← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يَسْحبُ أذيالَ عُلاً ... لغيره لم تُنْسَج من دوحةٍ قال لها ... اللهُ إلى الأُفْق اعرُجي مانحُ ما نرجوه بَلْ ... فاتحُ كلِّ مُرْتَج كم كاهلٍ من العدا ... هدَّ وكمْ من ثَبَج حسامُهُ يَشُقُّ ثو ... بَ نَفْعهِ المُنْتَسَج يَنْثُر بالسيف الطُّلاَ ... كاللؤْلُؤ المُدَحْرَج ينظم بالنظم الكُلَى ... نَظْمَ الجُمانِ المُزْوَج تَلْقَاهُ فرداً حاسراً ... كالجحفل المُدَجَّج وثابتاً في حيثُ لا ... يبصرُ مَنْ لمْ يُزْعَج لرأيه في حِنْدسِ ... الخَطْب ضياءُ السُّرُج فيا له من خائضٍ ... بحرَ ردىً مُلَجَّجِ رِئْبالُ غابٍ لم يُرَعْ ... يوماً ولم يُهَجْهَج ما في قناةِ الملك مُذْ ... ثَقَّفَهَا من عوجِ يَأْوِي الورى من ظِلَّهِ ... إلى ظليلٍ سَجْسَج بابُ جمالِ الدينِ أَضْحى ... ملجأً لِمُلْتَجِ إذا ذكرنا مَدْحَهُ ... هَبَّ نسيمُ الأَرَج فيا له من مُغْرَمٍ ... ببذلِ جودٍ لَهِجِ ليس على عاذِلِهِ ... في البذلِ بالمنعرِج فمن يَقِسْ بفضلهِ ... فضلَ سواه يحْرَج ما الآسُ كالضَّالِ ولا ... الوردُ كمثلِ العَوْسَج ولا خلاصُ العسجدِ ال ... أبريز مثلُ البَهْرَج يا كعبةِ الجود التي ... لغيرها لم نَحْجُجِ فَتَقْتَ لي معانياً ... في الفكر لم تَخْتَلج فاسْتَغْرَقَتْ دوائرَ ... الطويل ثُمَّ الهَزَج والله ما ذو حاجةٍ ... مِنِّي لكم بأَحْوَج دُمْ عِصْمةً لخائفٍ ... ونعمةً لِمُرْتَج وقوله: أَنَا مفتونٌ بمن لم أَسْتَفِدْ ... منه ما أَرجو كَعُبَّادِ الوَثَنْ عَجَبي من روضةٍ في وَجْهه ... نُورُها باقٍ على مرِّ الزمن تَجْمَعُ الأَضْدَادَ لكنْ كُلُّهَا ... كاملٌ في فَنِّه حلوٌ حَسَنْ فيه شمسٌ تحت ليلٍ كُلَّما ... أشرقتْ تلك دَجَا هذا وَجَنّ وضرامٌ فوق نارٍ راكدٌ ... ذاك لم يُطْفَ وهذا ما سَخَنْ وقضيبٌ في كثيبٍ أَفْرَطَا ... ذاك في الضَّعْفِ وهذا في السِّمَنْ سُنَّةُ الآدابِ عِشْقٌ وتُقىً ... فإذا كنت أديباً فاسْتَنِنْ إن في الحبِّ فنوناً خَفِيَتْ ... لم تَلُحْ إلا لأَرْبابِ الفِطَنْ يَشْحَذُ الأَفْهامَ بالشوقِ كما ... يَشْحذُ المُدْيَةَ والسيفَ المِسَنْ وبه يغدُو جبانٌ بطلاً ... وبه يُحْسَبُ ذو العِيِّ لَسِنْ ومنها في المديح: يبتدي بالجود مَنْ يقصِدُهُ ... فإذا ما حازه قال تَمَنْ نائلٌ أَحْلَى من المَنِّ وما ... أَعْذَبَ المنَّ الذي ما فيه مَنْ وقوله في غلام وراق: يا عاذلي كُفَّ فإِني امرؤٌ ... أَضْحَى سليماً ما لَهُ راقِ قد زَرَعَ الحسنُ بروضِ الهوَى ... غُصْناً له من مَدْمَعِي سَاقِ فكيف يَذْوِي عودُ عشقي وقدْ ... أَوْرَقَ في الحبِّ بِوَرَّاقِ وقوله في قواس: قِسِيُّ حواجبِ القَوَاسِ عنها ... سهامُ اللحظ في المُهَجَاتِ تُرْمَى فكمْ من عاشقٍ جَرَحَتْهُ جَرْحاً ... بأَنْصُلِها ولكنْ ليسَ تَدْمَى وقوله: لا تعجبوا إنْ رقَّ لي هاجري ... من أَجْلِ ما وافاه من عَتْبي فالماءُ لا يُنْكَرُ تأثيرُه ... في الصخرِ، كيفَ القولُ في القلْب وقوله فيمن جاءه سهم في وجهه وهو ابن الجمل:

стр. 702

قد قلتُ إذ قالوا المُعَظَّمُ ... جاءَهُ في الوجهِ سَهْمُ عَجَبي لذاك البدرِ منهُ ... كيفَ أَثَّرَ فيه نَجْمُ وقوله يهجو: ومشتهَرٍ بالبخلِ غاوٍ بلؤمه ... على يده قُفْلٌ منيعٌ وأَغْلاَقُ إذا زُرْتُهُ يَزْوَرُّ منِّي تَبَرُّماً ... فلا هو مسرورٌ ولا أنا مشتاقُ من الشَّجَرِ الملعونِ لا وَرَقٌ به ... ولا ثَمَرٌ، عُقباهُ نارٌ وإحراق وقوله في أحدب: انْظُرْ إلى الأَحْدَبِ مَعْ عِرْسِهِ ... وَهْيَ على الجبهة مبطوحَهْ كأنَّهُ لما عَلاَ ظَهْرَها ... فارةُ نَجَّارٍ على شُوحَهْ وقوله في مدح الأمير عز الدين موسك: كلُّ الأنامِ عبيدٌ ... لموسَكٍ نَجْلِ جَكُّو لدينِ أَحمدَ منه ... عزٌّ وللذلِّ شِرْكُ في الحربِ والسَّلْمِ منه ... زان البسالةَ نُسْكُ نوالُ كَفَّيْهِ بحرٌ ... آمالنا فيه فُلْكُ طيبُ الثناءِ عليه ... كأنما هو مِسْكُ دُرُّ المعاني بمدحي ... فيه له اللفظ سِلْكُ له أَقَرَّ بعزْمٍ ... في الحربِ عُرْبٌ وتُرْك فَسَلْبُهُ، روحَ طاغٍ ... طَغَى، تحاماهُ تَرْك حسامُهُ لم يُفارِقْهُ ... إن تجرَّد سَفْكُ يُواصلُ النَّصْرَ منه ... لما تزايدَ بَتْكُ وفي الفرنج سُطاهُ ... ما فاتها قطُّ فَتْكُ يا ماجداً رزقُ راجيهِ ... من عطاياهُ يَزْكُو لا زلتَ خيرَ مليكٍ ... به يُشَرَّفُ مُلْكُ ما أَسكنَ الجزمُ حَرْفاً ... به تَحَرَّكَ فَكُّ وقوله في بعض النحاة: ما حَسَدُ الخاسرِ للرابحِ ... ونظرةُ المذبوحِ للذابحِ أصعبُ في الأَنفسِ في عَصْرِنا ... من نظرةِ الممدوح للمادح هذا وقد أعطاهُ من مدحه ... تذلُّلُ المُذْنِبِ للصالح يُعطى ولا يَشكرُ بعد الأذى ... فالويلُ للمَمنُوحِ والمانح وقوله في منعوت بالزكي تولى الزكاة: واحَسْرَتاهُ على الثَّقاتِ ... جُعِلَ الزكيُّ على الزكاةِ وَهُوَ الذي لخيانةٍ ... أبداً يُعَدُّ من الجناة ومتى تأمَّلَ درهماً ... في الجوِّ صارَ من البُزَاةِ وقوله من قصيدة يشكو فيها حاله: قلمُ الفصاحةِ في يدي لكنني ... قد خانني دَرَجُ الحظوظِ المُلْصَقُ ومن العجائبِ أَنَّ نفسي وَسَّعَتْ ... في هِمَّتِي ومجال رزقي ضَيِّقُ عارٌ على الأيام خيبةُ شاعرٍ ... من حظه وهو المُجيدُ المُفْلِقُ أَنفاسُهُ مُتَفَتِّحٌ نُوَّارُهَا ... لكن على الأرزاق بابٌ مُغْلَقُ كَثُرَتْ محاسِنُهُ وقلَّ نظيرُهُ ... ونُضَارُهُ فهو الغنيُّ المُمْلِق من فاتَهُ النصرُ العزيز بملتقى ... الفئتين لا يُجْدِي عليه الفَيْلَق فانظرْ إِليَّ بعينِ مجدك نظرةً ... فلعلَّ محرومَ المطامع يُرْزَقُ طَيْرُ الرجاءِ إلى العَلاء مُحَلِّقٌ ... وأَظُنَّهُ سيعود وهو مُخَلَّقُ وقوله في غلام مغنٍ اسمه مرتضى: لِمُرْتَضَى مَعْبَدٌ عَبْدٌ إذا صَدَرَتْ ... أصواتُهُ عنه في النادي بتغريد قد غاضَ طوفانُ هَمِّي حين أَسْمَعني ... أَلحانَهُ فاستوى قلبي على الجُودِي وقوله يمدح كحالاً: إذا اشتكى الطَّرْفُ ضُرّاً من تأَلُّمِهِ ... نَجَّتْهُ من رَمَدٍ مُرْدٍ مَرَاوِدُهْ يَشْفِيه من بَعْدِ ما أَشْفَى على تَلَفٍ ... إِشَافُهُ فلسان البُرْءِ حامدُهُ وقوله في كحال: لقد أَظْهَرْتَ من ضِدِّيْنِ أَمْراً ... يحارُ من التعجُّبِ فيه فكرُ

стр. 703

فبينَ النوم والأجفانِ حَرْبٌ ... وليس سوى المراود منك سُمْرُ فماءُ الجفن عند همولِ دمعي ... تضرَّمَ منه في عينيَّ جَمْر وقوله في الخمر: صَفْراءُ خالصةُ الفِرِنْدِ أَعَأدَها ... كالنصل من شمسِ الهَواجِرِ صَيْقَلُ شَعْشَعْتُها بيد المزاجِ ولم يَكُنْ ... من قبلها نارٌ بماءٍ تُشْعَل زُفَّتْ إلينا والسماءُ حديقةٌ ... والزَّهْرُ زَهْرٌ والمَجَرَّةُ جَدْوَلُ وقوله: الخندريسُ البابليَّهْ ... للناسِ أنواعُ البليَّهْ لاسيَّما لفتىً تُحَرِّكُ ... منه أَشواقاً خَفِيَّة وقوله فيمن طلب منه قمحاً فأعطاه شعيراًك طلبتُ من قوتِهِ قليلاً ... كَثَّرَ هَمِّي به انتظارُ ثم أَتى منه لي شعيرٌ ... دلَّ على أَنَّه حِمَار وقوله: تغيَّرَ حُسْنُ رأيك في السماح ... أَبِنْ لي أَمْ لَحَاكَ عليه لاحِ أَم التقصيرُ مني كان فيما ... خَصَصْتُكَ من ثنائي وامتداحي وقوله يصف طائراً أبيض طرف ذنبه أسود: وطائرٍ جازَ بالمطارِ لنا ... سوادُ قلبي بلونه اليَقَقِ كأنه الصبحُ فرَّ من فَرَقٍ ... فأمسكتْ ذيلَه يدُ الغَسَقِ وقوله في يوم مغيم بارد: يومٌ يُجَمِّدُ بَرْدُهُ الخمرا ... والطلُّ فيه يخمِدُ الجَمْرَا وتخالُ فيه ظُهْرَهُ سَحَراً ... وتخالُ فيه شَمْسَهُ بَدْرَا فكأنها خودٌ مُحَجَّبَةٌ ... تَخِذَتْ لها من غَيْمِها سِتْرا وكأنما رُمْنَا مُقَبَّلَها ... فرَنا إلينا طرفُها شزْرَا وقوله في الزهد: كن تَجَرَّيْتُ على الذنب ... وكم أَسْخَطْتُ ربي فَتُرَى تَمْحُو يدُ التو ... بةِ ما قد خطَّ ذنبي وقوله في شمس الدولة ملك اليمن: أيا شمسَ دولتِهِ البازغَهْ ... ويا نعمةَ الخالقِ السابغَهْ أَيا مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ حَصْرِ ما ... يجودُ به في الورى النابغهْ بسطتُ إليكَ يمينَ الرجاءِ ... وحاشاك من ردِّها فارِغَهْ وقوله في وصف الخمر: ومحجوبةٍ في الدَّنِّ قد كانتِ الأُلى ... قديماً أَعَدَّتْها لصرف هُمومِهَا يلوحُ من الكاساتِ ساطعُ نورِها ... كشمسٍ تبدتْ من فُتُوقِ غيومها ولستَ ترى إلا شعاعاً وإِنما ... يدلُّ عليها نَغْمَةٌ من نسيمها وقوله في مدح الأجل القاضي الفاضل: نائلُ الفاضلِ عنه قال لي ... منه ما تعدم جوداً في الوجودِ سيدٌ سادَ أُولي الفضلِ بما ... دونَهُ فيه نرى عبدَ الحميد ذو أَساطيرَ على الفورِ أَتَتْ ... أين من أسطرا دُرُّ العقود ذو يراعٍ قد رأيناه له ... في محاريبِ المعاني ذا سجود طالما أذهبَ عنا نُوَباً ... شابَ من أهوالها رأسُ الوليد ولهُ ثاقبُ رأْيٍ أبداً ... يمنحُ الأرواحَ أَمْواتَ اللحود فصلاحُ الدين ناداه كما ... كان بالطور كليمُ اللهِ نُودِي خَفَضَتْ أعداءَهُ سَطْوتهُ ... وهْو من عُظْمِ سُعودٍ في صُعودِ وقوله في تعزية: هذا سبيلُ الأوّلين ... نعَمْ وكلُّ الآخرينا لا بدَّ أن يجري القضا ... ءُ به سَخطْنا أوْ رضينا الموتُ قد قطعَ الأُصُو ... لَ فكيف نستبقي الغُصُونا وقوله في زكمة أقامت معه: جاءَت بها مُزْنةُ رأسي نَدًى ... لكنها باخلةٌ بالنَّفَسْ وقوله يحض على الصبر والسعي في طلب الرزق: أَلطافُ ربك في الضَّرّاءِ كامنةٌ ... فكنْ لغائبةِ السرّاءِ مُنْتَظِرَا فغايةُ الليل فجرٌ والسهادِ كرًى ... ومن أَجابَ دواعي صَبْرِه قَدَرَا وَرُبَّ منثورِ شملٍ عادَ مُنتظماً ... وغائبٍ يَئِسَتْهُ أَهْلُهُ حَضَرا

стр. 704

ورُبَّ راجٍ أَتاحَ الله بُغْيَتَهُ ... عفواً وغارسِ آمالٍ جَنَى الثمرا فاسحبْ ذيولَ السُّرَى في كلِّ حادثةٍ ... وخضْ بحارَ الدجى تلقَ المُنَى دُرَرَا لولا ملازمةُ السيرِ الحثيثِ لما ... كان الهلالُ له فوقَ السما قَمَرا وقوله: تسائلُ عمّا حلَّ بي وهْي أَعلَمُ ... وأُخْفي هَوَاها والدموعُ تُتَرْجِمُ ولستُ وإنْ أَبْدَتْ جفاءً وغلظةً ... إلى غيرها من ظُلْمِها أَتَظَلَّم وقد خالفتني في هوانا لِشِقْوَتي ... فأَدْنُو وتنأَى ثم أبكي وتَبْسِم وقوله في قواس: أَرَى القَوّاسَ نفَّقَ منه حُسْنٌ ... له بذوي الهوَى مقلوبُ قَوْسِ فلو حاولتُ وصفَ حُلاَهُ يوماً ... لأعجزني ولو كنتُ ابنَ أَوْسِ وقوله في مدح السديد الكاتب: ساد السديدُ ذوي الأقلام قاطبةً ... لما عَلَتْ في سماءِ المجد رُتْبَتُهُ بسهلِ معنًى كأنّ الماءَ رِقَّتُهُ ... وجزلِ لفظٍ كأنّ النارَ قُوَّتُه وله يصف دوحة تساقط نورها: ودوحةٍ من سَبَجٍ أرْضُها ... وزهرها الناصعُ من جَوْهَرِ كأنما الساقطُ منها بها ... يَنْثُرُ كافوراً على عَنْبَر أحمد بن بلال المعروف برنقلة كتبي من أهل مصر، أنشدني لنفسه في غلامٍ نصراني، يعرف بابن النحال: نحُولي من بني النحَّالِ بادٍ ... ببدرٍ لَقَّبُوه أَباسعيدِ تقلَّدَ بالصليبِ ومرَّ يَسْعَى ... إلى قُرْبانهِ في يومِ عيد ولاثَ بذلك الزُّنّارِ خَصْراً ... حَكَى في سُقْمِه جِسْمَ العميد سأَلْتُ وصالَهُ فأَبَى دلالاً ... ومرَّ عليَّ كالظبي الشَّرُودِ وقال إذا عشقتَ البدرَ فاقْنَعْ ... إليه بِرَعْيِ طَرْفِكَ مِن بَعِيد وله فيه: مَنْ مُنْصِفي وأبو سعيدٍ هاجري ... مَن مُنْقِذي وبوصله لا أَسْعَدُ رشأٌ أذَلَّ العالمين كمالُهُ ... فهُمُ له لولا المخافةُ سُجَّدُ وإذا تكلَّمَ خلتَ مَعْدِنَ جَوْهَرٍ ... من فيه منه مُنَثَّرٌ ومُنَضَّدُ يحيى بن سالم بن أبي حصينة من أهل مصر وجده من أهل المعرة بالشام، من نسب الشاعر المعروف. شابٌ لقيته باب الجامع بمصر بعد انقضاء صلاة الجمعة، فأعطاني رقعة، مكتوبٌ فيها من شعره ما أوردته، وهو: أنا الشجيُّ فما أُصْغي إلى العَذَلِ ... فقلْ لمن لامني ما للخليِّ وَلِي سلوتَ أنْتَ وصبري عزَّ مَطْلَبُهُ ... فعنْ غرامي بعدَ اليومِ لا تَسَل واقبَلْ فصِحّةُ أقوالي بلا مَهَلٍ ... من قبل أن تكسب الآثام من قِبَلي فالعَتْبُ مُنفَصِلٌ والوجدُ مُتَّصِلٌ ... كم بين مُنْفَصِلٍ عنِّي ومُتَّصِل وفي المخلص: وما تغزَّلْتُ أنِّي مُغْرَمٌ بهوًى ... لكنها سُنّةٌ في الشعرِ للأُوَلِ لأنَّني بك عزَّالدين مُفتَخِرٌ ... فما أَضِلُّ ولا أُعْزَى إلى الزَّلَلِ الأمجد بن فري ذكره ابن عثمان وقال: كهلٌ من أهل مصر شاعرٌ حسنٌ يحب لزوج التجنيس في الشعر وأكثر مقامه بمنية زفتا، أنشدني له من قصيدة: هو الحبُّ أَلْجَاني إِلى التائهِ الجاني ... وما كان من شاني هو الغادِرُ الشاني عدة من فضلاء الصعيد أبو الغمر الإسناوي محمد بن علي الهاشمي كان أشعر أهل زمانه وأفضل أقرانه، ذكره لي بعض الكتبيين من مصر، وأثنى عليه، وقال: توفي سنة سبع وأربعين؛ وأنشدني من شعره قوله: ألحاظُكُمْ تجرَحُنَا في الحَشَا ... ولحظُنَا يجرحكمْ في الخدودْ جُرْحٌ بجرحٍ فاجْعَلُوا ذا بذا ... فما الذي أَوْحَبَ جُرْحَ الصُّدُودْ وله يا أَهْلَ قوصَ غَزَالُكُمْ ... قد صادَ قلبي واقْتَنَصْ نَصَّ الحديثَ فشفَّنِي ... يا ويحَ قلبي وَقْتَ نَصْ

