← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومَنْ لم يعشق الدنيا قديماً ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصال فلو أَدليتَ دَلْوَك في دلاءٍ ... مَتَحْتَ به من الماء الزُّلال وكم أدليتُ من دَلْوٍ ولكن ... بلا بَلَلٍ يُرَدُّ على قَذَالي وكم عَلَّقْتُ أطماعي رَجاءً ... بخُلَّبِ بارقٍ وَوَميض آلِ فلا أنا بالكفاف النَّزْرِ راضٍ ... ولا أنا عن طِلاب الكُثْرِ سال ولكنْ ذاكَ من قَبْلِ اعتمادي ... على عبد العزيز أَبي المعالي يعني الجليس بن الحباب. ومنها: أَصِخْ وأَجِبْ إجابة أَلْمَعيٍ ... كما خُلِقَ اللَّهاذِمُ للعَوَالي وكم مَنْ سادَ قبلكمُ اتفاقاً ... فلم أخْطِرْ سيادَته ببالي فلِمْ يا سادتي أَقْصَيْتُمُوني ... وفي الإقصاءِ عُنْوَانُ الملال ومنها يعرض بهجو بعض أصحاب الدواوين: من أجل الغَنَاءِ أَحَلْتُمُوني ... على بَغَّاءَ ذي داءٍ عضال يكلفني مع البَرْطِيل..... ... وذلك بيننا سبب التقالي فما لي ما لَهُ فيهِ مجالٌ ... و...... ليس بفضل عن عيالي ومنها: وكُتّابٌ لهمْ أبداً حُمَاتٌ ... تُعَدُّ لها الرُّقَى مثل الصِّلالِ وكلهمُ يجرُّ إليه نفعاً ... فعادتُهُ احتجابي واعتزِالي بأيدٍ تبتدرْن إلى الرَّشاوي ... كأيدي الخيل أَبْصرَتِ المَخَالي ولستُ أزُورهمْ إلا بشعرِ ... أُنَمِّقُهُ وذلك جُلُّ مالي فأَغْشَى بالمِحَال الصِّرْفِ منه ... مجالسَهُمْ فأرجعُ بالمُحَالِ وكم قبَّلْتُ من كفٍ ولكن ... يهونُ على مُقَبَّها سِبَالي وأحضرُ من ركابٍ في ركابٍ ... إلى أن خَفَّ من ثِقْلٍ طحالي وأثَّرَتِ السنابكُ فوق رجلي ... بوَطْءِ نعالِها مثلَ الهلال وهذا يَسْتَطِيل عليَّ زَهْواً ... وذاك يُعِلُّني كأسَ المِطال وقد علموا وإن لم يصرفوني ... ببأسٍ أنْ سيصرفني مَلالي وحالي كلَّ يوم في انتقاص ... ومن باب التمحُّلِ قولُ حالي من قول عبد المحسن الصوري: أَقُلْ حالي وإنَّ مَقَال حالي ... لمن قُبْحِ الحلِّي بالمُحَال ومنها: فيا عُمَرَ الحوائجِ قُمْ بأمري ... فقد نَبَّهْتُ منكَ أَجَلَّ كالي فها أنا قد رجعتُ إلى ذُرَاكمْ ... فمنهُ نَشْأتي وله مآلي وعُدْتُ كما عهدتَ من اتصالي ... لكم عَوْد النِّصال إلى النِّبال فإن أُبلغْ بكم أَملي فإني ... رَجَوْتُ الرِّيَّ من سُحُبٍ ثقالِ وإن أُحْرَمْ فقد أبلغتُ عذري ... فإنّ الذَّنْبَ للأيام لا لي وله في الهجو: من كان ذا نِحْلَةٍ يُعَجَّلُهَا ... فالشعر حَظِّي من سائر النِّحَلِ إن لم يُنِلْنِي حَظّاً بحرفتهِ ... فكم شَفَى غُلَّتي من السِّفَلِ وله من أول أبيات: طالَ ليلي فيك يا بَدْرَ الدُّجَى ... أَرْتجي منك الذي لا يُرْتَجَى لا أرى أن أشتكي ما حلَّ بي ... يَأْمُرُ الشوقُ وَيَنْهَاني الحِجَى يا مُعِيرَ الغُصْنِ قَدّاً أَهْيَفا ... ومُعِيرَ الظّبْيِ طَرْفاً أَدْعَجَا علِمَتْ عيناك عذري فيهما ... فأقامتْ ليَ فيك الحُجَجَا وله يستهدي شعيراً: إليك ابْنَ إبراهيم راحةَ مُشْتَكٍ ... لِنَفْثَةِ مَصْدورٍ شكا حَرَّ صدرِهِ تكنَّفَهُ الحرمانُ حتى لو انه ... سَرَى يستميح الغيثَ ضَنَّ بقطره وأصعبُ ما يُمْنَى به في مقامهِ ... شِرَاهُ شعيراً في تقلُّص سِعره ويقصُرُ عن تكليف ذلك وَجْدُه ... وأنَّى له ذكرٌ يَفوهُ بذكرهِ فجُدْ لي بهِ وارحمْ فديتُك شاعراً ... قُصَارَاهُ أن يُجْزَى شَعيراً بشِعره

стр. 667

وله في أمير يعرف بابن كازوك، ولي المشارفة بالغربية، وعزله عن شغله من قصيدة: أيها المخلصُ المكينُ ومن كفَّاه ... في كل أَزْمَةٍ يَكفَانِ بَانَ عَنَّا أهلُ المحبة واعْتَضَنَا ... بأهل البغضاءِ والشَّنَآنِ نحن أَشْقَى بَخْتاً وأتعسُ حَظّاً ... إذ قضَانا بصَفْقة الخُسرَانِ وأخسُّ الورَى وأهونُهم بين ... الرعايا قَدْراً على السلطان إذ رعانا بأَبْغَضِ الخلق مذ كا ... نَ وكانوا لكل قاصٍ ودانِ رجلٌ صِيغَ من حَماً شِيب بالشِّرَّةِ ... خَلْطاً والشؤمِ والخذلان والزِّنَأ والبِإاء والجهلِ والإفْكِ ... وسوء الطباع والبُهْتان ما ظنَنَّا من قبله أننا نلقى ... جميعَ السَّوْءَاتِ في إنسان يتلقَّاك كالحاً عابسَ الوجه ... بقلبٍ خالٍ منَ الإيمان وله إخوةٌ وأفعالهم في الما ... ل فعلُ الذئاب بالحُمْلانِ حَرَّ قلبي على مثوليَ بالبا ... بِ وقَوْلي لصاحب الديوان أيها الألمعيُّ أعوزك الرُّعْيَانُ ... حتى استُرْعِيتَ بالذّؤبان أي شيء غالَ الكفاةَ من الكُتَّابِ ... لولا عوائقُ الحرمان ومنها: صاحبُ الخيل والجواشِنِ وَالبَيْضِ ... وبيضِ الطُّلاَ وسُمْر اللِّدَان مالَهُ والنكُولَ عن سفر الشا ... م وصَدْم الأقران بالأقران وَطِلاَبَ المشارفاتِ وتحقيقَ ... بقايا العُمَّالِ والخُزَّان ليس هذا إلا لأنَّ الخراف ال ... بيضَ في ريفنا بلا أَثْمان والرحيقَ الذي عهدناهُ لا يب ... تاعُ إلا بالنَّقْدِ أو بالرِّهان يُجْتَلَى في الكؤوس صِرْفاً مع المُجَّانِ ... والمُسْمِعاتِ بالمَجَّانِ والإجابات للمآدب أَشْهَى ... للفَتى من إِجابة الديوان وطِلاب الدليل بالرَّسْم أَوْلَى ... من طلابِ البرازِ للفُرْسانِ ومنها: فاتركونا معاشرَ الجند واغْنَوْا ... بِدَرُورِ الأرزاقِ كلَّ أوانِ والولاياتِ والحماياتِ والغُرْ ... م وأخذ الأَجْعَال من كل خانِ والمعاصير والسواقي وتَسوِي ... غِ الضِّياع المُفَرَّدَاتِ الحسان وارتعوا في جَزُورِ ذي الدولة الها ... مي نَدَاها في أطيب اللُّحْمَانِ واشْغَلُونَا بما به يُشْغَلُ الهرُّ ... لنَفْعٍ أو خيفةَ العُدْوَانِ بالطِّحال المسْدودِ أو طَرَف الريَّةِ ... أو بالمِعْلاقِ والمُصْرَانِ واغنموا هُدْنَةً كتهويمة الركْ ... بِ وُقِيتُمْ بها من الحِدْثَانِ وله من قصيدة: ألا هكذا فليسْعَ من كان ساعياً ... ويَرْقَ إلى العلياء من كان راقيا ويبلذل محبوباً من النفس غَالياً ... ليُحْرِزَ مطلوباً من الحمد عَالِيا وله من قصيدة: كَتَمَ الغرامَ ولم يَدَعْهُ لسَانُهُ ... فَوَشَتْ بسرِّ جَنَانه أَجْفَانُهُ رَشَأٌ أُعانِقُ من رشاقةِ قَدِّهِ ... رُمْحاً وسودُ المقلتين سِنَانُهُ ومنها يستهدي فرساً: وأعِنْ على سفَري إليك بأَجْرَدٍ ... طاوٍ يضيق بجرْيهِ مَيْدَانُهُ جذلانَ ينفض مِذْرَوَيْهِ كما مشى ... للسكر طافحُ سلْسَلٍ نَشْوَانُهُ يعدو على مَهَلٍ فتحسب أنه ... بازٍ طَوَى بُعْدَ المَدَى طَيَرَانُهُ ويروحُ يوم السَّبْق مُجْريهِ على ... ثِقَةٍ بأنَّ له يُحازُ رِهانُهُ والنفسُ توقنُ أنني سأعود عن ... هذا المقامِ وفي يديَّ عنانُهُ مسعود الدولة النحوي

стр. 668

مقدم الشعراء أيام الأفضل بن أمير الجيوش في الإنشاد. كتب إليه بعض المصريين أبياتاً في القطائف، منها: جاءت مناسبة أخلاقَ مُهْديها ... قطائفٌ كلُّ طَرْفٍ مُودَعٌ فيها نَزَّهتُ ناظرتي في حسنها وفمي ... في طيبِها وجَناني في معانيها فقال مسعود الدولة في جوابها: لله درُّ قوافٍ أنت مُهْدِيها ... لا يستطيع حَسُودُ الفَضْلِ يُخْفيها عَزَّتْ مطالبُها عَزَّت مطامعها ... جَلَّتْ مقاصدها دَقَّتْ معانيها فيها بدائعُ حُسْنٍ قد خُصِصْتَ بها ... تجري مع النفس لُطْفاً في مجاريها من ذا يُعارضها من ذا يجاريها ... من ذا يُساجلها من ذا يُباريها سَمَتْ عن الوصفِ حتى أنّ مادحها ... كأنّهُ بفَمِ التقصير هاجيها ما إنْ يملُّ مع التكرار سامعُها ... ولا يكلُّ عن الترداد قاريها تَمْضِي الليالي عليها وهْيَ خالدةٌ ... والفكر من غِيَرِ الأيام واقيها إنّ القوافيَ تحييها محاسنها ... إذا حُفِظْنَ وتُفْنِيها مساويها ظَفِرْتَ يا ظافراً بالنُّجْحِ هِمَّتُهُ ... فيما يرومُ وفازتْ في مساعيها إني بعجزيَ عن شكريك معترفٌ ... والله يجزيك بالحُسْنَى ويُنْمِيها حظي الدولة أبو المناقب عبد الباقي ذكره ابن الزبير في كتابه، وقال هو ممن يذكر لاشتهاره لا لجودة أشعاره، وكان محظوظاً، وبالكرامة ملحوظاً، معاصر ابن حيوس. وحكي أن ابن حيوس لما وصل إلى مصر استأذن له الوزير في الإنشاد بالقصر، فهيء له محفل في يوم، فأنفذ الداعي إلى حظي الدولة، وأعلمه وتقدم إليه بالحضور للإنشاد، فلما حضر اعتقد أن الشاعر المأذون له هو فأنشد، وأطال، ثم دخل ابن حيوس، وأنشد، فأظهروا له الملال. وأطلق له ألف دينار، فأخذها حظي الدولة، فاجتهد الوزير، حتى قسمها بينه وبين ابن حيوس، ومن شعرهك مُؤَمَّلٌ يَهَبُ الدنيا بما جَمَعَتْ ... لآمليه ولا يعتدُّ ما وهبَا ومُنءتَضٍ كلَّ يوم في المهارقِ من ... أقلامه مُرْهَفاتٍ قُطَّعاً قُضُبَا طوراً تكون سُيُوفاً في عِدَاه وأَطْواراً ... تكون على قُصَّاده سُحُبَا كالسَّيْل والليل واللَّيثِ الغَضَنْفَرِ ... والغيث المُزَمْجِرِ إن أَمْلَى وإن كتبا ومنها: فلا تُعَرِّفْهُ آباءً له كَرُموا ... او يلحقوا الزَّمنَ الأَقْصَى أَباً فأَبَا فالراحُ قد أكثر المُدَّاح وصفهمُ ... لها ولم يذكروا في وصفها العِنَبا وله يلغز بالميزان: أخوَان هذا إن يَحُزْ ... مالاً فهذا مُعْدِمُ متلاصقان وربما ... جَلَبَ التفرُّقَ درهمُ ما ذاك من بُخْلٍ ولكنَّ ... الجميعَ مُبَرْسَمُ ابن عبد الودود له في حبيبه وقد اختضب: فلا تظنّوه بالمرجان مُنْتَعِلاً ... ولا تخالوهُ بالحنّاء مُخْتَضِبَا وإنما قاض دمعي عند رؤيته ... فخاض من دَمِ عيني بَعْضَ ما انسكبا وله من قصيدة يعاتب فيها ابن مكنسة على تبذله وضراعته: ومَن ذا لحرِّ الشعر غيريَ مالكاً ... وذهني لسلطان القوافي سُلَيْمَانُ تلذُّ لَظىً لي إِنْ تَبَسَّمَ مالِكٌ ... وأكره رَضْوَى إن تجهَّم رضوان وله بَني حديدٍ أتمَّ اللهُ نعمتَكم ... إن العتاب لِعِرْضِ المرء تهديدُ سَقَيتموني بكأس المَطْلِ مُتْرَعَةً ... حتى تمايَلْتُ والسكرانُ عِرْبِيدُ قال: أخذه بعض أهل العصر، وأحسن الأخذ، فقال: يا مَنْ عَلِقْتُ بحَبْلِهِ ... إذ خفتُ من جَوْر الليالي وتَخِذْتُهُ لي جُنَّةً ... من صَرْف دهرٍ ذي اغْتِيال ما للوَرَى يَحْظُون منك ... على تباعدهم ومالي أُسْقَى بمَطْلِكَ دائماً ... فعلامَ أَشْرَقُ بالزُّلال

стр. 669

أأمنتَ من سُكْرِي وقد ... سَقَّيْتني كأس المِطالِ وله في عامل بالإسكندرية: أنا رزقي سبعون بل وثمانو ... ن وما تلحق البقولَ الخلولُ كلُّ هذا وكلّ رزقك دينا ... رٌ وفي مثل ذا تحار العقولُ أبو الحسن علي بن سعيد المعروف ب ابن كاتب أسلم له: وكم ليلٍ جَلَوتُ الكأسَ فيهِ ... وقد نَظَمَ الحَبَابُ لهُ عُقُودَا ونادمْنا به صُوَراً إذا ما ... احتَسَاها شاربٌ وقَعَتْ سجودا يُلَبِّسها المديرُ لها بروداً ... فيَسْلُبُ شُرْبُها تلك العقودا وله في ضمن رسالة: تَعْنُو لأحكامه الأيامُ خاضعةً ... فيما يحاوِل منها أو يطالبُهُ يا من حوى ما لو انَّ الدهر يجمعه ... من المناقب لم تُذْمَم نوائبه شمائلٌ كنسيم الروض قد عَطِرَت ... شمائلُ الجوِّ منه أو جنائبهُ وجودُ كَفٍ لو انَّ الغيث يُشْبهها ... فَيْضاً لما انقطعت يوماً سحائبُهُ وله أيامُ عَصْرِكَ كُلُّها قد أُلْبِسَتْ ... خِلَعَ الرّياضِ الزُّهْر غِبَّ سمائها فإذا أَتَتْ أيامُ عيدٍ لم تَبِنْ ... بفضيلةٍ فيها على نُظَرائها وله وقد أهدى أقلاماً: يا سيدَ الرؤساءِ والنَّدْب الذي ... جازتْ مناقبُه مَدَى الجَوْزَاءِ قد أَنَفَذَ المملوكُ أقلاماً لها ... بيديك فعلُ البيض والأَنْوَاءِ تُرْدِي العِدَا إِنْ أُعْمِلَت بالبأسِ أَوْ ... تُحْيِي الوَلِيَّ بنائلٍ وعطاء وذكره الأجل الفاضل وقال: كان من ثغر الإسكندرية وتوفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ومن شعره في والده الأشرف ابن البيساني ﵀ من قصيدة: أَجَلْ أَنْتَ من كلِّ مَلْكٍ أَجَلّ ... وفي رَاحَتَيْكَ المُنَى والأَجَلْ ومنها: فلا البابُ عن مُرْتجٍ مُرْتَجٌ ... ولا الوَفْرُ عن مُعْتَزٍ مُعْتَزِلْ فقيل له: ما مدحت ولا ذممت. علم الدولة مقرب ابن ماضي المقري صاحب واحات ذكرهه ابن الزبير قال: كان ثر الفواضل، كثير الفضائل، غمر النائل؛ مغناه مرمى ذوي الآداب من المصريين، ومنزع المسترفدين منهم والمنتجعين. فمن شعره قوله، وأنا أكبرها عنه: أَهْدَى إليَّ مُعَلِّلي ... وَرْداً ولم يكُ وَقتُهُ فسألتهُ عنه فقا ... لَ من الخُدود قَطَفْتُهُ قبَّلْتُهُ فكأَنني ... في خدِّه قبَّلْتُهُ الوضيع يحيى بن علي الكتبي المنبوز بالوضيع وكان مشتهراً بالمجون، له: ضَعُفْتُ عن الشكوى إليك وإنما ... يناجيكَ عما بي خفيُّ أَنِيني أقولُ لركبٍ هائمين ضلالةً ... وقد سَمَحَتْ عيني لهم بعُيُونِ رِدُوا تَرْتَوُوا، واستوقدوا تهتدوا، فَهَا ... مواقدُ أَحْشائي وغُدْرُ جُفُوني ومنها في المديح: صفاتُكَ تَسْبيحِي، ودارُكَ قِبْلَتِي ... ومدْحُكَ قرآني، وحُبُّكَ ديني وله من أخرى: لا القربُ يُدنيه من طرفي فأَنْطُرُهُ ... ولا التباعُدُ يُنْسِيهِ فأَذْكُرُهُ ممثَّلٌ في سَوادِ العَيْنِ يَسْكُنُهُ ... مُصَوَّرٌ في سُوَيْدَا القلب يَعْمُره يا قاتلَ الله شوقي كم يُحَلِّلُ لي ... ذاك الغزالَن وغَيمُ البُعْد يَكْفُرُهُ سَقْياً ورَعْياً لرِيمٍ ما تَصَوَّرَ لي ... إِلاّ سمحتُ بدمعٍ كنتُ أَذْخَرُهُ وله أنا نائبُ الشَّرْعِ النُّوَاسِي ... دَعْنِي وباطِيَتي وكاسي أَهوَى الغزالة كاعباً ... وأَهيمُ بالظَّبْيِ الخماسي من كلِّ معتدلٍ رشيقِ ... القَدِّ ممشوقٍ خِلاَسي متعكرشٌ فإذا اختبرْ ... تَ وجدت مُنْحَلَّ الأَساسِ لكن لإفلاسي حَبَبْتُ ... السامريَّ بلا مِسَاسِ

стр. 670

لي منزلٌ لا شيءَ فيه ... كأنَّهُ كِيسي وراسي أبو عبد الله بن الخمشي الإسكندري شاعرٌ قريب العصر. أنشدني سيدنا القاضي الفاضل للمذكور أول قصيدة: سِمِ الزُّرْقَ أطرافَ الظُّبَا واللهاذمِ ... وشِمْ من غمود الجِدِّ بيضَ العزائمِ وله في رجل ينعت بعين الملك: أَلا إِنَّ مُلْكاً أَنْتَ تُدْعَى بعينهِ ... جديرٌ بأن يمسي ويصبحَ أعورا فإن كنتَ عينَ المُلْكِ حقاً كما ادَّعَوْا ... فأنتَ له العينُ التي دَمْعُهَا جَرَا وله قد قال لي العاذلُ في حُبِّهِ ... وقَوْلُهُ زورٌ وبهتان ما وَجْهُ من أَحْبَبْتَهُ قبلةٌ ... قلتُ ولا قولُكَ قُرْآنُ الفقيه المعروف بالفسناس له من قصيدة يمدح بها أبا جعفر أحمد بن حسداي: خلعتُ رداءَ التَّصَابي المُعَارا ... وكان بفَوْدِي غرابٌ فطارا وكم خُضْتُ باللهو ليلَ الشبابِ ... إلى أَنْ أَرَاني المشيبُ النهارا لئن كَدَّر الشيبُ صفوَ الشبابِ ... وبات برغمي دياراً ديارا فلا بأس إِنْ مُدَّ لُجُّ البعادِ ... فإنَّ لكلِّ مَسيلٍ قرارا التاريخ محمد بن إسماعيل المعروف بالتاريخ قريب العصر، من أهل مصر، ومن شعره قوله: ما زال يسترُ وَجْدَهُ بجحودهِ ... جَزَعاً من الواشي ومن تَفنِيدِهِ والدمعُ أجدرُ مَنْ ينمُّ لأنه ... عَدْلُ الشهادةِ في أَسيلِ خدوده فعسى مدامِعُهُ تَفيضُ بعبرةٍ ... تُطْفِي لهيبَ فُؤَادِهِ ووقودِهِ وله هذا الرئيسُ أَبو عليٍ فالْقَهُ ... وانظرْ فما أَخبارُه كعِيانهِ هذا يزيدُ لوارديه تكرُّماً ... أَبداً وذاك يزيدُ في نقصانهِ إن كنتَ ترغبُ في الحياة مُمَتَّعاً ... بالسَّعْدِ فالْحَظْ وَجْهَهُ أو دانِهِ وقوله: ألا فاسْقِياني ما تُدِيرُ ثناياهُ ... وما أَوْدَعَتْ من خمرِها بابلٌ فاهُ ولا تُنكر اسُكْرِي بغير مُدَامَةٍ ... فسيانِ عندي ريقُهُ وحُمَيَّاهُ إذا كان كأسي مُتْرعاً من رُضَابِهِ ... ونُقْلِيَ ما يُبْدي من الوَرْدِ خدَّاه كَفَانيَ رَيْحاناً وراحاً سُلافُ ما ... حَوَى ثَغْرُهُ أو أَنْبَتَتْهُ عذاراه غزالٌ ينابيعُ المدامع وِرْدُهُ ... وروضُ القلوبِ المستهامةِ مَرْعاه سلِ البانَ عنه هلْ مِنَ البان أَصْلُهُ ... فريَّاهُ رَيَّاهُ، ورُؤْياهُ رُؤْياهُ فلله ما أَشجى فؤاداً مَلَكْتهُ ... وأَغْرَاهُ بالبيضِ الحسانِ وأَصْبَاه وكان يتصرف في باب الحكم، وولى قاضٍ يعرف بالنابلسي شديد التحرز، قليل التسمح، فبلغه علوقه باللهو، فصرفه، فكتب إلى أبي الرضا ابن أبي أسامة: ضاقتْ على مملوككمْ سَعَةُ الفَضَا ... وقضَى وقاتِلُهُ الذي وَلِيَ القَضَا ماذا وقد عَلِقَتْ به يدُ دهره ... يا دهرُ أين حُنُوُّ قلبِ أَبي الرِّضَا وله لاهٍ بغانيةٍ وراحِ ... ناهٍ لعاذلةٍ ولاحِ ما زال يشربُ كأسَهُ ... صِرْفاً على ضَرْب المِلاح ما بين زمزمةِ البنو ... دِ وبين وَسْوَاسِ الوِشاح حتى مضى مِسْكُ الدجى ... فأنارَ كافورُ الصباح وله يمدح ابن التبان وكان رئيساً في البحر: لما تَوَجَّه نحو مصرٍ قادماً ... والدهرُ بين يديه من أَعوانهِ نَشَر السفين جناحَهُ في راحهِ ... كجناحِ رحمته وفيضِ بَنَانهِ فتبارك الرحمنُ أَيَّةُ آيةٍ ... بحرٌ يكونُ البحرُ من رُكْبانه يا جَنَّةً للقاصدين تَزَخْرَفَتْ ... لهمُ وطابَ الخُلْدُ في رِضْوَانِه فلذاك لما اخضرَّ دَوْحُ نَوالِهِ ... غَنَّتْ طيورُ الحمدِ في أَغْصَانهِ وله

