفي رَاحَتَيْكَ المُنَى والأَجَلْ
ومنها:
فلا البابُ عن مُرْتجٍ مُرْتَجٌ ... ولا الوَفْرُ عن مُعْتَزٍ مُعْتَزِلْ
فقيل له: ما مدحت ولا ذممت.
علم الدولة مقرب ابن ماضي
المقري صاحب واحات
ذكرهه ابن الزبير قال: كان ثر الفواضل، كثير الفضائل، غمر النائل؛ مغناه مرمى ذوي الآداب من المصريين، ومنزع المسترفدين منهم والمنتجعين. فمن شعره قوله، وأنا أكبرها عنه:
أَهْدَى إليَّ مُعَلِّلي ... وَرْداً ولم يكُ وَقتُهُ
فسألتهُ عنه فقا ... لَ من الخُدود قَطَفْتُهُ
قبَّلْتُهُ فكأَنني ... في خدِّه قبَّلْتُهُ
الوضيع
يحيى بن علي الكتبي المنبوز بالوضيع
وكان مشتهراً بالمجون، له:
ضَعُفْتُ عن الشكوى إليك وإنما ... يناجيكَ عما بي خفيُّ أَنِيني
أقولُ لركبٍ هائمين ضلالةً ... وقد سَمَحَتْ عيني لهم بعُيُونِ
رِدُوا تَرْتَوُوا، واستوقدوا تهتدوا، فَهَا ... مواقدُ أَحْشائي وغُدْرُ جُفُوني
ومنها في المديح:
صفاتُكَ تَسْبيحِي، ودارُكَ قِبْلَتِي ... ومدْحُكَ قرآني، وحُبُّكَ ديني
وله من أخرى:
لا القربُ يُدنيه من طرفي فأَنْطُرُهُ ... ولا التباعُدُ يُنْسِيهِ فأَذْكُرُهُ
ممثَّلٌ في سَوادِ العَيْنِ يَسْكُنُهُ ... مُصَوَّرٌ في سُوَيْدَا القلب يَعْمُره
يا قاتلَ الله شوقي كم يُحَلِّلُ لي ... ذاك الغزالَن وغَيمُ البُعْد يَكْفُرُهُ
سَقْياً ورَعْياً لرِيمٍ ما تَصَوَّرَ لي ... إِلاّ سمحتُ بدمعٍ كنتُ أَذْخَرُهُ
وله
أنا نائبُ الشَّرْعِ النُّوَاسِي ... دَعْنِي وباطِيَتي وكاسي
أَهوَى الغزالة كاعباً ... وأَهيمُ بالظَّبْيِ الخماسي
من كلِّ معتدلٍ رشيقِ ... القَدِّ ممشوقٍ خِلاَسي
متعكرشٌ فإذا اختبرْ ... تَ وجدت مُنْحَلَّ الأَساسِ
لكن لإفلاسي حَبَبْتُ ... السامريَّ بلا مِسَاسِ
стр. 670
لي منزلٌ لا شيءَ فيه ... كأنَّهُ كِيسي وراسي
أبو عبد الله بن الخمشي الإسكندري
شاعرٌ قريب العصر. أنشدني سيدنا القاضي الفاضل للمذكور أول قصيدة:
سِمِ الزُّرْقَ أطرافَ الظُّبَا واللهاذمِ ... وشِمْ من غمود الجِدِّ بيضَ العزائمِ
وله في رجل ينعت بعين الملك:
أَلا إِنَّ مُلْكاً أَنْتَ تُدْعَى بعينهِ ... جديرٌ بأن يمسي ويصبحَ أعورا
فإن كنتَ عينَ المُلْكِ حقاً كما ادَّعَوْا ... فأنتَ له العينُ التي دَمْعُهَا جَرَا
وله
قد قال لي العاذلُ في حُبِّهِ ... وقَوْلُهُ زورٌ وبهتان
ما وَجْهُ من أَحْبَبْتَهُ قبلةٌ ... قلتُ ولا قولُكَ قُرْآنُ
الفقيه المعروف بالفسناس
له من قصيدة يمدح بها أبا جعفر أحمد بن حسداي:
خلعتُ رداءَ التَّصَابي المُعَارا ... وكان بفَوْدِي غرابٌ فطارا