стр. 705

وأورده ابن الزبير في كتاب الجنان، وذكر من شعره قوله: طَرَقْتنِي تلومُ لما رَأَتْ في ... طَلَبِ الرزق للتذلل زُهْدِي هَبْكِ أَنِّي أَرْضى لنفسيَ بالكد ... يةِ يا هذه فَمِمَّنْ أُكَدِّي وقوله في الخمر: عذراءُ تَفْتَرُّ عن دُرٍ على ذَهَبٍ ... إذا صببتًَ بها ماءً على لَهَبِ وَافَى إليها سنانُ الماءِ يَطْعَنُها ... فاستلأَمَتْ زَرَداً من فِضَّةِ الحَبَبِ وقوله: أيا ليلةً زارَ فيها الحبيبُ ... ولم يكُ ذا موعدٍ يُنْتَظَرْ وخاضَ إليَّ سوادَ الدجى ... فيا ليتَ كان سوادَ البصر وطابَتْ ولكنْ ذممنا بها ... على طيبِ رياهُ نَشَْرَ الشجر وبتنا من الوصلِ في حُلَّةٍ ... مُطَرَّزَةٍ بالتقى والخَفَر وعَقْلي بها نَهْبُ سُكْرِ المُدام ... وسُكْرِ الرُّضَابِ وسُكْرِ الحَوَر وقد أَخجلَ البدرَ بدرُ الجبينِ ... وتاه على الليلِ ليلُ الشَّعَر وأَعدى نحولِيَ جسمَ الهواء ... وأَعداهُ مِنْهُ نسيمٌ عَطِر فمنِّيَ مُعْتَبَرُ العاشقين ... ومن حُسْنِ معناه إحْدَى العِبَر ومن سَقَمِي وَسَنَا وجههِ ... أَريه السُّهَا وَيُرِيني القَمَر وقوله: أيها اللائمُ في الح ... بِّ لَحَاكَ اللهُ حَسْبي لستُ أَعصِي أبداً في ... طاعةِ العُذَّال قَلبي وقوله في العذار: وغزالٍ خَلَعْتُ قلبي عليه ... فهو بادٍ لأَعْيُنِ النُّظَّارِ قد أَرَانا بنفسَج الشَّعْر بَدْراً ... طالعاً من مَنَابِتِ الجُلّنَارِ وَقَدَتْ نارُ خَدِّهِ فسوادُ ... الشَّعْرِ فيه دخانُ تلك النار وله يفترُّ ذ١اكَ الثغرُ عن ريقهِ ... درَّ حَبَابٍ فَوْقَ جِرْيالِ ونونُ مِسْكِ الصُّدْغِ قد أُعْجِمَتْ ... بنقطةٍ من عَنْبَر الخال وقوله: وغزالٍ أَبْدَى لنا اللهُ من بُسْ ... تَانِ خَدَّيْهِ في الحياةِ الجِنانا قد أَرانا قدًّا وخدًّا وصدغاً ... وعذاراً وناظراً فَتَّانا غُصُناً يحمل البنفسجَ والنر ... جسَ والجلّنارَ والرَّيْحَانا وله في غلام لبس في عاشوراء ثوب صوف: أيا شادناً قد لاحَ في زِيِّ ناسكِ ... فباحَ بمكنونِ الهوى كلُّ ماسِكِ رويدَكَ قد أَعْجَزْتَ ما يُعْجِزُ الظُّبا ... وأَضْرَمْتَ نيرانَ الجوى المُتَدَارِكِ أَنَحْنُ فتكنا بابنِ بنتِ مُحَمَّدٍ ... فتثأرَ مِنَّا بالجفونِ الفَوَاتِكِ وقوله في المجون: لي شادنٌ هو أَدْنى ... إليَّ مُذْ كَانَ مِنِّي فقد تعجَّلْتُ قبلَ الممات ... جَنَّةَ عَدْنِ به تَعَفَفَّتُ عَمَّا ... يُصِمُّ بالعَذْلِ أُذْني لأنّهُ صانَ عرضي ... عن أَنْ أَلُوطَ وأَزْني وزادني فيه حُبّاً ... وصفٌ يطابق فَنِّي لم يَتَّسِعْ خَرْقُهُ لي ... كلاَّ ولا ضاقَ عني فحلْقَةُ الظهرِ منه ... صِيغَتْ لإصْبَعِ بَطْني وقوله في مثل ذلك: كثيبُ رملٍ فَوْقَهُ صَعْدَةٌ ... من فوقها بدرُ تمامٍ أَطَلْ إنْ كان من سَوَّاكَ لا عابثاً ... فأَنْتَ مَخْلُوقٌ لِذَاكَ العَمَلْ ولم يَكُنْ رِدْفُكَ دِعْصَ النَّقَا ... إلاَّ لأَنْ تُرْكَزَ فيه الأَسَلْ وقوله: زمانٌ يُخَلِّطُ في فعلِهِ ... كأَنَّ بهِ سَكْرَةَ العاشق وخَلْقٌ إذا ما تَأَمّلْتَهُمْ ... جحدَتَ بهم حكمة الخالقِ وقوله: عدا طَوْرَهُ حُمقاً وادَّعَى ... فخاراً وقد جَحَدَتْهُ المعالي وقالَ ألَمْ أَبْلُغِ الفرقدين ... فقلتُ بلى بقرونٍ طوال وقوله في أبخر:

стр. 706

من مُجيري من أَبْخَرٍ شَفَتَاهُ ... لرياحِ الكنيفِ جَذَّابَتانِ وإذا ما ألفاظُهُ فَغَرَتْ فا ... هـ فويل الأُنوفِ والآذان تستجيرُ البنانَ هذِي من البُعْدِ ... وهذي تلوذُ بالأَرْدَانِ أبو الفرج سهل بن حسن الإسناوي ذكر الرشيد بن الزبير في مجموعه الذي ألفه سنة ثمان وخمسين أنه شاعرٌ معدود من مجيدي الشعراء. قال: وهو إلى أن نظمت هذا التعليق حيٌّ ولا أقول يرزق إذ كانت أبواب الرزق دونه مغلقة، وسبيل المعروف عليه مرتجة؛ وتوفي سنة سبعين. وأورد من شعره قوله في محمد بن شيبان: قالتْ أَرَاكَ عظيمَ الهمِّ قلتُ لها ... لا يعظُمُ الهمُّ حتى تَعْظُمَ الهِمَمُ وَصَمَّم الحيُّ في عذلي فقلتُ لَهُمْ ... عَنِّي إليكم فبي عَنْ عَذْلِكُمْ صَمَمُ إن الضراغمَ لا تَلْقَى فرائسَهَا ... حتى تُفَارِقَهَا الأَغْيالُ والأُجُمُ والهندوانيُّ لا يُحْوَى به شَرَفٌ ... حتى يُجَرَّدَ وهو الصارمُ الخَذِم لأَفْصِمَنَّ قُوَى إِبْلِي بِمُتَّصِلٍ ... من السُّرَى مُسْتَمرٍ ليسَ يَنْفَصِمُ سارَتْ ونَارَ الضحَى بالآلِ مختلطاً ... وأَدْلَجَتْ وظلامُ الليل مُرْتَكمُ حتى أَنَخْنَا بها من بعد ما فنيت ... سيراً بحيث أقام الجود والكرم لما بَدَتْ دارُهُ والركبُ يَقْصِدُها ... من كلِّ فَجٍ ظَنَنَّا أَنها حَرَم وَقِيلَ هذا ابن شيبانٍ أَمَامَكُمُ ... قَدٍ فقلنا أَلاذَ الناسَ كُلَّهُمُ غَمْرُ الندى والشَّذَا لولا توَقُّدُهُ ... لأَوْرَقَ الرمحُ في كفيه والقَلَمُ لو لم يكنْ في يديه غيرُ مُهْجَتِهِ ... أَفادَهَا قاصديه وهو مُحْتَشِمُ ومنها: تَقَدَّمَ الرائدُ الراعي على ثقةٍ ... بالخِصْبِ منك ولم تَعْلق بك التُّهَمُ لا مجدَ إلا وأنتمْ شاهدوه ولا ... فَرْعٌ من الفخر إلاّ أَصْلُهُ لَكُمُ بيتٌ تَقَدَّمَ قَبْلَ الدهر مَنْصِبُهُ ... ولم يُكَسِّبْهِ إلاَّ الجِدَّةَ القِدَمُ كأنهمْ وسعيرُ الحربِ مُضْرَمَةٌ ... أُسْدٌ ولكن رماحُ الخطِّ غِيلُهُمُ كالعاصفاتِ السوافي إنْ همُ حَمَلوا ... والشاهداتِ الرواسي إنْ همُ حلموا هذا بعينه قول ابن حجاج: والشاهدات الرواسي إن هم حَلُموا ... والعاصفاتُ السَّوَاري إن همُ جَهِلوا وأكثر الناس جوراً في عطائِهِمُ ... وأَعدلُ الناس أحكاماً إذا حَكَمُوا من كلِّ أَزْهَرَ في معروفهِ شَرَفٌ ... وكلِّ أَرْوَعَ في عِرْنينه شَمَمُ وله في كبير وقد غرق في النيل: إني جُعِلْتُ فداكا ... أَشْكو إليك أَخَاكا كأنَّما حَسِبَتْني ... أَمْواجُهُ من عُلاَكا فغرَّقَتْني كما قَدْ ... غَرِقْتُ في نُعْماكا القاضي الأنجب أبو الحسن علي بن الغمر الهاشمي شاب مقيمٌ بقوص، له بالأدب خصوص. أنشدني ابن عمٍ له من قصيدة له ليس فيها نقطة وهي: أَأَطاعَ مسمعُهُ الأَصمُّ مَلاَمَا ... أَمْ هل كَرَاه أَعَارَهُ إِلْمامَا كلاَّ وَأَحْوَرَ كالمهاةِ مُصَارِم ... كلٌّ أَطَاعَ له هَوَاهُ وَهَاما وَطَلاَ أَرَاكٍ ما عَدَاكَ صُدُودُهُ ... أَسْلاَكَ دعداً دَلُّهُ وَأُمَامَا وأَعَدَّ عام وِصاله لك ساعةً ... وأَعَدَّ ساعةَ صدِّهِ لك عاما مُرْدٍ سُلُوَّكَ واصلاً ومصارماً ... إِرداءَ صارمِ سِحْرِهِ الأَحْلاَمَا لولا مُكَحَّله الأَحَمُّ وسِحْرُه ... ودلالهُ لم أُعْطِهِ ما سَامَا أَمُحَرَِّّماً وَصْلاً أَراهُ مُحَلَّلاً ... ومُحَلِّلاً صَدًّا أَراه حَرَاما

стр. 707

أَو ما دَرَوْا لما رأَوْكَ مُحَكِّماً ... حَوَراً أَرَاهُ لَهُمْ أَعَدَّ حِمَاما هل سلَّ أَحْوَرُكَ الأَحَمُّ حُسَامَهُ ... أم سَلَّ مملوكُ الإمام حُسَاما مَلِكٌ رآهُ اللهُ أكرمَ عاملٍ ... عَمَلاً وأكرمَ سادةٍ أَعْمَاما ولحسمهِ داءَ العصاةِ أعَدَّهُ ... لهمُ حساماً ما رأَوْهُ كَهَاما عُمَراً دَعَوْهُ لِهَوْلِ مَطْلَعِه كما ... لكمالِ سُؤْدُدِهِ دَعَوْهُ عِصَاما سامٍ عُلاَهُ على السِّمَاكِ مَحَلُّهَا ... وأكلَّ حصرُ حدودِها الأوهاما وحُلاحِلٌ حُلْوٌ مُمِرٌّ حُوَّلٌ ... كالدهر صُوِّرَ واصلاً صَرَّاما حَسَدَ الأَكاسرُ لو رأوه مُلْكَهُ ... حَسَداً أَعَارَ صُدُورَهُمْ آلاما سهلٌ له عَسِرُ الأُمورِ وسَعْدُهُ ... المَحْروسُ أَدْرَكَ كلَّ أَمْرٍ رَاما وسُطَاه صارعةُ الأَسُودِ معاً وما ... عَلِمُوهُ أَعْمَلَ صارماً صَمْصَاما ولُهاهُ أَسْهَلُ ما أرَادَ مُؤَمِّلٌ ... وَعُلاه أَعْسَرُ ما أَراد مَرَاما راعَ الأسُودَ له مَصَالةُ مُصْطَلٍ ... لو رامَ حَطَّمَ هَوْلُهُ الأَعْلاَمَا ملأَ السهولَ مع الوعورِ صَوَاهِلاً ... وَصَوَارِماً وَعَواسلاً وَسِهامَا وملوكُ أَهْلِ الدهر أَكرمُ رَهْطِهِ ... أَرْداهم حَدُّ الحُسَامِ كِراما وهوَ المُصَرِّعُ كلَّ دارعِ لأَمَةٍ ... حَصْداءَ أُحْكِمَ سَرْدُهَا إِحْكَامَا ولكم رعالٍ هدَّ ساعةَ كَرِّهِ ... ومُعَسْكَرٍ عَدَد الرمالِ أَهامَا ولكمْ علومٍ ما أَطَاعَ مَرَامُهَا ال ... أَوْهامَ أُلْهِمَ سِرَّها إلهاما ولكم رَوَاسٍ حَطَّ عُصْمَ وعُولِهَا ... سِحْرٌ دعَاهُ حاسِدوهُ كَلاَمَا والمادحوهُ مَدْحُهُمْ مُهْدٍ له ... سُكْراً كما علَّ الكرامَ مداما كم آمل لك راحَ مأمولاً وكمْ ... أَمَلٍ أَراه حَوْلَ وُدِّكَ حَامَا وَكَلاكَ مَوْلاَكَ المُعِدُّكَ عُمْدَةً ... لهمُ كلاءَةَ عدلِكَ الإِسْلاَما بنو عرام شعراء الصعيد وشعرهم معسول من الصنعة مقبول الحلة. منهم: السيد أبو الحسن علي بن أحمد بن عرام الربعي شيخ من أهل الأدب مقيم بأسوان فوق قوص، ملك من الأدب الخلوص، ومن الشعر الخصوص، وعدم ظل فضله القلوص، وهجر في لزوم وطنه الرحل والقلوص. وسألت عنه بمصر سنة ثلاث وسبعين فقيل إنه حيٌّ في أسوان، وهو على حظه أسوان، وطلبت شعره فأحضر لي بعض أصدقائي من أهلها ديوانه، فوجدت عالياً في سماء السحر كيوانه، وجمعت شارد حسنه وألزمته صوانه، وغبطت عليه أسوانه، وجلوت بكر نظمه وعوانه، ووضعت لمأدبة أهل الأدب إخوانه خوانه، وأحضرت عليه ألوانه، فاحمد إذا حققت برهانه أوانه. وقد أوردت من جملة نظمه الفائق الرائق، ولفظه الرائع الشائق، ما إذا حسر سحر، وإذا أصحر أحصر، وإذا أنشد نشد ضالة الأماني، وإذا أقمر نور هالة المعاني، فلابن عرام في ميدان النظز عرام، وبابتكار المعاني الحسان غرام، ولرويته في إذكاء نار الذكاء ضرام، والملوك باصطناع أمثاله يقال لهم كرام، وكل سحرٍ وخمر سوى منسوج فدامه وممزوج مدامه حرام. اعجب، بحرٌ في الصعيد يقصد بالتيمم لمائه، ونجمٌ في صعود السعود لا يرتقى إلى سمائه. فمن ذلك أنه سأله ابن عمه أبو محمد هبة إجازة بيتٍ نظمه وهو: هذه آدُرُ الهَوَى والهواءِ ... وَمَحَلُّ الغرام والغُرَمَاءِ فقال: كم ليالٍ نَعِمْتُ فيها بِخَوْدٍ ... فاتتِ البدرَ في السَّنَا والسَّنَاءِ ذات جيدٍ كالريمِ حَلاَّهُ عِقْدٌ ... حَلَّ فيه بحلِّ عَقْدِ عَزَائي وترشَّفْتُ من رُضابٍ بَرُودٍ ... فاقَ طَعْمَ السُّلافَةِ الصَّهْبَاءِ

стр. 708

وتنزهتُ في رياضٍ حِسَانٍ ... غانياتٍ عَنْ صَوْبِ ماءِ السماء بَيْنَ وَرْدٍ وَنَرْجِسٍ وأَقَاحٍ ... ففؤادي مُقَسَّمُ الأَهْوَاء وله أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ سُعْدَى بأَني ... ظَمِئْتُ إلى مراشفها العِذَابِ فإني والمهيمنِ مُنْذُ بانَتْ ... رأيتُ الشَّوْقَ من أَلَم العَذَابِ وله حللتَ قلبي فعيني ... عليكَ تَحْسُدُ قَلْبَا فما أرَى البُعْدَ إِلاَّ ... قد زادني منكَ قُرْبَا وله أَغرَّكِ من قلبي انعطافٌ ورقَّةٌ ... عليكِ وأَنْ تَجْنِي فَلاَ أَتَجَنَّبُ فلا تأْمَني حلْمي على كلِّ هَفْوَةٍ ... ولا تحسبي أَنْ لَيْسَ لي عنكِ مَذْهَب وكيف وعندي فَضْلةٌ من جَلاَدَةٍ ... تُعَلِّمُ أَصْلاَدَ الصَّفَا كيفَ تَصْلُبُ وله كتبتُ ولو أَنَّني أَسْتَطيعُ ... من الشوق والوجدِ كنتُ الكتابا بحيثُ أَبُثُّكَ مِنِّي إليك ... حديثي وأَسْمَعُ مِنْكَ الجوابا وله تهنئة بمولود: قد أَطلعَ اللهُ لنا كوكباً ... أَضاءَ شرقَ الأرضِ والمغربا قادمُ سَعْدٍ يَقْتَضِي سَعْدُهُ ... سعادةَ الوالد إِذْ أَنْجَبَا والأَصْلُ إِنْ طابَ ثَرَى غَرْسِهِ ... أَنْبَتَتَ فَرْعاً مُثْمِراً طَيِّبا مَوْهِبَةٌ خصَّ بها اللهُ مَنْ ... أَصْبَحَ للنعمةِ مُسْتوْجِبَا فَدُمْ قريرَ العينِ حَتَّى تَرَى ... خَلْفَكَ من إِخوته مَوْكِبَا وله من قصيدة في عز الدين موسك النصري وكان والي قوص وأسوان بَلَغْتَ بِسَعْدِ الجدِّ أَسْنَى المراتبِ ... فناجِ إذا ما شئتَ زُهْرَ الكواكبِ ومنها: يُبيحون في سُبْلِ المكارمِ ما غَدَتْ ... تُبيحُهُمُ في الرَّوْعِ بيضُ القَضائبِ فآراؤهُمْ تكفي النصالَ نصالَهُمْ ... كما كُتْبُهُمْ تُغْنِي غَنَاءَ الكتائب ومنها: أقولُ لِمَمْنُوٍ برَيْبِ زمانهِ ... ومَن ظلَّ مَعْضوضاً بنابِ النَّوائب ومن أَخَذَتْ منه التَّنائفُ والسُّرَى ... فليس تراهُ غيرَ أَغْبَرَ شاحبِ عليكَ بعزِّ الدين فاستَذِرْ ظِلَّهُ ... ولُذْ بعزيزِ الجارِ رَحْبِ الجوانب إذا ظَمِئَتْ سُمْرُ الرماحِ بكفِّه ... سَقَاها فروّاها دماءَ الترائبِ ومنها: بأفعالكَ الحُسْنَى بَلغْتَ إلى العُلاَ ... وأَصبَحْتَ فَرْداً في اجتنابِ المعَايبِ فها أنتَ مَرْضِيُّ الشمائلِ ماجِدٌ ... كريمُ السجايا طيِّبٌ من أَطَايب قصدناكَ يا خيرَ الأَنامِ لنكبةٍ ... عرَت أَقْصَدَتْنا بالسهامِ الصوائب وقد وَثِقَتْ آمالُنَا أَنّ قَصْدَنَا ... جَنَابَكَ يا خيرَ الورى غَيْرُ خائب وقد عَلِقَتْ أَيْمَانُنَا منكَ ذِمَّةً ... وَقَتْنَا مُلِمَّاتِ الزمانِ المُغَالب وإن لم تَسَعْنَا منكَ عَطْفَةُ راحمٍ ... وإِلا فَقَدْ ضاقتْ فِجاجُ المَذَاهبِ ومنها: ودونَك معروفاً يُفيدك عاجلاً ... ثناءً ويَبْقَى أَجْرُهُ في العواقب وله من قطعة في مرض ممدوح: قد قلتُ ليت الشَّكَاةَ قَدْ نَزَلَتْ ... بِمُهْجَتي لا بأَوْحَدِ العَرَبِ ليستْ بِحُمَّى وإِنما اشْتَعَلَتْ ... نيرانُ فرطِ الذكاء باللهبِ قد خَلُصَ الجسمُ من أَذاه كما ... تَنْقَى بِسبكٍ خُلاَصةُ الذَّهَبِ وله من قصيدة في الأمير مبارك بن منقذ: همُ حَمَّلوا ثِقْلَ المغارمِ مَالَهُمْ ... وخَلَّوْهُ وَقْفاً بينهمْ لِلْمَنَاهِبِ صفائحُ في أَيديهمُ أَو صحائفٌ ... فهمْ بين كُتْبٍ تُقْتَنَى أَوْ كَتَائبِ هواهمْ على أنَّ المآربَ جَمَّةٌ ... صريرُ يراعٍ أَوْ صَليلُ قَوَاضِب