стр. 671

لك السرورُ، وللواشي بكَ التَّعَبُ ... لكَ النعيمُ، وللساعي بك النَّصَبُ لك المفاخرُ والعلياءُ والرُّتَبُ ... لحاسديك الشقَا والوَيْلُ والْحَرَبُ هُمْ كالفراشِ رأَوْا ناراً تُضِيء لهمْ ... فيمَّموها فلا بِدءعٌ إِذا التهبوا الكاسات هو الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي سعدٍ المعروف بالكاسات. ذكر الرشيد بن الزبير في كتاب الجنان أنه كان خفيف الروح كثير المجون، يضحك بنوادره وسخفه المحزون، قال: ومما أنشدني لنفسه من شعر قوله: نَيْلُ العُلاَ بسوى الإِحسانِ مُمْتَنِعُ ... واللؤْمُ طَبْعٌ لمن في عِرْضِهِ طَبَعُ والحرُّ يأْلَفُ ما يأتيه من كَرَمٍ ... فليس يَرْدَعُهُ شيءٌ ولا يَزَعُ والمجدُ يَنْفِر مثلَ الوحشِ عن نَفَرٍ ... يكفيهمُ الرِّيُّ دون المجدِ والشِّبَعُ مَاتوا وفَاتوا فما ضَرُّوا بموتهمُ ... خَلْقاً كما أنَّهُمْ عاشوا وما نفعوا تبّاً لهمْ جَمَعُوا مالاً وغَالَهُمُ ... عنه الحِمامُ فما فازوا بما جمعوا منها: شكا انتزاحَ المَدَى صَحْبي فقلت لهم ... لا يَعْذُبُ الشَّهْدُ حتى يُؤْكلَ السَّلَعُ صَدُوا وإِنْعامُكَ الهامي أَمَامَهُمُ ... بحرٌ إذا ما دَنَوْا من سَيْبه شَرَعُوا يا من إِذا سَمِعَ الناسُ الكرامُ به ... وعاينوه، رأوا أضعافَ ما سمعوا قلْ فيه ما شئْتَ من جودٍ ومن كرم ... ففوقَ ما يَذْكُرُ المُدَّاحُ ما يبَدَعوا يا من يجاريه لا تَحْلُلْ بساحته ... فليسَ يُؤْمَنُ في آجامه السَّبُعُ وخُذْ من السهمِ حِذْراً في تأخُّرهِ ... فربما لم تَفُتْهُ حين ينتزع ولا تَخَفْ حين تلقى الليث داهيةً ... من وثبةِ الليثِ إِلا حين يجتمع منها في صفة دار الملك: شَمّاءُ كالجبلِ الرَّاسي يجاوِرُها ... بحرانِ، نِيلٌ ونَيْلٌ كيفَ يَنْقَطِعُ كأنها كعبةٌ والقاصدون لها ... مثلُ الحجيجِ إذا طافوا بها رَكعُوا منها: لا ترضَ لي بسوى الإكرام جائزةً ... فليس مِثْلي بكَسْب المالِ ينتفعُ واخْلَعْ عليَّ دنوّاً منك يَنْفَعُني ... ما ليس تنفعني الأَموالُ والخِلَعُ الشريف أبو الحسين علي بن حيدرة من ولد عقيل بن أبي طالب من أهل مصر، له: كأنّ الثُّرَيَّا والهلالُ أمامها ... يدٌ مَدَّها رامٍ إلى قوْسِ عَسْجَدِ وله وقائلٍ ما المُلْكُ يا مَنْ له ... أَجْوِبَةٌ يَشْفِي بها قلبي فقلتُ إِن كان على مَذْهَبِي ... فالملكُ عندي راحةُ القَلْبِ وله في زامر: وزامرٍ يَكْذِبُ فيه عائِبُهْ ... تكثرُ في صَنْعَتِهِ عَجَائِبُهْ يحجبُ صبرَ المرءِ عنه حاجِبُهْ ... ويُسْكِرُ الشاربَ مِنْهُ شَارِبُهْ كأنما ناياتهُ ذوائبُه وله اسْمَعْ جُعِلتُ فداكا ... نُصْحِي، وجانِبْ هواكا أَلسْتَ في كلِّ يومٍ ... تَرَى مُنَاكَ مُنَاكا وله وفتيانٍ بَنَوْا لهمُ فخاراً ... رفيعَ السَّمْكِ في خططِ المعالي إذا ما المرءُ صارَ لهم خليطاً ... تَفَكَّهَ في الجميلِ وفي الجَمَالِ أبو طاهر الإبرنسي له: لابن فَيَّاضٍ سليما ... نَ وَقَانا اللهُ شَرَّهْ لحيةٌ ليست تُسَاوِي ... في نَفَاقِ السِّعْرِ بَعْرَهْ وله سليمانُ بن فياضٍ وَقَاحُ ... له في الناس آثارٌ قِبَاحُ متى عامَلْتَهُ أَعطاك بُهْتاً ... وحَلْفاً حَشْوُهُ خُبْثٌ صُرَاحُ وتحلفُ عِرْسُهُ أَني حصانٌ ... وأَني لا يَلَذُّ لِيَ النكاح كأنَّهُمَا لِمَيْنِهِما جميعاً ... مُسَيْلِمَةٌ وزوجتهُ سَجاحُ أبو العباس أحمد بن مفرج

стр. 672

تلميذ ابن سابق، ذكر ابن الزبير في الجنان أنه كان في زمان الحافظ وكان قد أمر الشعراء أن يختصروا في الإنشاد فعمل: أَمَرْتَنَا أَنْ نَصُوغَ المَدْحَ مُخْتَصَراًلِمْ لا أَمَرْتَ نَدَى كَفَّيْكَ يُخْتَصَرُ والله لابُدَّ أَنْ تُجْرِي سوابِقَنَا ... حتى يَبِينَ لها في مَدْحِكَ الأَثَرُ وقال: يَرِقُّ لِيَ العُذَّالُ حين أَبُثُّهُمْ ... دفائنَ شكوائي بحسنِ بيان وَأَخْرَسُ إِذْ أَلْقَاهُ عما أُريدُهُ ... كأَنِّيَ أَلْقَاهُ بغير لسان وقال يصف الغيث: ومن العجائبِ أَنْ أَتَى مِنْ نَسْجِهِ ... وخيوطُهُ بيضٌ بساطٌ أَخْضَرُ أبو الرضا سالم بن علي بن أبي أسامة بنو أبي أسامة كانوا أصحاب الديوان في زمان الحافظ وهذا منهم ذكره ابن الزبير في كتاب الجنان، وقال: بنو رياسة وأهل نفاسة ومعدن سماحة ورجاحة، وكان أبو الرضا واسطة عقدهم، وتاج مجدهم، واخترم قبل أن يدوم شعره. ومن شعره قوله في مركبٍ أوقر خطباً، فغرق، والمركب يعرف بالقرافة: قَرافَتي قد غَرِقَتْ ... وفُرِّقَتْ أَيدي سَبَا والنارُ في قَلْبِيَ لَمّا ... أَنْ عَدِمْتُ الْحَطَبَا وقولهه وقد استدعي إلى مجلس بعض الرؤساء: سمعاً لأَمْرِكَ عندنا ... يا أَيُّهَا المَوْلَى وطَاعَهْ سأصيرُ لا متأخراً ... إنْ مُدَّ لي في الصبرِ ساعهْ أبو المشرف الجرجاوي من أهل مصر، وكان في عصرنا الأقرب، ممن أورده أبو الصلت في رسالته. له في هجو قاضٍ، وقد أحسن: قاضٍ إذا انفصلَ الخصمانِ رَدَّهُما ... إلى الخصام بحكمٍ غيرِ مُنْفَصِلِ يُبْدِي الزهادةَ في الدنيا وزُخْرُفِها ... جَهْراً ويَقْبَلُ سِرّاً بَعْرَةَ الجَمَل مُهَلِّلُ الدهرِ لا في وقت هَيْلَلةٍ ... ويلزمُ الصمتَ وقتَ القولِ والعَمَل وما أُسمِّيهِ لكنِّي نَعَتُّ لكُمْ ... نعتاً أدُلكمُ فيه على الرَّجُل ومن شعره قوله من قصيدة: لله فيكَ سرائرٌ لا تُعْلَمُ ... يَمْضي بها القَدَرُ المُتَاحُ ويَحْكُمُ نَبْدَا بذكركَ في المديح لأنَّهُ ... بك يُبْتَدَا وبحسنِ ذِكرِكَ يُخْتَمُ شهدتْ لك الأعداءُ أَنَّكَ باسِلٌ ... بَطَلٌ يهابُكَ في النزال الضَّيْغَمُ للهِ درُّكَ من كَمِيٍ مُعْلَمٍ ... يخشاهُ في الحَرْبِ الكميُّ المُعْلَمُ هذا هوَ النصرُ العزيزُ لأنَّهُ ... نصرٌ حباكَ به الإلهُ الأعظَمُ انظُرْ إليَّ بعينِ جُودِكَ مُنْعِماً ... يا مَنْ هُوَ المَلِكُ الجوادُ المُنعِم جعفر بن أبي زيد مصري، له: وكم قائلٍ ليَ سافرْ إِلى ... بلادِ العراقِ تَقَعْ في الرَّخاءِ لعمري لقَدْ صَدَقوا، في الرخاءِ ... وقَعْنا، ولكنْ بتقديمِ خاء وله وما قصْدُنا بغدادَ شوقاً لأهْلِها ... ولا خَفِيَتْ مذ قَطُّ أخبارُها عنّا ولا أنَّنَا اخترْنَا على مِصْرَ بلدةً ... سواها، ولكنّ المقاديرَ ساقتنا هذه البيات أودعها رسالةً عملها في ذم بغداد، وكفاه ذلك دليلاً على غباوته وقساوته، وغلظ طبعه، ومرض قلبه. أبو علي حسن بن زيد بن إسماعيل الأنصاري كان من المقدمين في ديوان المكاتبات بمصر. وصفه القاضي الفاضل وأثنى على فضله، وأنه في فنه لم يسمح الدهر بمثله، طرقه حادث الزمان الغائظ فأحفظ عليه حسناً ولد المنبوز بالحافظ، وتقلد حوبته، وضرب رقبته، وذلك بسبب ابن قادوس، عمل بيتين هجا بهما حسن بن الحافظ، ودسهما في رقاع هذا الأنصاري، ثم سعى به إلى المذكور فأخذ، فوجدا معه، وقتل. وله قصيدة في مدح أفضهم يصف خيمة الفرج، يدل إحسانه فيها على أن بحره طامي اللجج، ودره نامي البهج، منها: مَجْداً فقد قَصَّرَتْ عن شأْوِكَ الأمَمُ ... وأَبدَتِ العجزَ منها هذه الهِمَمُ

стр. 673

أخيمةٌ ما نَصَبَتْ الآنَ أَمْ فَلَكٌ ... ويَقْظَةٌ ما نراهُ منك أَم حُلُمُ ما كان يخطُرُ في الأفكارِ قبلك أَنْ ... تَسْمُو علوّاً على أفْقِ السُّهَا الخِيَمُ حتى أتيتَ بها شَمَّاءَ شاهقةً ... في مارنِ الدهر من تيهٍ بها شَمَمُ إنّ الدليلَ على تكوينها فَلَكاً ... أَنِ احتَوَتْكَ وأَنْتَ الناسُ كلهُمُ يَمُدُّ مَنْ في بلادِ الصينِ ناظِرَهُ ... حتى ليبصر عِلْماً أنَّها عَلَمُ ترى الكِنَاسَ وآرامَ الظباءِ بها ... أَضحَتْ تجاورها الآسادُ والأَجَلُ والطيرُ قد لَزِمَتْ فيها مواضِعَها ... لما تحقَّقْن منها أنها حَرَمُ لديكَ جيشٌ وجيشٌ في جوانبها ... مُصَوَّرٌ وكلا الجيشين مُزْدَحِم إذا الصَّبَا حَرَّكَتْها ماجَ مَوْكِبُها ... فمُقْدِمٌ منهمُ فيها ومُنْهَزِم أَخَيْلُها خَيْلُكَ اللاتي تُغِيرُ بها ... فليس تُنْزَعُ عنها الحُزْمُ واللُّجُم عَلَّمْتَ أَبْطالَها أنْ يُقْدِموا أبداً ... فكلُّهُمء لغمار الحَرْبِ مُقْتَحِمُ أَمَّنْتَهُمْ أَنْ يَخافوا سَطْوَةً لِرَدىً ... فقد تسالمتِ الأسيافُ والقِمَمُ كأنها جَنَّةٌ فالقاطنون بها ... لا يستطيلُ على أعمارِهِمْ هَرَمُ عَلَتْ فخلنا لها سِرّاً تُحَدِّثُهُ ... للفَرْقَدَيْنِ وفي سَمْعَيْهِما صَمَمُ إنْ أَنْبَتَتْ أَرْضُها زَهْراً فلا عجبٌ ... وقد هَمَتْ فوْقَها في كَفِّكَ الدِّيَمُ يا خيمةَ الفَرَجِ الميمونِ طائرُها ... أصبحتِ فأْلاً بهِ تَسْتبشرُ الأمَمُ ومنها: ما قالَ لا قطُّ مذ شُدَّتْ تَمَائمُهُ ... وكم له نَعَمٌ في طيِّها نِعَم لو كنتَ شاهدَ شعري حين أنْظِمُهُ ... إذَنْ رَأَيْتَ المعالي فيك تَخْتَصِمُ أَزَرْتُكَ اليومَ من فكري مُحَبَّرَةً ... في ناظر الشمسِ من لأْلاَئِهَا سَقَمُ ترى النجومَ لِلَفْظِي فيكَ حاسدةً ... تودُّ لو أنَّهَا في المدح تنتظم وله منالُ الثُّرَيَّا دون ما أنا طالبُ ... فلا لومَ إنْ عَاصَتْ عَلَيَّ المَطَالِبُ وإني وإنْ لم يسمح الدهرُ بالمُنَى ... فلي في كَفالاتِ الرِّماحِ مآرِبُ تُقَرِّبُ لِي مُسْتَبْعَدَاتِ مطالبي ... جِيَادي وعزمي والقَنَا والقواضبُ فما أنا ممن يقبضُ العَجْزَ خَطْوَهُ ... وَتَعْمَى عليه في البلاد المذاهب إذا ما كساك الدهرُ ثوباً من الغِنَى ... فَعَجِّلْ بِلاَهُ فالليالي سوالبُ وَلا تَغْتَرِرْ مِمَّنْ صَفَا لَكَ وُدُّهُ ... فكم غَصَّ بالماء المُصَفَّقِ شاربُ نلومُ على الغدرِ الزمانَ ضلالةً ... وقد سَنَّهُ أَحْبَابُنا والحبائبُ وله مغاني اللِّوى حَيّاكِ غادٍ من الوَبْلِ ... وطَلَّتْ دموعُ الطَّلِّ فيكِ دمَ المَحْلِ فلا زال هَطَّالُ الغَمامِ إذا بَكَى ... تبسَّمَ عن أَلْمَي من الرَّوضِ مُخْضَلِّ فكم ليَ في أظلالِ دَوْحِكِ ليلةٌ ... غَدَتْ سِمةً في جَبْهةِ الزَّمَنِ الغُفْلِ وله أَأَطْلُبُ الرزقَ لا أُنْضِي الركابَ له ... لا تَفْرُسُ الأُسْدُ أو تَنْأَى عن الأَجَمِ وكيف أُغْضِي على ضَيْمٍ وما رَوِيَتْ ... مني السيوفُ ولم تُسْقَ الصِّعادُ دمي من لي بعَوْدِ زمانٍ كنتُ أَكرَهُهُ ... وكيف للمَيْتِ بالرُّجْعَى إلى الألمِ وله أَطارقُ طَيْفٍ أَمْ خيالٌ مُرَجَّمُ ... أَراكَ به مرأَى اليقين التوهُّمُ سَرَى وكأنّ الأُفْقَ صفحةُ لُجَّةٍ ... كواكبُهُ فيها سفائنُ عُوَّمُ

стр. 674

وكم للكَرَى من مِنّةٍ قَبْلَ هذه ... أَضاءَ بها وجهُ الدجى وهو أَسْحَمُ وما شِيَمُ الأيَّامِ أن تَمْنَحَ المُنَى ... ويبسمَ منها الكالحُ المُتَجَهِّمُ ولكن رَأَتْ نُعْمَآ شَهِنشاهَ في الوَرى ... فقد أَصبَحَتْ من جُودِهِ تَتَعَلَّمُ ومنها: إذا كُسِفَتْ شمسُ النهار فإنها ... لخجلتها من نُورِهِ تَتَلَثَّمُ وما أَطْلَعَ الأُفْقُ النجومَ لريبةٍ ... ولكنه عُجْباً بها يتبسَّمُ وليس صَليلُ البيضِ إِلاّ لأنَّهُ ... بِنُصْرَتِه يومَ الوَغى يترنَّمُ وما غَرَّدَ ابنُ الأَيْكِ إِلا بمَدْحِه ... لو انَّ غِنَاءَ ابنِ الأَراكةِ يُفْهَمُ وله يهنىء أفضلهم بخلعة: شَرَفاً فقد أَدْرَكْتَ قاصيةَ العُلاَ ... ورَدَدْتَ غَرْب النائبات مُفلَّلا هَمَّ الزمانُ على الورَى بجنايةٍ ... فأَنَابَ قبلَ وُقوعها وتَنَصَّلا فلو استطاعَ النطقَ أصبحَ سائلاً ... في الإذْنِ أن يَطَأَ البساطَ مُقَبِّلا الله أكرَمُ أن يُضَيِّعَ دوْلةً ... عنها فلم يَعْرِفْ إليها مَدْخَلا سَدَّتْ أياديك الطريقَ عن الرَّدَى ... عنها فلم يَعْرِفْ إليها مَدْخَلا ولقد رآك الله أَسْنَى خَلْقِهِ ... فَضْلاً وقَدَّرَ أن تُسَمَّى الأفْضَلا آتاكَ ما لم يُؤْتِ خَلْقاً مِثْلَهُ ... وحَباك من غُرَرِ الليالي مُجْزِلا خِلَعٌ خَلَعْنَ من العُداة قلوبَهُمْ ... وملأنَ بالإشراق أبْصَارَ المَلاَ لما برزتَ بها بَهَرْتَ فلم يُطِقْ ... طَرْفٌ إليكَ من الشعاعِ غَضَّيتْ وقد نَظَرَتْكَ من أجْفانِها ... شمسُ الضُّحَى فبِوَاجِبٍ أن تَخْجَلا وبَدا عليك التاجُ نُظِّمَ دُرُّهُ ... فطلعتَ بدراً بالنجومِ مُكلَّلاَ وله أَطاع أَمرَكَ في أعدائكَ القَدَرُ ... ولا دَنَتْ أبداً من مُلْكِكَ الغِيَرُ أَيَّامُكَ الغُرُّ مصقولٌ عوارِضُها ... كأنَّ آصالَهَا من رِقَّةٍ بُكَرُ أَخْمَلْتَ ذكْرَ ملوكٍ كنتَ خاتمَهُمْ ... وأَنجُمُ الليلِ في الإِصباحِ تَسْتَتِرُ أيْنَ الذي أنْتَ مُبْدِيه مُعَايَنَةً ... من الفضائلِ مما تنقلُ السِّيَرُ وما يدانيكَ في العلياءِ من أَحَدٍ ... هيهاتَ لاَ يسْتَوِي التحْجِيلُ والغُرَرُ بعضُ الوَرَى أنْتَ لكنْ فُقْتَهُمْ شَرَفاً ... إِنّ الحجارة منها الدُّرُّ والمَدَرُ لله عَزْمُكَ ما أَمْضَى مَضَارِبَهُ ... حيث الصوالجُ بيضٌ والطُّلاًَ أُكَر ظَنُّوا حُسَامَكَ سيفاً في يَدَي مَلِكٍ ... فعايَنوا مَلَكاً في كَفِّهِ قَدَرُ منها: لم تجتمع يدهُ والسيف يومَ وَغىً ... إلا تفرّقتِ الأجسامُ والقَصَرُ بَثَّ اللهَا راغباً في الحمد يُحْرِزُهُ ... فالمدحُ مُحْتَقَبٌ، والمالُ مُحْتَقَر يَرْضَى وقد غَضِبَتْ بيضُ السيوفِ له ... فيوسعُ الذنبَ عفواً حين يقتدر تخالُ راحتَه والمشرفيّ بها ... سحابةً ظلَّ فيها البرقُ يَسْتَعِرُ يَلْقَى الكتائبَ فَرْداً وهْو مُبْتَسِمٌ ... ويبذلُ الأرْضَ رِفْداً وهْو مُحْتَقِر وله سرَى واصلاً طيفُ الكرَى بعد ما صَدَّا ... فهل خَطَأً أَهدى الزيارةَ أَمْ عَمْدَا ولما أَتَى عُطْلاً من الدُّرِّ جيدُهُ ... نَظَمْتُ دموعي فوقَ لَبَّاتِهِ عِقْدَا من مديحها: سلِ الليلَ عنه كلَّ يومِ كريهةٍ ... يُخَبِّرْكَ عن أَمْضاهُما في الوَرَى حَدَّا أَبانَتْ له طُرْقَ المكارمِ نَفْسُهُ ... بغيرِ دليلٍ والمكارمُ لا تُهْدَى ومذ صارَ للإسلامِ سيفاً وللظُّبَا ... إليه انتسابٌ غادَرَتْ معه الْهِنْدَا

стр. 675

لأَضحى نَدَى كفَّيْك للنيلِ ثانياً ... وقد عَهِدْتُه أَرْضُ مِصْرَ بها فَرْدَا ولو قاسَ بين اللجّتين مُحَقِّقٌ ... رأَى البحرَ في تَيَّاره وَشَلاً ثَمْدَ وله من قصيدة في مدح أبي محمد بن أبي أسامة: لعلَّ سَنا البارقِ المُنْجِدِ ... يُخَبِّرُ عن ساكني ثَهْمَدِ ويا حبذا خَطْرَةٌ للنسيم ... تُجَدِّدُ من لوعةِ المُكْمَد وفي ذلك الحيِّ خُمْصَانةٌ ... لها عُنُقُ الشادنِ الأَغْيَدِ تَتيهُ بغُرَّةِ بدرِ التمامِ ... وسالفةِ الرَّشَإِ الأغْيَدِ وتُلْحِفُ عِطْفَ قضيبِ الأَراكِ ... رداءًا من الأَسْحَمِ الأَجْعَدِ أَعاذلُ أنحيتِ لوماً عليَّ ... يروحُ بعذٍلِكِ أو يَغْتَدِي تلومُ زماني على صَمْتِهِ ... وصوتيَ من ضَرْبِه المُعْمَدِ ففضليَ يبكي على نَفْسِهِ ... بكاءَ لبيدٍ على أَرْبَدِ ولو كان حَظِّيَ لونَ الشباب ... لما حالَ عن صِبْغِهِ الأَسْوَد فلا تأيسنَّ لمَطْلِ الزمانِ ... فإنِّيَ منه على مَوْعِد ولا تشكُ دَهْرَكَ إلا إليكَ ... فما في البَرِيَّةِ مِنْ مُسْعِد ولا تغتررْ بعطايا اللئامِ ... فقد ينضحُ الماءُ من جَلْمَدِ ومن نثره مما يدل حسنه على رونق فرنده وأثره، ما التقطته من ترسلٍ صنفه أبواباً، وألفه اقتضاباً. له تهنئة بولاية: من هنىء بمنزلةٍ يرتقيها، أو مرتبةٍ يعتليها، فالخدمُ تهنىء بالحضرة لما يكسوها من جميل السيرة، والإنصاف الذي يتعادل فيه الجهر والسريرة، فخلد الله ملك المجلس العالي المالكي وثبت أيامه، ونصر أعلامه فإنه منظورٌ فيها بناظر البصيرة التي تمده القوة الفلكية سلك بتقديمها نهج السعادة الذي توضحه المادة الإلهية، فأصاب الضريبة، ووقع العقد في التربية، وأرهف الحسام القاطع، وأضرم الشهاب الساطع. ومن أخرى: الخدم أطال الله بقاء الحضرة السامية تتشرف بمن يليها، والمنازل تسمو بمن يكون فيها، إذ كان غيرها يرقى إلى المآثر والمآثر إليها ترتقي، وينجح بيسير المفاخر وهي لديها تجتمع وتلتقي. ومن أخرى: هذا فجرٌ يتلوه الصباح المسفر، ووسميٌّ يتبعه العارض المثعنجر. ومن تهنئئته بقضاء: الحمد لله الذي طرز بمحاسن أيامها أردان الإسلام، وجعلها تاجاً على مفرق الأحكام، النظر السلطاني أصاب منها الغرض، وتناول الجوهر وترك العرض. من تهنئة بالعافية إلى السلطان: الحمد لله الذي أقر القلوب بعد وجيبها، وأضحك الأيام بعد قطوبها، وقوى المنن بعد انخزالها، وشد عرى الإسلام بعد انحلالها، بما أتاحه من البر الذي أقر عيون الأولياء، وأكمد قلوب الأعداء، وأصبحت الدنيا متحليةً بعقودها، مائسةً في برودها، باسمةً عن المضحك الأنيق، لاجئةً إلى الركن الوثيق، وغدا الدين عزيز الجانب، رفيع المناكب محمي الكواكب، فمملوك الدولة أحق الأولياء بأن يستفزه الجذل ويستطيره، وتتضاعف مسرته بهذه المنحة الخطيرة، إذ هو بيمنها مشمولٌ، وعلى موالاتها مجبول، وقد جذبت بباعه من الحضيض الأوهد، وسمقت به إلى المحل الأمجد، فهو يتازر بإنعامها ويرتدي، ويروح إلى إحسانها ويغتدي. الحمد لله الذي أبقى المجلس السامي شهاباً لا يخبو في اللأواء ثاقبه، وحساماً لا تنبو عن الأعداء مضاربه، وركناً تلوذ به الأمم، وسحاباً يهطل بأنواء الكرم. ومن تهنئة بالبرء إلى صديق:

стр. 676

إذا قدم الوداد، وصح الاعتقاد، وصفت الضمائر، وخلصت السرائر، حل الإخاء المكتسب محل أخوة النسب، وصار المتعاقدان على الإيثار، والمتحابان على بعد الدار، متساهمين فيما ساء وسر، ومتشاركين فيما نفع وضر، وتلك حالي وحال حضرة مولاي، فإني وإياها كنفسٍ قسمت على جسمين، وروح فرقت بين شخصين، فأما ألمها فقد مضى وأزعجني، وأما برءها فقد سرني وأبهجني، وعرفت خبر إبلالها، من ألمٍ كان بها، فشكرت الله على خلتين معاً، ونفعين اجتمعا، أحدهما أنني لو كنت أعلم تألمها، لكنت ألاقي ما يكدر الشراب، ويمنع تلاقي الأهداب، وأجد على حال الصحة ما يجد المريض، وأرى الدنيا على آثارها بعين البغيض، والآخر علمي ببرءها عند حلوله، ومعرفتي به عند تخييمه بساحتها ونزوله. من تهنئة بولد: وردت البشارة السيارة بالقادم الأمجد، المستقبل بالطالع الأسعد، فأخذ المملوك من المسرة بأوفر حظ الأولياء، الملخصين في الولاء، المغمورين بجزيل الآلاء، وسأل الله سبحانه تخليد الأيام المالكية، مديدة الأمد، وافرة العدد، نامية الأهل والولد، حتى ترى هذا المبشر بقدومه ممتطياً صهوات الجياد، مخوف الشد يوم الجلاد، يخفق وراءه اللواء، وتخاف سطوته الأعداء، وتحصن البلاد بقواضبه، وتشنف الأسماع بذكر مناقبه، وترى من أولاده أمجاداً عن الإسلام ذادة، وأملاكاً لأملاك البلاد سادة، لا زالت تبلغ أقصى الأماني، وتسمع نغم التهاني، وتمد ظلها على القاصي والداني. ومن أخرى: حتى ترى نسل هذا المولود أقمار تمٍ تضيء هالاتها، وآساد غيلٍ تخاف غاباتها، وصوارم بأسٍ يحذر غربها، وأنواء جودٍ تهطل سحبها. تهنئة بظفر: الحمد لله الذي فضل دولة أمير المؤمنين على سائر الدول، كما فضل ملة محمد ﷺ على سائر الملل، وجعل أيامه واضحة الحجول والغرر، مخصوصةً بالفتوح والظفر، يخفق النصر على بنوده، وتسير السعادة أمام جنوده، ويقابل الأقدار في جحافلها، وتصبح الملائكة الأبرار من قبائلها، فما يتوجه من جيوشه جيشٌ إلا والتأييد يقدمه، والقدرة تخدمه، والدهر يؤازره، والنصرة تضافره. نهنىء بهذا الفتح الذي ضحكت به الدنيا عن مباسمها، وتجلت به شموس النصر عن غمائمها، ونسأل الله أن يجعل الأرض قبضة يده، والأفلاك الجارية من أعوانه وعدده، وكل يوم من أيامه موفياً على أمسه، مقصراً عن غده، الفتح الذي نكست به رءوس ذوي الشقاق، وقطع به دوابر أهل الخلاف والنفاق، ورجفت به أكباد الأعداء رهباً وجزعاً، وتضعضعت به أركان الباطل خوفاً وهلعاً، وأصبح الإسلام به عزيز الجناب، فسيح الرحاب، منصور الأعوان والأحزاب، والدولة فاخرةً على الدول، بالغةً أقصى الأمل، يخفق النصر في أعلامها، ويحفها الظفر من ورائها وأمامها. من تهنئة بفتحك أعز الله سلطان الحضرة وهنأها ما منحها من الشرف الأثير، والذكر النابه الخطير، من الظفر بالفلانيين على اشتداد أسرهم، واستفحال أمرهم، وانبساط يدهم، وتكاثر عددهم، وتناكص المقدمين عنهم، وجزع الناس منهم. لا جرم أن المجلس العالي لما رأى شأنهم يتفاقم، وخطبهم يتعاظم، نقد رؤساء دولته نقد الصيرف الخبير وقلب مقدمي مملكته بطرف العارف البصير، ولم ير كفلان ألم ولا أدفع للخطب ولا أسد للخرق، ولا أرتق للفتق، ولا أخبر بتدبير الجحافل ولا أهجم على شفار المناصل، ولا أثبت في صدور الأعداء، ولا آثر في نفوس الأولياء، ولاأعرف بمجاري أمور الحرب، ولا أثبت جأشاً عند اختلاف الطعن والضرب، ولا أكثر اجتهاداً وتشميراً ولا أمضى رأياً وتدبيراً، ولا أيسر على الأبطال، ولا أحق بالتقدم على سائر الرجال، ولا أثبت في مواقف النزال، ولا أسرع إجابةً حين تدعى نزال. رأوا في عجاجها سحابة موت تهطل بالنكال، وتمطر نوافذ النصال، وتومض عن بوارق تشعشع بالصقال، وتقطع عرى الآجال، ونار بأسٍ تلفح القلوب، وتضرم الخطوب، وتدني الأجل المكتوب، فأصبحوا بين ناكصٍ على العقب، ومجدلٍ في الأرض تربٍ، ومرملٍ بدمائه، ومجرعٍ غصص ذمائه، وهاربٍ والأرض تحصبه، والآفات تطلبه، يخاف من ظل طرفه، ويرى المنية نصب طرفه. وأقشعت الحومة والدهر إليها باسم، والنصر عليها قادم، والظفر مسطورٌ بجبينها، والسعادة مخيمةٌ عن يمينها، والإسلام لسعيها شاكرٌ، والدين لجهادها منيرٌ زاهرٌ. ومن أخرى:

стр. 677

المملوك يقدم الهناءة بما يسره الله وسهله، وكمل به الإنعام وأجزله، من الظفر بالطائفة الفلانية وقط شوكتها، وإلانة شدتها، وإبادة خضرائها، وكف غلوائها ينهى أنه توجه إلى هذه الفئة واثقاً أن سعادة الدولة تعضده وتوفيقها يؤيده، ويمن تدبيرها يوضح له مناهج افقبال، وبركة أيامها تبلغه غاية الآمال، فهو يضمن لكل من يضمه الجيش أن الجبال لو عاندتها لنسفت نسفاً، والسماء لو خالفتها لسقط من كل جانب منها كسفاً، والأسد لو خافت سطواتها لما حمتها القفار، والطير لو حذرت بأسها لنبذتها إليها الأوكار، حتى تقرر في نفوسهم أن السعادة لهم شاملةٌ، ومشيئة الله بنصرهم كافلةٌ، وصاروا من مضاء عزائمهم أحد من شفار صوارمهم، فحين التقى الجمعان، وتراءت الفئتان، فما كان إلا كرجع الطرف قصراً، ومقدار ما أنيطت كل حنيةٍ وترا، انصاعوا مدحورين، وولوا الدبر مفلولين، وأصبحوا فيئاً للمنون مشهبا، واقتسمهم الفرار والبوار أيدي سبا، فغدوا بين قتيلٍ مجدلٍ وأسيرٍ مكبلٍ، يجود بنفسه، وشريدٍ يخاف من حسه. ومن فصل: لا زالت ماضية الأحكام في الآفاق، جاريةً أناملها بمجاري الأرزاق، حالة صوارمها في أعناق عداتها مكان الأطواق، حتى تخلو السماء من الكواكب، وتطلع الشموس من المغرب، ما تفتح الزهر عن أكمامه، وتردد الزبرقان بين سراره وتمامه، ما سطعت الأهلة بلألائها، ومزقت جلابيب الظلام بضيائها. ومن كتاب في هدية: إذا صح الاعتقاد، ذهب الانتقاد، وإذا ثبت الإدلال، حسن الاسترسال. وبحكم هذه القضية، أهديت إلى الحضرة العلية، معولاً في بسط العذر على شرف أخلاقها، وكرم أعراقها، تحفة منبسطٍ مسترسل، لا هديةَ محتفلٍ متجمل. ومن كتاب تعزية: الخطب الحادث، الفادح الكارث، الذي كادت له القلوب أن تتبرأ من أضالعها، والعيون أن تتعوض بدمائها من مدامعها، والضحى أن يدرع جلباب الدجنة، والحوامل أن تجهض بما في بطونها من الأجنة. إن المنية حوضٌ كل الناس وارده، ومنهلٌ كل الخليقة قاصده. المتهالك في الهلع، المتهافت في الجزع، مخالفٌ لأمر ربه، لا يستطيع دفع خطبة الموت. لا يسلم منه ملكٌ نافذ الأمر، ولا فقيرٌ خامل الذكر. ومن تعزية ثانية: إن من الرزية ما يعد عطية، ومن المحن ما يحتسب منحة، لاسيما ومن المشهور ما جاء في الخبر المأثور، من دفن أولات الخمر، وأن وفاتهن مخيرٌ لهن من امتداد العمر، وحبذا الموت صهراً، والقبر مهراً. ومن أخرى في العزاء بمقتول في الحرب: الدنيا دار غرور وخدعٍ، ومنزل زورٍ وطمعٍ، الموت أمرٌ لازمٌ، وحكمٌ جازمٌ، يشمل النبيه والخامل، ويحطم الزج والعامل. أكرم مصارع الرجال في معارك الأبطال، وأفضل مهالك الأجواد فوق صهوات الجياد، ولولا هذه الفضيلة، والخلة الجميلة، ما أنف الشجعان من الموت على الفراش، وتهافتت على السيوف تهافت الفراش، ورأت أن فراق النفس برماح الفوارس خيرٌ من فراقها في صدور المجالس. وفلان وقف مواقف الكرام، وأنف من فرار اللئام، وبرز في حومة اللقاء، وطعن في صدور الأعداء. وله في العزاء بغريق من فصل: لعمري لقد نزهه الله عن سهك الجرباء، وملاقاة الحصباء، والمقام تحت أديم الأرض، وانطباق بعضها على بعض، ورفعه عن أن يذال في الجدث جبينه، ويعفر في العثير عرنينه، فجعل ضريحه في شبيهه جوداً وكرماً، وضريبه محاسناً وشيماً، فتضمنه الماء، وغطغطت فوقه الدأماء، فإذا استسقى السحاب، واستسمح التراب، فهو في البحر الوافر، واللج الزاخر، بحيث تتفرع المناهل، ويرد كل ناهل. فصل فيمن قتل غيلة: لو كان بحيث يحمله الطرف الأجرد، ويهتز بكفه الحسام المهند، ويشرع سنان الزاعبي الأسمر، ويخرق بنوافذ النضال حجب العثير، لكان مقامه معروفاً، ونكصت عنه الجحافل ولو كانت ألوفاً، ولكنه حمامٌ حم وارده وطارقٌ لا يرد وافده، وأمرٌ سبق في القضاء المكتوب، وتبيين لعجز البشر عن مغالبة الخطوب. ومن شعره أيضاً قوله: وباهرةِ المحاسنِ إِنْ تَبَدَّتْ ... بليلٍ أَطْلَعَتْ بدرَ التّمامِ وإِنْ بَرَزَتْ نهاراً في نِقَابٍ ... أَرَتْكَ الشمسَ من تحتِ الغَمَامِ أَضاءَ جَبِينُها والشَّعْرُ داجٍ ... كذاك البدرُ يَحْسُنُ في الظلام وقوله من أول قصيدة:

стр. 678

إِذا أَرَدْتَ دفاعَ الحادثِ الْجَلَلِ ... فما مُقام الشِّفَارِ البيض في الْخَللِ لولا مخافةُ حملِ الضَيْمِ ما طُبِعَتْ ... ظُبا السيوفِ ولم تُرْهَفْ ظُبَا الأَسَلِ وله خَلَعَ الزمانُ عليَّ حُلَّةَ مَفْخَرٍ ... شَرَفاً بمدحِ الأَفْضَل المِفْضَالِ أَضْحَى به ليلي نهاراً بَعْدَ ما ... غَبَرَتْ به الأَيامُ وهَيَ ليال قَرْمٌ إِذا ما جالَ في رَهَجِ الوَغَى ... أَضْحَتْ به الآجالُ في الأَوْجَال وتَهُزُّ كَفَّاهُ طوالَ ذوابلٍ ... تغدُو بها الأَعْمارُ غَيْرَ طِوَالِ يَلْقَى المدائحَ بالمنائحِ واهباً ... ويُصَدِّقُ الأَقْوَالَ بالأَفْعَالِ وَسَمَتْ به العَلْيَا فأَصْبَح حافظاً ... ما ضَيَّعَ الأَغْفالُ بالإِغْفال وإِذا أَتَتْ منه سوابقُ نِعْمةٍ ... كفلتْ مواهبُهُ لها بنَوالِ وله من قصيدة: ونَدْمَاني بدور التِّمِّ تَبْدُو ... بأَغْصانٍ تميسُ على روابي ورنَّاتُ المثالثِ والمَثاني ... وفاقاً في اصطحابٍ واصطخاب فحيَّتْ والدُّجَى يحكي انحساراً ... نُصولَ الشيبِ من تحتِ الخِضاب براحٍ خِلْتَ كفَّ المَزْج جَادَتْ ... لمَفْرِقها بتاجٍ من حَبَابِ صَفَتْ وصَفَتْ زجاجَتُها وأَضْحَتْ ... كأَخْلاَقِ الأَجلِّ أَبي تراب مجبر بن محمد بن مجبر الصقلي ذكره القاضي الفاضل، وقرظه بالفضائل، وهو صقلي النجار، مصري الدار، وهو قريب العصر، توفي قبل الأربعين والخمسمائة. قال ابن الزبير ينقل إلى المصريين بحكم أن نشوءه واشتهاره بمصر، غزير موارد الفكرة، واري زناد القريحة؛ نقلت من مجموع ابن الزبير قوله من قصيدة: أَتُرَى يُفيقُ من الصبابة عاشقٌ ... قَذَفَتْ به الأهواءُ في الأهوالِ مُغْرىً بحبِّ الغانياتِ هَفَتْ به ... هِيفُ الخصورِ ورُجَّحُ الأَكْفَالِ غُرِسَ القضيبُ على الكثيبِ بقدِّها ... فأَتَتْ بميَّادٍ على مُنْهال تَتَرَدَّدُ الأبصارُ فيها حيرةً ... في الحُسْنِ بين الخالِ والخلخال غَرَّاءُ غَرَّتْها الشبيبةُ فاكتَسَتْ ... تيهَ الدلالِ وعِزَّةَ الإدْلال ممكورةٌ مَكَرَتْ بقلبي والهوى ... يستضعفُ المحتالَ للمختال حَلَّتْ مواشيَّ الوفاءِ وحَلَّلَتْ ... في الحبِّ قتلي وهو غيرُ حَلال قالوا تَسَلَّ وبئس ما أَمَرُوا به ... بؤسُ المحبِّ ولا نعيمُ السَّالي قلبي من الأجواد إلاّ أَنَّهُ ... في الحبِّ معدودٌ من البُخَّال سُقِيَتْ ليالينا برامةَ، والهوى ... حُلْوٌ، وأيامُ الشبابِ حَوَالي ولِجِدّةِ العشرين عندي ثَرْوَةٌ ... تُغني هُنَيْدَةَ عن هُنَيْدَةِ مالي ومنها: غيثٌ من الإحسانِ ما ينفكُّ مِنْ ... مَعْروفِهِ في وابلٍ هَطَّالِ وسحابُ جودٍ كلما ضنَّ الحَيَا ... بالماءِ جادَتْ كفُّهُ بالمال نادَى بحيَّ على النَّدَى فأَجابَهُ ... بالحمد كلُّ مُخَالفٍ ومُوَال وأَقَرَّ معترِفاً بثابتِ فضلهِ ... من لا يُقِرُّ بمُبْدِعِ الأشكال وله في أبي عبد الله ابن مسلم الكاتب، وكان يجري له خمسة دنانير في كل شهرٍ على تظم السيرة المصرية فسأل أن يجري له شيءٌ على الشعر، فزيد نصف دينار: جَرَى الحديثُ فقالوا: كلُّ ذي أَدَبٍ ... أَضحَتْ له خمسةٌ تَجْرِي بمقدار بأيِّ فضلٍ حواه ابن المُسَلَّمِ من ... دون الجماعة حتى زِيدَ في الجاري أَجْرَوْا له خمسةً عن حقِّ سيرته ... فقالَ لا تَنْقصوني حقَّ أشعاري نادَوْا عليه، وسعرُ الشِّعْرِ نافقةٌ ... فلم يَزِدْ قَدْرُها عن نصفِ دينار وله من قصيدة أولها:

стр. 679

بأيِّ لسانٍ عن معاليكَ أُعْرِبُ ... وفي كلِّ إحسانٍ معانيكَ تُغْرِبُ ومنها: هَصُورٌ له السَّرْدُ المُضاعَفُ لِبْدَةٌ ... لَدَى الحرب، والعَضْبلُ اليمانيُّ مِخْلَبُ ومنها يصف خيمة الفرج: وبيضِ خيامٍ يهتدي الركبُ في الدُّجى ... بها حين تَخْفَى النيِّراتُ وتُحْجَبُ تبوَّأْتَ منها خيمةَ الفَرَجِ التي ... لراجيك فألٌ في اسمها لا يُكَذَّبُ فتاهَ على إِيوانِ كسْرى وتاجِهِ ... رواقٌ لها في ظلِّ مُلْكِكَ يُضْرَبُ عَلا وعَلَتْ فاستوفتِ الجوَّ هالةً ... بها منك بدرٌ بالبهاءِ محجَّب يكادُ من الإحكام صافِنُ خَيْلها ... يجولُ وساجي وَحْشِها يَتوثَّبُ ويومٍ كيومِ الجِسْرِ هَوْلاً وشدّةً ... يُرَى الطفلُ فيه خيفةً وهو أَشْيَبُ سَفَرْتَ به عن وجهِ جَذْلان ضاحكٍ ... وللشمسِ وجْهٌ بالعَجاجِ مُنَقَّب وأَسمرَ عسَّالِ الأنابيبِ قد سَطَا ... على الأُسْدِ منه في يمينك ثَعْلَبُ أخُو الصِّلِّ شِبْهاً ما لَهُ الدهرَ مُذْ نَأَىعن التُّرْبِ إلا في التَّرَائب مَشْرَبُ وله امْلأْ كؤوسَكَ بالمُدَأمِ وهاتها ... إنَّ الهوى للنفسِ من لَذّاتِها اصْرِفْ عن المشتاقِ صِرْفَ مُدامةٍ ... رَشْفُ الرُّضابِ أَلَذُّ من رَشَفاتِها وأحلَّ أَشْربَتي وأَحلاها التي ... أَمْسَتْ ثغورُ البِيض من كاساتها ومريضةِ الأجفانِ سامَتْ في الهوى ... قتلي، فهانَ عليَّ في مرضاتها ما زلتُ أصْفح في القِلَى عن جُرْمِها ... وأَغُضُّ في الإعراضِ عن هَفَواتِها حتى توهَّمتُ الصدودَ زيادةً ... في حُسْنِها عندي وفي حَسَناتِها ومنها: ما خلتُ أَنَّ النفسَ يَنْكُدُ عَيْشُهَا ... حتى يكونَ الموتُ من شَهَواتها أَسْتودعُ الله القِبابَ وأوجهاً ... فيهنَّ كالأقمارِ في هالاتها والوردُ يحسدُ نرجساً وبنفسجاً ... في شُهْلِ أعينها ولُعْسِ لِثاتها تلكَ الرياضُ اللاءِ ما بَرِحَتْ يَدي ... تَجْنِي ثمارَ الوَصْلِ من وَجَناتِها ولربَّ قافيةٍ شرودٍ شَرَّدَتْ ... نومي فبتُّ أجوُّ في أَبيانها حتى وردتُ من التأسُّفِ بعدها ... ناراً دموعي الحُمْرُ من جمراتها مازلتُ أَنْظِمُ طيبَ ذكركَ عنبراً ... أَرِجاً خلالَ الدُّرِّ من كلماتها حتى إذا نَشَرَ الصباحُ رداءَهُ ... عن مِثْلِ نَفْحِ المِسْكِ من نَفَحَاتها وتَمَثَّلَتْ عِقْداً تَوَدُّ كواكبُ ... الجوزاءِ عُقْدَتُهُ على لَبَّاتِها أَعْدَدْتُها للقاءِ مَجْدكَ سُبْحَةً ... أَدعو بها لأنالَ من بَرَكَاتها ومدائحُ الكُرَماءِ خيرُ وسيلةٍ ... شُفِعَتْ بها الآمال في حاجاتها وأحقُّها بالنُّجْحِ مَدْحُكَ إِنَّهُ ... للنفس عند الله من قُرُبَاتِها فاليومَ أَنْثُرُها جواهرَ حكمةٍ ... عَقُمَتْ بحارُ الشعر عن أَخَواتِها فالبسْ بها حُلَلَ الثناءِ فإنها ... حُلَلٌ تروقُ عُلاكَ في بَدِنَاتِها وافسحْ لنا في لَثْمِ بُسْطِكَ إن أَبَتْ ... يُمْناكَ إِلا شُغْلَهَا بهِباتها قَسَماً بمن قَسَمَ الحظوظَ فنلتَ ... أَفْضَلها ونالَ الناسُ من فَضَلاتها وَبَنَى العُلاَ رتباً فكنتَ بفضله ... أَوْلى من استولى على غاياتها لولا وُجُودُكَ في الزمانِ وَجُودُكَ ... المُحْيي المكارمِ بَعْدَ بُعْدِ وَفَاتِها لم يُعْرَفِ المعروفُ في الدنيا ولو ... طُفْنَا عليهِ في جميع جِهاتها وله أول قصيدة:

стр. 680

أَترى السحابَ الجَوْنَ بات مَشُوقَا ... يبكي النَّوَى ويعاتبُ التفريقا فالبرقُ يلمعُ في حشاهُ كأنَّهُ ... قلبُ المحبِّ تلهُّباً وخُفُوقا وله أرأيت برقاً بالأَبارقِ قد بَدَا ... في أُفْقِهِ مُتَبَسِّماً مُتَوَقِّدا كيف اكتسى ثوبَ السحابِ مُمسَّكاً ... وأَحَالَه شَفَف الرِّداءِ مُوَرَّدَا وكأنَّما في الجوِّ كأْسٌ كُلَّمَا ... فاتَتْ نميرَ البرق صاحَ وعَرْبَدَا أو مُرْهَف كَشَفَتْ مداوسُ صَيْقَلٍ ... عن مَتْنِهِ صَدَءاً لكي يُرْوِي الصَّدَى كالحَبِّ أَوَ دِقِّ اللُّجَيْن يسيلُ من ... أُفُق أَحَالَتْهُ البوارقُ عَسْجَدَا وكلؤلؤٍ للغيثِ يأخذُهُ الثَّرَى ... فيعيدهُ نَبْتاً يُخَالُ زَبَرْجَدا هس مأخوذ من قول ابن أبي الخليل: ومن العجائب أن أتى من نَسْجه ... وخيوطُهُ بيضٌ بساطٌ أَخْضَرُ وله من قصيدة: لولا الهوَى ما عَبَّرَتْ عَبَرَاتُهُ ... عن وَجْدِهِوتصاعَدَتْ زَفَرَاتُهُ فَرَقُ الفِراقِ أَطارَ حَبَّةَ قلبه ... فتقطَّعت بمُدَى النوى عَزَمَاته من كانَ وَحْيُ الحبِّ بينَ ضلوعه ... نَزَلَتْ بفيضِ دموعِهِ آياته لا تنكروا حُمْرَ الدموعِ فإنه ... جَمْرُ الأَسى وتَنَفُّسِي نَفَحَاتُه وله من أخرى: ذو صَلاةٍ موصولةٍ بِصِلاتٍ ... ليلُهُ عامرٌ بها ونهَارُهْ سابقٌ في السماح كلَّ جوادٍ ... للعُلاَ لا بحلبةٍ مضْماره وله طَرَقَتْنا غيرَ مُختفِيَهْ ... غادةٌ بالحسْنِ مُرْتَدِيَهْ وَوَشَى طيبُ النسيم بها ... قَبْلَ أن تبدو، فقلتُ هِيَهْ ثُمَّ لما أقْبََتْ طَلَعَتْ ... مثلَ قَرْنِ الشمس مُعْتَلِيَهْ يا لَقَوْمي من لواحظها ... إنها بُرْئِي وعِلتِيَه واصَلتْ ليلى ونَفَّرَها ... أنْ رَأَتْ صُبْحاً بوَفْرَتِيَهْ إنّ صُبْحَ الشَّيبِ أيقظني ... من كَرَى عيني وغَفْلَتِيَه وحكى عني دُجىً سَفَهٌ ... زُرْتُ فيه طَوْفَ حَوْبَتِيَه وَنَهَتْني نُهْيَةٌ شَغَلَتْ ... بالعُلا هَمِّي وهَمَِّتيِه وقال: لا تجلسنَّ ببابِ مَنْ ... يَأْبَى عليكَ دُخولَ دارِهْ وتقولُ حاجاتي إليه ... يَعُوقها إنْ لم أُدَارِهْ واتْرُكْهُ واقصِدْ رَبَّهُ ... تُقْضَى وربُّ الدارِ كارِهْ وله وأَهيفٍ للغُصْنِ أَعطافُهُ ... واللظِّباءِ العِينِ عيناهُ شمسُ الضحى غُرَّتُهُ والدجى ... طُرَّتُه والمسْك رَيَّاهُ قد مَزَجَ الخمرة من ريقه ... ببَرْدِ كافورِ ثناياهُ ورقَّ ماءُ الحُسْنِ في خده ... ففتَّحَ الوردَ ونَدَّاهُ وله رعى الله رَيْعَانَ الصِّبَا وليالياً ... مَضَيْنَ بعهدٍ للشبابِ حميدِ لياليَ أَغْشَى في ليالي ذوائبٍ ... بدُورَ وُجوهٍ في غُصون قدود وأشرَبُ خمراً من كؤوسِ مَرَاشِفٍ ... وَقْطفُ ورداً من رياضِ خدود ولولا هوَى غِزْلان رامةَ لم يكُنْ ... يُرَى غَزَلي ذا رِقَّةٍ، ونشيدي ولكنْ صحبْتُ الجهلَ كهلاً ويافعاً ... وطفلاً إِلى أن رَثَّ فيه جَديدي فعلَّمني حُلْوَ العتابِ الذي به ... أَذَبْتُ دموعَ الخَوْدِ بعد جمود وله يمدح القائد أبا عبد الله الملقب بالمأمون: ليس الفراقُ بمستطعِ ... فدَعِيه من ذِكْرِ الوَدَاعِ وعِديه ما يَحْيا به ... من طيبِ وَصْلٍ واجتماع يا وَجْهَ مكتملِ البدو ... رِ وقدَّ مُعْتَدِل اليرَاع بجمالِ ما تحت الرّدا ... ءِ وحُسْنِ ما تحت القِناع