وكم خُضْتُ باللهو ليلَ الشبابِ ... إلى أَنْ أَرَاني المشيبُ النهارا
لئن كَدَّر الشيبُ صفوَ الشبابِ ... وبات برغمي دياراً ديارا
فلا بأس إِنْ مُدَّ لُجُّ البعادِ ... فإنَّ لكلِّ مَسيلٍ قرارا
التاريخ
محمد بن إسماعيل المعروف بالتاريخ
قريب العصر، من أهل مصر، ومن شعره قوله:
ما زال يسترُ وَجْدَهُ بجحودهِ ... جَزَعاً من الواشي ومن تَفنِيدِهِ
والدمعُ أجدرُ مَنْ ينمُّ لأنه ... عَدْلُ الشهادةِ في أَسيلِ خدوده
فعسى مدامِعُهُ تَفيضُ بعبرةٍ ... تُطْفِي لهيبَ فُؤَادِهِ ووقودِهِ
وله
هذا الرئيسُ أَبو عليٍ فالْقَهُ ... وانظرْ فما أَخبارُه كعِيانهِ
هذا يزيدُ لوارديه تكرُّماً ... أَبداً وذاك يزيدُ في نقصانهِ
إن كنتَ ترغبُ في الحياة مُمَتَّعاً ... بالسَّعْدِ فالْحَظْ وَجْهَهُ أو دانِهِ
وقوله:
ألا فاسْقِياني ما تُدِيرُ ثناياهُ ... وما أَوْدَعَتْ من خمرِها بابلٌ فاهُ
ولا تُنكر اسُكْرِي بغير مُدَامَةٍ ... فسيانِ عندي ريقُهُ وحُمَيَّاهُ
إذا كان كأسي مُتْرعاً من رُضَابِهِ ... ونُقْلِيَ ما يُبْدي من الوَرْدِ خدَّاه
كَفَانيَ رَيْحاناً وراحاً سُلافُ ما ... حَوَى ثَغْرُهُ أو أَنْبَتَتْهُ عذاراه
غزالٌ ينابيعُ المدامع وِرْدُهُ ... وروضُ القلوبِ المستهامةِ مَرْعاه
سلِ البانَ عنه هلْ مِنَ البان أَصْلُهُ ... فريَّاهُ رَيَّاهُ، ورُؤْياهُ رُؤْياهُ
فلله ما أَشجى فؤاداً مَلَكْتهُ ... وأَغْرَاهُ بالبيضِ الحسانِ وأَصْبَاه
وكان يتصرف في باب الحكم، وولى قاضٍ يعرف بالنابلسي شديد التحرز، قليل التسمح، فبلغه علوقه باللهو، فصرفه، فكتب إلى أبي الرضا ابن أبي أسامة:
ضاقتْ على مملوككمْ سَعَةُ الفَضَا ... وقضَى وقاتِلُهُ الذي وَلِيَ القَضَا
ماذا وقد عَلِقَتْ به يدُ دهره ... يا دهرُ أين حُنُوُّ قلبِ أَبي الرِّضَا
وله
لاهٍ بغانيةٍ وراحِ ... ناهٍ لعاذلةٍ ولاحِ
ما زال يشربُ كأسَهُ ... صِرْفاً على ضَرْب المِلاح
ما بين زمزمةِ البنو ... دِ وبين وَسْوَاسِ الوِشاح
حتى مضى مِسْكُ الدجى ... فأنارَ كافورُ الصباح
وله يمدح ابن التبان وكان رئيساً في البحر:
لما تَوَجَّه نحو مصرٍ قادماً ... والدهرُ بين يديه من أَعوانهِ
نَشَر السفين جناحَهُ في راحهِ ... كجناحِ رحمته وفيضِ بَنَانهِ
فتبارك الرحمنُ أَيَّةُ آيةٍ ... بحرٌ يكونُ البحرُ من رُكْبانه
يا جَنَّةً للقاصدين تَزَخْرَفَتْ ... لهمُ وطابَ الخُلْدُ في رِضْوَانِه
فلذاك لما اخضرَّ دَوْحُ نَوالِهِ ... غَنَّتْ طيورُ الحمدِ في أَغْصَانهِ
وله
следующие страницы →