стр. 709

وجادوا بفضلٍ باهرٍ وفضائلٍ ... عَطاءَيْنِ من عِلْمٍ وَفَيْضِ مَوَاهب ومنها: مدحتك فاسمعْ من مديحيَ قَهْوةً ... تلذُّ لذي سمعٍ وَنَشْوَانَ شاربِ عليَّ امتداحي للكرام مناصباً ... فذلك أحلى من غناء الجنائب وله من أخرى: وَرِعٌ وَأَرْوَعُ باسلٌ ... عِنْدَ المَحَارِبِ والمُحَاربْ يَهَوى المعارِفَ لا المعا ... زِفَ والمشاعِرَ لا المشارِبْ سُمْرُ العوالي في العُلاَ ... تُلْهيه عن بيضِ الكواعب وله من قصيدة في الملك المعظم سلطان اليمن شمس الدولة توران شاه بن أيوب، وكانت بلاد الصعيد له من أخيه قبل اليمن، يصف فيها دمشق فإن الممدوح كان يعجبه ذلك: أرقتُ لبرقٍ في الدُّجُنَّةِ مشبوبِ ... ودمعِ سحابٍ ناشىءٍ منه مسكوبِ فَمِنْ قلبِ صبٍ لَفْحُهُ وَخُفُوقُهُ ... كما غَيْثُهُ مِنْ مَدْمَعٍ منه مصبوبِ ولم أَرَ ناراً من مياهٍ وَقُودُهَا ... أَلا إِنَّ هذا من فُنون الأعاجيب وبي جِنَّةٌ من ذكرِ جَنَّات جِلَّقٍ ... وَجَنَّةُ مُشْتَاقٍ وأَنَّةُ مَكْرُوبِ وفي شرف الوادي وفي النيربِ اغتدتْ ... مآربُ للغرِّ الكرامِ الأَعاريب فيا بَرَدى هل جُرْعَةٌ منك عَذْبَةٌ ... لتبريدِ حَرٍ في الجوانحِ مشبوب ويا نهرَ ثَوْرا قد أَثَرْتَ صَبَابةً ... لقلبٍ شجٍ من لوعةِ الحبِّ مَنْدُوبِ وهل لسراةِ الناسِ عِلْمٌ بأنني ... ظمئتُ إلى ماءٍ بباناسَ مَشْروبِ وها أنا مستسقٍ لِمزَّةَ مُزْنَةً ... كَفَتْها عُيونٌ مَدُّها من أَهاضيب ويا ذا الجلالِ احرس حَرَسْتَا فَحُسْنُها ... شفاءٌ لمهمومٍ وداٌ لمطبوب ودومةُ دامَ العيشُ حلواً بربعها ... وواهاً له لو أنه غيرُ مسلوب وفي برزةٍ مكحولةُ الطرفِ بَرْزَةٌ ... تُصَبِّرُني للوجد منها، وتُغْرى بي ويا حسنَ ولدانٍ تَرَامُوْا بطابةٍ ... فمن غالبٍ عند النضالِ وَمَغْلُوبِ وَدِدْتُ حُلولي في رياضكِ حَلَّةً ... وهيهاتَ أين الشامُ من بلدِ النُّوبِ بنفسيَ من تَجْنِي وأَحْمِلُ عَتْبَها ... وَيَعْذُبُ عَيْشي في هواها بِتَعْذِيبي كظبيٍ يصيدُ الليث قَمْراً فيغتدي ... من الرُّعْبِ مأسوراً بفتكةِ رعبوب لئن قَصَّرتْ بالقصرِ عما أَلِفْتُهُ ... وقد كنتُ عنها قَبْلَها غير محجوب فقد جَسَرَتْ بالجسرِ وهي جَبَانةٌ ... وزارت بليلٍ أَسودِ اللونِ غِرْبيبِ نَعِمْتُ بها في جَنَّةٍ عُجِّلَتْ لنا ... بِجِلَّقَ إِذْ لَهْوِي بها غيرُ مَقْضُوبِ مغانٍ غوانٍ من عيونٍ بسفحها ... وقيعانِها عن ساجمِ الغيثِ شُؤْبوب بنفسجَهُا غَضٌّ يخالِطُ زُرْقَةً ... كآثارِ عضٍ قد عَلاَ خَدَّ مَحْبوبِ ونَرْجِسُها المبثوثُ فيها كأَعْينٍ ... بَدَتْ فاتراتٍ من خَصَاصةِ تَنْقيب وقد غَرَّدَتْ أَطيارُهَأ فكأنّها ... قِيانٌ يُرَجِّعْنَ اللحُونَ بتطريب رياضٌ نضيراتٌ تَرفُّ كأَنّها ... سَقَاها فَرَوَّاها بَنَانُ ابنِ أَيُّوبِ ومنها يصف وصولهم إلى مصر حين نزل الفرنج عليها: ولما دُعُوا من مِصرَ لَبُّوا دعاءَنا ... على كلِّ نَهْدٍ لَيِّنِ العُنْقِ يَعْبُوبِ فأردَى كماةَ الروم شدَّةُ بَطْشِهِمْ ... فهم بين مطلولِ الدماءِ ومطلوب فلستَ ترى في عصبةِ الشركِ حاملاً ... صليباً ولا عِلْجاً لهم غيرَ مَصْلوب وحسبهمُ ذاكَ الطعانُ الذي غَدَتْ ... بهم قِصَداً فيهم صدورُ الأنابيب وظلَّ عميدُ الرومِ من حَذَرِ الرَّدَى ... يَؤُمُّ طريقاً بينهم غيرَ ملحوب

стр. 710

ونَكَّبَ عن مصرٍ وَوَلَّى بمَنْكَبٍ ... جريحٍ بأنيابِ النوائبِ مَنْكُوبِ وقد كادَ دينُ اللهِ يَخْفتُ نُورُهُ ... ويُرْمَى بتبديلٍ وشيكٍ وتقليب فحصَّنْتُمُوهُ بالأَسِنَّةِ والظُّبَا ... وتصعيدِ آراءٍ كَفَتْهُ وتَصْويب فلست ترى إِلا مَحَاريبَ في وغى ... حَمَوْا بيضةَ الإسلامِ أَوْفى مَحَاريبِ ومنها: وما المُلْكُ إلا لائقٌ بأَخيكُمُ ... وغارِبُهُ إِلاّ لَهُ غيرُ مَرْكوبِ أنتم نجومٌ وهو كالشمسِ ضَوْءُها ... مَلِيٌّ بتَشْرِيقٍ يَعُمُّ وتغريب أَيُوسفَ مصرٍ إنما أَنْتَ يوسُفٌ ... فأَنْتَ ابنُ أَيُّوبٍ وذاكَ ابنُ يعقوب وما بَرِحَتْ مصرٌ قديماً حُمَاتُها ... ببعثٍ من القُطْرِ الشآميِّ مَجْلوبِ وله لو كنتُ أَعْلَمُ أنني ... أَلقى لبُعدكِ ما لقيتُ لأَقَمْتُ عندكِ ما بقيتِ ... على الحياةِ وما بقيتُ فلئن نَعِمْتُ بقرْبكمْ ... فبِنأْيِكُمْ عَنِّي شَقِيتُ وله إذا ساءَ خُلْقُ كَريمِ الرجالِ ... لضيقٍ من الحالِ أَو نكبةِ فإني مليءٌ بصبرٍ جميلٍ ... يُحَسِّنُ في عُسْرَتي عِشْرَتي وله في الهجو: شاعرُنا ذو لحيةٍ ... قد عَرَضَتْ وانفَسَحَتْ لحيةُ تيسٍ صَلُحَتْ ... لِفَقْحَةٍ قد سَلَحَتْ وله قد طوىَ بعدَ أَرْضِكم سُوقَ شوقٍ ... ظلَّ للقلبِ مُزْعِجاً مُسْتَحِثَّا وَرَمَى بي فجاجَ كلِّ فلاةٍ ... جُبْتُ حَزْناً مِنْكُمْ إليه وَوَعْثَا وله قصيدة يرثي بها بعض العلويين: مَوْرِدُ الموتِ واضحُ المنهاجِ ... ليس حيٌّ من الحِمَامِ بناجِ وسواءٌ لديه ثاوٍ بِقَفْرٍ ... أوْ بقصر مُشَيَّدِ الأَبراجِ ومنها: إنما هذه الحياةُ غُرورٌ ... كسرابٍ بدا لنا في فِجَاجِ تُتْبِعُ الحلوَ مَن جَنَى عَيْشِها الحُلْوِ ... بِمُرٍ من الرزايا أُجَاج نحنُ فيها كمثلِ ركبٍ أَناخوا ... ساعةً ثم أُرْهِقوا بانزعاج وله يعتذر من الهجو: أُحْوِجْتُ في رَقْمِ أَهاجيهمُ ... واللومُ مصروفٌ لمن هاجَهَا لو لم يكنْ تقبيحُهُمْ زائداً ... لكنتُ قد عَفَّيْتُ منهاجَها وله إني وإِن كنتُ أَمْضَي ... من الظُّبَا والرِّماحِ فالحبُّ أَنَفذُ منِّي ... يا صاحِ في الأرْواحِ وله من قصيدة أولها: الوَجْدُ للدنفِ المُعَنَّى فاضحُ ... ودليلُهُ بادٍ عليه وَوَاضِحُ كيفَ السبيلُ له إلى كِتْمانِه ... والدمعُ والسَّقَمُ المُبَرِّحُ بارحُ إن يُمْسِ قلبي وهو صبٌّ نازحٌ ... فلأنّ من يهواهُ عنهُ نازحُ فجوارحي وجداً عليه جَرِيحةٌ ... وجوانحي شَوْقاً إليهِ جَوَانح وله من قصيدة في مدح الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب أخي الملك الناصر يصف عصيان المعروف بالكنز: فأيْنَ يَنْجُو هائبٌ هارِبٌ ... من نكبةٍ شنعاءَ ذاتِ اجتياحْ أَنَّى وظهرُ الأرضِ مَعْ بطنها ... لناصرِ الإِسلامِ في بَطْنِ راحْ وله من قصيدة: وإذا انتَضَى سيفاً هناك فنصلُهُ ... في غِمْدِ ثَجَّاجٍ من الدم مُزْبِدِ وكأنما هو مُغْمَدٌ في هامِهِمْ ... فلذاك يُلْفَى الدهرَ غيرَ مُجَرَّد وله من قصيدة في ابن عين الزمان: يزيدُ ضياءُ الحسنِ من أَلْمَعِيَّةٍ ... مصادِرُ ما تأتيه قبلَ الموارد ومنها: فإن ينقرضْ عيْنُ الزمانِ فإنه ... لإنسانِ تلك العينِ عينُ المُشاهدِ وله من قصيدة: كريمٌ عليمٌ فهو يَلْقَى مديحه ... ومادِحَهُ في الناس بالنَّقْدِ والنقدِ ترى الخيرَ طبعاً في علاه عزيمةً ... فهل كان مَهْدِيًّا لذاك من المَهْدِ

стр. 711

وله من قصيدة تنشد على المقابر أولها: الرَّدَى للأَنامِ بالمرصادِ ... كلُّ حيٍ منه على مِيعادِ كيفَ يُرْجَى ثباتُ أَمْرِ زمانٍ ... هو جارٍ طبعاً على الأَضداد فإذا سرَّ ساءَ حتماً وَيَقْضِي ... بوُجودٍ إلى بِلىً ونَفَادِ ومنها: نحنُ في هذه الحياة كَسَفْرٍ ... ربما أُعْجلوا عن الإرْوادِ عَرَّسُوا ساعةً بها ثم نادى ... بالرحيلِ المجدِّ فيهمْ مُناد كم أَبٍ والِهٍ بثُكْلِ بَنيهِ ... كم يَتيمٍ فينا من الأوْلادِ فعَلامَ المُشاجَرَاتُ وفيما ... ولماذا تحاسدُ الحُسَّادِ يَدَّعي المرءُ إرْثَ أَرْضٍ وَدارٍ ... سَفَهاً غيرَ لائقٍ بالسَّدادِ وهو مَوْرُوثُها إذا كان يَبْقى ... وهي تَبْقَى على مدى الآباد وقُصَاراهُ أن يُشَيَّعَ مَحْمُو ... لاً بأكْفانِه على الأَعوادِ وإذا الأَهْلُ والأَقارِبُ والأَحْسَابُ ... راحوا فأنتَ في الإثْرِ غاد فالقبورُ البيوتُ مَضْجَعُنا فيها ... وما إنْ سِوَى الثَّرى من وِساد ومنها: كم أَحالَ البِلَى إليه قديماً ... جَسَداً ناعماً من الأجْسادِ شاهدُ الموتِ لائحٌ في جبين ... الحَيِّ منا في ساعةِ الميلاد وله في ضمن كتاب: وماذا عليه لو أَجابَ بلفظةٍ ... ولم يُلْهِهِ عن ذاك سَعْدٌ ولا سُعْدَى غرامٌ لهُ مَا بينَ بطنٍ لهذه ... وظهرٍ لذا أَنْسَى الصَّدَاقَةَ والوُدَّا وله في الهجو: عناصرُ الإِنسان من أربعٍ ... وخالدٌ عُنْصُرُهُ واحدُ فمن كثيفِ الأَرْضِ تكوينُهُ ... فَهْوَ ثَقِيلٌ يابسٌ باردُ وله من رجز في الحكمة: من لم يَمُتْ في يومهِ مات غَدَهْ ... لا بُدَّ مِنْ مَنْهَلِهِ أَنْ يَرِدَهْ ومنها: من تَخِذَ العلمَ خَدِيناً عَضَّدَهْ ... وحاطَه في دينه وأَيَّدَهْ فأَْنَسْ بهِ تُكْفَ شُرورَ الحَسَدهْ ... وَبِنْ من الناسِ وَكُنْ على حِدَهْ وَدَعْ لهم دنياهُمُ المُسْتَعْبِدَهْ ... حاجزةً عن الرشاد مُبْعِدَهْ دونكَ فعلَ الخير فاسلُكْ مَقْصِدَهْ ... مَنْ عَرَفَ اللهَ يقيناً عَبَدَهْ وله في الأمير مبارك بن منقذ من قصيدة: لجأْتُ إِلى خير الأَنام ابنِ مُنْقِذِ ... ليصبحَ من أَسْرِ الحوادثِ مُنْقِذِي ولذتُ بِحُرٍ في الأَنامِ مُنَجَّدٍ ... بصيرٍ خبيرٍ بالأَنامِ مُنَجَّذِ أَقُولُ لنفسي إِن تداني مَزَارُهُ ... خذي ذِمَّةً منه لنائبة خُذِي وله من قصيدة: قد قُلْتُ للمُجْرى إِلى مضمارِهِ ... والمجدُ نَهْجٌ صَعْبَةٌ أَوْعَارُهُ مما يَشُقُّ لحاقُ شَهْمٍ سابقٍ ... فإِليكَ عَمَّنْ لا يُشَقُّ غُبَارُه بَشَرٌ تَحَلَّتْ بالفضائلِ نَفْسُهُ ... قَمَرٌ تَجَلَّتْ للورى أَنْوَارُه وله من قصيدة أخرى: يُغْضِي عن الزَّلَّةِ حتى يُرَى ... كأَنَّهُ من حِلْمِهِ ما دَرَى ذو قلَمٍ يَرْقُمُ ما شاءَهُ ... إنشاؤُهُ فهو كبرقٍ سَرَى كأنما القرطاسُ في كَفِّهِ ... أُودِعَ من أَلْفَاظِهِ جَوْهَرا ومنها: دُونَكَ من عَبْدِكَ مدحاً غَدَا ... قَدْرُكَ من مِقْدَارِهِ أَكْبَرا فاصفحْ عن الهفوةِ في نُطْقِهِ ... إذا تصفَّحْتَ الذي حُبِّرَا وله من قصيدة: وما الحظُّ منقوصاً بقوصٍ وإنها ... أَجلُّ محطٍ للغريبِ وللسَّفْرِ وأْسنى بلادِ الله إِسْنا لساكنٍ ... وخيرٌ من الكلِّ الرحيلُ إلى مصر فلستُ على أَسْوان أَسوانَ بعدها ... وما أنا مجرٍ ذِكْرَهَا لي على فِكْرِ فلا بارك الرحمنُ فيمن أَزاحني ... عن الظلِّ والماءِ الزُّلالِ الذي يجري

стр. 712

مَقيلٌ ولكن أينَ مِنِّيَ ظِلُّهُ ... وسُقْيا ولكنِّي بعيدٌ عن القطر وله من قصيدة في مرثية أبي محمد هبة الله بن علي بن عرام وكان شاعراً مجيداً: مَنْ لسودِ الخطوب غَيْرُكَ يُجْلِيهَا ... وقد غابَ منك بَدْرٌ منيرُ من يحوكُ القريضَ مِثْلكَ يُسْدِيه ... على خِبْرةٍ به وَيُنِيرُ ليس في العيشِ بَعْدَ فقْدِك خَيْرٌ ... حَبَّذَا وافدُ الردى لو يَزُور كان ظنِّي إذا المنايا انْتَحَتْنَا ... أَنَّني أَوَّلٌ وأَنْتَ أخير خانني الدهرُ فيه آمَنَ ما كنتُ ... عليه وعَزَّني المَقْدُورُ كيف لي بالسلوِّ عنه وَطَيُّ ... القلبِ من فَقْدِهِ جَوًى مَنْشُور فسقى قبرَهث نداه فَفِيهِ ... لثراهُ غِنًى وَرِيٌّ غَزِيرُ وله بيت مفرد: أَنْحَلَني بُعْدِيَ عَنْها فَقَدْ ... صِرْتُ كأني دِقَّةً خَصْرُهَا فعمل ابن عمه أبو محمد أبياتاً، وأتبعه تضميناً، فقال: وقائلٍ عهدي بهذا الفتى ... كروضةٍ مُقْتَبِلٍ زَهْرُهَا واليومَ أَضْحَى ناحلاً جِسْمُهُ ... بحالةٍ قد رابني أَمْرُها فقلتُ إذ ذاك مجيباً له ... والعينُ مِنِّي قد وَهَى دُرُّها أَنْحَلَنِي بُعْدِيَ عنها فَقَدْ ... صِرْتُ كأَنِّي دِقَّةً خَصْرُهَا وله في الحكمة: وما المرءُ إِلاَّ من وَقَي الذمَّ عِرْضَهُ ... وعزَّ فلا ذامٌ لديه ولا غِشُّ وليس بمن يرضى الدناءَةَ والخَنا ... طِباعاً ولا مَنْ دأْبُهُ الهُجْرُ والفُحْشُ وله من قطعة: أَسَعْدَ الدين قد نَشَأَتْ سَحَابٌ ... بِوَعْدِكَ والمُراد هو الرَّشَاشُ فما بالغيمِ لي نَقْعٌ ولكن ... بفيضِ الغَيْث قد يَرْوَى العِطَاشُ فلم أَقْصِدْكَ دونَ الناس إلا ... رجاءً أَنْ يكونَ بك انتعاشُ ومنها: وكم جَازَ القِفَارَ إِليكَ عَبْدٌ ... يُؤَمِّلُ أَنْ يكونَ بكَ انتياش وأوْفَى من بلادٍ شاسعاتٍ ... يضيقُ بها لساكنها المَعَاشُ فَآمَنَهُ الزمانُ فقد قَصَدّى ... له وأَصَابَهُ منهُ خِدَاش وكم حصَّ الزمانُ جناحَ قَوْمٍ ... ولكنَّ الكرامَ رَعَوْا فَرَاشُوا وله من قصيدة: قَمَرٌ ولكنْ في الغناءِ تخالُها ... قُمْرِيَّةً قد غَرَّدَتْ برياضِ والخدُّ وَرْدٌ والبنفسجُ فَوْقَهُ ... آثارُ تقبيلٍ ببعضِ عِضَاضِ كَانَ السرورُ بها فلما أَنْ نَأْتْ ... ذَهَبَ السرورُ وكلُّ آتٍ ماضِ وله كَرِهْتُمْ مُقامي فارتحلتُ ولم يكُنْ ... مَسِيرِيَ عنكم لا مَلاَلاً ولا بُغْضَا ولو قد صَبَرْتم فرَّقَ الدهرُ بَيْنَنا ... بِموتٍ إلى أن لا يَرَى بعضُنا بَعضا وله تحقَّقَ صِدْقُ الودِّ مني وصَفْوهُ ... فأصبَحَ ذا حُكْمٍ على القلبِ مُشتَطِّ وأَعْرَضَ إعراضَ المُدِلِّ بنفسِهِ ... وتاهَ بأن أَعطى من الحُسْنِ ما أَعْطِي وله من كلمة في الهجو: يا سائراً في غير نَهْجِ التُّقَى ... وسادراً في غَيِّهِ خابِطَا ومنها: فَحْلٌ كما يَزْعُمُ لكِنّهُ ... بالدُّبْرِ للمُرْدِ غدا لائطا وله أَغيٌّ وقد لاحَ المشيبُ بعارضي ... وفيه لَعَمْرِي واعظٌ أيُّ واعِظِ سأُكْرِمُ نفسي أن تُقارِفَ ريبةً ... بسرٍ دفينٍ أو بعينِ مُلاحِظ وله أَأُثْنِي عليكم وأَكْسُوُكُم ... مدائحَ تُطْرِبُ من يَسْمَعُ وأُبخَسُ حَقِّي ويُخْارُ مَعْ ... عتابي على مَوْضِعي مَوْضِعُ إذا ما رضيتُ بها خُطَّةً ... فقد زادَ من قَدْركم أَوْضَع وله سأَحلمُ عن خَصْمي بمجلسِ لَغْوهِ ... ولستُ حليماً عنه في حَوْمة الوَغَى