стр. 681

يا أُختَ يوسف إنّ قلبي ... في هواك أَخُو الصُّوَاعِ فلئن ظفرتُ به لديك ... وكنتِ سارقةَ المتاع فلآخذنَّكِ من قبيلك ... أَخْذَ مِلْكٍ واقتطاع يا نفسُ حَسْبُكِ لا تُها ... لِي بالخُطوب ولا تراعي يكفيكِ أَنَّكِ في حِمَى ... من ليس يَرْضى أَنْ تُضَاعي وله يصف فوارة: وفوّارة يستمدُّ السحا ... بُ من فضلِ أخلافِها المُحْتَلَبْ رَأَتْ حُمْرَةَ القيظِ مُحْمَرَّةً ... لها شَرَرٌ كرجومِ الشَّهُبْ فظَلَّتْ بها الأرضُ تَسقى السما ... ءَ خوفاً على الجوِّ أنْ يلتهب أحسن ما قيل في الفوّارة قول البحتري: وفوَّارةٍ ماؤها في السماءِ ... فليست تُقَصِّرُ عن ثارِها تردُّ على المُزْنِ ما أَسْبَلَتْ ... على الأرضِ من فَيْضِ مِدْرَارِها جماعة من شعراء مصر في عهد الأفضل ذكرهم أبو الصلت الحكيم في رسالته ، منهم: القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن محمد ابن النضر المعروف ب الأديب من أهل صعيد مصر، من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان ذو الأدب الجم، والعلم الواسع، والفضل الباهر، والنثر الرائع، والنظم البارع؛ وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والرتبة الأولى. وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الملقب بالأفضل نصرة أخدمة، فخاب فيه أمله، وضاع رجاؤه، وأخفق سعيه، فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان، ويشكو الخيبة والحرمان: بين التعزُّزِ والتذلُّلِ مسلكٌ ... بادي المَنارِ لعينِ كلِّ مُوَفَّقِ فاسلكْهُ في كلِّ المواطنِ واجتنِبْ ... كِبْرَ الأَبيِّ وذلَّةَ المتملّق ولقد جلبتُ من البضائع خيرَها ... لأجلِّ مختارٍ وأكرمِ مُتَّقِ ورجوتُ خَفْضَ العيشِ تحت رِوَاقه ... لابدَّ إنْ نَفَقَتْ وإِنْ لم تنفق ظَنّاً شبيهاً باليقين ولم أَخَلْ ... أنّ الزمانَ بما سقاني مُشْرِقي ولعائبي بالحرصِ قولٌ بَيِّنٌ ... لو كنتُ شِمْتُ سحابَهُ لم يَطْرُق ما ارتدْتُ إلاّ خيرَ مُرْتادٍ ولم ... أَصِلِ الرجاءَ بحَبْل غير الأوثق وإذا أَبى الرزقَ القضاءُ على امرىءٍ ... لم تُغْنِ فيه حيلةُ المسترزق ولَعَمْر عاديةِ الخطوبِ وإِنْ رَمَتْ ... شَمْلي بسَهْمِ تشتُّتٍ وتفرُّقِ لأُقارِعَنَّ الدهرَ دونَ مروءَتي ... وحُرِمْتُ عِزَّ النصرِ إنْ لم أَصْدُقِ وله في سفرته هذه وقد قوي يأسه من بلوغ أمله ونيل بغيته وعزم على الصدر عن الفسطاط إلى مستقره، يحض على الزهادة، ويحرض على القناعة، ويذم الضراعة، ويتأسف على إذالة خده، وإراقة ماء وجهه: لَهْفي لملك قناعةٍ لو أَنَّني ... مُتِّعْتُ فيه بعِزَّةِ المُتَمَلِّكِ ولكنزِ يأسٍ كنتُ قد أحرزتُهُ ... لو لم تَعِثْ فيه الخطوبُ وتفتكِ آليتُ أَجعلُ ماءَ وجهي بعده ... كدمٍ يُهِلُّ به الحجيجُ بمَنْسِكِ وأَخٍ من الصبر الجميل قَطَعْتُه ... في طاعةِ الأَمَلِ الذي لم يُدْرَكِ يا قاتلَ الله الضرورةَ حالةً ... أيَّ المسالكِ بالفتى لم تَسْلُكِ كم باتَ مشكوٌّ إليه تَحَيَّفَتْ ... حَلَقاتِهِ قَرْعاً براحةِ مُمْسِك وفَمٍ على قدَمٍ رَمَتْ ونواظرٍ ... كُحِلَتْ محاجرُها بموطىءِ سُنْبُكِ ومسربلٍ بالصبر والتقوى دَعَتْ ... فأجابها في مَعْرِضِ المُتَنَسِّك ظلَّتْ تُصَرِّفُهُ كتصريف العَصا ... رأَسَ البعيرِ لِمَبْرَكٍ عن مَبْرَك لا أَنشأَتْنِي الحادثاتُ لمثلها ... ورَمُيِتُ قبل وقوعها بالمهلك وله في رئيس كان يكلفه زيارته ويقعد عن ذلك تعاظماً وتكبراً:

стр. 682

أَكْرَرْتَ نَفْسَكَ أن تسعى مُصَادفةً ... وَسُمْتنيهِ لَقَدْ كلَّفْتَني شطَطا لا تكذبنّ فما كُنَّا لنوجبَ مِنْ ... حَقٍ وأنت تراهُ عنكَ قد سَقَطا لو بعتكَ النفسَ بيعاً كنتَ تملكها ... به عليَّ لكان العدلُ مُشْتَرَطَا فهل سبيلٌ إلى أن لا تواصِلَنِي ... ولا تُكَلِّفَ مثلي هذه الخططا عسى صحيفةُ ما بيني وبينك أَنْ ... تُطْوَى وما ضُمِّنَتْ غيرَ الذي فَرَطَا وله في صدر رسالة: أتى كتابُكَ عن شَحْطٍ فآنسنِي ... بما تَضَمَّنَ أُنْسَ العَيْنِ بالوَسَنِ قرأتُهُ فجرتْ في كل جارحةٍ ... مني معانيه جَرْيَ الماءِ في الغُصُن فما أقولُ بعثتَ الرَّوْحَ فيه إلى ... قلبي، ولكن بَعَثْتَ الرُّوحَ في بدني وله في شدة أصابته: يا مستجيبَ دعاءِ المستجيرِ به ... ويا مُفَرِّجَ ليلِ الكُرْبَةِ الداجي قد أُرْتِجَتْ دوننا الأبوابُ وامتنعتْ ... وجَلَّ بابُكَ عن مَنْعٍ وإِرْتَاج نخافُ عَدْلَك أَن يجري القضاءُ به ... ونرتجيك فكنْ للخائف الراجي وله يا نفسُ صبراً واحتساباً إنها ... غمراتُ أَيام تمرُّ وتنجلِي في الله هُلْكُكِ إِنْ هَلَكْتِ حميدةً ... وعليه أَجْرُكِ فاصْبِرِي وتَوَكَّلي لا تَيْأَسِي من رَوْح ربِّكِ واحْذَري ... أَنء تستقرِّي بالقنوط فَتُخْذَلي ولو توجد له في الغزل إلا أبيات يسيرة منها: وفَتُوكِ سِحْرِ المقلتين يصولُ مِنْ ... لَحَظاتِهِنَّ على القلوب بِمُرْهَفِ حَيَّيْتُ نَدْماني بوردةِ خَدِّهِ ... ورشفتُ من فيه مُجَاجَة قَرْقَف ونزعتُ عنه ما تَعَلَّقَ ثوبُهُ ... مني هناك سوى تُقىً وتعفُّف وملام عاذلةٍ قد ابتكرتْ به ... سَحَراً إِلى سَجْعِ الحَمامِ الهُتَّف يا هذه أسرفتِ في عَذْلِي وما ... لعزيمتي عن وجهها من مَصْرَف فخذي إليك اللومَ عني إِنَّ لي ... نبأً سيُعْرَفُ بعد هذا الموقف لأَصافِحَنَّ يدَ الخطوبِ برحلةٍ ... تَجْلُو دُجُنَّتَها بِغُرَّةِ يوسف ثم طالعت ديوان ابن النضر بمصر فجبيت هذه الدرر من أصدافه، وجنيت هذه الثمر من قطافه، واجتليت هذه الغرر من ألطافه، فمن ذلك قوله من قصيدة: كتبتُ عن شَمْلِ أُنْسٍ غيرِ ملتئمٍ ... حتى اللقاءِ وشَعْبٍ غيرِ مُنْشَعِبِ وإِنَّ للبين كفّاً غيرَ وانيةٍ ... تظلُّ تَجْمَع بي جمعاً وتقذفُ بي ومنها: لو أَنَّ أنملةَ المقدار تكتبُهُ ... في صفحة الدهر لم يَبْلُغْ مدى أَرَبي وقوله من أخرى في الزهد: النفسُ أَكرمُ موضعاً ... من أَنْ تُدَنّسَ بالذنوبِ ما لذةُ الدنيا لها ... ثمناً وإنْ مُزِجَتْ بطيبِ فاسبقْ إلى إعداد زا ... دِكَ هَجْمَةَ الأَجَل القريب والقَ الإله على التُّقَى ... والخوفِ مَزْرُورَ الجيوب وقوله من أخرى في ذم الغربة: أرى غُرْبَة الإنسان أُخْتَ وفاته ... ولو نالَ فيها مُنْتَهى طلباتهِ فلا يشتري الدنيا ببلدته امرؤٌ ... فليس عزيزاً في سوى عَرَصَاتهِ ومنها في ذم الأناة ومدح بعض الطيش: نَدِمتُ على أني ثَبَتُّ وربما ... جَنَى ندماً للمرءِ بعضُ ثَبَاتهِ يُزَيِّنُ أَفعالَ الفتى بعضُ طيشه ... ويُزْرِي بفعلِ المرءِ بعضُ أَناتهِ وقوله من قصيدة في المدح: أَكرِمْ به بَدْرَ تِمٍ جاءَ تكنفه ... شُهْبُ الأَسِنَّةِ في سُحْبٍ من الرهَج تُعْمِي بَوارِقُها الأبصارَ لامعةً ... كما يُصِمُّ تَوَالي رَعْدِها الهَزِجِ مُشمِّرُ الذيلِ يُبْدِي عن نصيحته ... مُواشكاً يَصِلُ الرَّوْحاتِ بالدَّلَج

стр. 683

إذا الجُنُوبُ تمطَّتْ في مضاجِعِها ... لهجعةٍ باتَ في سَرْجٍ على ثَبَج يُسايرُ النجمَ في دعجاءَ مظلمةٍ ... حتى يُمَزِّقَ ثَوْبَ الليلِ بالبَلَجِ في جحفلٍ مُعْلَمِ الأَكنافِ ذي زَجَلٍ ... شَبِّهْ به الليلَ أوْ شَبِّهْهُ باللُّجَج من كل أَصيدَ نَظَّارٍ إلى يده ... متى أشارَ بأن لِجْ حَوْمَةً يَلِج تَقِي الرماحُ وهيجَ الشمس أوْجُهَهُمْ ... فإنْ دجا الليلُ أَغْنَتْهُمْ عن السُّرُج كأنّ أَيديهمُ بالبيض سائلةً ... عن الجماجم بالأَقباس والخُلُج آلَى وحرَّجَ بَرّاً في أَلِيَّتِهِ ... وفي الأَلِيَّةِ ما يُغْني عن الحَرَجِ ألاَّ يؤوبَ برُمحٍ غيرِ مُخْتَضِبٍ ... من الدماءِ، وسيفٍ غيرِ مُنْضَرِج فويلُ مُرْتَضِعٍ دَرَّ النفاقِ إذنْ ... من ناظرٍ بسيوفِ الهند مُخْتَلِج ومنها: هو الذي يُبْرِىءُ الهاماتِ صارمُهُ ... في الرَّوْعِ من نَزَواتِ الكِبْرِ والهَوَج فليعتدلْ كلُّ رأسٍ مائلٍ صَعَراً ... من قبلِ عضِّ ثقافِ المَيْلِ والعَوج وقوله: خَلَّفْتُ خلفي للحوادث صبيةً ... بمحلِّ لا عمٍ لهنَّ ولا أَخِ يَعْلَقْنَ منه بحبلِ رحمةِ راحمٍ ... أو يعتصمنَ بظلِّ نخوة مُنْتَخ ولقد وَجِدت لهنَّ إِذ وَدَّعْنَني ... وَجْدَ القطاةِ بدامياتِ الأَفْرُخ وقوله: ملك يُحلِّي بالدمِ الأسيافَ إنْ ... حَلَّى الملوكُ جُفونَها بالعسجدِ وإذا تشكَّى من حَفاً فَرَسٌ له ... لم يُحْذَ غيرَ تَرِيبِ مَلْكٍ أَصْيَد وقوله في الزهد: جهادُ النفس مُفْتَرَضٌ فَخُذْها ... بآدابِ القناعةِ والزَّهادَهْ فإنْ جَنَحْتَ لذلك واستجابتْ ... وخالفَتِ الهوَى فهُوَ الإِرادَهْ وإن جَمَحَتْ بها الشهواتُ فاكبحْ ... شكيمتها بمِقْمَعَةِ العبادَهْ عساكَ تُحِلّها دَرَجَ المعالي ... وترفعها إلى رُتَبِ السعادَهْ وقوله: إِنْ تَنْأَ بي عَنْكَ أقدارٌ مُفرِّقَةٌ ... فإنّ لي فيكَ آمالاً وأوْطارا وإنْ أَسِرْ عن بلادٍ أَنْتَ قاطِنُها ... فالقلبُ فيها مقيمٌ بعد ما سارا وقوله من مرثية الرشيد إبراهيم بن الزبير: يا مُزْنُ ذا جَدَثُ الرشيدِ فقِفْ معي ... نَسْفَحْ بساحته مَزَادَ الأَدْمُع وامسحْ بأردانِ الصَّبا أركانَهُ ... كي لا يُلِمَّ به شحوبُ البَلْقَع فبودِّ نفسي لو سَقَيْتُ ترابه ... دمَ مهجتي، ووقيتُهُ بالأَضْلع ومنها يخاطب القبر: عَلِقَتْ عليكَ مَراحِمٌ كفلَتْ لمن ... واريت جملته ببَرْدِ المضجع وتنفَّستْ فيك الصَّبا مفتوقةً ... بنسيمِ مسكِ رياضِها المتضوّع ومنها: أو ما عجبتَ لطَوْدِ عزٍ باذخٍ ... مُسْتَوْدَعٍ في ذي الثلاث الأَذْرع ولخَدِّ من وَطِىءَ الكواكب راقياً ... كيف ارتَضى من بَعْدِها باليَرْمَعِ ومنها: ولقد قفتُ على ربوعِكِ شاكياً ... وبها الذي بي من أَسىً وتوجُّعِ فحمدتُ طرفي كيف أَرْشَدَني بها ... وذممتُ قلبي كيف لم يَتَقَطَّع وذكرتُ مُزدَحَمَ الوفودِ ببابها ... في كلِّ حينِ وِفادةٍ أو مَطْمَع وقوله: يا عيشُ إنْ لم تَطِبْ فلا تَطُلِ ... ويا حياةُ اهْجُري ولا تَصِلي كَمْ وإلى كم نَفْسي مُقَسَّمةٌ ... بين حُلولٍ وبين مُحْتَمَل لا حالَ لي تحمل المقامَ ولا ... استطاعةٌ تستغلُّ بالرَّحَل يَصْرِفُني اليأْسُ ثم تَعْطِفُني ... عواطفٌ من كواذب الأمل وقوله: لسانُ شُكْرِي حَسِيرٌ في يَدَيْ كَرَمِكْ ... وباعُ فِكْري قصيرٌ عن دُنا هِمَمِكْ

стр. 684

ما اهتزَّ غُصْنِيَ إِلاَّ في رُباكَ ولَمْ ... تَنْبُتْ قناتِيَ إِلاّ في ثَرَى نِعَمِكْ ومنها: أَنَا ابْنُ نِعْمَتِكَ المشكورِ مَوْقِعُها ... وعَبْدُ طاعتك المشهورُ في خِدَمِكْ وقوله، وقد أزعج من وطن كان يألفه: يا دارُ ما أنت لي داراً ولا وطنَا ... ولا قَطينُك لي أَهلاً ولا سَكَنا لئن تنكرتِ لي عما عهدتُ لقدْ ... خَرَّبْتُ فيكِ الذي عَمَّرْتُهُ زمنَا أَتشتكين لبَيْنٍ حُمَّ عن بَلَدٍ ... نَفْسِي تَرَى الذي في أنْ تَسْكُنَ البَدَنا وقوله من قصيدة: فأرْماحهُمْ مثلُ العرائس ما تني ... مخضبةً أطرافُها بالدم القاني ومنها: ولم ينثنوا حتى غدا الماءُ وهو مِنْ ... دماءِ عِدَاهُمْ لا يَحِلُّ لظمآنِ ومن الشعراء الذين ذكرهم أبو الصلت في رسالته: أبو الحسن علي بن البرقي من أهل قوص كانت بينه وبين ابن النضر صداقة، يقول: رماني الدهر منهُ بكلِّ سهمٍ ... وفاجأني ببَيْنٍ بعد بَيْنِ وأَلَّفَ في فؤادي كلَّ حُزْنٍ ... وفَرَّقَ بَيْنَ أَحْبابي وبَيْنِي ففي قلبي حَرَارَةُ كلِّ قَلْبٍ ... وفي عيني مدامعُ كلّ عيْنِ وله من أبيات: ولي سَنَةٌ لم أَدْرِ ما سِنَةُ الكَرَى ... كأنَّ جُفوني مِسْمَعِي والكَرَى عَذْلُ ومنهم: أبو محمد عبد الله بن الطباخ الكاتب له يهجو رجلاً: قَصُرَتْ أَخادِعُهُ وغَاضَ قَذَالُهُ ... فكأَنَّهُ مُتَوَقِّعٌ أَنْ يُصْفَعَا وكأنَّه قد ذاقَ أَوَّلَ دِرَّةٍ ... وأَحَسَّ ثانيةً لها فتَجَمْعَا وأورد له غير أبي الصلت قوله: أَطِلْ مُدَّةَ الهجرانِ ما شئت وارفضِ ... فما صدُّك المُضْنِي الحَشا صَدُّ مُبْغِضِ وإِلا فما للقلبِ أَنى ذَكَرْتُكُمْ ... ينازِعُنِي شوقاً إِليكم ويَقْتَضِي ولولا شهاداتُ الجوانحِ بالذي ... علمتمْ لما عَرَّضْتُ نَفْسِي لِمَعْرَض ومنها: وكم سائلٍ معْ كلِّ هذا عن القِلَى ... وعَنْ صبرِكمْ عَنِّي فقلت كذا قُضِي فيا مُبْعدي بالظنِّ والظنُّ كاسمه ... سلِ الناسَ عن مَشْهور خُلْقِي وارْتَضِ أَيَحْسُنُ أَنْ تُرْوِي سِوَايَ حِياضُكُمْ ... وأُحْرَمَ منها جُرْعَةَ المُتَرَرِّضِ أَخِلْتُمْ بأني قد تبدلتُ بعدكم ... هممتُ وشاورتُ الفؤاد فما رَضِي فإن قلتَ إِني اعتضتُ أرضاً بغيرها ... صدقتَ ولكنْ منكَ لمْ أَتَعَوَّضِ هذا عكس قول الآخر: تلقى بكل بلاد إِنْ حللتَ بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران أَقِلْ واصطنعْ واصفحْ ولِنْ واغتفرْ وجُدْ ... ونِلْ وتفضلْ واحبُ وانْعِمْ وعَرِّضِ ولا تُحْوِجَنِّي للشفيعِ فما أَرى ... به ولو انَّ العمر في الهجر ينقضي فما أحدٌ في الأرض غيرَك نافعي ... وأَنت كما تهوى مُصِحِّي ومُمْرِضي ومالكَ مِثْلي والحظوظُ عجيبةٌ ... ولكنَّ منْ يُكْثِرْ على المرءِ يُدْحَضِ ومنهم من يقول وهو: محمود بن ناصر الإسكندراني كاتب ابن حديدٍ، في طبيب أعلم مشوه الخلقة: صديقنا المستطبُّ نادرةٌ ... قد أَخَذَتْ منه أعين الناسِ أنيابُ غولٍ ومِشْفَرَا جملٍ ... ورأسُ بَغْل وذقنُ نِسناس ومنهم من يقول وهو: مروان بن عثمان اللكي تمكَّنَ مني السقمُ حتى كأنَّني ... تَوَهُّمُ مَعْنىً في خَفِيِّ سُؤَالِ ولو سامحتْ عيناهُ عينيَّ في الكرى ... لأَشْكَلَ من طيفِ الخيال خيالي سَمَحْتُ بروحي وهيَ عِنْدِي عزيزةٌ ... وجُدْتُ بدمعي وهو عِنْدِي غالِي وقد خفتُ أَنْ تَقْضِي عليَّ منيَّتي ... ولم أَقْضِ أَوطاري بيومِ وصال

стр. 685

وأَهْوَنَ ما أَلقى من الوجدِ أَنَّه ... صدودُ دلال، لا صدودُ مَلاَلِ هذا من قول العباس بن الأحنف: لو كنتِ عاتبةً لسَكَّنَ لوعتي ... أَملي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقبِ لكن صددتِ فلم تَكُنْ لِي حيلةٌ ... صدُّ المَلول خلافُ صدِّ العاتب ولمروان: ما بالُ قلبك يستكينُ ... أَبِهِ غرامٌ أمْ جنونُ بَرِحَ الخفاءُ بما يُجِنُّ ... فَأَذْهَبَ الشكَّ اليقين حتى متى بينَ الجوا ... نحِ والضلوعِ هوىً دفين وإلى متى قلبي المتيّمُ ... في يدِ البَلْوَى رَهين يا ماطِلي بديونِ قلبي ... آنَ أنْ تُقْضَى الديون شَخَصَتْ له فيك العيو ... ن وقُسِّمَتْ فيكَ الظنون وسلبتَ أَلْبابَ الوَرَى ... بلواحظٍ فيها فُتُونُ وقَوامِ أَغصانِ الرّيا ... ض وأين تدركُكَ الغصون الحسنُ في الأغصان فنٌّ ... وهْو في هذا فنونُ من أين للأغصان ذا ... ك الغُنْجُ والسِّحْرُ المبين أَمْ ذلك الوَرْدُ الجَنِيُّ ... بخدِّه واليَاسَمِين ومنهم من يقول وهو: أبو إسحاق إبراهيم بن شعيب إذا حلَّ محمودٌ بأرضٍ فإنه ... يُفَجِّر فيها من ندى كَفِّهِ عَيْنَا فتنبت نَوْراً مشبهاً لِهبَاتِهِ ... ترى ورقاً بعضاً وبعضاً تَرَى عَيْنَا وقد مضى ذكره. وأنشدني الفقيه أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن علي بن الحسين الفزاري الإسكندري قال: أنشدني إبراهيم بن شعيب لنفسه، وأورده أبو الصلت في رسالته: يا ذا الذي يُنْفِقُ أموالَهُ ... في حبِّ هذا الأَسمرِ الفائقِ ما الذهبُ الصامتُ مستنكَراً ... ذهابُهُ في الذهبِ الناطق وذكره الرشيد بن الزبير في كتابه، وقال: كان غريب الفكاهة، حلو الدعابة، ينقاد أبداً بزمام الخلاعة والمجون، ويرى أن باذل النفس في اللذة غير مغبون، ويشهد بذلك قوله في البيتين السابقين. وحكى بعض خلطائه أنه جمعه وإياه مجلس أنس في منظرةٍ مطلةٍ على النيل وقد منطقت جدرانها بالماء، وكللت شرفاتها بنجوم السماء، فلما أخذت منه حميا العقار، وعملت فيه نغم الأوتار، هفا به جناح الطرب، إلى أن وثب، منشداً: هذا مقامُ مُذْهَبُ ... لكلِّ همٍ مُذْهِبُ يجلُّ عن وصفِ الورى ... فاغتنموهُ واشرَبوا ثم رمى بنفسه في النيل فاستنقذ منه بعد جهد جهيد. ومنهم: الناجي المصري أورده أبو الصلت في رسالته؛ له في حمام: حَمَّامنا هذا أشدُّ ضرورةً ... ممن يحلُّ بهِ إلى حَمَّام تبيضُّ أبدَانُ الوَرَى في غيره ... ويُعِيرُها هذا ثيابَ سُخَام قد كنتُ من سامٍ فحين دخلتُهُ ... لشقاءِ جَدِّي رَدَّني من حام وأورد الرشيد بن الزبير للناجي في كتاب الجنان في هجو الأفضل: قُل لابن بدرٍ مقالَ من صَدَقَهْ ... لا تفرحنْ بالوزارةِ الخَلَقَهْ إن كنتَ قد نِلْتَها مُرَاغَمَةً ... فهي على الكلب بعدكمْ صَدَقَهْ وأمر الأفضل بنفيه إلى واح، فأقام بها عند المُقَرَّب بن ماضي يمدحه، ويأخذ جوائزه، ثم هجاه بقوله: ما عَلَمُ الدولةِ إلاّ امرؤٌ ... لا يعرفُ الشكرَ ولا الحمدا لو دخلَ الحمامَ من لُؤْمهِ ... في الصيف لم يَعْرَقْ ولم يَنْدَا فعرف ذلك ونذر دمه، فهرب منه إلى أن ضاقت به سعة الفضاء، ورده إليه حكم القضاء، فقبل اعتذاره، وأقال عثاره، وأجازه بألف دينار، على أن لا يجاوره في دار. وله في الرشيد بن الزبير: جارَى أبو الحسنِ الرشيدُ لداتهِ ... فأَتى على الأَعقاب وهو إِمام منها: رَحَلَتْ ركابُكَ فاكفهرَّ الخَلْفُ من ... غَمَّائه واستبشَرَ القُدَّامُ والأَرْضُ تَحْظَى بالرجالِ وإنما ... نَعماؤها وشقاؤُها أقْسَام وله باليمن في الأمير مفضل بن أبي البركات الحميري:

стр. 686

أنا بالعسكر المصونِ مقيمٌ ... عند مَلْكٍ سامي الخلائقِ نَدْبِ من على يَسْرَتي خِزانةُ خمرٍ ... وعلى يَمْنَتِي خِزانةُ كُتب فإذا ما طربتُ أَعملتُ كأسي ... وإذا ما صحوتُ أَعمَلْتُ قلبي وله في أمير باليمن: أقولُ لركبٍ وقد عَرَّسُوا ... بتَفْرِسَ لا سُقِيَتْ تَفْرِسُ كأنّ براحةِ سلطانها ... لشدّةِ ما انقبضتْ نِقْرِسُ وله فيه وفي فرسه: في رأس تاليةٍ وفي سريافِ ... ذَقْنان محتاجانِ للنَّتَّافِ أَوسعتَ جهدَ بشاشةٍ وقِرىً لنا ... يا مُكْرِمَ الأضياف بالأوْصافِ ويقال إنه لما بلغه هجاؤه قال: لأبذلن في رأسه وزنه، فقال: لو بذل لي من زنة رأسي وزن أذني استراح من هجائي وربح مدحي. جماعة من شعراء مصر أوردهم ابن جبر الشاعر يحيى بن حسن في ذكر مدائح بني أبي أسامة في سنة خمس وعشرين وخمسمائة فمنهم: عبد الله بن إسماعيل الحسيني الزيدي له من أبيات: فلأَشكُرَنَّكَ ما حييتُ مبالغاً ... شُكْرَ الرياضِ مواقعَ الأَنداء لا زلتَ في الرُّتَب الشريفة خالداً ... تعلو على النُّظَراءِ والأَكْفَاء ومنهم: البديع بن علي وهو دمشقي، وله: شوقي إليك شديدٌ ... مَعْ قُرْبِ عهدي بقُرْبِكْ يا ليتَ شُكْرِي وبِشْرِي ... كانا بمقدارِ حُبِّكْ ومنها: فإن تأخرتُ فالقلبُ ... مستقرٌّ بشِعْبِكْ خاب امرؤٌ أَطْعَمَتْهُ ... في الفضل نفسٌ بغَلْبِكْ وله في رمد الممدوح: نَقْدُكَ للناسِ والزمانِ معاً ... بناظرِ الفضل مُوجِبُ الرَّمَدِ كيف اهتدى عاثرُ القَذَى لفتىً ... بالسوءِ لم يلتفتْ إِلى أَحَدِ وله من أَجْلِ حُبِّكِ يا أُمَامَهْ ... ضَرَبَ الهوَى حَوْلي خِيامَهْ وحياةِ طَرْفك ما سلوْ ... تُ فإنها نعم القَسَامَهْ نادمتُ وصلكِ بُرْهَةً ... فهل انقضى لك من نَدَامَهْ ونثرتُ عقدَ تجلُّدٍ ... أَرجو بطلعتك انتظامَهْ أَتْلَفْتِ صبري فاجْعَلي ... من وَرْدِ خَدَّيْك الغَرَامَهْ كَدَّرْتِ إنعامَ الوصا ... لِ فضاعف الهجرُ انتقامهْ توقيعُ وصلك ليس يخرُجُ ... عن مماطلةِ العلامَهْ هيهات لا كشفتْ ظَلو ... مُ بحالِ مشتاقٍ ظُلاَمه ومنها: لا تتهمْ نَجْداً فما ... جلب الهوى إلاَّ تِهامَهْ لي والغرامُ وديعةٌ ... في ورد خدِّ الشامِ شامَهْ والدنُّ ملتثمي إذا ... حَدَرَتْ يَدُ الساقي لثامَه في روضةٍ نَدِّيَّةٍ ... كمآثِرَاتِ أَبي أُسَامَه إنْ عنَّ جيشُ تأَلمٍ ... ضمنتْ أياديه انهزامه أو لاح موكبُ رحمةٍ ... لِصَنيعةٍ قَوَّى اعتزامه كالمُشْتَرِي لكن لذ ... لِكَ رَجْعَةٌ ولِذَا استقامَه وعن الأَذِيَّةِ كالجبا ... نِ وفي عِنَايَتهِ شَهَامَه أقلامُهُ لم تُبْقِ مِنْ ... أَظْفارِ حادثةٍ قُلاَمه قالوا تَشَكَّى جسمُهُ ... من جَمْرِ خاطره ضِرَامَه كانت غَمامةَ وعكةٍ ... فتقشعتْ تلكَ الغمامهْ ولباسُهُ حُلَلُ العوا ... في طَرْزُها رُقُمُ السَّلاَمَه ومنهم: سالم بن مفرج بن أبي حصينة له من قصيدة: ومرحِّبٍ بالقاصدين ... يلين عِطْفاً حين يُقْصَدْ مُصْغٍ لأصواتِ العُفَا ... ةِ كأنها نغماتُ مَعْبَدْ أَمضى من السيفِ المُهَنَّد ... عزمةً في كلِّ مَشْهد ومنها: قسماً بأنَّكَ لم تَزَلْ ... روحَ الزمانِ إذا تَجَسَّد وله خذ ما صفا من فرحٍ ... واسْتَجْلِ وَجْهَ القدحِ

стр. 687

واسعَ إلى نيلِ المُنَى ... بِغُبَقٍ وصُبَح وعاجِلَنْها مُلَحاً ... فإنها كاللُّمَحِ ما سمحَ الدهرُ بها ... واصبرْ إذا لم يسمحِ فالعيشُ في مُدامةٍ ... تجمعُ شَمْلَ الفَرَح كالشمسِ لوناً وهي ... كالْمِسْكِ إذا لم تَفُح ومنهم: حسن بن عبد الباقي الكاتب ويعرف ب ابن أبي المواهب له من كلمة: تطاولَ أَمْرِيَ حتى رَجَعْتُ ... بخُفِّ حُنَيْنٍ من الخَيْبَةِ فإنْ أنت أَوْلَيْتَني نعمةً ... فأنتَ تُرَقِّعُ في رُقْعَتي وله نَطَقَتْ بفضلك أَلْسُنُ الأَقلامِ ... وجرَت بمدحك أَبْحُرُ الأَفهامِ وسمت بعلياكَ المعالي فاغتدتْ ... نقصانُها يَعْلو على بَهْرَام ومنهم: هبة الله بن عبد الغافر بن الصواف له من قصيدة: فيا ليتنا لما بُلِينَا بسُخطِكُمْ ... كَشَفْتمْ لنا قبل العُقوبة ذَنْبَنَا ومنها في المدح: كريمٌ رأَى الدنيا تزولُ وأَهْلَها ... فأَيقَنَ أنّ الحمد أَحْمَدُ ما اقْتَنَى فكنْ واثقاً يا مَنْ أَتاهُ مُؤَمِّلاً ... فقد وَصَلَتْ يمناكَ منه إلى المُنَى ومنهم: محسن بن إسماعيل له: أَسَيِّدنا ما زالَ فِعْلُكَ مَذْهباً ... وعن مَذْهَبِ الإِحسانِ غيرُكَ عادِلُ لئن فَعَلَ الناسُ الجميلَ تَكَلُّفاً ... فإِنكَ للمعروفِ بالطبعِ فاعلُ ومنهم: إبراهيم بن النمنام له: للمجد ما تُبْدِيه أَوْ تُخْفِيه ... ولنورِ وَجْهِ الله ما تُسْدِيه أَنت الذي شَرُفَ الزمانُ بفَخْرِه ... وغدا يجرُّ به ذيولَ التيه لا كثرةُ القصَّادِ تُضْجِرُ مَجْدَهُ ... يوماً ولا لَوْمُ الورى يَثْنِيه اللهُ يكفي المجدَ في أَفْعَالِهِ ... الحُسْنَى، وَيكْفينا المكارِهَ فيه يابنَ الذينَ تَسَرْبَلُوا بفضائلٍ ... طَهُرَتْ ملابِسُها من التمويه أَوْلَيْتَني ما لا أَقومُ بشُكْرِهِ ... ومَن القويمُ بشكرِ ما تُوليهِ ومنهم: محمد بن سلامة الكاتب له: إن اصطبارَ المحبِّ من أَدَبِهْ ... وإِنَّ كتمانَهُ لَمِنْ أَرَبِهْ أَقْلَقَهُ الوجدُ واسْتَرَأحَ إِلَى ... الدمعِ فأَعْيَاهُ فَيْضُ مُنْسَكِبِهْ واشتعل الشوقُ بينَ أَضْلُعِهِ ... وَعِيلَ صبراً فضاقَ مِنْهُ وَبِهْ ورُبَّ أَلْمى أَغَنَّ أَحْوَرَ لَمْ ... يُلْمِمْ بهجراننا على عجبه كالرُّمْحِ في القدِّ والمهنَّدِ في ... الحظ وكالأقحوانِ في شَنَبه وخمرةٍ عاتقٍ توارثها الرهبانُ ... عَمَّنْ تُعَدُّ مِنْ حِقَبه تُشْرَبُ في رَوْضِ جَنَّةٍ أُنُفٍ ... يَخْلَعُ فيها المدامُ عن حَبَبه قد لَثَمَ الطَّلُّ منه مَسْفَرَهُ ... إِذ أَسْفَرَ الغيمُ لَثْمَ مُنْتَقِبه ثم تَثَنَّتْ أَغصانُ ناظرِهِ ... تيهاً وغنَّى الحمامُ من طَرَبه وابتسَمَتْ أَرْضُهُ مضاحكةَ الشمس ... فخلْنَا الشعاع من لَهبِهْ كأنه أخضرُ الديابجِ مَوْ ... شِيّاً بأَعلى الْخِلاصِ من ذهبه مُرِنُّهُ هاطلٌ تُسَايِرُهُ ... ريح جنوبٍ تَلُمُّ مِنْ سُحُبِهْ ودامَ فيه حياً أَهَبَّ به ... ريحُ حياةٍ تُثْنِي على سَرَبه فضاع نشراً كالمسكِ خالطه ... الفِهْرُ وأثنى كلٌّ على جَلَبِهْ أَوْ فضُّ جَدْوَى أبي محمدٍ ... النَّدْبِ ختامَ الثناءِ عن نَسَبه ومنهم: محمد بن أبي البيان له: تملَّ بما به أصبحتَ أَعْلى ... من القمرين منزلةً ونُبْلا فقد حُزْتَ الكمالَ وسُدْتَ أهلَ ... الجلالِ وُفقْتَ أَهْلَ الفضلِ فَضْلا ومنهم

стр. 688

حسن بن محمد البابلي مالي أُذَادُ عن الورودِ وأُبْعَدُ ... والخَلْقُ يَصْدُرُ عن بحارٍ تُورَدُ يا دهرُ إِني قد عَلِقْتُ بماجدٍ ... سَمْحٍ يجيبُ لمن دعاه ويُنْجِدُ أَتظنُّ أَنِّي من صُروفكَ جازعٌ ... وأبو مُحَمَّدَ في البريةِ يُوجَد ومنهم عامر بن محمد القيسراني تأَنَّ ولا تَعْجَلْ أَعِلْمٌ وَصَبْوَةٌ ... بمقدودِ قَدٍ فاترِ الطرفِ ساحرِ له صورةٌ صِيغَتْ من الذَّهَبِ الذي ... يُؤَلِّفُ أَشتاتَ العقول النوافرِ ومنهم سعيد بن يحيى الكاتب عَبْدُكَ النظَّامُ قَدْ ... أَصْبَحَ لا يَمْلِكُ شَيَّا غيرَ ثوبٍ وقميصٍ ... قد كواه الدهرُ كَيَّا إِبَرُ الرفَّاءِ فيه ... أَبداً تَقْدَحُ هَيَّا كلما سُدِّدَ نَجْمٌ ... طَلَعَتْ فيه الثريَّا ليس لي ثوبٌ سِواه ... قَدْ طَوَاهُ الفَقْرُ طَيَّا ومنهم جعفر بن غنائم ما لي وأنت مُؤَمَّلِي ... دونَ البرية لا أُراعَى وبكَ استجرتُ وأَنْتَ أَعْلَى ... الخلق طَوْلاً واتِّسَاعَا ومنهم سليمان بن حسن الناسخ الفيومي له أول قطعة: خذ حديثي يا مَنْ به يَتَحَلَّى ... كلُّ عِقْدٍ في كلِّ حَلٍ وعَقْدِ وله في تقاضي كتاب أعاره: قد وربِّ الكتابِ يا أَكرمَ النا ... سِ جميعاً، أَتْعَبْتَ ربَّ الكتابِ وتمادَى تردادُهُ وتقاضيه ... وما يَشْتَكي منَ الأَوْصَاب فتفضلْ وامْنُنْ ونَفِّسْ خِنَاقِي ... واعْفِني من تَكَاثُرِ الطُلاَّبِ ومنهم موسى بن علي الشاعر الإسكندراني، أظنه السخاوي إنَّني بَدَا لي ... في الهوى بَدَا لي مذ جَفَتْ وصالي ... طلعةُ الهلال أَسْأَرْتَ بقَلْبٍ ... فيه حَلَّ قلبي صاح بَدْرُ حبي ... في وصال حبي قد سلبتِ لُبِّي ... فأنا أُلبِّي رَبَّةُ الحِجِالِ ... لم تدع حِجَى لي أسَرَتْ جَنَاني ... رَبَّةُ الْحَنَانِ خَدُّها دَهَاني ... فَهْوَ كالدِّهَانِ عاذِلَيْ دَعَاني ... جيدُهَا دَعَاني فأَبادَ حالي ... عاطِلاً وحالي لم يُحِطْ بِعَادِ ... ما جَنَى بِعَادِي ها أنا أُنَادي ... نَحْوَ كلِّ نادي مَنْ مُجيرُ صَادِ ... مؤمنٍ بصادِ سُل بالنصال ... للهوانِ صالِ ومنهم علي بن إسماعيل عنَّ من الآرامِ ... ظَبْيٌ بلَحْظِ رَامِ يَرْشُقُ بالسهام ... قلباً لمستهامِ حَيَّا بلا كلام ... بِنَكْأَةِ الكَلامِ باللَّدْنِ والصمصام ... في الطَّرْف والقوام والنظر المُدَام ... كل فؤاد دام بادرَ باهتمام ... كالبَدْرِ ذي التَّمام عدة من شعراء العصر بمصر أوردهم ابن بشرون المهدوي وهو عثمان بن عبد الرحيم بن عبد الرزاق ابن جعفر بن بشرون بن شبيب الأزدي المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر. وقد صنف هذا الكتاب في عصرنا الأقرب، في سنة إحدى وستين وخمسمائة. محمد بن وهب المصري قال: أنشدت له في الفراق: ولما تنادَوْا بالرحيلِ رأيتُنِي ... أُكَفْكِفُ دَمْعَ العينِ من كلِّ جانبِ وأسأَلُ ربي أَن تُزَمَّ ركابُهُم ... عن السير حتى أَشْتَفِي بحبائبي فلم تكُ إلا ساعةً سارَ ركبهمْ ... وسار فؤادي بَيْنَ تِلْكَ الركائب فلم أَرَ يومَ البينِ أَعْظَمَ حَسْرَةً ... ولَلْبَيْنُ عندي من كبار المصائب هبة الله بن محمد التنيسي الوراق قال أنشدت له في الخمر:

стр. 689

قم هاتِها حمراءَ في كاسها ... كأنها شعلةُ مِقْبَاسِ من كفِّ ظبيٍ غَنِجٍ لَحْظُهُ ... تصبو إليه أَعْيُنُ الناسِ فواصلِ الشُّرْبَ ضُحىً أو مِساً ... دَأْباً فما بالشرب منْ باسِ إبراهيم بن إسماعيل الدمياطي النجار قال: أنشدت له في الغزل: يا هذه رِقِّي على صَبٍ دَنِفْ ... صَيَّرَهُ الهجرُ إلى حدِّ التَّلَفْ رِقِّي عليه وَصِلِي حِبَالَهُ ... فإِنَّهُ عن حُبِّكُمْ لا يَنْصَرِفْ أحمد بن محمد الماذرائي له: يا حبيبَ القلوبِ عطفاً فإِني ... بهواكمْ على لظىً أَتَقَلَّى إِنْ وَصَلْتُمْ وَصَلْتُمُ مستهاماً ... عن هواكمْ وحبِّكم ما تَخَلَّى هُوَ عَبْدُ الهوَى وليس بباغٍ ... عِتْقَهُ في هوىً ولو ماتَ قَتْلا طلائع الآمري سمعت أنه كان قريباً من الأفضل حسن المحضر، وأورد له ابن بشرون في كتابه: وقال أناسٌ إنَّ في الحبِّ ذلَّةً ... تُنَقِّصُ من قدر الفتى وتُخَفِّضُ فقلتُ صدقتمْ غيرَ أَنَّ أخا الهوى ... لذلِّ الهوى مُسْتَعْذِبٌ ليس يُبْغِضُ عبد الحميد بن حُميد الإسكندراني له في النحول والغزل: هواك كَسَا جسمي ثياباً من الضَّنَا ... فأصبحتُ فيها كالخيال لمبصري فلولا كلامي ما تبيَّنَ موضعي ... لضعفٍ بَرَاني بَرْيَ نَبْعٍ مُكَسَّر فَصِلْ أَوْ فَقَاطِعْ لستُ أَجفوك عندها ... ولو متُّ من شوقٍ وفرطِ تَذَكُّر فأعذبُ ما أَلقى الهوَى وأَلَذُّهُ ... إذا جارَ محبوبي، وَقَلَّ تصبُّري الأمير أبو الثريا قال: مجاوباً لأبي الصلت أمية عن كتاب، يشتمل على لوم وعتاب: أبا الصلتِ يا قُطْبَ المكارم والفضلِ ... وأَفْضَلَ من يُنْمَى إلى كَرَم الأَصْل ومن حاز أسبابَ الرياساتِ بالعُلاَ ... وبالجودِ، والفعل الجميل، وبالنُّبْلِ وأَصْبَحَ في كلّ العلوم مُبَرِّزاً ... يسابقُ فيها كلَّ مُجْرٍ على رِسْل ويقول فيها: ولستُ بمَنَّانٍ لدى السُّخْطِ والرّضَا ... بما أَنا مُسْدِيهِ من النائلِ الجَزْلِ ولا حاملاً حقداً على ذي حَفيظةٍ ... ولو أَنَّ ما يأْتِيهِ في ضِمْنِهِ قَتْلي ومنها: ألا ارْجِعْ إِلى الفضلِ الذي أَنْتَ أَهْلُهُ ... وخذ بيدي عفواً وإن زلَّ بي نَعْلِي وله بين نَسْرِينٍ ولبلابٍ وآسِ ... سَبِّنِي الخمرَ بكاسٍ وبطاسِ إِنَّ شُرْبَ الخمرِ للأحزانِ آسِ ... فاغْنَ بالعيش فثوب العيش كاس وله يا رسولَ الحبيب بالله قلْ لي ... أَرأَيْتَ الحبيب يُعْنَى بذِكْرِي فلقد شَفَّني وأَسْهَرَ طَرْفِي ... منه هَجْرٌ أصابني منذ شَهْرِ كيف لي بالبعادِ والجسمُ بالٍ ... وفؤادي مُقَلَّبٌ بين جَمْرِ وله أيضاً في جواب أبي الصَّلْت من قصيدة: قد أَتَتْنِي منه حديقةُ مدحٍ ... فاحَ من عَرْفِهَا فتيقُ الخزَامى وقفَ السحر عندها ليس يدري ... أين يمضي يمانِياً أم شآما كليب بن قاسم الدمياطي له في الفخر بقول الشعر، وقد ختمه بالهجر، الذي هو أولى بالهجر: وإنيَ في الشعرِ الذي أنا قائل ... كمثلِ امرىءِ القيسِ الذي هو يَشْعُرُ فإن كنتَ في شكٍ من الأَمْرِ فابْلُنِي ... لِتُخْبَرَ مِنِّي بالذي ليس يُخْبَرُ وإن أَنْتَ لم تقنعْ بذلك كلِّهِ ... فذقُنكَ في استِ الكلبِ والكلبُ أَبْتَرُ سالم بن ظافر الإفريقي ذكر له مجوناً فاحشاً، لوجه الأدب خادشاً، فلم أر له إثباتاً، وهو: أراه يظاهرني جاهداً ... بغمزٍ ولًَمْزٍ مع الاجتنابِ ولا ذنبَ غير ... له ... وتَمْعيك وجهته في الترابِ

стр. 690

وفيم التَّجَنِّي على من جَرَى ... على وَفْقِهِ في جميعِ المحابِّ خالد بن سنان الإسكندراني له يذم مدينة يافا بساحل الشام، قبل استيلاء الفرنج الطغام: مُقَامي بين أَظْهُرِ أَهْلِ يافا ... مُقَامُ غَضَنْفَرٍ بين الكلابِ تَصَوَّرُ أنه يعدو عليها ... فتنبَحُه وتُسْرِعُ بالذهاب ولو علموا بأني ذو لسانٍ ... يغادرُ عرضَهُمْ خَلقَ الإهابِ المظفر بن ماجد المصري له: تَعَبِي راحتي وأُنْسِي انْفِرادِي ... وشِفَائي الضَّنَا ونَوْمِي سُهادي لستُ أَشْكُو بعادَ من صدَّ عني ... أَيُّ بُعْدٍ وَقَدْ ثَوَى في فؤادي هو يختالُ بين جَفْني وعيني ... وهْوَ ذاك الذي يُرَى في السواد جماعة التقطتهم من الأفواه وهم عزيز والأمثال والأشباه العيني من أهل مصر أنشدني له القاضي الأجل الفاضل، ونحن بظاهر حماة مخيمون في خدمة الملك الناصر، حادي عشر رمضان سنة سبعين، وذكر أنه كان في زماننا الأقرب: رحلوا فلولا أنني ... أَرجو الإياب قضيت نَحْبِي والله ما فارقتهمْ ... لكنني فارقتُ قلبي ووجدت هذين البيتين في رسالة أبي الصلت منسوبين إلى ظافر الحداد، وأنشد له أيضاً: هذا كتابي إليكمْ لستُ أُودِعُهُ ... إِلاَّ السلامَ وما في ذاك تلبيسُ لأن شوقي إليكمْ حين أَذْكُرُهُ ... نارٌ وما تُودَعُ النارَ القراطيسُ وذكره نجم الدين بن مصال وقال: كان من الأكياس معدوداً من الأجناد مذكوراً بالباس، مطبوع الشعر رائقه، موافق النظم لائقه، توفي سنة ست وأربعين، وأنشدني له: ما أَنْصَفَتْ أَيامُنَا بيننا ... وما لها معذورةٌ عندنا مجتهدٌ خاب بها سَعْيُهُ ... وعَاجِزٌ أَدْركَ فيها المُنَى كذا الليالي لم يَزَلْ يشتكي ... صروفها مَنْ قَدْ مَضَى قبلنا أبو الزهر نائت الضرير ذكره المرهف بن أسامة بن منقذ، قال: اجتمعت به بمصر سنة أربعين وخمسمائة، وأنشدني لنفسه من قصيدة: لو كنتُ أَمْلِكُ صَبْري يومَ ذي سَلَمِ ... لما نزلتُ على حكم الهَوَى بدمي تبسمَ الروضُ عما أنت مبتسمٌ ... فكنتَ أحسنَ منه غيرَ مُبْتَسمِ ومنها في المدح: وكان الممدوح قد وقعت ضربة في أنفه في بعض الحروب، فجدعته: لا صوحبتْ ببنانٍ راحةٌ جَدَعَتْ ... أَنْفَ الزمانِ وجَذَّتْ مَارِنَ الكرمِ ودلَّ ما ناله في الحرب من قُبُلٍ ... بأنه كانَ فيها غيرَ مُنْهَزِم قيل لي: كان يحفظ نائت الضرير كتاب سيبويه جميعه، وكان هجاءً، ومن شعره في الهجاء قوله: ونائبٍ هو في ذا الدهر نائبةٌ ... وأَقرعٍ هو عندي من قوارِعِهِ قفاهُ يشهدُ وهو العَدْلُ أَنَّ يدي ... لا توقعُ الصفعَ إلاَّ في مواضعه يحيى بن علم الملك المعروف ب ابن النحاس المصري وصل مع الملك الناصر صلاح الدين إلى الشام في خدمة تقي الدين، وله شعر. وجدت له قطعة كتبها إليه في أواخر سنة إحدى وسبعين: يا مالكَ المصرِ والشامين واليمنِ ... ويا مُعيدَ حياةِ الفَرْضِ والسَنَنِ وناصرَ الحقِّ إذ عَزَّتْ خواذِلُهُ ... ومنقذَ الدين والدنيا من الفِتَنِ يا يوسفَ الحُسنِ والإحسانِ لا بَرِحَتْ ... نجومُ سَعْدِكَ والتوفيقِ في قَرَنِ جادَ الملوكُ بمالٍ بَعْدَ مَنِّهِم ... وجُدْتَ بالمال والأرزاقِ والمنن لقد بُعِثْتَ لإصلاح الوجودِ فما ... أَصبحتَ إلا مَحَلَّ الروح في البدن وما يداجيكَ إلا كافرٌ أَشِرٌ ... وينثني عنك إلا عابدُ الوَثَنِ ببابِ عدلك مظلومُ القوى زَمِنٌ ... يشكو إليك الأَذَى من عبدك الزَّمَنِ وإن تلافَتْهُ من بعد التَّلافِ يَدٌ ... بَسَطْتَهَا لتقيِّ الينِ بالمِنَنِ