стр. 713

وأَستُرُ طولَ الدهر في الغيب عَيْبه ... حِفاظاً ولا أَبْغي رِضاهُ إذا بَغَى له من قصيدة: وعَهْدِي بريَّا وهْيَ شمْسٌ مُنِيرةٌ ... عَلَتْ غُصُنَا لَدْناً يَميسُ على نَقَا خَلَعْتُ عِذَارِي وادَّرَعْتُ بحبها ... فَظَلْتُ أسيراً في الحُبَالةِ مُطْلَقا تُلاحِظُني أَلحاظُها في حديقةٍ ... بها الحسنُ من كلِّ الجوانبِ أَحْدَقا تمايلتِ الأشجارُ فيها كأنَّما ... سَقَنْها يدُ الأَنواءِ خمراً مُعَتَّقا وصاحَ فِصَاحٌ في الغُصُونِ فخلتها ... قياناً تُغَنِّي لا حماماً مُطَوَّقا إذا ما نسيمٌ هَبَّ ألقَيْتُ عَرْفَها ... لمشتاقهِ من مِسْكِ دارينَ أَعبَقا بها الوردُ غَضٌّ والأقاحي مُفَلَّجٌ ... ونَرْجِسُها يَرْنو إليكَ مُحَدِّقا تَرَى أصفراً من نُورِها ومَرَائشاً ... وأَدْكَنَ مُخْضرًّا وأَحْمَرَ مُشْرِقَا كأنّ هديرَ الماءِ عَوْلَةُ لَوْعةٍ ... لصبٍ مَشُوقٍ لا يُطيقُ التَّفَرُّقا يَفيضُ على تلك الرياضِ انسكابُهُ ... كجودِ ابن شَيْبانٍ إذا ما تَدَفَّقا ومنها في وصف مجلس عرسٍ، ومعرس أنسٍ: كأنّ دخانَ النَّدِّ في جَنَباتِها ... ضَبَابٌ وماءُ الوردِ غَيْثٌ ترقرقا وقوله في الأمير مبارك بن منقذ وهي قصيدة طويلة: أقولُ لنفسي إذ تزايدَ ظُلْمُهُمْ ... فِرَارَكِ من دارِ الهُويْنا فِرَارَكِ فَلَلْمَوْتُ خيرٌ من مُقامٍ مُذَمَّمٍ ... تَرَيْنَ به بَيْنَ الليالي احتقارَكِ وفي غيرِ أسوانٍ مَرَادٌ ومَذْهَبٌ ... فلا تَجْعَلي شَرَّ النواحي قَرَارَك فخيرُ بلادِ الله ما صانَ مِن أَذًى ... وأَضحى مَحلاًّ للأميرِ مُبارك يقولُ له من جاءَ يَطْلُبُ رِفْدَهُ ... ونَجْدَتَهُ انعَشْ بالندى وتَدَارك ويَشْرَكُهُ في ماله كلُّ قاصدٍ ... ولكنه في المجد غيرُ مُشارَكِ وله وإني مُحِبٌّ للقناعة والتُّقَى ... وللْحِرْصِ والطبعِ المُذَمَّمِ فارِكُ وساعٍ إلى صُنْعِ الجميل مُسارِعٌ ... ومُطَّرِحٌ فِعْلَ القبيحِ وتاركُ ومَنْ لي بخِلٍ في الزمانِ مُصادِقٍ ... يُساهِمُ في بأْسائه ويشارك وله من قصيدة في مدح الملك العادل سيف الدين أبي بكر أخي صلاح الدين: أَحْبِبْ بعصرِ الصِّبَا المأثورِ والغَزَلِ ... أَيَّامَ لي بالغواني أعظَمُ الشُّغُلِ وإذْ غَرِيمي غَرَامٌ لستُ أَفتَرُ مِنْ ... أوْصابِهِ وعَذَابي فيه يَعْذُبُ لي مَنْ لي بعَوْدِ شَبَابٍ مُنْذُ فارقني ... لم ألْقَ من عِوَضٍ عنه ولا بَدَلِ لبستُ بُرْدَ الصِّبَا حيناً بجِدَّتِه ... فأَخْلَقَ البُرْدُ حتى صِرْتُ في سَمَلِ كم ليلةٍ نِلْتُ من نَيْل المُنَى وَشَفَت ... بذلك الوَصْلِ ما بالصدر من غُلَل عُلِّقْتُها غِرَّةً غَرَّاءَ غُرَّتُها ... كالبدرِ حَفَّ بليلٍ فاحمِ رَجِلِ ومنها: صَدَّتْ وكم قد تَصَدَّتْ للوصالِ وما ... يُرْجي انعطافٌ لمنْ قد صَدَّ عن مَلَلِ وله من قصيدةٍ في مدح الفاضل أولهاك على الله مُعْتَمَدُ السائلِ ... فَعَوِّلْ على لُطْفِهِ الشاملِ وقد مَسَّني الضرُّ حتى لَجَأْتُ ... إلى كَنَفِ الفاضِلِ الفاضِلِ لقد وفِّقْتْ دولةٌ رأْيُها ... إلى الوَرِعِ العالِمِ العامِلِي مليٌّ بتدبير أَحْكامِها ... وأَحكامِ مُشْكلِهِا النازلِ وَمَنْ يَفْزعُ الحرُّ مِن فَضْلهِ ... إلى خيرِ كافٍ له كافلِ ومن تَمَّمَ اللهُ نقصَ الأَنامِ ... بسؤْدُدِهِ الباذخِ الكامل تَوَاضَعَ عن رِفعَةٍ فاعتَلَى ... وكم حَطَّ كِبْرٌ إلى سافِل

стр. 714

كتائبُهُ كُتْبُهُ في العِدَا ... وأقلامُهُ كالقنا الذابل إذا ما استمدَّ أتاك اليَرَاعُ ... بمَدِّ بلاغتِهِ الهاطل ترى البَرْقَ في جَرْي أقلامِهِ ... كما الوبلُ في جُودِهِ الهامل تظاهَر بالحقِّ في حُكْمِه ... ويأْنَفُ من باطنِ الباطل وله من قصيدة أولها: أَطَلْتَ من اللَّوْمِ المُرَدَّدِ والعَذْلِ ... عليَّ وإِنِّي في الغرامِ لَفِي شُغْلِ فما الحبُّ إلا النارُ والعَذْلُ عنده ... هواءٌ به يزدادُ في قُوَّةِ الفِعْلِ رَضِيتُ بسُلطانِ الهوَى مُتَسَلِّطاً ... عَلَى مُهْجَتي في الحكْمِ بالجَوْرِ لا العَدْلِ بِقَلْبيَ سَهْمٌ لا بِقَلْبِكَ صائبٌ ... رُمِيْتُ به عن سِحْرِ أَعيُنِها النُّجْل تَنامُ خليَّ الحالِ مما يُحِسُّهُ ... شَجٍ كُحِلَت عيناهُ بالسُّهْدِ لا الكُحْل ومنها: وإِنَّ غَزَالاً كالغزالةِ وَجْهُهُ ... ضعيفُ القوى يَسْطُو بليثٍ أَبي شِبْل ومَنْ خَصْرُهُ المهضومُ كَيْفَ مع الضَّنَا ... ينوءُ بِرِدْفٍ باهظٍ حَمْلُهُ عَبْلِ وفي خدِّهِ نارٌ وَمَاءُ شبيبةٍ ... وما اجتمع الضدانِ إِلاَّ عَلَى قَتْلي ومشمولةٍ سُقِّيتُهَا من رُضَابِهِ ... وما لي سوى تقبيل خَدَّيْهِ من نُقْل فمن شفتيه كأسُها وحَبابُها ... يَرى عِقْدَ ثَغْرٍ عِقْدُهُ غيرُ مُنْحَلِّ ومنها: وإني وإن شَبَّبْتُ لا عَنْ شبيبةٍ ... فمَذْهَبُ قومٍِ في القريضِ مَضَوْا قَبْلِي أَأُخْطِىءُ في قَصْدي وأَخْطُو لِصَبْوَةٍ ... وجامعةُ الستين قد جَمَعتْ رجلي ومنها يصف بستاناً وبركة وسواقي: كأنّ خرير الماءِ في جَنَباتِه ... أَنينٌ لمهجورٍ يَحِنُّ إلى وَصْلِ جَدَاوِلُهُ تَجْري عُيُوناً كأنّها ... نُصُولُ سيوفٍ لامعاتٌ من الصَّقْل ومنها: وفوقَ قوامِ الغُصْنِ طيرٌ لهَزِّهِ ... على أَلِفٍ للقَطْعِ ثُبِّتَ لا الوَصْلِ وقد غَرَّدَتْ أطيارُهُ فكأَنَّها ... قيانٌ تَطارَحْنَ الغناءَ على مَهْل وطابقها الدولابُ في حُسْنِ زَمْرِهِ ... مطابقةَ الشكلِ الملائمِ للشكل وأظهرتِ الأسحارُ سرَّ نسيمها ... بوَسْوَسَةٍ كالخَ " ِّ يُعْرَفُ بالشكل فلذَّ لنا ذاك النسيمُ كأنَّه ... سِرَارٌ تَهادَاهُ الأحِبَّةُ بالرُّسُل وله إِنْ تَمَادَى الهِجْرَانُ منك اتِّصالا ... صَيَّلاَ الحُبَّ بيننا ذا انفصالِ وصَدودُ الدَّلالِ إن زادَ أَفْضَى ... بك عندي إلى صُدودِ المَلاَلِ واعتقادي أنْ لوْ صَبَرْت قليلاً ... فَرَّقَتْ بيننا صروفُ الليالي وله مما ينقش على سكين: إذا مَلَكَتْنِيَ كفُّ الفَتَى ... فما السيفُ والأسمرُ الذابلُ وأَفْتَكُ مِنِّي العيونُ التي ... تُعَلَّمُ من سِحْرِها بابلُ له من قصيدة: شكوت لها نَهْدَين في الصدرِ باعَدَا ... مُعانِقَها عن ضَمِّهِ وَهْوَ مُغْرَمُ ولو مَلَكَتْ أَمْرًا لما كانَ خَصْرُها ... على ضَعْفِه من رِدْفِها يَتَظَلَّمُ وله في أثناء كتاب كتبه إلى بعض أصدقائه: أَظُنُّهُما قد صافَحَا وَرْدَ خَدِّهِ ... ومَرَّا على تلْك السوالفِ واللَّمَى وإلاَّ غرامي فيهما وصَبابتي ... وكثرة تقبيلي هُمَا دائماً لِمَا وله من قصيدة أولها شكوى: لا تُطِيلي على الرحيلِ مَلاَمِي ... فلأَمْرٍ إمْرٍ كَرِهْتُ مُقامي أيُّ خيرٍ في بلدةٍ يستوي ذو ... النقصِ فيها بفاضلِ الأَقوامِ منها: ضاعَ سَعْيِي وما أَفَدْتُ من الآ ... دابِ فيما مَضَى من الأعوَامِ

стр. 715

كم كتابٍ مثلِ الكتائبِ أَغْنَى ... عنهمُ في العِدا غَنَاءَ الحسام كم بقَوْلٍ أَقَلْتُ من عَثَراتٍ ... كم كِلامٍ أَسَوْتُها بكَلاَمِ منها: وَغْدُهُمْ وَهْوَ رِفْدُهُمْ كَسَرَابٍ ... أو خيالٍ من كاذبِ الأحلامِ وإذا نَكْبَةٌ عَرَتْهُمْ وحَلَّتْ ... بذُرَاهُمْ من الخُطوبِ الجِسَام فَهْيَ فَوْقي تَحْتي يَميني يَسَاري ... وَوَرائي من هَوْلها وأَمامي وإذا الأَمْنُ عَمَّهُمْ واستَقَرُّوا ... خِفْتُ منهمْ بوادِرَ الإنتقام فأنا الدهرَ في عَذَابٍ إذا ما ... سَخَطوا أوْ رَضُوا عن الأيَّام ليسَ دنياهمُ لغيرِ عبيدٍ ... أَدنياءِ النفوسِ من آلِ حام حكَّمُوهُمْ فيها وفيهمْ فعادوا ... كلُّ رأسٍ منهم بغيرِ زِمام وتولَّوْا تدبيرَها وهي كالشمسِ ... ضياءً فأصبَحَتْ كالظلام فَدَعُونا لا تأخُذُوا ما بأيدينا ... وَرُوحُوا يا ويحكمْ بسلام إنّ في الأرض غيرَ أُسْوانَ فاهْرَبْ ... من أَذاهُمْ إلى بلادِ الشام فالرحيلَ الرحيلَ عنهم سريعاً ... فهمُ من لئامِ هذا الأَنام وله من قصيدة: قامَ بعذري له عذارٌ ... أَشْبَهُ شيءٍ ببعضِ نُونِ انْظُرْ إِلى شَخْصِهِ تشاهِدْ ... محاسناً جَمَّةَ الفُتُونِ وله من قصيدة يطلب فروة: مليكٌ جميلُ الخُلْقِ والخَلْقِ لم يَزَلْ ... يروعكَ في جِدٍ، يَرُوقُكَ في لَهْوِ يَمُنُّ بلا مَنٍ وَيُعْطِي تَعَمُّداً ... إذا غَيْرُهُ أعطاكَ عن خَطأَ السَّهْوِ منها: أَيَا مَلِكاً يُعْطِي على كلِّ حالةٍ ... ويُعْطي أَخُوهُ الغيثُ في الغَيْمِ لا الصَّحْوِ وما أَبْتَغِي مالاً، ولو شئتُ لم يَفُتْ ... لديك، وهذا ليسَ قَصْدِي ولا نَحْوِي ولكنْ لِفَضْلِ البَرْدِ في الجسم سَوْرَةٌ ... وليس بِوَاقٍ من أَذاه سوى الفَرْوِ فجودُكَ يَكْسُوني وَيُرْوِي من الظَّمَا ... ومَدْحي لما أَوْلَيْتُ من حَسَنٍ يَرْوِي وما أَنا ممن يَجْحَدُ العُرْفَ رَبَّهُ ... ويسترُ مشهورَ الصنيعةِ أَوْ يَزْوي وظاهرُ أَمْرِيَ في الولاءِ كباطني ... وكم ذي نِفَاقٍ مُعْلِنٍ ضِدَّ ما يَنْوي ومنها: وقافيةٍ لَيْسَتْ تفارقُ مَرْكَزاً ... وتقطعُ آفاق البلادِ بلا عَدْوِ لها رَوْنَقٌ من قبل تلحينِ وَزْنِهَا ... إِذا كان بعضُ الشعرِ يَحْسُنُ بالحَدْوِ أَمادِحَهُ استيقظْ فشعرُكَ وافدٌ ... على لُغَوِيٍ شاعرٍ ناقدٍ نَحْوِي فمن كان في قولٍ مُجيداً وقاصداً ... مجِيداً به فَلْيَحْذُ في نَظْمِهِ حَذْوِي وله كم قد تَصَبَّرْتُ عَنْهُ ... فما أَطَقْتُ سُلُوَّهْ أَرَى الصَّلاحَ لقلبي ... إِذا نَظرْتُ دُنُوَّهْ وله إِنّ نهاري من بَعْدِ فُرْقَتِهِ ... كالليلِ هذا بذاكَ مُشْتَبِهُ يقطعُ هذين مُدْنَفٌ كَلِفٌ ... يكابِدُ الوَجْدَ وَهْوَ مُنْتَبِهُ أبو محمد هبة الله بن علي بن عرام السديد ذكر قاضي أسوان أنه كان أشعر من ابن عمه، وكان قوياً في فهمه، جرياً في نظمه، ماضياً في عزمه، راضياً بحزمه، وتوفي سنة خمسين وخمسمائة، ثم أهدى لي فخر الدولة بن الزبير ديوان المذكور، فحصلت على الدر المنظوم والمنثور، وقلدت الخريدة منه كل قلادة، تزين كل غادة، وأوردت في الجريدة من شعره ما يشعر بإفادة وإجادة. وهو ديوانٌ نقحه لنفسه، وصححه بحدسه، وقفى قوافيه على ترتيب الحروف، وهي للمعاني الطريفة والحكم الظريفة كالظروف. فمن ذلك قوله: بحقٍ وقد صُغْتُ فيك المديحَ ... جَعَلْتَ القبيحَ عَلَيْهِ جَزَائ

стр. 716

وَصَفْتُكَ فيه بما ليسَ فيك ... وهذا لَعَمْرُكَ عَيْنُ الهجاء وقوله: أَيُّها العشّاقُ هل أَحَدٌ ... قائمٌ في الله مُحْتَسِبُ مَنْ مُجيري من مُدَلَّلَةٍ ... لَحْظُها الهنديّةُ القُضُبُ هيَ بدرُ التمِّ إِنْ سَفَرَتْ ... وهلالٌ حِينَ تَنْتَقِبُ سَفَكَتْ يومَ الفراقِ دَمِي ... فهْو مِنْ جَفْنَيَّ مُنْسَكِبُ وله يذم السفر: لا عِزّ للمرءِ إِلاَّ في مواطنهِ ... والذلُّ أَجْمَعُ يَلْقَاهُ مَنِ اغْتَرَبَا فاقنعْ بما كانَ مما قَدْ حُبِيتَ به ... بحيثُ أَنْتَ وَكُن للبينِ مُجْتَنِبَا وقوله: ظَلَمْتُكَ مِنْ حَيْثُ قَدَّرْتُ فِيكَ ... حِفْظَ الودادِ وَرَعْيَ الْحَسَبْ كأَنِّي جَهِلْتُ بأَنّ اللئيمَ ... عدوٌّ لكلِّ كريمِ الْحَسَبْ وقوله: كنتُ فيما مضى إذا صُغْتُ شِعْراً ... صُغْتُهُ في المديحِ أَوْ في النّسِيبِ وأنا اليومَ إن صَنَعْتُ قَريضاً ... فهْو في ذمِّ الزمانِ العَجيب وقوله في حسود: وذي عيوبٍ بَغَى عَيْبي فَأَعْوَزَهُ ... فَظَلَّ يَحْسُدُني للعلمِ والأَدب نَزَّهْتُ نَفْسيَ عَنْهُ غيرَ مُكْتَرِثٍ ... بِفِعْلِهِ فأَتى بالزُّورِ والكَذِب وقوله: ليت شعري هل يَعْلَمَنَّ بما أَلْقَى ... من الوَجْدِ مَنْ بِهِ قَد كَلِفْتُ كيف يَدْري بذاك يا صاحِ من با ... تَ خَلِيّاً من الهَوَى وَسَهِرْتُ وقوله: لا تُنْكِرُوا ما بِهِ عُرِفْتُمْ ... دونَ سِوَاكُمْ من الحِرَاثَهْ فَهْيَ لآبائكمْ قديماً ... وَهْيَ لَكُمْ بَعْدَهُمْ وِرَاثَهْ وقوله في المدح: أجِدَّكَ ما تَنْفَكُّ تَعْتَسِفُ الفَلاَ ... نهاراً وتَطْوِي البيدَ في غَسَقِ الدُّجَى أخا غَزَواتٍ ما تزالُ مُخَاطِراً ... بنفسِكَ فيها حاسِراً ومُدَجَّجَا متى يَدْعُكَ الداعي تُجِبْهُ إلى الوَغَى ... على سابحٍ كالبرقِ من نَسْلِ أَعْوَجا أَرِحْ جِسْمَكَ المكدودَ من دَلَجِ السَّرَى ... قليلاً وذاك الطِّرْفَ من أَلَمِ الوَجَا وقوله: وَجَدْتُ هجائي لقومٍ مَدَحْ ... تُ يعلو، ويَسْفُلُ عند المديحْ وهذا دليلٌ على أنّ مَدْحِ ... يَ فيهمْ محالٌ وهَجْوِي صحيح وقوله: لو كان للجودِ شَخْصٌ ... كان ابنُ شيبانَ رُوحَهْ وقوله في مدح طبيب: سيِّدُنا ما زالَ في طِبِّهِ ... بالحِذْقِ والتمييزِ مَمْدُوحَا نَبُثُّهُ ظاهِرَ أحوالِنا ... فيكشفُ الباطنَ مَشْروُحا كأنما فِكْرَتُهُ مازَجَتْ ... من العليلِ الجسْمَ والرُّوحا نَظُنُّ من توفيقِهِ أَنَّهُ ... وَحْيٌ إليهِ أبداً يُوحَى مَنْ لم يكُنْ في طِبِّهِ مِثْلَهُ ... كان بعينِ النَّقْصِ مَلْمُوحا وقوله: قُلْ للذي أَبْدَى الشما ... تَةَ في ابن شيبانٍ فَتُوحِ لا بدَّ أنْ تَرِدَ المنو ... نَ ولو خُصِصْتَ بِعُمْرِ نُوحِ وقوله: لم يَبْقَ في الناس إلا التيهُ والبَذَخُ ... وكلُّهُمْ من فَعَال الخيرِ مُنْسَلِخُ إن أَبْرَمُوا نَقَضُوا، أَوْ أَقْسَمُوا حَنَثُواأو عاهَدُوا نكثوا، أو عاقَدُوا فَسَخُوا وقوله في الهجو: كم عَذَلوه على بِغَاهُ ... شُحًّا عليه فما أَصَاخَأ ولو رأَى في الكنيف ... ... لغاصَ فغي إثرِهِ وَسَاخا أَعياهُمُ داؤه صَبِيًّا ... فاستيأَسُوا منه حين شاخا وقوله في المدح: لو زُرْتُهُ في اليومِ ما زُرْتُهُ ... أوْسَعَنِي جُوداً وأَسْدَى يَدَا كأنَّهُ أَقْسَمَ أنْ لا يَرَى ... شَخْصِيَ إِلاّ جاد لي بالنَّدَى وقوله:

стр. 717

لا تَعْرِضَنَّ لشاعرٍ ذي مِقْوَلٍ ... عَضْبٍ يَفُلُّ غِرارَ كلِّ مُهَنَّدِ وتَوَقَّ ما يَبْقَى جديداً وَسْمُهُ ... جُرْحُ اللِّسانِ أَشَدُّ مِن جُرْحِ اليَدِ وقوله: لا يَخْدَعَنَّكَ ما تَرَى مِن مَعْشَرٍ ... قد صارَ شُغْلُهُمُ اعتمادِيَ بالأَذَى أنا في حُلُوقِهِمُ شَجاً يَغْشَاهُمُ ... حتى المماتِ وفي عُيونهمُ قَذَى وله لئن كنتَ عن مُقْلَتِي نائياً ... فإنّكَ بالذِّكْرِ في خاطري وإنّ مَحَلَّكَ مِنِّي ... مَحَلُّ إنسانٍ عَيْنِيَ مِن ناظري وقوله يستدعي صديقاً له: نحنُ ثِمادٌ وأنتَ بَحْرُ ... بنا إِلى القُرْبِ منك فَقْرُ فَعُدْ إلينا تَجِدْ نجوماً ... أنْتَ لها ما حَضَرْتَ بَدْرُ وقوله: خَدَمْتُكُمْ بالنظمِ والنثرِ ... عُمْرِي فما أَصْلَحْتُمُ أَمْرِي فَرُحْتُ عنكمْ خائباً حائراً ... في فِقَرٍ أَدَّتْ إلى فَقْر أَقْرَعُ سِنِّي ندماً تارةً ... وتارةً أَقرَأُ والْعَصْرِ وقوله من أول مرثية: نميلُ مع الآمالِ وهْيَ غَرُورُ ... ونطمعُ أن تَبْقَى وذلك زُورُ وتخدعُنا الدنيا القليلُ مَتَاعُها ... وللشيب فينا واعظٌ ونَذِير ونزدادُ فيها كلَّ يومٍ تَنافُساً ... وحِرْصاً عليها والمُرادُ حقِيرُ ونطلبُ ما لا يُسْتَطاعُ وجودُهُ ... وللمَوْتِ منَّا أوَّلٌ وأخيرُ وقوله في مرثية أبي الغمر: لِيَبْكِ بنو الآداب طُرًّا أَديبَهُمْ ... وفارسَهُمْ في حَلْبَةِ النَّظْمِ والنَّثْرِ ولا يَطْمَعوا من دَهْرِه بنظيرهِ ... فهيهات أن يَأْتِي بمثل أَبي الغمر وقوله في الحكمة: إذا حصَلَ القوتُ فاقنعْ به ... فإنَّ القناعةَ للمرءِ كَنْزُ وصُنْ ماءَ وَجْهِكَ عن بَذْلِهِ ... فإنّ الصِّيَانَةَ للوَجْهِ عِزُّ وقوله: يا من دَعَوْهُ الرئيسَ لا عَنْ ... حقيقةٍ بل عَلَى مَجازِ لستُ أُكافِيكَ عن قَبيحٍ ... منك بهجوٍ ولا أُجازِي وما عسى تبلغُ الأَهاجي ... من رَجُلٍ كلُّهُ مَخَازي وقوله في الزهد: لما بدا لي سرُّ هذا الورَى ... وكنتُ من خيرِهِمُ آيسَا لَزِمْتُ بيتي راحةً منهمُ ... وصِرْتُ بالوحدة مُسْتَأنِسَا وقوله في الغزل: قلتُ لإخواني وقد زارني ... ظَبْيٌ سقيمُ الطرفِ طاوِي الحَشا مُفْتَتِنٌ في كل أحواله ... مُحَكَّمٌ في مهجتي كيف شا ها فانْظُرُوا واعتَبِروا واعجَبُوا ... من أَسَدٍ يَحُكُم فيه رَشَا وقوله: ضِقْتُ ذرعاً فباح صَدْري بِسِرِّي ... وَسُلُوِّي فَمُعْوِزٌ مُعْتَاصُ أَوْقَعَ القَلْبَ لَفْظُكَ العذبُ في كلِّ ... عَذَابٍ وَلَحْظُكَ القَنَّاصُ ليس لي فيكَ مَطْمَعٌ فأُرَجِّيكَ ... ولا مِنْكَ ما حَيِيتُ خَلاَص وقوله: يا من غَدَتْ أَخْلاَقُهُ ... في الحُسْنِ كالرَّوْضِ الأَريضِ اسْتُرْ بِحَقِّكَ ما تُشَا ... هِدُ من عَوارِي في قَريضي فلأَِنْتَ تَعلَمُ أَنَّني ... ذو خاطرٍ زَمِنٍ مَريض مُتِّعْتَ بالعُمْرِ الطويلِ ... وَفُزْتَ بالعزِّ العَرِيض وقوله في مدح الوحدة: أَنِسْتُ بالوَحْدَةِ حتى لَقَدْ ... صِرْتُ أَرَى الوَحْشَةَ في الخِلْطَهْ وكنتُ فيما قَدْ مَضَى غالطاً ... وَلَنْ ترى من بَعْدِها غَلْطَهْ وقوله في الغزل: بأبي غزالٌ إِنْ رَنَا ... أَصْمَى بفاترِ لَحظِهِ وإِذا رَثَى مِمَّا جَنَى ... أَحيا بباهرِ لفظه وقوله:

стр. 718

كُنْ موقناً أَنَّ الزمانَ وإِنْ غَدَا ... لك رافعاً سيعودُ يوماً واضعا والطيرُ لو بَلَغَ السماءَ مَحَلُّهُ ... لا بُدَّ يوماً أَنْ تَرَاهُ واقعا وقوله: لا تَرْجُ عند اللئامِ مَنْفَعَةً ... ما لَمْ تُهِنْهُمْ بها ولا تَطْمَعُ فالهُونُ بالطبعِ عندهُمْ أبداً ... يُفيد نفعاً وفيهمُ يَنْجَعُ وقال في الغزل: مَنْ مُعِيني على اقتناصِ غَزَالٍ ... نافرٍ عن حبائلي رَوَّاغِ قَلْبُهُ قَسْوَةً كجُلْمُودِ صَخْرٍ ... خَدُّهُ رِقَّةً كَزَهْرِ الباغِ كلما رُمْتُ أَنْ أُقَبِّلَ فَاهُ ... لَدَغَتْنِي عقاربُ الأَصْدَاغ وله في الهجو من أبيات: فلو كان مِمَّنْ يُساوي الهجاءَ ... إذَنْ لهجوتُ وَدَاخَلْتُهُ في مَديحي وَهَجْوِي كفيلانِ لي ... برفعِ الوَضِيعِ وَوَضْعِ الشريفِ وقوله في الغزل: لَدَغَتْنِي عقاربُ الصُّدْغِ منهُ ... فَسَلُوه من ريقه دِرْيَاقَا إِنَّني عاشقٌ له وهو مُذْ كا ... نَ ظَلُومٌ لا يَرْحَمُ العُشَّاقَا وقوله في خلٍ أخل بوده وعامله بقبيح صده: وخلٍ سَكَنْتُ إلى وُدِّهِ ... وكدتُ له يعلمُ اللهُ وامقْ وَقَدَّرْتُ فيه جميلَ الإِخاءِ ... ولمَّا أَخَلْهُ عدوًّا مُمَاذِقْ فعامَلَنِي بصنوفِ القبيح ... فِعْلَ لئيمٍ خبيثٍ مُنَافِقْ على غير شيءٍ سوى أَنَّني ... بذلتُ له الودَّ دونَ الأَصادِق ولستُ بأَوَّل مَنْ خانَهُ ... وِدادُ صديقٍ به كان وَاثِقْ وقوله في الغزل: يا لَقَوْمِي لغادةٍ جَمَعَتْ دَل ... الأغاني وسَطْوَة الأَمْلاكِ فَتَنَتْنِي بلفظها وَثَنَتْنِي ... عَنْ رَشَادِي بِطَرْفِها الفَتَّاكِ صَيَّرَتْنِي في العِشْقِ أَوْحَدَ دَهْرِي ... بَعْدَ أَنْ كُنْتُ أَوْحَدَ النُّسَّاكِ وقوله: أَتَتْنِي منك أَبْيَاتٌ حِسَانٌ ... هي الدرُّ الثمين بغيرِ شَكِّ فكانت لا عَدِمْتُكَ بُرْءَ جِسْمي ... من البَلْوَى فَقَدْ زالَ التشكِّي وقوله: إذا أَثْرَيْتَ من أَدَبٍ وَعِلْمٍ ... فلا تَجْزَعْ ولو تَرِبَتْ يَدَاكَا فمعنى الفقرِ فَقْرُ النفسِ، فاعْلَمْ ... وإنْ أَلْفَيْتَ في اللفظِ اشتراكا وقوله: قالوا فلانٌ قد تَعَدَّى طَوْرَهُ ... جَهْلاً عليكَ ولستَ من أَشْكالِهِ هو يَقْتَضِي لا شكَّ ما عَوَّدْتَهُ ... من حَلْقِ لحيتهِ وَنَتْفِ سِبَالِهِ وقوله من أول قصيدة في رضوان الوزير: جَدَّدْتَ بعد دُروسِهِ الإِسْلاَمَا ... وَجَلَوْتَ عنه الظُّلْمَ والإِظْلاَما وَطَوَيْتَ راياتِ الضلالِ مجاهداً ... وَنَشَرْتَ في عِزِّ الهُدَى أَعْلاَما وقوله: معاذ الله أَن أَغْدُو كَقَوْمٍ ... متى افتقروا فَهُمْ حُلفاءُ همِّ إِذا تَرِبَتْ يداي فلستُ آسَى ... وَقَدْ أَثْرَيْتُ من أَدَبٍ وعلم وقوله: أَتْعَبْتُ نَفْسي وَفِكْري ... في مَدْحِ قَوْمٍ لِئَامِ وَعزَّنِي حُسْنُ بِشْرٍ ... مِنْهُمْ وَطيبُ كلامِ فما حَصُلْتُ لَدَيْهِمْ ... إِلاَّ عَلَى الإِعْدَام ولو جَعَلْتُ قَرِيضي ... مَرَاثياً في الكرام لَحُزْتُ ذِكْراً جميلاً ... يَبْقَى على الأيَّام وقوله: إنْ كانَ غَرَّكُمُ حِلْمٌ عُرِفْتُ به ... فإنَّ لي مَعَ حِلْمي جانباً خَشِنَا وإنْ تَكُنْ مِدَحي أَضْحَتْ لكمْ جُنَناً ... فإنَّ أَسْهُمَ هَجْوِي تَخْرِقُ الجُنَنَا وقوله: كيف لا يُزْهَى علينا ... مُسْتَطِيلاً وَيَتِيهُ وَهْوَ في الحُسْنِ فَريدٌ ... ما له فيه شبيهُ وقوله:

стр. 719

جميعُ أَقوالِهِ دَعَاوِي ... وكلُّ أَفْعَالِهِ مَساوِي ما زالَ في فَنِّه غريباً ... ليسَ له في الوَرَى مُسَاوي وقوله: هو المَجْفُوُّ ما أَمِنُا لدهْرٍ ... إذا ما نابَهُمْ خَطْبٌ دَعَوْهُ فصار كأنه سَبَبٌ لديهمْ ... مَتَى حَصَلَتْ نَتَائِجُهْ رَمَوْهُ وقوله: يا لائمِي في غزالٍ ... قلبي رهينُ يَدَيْهِ لا تطمعنْ في سُلُوِّي ... فلا سبيلَ إليه كم لامني فيه قومٌ ... وَعَنَّفُوني عليه حتى إذا أَبْصَرُوهُ ... خرُّوا سجوداً لديه فاحفظْ فؤادَكَ فالمو ... تُ في ظُبا مُقْلَتَيْهِ وقوله: علامَ أَجوبُ الأَرْضَ في طَلَبِ الغنى ... وأُتْعِبُ نَفْسي والقلاصَ النواجيا إذا كان لِي رزقٌ فليس يَفُوتُنِي ... أَكُنْتُ قريباً منه أَوْ كُنْتُ نائيا وقوله في النزاهة والحمد: لم تَزَلْ أَلطافُ رَبِّي ... أَبَداً عندي حَفِيّهْ دائباً يُذْهِبُ عَنِّي ... كلَّ سُقْمٍ وَبَلِيّهْ وقُصارَايَ وإن ... عُمِّرْتُ أَنْ أَلْقَى المنيه ولده أبو الحسين بن هبة الله بن عرام كان له شعر ويهاجي ابن عمه السديد، وتوفي وهو شاب بالقاهرة سنة سعبين وخمسمائة. أبو القاسم عبد الحميد بن عبد المحسن بن محمد الكتامي المقيم بأسيوط الصعي من أدباء أسيوط، وهو بالعلم مغتبط مغبوط. ومما نقلته من خطه له في مدح القاضي الأجل الفاضل: ما الحبُّ ما أَوْلاَكَ من سَكَراَتِهِ ... أَمْراً يحولُ حُلاَك من حَالاَتِهِ كلا وليس الحبُّ عندي غيرَ ما ... صادَ الغزالُ به أُسُودَ فلاتِهِ قسماً بأيامِ العُذَيْبِ وباللِّوَى ... وبما تَشَاكَيْنَا على عَذَبَاتِه لقد استجاشَ من المحاسنِ عَسْكَراً ... لا يستطيعُ القَلْبُ حَرْبَ كماته قَمَرٌ تَجَلَّى للعيونِ فَلَمْ تَكُنْ ... بأَجَلَّ مِنْ مُوسَى لدى ميقاته يَرْمِي القلوبَ بأَسْهُمٍ من جَفْنِه ... فكأنما الكُسَعِيُّ في لَحَظاته وَلَئِنْ تَبَرَّأَ لَحْظُهُ من قَتْلَتي ... فكفاه نَضْحُ دَمِي على وجناته غُصْنٌ إذا ماستْ به ريحُ الصَّبَا ... خَجِلَتْ غصونُ البان من حركاته أَقْطَعْتُهُ قلبي فَقَطَّعَهُ أَسًى ... فعلامَ يُتْلِفَ ذاتهَ بأَذَانِهِ من لي بوصلٍ إِنْ ظَفِرْتُ بِوَقْتِهِ ... أَحْيَيْتُ داعي الشوقِ بعد مماته أَيَّامَ يَسْلُكُ بي هواهُ مَنْهجاً ... شهدَ التقى بالفوزِ مِنْ تَبِعَاته والعينُ ليس ترى سوى ما تَشْتَهِي ... والقلبُ مَوْقُوفٌ على لذاته والروضُ قد راضَ الخواطرَ عندما ... رَكَضَتْ خيولُ الغَيْثِ في جنباتِه قد أَشْرَعَ الأَغْصَانَ أَرْمَاحاً وَقَدْ ... نَشَرَ الشقيقَ هناك من راياتِهِ وتَدَرَّعَتْ عَذَبَاتُهُ بنسيمه ... بتشاجرِ الأَطْيَارِ في شَجَرَاتِهِ كَتَبَ الغمامُ به سُطُورَ مُنَمِّقٍ ... في خَطِّهِ ودواتُهُ مِنْ ذَاتِهِ ورأَى الطيورَ تُمِيلُهُنَّ بلحنها ... فأتى بها هَمْزاً على أَلِفَاتِه وَتَبَرَّجَتْ فيه محاسنُ كِدْنَ أَنْ ... يَنْطِقْنَ من عَجَبٍ به بصفاته فكأنما الأيامُ حين رَأَت إلى ... عبدِ الرحيمِ جَرَتْ على عَادَاتهِ الفاضلُ اليَقِظُ المُعَظَّمُ قَدْرُهُ ... مَنْ كلُّ فضلِ الناسِ مِنْ فَضَلاته قُطْبُ الرئاسةِ لم تَدُرْ أَفْلاَكُهُ ... مُذْ كُوِّنَتْ إِلا عَلَى إِثْبَاتِهِ

стр. 720

وَمُذَلِّلُ الدهر الأَبِيِّ فَقَدْ به ... صَحَّ الزمان بنا على عِلاَّتهِ مُتَواضِعٌ والدهرُ يَعْلَمُ أنّهُ ... لا يرتقي أبداً إلى هِمَّاتِهِ ما استَنَّ في مَيْدانِ فَضْلٍ مُنْتشاً ... إلا انتهى سَبْقاً إلى غاياته ويميسُ في بُرْدِ الكمال مُؤَدِّياً ... شكراً ليُرْفَعَ فوقَ كلِّ لداته ثِقةُ المليكِ ومَنْ رآه كُفَاتُهُ ... مِن دونِ هذا الخلق خيرَ كُفَاتهِ كم عَزْمَةٍ لله أو في حَقِّهِ ... لكَ تَغْتَدِي سَبَباً إلى إثباتِه ما أَعجزَ الفضلُ المُنيفُ مُباهراً ... إلاّ وأنْتَ هناك مِن آياتِهِ تجلو بحُكْمِكَ وهْوَ حُكْمُ اللهِ عَنْ ... شَرْعِ الهُدَى ما عنَّ من شُبُهاته والوقتُ عبدٌ ما تَشَرَّفَ قَدْرُه ... حتَّى غَدَوْتَ اليومَ مِن ساداته كم قد زَرَعْتَ صنائعاً في ذا الورى ... وَحَميْتَ زَرْعَكَ في حَصَادِ نَبَاتِه يَتْلُو مَحَاسِنَكَ الزَّمانُ لحسْنِ ما ... عَمَّرْتَ بالإحسانِ من أوقاتهِ أنتَ الذي شَهِدَتْ فضيلتُهُ بما ... رَفَعَ الإلهُ لَدَيْهِ مِن دَرَجاتهِ وَزَها الربيعُ فقيلَ مِن أخْلاقِهِ ... وَهَمَى الغمامُ فقيل بعضُ هِباته وحياتهِ وَهْيَ اليمينُ لم أكُنْ ... أبداً لأحْلِفَ كاذباً بحياتهِ لقد استعدَّ من الفضائلِ مَعْقِلاً ... لا يُمكِنُ الأيامَ قَرْعُ صفاتهِ ولقد أُعِيرَ من الصُّدُودِ مَوَدّةً ... أَدْنى لقلبِ المرءِ من خَطَراته وتناصَرَت فيه النجومُ فَسَعْدُها ... لِوَلِيِّهِ ونُحُوسُها لِعُدَاتِه فإليكَ مِن مِدَحِ الخواطر شُعْلَةً ... أَوْرَى زنادُ رَوِيِّها لِرُوَاتِهِ مِن مُخْلِصٍ لكَ في الوَلاءِ مُحَقِّقٍ ... بكَ أن يُبَلَّغَ مُنْتَهَى طَلَبَاتِهِ أبو الحزم مكي القوصي له في مروحة: ما مُنْيَةُ النفسِ غيرُ مِرْوَحةٍ ... تُوصِلُ للقَلْبِ غايةَ الرّاحهْ تجودُ لكن بمُسْعِدٍ ولقَدْ ... تَبْخَلُ إن لم تساعدِ الراحهْ أَزِفَ الرحيلُ وليسَ لي من زادِ ... غيرُ الذنوبِ لِشِقْوَتِي ونَكادِي يا غَفْلَتي عما جَنَيْتُ وَحَيْرَتي ... يوماً يُنَادى للحسابِ مُنَادِ غَلَبَتْ عليَّ شَقَاوَتِي وَمَطَامِعي ... حتى فَنِيتُ وما بَلَغْتُ مُرَادي يا غافلاً عمَّا يُرَادُ به غداً ... في مَوْقِفٍ صَعْبٍ على الوُرَّاد اقرأْ كتابَكَ كلُّ ما قَدَّمْتَهُ ... يُحْصَى عليكَ بِصَيْحَةِ الميعاد كيفَ النجاةُ لعبدِ سوءٍ عاجِزٍ ... وعلى الجرائم قادرٍ مُعْتادِ يا غافلاً من قَبْلِ مَوْتِكَ فاتَّعِظْ ... والْبَسْ ليومِ الجمعِ ثوبَ حدادِ أبو الربيع سليمان بن فياض الإسكندراني من أهل الإسكندرية، ذو علمٍ فياض، وذيلٍ في العلوم فضفاض، وشعرٍ كزمان الربيع في الاعتدال، ونظمٍ أرق من الشمول والشمال؛ تاجر في العراق، وجاب الآفاق، وصحب التجر، وركب البحر، ودخل الهند وبلادها، وفوف بها من علومه أبرادها. قرأت في مجموع السيد الإمام فضل الله أبي الرضا الراوندي، أنشدني ابن طارق أبو علي الحسن الحلبي، أنشدني الفقيه سليمان بن الفياض لنفسه: مُزَنَّرُ الخصرِ ثانِي العِطْف تياهُ ... المستعانُ على وَجْدِي به اللهُ علامَ يُسْخِنُ عيني وَهْوَ قُرَّتُها ... ويُسْكنُ الحُزْنَ قلبي وهو مأْوَاهُ حدث محمد بن عيسى اليمني