стр. 691

فلا عناءَ له إذْ كان صاحِبُهُ ... إليك مفتقراً عن جودِك الهَتِنِ مُجَرَّبٌ في الوفا مملوكُ دولتكمْ ... وحسنُ سيرته في السر والعَلَنِ هُنِّئْتَ بالفِطْر والفَتْح المبين وما ... أتى من اليُمْنِ والبُشْرَى من اليَمَن مُقَدَّمَ الملك المولى المعظَّمِ قد ... سرى السرور إلى الأفهامِ والفِطن علَّمْتَ قَوْمَكَ تفريقَ الممالكِ في ال ... عبيدِ حتى غَدَتْ من جُمْلَةِ المُؤَنِ فقد أَتاكَ وَمِنْ أَدْنى سماحتِهِ ... تخويلُ خادمِهِ مُلْكَ ابنِ ذي يزَن لا زلت في ذروةِ العلياءِ منفرداً ... بالنصر ما غَرَّدَ القُمْرِيُّ في فَننِ وذكر أنه لما تولى شاور مصر، وأخذ جماعةً من آل رزيك، وحبسهم في بيت، دخل عليه ابن النحاس، وأنشده من قصيدة، يعرض فيها بآل رزيك، حسام وبدر وقصة: نزلت القَرْقَرُونَ فَفَرَّ قومٌ ... ملكت عليهمُ بالبعدِ مصرا حَسَمْتَ بعَضْبِكَ الماضي حُسَاماً ... فولَّى خاسئاً وَبَدَرْتَ بَدْرَا وقصَّ جناحَ قصةَ منك حَزْمٌ ... يَطيرُ لبأسه شرَراً وجَمْرَا همُ أَسروا كمالَ الدين صبحاً ... فها هم في يديه اليوم أَسْرَى فإن جاءُوكَ واعتذروا بعذرٍ ... فلا تقبلْ من الطاغين عُذْرا قال أحد المحبوسين لابنه: ما الذي تسمع، فقال: واحدٌ يرقق قلب السلطان علينا. ومن شعره في طي بن شاور من قصيدة أولها: غَرَّدَ الطيرُ حين لاحَ الصباحُ ... وطَرِبْنَا فدارتِ الأَقداحُ ومنها: يا ابْنَ مَنْ خَلَّصَ الخلائقَ من ظُلْمٍ ... وعَسْفٍ وفكَّهُمْ فاستراحوا وغَزَا في ديارهم آلَ رُزِّيكٍ ... فلم يُغْنِ جمعُهمْ والسلاح أين وردٌ وبائسٌ وحُسَامٌ ... رأَوُا الذلَّ قد أحاط فراحوا فرَّ بَدْرٌ في البحر خوفاً وَوَلَّى ... قل له لا أهتدي بكَ الملاَّح أبو المظفر بن أحمد المصري الرفدلي ذكره الفقيه عيسى بن محمد بن محمد، الحجازي المولد، الدندري الدار. وفد إلى الملك الناصر بالشام لاستماحته واجتداء جنى الإنعام في سنة إحدى وسبعين وقال: هذا شابٌ بمصر من زقاق القناديل، وهو ذو أدبٍ وتحصيل، وله شعر. وأنشدني له بعض المتصرفين في الديوان بمصر: وقالوا الأميرُ أبو طاهرٍ ... يلوطُ جهاراً ولكنَّهُ يحبُّ الغلامَ إذا ما التحى ... وهذا دليلٌ على أَنَّهُ شلعلع هو أبو الفضل جعفر بن المفضل ابن زيد بن خلف بن محمد بن أبي حامد بن العباس القرشي من أهل عصرنا هذا، ويلقب بالمهذب وهو شيخ أثط. وله يهجو ابن الدباغ: تعالتْ قرونُ ابن الدِّباغِ فأصبحتْ ... تجلُّ عن التحديد في اللفظ والمعنى على بعضها ناجى النبيُّ إلهَهُ ... وقد كان منه قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى ووصل إلي بالقاهرة وقد خصني بقصيدة أولها: نظيرُكَ معدومٌ وراجيه مُخْفِقُ ... فلا تُلزمَّنا رَوْمَ ما ليس يُخْلَقُ لك المالُ والجاهُ اللذان هُدَاهما ... يُوافِقُ رُحْمَى من إليه يُوَفَّقُ متى سُئِلا سالا على الخلقِ أَنْعُماً ... لها سُحُبٌ بالمكرمات تَدَفَّقُ يُبِلُّ بها من قاتِلِ العُدْمِ مُدْنفٌ ... وينجو بها من زاخرِ الهمِّ مُغْرَقُ ويضحى أسيرُ الفقر فوزاً بمنها ... يُجَرِّرُ أَذيالَ الغنى وهو مُطْلَق فهل ليَ مما أَسْأَرَ الفضلُ فضلةٌ ... يُرَمِّقُ نفسي بَرْدُهَا حين يُرْمَق ويرجعُ لي غصنُ المنى بعد ما ذَوَى ... وجفَّ ثراه وهو فينانُ مُورِق فيا طَوْدَ عِزٍ مَدَّ شاملَ ظِلِّهِ ... على كل ضاحٍ بالحوادث يُحْرِقُ ويا من دعاه الدينُ حقّاً عمادَهُ ... موافقَ دعوى مَنْ برُحْمَاهُ يَعْلَق

стр. 692

مِن اليوم لا أَخْشَى من الخَطْبِ طارقاً ... وبابُكَ منّي بالأَمَانيِّ يُطْرَق وإن يسيراً من يسارٍ لَمُقْنِعي ... إذا لم يَكُنْ إنفاقيَ الحمدَ يَنْفُقُ وما سُدَّ بابُ العُرْفِ دونَ مَطَالبي ... ولكنْ بك المعروفُ أَحْرَى وأَلْيق ثم أهدى لي من شعره قطعة فاثبت منها ما اتفق وسلكت في العقد منها ما اتسق، فمن ذلك قوله في مدح الملك الناصر صلاح الدين من قصيدة: عَدَاكَ إلى أَعدائك الذُّلُّ والقَهْرُ ... ولا زال مخصوصاً بك العزُّ والنصرُ وَدُمْتَ صلاحَ الدين للدين مُصْلِحاً ... يُطيعكَ في تصريفِ أَحوالِهِ الدهرُ وأبقاكَ للإِسلام من شاءَ كَوْنَهُ ... ببقياك في أمرٍ يُجَنَّبُهُ الذُّعْرُ مُفِيضاً على المُلْكِ الأغرِّ ملابساً ... من النصر حاكت نَسْجَه القَصَبُ الْخُضْرُ ومنها: أَفَضْتَ به الإِحسانَ والبِرَّ فانْثَنى ... نِهَاراً فلاقى خِصْبَهُ السَّهْلُ والوَعْرُ ومهَّدْتَها بالعدلِ والأَمن فاغتدى ... بها آمناً في سِرْبِهِ البرُّ والبحر فما هي إلاّ جنةٌ أنت خُلْدُها ... ورضوانُها والروضُ والكوثر الغَمْرُ وقوله من قصيدة في الملك عز الدين فرخشاه: جادَ بالوصْلِ بعد منعِ الخيالِ ... وأَنَالَ الوِداد بعد المَلال ومنها: وأَباحت حِمَى اللَّمَى مقلتاهُ ... صادياً صُدَّ عن شهيِّ الزُّلالِ وكَسَا بالقَبُولِ سُودَ الليالي ... وَجْهُ إقباله بياضَ اللآلي قمرٌ في هواه قامَرَ قلبي ... بهُدُوِّي فاعتاضَ نار الخَبال ورأى حُبُّهُ عليَّ حراماً ... كلَّ حال من السلوِّ حلال نَمْ هنيئاً يا ساهرَ الليل واقصرْ ... أَمَدَ الفكر في الليالي الطوالِ واجنِ ما أَثْمَرَتْهُ عاقبةُ الصَّبْرِ ... على الهجر من جِنانِ الوصال ومنها في المدح: جلَّ مدحُ الأَجلِّ عن كلِّ وَصْفٍ ... بمقالٍ يَحُدُّهُ أَو فَعالِ وتَغالى الورى فقال تعالى ... عن شبيهٍ في عصره أَوْ مثالِ مَلِكٌ يتقى عليه إذا ما ... قابَلْتَهُ العيونُ عينُ الكمال عَلَتِ المعتلين غُرُّ سجايا ... هُ فأضحت معالياً للمعالي وسما مجدهُ على كلِّ مجدٍ ... فأَعارَ الجَلالَ وَصْفَ الجلال أين من جوده حَيَا السحبِ أَمْ مِنْ ... بأْسِهِ المُتَّقى سُطَا الرئْبالِ همَّةٌ شأْوُهَا قَصِيٌّ وعزمٌ ... عضبُهُ المُنْتَضَى حديثُ الصِّقَال وعطايا تُرْبى على التُرْبِ في العَدِّ ... وتُزْرِي بالعارضِ الهَطَّال جُيِّشَتْ بالمديح منه وسارتْ ... من عبيرِ الثناءِ في قسطال تَتَّقِي زحفَها النجومُ ويَنْحَطُّ ... لها عن مَحلِّهِ كلُّ عالِ فترى قبلَ موقف البعثِ يوماً ... فيه دكُّ الرُّبَى وبسُّ الجبال ومقام العفاة بين دعاءٍ ... ونداءٍ، ورغبةٍ، وابتهال وقوله من تهنئة بمولود: إن أَخَّرَ العبدَ عُذْرٌ عن فريضته ... من الهناءِ فلم يَسْطِعْ يُؤَدِّيها فقد تفوتُ صلاةُ الوقت مجتهداً ... ويقبلُ اللهُ منه حين يَقْضيها فاهنأْ به قادماً عَمَّتْ مَسَرَّتُهُ ... وخُصَّ من فَضْلِ مُوَاليها ومنها: إنْ كان يَفْرَحُ بالمولودِ ذُو وَلَدٍ ... للفضلِ جادَ بجدواه لراجيها فلَلْمُفَضَّلُ أحْرَى أنْ يُسَرَّ بمَنْ ... يُرْجَى لأنْ يهبَ الدنيا وما فيها وقوله: شكرتُكَ غيرَ مُلْتمِسٍ مزيداً ... من النُّعْمَى تزيدُ على مزيدكْ

стр. 693

ولو لم أَلْقَ منه سوى التلِّقي ... ببشرك ذاك كانَ أَسَرَّ جودكْ ولا شيءٌ أَمِنْت على زماني ... به إِلاّ انتظامي في عَبيدك فيا كهفَ الوَرَى لقد اتَّقاني ... زماني إِذ رآني في وُفودِك وصالَحَني على دَخَلٍ وَمَكْرٍ ... مخافةَ أنْ أُضِفْتُ إلى جنودك وإن أَصْمتْ عن الشكوى فحالي ... إِليكَ عليَّ من أوكى شهودك خضوعُ الفقر في عزِّ التعازي ... وحالٌ لا يسرُّ سوى صدودك وقوله في نجم الدين بن مصال، وقد حجب عنه: حجبوكَ يا نجمَ الهدى فأَضَلَّنا ... ذاك الحجابُ وحارَ فيك القاصدُ والنجمُ يَهدي ما بَدا فإذا اختفى ... عَمِيَ البصيرُ له وأَكْدَى الرائدُ فتجلَّ للأَبصارِ تَجْلُ من العمى ... واقرُبْ ليَقْرُبَ نورُها المتباعد وقوله: إذا رَضِيَتْ بالدونِ نفسي ولم تصلْ ... إِليه فعيشٌ أن تموتَ بدائها وما قنعت بالنزرِ حِرْصاً على الغِنى ... كَفَاها من المطلوبِ فضْلُ غَنَائها ولو أُعْطِيَتْ بعضَ الذي تستحقُّه ... لقلَّتْ لها الدنيا وطولُ بقائها وقوله في هميان: حُمِلْتُ على ضعفي ودقَّتِيَ التي ... بباب المنى يا للتناصف والظلم! إِذا لِجَمالٍ جُلْتُ في خَصْرِ أَهْيَفٍ ... توهمتُ أَنِّي قد تعلقتُ بالوهم وقوله: طلبْنا القليل لتسهيلهِ ... فمُنُّوا علينا بتعجيلهِ فلا تمطلوا بالنَّدَى شاعراً ... رآكم نهايةَ مأْمولهِ فما كلُّ يومٍ لكم مادحٌ ... تَقِلُّ الكرائمُ عن سُولهِ وقوله، وقد بعث إليه بشيء، فأخذه الرسول: أتانا نصفُ دينارٍ سماعاً ... تهَّمْمَنا له في نِصْفِ شُكْرِ وهذا مُمْسَكٌ لوصولِ هذا ... فتوصلَ مثلَهُ قدراً بقدر ولو زدتمْ على الإحسانِ زِدْنا ... وأَحْسَنَّا لواحدةٍ بِعَشْر وقد قُبِلَ القليلُ وليْتَ أَنَّا ... تعجلناهُ من كَرَمٍ وَوَفْر ولو أَدَّى الأمانةَ حاملوها ... لأَغْنَوْا عن معاتبةٍ وَعُذْرِ وأنتمْ ضامنون لما أَضَعْتُمْ ... كَذلِكُمُ شريطةُ كل بِرِّ وقوله: بنفسي التي مَنَّتْ فمنَّتْ بزورةٍ ... تُحَجِّبُ نَوْمِي وَهْيَ تحتَ حجابِ أُنَقِّبُ عنها بين كل خَرِيدَةٍ ... وأَرْقُبُهَا في كل ذات نقابِ أُعَلِّلُ قلبي من سَنَاها بموعدٍ ... يُمثَّلُ بَرْقاً في خلال سحاب كما أَطْمع الصادي وقد عَزَّ ماؤهُ ... لُمُوعُ سرابٍ في الفَلا بشرابِ وقوله: ماذا حواهُ الشامُ من شاعرٍ ... تُجْنَى إِليه ثمراتُ العراقْ وشاعرٌ في مِصرَ لم يستطعْ ... بينَ بَنيها مُضْغَةً من عُرَاقْ وقوله في الغزل: قَسَا قلباً عليَّ ورقَّ خدَّا ... وبالصدِّ المُبَرِّحِ كم تَصَدَّى وأَخْجَلَهُ العِتابُ فبرقَعَتْهُ ... إيَاةُ الحُسْنِ بالوَرْدِ المُنَدَّى غزالٌ كم غَزَا باللحظِ ليثاً ... فصيَّرَهُ له في البِيد نِدَّا أَوَدُّ إِذا تعرَّضت الأَماني ... لتَرْكي عشقه أنْ لا أَوَدَّا وقوله في غلام بخده جراحة: أوْمَى إِليَّ بصارمٍ من لحظهِ ... غَنِيَتْ ظُباه بمهجتي عن غِمْدِهِ فرأَى حراماً في الهوى قتلي به ... ومَحَأ بلين الوصل قسوةَ صدِّهِ فأَعادَهُ خَجِلاً فمرَّ بخدِّهِ ... عَجِلاً فأَثَّرَ ما تراهُ بخدّهِ وقوله في المعنى: وذي حَوَرٍ لاحَ منهُ أَثَرْ ... على الخدِّ مما جناهُ النظرْ أَثارَ به كَمَدَ العاشقين ... ونامَ عن الثَّارِ لما قَدَرْ فيا مَن رأى عجباً قبلا ... هلالاً بَدَا في مُحَيَّا القمر

стр. 694

وقوله من قصيدة في تاج الملوك أخي الملك الناصر: سلِّ عنك الهموم بالسلسالِ ... وارتشفْهَا من الرحيقِ الزُّلاَلِ قهوةٌ رقَّتِ الكؤوسُ وَرَاقَتْ ... فَجَلَتْ من زجاجها لَمْعَ آلِ من يَدَيْ شادنٍ يصولُ بلحظٍ ... يتقي حَدَّه سُطا الرئبالِ في رياضٍ كأنها جنةُ الخُلْدِ ... بَدَتْ في عيونها والظِّلال عند تاجِ الملوكِ بورى بنِ أَيُّو ... بَ ومن بَوَّرَتْ عُلاَه المعالي ومنها يصف مجلساً صوره: صُوَرٌ لو نَطَقْنَ قَلْنَ تَعَالَى ... مَجْدُ بُورِي عن مُشْبِةٍ أَوْ مِثَالِ ثَمِلاَتٌ وما انتشتْ بِعُقَارٍ ... مُطْرباتٌ وما شَدَتْ بِمَقَالِ وقوله: ما في الحشا لسواكمْ مَوْضِعٌ خالِ ... ولا لغيركمُ ذكرٌ على بَالي نظرتُ أَوْجُهَ آمالي فكانَ بها ... حسنُ اتجاهي إِلكم خيرَ أعمالي وكيف أَعدو بها منكمْ ذوي كرمٍ ... أَرْجُو بإِقبالهمْ في الخير إِقبالي هُمْ أَسلفوني بحسنِ الصبر عارفةً ... ما ساءَني زمني مُذْ حَسَّنَتْ حَالي وقوله من قطعة لزم فيها ما لا يلزم: أَجْلَلْتُ مجدكَ أَيَّما إِجْلالِ ... عن ظنِّ إخلادٍ إِلى إِخلالِ أو ريبةٍ في الودِّ تُخْرِجُ قاصداً ... من فَرْطِ إِدلال إلى إِذْلاَلِ وحسابِ تسويفٍ ومطلٍ عن غِنىً ... يُفْضي بإِمهال إلى إِهمال آليتُ أَبْرَحُ سائلاً لك نائلاً ... يُوسَى ببلِّ نداه بالي البالي حتى يراجعَ فيَّ عاطفةَ العُلاَ ... كرَمٌ يَزِينُ الفَضْلَ بالإفْضَال وأَرى بعودِ نداك عودي مُورِقاً ... ومُعَطَّل التأميلِ حالي حالي أَأَرومُ دونك من أَروحُ بمطلبٍ ... عما لديه على المُحال مُحالِ هَبْكَ استطعتَ زيادةً في رغبتي ... وأَطَعْتَ في مَقْتِي مقالَ القالي هل تستطيعُ إزالةً لهواك عَنْ ... قلبي وقد ضَمِنَ المُنَى لمَنَالِ ما مَنْ أَحبَّ بتاركٍ أَحْبَابَهُ ... لملالِ مَيْلٍ أو ملال مِطَالِ وقوله في الاقتضاء: لو أَمْهلَ الدهرُ أَمْهَلْنَا ذوي الكرمِ ... وكان عذرهُمُ المبسوطُ في العَدَمِ لكنْ وراءَ خُطَانا من حوادِثِهِ ... عَيْنٌ علينا إذا ما نامَ لم تَنَمِ فلا تظنوا بنا عما نرومُ غِنىً ... ولا تَمُرُّوا بنا في معرض التُّهَم ولا تخافوا ملاماً في تغافلكم ... عنا فلله فضلُ الرزق والقسَم ما مَنْهَجُ الخيرِ خافٍ عن مُيَمِّمِهِ ... لكنْ له مانعٌ من زَلَّةِ القدَم وله هذا الوداعُ الذي تراهُ ... فليت شعري متى التلاقي وَدَّعْتُهُمْ سُحْرَةً فساروا ... والنفسُ في كرْبةِ السياق وعدتُ لم أَدرِ أَين قلبي ... رافَقَني أَمْ مَعَ الرفاق ما عند من شَفَّنِي هواهُ ... بَعْضُ غرامي ولا اشتياقي سَلاَ وأَبْدَى لديَّ وَجْداً ... سُقْمِي به ما حييتُ باقِ فوا الذي بالنَّوَى رماني ... وشدَّ في حُبِّكُمْ وَثَاقي لا سلتِ النفسُ عن هواكمْ ... لو بَلَغَتْ رُوحِيَ التراقي حسين بن أبي زفر المتطبب الأنصاري ممن لقيته بمصر، له: يا مَنْ لهم نفسي تهو ... ن وقدرهمْ عندي يَجِلُّ حاشاكمُ أَنْ تَسْمَعُوا ... قولَ الوشاةِ وأَنْ تَمَلُّوا إِنْ كنتُ أَهلاً للذنو ... بِ فأَنْتُمُ للعَفْوِ أَهْلُ أَقسمتُ لا حلَّ السرو ... رُ بِرَبْعِنا حتى تَحُلُّوا وله رَقَصَتْ في كأْسها طَرَباً ... قهوةٌ تَدْعُو إلى الطَّرَبِ فأَرَتْ في الكأسِ شمسَ ضُحىً ... قُلِّدَتْ بالأَنْجُمِ الشُّهُبِ الجهجهان

стр. 695

ذكره عضد الدين مرهف بن أسامة بن منقذ فقال: هو شاعر بمصر، وله في ابن بري النحوي: صَيَّرَ اللَّهُ ليلةَ الهجرِ وَجْهاً ... لابنِ بَرِّي وليلةَ الوصلِ قدَّا ذو حديثٍ يُطْفِي جهنَّمَ بَرْداً ... ومُحَيّاً كالقرد قُرْباً وبُعْدَا الشريف الوبر من أهل العصر، الموجودين بمصر، أنشدني ابن المقلع له: لا يُحْوِجَنِّي سوءُ ما قَدْ أَرَى ... أَقْصِدُ فيكمْ غيرَ منهاجي إِنْ لمْ أَقُلْ شعراً فإني امرؤٌ ... أَحْفَظُ ما قد قاله الهاجي رجل سنبسي من بدو مصر في هذا العصر، من نواحي البحيرة بالإسكندرية. حضرت عند القاضي الفاضل للهناء بالعيد، ونحن في المعسكر الملكي الناصري والمنصور السعيد مخيمون تحت حصن أبي قبيس على مقابلة عسكر الموصل منتظرون ما ينجزه الله لنا من موعد النصر المستقبل، فجرى حديث البدو في زماننا، وأنه قد فسدت ألسنتهم، وظهرت لكنتهم، وقلت فصاحتهم، حتى لا يسمح منهم خاطر، ولا يسمع شاعر ماهر، فقال القاضي الفاضل: تنتقض هذه القاعدة برجل سنبسي من أهل البحيرة، سمعت له بيتين لو نسبا إلى مجنون بني عامر لحصلت العقول منهما بالحيرة، ولم يحضر الحضر فيهما بغير الغيرة، وهما: أَقولُ لحرَّاثَيْ بُرَاقٍ تَنَحَّيا ... عن الدار لا يَخْفَى عليَّ رُسُومُها أَيا دارَ مَنْ لو تُشْتَرَى منه نظرةٌ ... شرينا وغالينا على من يَسوُمُها وسألته عن اسمه فما عرفه، لكنه أثنى عليه ووصفه. اللبيب واصف الملك أبو الحسن علي بن الحسين ابن الدباغ المصري كان من أهل عصرنا، مولده بالإسكندرية مضى إلى اليمن، فركب البحر فانكسر لوحٌ من المركب تحته، فوقع، فتعلق الحبل في عنقه، فمات في البحر عتيقاً لا غريقاً. ومن سائر شعره. يا ربِّ إنْ قَدَّرْتَهُ لِمُقَبِّلٍ ... غيري، فللأَقداحِ أو للأَكْؤُسِ وإذا قضيتَ لنا بعينِ مُرَاقِبٍ ... في السرِّ فَلْتَكُ من عيونِ النرجسِ وله من قصيدة: غرامي فيكَ والكَلَفُ ... كحسنكَ فوق ما أَصِفُ وحمل إلي الأسعد بن الخطير بن مماتي قصائد من شعر المذكور بخطه، في والده وجده، فمن ذلك قصيدة: مُسْتَفَاضٌ من معجزاتِ الشَّمُولِ ... أَنها تُظْهِرُ الضُّحَى في الأَصيلِ فأروني كيف المساءُ أسيرٌ ... والأَسَى في سلاسل السلسبيل أَيُّ مَعْنَى هُدىً ولفظِ ضلالٍ ... أن تريك الأُفُولَ غيرَ أُفُولِ ما نُوَاسِي أَبا نُوَاسٍ عليها ... بانتقالٍ أَحْلَى من التقبيل وَمُحَلَّى ريقٍ وغصنٍ وَريقٍ ... عاطلٍ من مشابهٍ وعُدُولِ في فؤادي من حبِّه نارُ فرعو ... نَ وفي وجنتيه نارُ الخليل ومنها: قد وصفنا وصفَ الرياض الزواهي ... خَدَّه والوشاحَ وصْفَ الطلول وأردنا وَصْفَ الخطير المُرَجَّى ... فَعَجَزْنَا له عن التمثيل ومنها: جعلَ اللهُ من يراضِعُهُ المَذْ ... قَ لأَيْدي الخطوبِ كالمنديل كَلِفٌ أَنْ يَرى جريرَ القوافي ... أبداً يَنْثَنِي جريرَ الذيول كاد أن ينعتَ التبسمُ منه ... مُلْتَقى المالِ واللُّهَا بالعويل ومُواليه بالمصونِ المُوَقَّى ... ومُعَادي عُلاَهُ بالمَبْذُولِ وله من قصيدة فيه: كم لكفَّيْكَ يا خطيرَ المعالي ... عند عافيكَ من خطيرِ نوالِ كلما فُصِّلَ المديحُ عليهِ ... صحَّ تفضيلُهُ على الإجمالِ وإِذا رامه الزمانُ بحرْفٍ ... نَصَرَتْهُ روائِدُ الإِقبال كنت تُوليهِ بالجبلّةِ والعا ... دةِ لولا مُحَرِّ من سؤال لستُ أَدري من السرور على ما ... صحَّ عندي من قدرك المتعالي أَنُهنِّي ليثَ الشَّرَى بعرينٍ ... أن نُهنِّي العرينَ بالرئْبَالِ وله في العذار:

стр. 696

عَنَّ لي أَسْتَسِرُّ مِنْهُ عِذَاراً ... فتذكَّرْتُ أنَّهُ نَمّامُ أخوه النجيب العلم عبد الله بن حسين بن الدباغ له خاطرٌ حسن وفصاحةٌ ولسن، ونظم مستوٍ، لملعاني مستوف وللنكت محتوٍ، وجدت له قصائد بخطه أعارنيها الأسعد الخطير بن مماتي، فمن جملتها قصيدة أولها: في دمي لو عليه جَرَّدْتُ دَعْوَى ... كان في وجنتيه شاهدُ عَدْوَى قَمَرِيُّ الأَوْصَافِ إن لاحَ حُسْناً ... غُصُنِيُّ الأَعطافِ إن ماسَ زَهْراً رَشَإِيٌّ إذا رَنا طَرْفُهُ الفا ... ترُ دانتْ له الضراغم عَنْوَا مَنْ سِوَائي أَحْوَى لصبرٍ ولكنْ ... كيف صبري وقد تعشَّقْتُ أَحْوَى لائمي في الغرام دَعْنِي فحسبي ... شُغْلُ قلبٍ بمن غدا منه خِلْوَا ما أُبالي باللوم فيه وإن زِدْ ... تَ ملاماً في حبِّهِ زدتُ بلوى في هواه استعذبتُ مُرَّ عذابي ... فتعنِّيكَ فيَّ يَذْهَبُ لَغْوَا ولئن صرتُ فيه نِضْواً فما ... أَبْغِي لثوبِ النحول عنِّيَ نَضْوَا بأَبي من يزيدُ قسوةَ قَلْبٍ ... في الهوى كلما تزايدتُ شَكْوَا ليته عندما بَدَانيَ بالهجرانِ ... لو يجعلُ التَّواصل تِلْوا حبذا ذاك منه لو سمح الدهرُ ... وهيهات منه تقريبُ جَدْوَى ومنها في الحث على السفر والتخلص إلى الممدوح: فتجرَّعْ كأسَ التغرُّبِ مُرّاً ... تَسْتَسِغْ مَطْعَمَ المآرب حُلْوَا وانتجعْ منزلَ الأَماني خصيباً ... من نداه ومنهلَ الجود صَفْواً سنَّ آباؤه المكارمَ شَرْعاً ... فلهمْ في النَّدَى أحاديثُ تُرْوَى وعليهِ نَصُّوا فلا تَتَطَلَّبْ ... صِنْوَهُ في النَّدَى فتعْدَمَ صِنْوَا ومنها: أصبحتْ رتبةُ الرياسةِ لمَّا ... سُلِبَتْهُ تَحِنُّ شوقاً وشَجْوَا هيَ لولا رجاؤُها فيكَ كانت ... تتلاشى من الفراقِ وَتَضْوَى فإذا ما صَدَدْتَ عنها دلالاً ... فَتَعَطَّفْ فليس غيرك تَهْوَى ومنها: وتملَّت بالسيفِ منك مَضَاءً ... واستظلَّتْ في الحلم منك برَضْوَى ومنها في صفة الثغر: هُوَ لمّا حللتَهُ شرفاً ذو ... شُرُفَاتٍ لها مع النَّجم نَجْوَى مكتيسٍ منك بهجةً وابتهاجاً ... حَلَّيَاهُ مع المَسَرّةِ سَرْوَا إنما أنت غيثُ جودٍ إذا ... حلَّ بربْعٍ سقى ثراءً وأَرْوى فجميعُ الأَقطار لو مَلَكَتْ سَعْياً ... لجاءت إليك تُسْرعُ خَطْوَا فأَعِدْ منك للبلاد جميعاً ... نظراً عائداً كما كان بَدْوَا وَلِّ تدبيرَ أَمْرِها فلها جي ... دُ التفاتٍ إليك يُثْنَى ويُلْوَى وابقَ ما غَرَّدَ الحمائمُ شدواً ... وشدا سائقُ الركائب حَدْوَا وله من قصيدة: مُذْ ماسَ تيهاً في غلائلِهِ ... باءَ القتيلُ بذنبِ قاتلهِ غُصنٌ جَلَتْ بدراً أَزِرَّتُهُ ... فالتاجُ في أَعلى منازلهِ مُتكَحِّلٌ بالسحر قد فَعَلَتْ ... أَلحاظُهُ أَلْحاظَ بابلِهِ فمتى يَرَى في حبِّهِ دَنِفٌ ... وَجْهَ التخلُّصِ من بلابله مولاي هَبْ وَصْلاً لذي حُرَقٍ ... قد بُحَّ في عِصْيانِ عاذِلِه فتلافَ مَنْ بِتَلافِ مُهْجَتِهِ ... شَهِدَ المُحَقِّقُ من دلائلهِ ولِصَبْرِهِ إِنْ سامَ نُصْرَتَهُ ... في حبِّه تسويفُ خاذِلِه ولسرِّه بلسانِ صامته ... من دَمْعه لَهَواتُ قاتِلِه وله من قصيدة نظمها سنة ست وستين وخمسمائة يهنىء الخطير بن مماتي بالإسلام: أبى قلي سوى تَلَفِي وذُلِّي ... ويأْمُرُني العواذل بالتَّسَلِّي وبدرُ التمِّ فوقَ قضيبِ بانٍ ... تَثَنَّى مائساً في دِعْصِ رَمْلِ

стр. 697

غزالٌ من ظباءِ الإِنسِ تَسْطُو ... بنا أَلحاظُه سَطَواتِ شِبْلِ رخيمُ الدلِّ معشوقُ التجنِّي ... كحيلٌ طَرْفُهُ من غَيْرِ كُحْلِ تقولُ بُروقُ مَبْسمِهِ إِذا ما ... لَمَعْنَ لِسُحْبِ مُقْلَتيَّ استَهِلِّي يَرَى فيما يَرَى وَصْلي حراماً ... عليه ويستحلُّ حرامَ قتلي عَدِمْتُ تَصَبُّرِي ويُقالَ لَوْقَدْ ... صَبَرْتَ عن الهوى فأقولُ مَنْ لي! إذا ملكَ الغرامُ قيادَ صبٍ ... ثناهُ لما يُمِرُّ له ويُحْلِي فقلْ لعواذلي مَهْلاً فقلبي ... له شُغْلٌ به عن كلِّ شغل وقل للدهرِ قَدْكَ منَ امتهاني ... فبالشيخِ الخطيرِ عَلِقْتُ حَبْلي فللإسلام منه مَحَلُّ فخرٍ ... يُزَيَّنُ مِنْ مفاخره بأهْل ومنها في المقطع: ون شيم الزمانِ بلا مِراءٍ ... عداوةُ كلِّ ذي شَرَفٍ وفَضْلِ وها أَنا قدْ ضَرَبْتُ خيامَ قَصْدِي ... إليك وقد حَطَطْتُ عَلَيْكَ رَحْلِي وله من قصيدة: إن كنتَ لم تَرَ حالي يوْمَ يُجِدُّ لهُ ... شوقاً برسمٍ خَلاَ من ربِّه الخالي لا تسألوا عن سُلُوِّي واسألوا حُرَقِي ... فإنَّها حالُ مَنْ ما حالَ عَنْ حال لولاكمُ ما عرفتُ الحُبَّ معرفةً ... دَلَّتْ غرامي على إنكارِ عُذَّالي لم يدرِ يومَ حَدَا الحادي بعيسِهمُ ... للبينِ أيَّ جَمَالٍ فوق أَجْمَالي وما دَرَى قمرٌ في الركبِ قد خَضَعَتْ ... له القلوبُ عليها أَنَّهُ والِ غُصْنٌ ولا عَطْفَ يُرْجَى مِنْ تَعَطُّفِهِ ... ظبيٌ لأَلحاظه أفعالُ رِئْبَالِ أُحِبُّ أَن أَقْتَضِيهِ وَصْلَهُ أبداً ... وإن غدا منه ذنبي عند مَطَّالِ أَمَا رأَى مِنَنَ الشيخِ الخطير وقَدْ ... سالت سحائبُها من غيرِ تَسْآل وله من قصيدة: دَارِ طَرْفِي ولو بنَظْرَةِ شَزْرٍ ... فعساهُ أن لا يبوحَ بسِرِّ فجفوني تظَلُّ من دَمْعِها الجا ... ري لما مَرَّ من حديثيَ تَمْرِي ناظرٌ ذلَّ في هواه فؤادي ... وانْثَنَى عنه بالوشاياتِ يَسْري فَبِهِ صِرْتُ مِنْ غرامي وَعُذَّا ... لِيَ وقفاً ما بين عُرْفٍ ونُكْر يا مريضَ الجفونِ والودِّ ما با ... لُكَ تُمْسِي صحيحَ بُعْدٍ وهَجْر إنْ يكنْ طالَ في هواكَ هَوَاني ... فلقد قامَ في عِذارك عُذْري ما أَظنُّ انكسارَ جَفْنِكَ قد بثَّ ... سَرَايا الفتورِ إِلاّ بكَسْري منها في المديح: غيرُ نَدْرٍ ما قد أتاهُ من الجُو ... دِ وإنْ كان قد أتى كلَّ نَدْرِ فلهُ في النَّدَى عناصرُ للعُنْصُرِ ... منها تُرْوَى مكارمُ عَصْرِ وله من قصيدة: هل ناظرٌ في الهوى لناظرْ ... أو حاجرٌ من سُطَا مَحاجِرْ أَمَا مُعِينٌ على عيونٍ ... حاكمُ أَلحاظِهنَّ جائِرْ يا ساحِرَيْ مقلتيه يَكْفي ... قَلْبِيَ أَنْ يُبْتَلَى بساحر أسْرَعْتُمَأ قِتْلَتِي بطرفٍ ... ساجٍ ضعيفِ الجفون فاتر فيا لها منهُ فاتناتٌ ... يطلُّ مكسورُهُنَّ كاسر فديتُ مَنْ مَا يَمُرُّ إلاَّ ... عُوِّضْتُ من عاذلٍ بعاذر مِنْ قدِّه في الغصونِ زاهٍ ... وخدِّهِ في الرياضِ زاهرْ ورَائقُ الحسنِ ناطقٌ عَنْ ... وقوعِ قلبٍ عليه طائر وشمسُ كأْسٍ عليَّ دارتْ ... في فَلَكٍ للسُّرورِ دائر ليسَ لمحسوسها وجودٌ ... إلاَّ على ناشقٍ وناظر تَدِقُّ في واضحٍ جَلِيٍّ ... خَفِيُّهُ للعقولِ ظاهرْ كأنَّها في اجتلائِها مِنْ ... بديعِ صفِ الخطيرِ خاطر النظام المصري

стр. 698

جبرائيل بن ناصر بن المثنى السلمي لقيت بدمشق معلماً على باب جيرون، نافق السوق كثير الزبون، ثم عاد إلى مصر عند المملكة الصلاحية بها، ودارت رحى رجائه بالنجح على قطبها، وقصد اليمن عند افتتاح الملك المعظم شمس الدولة توران شاه لها، وكان وعده بألف دينار فقبضها منه وحصلها، ولم يزل بمصر مستقيم الحال، مثمر المال، آلفا صعود جده بالصعيد، عارفاً سعود حظه بالمزيد، إلى أن نسب إليه وإلى قوص أنه واطأ الخارجي بها في آخر سنة اثنتين وسبعين، فطلبه وصلبه، بعد ما سلبه، وذلك في المحرم سنة ثلاث وسبعين بقوص. ووقعت إلي من شعره قصيدةٌ بخطه نظمها في سيف الدين أخي صلاح الدين عند خروج الكنز بأسوان وقتله والفتك بالسودان، من جملتها: ومن ذا يطيقُ التركَ في الحربِ إِنَّهُمْ ... بَنُوها، وكلُّ الناسِ زورٌ وباطلُ حُمَاةٌ كُمَاةٌ كالضراغمِ، خَيْلُهُمْ ... مَعاقِلُهُمْ، والخيلُ نِعْمَ المعاقلُ منها في صفة الجيش: بجيشٍ يضيعُ الليلُ فيه إذا سَرَى ... وتُخْفي نجومَ الجوِّ منه القساطلُ إِذا ما خَبَتْ فيه المشاعلُ عاضَها ... من ايدي الجيادِ المُنْعَلاتِ مشاعل وتَطَّرِدُ الراياتُ فيه كأنّها ... أَفاعٍ إلى أوكارهنَّ جوافل فما لاحَ ضوءُ الصبحِ حتى تحكَّمَتْ ... لهم في أعاديهمْ قناً ومناصل كأنّ مُثارَ النقعِ وَبِيضهُمْ ... بُرُوقٌ تَلاَلاَ فيه، والدم وابلُ ومنها: لكمْ يا بني أيُّبَ في البأسِ والندى ... مذاهبُ، تُعْيِي غيرَكم، ومداخلُ أَلَنْتُمْ لنا الأيامَ من بَعْدِ قَسْوَةٍ ... وحَلَّيْتُمُها، وهْي قَبْلُ عواطلُ وقلَّدْتمونا البيضَ تُثْقِلُ بالحُلَى ... عواتِقَنا أغمادُها والحمائلُ ضَرَبْنا بها أعداءَكُم فجيادُنا ... لها من دماءِ المارقينَ خلاخل وله من أخرى فيه نقلتها من خطه: أمَا ملَّ مِنْ عَذَلي عاذلي ... فيطرحَ حَبْلي على كاهِلي لقد أَطْمَعَ النفسَ في سلوَةٍ ... يُخَيِّبُها طَمَعُ العاقل ومن غير هذا الهوَى إنَّني ... لأَعْشَقُ، من عِشْقِه، قاتِلي أُحِبُّ فأقتلُ نفسي فلا ... أَفوزُ من الحُبِّ بالطائلِ ولي كلَّ يومٍ وقوفٌ على ... حمىً وسلامٌ على راحل متى يسأم القلبُ من هجركم ... فيصغي إلى عَذَلِ العاذلِ ويبطلُ سِحْرُ الجفونِ التي ... بها يَعملُ السحرُ في بابل ويخلو فؤادُ امرىءٍ لم يَزَلْ ... من الوجدِ في شُغُلٍ شاغل متى ما وَجَدْتُ لكمْ وَحْشَةً ... تَعَلَّلْتُ بالشَّبَحِ الماثل ومنها: صِلُوا واعْطِفوا وارحَمُوا واحْسِنوا ... وجُودوا فلا خيرَ في باخِلِ فلستُ بتاركِ حقِّ الهوَى ... ولو أنَّني منه في باطل ولكن إذا مَضَّنى جَوْرُكم ... شكوتُ إلى الملك العادل مليكٌ مَشَى الناسُ في عَصْرِه ... من العَدْلِ في مَنْهَجٍ سابلِ ومنها: أَقامَ الجهاد على سُوقهِ ... وحربٍ كحرْبِ بني وائلِ ففي كلِّ يومٍ له جَحْفَلٌ ... يُغِيرُ على الشِّرْك بالساحل ومنها: فديناك يا مَنْ سَنَا وَجْهِهِ ... يفوقُ سَنَا القمرِ الكامِلِ وإنك أنفَعُ في عَصْرِنا ... من الغَيْثِ في البَلَدِ الماحل أَنَلْتَ الرعيةَ ما فاتَها ... من الشركِ في عَصْرِنا الزائل فأَضحَتْ من العدلِ في عامرٍ ... وأَمْسَت من الأَمْنِ في شامِل وأنشدت له في غلامٍ نحويٍ في دمشق: زاد بي شوقي فَبُحْتُ ... وجرى دَمعي فَنُحْتُ أَيها العاذل هل يَثْني ... لسانَ العَذْل صَمْتُ إِنَّ نَعْتَ البدرِ والشمسِ ... لِمَنْ أَهْوَاهُ نَعْتُ

стр. 699

قَمَرٌ في حَلْقَةِ النحوِ ... له مَرْعىً وَنَبْتُ كلَّما أَقْبلَ يختا ... لُ إلى الحلقة قُلْتُ: ليتنا ظَرْفَا مكانٍ ... أَنا فوقٌ وهْو تَحْتُ النجيب أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد المصري ذكر لي بمصر أنه من أهل الإجادة؛ له في غلام حاسب: قد جادَ ذهنك في الحسابِ فَجُدْ ... للمستهامِ بأَوَّلِ العَدَدِ وله من علاماتِ المحبِّ إذا ... عاينَ المحبوبَ يَرْتَعِدُ خيفةً من غيرِ ما سَببٍ ... غَيْر إظهارِ الذي يَجِدُ دهشةُ العشاقِ واضحةٌ ... لم يُطِقْ كتمانَها الجَلَدُ وله في محبوبٍ وقد رأى عليه كراً: انْظُرُوا من أَبي الحسينِ عجيباً ... فَمُحَيَّاهُ في دُجَى الشَّعْرِ صُبْحُ كَرَّ في الكُرِّ منه فارسُ حُسْنٍ ... لَحْظُهُ سيَيْفُه، وعِطْفَاه رُمْحُ وله في بعض عدول مصر يستكفه عن الشهادة عليه: بأَكِيدِ وُدِّكَ للأَلوفِ ... وبما حَوَيْتَ من الأُلوفِ وبرحبِ مَنزلكِ الذي ... أَضْحَى مَحَلاً للضيوفِ وبما حَوَى من عُظْم ظَرْ ... فِ المُذْهَبات من السقوف ورُخامِهِ الموصوفِ مِنْ ... أَهْلِ البلاغة بالرصوف وبحقِّ وَجْهَِ إِنَّهُ ... كالبدرِ وُقِّيَ من كُسُوف وبروضِ خُلْقٍ ثَمْرُهُ ... هِيَ دانياتٌ للقطوف وبحقِّ خاطرِك الذي ... يجري ويأْنَفُ من وقُوفِ وبحقِّ ما قد حُزْتَ في ... الْخَلَوَاتِ من أَجْرِ العُكُوف وبحقِّ تأديةِ الشها ... دةِ خوفَ إنكارِ العسوف وبحقِّ مَدْحِكَ إِنَّهُ ... كالدرِّ يُدْخَرُ للشُّنوف وبمركبٍ لك جيِّدٍ ... لا بالحَرُونِ ولا القَطُوفِ وبحقِّ روسٍ فوقها ... تَمْشِي على رغْمِ الأُنُوفِ وبما حَوَيْتَ من الحُنُوِّ ... عليَّ من قلبٍ رَءُوفِ يا نجلَ يحيى المُكْتسِي ... بالمدحِ جِلبابَ العطوف أَمْسِكْ عن العبدِ الضعيفِ ... المستجيرِ من الحُتُوفِ إنَّ الشهودَ كلامُهُمْ ... في الخصمِ يَقْطَعُ كالسيوف لا زلتَ كَهْفاً مُنْجِياً ... للحُرِّ من شَرِّ المَخُوف وله في غلامٍ فقيهٍ مالكي: أَأَبا الحسينِ فقيهَ مذهبِ مالكٍ ... نفسي تقيكَ من الرَّدَى يا مالكي حَسْبِي بوجهكَ جَنَّةً رِضْوانُها ... بالصدِّ قَدْ نَقَلَ الفؤادَ لمالك وله يهج طبيباً يسمى ابن المد: لنَجْل المُدِّ عبدٌ ضرَّ خَلْقاً ... بِمِيلٍ مالَ عن طُرُقِ النجاحِ إذا ما حلَّ في الأَجفانِ أَبْدَى ... به وَخْزَ الأَسِنَّةِ بالرماح له كُحْلٌ أَعَاذَ اللهُ منهُ ... يسوقُ السقْمَ للحَدَقِ الصِّحاح إِذَا كَحَلَ العيونَ بهِ تَسَاوَى ... دُجَى ليلِ المريضِ مع الصباح وله مهفهفٌ في فيه ما ... يُبْرِي العليلَ رَشْفُهُ حَوَى نُحولي خَصْرُهُ ... وثِقْلَ وَجْدِي رِدْفُهُ ولونَ حظِّي صُدْغُهُ ... ولينَ قلبي عِطْفُهُ طُوبَى لمن كانَ على ... سَالِلَتَيْهِ قَصْفُهُ وَخَمْرُهُ ريقتُهُ الفائحُ ... منها عَرْفُهُ وَمِنْ جَنَى ورديِّ ... تلك الوَجَناتِ قَطْفُهُ وَظَهْرُهُ فِراشُهُ ... وساعِدَاه لُحْفُهُ وله من قصيدة في الملك الناصر صلاح الدين: لقد أَوضحَ الآياتِ في الحرب يُوسُفٌ ... فقام ببرهان النِّصال شُهُودُهَا مليكٌ له عَزْمٌ يُخَبِّرُ أَنَّهُ ... قديمُ سياساتِ الوَغَى وجديدها

стр. 700

غدا وارثاً من شيركوهُ عزائماً ... له فَتَكَتْ بالشِّرْك منها حشودها جيوشٌ تَضِيقُ الأَرضُ عنها كأنها ... أَفاويضُ بحرٍ عَاجَلَتْها مُدُودُها تَمورُ نجود الأَرْضِ من عُظْمِ خَوْفِهِ ... إذا خَفَقَتْ في الخافقين بُنُودُها وهل للبرايا طاقةٌ بعساكرٍ ... ملائكةُ السبعِ الشدادِ جُنُودُها ومنها: أَمَا آن أَنْ يَرْثِي لخيْلٍ مُغيرةٍ ... وشهرين عنها ما أُزيلتْ لُبُودُها وأَنْ تُغْمَدَ البِيضُ الرقاقُ وقد شَكَتْ ... إلى عَفْوِهِ طولَ الفراقِ غُمودُها مواقعُهُ خَلْفَ العِدَأ وأَمَامَها ... فما يَنْثَني إلاَّ إليه طريدُها هيَ الشمسُ تأثيراتُها في قريبِهَا ... ولم يحتجزْ عنها بِبُعْدٍ بَعِيدُها فيوسفُ في مصرٍ شبيهُ سَمِيِّهِ ... بمملكةٍ يَسْمُو السماءَ صُعودُها لقد شَرُفَتْ أَرْضٌ علاها ركابُهُ ... وَعَزَّتْ جيوشٌ عَزْمُهُ يستقيدُهَا وفي أَيِّمَا أَرْضٌ علاها ركابُهُ ... تَضَوَّعَ من شرِ العبيرِ صَعيدها لأَيُّوبَ قد آبتْ من الغزو سادةٌ ... تسودُ ملوكَ الأَرض فهْيَ عبيدُها همُ قَدْ أَقاموا قُبَّةَ الحقِّ والهُدَى ... بأسيافهمْ حتى استقلَّ عَمُودُها فلا زالتِ الدنيا تُسَاسُ برأيهمْ ... وَتَسْعَى إِليهم بالثناءِ وُفُودُهَا وحمل إلي قطعة من شعره، منها قوله في مدح الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ابن أيوب، من قصيدة، لما ملك اليمن. ومناقبٍ سارتْ كواكِبُهَا ... ذِكْراً وشمسُ الدولةِ الفَلَكُ بحرٌ جواهرُهُ مَفَاخِرُهُ الحسنى ... ونحن بِلُجِّهِ سَمَكُ وقلوبُنَا مثلُ الطيورِ على ... حافاته ونوالُهُ الشَّبَكُ ناديتُ من طَرَبٍ بأَنْعُمِهِ ... مَلَكُوا ولكن ما كذا مَلَكُوا وقوله في مدح جمال الدين فرج: أَيُّ جَوًى لمْ يَهجِ ... غداةَ رَفْعِ الهَوْدَجِ يأبَى العزاء مذ نأَتْ ... ذاتُ اللَّمَى والدَّعَجِ مَبْسِمُهَا من لُؤلؤٍ ... وشَعْرُهَأ من سَبَجِ ما خُلِقَتْ جُفُونُهَا ... إلاَّ لِحَتْفِ المُهَجِ فما عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ ... وجدٍ بها مِنْ حَرَجِ ولو أَمِنْتُ عقرباً ... من صُدْغِهَا المُنْعَوِجِ جَعَلْتُ وردَ خدِّها ... باللَّثْمِ كالبَنَفْسَجِ شَمْسٌ تُقِلُّ عالجاً ... في غُصْنِ بانٍ مُدْمَجِ ضاقَ كذرعي حَجْلُهَا ... عن ساقها المُدَمْلَجِ إنَّ الخليَّ لم يَبِتْ ... يحسُّ ما يَلْقَى الشَّجِي من لم يَذُقْ طعم الهوى ... لامَ مَلامَ الأهْوَجِ ولم يَبِتْ مُفَكِّراً ... في شَنَبٍ أو فَلَجِ ولم يَخَفْ من أسهمِ ... اللَّحْظِ ولا من زَجَجِ للهِ كم بتُّ بها ... في غِبطةِ المُبْتَهِجِ أرْشُفُ من رُضَابها ... مُدامةً لم تُمْزَجِ في ليلةٍ هلالُهَا ... لاحَ كنصف الدُّمْلُج يمتدُّ فوق النيلِ مِنْ ... شُعَاعِها المُسْتَسْرِج سَطْرٌ من العِقيانِ قَدْ ... رُقِّشَ وَسْطَ مَدْرَج كأنَّها الأَنجمُ في ... السماءِ ذاتِ الأَبْرُج جواهرٌ في طَبقٍ ... أزرقَ من فَيْرُوزج حتى تَبَدَّى فجرُهَا ... والروضُ ذو تأَرُّج قلْ لليالي صَرِّحي ... بالغدرِ لا تُمجَمِجي فقد أَزالتْ شِدَّتي ... بالجودِ جَدْوَى فرَج ذُو دَرَجاتٍ مَالها ... لصاعدٍ من دَرج

стр. 701

يَسْحبُ أذيالَ عُلاً ... لغيره لم تُنْسَج من دوحةٍ قال لها ... اللهُ إلى الأُفْق اعرُجي مانحُ ما نرجوه بَلْ ... فاتحُ كلِّ مُرْتَج كم كاهلٍ من العدا ... هدَّ وكمْ من ثَبَج حسامُهُ يَشُقُّ ثو ... بَ نَفْعهِ المُنْتَسَج يَنْثُر بالسيف الطُّلاَ ... كاللؤْلُؤ المُدَحْرَج ينظم بالنظم الكُلَى ... نَظْمَ الجُمانِ المُزْوَج تَلْقَاهُ فرداً حاسراً ... كالجحفل المُدَجَّج وثابتاً في حيثُ لا ... يبصرُ مَنْ لمْ يُزْعَج لرأيه في حِنْدسِ ... الخَطْب ضياءُ السُّرُج فيا له من خائضٍ ... بحرَ ردىً مُلَجَّجِ رِئْبالُ غابٍ لم يُرَعْ ... يوماً ولم يُهَجْهَج ما في قناةِ الملك مُذْ ... ثَقَّفَهَا من عوجِ يَأْوِي الورى من ظِلَّهِ ... إلى ظليلٍ سَجْسَج بابُ جمالِ الدينِ أَضْحى ... ملجأً لِمُلْتَجِ إذا ذكرنا مَدْحَهُ ... هَبَّ نسيمُ الأَرَج فيا له من مُغْرَمٍ ... ببذلِ جودٍ لَهِجِ ليس على عاذِلِهِ ... في البذلِ بالمنعرِج فمن يَقِسْ بفضلهِ ... فضلَ سواه يحْرَج ما الآسُ كالضَّالِ ولا ... الوردُ كمثلِ العَوْسَج ولا خلاصُ العسجدِ ال ... أبريز مثلُ البَهْرَج يا كعبةِ الجود التي ... لغيرها لم نَحْجُجِ فَتَقْتَ لي معانياً ... في الفكر لم تَخْتَلج فاسْتَغْرَقَتْ دوائرَ ... الطويل ثُمَّ الهَزَج والله ما ذو حاجةٍ ... مِنِّي لكم بأَحْوَج دُمْ عِصْمةً لخائفٍ ... ونعمةً لِمُرْتَج وقوله: أَنَا مفتونٌ بمن لم أَسْتَفِدْ ... منه ما أَرجو كَعُبَّادِ الوَثَنْ عَجَبي من روضةٍ في وَجْهه ... نُورُها باقٍ على مرِّ الزمن تَجْمَعُ الأَضْدَادَ لكنْ كُلُّهَا ... كاملٌ في فَنِّه حلوٌ حَسَنْ فيه شمسٌ تحت ليلٍ كُلَّما ... أشرقتْ تلك دَجَا هذا وَجَنّ وضرامٌ فوق نارٍ راكدٌ ... ذاك لم يُطْفَ وهذا ما سَخَنْ وقضيبٌ في كثيبٍ أَفْرَطَا ... ذاك في الضَّعْفِ وهذا في السِّمَنْ سُنَّةُ الآدابِ عِشْقٌ وتُقىً ... فإذا كنت أديباً فاسْتَنِنْ إن في الحبِّ فنوناً خَفِيَتْ ... لم تَلُحْ إلا لأَرْبابِ الفِطَنْ يَشْحَذُ الأَفْهامَ بالشوقِ كما ... يَشْحذُ المُدْيَةَ والسيفَ المِسَنْ وبه يغدُو جبانٌ بطلاً ... وبه يُحْسَبُ ذو العِيِّ لَسِنْ ومنها في المديح: يبتدي بالجود مَنْ يقصِدُهُ ... فإذا ما حازه قال تَمَنْ نائلٌ أَحْلَى من المَنِّ وما ... أَعْذَبَ المنَّ الذي ما فيه مَنْ وقوله في غلام وراق: يا عاذلي كُفَّ فإِني امرؤٌ ... أَضْحَى سليماً ما لَهُ راقِ قد زَرَعَ الحسنُ بروضِ الهوَى ... غُصْناً له من مَدْمَعِي سَاقِ فكيف يَذْوِي عودُ عشقي وقدْ ... أَوْرَقَ في الحبِّ بِوَرَّاقِ وقوله في قواس: قِسِيُّ حواجبِ القَوَاسِ عنها ... سهامُ اللحظ في المُهَجَاتِ تُرْمَى فكمْ من عاشقٍ جَرَحَتْهُ جَرْحاً ... بأَنْصُلِها ولكنْ ليسَ تَدْمَى وقوله: لا تعجبوا إنْ رقَّ لي هاجري ... من أَجْلِ ما وافاه من عَتْبي فالماءُ لا يُنْكَرُ تأثيرُه ... في الصخرِ، كيفَ القولُ في القلْب وقوله فيمن جاءه سهم في وجهه وهو ابن الجمل:

стр. 702

قد قلتُ إذ قالوا المُعَظَّمُ ... جاءَهُ في الوجهِ سَهْمُ عَجَبي لذاك البدرِ منهُ ... كيفَ أَثَّرَ فيه نَجْمُ وقوله يهجو: ومشتهَرٍ بالبخلِ غاوٍ بلؤمه ... على يده قُفْلٌ منيعٌ وأَغْلاَقُ إذا زُرْتُهُ يَزْوَرُّ منِّي تَبَرُّماً ... فلا هو مسرورٌ ولا أنا مشتاقُ من الشَّجَرِ الملعونِ لا وَرَقٌ به ... ولا ثَمَرٌ، عُقباهُ نارٌ وإحراق وقوله في أحدب: انْظُرْ إلى الأَحْدَبِ مَعْ عِرْسِهِ ... وَهْيَ على الجبهة مبطوحَهْ كأنَّهُ لما عَلاَ ظَهْرَها ... فارةُ نَجَّارٍ على شُوحَهْ وقوله في مدح الأمير عز الدين موسك: كلُّ الأنامِ عبيدٌ ... لموسَكٍ نَجْلِ جَكُّو لدينِ أَحمدَ منه ... عزٌّ وللذلِّ شِرْكُ في الحربِ والسَّلْمِ منه ... زان البسالةَ نُسْكُ نوالُ كَفَّيْهِ بحرٌ ... آمالنا فيه فُلْكُ طيبُ الثناءِ عليه ... كأنما هو مِسْكُ دُرُّ المعاني بمدحي ... فيه له اللفظ سِلْكُ له أَقَرَّ بعزْمٍ ... في الحربِ عُرْبٌ وتُرْك فَسَلْبُهُ، روحَ طاغٍ ... طَغَى، تحاماهُ تَرْك حسامُهُ لم يُفارِقْهُ ... إن تجرَّد سَفْكُ يُواصلُ النَّصْرَ منه ... لما تزايدَ بَتْكُ وفي الفرنج سُطاهُ ... ما فاتها قطُّ فَتْكُ يا ماجداً رزقُ راجيهِ ... من عطاياهُ يَزْكُو لا زلتَ خيرَ مليكٍ ... به يُشَرَّفُ مُلْكُ ما أَسكنَ الجزمُ حَرْفاً ... به تَحَرَّكَ فَكُّ وقوله في بعض النحاة: ما حَسَدُ الخاسرِ للرابحِ ... ونظرةُ المذبوحِ للذابحِ أصعبُ في الأَنفسِ في عَصْرِنا ... من نظرةِ الممدوح للمادح هذا وقد أعطاهُ من مدحه ... تذلُّلُ المُذْنِبِ للصالح يُعطى ولا يَشكرُ بعد الأذى ... فالويلُ للمَمنُوحِ والمانح وقوله في منعوت بالزكي تولى الزكاة: واحَسْرَتاهُ على الثَّقاتِ ... جُعِلَ الزكيُّ على الزكاةِ وَهُوَ الذي لخيانةٍ ... أبداً يُعَدُّ من الجناة ومتى تأمَّلَ درهماً ... في الجوِّ صارَ من البُزَاةِ وقوله من قصيدة يشكو فيها حاله: قلمُ الفصاحةِ في يدي لكنني ... قد خانني دَرَجُ الحظوظِ المُلْصَقُ ومن العجائبِ أَنَّ نفسي وَسَّعَتْ ... في هِمَّتِي ومجال رزقي ضَيِّقُ عارٌ على الأيام خيبةُ شاعرٍ ... من حظه وهو المُجيدُ المُفْلِقُ أَنفاسُهُ مُتَفَتِّحٌ نُوَّارُهَا ... لكن على الأرزاق بابٌ مُغْلَقُ كَثُرَتْ محاسِنُهُ وقلَّ نظيرُهُ ... ونُضَارُهُ فهو الغنيُّ المُمْلِق من فاتَهُ النصرُ العزيز بملتقى ... الفئتين لا يُجْدِي عليه الفَيْلَق فانظرْ إِليَّ بعينِ مجدك نظرةً ... فلعلَّ محرومَ المطامع يُرْزَقُ طَيْرُ الرجاءِ إلى العَلاء مُحَلِّقٌ ... وأَظُنَّهُ سيعود وهو مُخَلَّقُ وقوله في غلام مغنٍ اسمه مرتضى: لِمُرْتَضَى مَعْبَدٌ عَبْدٌ إذا صَدَرَتْ ... أصواتُهُ عنه في النادي بتغريد قد غاضَ طوفانُ هَمِّي حين أَسْمَعني ... أَلحانَهُ فاستوى قلبي على الجُودِي وقوله يمدح كحالاً: إذا اشتكى الطَّرْفُ ضُرّاً من تأَلُّمِهِ ... نَجَّتْهُ من رَمَدٍ مُرْدٍ مَرَاوِدُهْ يَشْفِيه من بَعْدِ ما أَشْفَى على تَلَفٍ ... إِشَافُهُ فلسان البُرْءِ حامدُهُ وقوله في كحال: لقد أَظْهَرْتَ من ضِدِّيْنِ أَمْراً ... يحارُ من التعجُّبِ فيه فكرُ

стр. 703

فبينَ النوم والأجفانِ حَرْبٌ ... وليس سوى المراود منك سُمْرُ فماءُ الجفن عند همولِ دمعي ... تضرَّمَ منه في عينيَّ جَمْر وقوله في الخمر: صَفْراءُ خالصةُ الفِرِنْدِ أَعَأدَها ... كالنصل من شمسِ الهَواجِرِ صَيْقَلُ شَعْشَعْتُها بيد المزاجِ ولم يَكُنْ ... من قبلها نارٌ بماءٍ تُشْعَل زُفَّتْ إلينا والسماءُ حديقةٌ ... والزَّهْرُ زَهْرٌ والمَجَرَّةُ جَدْوَلُ وقوله: الخندريسُ البابليَّهْ ... للناسِ أنواعُ البليَّهْ لاسيَّما لفتىً تُحَرِّكُ ... منه أَشواقاً خَفِيَّة وقوله فيمن طلب منه قمحاً فأعطاه شعيراًك طلبتُ من قوتِهِ قليلاً ... كَثَّرَ هَمِّي به انتظارُ ثم أَتى منه لي شعيرٌ ... دلَّ على أَنَّه حِمَار وقوله: تغيَّرَ حُسْنُ رأيك في السماح ... أَبِنْ لي أَمْ لَحَاكَ عليه لاحِ أَم التقصيرُ مني كان فيما ... خَصَصْتُكَ من ثنائي وامتداحي وقوله يصف طائراً أبيض طرف ذنبه أسود: وطائرٍ جازَ بالمطارِ لنا ... سوادُ قلبي بلونه اليَقَقِ كأنه الصبحُ فرَّ من فَرَقٍ ... فأمسكتْ ذيلَه يدُ الغَسَقِ وقوله في يوم مغيم بارد: يومٌ يُجَمِّدُ بَرْدُهُ الخمرا ... والطلُّ فيه يخمِدُ الجَمْرَا وتخالُ فيه ظُهْرَهُ سَحَراً ... وتخالُ فيه شَمْسَهُ بَدْرَا فكأنها خودٌ مُحَجَّبَةٌ ... تَخِذَتْ لها من غَيْمِها سِتْرا وكأنما رُمْنَا مُقَبَّلَها ... فرَنا إلينا طرفُها شزْرَا وقوله في الزهد: كن تَجَرَّيْتُ على الذنب ... وكم أَسْخَطْتُ ربي فَتُرَى تَمْحُو يدُ التو ... بةِ ما قد خطَّ ذنبي وقوله في شمس الدولة ملك اليمن: أيا شمسَ دولتِهِ البازغَهْ ... ويا نعمةَ الخالقِ السابغَهْ أَيا مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ حَصْرِ ما ... يجودُ به في الورى النابغهْ بسطتُ إليكَ يمينَ الرجاءِ ... وحاشاك من ردِّها فارِغَهْ وقوله في وصف الخمر: ومحجوبةٍ في الدَّنِّ قد كانتِ الأُلى ... قديماً أَعَدَّتْها لصرف هُمومِهَا يلوحُ من الكاساتِ ساطعُ نورِها ... كشمسٍ تبدتْ من فُتُوقِ غيومها ولستَ ترى إلا شعاعاً وإِنما ... يدلُّ عليها نَغْمَةٌ من نسيمها وقوله في مدح الأجل القاضي الفاضل: نائلُ الفاضلِ عنه قال لي ... منه ما تعدم جوداً في الوجودِ سيدٌ سادَ أُولي الفضلِ بما ... دونَهُ فيه نرى عبدَ الحميد ذو أَساطيرَ على الفورِ أَتَتْ ... أين من أسطرا دُرُّ العقود ذو يراعٍ قد رأيناه له ... في محاريبِ المعاني ذا سجود طالما أذهبَ عنا نُوَباً ... شابَ من أهوالها رأسُ الوليد ولهُ ثاقبُ رأْيٍ أبداً ... يمنحُ الأرواحَ أَمْواتَ اللحود فصلاحُ الدين ناداه كما ... كان بالطور كليمُ اللهِ نُودِي خَفَضَتْ أعداءَهُ سَطْوتهُ ... وهْو من عُظْمِ سُعودٍ في صُعودِ وقوله في تعزية: هذا سبيلُ الأوّلين ... نعَمْ وكلُّ الآخرينا لا بدَّ أن يجري القضا ... ءُ به سَخطْنا أوْ رضينا الموتُ قد قطعَ الأُصُو ... لَ فكيف نستبقي الغُصُونا وقوله في زكمة أقامت معه: جاءَت بها مُزْنةُ رأسي نَدًى ... لكنها باخلةٌ بالنَّفَسْ وقوله يحض على الصبر والسعي في طلب الرزق: أَلطافُ ربك في الضَّرّاءِ كامنةٌ ... فكنْ لغائبةِ السرّاءِ مُنْتَظِرَا فغايةُ الليل فجرٌ والسهادِ كرًى ... ومن أَجابَ دواعي صَبْرِه قَدَرَا وَرُبَّ منثورِ شملٍ عادَ مُنتظماً ... وغائبٍ يَئِسَتْهُ أَهْلُهُ حَضَرا

стр. 704

ورُبَّ راجٍ أَتاحَ الله بُغْيَتَهُ ... عفواً وغارسِ آمالٍ جَنَى الثمرا فاسحبْ ذيولَ السُّرَى في كلِّ حادثةٍ ... وخضْ بحارَ الدجى تلقَ المُنَى دُرَرَا لولا ملازمةُ السيرِ الحثيثِ لما ... كان الهلالُ له فوقَ السما قَمَرا وقوله: تسائلُ عمّا حلَّ بي وهْي أَعلَمُ ... وأُخْفي هَوَاها والدموعُ تُتَرْجِمُ ولستُ وإنْ أَبْدَتْ جفاءً وغلظةً ... إلى غيرها من ظُلْمِها أَتَظَلَّم وقد خالفتني في هوانا لِشِقْوَتي ... فأَدْنُو وتنأَى ثم أبكي وتَبْسِم وقوله في قواس: أَرَى القَوّاسَ نفَّقَ منه حُسْنٌ ... له بذوي الهوَى مقلوبُ قَوْسِ فلو حاولتُ وصفَ حُلاَهُ يوماً ... لأعجزني ولو كنتُ ابنَ أَوْسِ وقوله في مدح السديد الكاتب: ساد السديدُ ذوي الأقلام قاطبةً ... لما عَلَتْ في سماءِ المجد رُتْبَتُهُ بسهلِ معنًى كأنّ الماءَ رِقَّتُهُ ... وجزلِ لفظٍ كأنّ النارَ قُوَّتُه وله يصف دوحة تساقط نورها: ودوحةٍ من سَبَجٍ أرْضُها ... وزهرها الناصعُ من جَوْهَرِ كأنما الساقطُ منها بها ... يَنْثُرُ كافوراً على عَنْبَر أحمد بن بلال المعروف برنقلة كتبي من أهل مصر، أنشدني لنفسه في غلامٍ نصراني، يعرف بابن النحال: نحُولي من بني النحَّالِ بادٍ ... ببدرٍ لَقَّبُوه أَباسعيدِ تقلَّدَ بالصليبِ ومرَّ يَسْعَى ... إلى قُرْبانهِ في يومِ عيد ولاثَ بذلك الزُّنّارِ خَصْراً ... حَكَى في سُقْمِه جِسْمَ العميد سأَلْتُ وصالَهُ فأَبَى دلالاً ... ومرَّ عليَّ كالظبي الشَّرُودِ وقال إذا عشقتَ البدرَ فاقْنَعْ ... إليه بِرَعْيِ طَرْفِكَ مِن بَعِيد وله فيه: مَنْ مُنْصِفي وأبو سعيدٍ هاجري ... مَن مُنْقِذي وبوصله لا أَسْعَدُ رشأٌ أذَلَّ العالمين كمالُهُ ... فهُمُ له لولا المخافةُ سُجَّدُ وإذا تكلَّمَ خلتَ مَعْدِنَ جَوْهَرٍ ... من فيه منه مُنَثَّرٌ ومُنَضَّدُ يحيى بن سالم بن أبي حصينة من أهل مصر وجده من أهل المعرة بالشام، من نسب الشاعر المعروف. شابٌ لقيته باب الجامع بمصر بعد انقضاء صلاة الجمعة، فأعطاني رقعة، مكتوبٌ فيها من شعره ما أوردته، وهو: أنا الشجيُّ فما أُصْغي إلى العَذَلِ ... فقلْ لمن لامني ما للخليِّ وَلِي سلوتَ أنْتَ وصبري عزَّ مَطْلَبُهُ ... فعنْ غرامي بعدَ اليومِ لا تَسَل واقبَلْ فصِحّةُ أقوالي بلا مَهَلٍ ... من قبل أن تكسب الآثام من قِبَلي فالعَتْبُ مُنفَصِلٌ والوجدُ مُتَّصِلٌ ... كم بين مُنْفَصِلٍ عنِّي ومُتَّصِل وفي المخلص: وما تغزَّلْتُ أنِّي مُغْرَمٌ بهوًى ... لكنها سُنّةٌ في الشعرِ للأُوَلِ لأنَّني بك عزَّالدين مُفتَخِرٌ ... فما أَضِلُّ ولا أُعْزَى إلى الزَّلَلِ الأمجد بن فري ذكره ابن عثمان وقال: كهلٌ من أهل مصر شاعرٌ حسنٌ يحب لزوج التجنيس في الشعر وأكثر مقامه بمنية زفتا، أنشدني له من قصيدة: هو الحبُّ أَلْجَاني إِلى التائهِ الجاني ... وما كان من شاني هو الغادِرُ الشاني عدة من فضلاء الصعيد أبو الغمر الإسناوي محمد بن علي الهاشمي كان أشعر أهل زمانه وأفضل أقرانه، ذكره لي بعض الكتبيين من مصر، وأثنى عليه، وقال: توفي سنة سبع وأربعين؛ وأنشدني من شعره قوله: ألحاظُكُمْ تجرَحُنَا في الحَشَا ... ولحظُنَا يجرحكمْ في الخدودْ جُرْحٌ بجرحٍ فاجْعَلُوا ذا بذا ... فما الذي أَوْحَبَ جُرْحَ الصُّدُودْ وله يا أَهْلَ قوصَ غَزَالُكُمْ ... قد صادَ قلبي واقْتَنَصْ نَصَّ الحديثَ فشفَّنِي ... يا ويحَ قلبي وَقْتَ نَصْ

стр. 705

وأورده ابن الزبير في كتاب الجنان، وذكر من شعره قوله: طَرَقْتنِي تلومُ لما رَأَتْ في ... طَلَبِ الرزق للتذلل زُهْدِي هَبْكِ أَنِّي أَرْضى لنفسيَ بالكد ... يةِ يا هذه فَمِمَّنْ أُكَدِّي وقوله في الخمر: عذراءُ تَفْتَرُّ عن دُرٍ على ذَهَبٍ ... إذا صببتًَ بها ماءً على لَهَبِ وَافَى إليها سنانُ الماءِ يَطْعَنُها ... فاستلأَمَتْ زَرَداً من فِضَّةِ الحَبَبِ وقوله: أيا ليلةً زارَ فيها الحبيبُ ... ولم يكُ ذا موعدٍ يُنْتَظَرْ وخاضَ إليَّ سوادَ الدجى ... فيا ليتَ كان سوادَ البصر وطابَتْ ولكنْ ذممنا بها ... على طيبِ رياهُ نَشَْرَ الشجر وبتنا من الوصلِ في حُلَّةٍ ... مُطَرَّزَةٍ بالتقى والخَفَر وعَقْلي بها نَهْبُ سُكْرِ المُدام ... وسُكْرِ الرُّضَابِ وسُكْرِ الحَوَر وقد أَخجلَ البدرَ بدرُ الجبينِ ... وتاه على الليلِ ليلُ الشَّعَر وأَعدى نحولِيَ جسمَ الهواء ... وأَعداهُ مِنْهُ نسيمٌ عَطِر فمنِّيَ مُعْتَبَرُ العاشقين ... ومن حُسْنِ معناه إحْدَى العِبَر ومن سَقَمِي وَسَنَا وجههِ ... أَريه السُّهَا وَيُرِيني القَمَر وقوله: أيها اللائمُ في الح ... بِّ لَحَاكَ اللهُ حَسْبي لستُ أَعصِي أبداً في ... طاعةِ العُذَّال قَلبي وقوله في العذار: وغزالٍ خَلَعْتُ قلبي عليه ... فهو بادٍ لأَعْيُنِ النُّظَّارِ قد أَرَانا بنفسَج الشَّعْر بَدْراً ... طالعاً من مَنَابِتِ الجُلّنَارِ وَقَدَتْ نارُ خَدِّهِ فسوادُ ... الشَّعْرِ فيه دخانُ تلك النار وله يفترُّ ذ١اكَ الثغرُ عن ريقهِ ... درَّ حَبَابٍ فَوْقَ جِرْيالِ ونونُ مِسْكِ الصُّدْغِ قد أُعْجِمَتْ ... بنقطةٍ من عَنْبَر الخال وقوله: وغزالٍ أَبْدَى لنا اللهُ من بُسْ ... تَانِ خَدَّيْهِ في الحياةِ الجِنانا قد أَرانا قدًّا وخدًّا وصدغاً ... وعذاراً وناظراً فَتَّانا غُصُناً يحمل البنفسجَ والنر ... جسَ والجلّنارَ والرَّيْحَانا وله في غلام لبس في عاشوراء ثوب صوف: أيا شادناً قد لاحَ في زِيِّ ناسكِ ... فباحَ بمكنونِ الهوى كلُّ ماسِكِ رويدَكَ قد أَعْجَزْتَ ما يُعْجِزُ الظُّبا ... وأَضْرَمْتَ نيرانَ الجوى المُتَدَارِكِ أَنَحْنُ فتكنا بابنِ بنتِ مُحَمَّدٍ ... فتثأرَ مِنَّا بالجفونِ الفَوَاتِكِ وقوله في المجون: لي شادنٌ هو أَدْنى ... إليَّ مُذْ كَانَ مِنِّي فقد تعجَّلْتُ قبلَ الممات ... جَنَّةَ عَدْنِ به تَعَفَفَّتُ عَمَّا ... يُصِمُّ بالعَذْلِ أُذْني لأنّهُ صانَ عرضي ... عن أَنْ أَلُوطَ وأَزْني وزادني فيه حُبّاً ... وصفٌ يطابق فَنِّي لم يَتَّسِعْ خَرْقُهُ لي ... كلاَّ ولا ضاقَ عني فحلْقَةُ الظهرِ منه ... صِيغَتْ لإصْبَعِ بَطْني وقوله في مثل ذلك: كثيبُ رملٍ فَوْقَهُ صَعْدَةٌ ... من فوقها بدرُ تمامٍ أَطَلْ إنْ كان من سَوَّاكَ لا عابثاً ... فأَنْتَ مَخْلُوقٌ لِذَاكَ العَمَلْ ولم يَكُنْ رِدْفُكَ دِعْصَ النَّقَا ... إلاَّ لأَنْ تُرْكَزَ فيه الأَسَلْ وقوله: زمانٌ يُخَلِّطُ في فعلِهِ ... كأَنَّ بهِ سَكْرَةَ العاشق وخَلْقٌ إذا ما تَأَمّلْتَهُمْ ... جحدَتَ بهم حكمة الخالقِ وقوله: عدا طَوْرَهُ حُمقاً وادَّعَى ... فخاراً وقد جَحَدَتْهُ المعالي وقالَ ألَمْ أَبْلُغِ الفرقدين ... فقلتُ بلى بقرونٍ طوال وقوله في أبخر:
следующие страницы →