стр. 721

أنه رآه باليمن وكان تاجراً وغرق في البحر، وقرأت فيما صنفه السمعاني أن سليمان بن الفياض تلميذ الحكيم أمية بن أبي الصلت المصري، وعليه قرأ من علومهم المهجورة، وله شعرٌ يدخل في الأذن، بغير إذن، ونثرٌ كالروض ضم إلى غدير، والمسك شيب بعبير، وذكر أنه كان بعزته سنة ست عشرة وخمسمائة قال: ومن شعر سليمان فيما ذكره صديقنا أبو العلاء محمد بن محمود النيسابوري ﵀. باتت عليَّ مِنَ الأَراكِ تَنُوحُ ... تُخْفِي الصبابةَ مَرَّةً وَتَبُوحُ قُمْرِيَّةٌ تَغْدُو تُحَاضِرُ بَثَّها ... وتُرِيحُ عازبةً أَوانَ تَرُوح عجماءُ ما كادَتْ تُبينُ لسامعٍ ... ولها حديثٌ في الفُؤَادِ صحيح عَجَباً لها تُبْكي الخليَّ وَجَفْنُهُ ... وهي السخيَّةُ بالدموع شَحِيحُ أَمريضةَ الأَحْشَاءِ مِنْ فَرَقِ النوى ... مَهْلاً بِشَمْلِكِ إِنَّهُ لَصَحِيحُ أَوَ ما رأيتِ تَجَلُّدِي وَأَنا الذي ... شَمْلِي على سَنَنِ الفراقِ طريح تتقاذفُ الأيام بي فكأَنَّني ... لجسومِ أصحاب التناسخ روح هذا البيت الأخير أحسن من الكل وما أظن أنه سبق إلى معناه. قال: وقال أبو الربيع سليمان في ابتداء قصيدةٍ يمدح بها القاضي الإمام علي البستي. تَوَجَّعَتْ أَنْ رأَتْني ذاويَ الغُصُنِ ... وكم أَمَالَتْ صَبَا عَهْدِ الصِّبَا فَنَنِي ماذا يَرِيبُكَ من نِضْوٍ جَنيبِ نَوًى ... لستَّةِ البين مطروحٍ على سَنَنِ رمى به الغربُ عن قوس النوى عَرَضاً ... بالشرقِ أعنى على المَهْرِيَّةِ الهُجُنِ أرضٌ سَحَبْتُ وأترابي تمائمنا ... طِفلاً وَجَرَّرْتُ فيها ناشئاً رَسَني أَنَّى التفتُّ فكم روضٍ على نَهَرٍ ... أو استمعت فكم داعٍ على غُصُن كم لي بظاهرِ ذاك الربعِ من فَرَحٍ ... ولي بباطنِ ذاك القاع من حَزَن ولي بالأَّف هاتيك المنازل من ... إلف وسكان تلك الدار من سكن ما اخترتُ قطُّ على عهدي بقربهمُ ... حظًّا ولا بِعْتُ يوماً منه بالزمن قال: وقال سليمان يتقاضى مالاً على بعضهم وقد شمر ذيله للسفر: فديتك زُمَّتْ للرحيل ركابي ... وَشُدَّتْ على حُدْب المطيّ عِيَابي ولم تبق إلا وقفة لمودِّع ... فرأْيكَ في باقي يسيرِ حسابي قال وكتب سليمان إلى القاضي أبي العلاء الغزنوي في رقعة من لوهور: الغزنويون إخوانٌ لزائرهم ... ما دام منهم إزاءَ السمع والبصرِ قال: ومن منثور كلامه ما كتب إلى بعض الفلاسفة بالهند يستأذنه في المصير إليه: ماذا عسى أن يصف من شوقه مشتاقٌ، يقدم قدماً ويؤخر أخرى، بين أمر أمير الشوق ونهي نهى الهيبة. فإن رأيت أن تبله من غلله وتبله من علله بالإذن له، فما أولاك به، وأحوجه إليك، والله المسئول في بلوغ المأمول بك ولك. الشريف أبو الحسن الحسني الإسكندراني أنشدني الفقيه أبو بكر بن أبي القاسم بن خلف التميمي الإسكندراني بمكة، حرسها الله تعالى، حذاء الكعبة المعظمة في أواخر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة للشريف أبي الحسن الحسني الإسكندراني. فإني شِبْهُ ظمآنٍ بِبيدٍ ... رَأَى الأنعامَ ظنَّ بها شرابا فبدَّدَ ماءَه وأتى إليها ... فلما جاءَها وَجَدَ السرابا القائد أبو طاهر إسماعيل بن محمد المعروف ب ابن مكنسة من شعراء مصر ورد علينا واسطاً من شيراز في سنة خمس وخمسين وخمسمائة رجل شريف من مصر، يقال له فخر العرب أحمد بن حيدرة الحسني الزيدي المدني الأصل المصري المولد، وكان رائضاً حسناً وله شعر قريب، فلما لم ينفق شعره عاد يروض الخيل، وكان يروض فرساً لي، ويحضر عندي، وسألته عن شعراء مصر ومن يروي شعره منهم، فذكر من جملتهم القائد ابن مكنسة. وذكر أنه كان شيخاً مسناً وهجره الأفضل لكونه رثى نصرانياً بقصيدة منها: طُوِيتْ سماءُ المكرما ... تِ وكوِّرَتْ شمسُ المديحِ

стр. 722

فأبعده لأجل هذا البيت فكتب إلى الأفضل أبياتاً منها: مثلي بمصرٍ وأنت مَلْكٌ ... يقالُ ذا شاعرٌ فقيرُ عطاؤك الشمسُ ليس تخفى ... وإنما حظِّيَ الضريرُ وأنشدني له في العذر عن العربدة من أبيات: ركبتُ كميتَ الراح وهي جماحُهَا ... شديدٌ ومالي بالتَفَرُّس من خُبْرِ وألقيتُ ما بين الندامى عِنانَها ... فجالتْ وأَلقَتْني على وَعِرِ السُّكْر وإن بساطَ السكر يُطْوى كما جرى ... به الرسمُ فيما قيل بالسكر في العُذْر قال: وكنت جالساً معه على دكان أبي عبد الله الكتبي بمصر فمر بنا غلام في ثوب أزرق، فقيل له: أنشدنا في هذا شيئاً، فقال بديهاًز مرَّ بنا في ثوبهِ الأزرق ... كبدرِ تِمٍ لاح في المَشْرِقِ لا بارك الرحمنُ فِيمَنْ رأى ... حُسْنَ عِذَارَيْه ولم يَعْشَقِ قال: وله من أبيات: رَقَّتْ معاقدُ خصرِهِ فكأنّها ... مُشْتَقَّةٌ من تِيهه وتَجَلُّدِي وتَجَعَّدَتْ أَصداغُه فكأنها ... مسروقةٌ من خلقه المتجعدِ وتأودت أعطافهُ والبانةُ السمراءُ ... لا تُرْدِيكَ دونَ تأَوُّد ما باله يجفو وقد زَعَمَ الورى ... أنَّ النَّدَى يختصُّ بالوجهِ النَّدِي لا تخدعنَّكَ وَجْنَةٌ محمرّةٌ ... رَقَّتْ ففي الياقوتِ طَبْعُ الجلمدِ ووجدت هذه الأبيات في رسالة أبي الصلت الحكيم، ومن هذا المعنى أخذ أبو الحسين بن منير حيث يقول: خُدَعُ الخدودِ تلوحُ تحت صفائها ... فحَذَارِها إنْ مُوِّهَت بحَيَائها تلك الحبائلُ للنفوسِ وإنما ... قَطْعُ الصوارمِ تحت رَوْنَقِ مائها وهذا أخذٌ مليحٌ خفيٌ. ثم قرأت بعد ذلك في رسالة لأبي الصلت الحكيم يصف مصر قال: ومن شعرائها المشهورين أبو طاهر اسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة وهو شاعرٌ مكثر التصرف، قليل التكلف، يفتن في نوعي جد القريض وهزله، وضاربٌ بسهمٍ في رقيقه وجزله، وكان في ريعان شبيبته وعنفوان حداثته يعشق غلاماً من أبناء عسكرية المصريين يدعى عز الدولة وهو الآن بمصر من رجال دولتها المعدودين وأكابرها المتقدمين، ولم يزل مقيماً على عشقه له وغرامه به إلى أن محا محاسنه الشعر، وغير معالمه الدهر، وكان في أيام أمير الجيوش بدر الجمالي منقطعاً إلى عامل من النصارى يعرف بأبي مليح وأكثر أشعاره فيه، فلما انتقل الأمر إلى الأفضل تعرض لامتداحه واستماحته، فلم يقبله ولم يقبل عليه، وكان سبب حرمانه ما سبق من مدائحه لأبي مليح ومراثيه ميتاً لاسيما قوله: طُوِيَتْ سماءُ المكرما ... تِ وكُوِّرَتْ شمسُ المديحِ من أبيات منها: ماذا أُرَجِّي في حيا ... تي بعد موتِ أبي مَليحِ ما كان بالنِّكْسِ الدّنيِّ ... من الرجالِ ولا الشحيحِ كَفَرَ النصارى بعد ما ... عَقَدُوا به دينَ المسيح وكفله عز الدولة بن فائق وقام بحاله إلى أن مات. ومما أورده أبو الصلت من شعره وذكرته بلفظه، قال أبو الطاهر بن مكنسة من قصيدة: أَعاذِلُ ما هَبَّتْ رياحُ مَلامةٍ ... بنار هوًى إلاّ وزادتْ تضرُّما فكِلْني إلى عينٍ إذا جفَّ ماؤها ... رأَتْ من حقوقِ الحُبِّ أنْ تَذْرِفَ الدما فكم عبرةٍ أَعْطَتْ غرامي زِمامَها ... عَشِيَّةَ أَعْمَلْنَ المطيَّ المُزَمَّمَا وعينٍ حماها أن يُلِمَّ بها الكرى ... أَحاديثُ أيامٍ تقضَّيْنَ بالحمى فللهِ قلبٌ قارَعَتْهُ هُمُومُهُ ... فلم يَبْقَ حَدٌّ منه إلاَّ تَثَلَّما وله من قصيدة: وعسكريٍ أبداً حيثما ... تلقاهُ يلقاك بكلِّ السلاحْ حاجبُهُ قَوْسٌ وأَجفانُهُ ... نَبْلٌ وعطفاه تَثَنِّي الرماحْ رَاحَ وَفِعْلُ الراح فيه كما ... يَفْعلُ بالغصنِ نسيمُ الرياح أغار في هذا البيت على خالد الكاتب في قوله:

стр. 723

رَأَتْ منه عيني منظرين كما رأَتْ ... من الشمس والبدرِ المنير على الأَرْضِ عشيَّةَ حيّاني بوردٍ كأَنّهُ ... خدودٌ أضيفَتْ بعضُهُنَّ إلى بعض وناولني كأساً كأن مِزَأجَهَا ... دُمُوعِيَ لما صدَّ عن مقلتي غُمْضي وراحَ وفعل الراحِ في حركاته ... كفعلِ نسيمِ الريح في الغُصُنِ الغَضِّ وله في غلام مريض: وقالوا براه السُّقْمُ فاعتلَّ جسمُهُ ... عساه يَرَى في الصبر عن حِبِّه عُذْرا إذا كنتُ أَهْوَى خَصْرَهُ لنحوله ... أَاَسْلُوه لمَّا صار أَجْمَعُهُ خَصْرا ولأبي طاهر في ورقٍ كاغدٍ أهدي إليه: أَهْدَيْتَ لي ورقاً أَرَقَّ ... من الشراب المُسْتَحيلِ خَلَقاً تُمَزِّقُهُ الخطو ... طُ كأَنَّه عِرْضُ البخيلِ لا بالصبيغِ ولا الصَّقيلِ ... ولا العريضِ ولا الطويلِ إلا بياضاً خِلْتُهُ ... وَضَحَاً على جسمٍ نَحِيلِ وقال أبو طاهر: قلتُ إذ عَقْرَبَ الدلا ... لُ على خَدِّه الشَّعَرْ هذه آيةٌ بها ... ظَهَرَ الحُسْنُ واشتهر ما رُئِي قطُّ قبلَ ذا ... عقربٌ حَلَّتِ القمر هذا معنى مليح ولكنه سرقه من بيتين أنشدهما رجل للإمام أبي حامد الغزالي ﵀: حَلَّتْ عقاربُ صدغه في خدِّهِ ... قمراً يَجِلُّ به عن التشبيهِ ولقد عهدناهُ يَحُلُّ ببرجها ... فمن العجائب كيف حَلَّتْ فيه وله، نقلت من جنان الجنان لابن الزبير: مالي وهذا البدرُ عندي ليلُهُ ... الدَّاجِي الطويلُ وعندَكُمْ أَقْمَارُهُ يَثْنِي اللثامَ على مراشِفِهِ التي ... حُظِرَتْ عليَّ وعندكم إِسْفَارُهُ وله يا من صفا ماءُ النعيم بوجهه ... كم عيشةٍ كَدَّرْتَهَا بِصَفَائِهِ وزجاجةٍ قَابَلْتَها فتبسَّمَتْ ... عن ثَغْرِهِ وَرُضَابِهِ وسَنَائِهِ مُزِجَتْ فلانت مِثْلَما مُزِجَتْ بها ... أَخْلاقُهُ فأَطاعَ بعد إِبائه ما زلتُ أرْشُفُهَا وَيَغْضَبُ ريقُهُ ... لمَّا جَعَلْتُ الخمرَ مِنْ نُظَرَائِهِ وله بنفسي خيالٌ زارَ وهو قريبُ ... أَحَقًّا عليه في المنام رقيبُ سرى وغديرُ الليل طامٍ جمامُهُ ... وللشُّهْبِ فيه طَفْوَةٌ ورسوبُ وقد أعجلته للصباح التفاتَةٌ ... فلم تكُ إلاَّ خفقةٌ وهبوب ولولاكمُ لَمْ أَرْضَ أَنْ تَسْتَقِرَّ بي ... زخارِفُ حلمٍ صِدْقُهُنَّ كذوب وكم أنَّةٍ أيقظتمُ نَفَسِي بها ... لها بين أَحْنَاءِ الضلوع نُدُوب تَجَاوَر فيها بين هامٍ وجاحمٍ ... لعيني وقلبي جَدَوَلٌ ولهيب ومنها: أَمَسَّتْكُمُ ريحُ الصَّبا إِنَّ نَشْرَهَا ... إِذا هبَّ من تلقائكم لَيَطِيبُ وَيَشِفِي غليلي أَنْ تَمُرَّ مريضةً ... وَبَرْدُ غليلٍ بالعليلِ عجيب وله لم أَرَ قَبْلَ شَعْرِهِ وَوَجْهِهِ ... ليلاً على ضَوْءِ الصباحِ عَسْعَسَا والسكرُ في وَجْنَتِهِ وَطَرْفِهِ ... يَفْتَحُ وَرْداً وَيَغُضُّ نَرْجِساً وله أقولُ وَمَجْرَى النيلِ بيني وبينكم ... ونارُ الأَسَى مشبوبةٌ بضلوعي تُرَاكمْ علمتمْ أَنَّني لو بَكَيْتُكُمْ ... على النيل لاستغرقْتُهُ بدموعي وله مَدَى صَبْرِي وَإنْ وَصَلُوا قصيرُ ... وَأَنْجُمُ ليلِ شوقي ما تَغُورُ وفي أَسْرِ الغرام إذا استَقَلُّوا ... فؤادٌ كيفما ساروا يَسيرُ غزالُ الرَّمْلِ سالفة وعياً ... ولكنْ لَحْظُهُ أَسَدٌ هَصُورُ وهل سودُ العيونِ سوى أُسودٍ ... تَأَمَّلْ كيفَ يَفْتَرِسُ الفُتُورُ وقفنا والهواجدُ مُشْمِسَاتٌ ... وفي الأحشاء بالهَجْرِ الهجيرُ

стр. 724

كأَنَّ لكلِّ كُورٍ في فؤادي ... إِذا أَذكى لَظَى الأشواقِ كِير ومنها: وأَغْيَدَ ما لوجنَتِهِ وفيه ... ولا ما في زجاجَتِهِ نظيرُ سقى فأدارَ من عينيه أُخْرَى ... لأَمْرِ ما تَنَوَّعَتِ الخُمُورُ وله قل لأَيَّامِنَا التي قَدْ تَقَضَّتْ ... بالغَضَا هل لنا إِليكِ سَبيلُ أَتُرَى البان في رياضك ينآ ... دُ إِذا مَسَّهُ النسيمُ العليلُ أم ترى الشادن الغرير له ب ... ين كثِيبَيْك مَسْرَحٌ وَمَقِيل سَلْ بِوَعْسائِهَا الخمائلَ تُجْلَى ... أشَمالٌ تَمَسُّها أَمْ شَمُولُ إن يكن عَنْكَ عَزَّ صَبْرٌ فصبراً ... إن عُمْرَ البكاءِ فيك طويل وإذا بانَ عَنْكَ من كنتَ تهوا ... هُ فغيرُ الجميل صبرٌ جميل وله من قطعة: مَنْ سُكْرُهُ بين رُضابٍ وراحْ ... فكيف يا صاحِ يُرى ذاك صاحْ ومنها: أَغَنُّ مجدولٌ هَضيمُ الحَشَا ... مُرْتَدِفُ الأَرْدَاف نِضْوُ الوشاحْ في لحظهِ سِحْرٌ وفي خَدِّه ... وَرْدٌ وفي فيه أَقَاحٌ وراحْ راحَ وفِعْلُ الراحِ فيه كما ... يَفْعَلُ بالغُصْنِ نَسيمُ الرياح وكيف يُرْجَى لي صلاحٌ وقد ... بُليتُ يا صاحِ بحبِّ الملاحْ شققتُ ثَوْبَ الصبرِ مِن بَعْدِه ... فليعذلِ العاذلُ وَلْيَلْحَ لاح وله كم ليلةٍ نادمتُ في ظلمائها ... بدراً وشمسُ الكأْسِ مَطْلَعُ زندِهِ مشمولةٌ يا ليت رِقَّةَ طبعها ... في قلبه وصفاءَها في وُدِّه فكأنها من ريقه وَحَبَابَها ... من ثغرِهِ، وشُعَاعَها من خدِّه وله ظَلَّتْ مِظَلَّتُهُمْ مثلَ الفراشةِ والبيضُ ... اللوامعُ في أيْديِكمُ لَهَبُ جَاءُوا بها هالةً لم يستتر قمرٌ ... فيها ودائرةً ما حَلَّها قُطُبُ لم تَبْدُ إلا وبيضُ الهندِ عائدةٌ ... إليك وهي على أَطْرَافها سَلَبُ ومنها: خَفَّ الحديدُ على جسمٍ تعوّدَ أَنْ ... يَجْفُو على منكبيه اللاَّذُ والقَصَبُ وله مَلْكٌ بكفيه وأَسْيَافِهِ ... تُقْسَمُ آجالٌ وأرْزَاقُ ذلَّتْ لنعماك نفوسٌ كما ... ذَلَّتْ لأَسْيافِكَ أَعْنَاقُ وله يمدح أحد أخوين ويعرض بالآخر: همُ خَبَثُ الحديد وأَنْتَ مما ... يُصَفَّى جوهرُ السيفِ اليماني وإن أَوْرَى زنادكمُ شراراً ... فبين النارِ بَوْنٌ والدُّخَانِ وإن جَمَعَتْ أنابيباً قناةٌ ... فأين الكعبُ من رأْسِ السنان وله في المدح: قل للغمام تُبَارى فَيْضَ راحتِهِ ... وأنت في كلِّ وقتٍ غيرُ منهمرِ وأين برقُكَ من إيماض صارِمِهِ ... وأين سَيْبُكَ من جَدْوَأه بالبِدَر يلقاك مبتهجاً والغيثُ في يده ... يَهْمِي فيجمعُ بين الشمس والمطر وله في جواب كتاب: نَشَرْتُ كتابك عند الورودِ ... فناهيكَ من جَوْهَرٍ مُلْتَقَطْ ولم أَرَ من قبله رَوْضَةً ... من الحظِّ مَطْلُولةً بالنُّقَطْ وله أيضاً جواب كتاب: أهلاً بها جنةً أَهْدَ ثمارَ نُهى ... وعرَّس الطَّرْفُ فيها أَيَّ تعريسِ ما دار في خَلَدِي لولا كتابكُمُ ... أَنَّ البساتينَ تُهْدَى في القراطيس وله يصف قبح منزله وضيقه: ليَ بَيْتٌ كأَنَّهُ بيتُ شِعْرٍ ... لابن حجَّاجَ من قصيدٍ سخيفٍ ضايقتني بناتُ ورْدان حتى ... أنا فيه كفارةٍ في كنيف أين للعنكبوتِ بَيْتٌ ضعيفٌ ... مثله وهو مثلُ عقلي الضعيف وإذا هبَّ فيه ريحُ السراويلِ ... فَسَلِّمْ على اللِّحَى والأنوف بُقْعَةٌ صَدَّ مطلعُ الشمس عنها ... فأنا مُذْ سَكَنْتُهَا في الكسوف

стр. 725

وهْو لو كان بين حجِّي وَنُسْكِي ... صدَّ في بغضهِ عن التَّطْوِيف أنت وسَّعْتَ بيتَ مالي فَوَسِّعْ ... منزلي فهو منزلٌ للضيوف وَأَجِرْني من الضنا واجْرِني منك ... على حسن خُلْقِكَ المأْلُوفِ وله يعتذر عن عثرة جرت منه في سكرة: إِذا ضاقُ عن دنيا الفتى سعةُ العُذْرِ ... فبالسيفِ عَاقِبْ فهو أَيْسَرُ مِنْ هَجْرِ ركبتُ كُمَيْتَ الرَّاح وهْي جِمَاحُهَا ... شديدٌ ومالي بالتَّفَرُّسِ مِنْ خُبْرِ وأرسلتُ ما بين الندامى عِنَانَها ... فجالتْ وأَلْقَتنِي على وَعِرِ السكر فإن جدتَ بالصفح الذي أنْتَ أَهْلُهُ ... تدارك ذاك الكسر منِّيَ بالجبر وإلا فإني غيرُ باقٍ بغُلَّةٍ ... أَضُمُّ لها عُوجَ الضلوع على الجمر وما ضاقت الدنيا على مُتَغَرِّبٍ ... تَحمَّلَ ثقلاً أن ترحَّلَ عن مصر وإن كنتُ قد أَذَنَبْتُ ثم غَفَرْتَ لي ... فذاك على مقدار قَدْرِكَ لا قَدْرِي وله في رمد طال بغير أمد: ما لنهاري كأَنَّهُ الغَسَقُ ... وما لليلي ما شَقَّهُ الفَلَقُ وما لعيني أَرَى بها عَجَباً ... تَغْرَقُ في مائها وتحترق ولي طبيبٌ تشكو مراوِدَهُ ... وتستغيثُ الجفونُ والحدق شِيافُهُ تطرد الشفاءَ إِذا ... مرَّ بعيني وَكحْلُهُ الأرق وإنْ تمادى عليَّ زرتكمُ ... وقائداي العِصِيُّ والحَلَقُ لم يَبْقَ من صيغَةِ المدام سوى ... جفونِ عَيْنٍ كأنها الشَّفَقُ وبي من الدَّاءِ ما حكايته ... لا بدَّ منها وتركها خُرُقُ طَبْعي ووجهُ البخيل في قَرَنٍ ... هذا وهذاك ليس ينطلق يا عيْنُ حَتَّامَ أَنْتِ باكيةٌ ... قد نَفَذَ العيْنُ فيك والوَرِقُ وله في صفة روضة: ذاتُ غديرٍ خِلْتُهُ ... صَرْحَ زُجَاج مُرِّدا ثم انثنى مُنْعَطِفاً ... مرتعشاً مُرَدَّدا خافَ من الريح وقد ... هَبَّت به فارْتَعَدا كأنما يد الصَّبَا ... مَدَّت عليه زَرَدَا ومنها: واحسرتا حتى متى ... أُنْهِضُ حَظًّا مُقْعَدا وله في المديح: ولم يُرَ كالمدائح فيه تَسْرِي ... خفافاً تَحمِلُ المِنَنَ الثِّقَالاَ ونُنْشِدُهُ مدائحَهُ اقتضاباً ... فيعطينا مَنائحَهُ ارْتِجالاَ وقال أبو الطاهر من قصيدة، وقد عزم عيه بعض الأمراء في المسير معه إلى الشام لقتال الغز، أولها: غيرُ عاسٍ عليكِ تقويمُ عودي ... فانُقضي من ملامتي أو فزِيدي قلْ لمولاي إذ دعاني لأمرٍ ... قُمْتُ فيه له مقامَ العبيد ضَعُفَت حيلتي وقلَّ غَنائي ... وَدَنَتْ غايتي وَرَثَّ جَديدي أنا ما لي وللشآم وإني ... لأَرى نارَ حَرْبِها في وَقُودِ بَلَدٌ جِنُّهُ عَفَارِيَةُ الْغُزِّ ... وأرضٌ وحوشُها من أُسُودِ والجِفارُ التي تقول إذا ما ... قيلَ هلا امتلأَتِ هَلْ من مزيد وكأنْ بي على بعيرٍ تراني ... آخرَ الناس في لفيفِ الحُشُود أَسْوَدَ الوجه ناظراً في أُمُورٍ ... معضلاتٍ من الحوادث سُود وإذا قيلَ في غدٍ يلتقي النا ... سُ فلا تنسَ فهْو بيتُ القصيد حين لا ناظري تراهُ ححديداً ... حين يبدو له بريقُ الحديد حين لا يُتَّقَى لساني ولا ... يَثْنِي زمامَ البعيرِ عنِّي نشيدي إنّ رأْيِي إذا تَسَدَّدَ نحوي ... سهمُ رامٍ لَغَيْرُ رَأْيٍ سديدِ وإِذا ما قُتِلْتُ كنت خليقاً ... بدخولي جَهَنَّماً في خلودِ فأقِلْني عثارها وابْق للحمد ... وكَبْتِ العِدَا وغَيْظِ الحَسُود

стр. 726

وقال من قصيدة في طريقة أبي الرقعمق: أنا الذي حَدَّثَكُمْ ... عنه أبو الشَّمَقْمَقِ وقالَ عنِّي إنني ... كنتُ نَدِيم المُتَّقِي وكنتُ كنت كنت كنتُ ... من رُمَاةِ البُنْدُقِ حتى متى أبقى كذا ... تَيْساً طويلَ العُنُق بِلِحْيَةٍ مُسْبَلَةٍ ... وشاربٍ مُحَلَّق يا ليتها قد حُلِقَتْ ... من وجه شيخٍ خَلَقِ وقال من أخرى: عشتُ خمسين بل تزيدُ ... رقيعاً كما ترى أحسبُ المُقْلَ بُنْدُقَا ... وكذا الملحَ سُكَّرَا وأظنُّ الطويل من كُلِّ ... شيءٍ مُدَوَّرَا قد كَبِرْ بِرْ بِبِرْ بِبِرْ ... تُ وعقلي إِلى وَرَا عجباً كيف كلّ شيءٍ ... أَرَاهُ تَغَيَّرَا لا أرى البَيْضَ صار يُؤْ ... كَلُ إِلاّ مُقَشَّرَا وإذا دُقَّ بالحجا ... رِ زُجَاجٌ تَكَسَّرَا وكتب إلى أبي الصلت حين عاد من المهدية: وما طائرٌ قَصَّ الزمان جناحه ... وأَعْدَمَهُ وكْراً وأَفْقَدَهُ إِلْفَا تذكَّرَ فَرْخاً بين أَفْنَانِ بانةٍ ... خوافِي الخوافي ما يَطِرْنَ به ضعفا إذا التحف الظلماءَ ناجى همومَهُ ... بترجيع نَوْحٍ كاد من دِقَّةٍ يَخْفَى بأشفقَ مني مُذْ أطاعت بك النَّوَى ... هوائيةٌ مائيةٌ تسبق الطَّرْفَا تولَّتْ وفيها منك ما لو أَقِيسُهُ ... بما هي فيه كان في فَضْلِهِ أَوْفَى عبد العزيز بن فادي شيخ من مصر له نظم مقارب. أنشدني له في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق بعض المصريين وذكر أنه يعيش: يا شادناً بالحُسْنِ حالِ ... سَلْ بَعْدَ بُعْدِكَ كيفَ حالي خَلَّفْتَني نَهْبَ السّقا ... مِ أَعُدُّ أَنْفَاسَ الليالي خالٍ من الصبرِ الجميلِ ... وَرَبْعُ سُقْمِي غيرُ خالِ أَرْعَى نجومَ الأُفْقِ وَهْيَ ... إِلى الزَّوالِ بلا زوال ومُعَرْبِدُ الألحاظِ صا ... حي الوعدِ سكران المِطَال يرنو بأجفانٍ كأنّ ... لحاظَها رَشْقُ النِّبَال أَيّامَ كان الرشدُ عندي ... أنْ أقيمَ على الضلال سألت القاضي الفاضل عنه فقال ما هو من المعدودين، فقلت له هذا شعره، وأنشدته الذي فيه: صاحي الوعد سكران المطال. فقال هذه غاية، وعهدي به لا يصل إليها. أبو الحسن العسكري المصري ذكره السمعاني في تاريخه قال أنشدني أبو بكر محمد بن عثمان الدينوري أنشدني خراداذ المعري إملاءً بدمشق أنشدني أبو الحسن المصري العسكري: رفقاً هديت وسِرْ على مَهَلٍ ... كلُّ الجمالِ عليك يا جَمَلُ فلو انَّ ناقة صالحٍ حَملت ... ما قد حَمَلْتَ لفاتَها الأَجَلُ وعليك أَن لا تشتكي كَللاً ... ما دام فَوْقَكَ هذه الكِلَلُ أبو المسك كافور بن عبد الله الليثي الحبشي الخصي المعروف ب الصوري وقيل أبو الحسن كان مصري المنشأ، ومن مواليهم، سكن صور فنسب إليها. رحل عنها، وقطع سكناه منها، وطاف البلدان، ودخل بلاد خراسان، وأقام ببست مدةً من الدهر، ووصل إلى غزنة وما وراء النهر. وكان يحفظ كثيراً من الملح والنوادر، ويزف إليك ما شئت من بنات الخواطر. عارفٌ باللغة معرفةً صحيحة، ناظمٌ في القريض كلمات فصيحة، فاضل أديب، عارفٌ أريب. عاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن أدركه صرف المنية، وذلك في رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ذكره السمعاني في تاريخه حسبما ذكرناه، وقال: قرأت بخط أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في سياق تاريخ نيسابور: أنشدنا كافور بن عبد الله لنفسه، كتب بها إلى الرئيس محمد بن منصور البيهقي: هل من قِرًى يا أبا سَعْدِ بنِ منصورِ ... لخادمٍ قادمٍ وافاك من صُورِ شِعارُهُ إنْ دَنَتْ دارٌ وإن بَعُدَتْ ... اللهُ يُبْقي أَبا سَعْدِ بن منصور

стр. 727

وقال: أنشدني أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي بدمشق أنشدني أبو المسك كافور لنفسه: باء بخاري أبداً زائدهْ ... والأَلِفُ الأُخْرَى بلا فائدهْ فهي خرا بَحْتٌ وسكَّانها ... آبدةٌ ما مثلها آبده وقال قرأت في كتاب سر السرور لصديقنا أبي العلاء محمد بن محمود النيسابوري قاضي غزنة لكافور، هذا: هل من لواعجِ هذا البَيْنِ من جارِ ... لمستهامٍ عميدٍ دَمْعُهُ جارِ أَم هل على فَتَكاتِ الشوقِ من عَضُدٍ ... يُجِيرُني من يدِ الضرغامةِ الضَّارِي فيضُ الدموعِ ونيرانُ الضلوعِ معاً ... يا قومُ كيف اجتماعُ الماءِ والنارِ وأنشد له: راحَ الفراقُ بما لا أَرْتَضِي وَغَدا ... وجارَ حُكْمُ الهوى فيما قَضَى وَعَدا فارقْتُكم فُرْقَة لا عُدْتُ أّذكُرُها ... فإِن رجعتُ فلا فارقتكمْ أَبَدا هذا كافور أبو المسك، كلامه أطيب رائحة من المسك، خصيٌّ خص بما لم يخص به الفحول، خادمٌ خدمته لفضله الألباب والعقول: نظمه تبر المحك، وإبريز السبك، أوتي المعرفة، حتى نسج البرود المفوفة، وأنشأ الحدائق المزخرفة، ونظم اللآلىء المفوفة. أبو الفرج الموففي أحد كتاب مصر، من الطبقة الأولى. له في ناعورة: ناعورةٌ تَحْسِبُ في صَوْتِهَا ... مُتَيَّماً يَشْكُو إِلى زائرِ كأنَّما كِيزَانُهَا عُصْبَةٌ ... صِيبُوا بِرَيْبِ الزَّمَنِ الوافر قد مُنِعُوا أن يَلْتَقُوا فاغْتَدَا ... أَوَّلُهُمْ يَبْكي على الآخِر قمر الدولة أبو طاهر جعفر بن رواس المصري كان عمره بالعراق قمرٌ قمر القلوب بظرافته، وسلب العقول بلطافته، نديمٌ عديم النظير في فنونه، ظريف طريف الصنعة في مجونه، اجتمعت فيه أسباب المنادمة، وكان يقرع أبواب المسالمة، يضرب بالعود وأين إسحاق وإبراهيم، فكلاهما لو كان في عصره كاد به يهيم، ويغني ولا مثله غناء معبد والغريض، فلو رأياه لعثرا في ميدانه الطويل العريض، ويلعب بالشطرنج وأين اللجلاج، لو عاش لقتله منه الغيظ واللجاج، كان نديم قسيم الدولة سنقر البرسقي، كل يوم لقبوله عنده يرتفع ويرتقي. وهو ينظم أبياتاً مطبوعة، وينثر كلماتٍ مسجوعة، وهو صاحب نوادر ومضاحك، ولسانٌ كحد السيف باتك، يلعب ويطرب، ويشعر ويكتب، ويغني بالعود ويضرب، ويسقي ويشرب، وإن لعب بالشطرنج فاق، أو بالنرد راق، أو غنى شاق، أو ضرب بالبربط انشرح القلب الذي ضاق. أنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل الخازن ببغداد: أنشدني قمر الدولة ابن دواس لنفسه في ابن أفلح الشاعر، وكان ابن أفلح أسود مشوه الخلقة: هذا ابنُ أَفْلَحَ كاتبٌ ... مُتَفَرِّدٌ بصفاتِهِ أَقْلاَمُهُ من غَيْرِهِ ... ودواتُهُ من ذاته وأنشدني له فيه: أبا قاسمٍ وَيْكَ دَعْ ذا الفَعَالَ ... هذا التكبُّرُ لا يَصْلُحُ أتزعمُ أَنَّكَ من أَفْلَحٍ ... فَهَبْكَ صَدَقْتَ فمن أَفْلَحُ وأنشدني له فيه: يا ذا الذي أُقْطِعَ هَجْوَ الوَرَى ... كأنما أُعْطِي به رُوزَا إن كان إقطاعُكَ ذا صادقاً ... فاهجُ لنا الخادمَ بَهْرُوزَا وأنشدني له أيضاً: أراني الله نعمته سريعاً ... تزولُ وَعَيْشُهُ عَنْهُ يُوَلِّي وما مِنْ بُغْضِهِ أَدْعُو عليه ... ولكنْ أَشْتَهِيهِ يكونُ مِثْلي وقال أبو المعالي الكتبي: أنشدني ابن أفلح الشاعر له: لما رأيتُ المشيبَ في الشَّعَرِ الأسْوَدِ ... قد لاحَ صِحْتُ واحَزَنِي هذا وحقِّ الإلهِ أَحْسَبُهُ ... أَوَّلَ خَيْطٍ سُدِّى مِنَ الكَفَنِ وزارني للهناء بشهر رمضان من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في واسط الفقيه رضي الدين أبو العلاء محمد بن السوقي، وقال: حكى لي اليوم والدي شيخ الإسلام أبو جعفر أنه حضر قمر الدولة مجلس مؤتمن الدولة ابن صدقة، وكان ناظرَ الخواص وغيرها بواسط، والناس يهنئونه بشهر رمضان، فقال قمر الدولة:

стр. 728

لا أُهَنِّي بالصيامِ لأَنِّي ... واثقٌ بالهناءِ يَوْمَ العيدِ بل أُهَنِّي بالأَكْلِ والشرب والزَّفْنِ ... وصوتِ الغِنا وَجَسِّ العود لا بصومٍ يُجَفَفُ الكِبْدَ حتى ... يَجْعَلَ العُودَ وهْو مثلُ العودِ وله، أنشدني نصر الله بن الخازن: أَرَانِيَ والمولى الذي أَنَا عَمْدُهُ ... طَرِيفَين في أَمْرٍ له طَرَفَانِ قريبٌ تراني منه أَبْعَدَ ما ترى ... كأَنِّيَ يومُ العيدِ مِنْ رَمَضَانِ وله فغدوتَ كالبطيخ لا حُلْواً بل ال ... تشبيهُ يحكي قائماً أو قاعدا لا يَحْمَدُ الوصَّافُ من أَوْصَافِهِ ... ما لم يكن خَشِنَاً ثقيلاً باردا وأنشدني له أيضاً: أَنَا مِمَّن إِذا أَتَى ... صاحبُ الدار للْكِرَا تتجافَى جُنُبُهُمْ ... كلَّ وَقْتٍ عن الكَرَى وأنشدني له أيضاً: لا يظنَّ العدوُّ أنَّ انحنائي ... كِبَرٌ عندما عَدِمْتُ شبابي ضاع مني أعزَّ ما كان مني ... فأنا ناظرٌ له في التراب وذكر أنه سمع منه جميع هذه الأبيات. وسألته عن موته فقال كان يعيش في أيام البرسقي وهي سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وعاش بعد ذلك سنين كثيرة. حسناء المصرية من الطبقة الأولى، مغنية عن الملاهي مغنية، وغانية بالحسن غنية، ولدت باليمن وتربت بالحجاز، وتعلمت ببغداد الغناء، وانخرطت في سلك قيان الملوك، ولها شعر به للشعراء تعارض، ولأهل القريض تقارض، ومن قيلها: سلامٌ على من ليس يَدْرِي بأَنَّهُ ... هواي من الدنيا وقاصيةُ المُنَى كتبتُ إليكم خاطباً لرضاكُمُ ... فردُّوا جواباً بالنجاح مُعَنْوَنَا ومن النساء أيضاً ابنتها بدمشق. تقية الصورية من أهل الإسكندرية هي الأديبة أم علي تقية ابنة غيث بن علي بن عبد السلام الأرمنازي الصوري، مولدها صور، وهي من أهل الإسكندرية. أتحفني القاضي أبو القاسم حمزة بن القاضي علي بن عثمان المخزومي المغربي المصري، وقد وفد إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعين بكراسة فيها شعر تقية بنت غيث، قد سمعه منها، وخطها عليه بسماعه منها، بتاريخ محرم سنة تسع وستين وخمسمائة بالإسكندرية، وأنشدني ذلك رواية عنها، فمن قولها: أعوامُنَا قد أَشْرَقَتْ أَيَّامُهَا ... وعلاَ على ظَهْرِ السِّماكِ خيامُهَا والروضُ مُبْتَسِمٌ بِنَوْرِ أَقاحِهِ ... لما بكى فَرَحاً عليه غَمَامُهَا والنَّرْجِسُ الغضُّ الذي أَحْدَاقُهُ ... تَرْنُو لِتَفْهَمَ ما يقولُ خُزَامها والوردُ يحكي وجنةً محمَرَّةً ... انحلَّ من فَرْطِ الحياءِ لِثامها وأهدت إلى بعض الأفاضل توتا، فكتب إليها. وَتُوتٍ أَتَانا ماؤُهُ في احمرارِهِ ... كَدَمْعِي على الأَحباب حين تَرَحَّلُوا هدية من فافَتْ جمالاً وفطنةً ... وأبهى من البَدْرِ المنيرِ وأَجْمَلُ فلا عَدِمَتْ نفسي تَفَضُّلَها الذي ... يُقَصِّر وَصْفِي عن مَدَاه وَيَعْدِل فكتبت إليه تقية: أتاني مديحٌ يُخْجِلُ الطَرْفَ حُسْنُهُ ... كمثل بهيِّ الدرِّ في طيِّ قِرْطسِ ولها وقد أعارت ابن حريز دفتراً، فحبسه عنده أشهراً: قل لذوي العلم وأهلِ النهى ... وَيْحَكُمُ لا تَبْذُلُوا دفترا فإن تُعيروهُ لذي فطنةٍ ... لا بدَّ أَنْ يَحْبِسَه أَشْهُرَا وإِنْ تَعُودُوا بَعْدَ نُصْحِي لكمْ ... تخالفوني فالبراءَ البَرا ولها من قصيدة: خانَ أَخِلاَّئِي وما خُنْتُهُمْ ... وأَبْرَزُوا للشرِّ وجهاً صَفِيقْ وكُدِّرَ الودُّ القديمُ الذي ... قد كان قِدْماً صافياً كالرحيق وباعدوني بعد قُرْبي لَهُمْ ... وَحَمَّلُوا قلبيَ ما لا أُطِيقْ ولها من قصيدة: هاجَتْ وساوسُ شوقي نَحْوَ أَوْطَانِي ... وبان عَنِّي اصطِبَاري بعد سُلْواني

стр. 729

وبتُّ أَرْعَى السُّهَا والليلُ مُعْتَكِرٌ ... والدمعُ مُنْسَجِمٌ من سُحْبِ أَجْفَني وعاتَبَتْ مُقْلَتِي طيفاً أَلَمَّ بها ... أَهكَذَا فِعْلُ خِلاّنٍ بخلاّنِ نأَيْتُ عنكم وفي الأحشاءِ جَمْرُ لَظىً ... وسُقْمُ جِسْمي لِمَا أَهْوَاهُ عُنْواني إذا تذكرتُ أيّاماً لنا سَلَفَتْ ... أَعانَ دمعي على تَغْريق نسياني وكتب بعض الأفاضل إليها، وقد مدحت نفسي: وما شَرَفٌ أن يَمْدَحَ المرءُ نفسَه ... ولكنّ أفعالاً تُذَمُّ وتُمْدَحُ وما كلَّ حينٍ يَصْدُقُ المرءَ قَلْبُهُ ... ولا كلُّ أصحابِ التجارةِ تَرْبَحُ ولا كلُّ من ترجو لغيبِكَ حافظٌ ... ولا كلُّ من ضمَّ الوديعةَ يَصْلُحُ فكتبت إليه: تعيبُ على الإنسان إظهارَ عِلْمِه ... أَبا لِجدِّ هذا منك أمْ أنْتَ تَمْزَحُ فَدَتْكَ حياتي قد تقَدَّمَ قبلنا ... إلى مَدْحهِم قومٌ وقالوا فأَفْصَحوا وللمتنبي أحرُفٌ في مديحهِ ... على نَفْسِهِ بالحقِّ والحقُّ أَوْضَحُ أَرُوني فتاةً في زماني تَفُوقُني ... وتَعْلُو على عِلْمي وتَهْجُو وتَمْدَ؛ ُ عبد المحسن الإسكندري المعروف ب ابن الرقيق ذكره الفقيه أبو الفتح نصر الفزاري وقال: هو كثير الهجو، بذيء اللسان، وله شعر جيد، عارف بصناعة الطب والهندسة. قال: أنشدني أبو الفتح نصر المصري، قال: أنشدني عبد المحسن لنفسه في ابن عبد القوي: قُلْ لابْنِ عَبْدِ القَوِيِّ يا خَرِفُ ... علامَ ذا التِّيهُ منك والصَّلَفُ لا يَغْرُرَنْكَ الثيابُ أَبْيَضُها ... فإنما منك تَحْتَها جِيَفُ فالدُّرُّ مُسْتَوْدَعٌ حَشَا صَدَفٍ ... وأنت درٌّ في جَوْفِهِ صَدَفُ وله في ابني كامل: لا بدّ لابْنَيْ كاملٍ من نَكْبَةٍ ... يَزِنانِ فيها كلَّ ما ادّخراهُ فالكلبُ يَفْرَحُ بالذي هو آكِلٌ ... ويَضِيقُ ذرعاً بالذي يخراه وله في أعور: لنصرَ خُبْرٌ يُحَقِّقُ الخَبَرَا ... فَهْوَ على حالتَيْهِ ذَقْنُ خرا وأَعْوَرُ العينِ قُبْحُ مَنْظَرِهِ ... أَثَّرَ في عَيْنِ دَهْرِنَا عَوَرا ما كنت أَدْرِي قُبَيْلَ أَنْظُرُهُ ... أنّ المسيخَ الدجّال قد ظهرا من قال إنّ الإله خالِقُهُ ... فإنه بالإله قد كَفَرَا وله يا يهودَ الزمانِ أَنتُمْ حميرٌ ... وتيوسٌ بكمْ تُقَاسُ التيوسُ حين أَضْحى شَمْوِيلُ فيكمْ رئيساً ... وبقدرِ المَرْءُوسِ يَأْتي الرئيسُ هوَ ثَوْرٌ وربُّهُ كان عِجْلاً ... من قديمٍ وصِهْرُهُ جامُوس ابن سلمان القرشي من أهل الإسكندرية هو أبو الفضل يوسف بن سلمان القرشي. أنشدني نصر بن عبد الرحمن الإسكندري الفزاري ببغداد قال: أنشدني القاضي أبو محمد العثماني الديباجي بالإسكندرية قال: أنشدني أبو الفضل يوسف بن سلمان القرشي لنفسه ذكر أنه كان من أهل الفضل وذوي اليسار بها: أرى كُتُباً قد طال في جمعها جُهْدِي ... وزادَ إليها قَبْلَ تحصيلها وَجْدِي تمنيتُ فيها نظرةً فَحُرِمْتُهَا ... وجاءَتْ عقيبَ المنع عَفْواً بلا كَدِّ فأصبحتُ فيها ناظراً مُتَحَكِّماً ... جواداً بما فيها على الصادقِ الوُدِّ أَقَلِّبُهَا من بَعْدِ غيري مُحَكَّما ... فيا ليت شعري مَنْ يُقَلِّبُهَا بَعْدي نصر بن عبد الرحمن الفزاري وللفقيه نصر بن عبد الرحمن الأسكندري الفزاري في معناه، وكتب لي نسبه وهو: نصر بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن علي بن الحسين بن زياد بن عبد القوي ابن عامر بن محمد بن جعفر بن أشعث بن يزيد بن حاتم بن حمل الفزاري، أنشدنيه وذكر أنه كان عني بتصنيف كتب سماها لي، أنشدنيه لنفسه في بغداد، رأيته شاباً متوقداً بالذكاء والفطنة عارفاً بالأدب.

стр. 730

أُقَلِّبُ كُتْباً طالما قد جَمَعْتُهَا ... وأَفْنَيْتُ فيها العَيْنَ والعَيْنَ واليدا وأصبحتُ ذا ضنٍ بها وتمسُّكٍ ... لِعِلْمِي بما قد صُغْتُ فيها مُنَضَّدَا وأَحْذَر جَهْدي أن تُنَالَ بنائلٍ ... مُبيرٍ وأن يغتالَهَا غائلُ الرَّدَى وأعلمُ حقًّا أنني لستُ باقياً ... فيا ليت شعري من يُقَلِّبُها غدا مسعود الدولة بن حريز الشاعر المصري أنشدني الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري الإسكندري ببغداد قال أنشدني أبو الفتح نصر المصري قال سمعت ابن حريز ينشد. ظَنَّتْ مَعينَ الدمع غيرَ مُعينها ... في بينها أو في تَعَسُّفِ بَيْنِها صَدَقَتْ وفي صَدَفِ الجفون لآلىءٌ ... نابَ العقيقُ الرَّطْبُ عن مكنونها ومنها: أيامَ عيشي تشتكي سلمى وما ... تشكُو سوى تصحيفِ أَحْرف سينها حَلَفَتْ لَتَرْقَنَّ السماءَ فمذ أًتَتْ ... قَصْرَ الخلافةِ بَرَّ عَقْدُ يمينها أبو الحسن التنيسي يلقب برضي الدولة أنشدني الفقيه نصر، قال: أنشدني أبو الفتح نصر قال: سمعت أبا الحسن التنيسي ينشد: راحَ من خَمْرِ الصِّبَا مُغْتَبِقَا ... ثَمِلاً أَحْسَنَ شيءٍ خُلُقُا تفعلُ النشوةُ في أَعْطَافِهِ ... فِعْلَ عينيه بأرباب النَّقَا رشأٌ قد أَقْسَمَتْ أَلْحَاظُهُ ... لتُريقنَّ دِمَا مَنْ عَشِقَا فيهما سهمان تنصيل الهوى ... فإذا مافُوِّقا قد رَشَقَا مَنْ عذيري من غزالٍ كلَّمَا ... سُئِلَ الرحمةَ أَبْدَى حَنَقَا ورأيتُ النرجسَ الغضَّ وقد ... أخجلَ الوردَ بما قد أَحْدَقَا ينهبُ الناهبُ من زهرته ... ويذودُ اللمسَ عما بَسَقَا كم أناديه وذلِّي شافعٌ ... وفؤادي يَتَلظَّى حُرَقَا هكذا يُجْزَى بكمْ من عشقا ... لاعجاً يَسْري وقلباً مُوثَقَا إِنْ يكن بُعْدُكَ عن حُمَةً ... فمديحي حافظُ الدين الرُّقَى ابن غسان الكاتب المصري أبو الحسن علي بن المؤمل بن علي بن غسان. أنشدني الفقيه أبو الفتح نصر ابن عبد الرحمن ببغداد، قال: كان ابن غسان مكثراً من الشعر عارفاً بالكتابة، رأيت ديوانه في مجلدين بخطه بالإسكندرية، وهو رواية العثماني، قال أنشدني الشيخ أبو الحسن علي بن المؤمل بن علي بن غسان الكاتب المصري لنفسه. بكىأَسَفاً لفراق الحبيب ... وأَفْرَقَ من سطواتِ الفراقِ عسى الله من بَعْدِ حَرِّ الفراقِ ... يَمنُّ عليه بِبَرْدِ التَّلاَقِ وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني القاضي العثماني، قال: أنشدني ابن غسان لنفسه: فُتِنْتُ بفاتنِ الْحَدَقِ ... وزاد بِهَجْرِهِ أَرَقِي إذا ناديتُ من جَزَعٍ ... أخذتُ القلْبَ في طَلَقِ رويدك سَوْفَ تَلْقَاهَا ... بلا قَلْب ولا رَمَقِ قال: وأنشدني القاضي العثماني قال: أنشدني ابن غسان لنفسه. توكَّلْ على الله جلَّ اسمُهُ ... ولا ترجونَّ سواه تَعَالَى وكلُّ امرىءٍ يَرْتَجِي غيرَهُ ... لكشفِ المُلِمَّاتِ يَرْجُو مُحَالاَ قال: وأنشدني أيضاً لنفسه. إلى كم منك حظي في انتقاصِ ... ومالِي عن غرامك من مَنَاصِ لقد ضيَّعتَ حين أَضَعْتَ حَقِّي ... وودِّي لم تُرَاع ولا اختصاصي إذا أَوْعدتني شرًّا أتاني ... ووعدُ الخيرِ عندكَ في اعْتِيَاصِ فَشرُّكَ كلَّ يومٍ في ازديادٍ ... وخيرُكَ كلَّ يومٍ في انتقاصِ وصدُّكَ لا يَصُدُّكَ عنه شيءٌ ... وَوَصْلُكَ ذو اعتلالٍ وانتكاص عجبتُ لِمَنْ يُؤَمِّلُ مِنْكَ خيراً ... يفوزُ به إلى يوم القصاص وأَعْجَبُ من صدودك أَنَّ مالي ... وقد أَنْكَرْتُ فِعْلَكَ مِنْ خَلاَصِ ابن قتادة المعدل المصري

стр. 731

أبو الفتح منصور بن إبراهيم بن قتادة الأنصاري توفي في عصرنا. أنشدني الفقيه أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري قال: أنشدني القاضي العثماني، قال: أنشدني الشيخ أبو الفتح منصور بن إبرايهم ابن قتادة الأنصاري المعدل بمصر المصري بالإسكندرية سنة اثنتي عشرة وخمسمائة لنفسه في التغزل: نظري إليك يزيدُ في نَظَري ... فعلامَ تَحْجُبُنِي عن النَّظَرِ يا جُمْلةَ الْحُسْنِ التي اقْتَسَمَتْ ... منها المحاسنَ جُمْلةُ البشَر لِهَوَاكَ بين جَوانِحِي كُتُبٌ ... قد عُنْوِنَتْ بالدَّمْعِ والسَّهَر قال: وأنشدني العثماني قال: أنشدني أيضاً لنفسه: أَفْدِي خيالاً من حبيبٍ زارني ... في جنحِ ليلٍ كالقطيعة مُظْلمِ فطفقتُ مسروراً به وسأَلْتُهُ ... أَنّى اهتدى والليلُ لم يَتَصَرَّمِ فأَجابني إِني هتكتُ سُدُولَهُ ... حتى اهتديتُ إليكمُ بِتَبَسُّمِي قال: وأنشدني له أيضاً: أَسَباك منه جيدُهُ أَمْ طَرْفُهُ ... أم شَكْلُهُ أم دَلُّهُ أم ظَرْفُهُ يا ناظري أَمْ وردُ وَجْنته الذي ... يلتذُّ للعينِ البصيرةِ قَطْفُهُ صافحتُهُ فشكتْ أناملُهُ الأَذَى ... وتألمتْ من لَمْسِ كفَي كَفُّه فكأنَّ جسمي جَفْنُهُ في سُقْمِهِ ... أو خَصْرُهُ وكأَنَّ هَمِّي رِدْفُه وله في المكربل، وكان هجاه: ما نال خَلْقٌ في الهِجا ... ما نالَهُ المُكَرْبَلُ كلُّ الهجاءِ أخِرٌ ... وهو الهجاءُ الأَوَّلُ لأَنَّهُ يأَخْذُهُ ... من عِرْضه وَيَعْمَلُ وقرأت في كتاب الجنان لابن الزبير، أنشدني قتادة لنفسه في المكربل لما مات: قالوا المكربلُ قد قضى فأَجَبْتُهُمْ ... ماتَ الهجاءُ وعاش عِرْضُ العَالَمِ ما تسمعون ضجيج مالكَ مُعْلِنا ... وجنوده لا مرحباً بالقادم الشيخ الأديب أبو محمد عبد الله بن عتيق الشاعر المصري المعروف ب ابن الرفا شيخٌ ظريفٌ، لطيف العبارة، مطبوع النظم، ذكر أنه أقام باليمن أربعين سنة، وأجفل عنها غلبة المهدي على زبيد، وأقام ببغداد، وكان يحضر مجلس ابن الصيفي عند سماع شعره، وأفاوضه في الشعر وغيره، ولا تخلو مجاذبة أطراف الحديث معه من فائدةٍ ليلة، وجدوى جديدة، وأنشدني كثيراً من شعره ووعدني بإثباته لي. فمما أنشدنيه لنفسه يوم الجمعة غرة محرمٍ سنة اثنتين وستين وخمسمائة ببغداد: تفعلُ بي ألحاظُ هذا الغزالْ ... فعلَ الحُمَيَّا بعقول الرجالْ قلت له وقد انفصلنا من مجلس ابن الصيفي: اكتب لي شيئاً من شعرك فقال: من عنده السكر لا يطلب الملح. قلت: الملح لا يستغني عنه طعامٌ؛ ثم وصفت نفسك، فإن البحر ملحٌ قال: ولكن لا يشرب، قلت ولكن لا يمنع الراكب ولا يحرم الجدوى، وأنشدت متمثلاً: كالبحرِ يُعطي للقريب إذا دنا ... دُرًّا ويبعثُ للبعيدِ سحائبا ابن مجبر الإسكندري وهو أبو القاسم بن مجبر بن محمد ذكر أنه كان من أهل الإسكندرية. وله شعرٌ صالحٌ ومذهبٌ في الشعر عجيبٌ أنشدني الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري ببغداد سنة ستين، قال: أنشدني القاضي أبو محمد العثماني، قال: أنشدني أبو القاسم بن مجبر بن محمد لنفسه ملغزاً. أُحاجيكَ ما سابقٌ للخيو ... لِ لا تُحْسِنُ الريحُ تَجْرِي مَعَهْ يسيرُ على حافرٍ واحدٍ ... قوائِمُهْ فَوْقَهُ أَرْبَعَهْ إذا المرءُ أَوْدَعَهُ عِدَّةً ... أَتَاهُ بأَضْعَافِ ما أَوْدَعَه وَيُطْعِمُه جَهْدَهُ وهو لا ... يكادُ من الحِرْصِ أَنْ يُشْبِعَه يَخِفُّ فتحسبُهُ ريشةً ... ولا يقدرُ البغلُ أَنْ يَرْفَعَه وأنشدني أيضاً القاضي العثماني قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه ملغزاً. ما أَحرُفٌ تقرأُ مَقْلوبَهْ ... للطيرِ والأَنْعامِ مَنْسُوبَهْ

стр. 732

صحيحةُ الشكْلِ ولكنَّها ... مكسورةُ الأَبْعاضِ مَضْروبَهْ أظهرتُها جَهْدي وأَخْفَيْتُها ... فهيَ مع الهتكةِ مَحْجُوبَهْ وأنشدني أيضاً قال: أنشدني القاضي العثماني، قال: أنشدني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد اللخمي، قال: أنشدني أبو القاسم بن مجبر لنفسه ملغزاً أيضاً: أُحْجِيَةٌ شأْنُها عجيبٌ ... يَفْهَمُها كلُّ ذي قَرِيحَهْ ما ذاتُ خدٍ به سَوَادٌ ... كخدِّ نوبيَّةٍ صَرِيحَهْ وآخرٌ أَبيَضٌ نَقِيٌّ ... يُخالُ من فِضَّةٍ صريحَهْ محجوبةٌ تُشْتَهَى ولكِنْ ... يَمْحَضُكَ الودَّ والنصيحَهْ قال: بمصر طيرٌ يسمى الطفل يؤكل، الواحدة طفلة. ابن جبر هو أبو محمد يحيى بن حسن بن جبر شرف الدولة من شعراء صاحب مصر. أنشدني الفقيه أبو الفتح نصر الإسكندري، قال: أنشدني أبو الفتح نصر المصري، قال: أنشد ابن جبر وأنا أسمع: مديحُكَ فَرْضٌ كالصلاةِ لوَقْتِها ... تُؤَدَّى، فإن فاتت فلا بُدّ أَنْ تُقْضَى وما أَخَّرَ المملوكَ إلاّ توعُّكٌ ... أَلَمَّ به واللهُ قد عَذَرَ المَرْضَى وقرأت له من قصيدة في مدح ابن رزيك: ما بَ. من عزَّ إِلا البيضُ والأسلُ ... ولا اجتنى الحمدَ إلا الفارسُ البطلُ ولا اقتنى المجدَ إلا مَنْ له هِمَمٌ ... بعيدةٌ بمحلِّ النَّجْمِ تَتَّصِلُ كفارسِ المسلمينَ الأكملِ الملك النَّدْبِ ... الهمامِ الذي تَحْيا به الدُّوَلُ هل كان قطُّ ابنُ زُرِّيكٍ بملحمةٍ ... إلا وكان مُلاقيه له الهَبَل وله فيه أيضاً: ولرُبَّ يومٍ قد تطايرَ شرُّهُ ... عنه يَخِيمُ الهِبِزِرِيُّ الأَرْوَعُ أَطْفَا ابنُ رزِّيكٍ لهيبَ ضِرَامِه ... والبيضُ تَخْطبُ في الرءُوس فَتُسْمَعُ وكتائبٌ للشِّرْكِ كنتَ إِزاءَها ... مُتعرِّضاً فانفضَّ ذاك المَجْمَعُ ولكمْ صَرَعْتَ من الفرنجِ سَمَيْدَعاً ... بلقائه لكَ قِيلَ أَنْتَ سَمَيْدَعُ ابن شمول المقرىء أبو الحسين من أهل مصر. وكان الغالب عليه القرآن، وانتهت إليه رئاسة الإفراء بمصر، وهو كبير الشأن، وتوفي بعد سنة خمسمائة. أنشدني القاضي حمزة بن علي بن عثمان، وقد وفد إلى دمشق سنة إحدى وسبعين، قال: أنشدني أبو الجيوش عساكر بن علي المقري، قال: أنشدني أبو الحسين بن شمول لنفسه: تَبَسَّمَتْ إذْ رَأَتْني ... وشيبُ رَأْسي يَحُومُ فقلتُ شَعْرِيَ ليلٌ ... والشيبُ فيه نجومُ فاستضحكتْ ثم قالتْ ... كما يقولُ الظَّلومُ يا ليتها من نجومٍ ... غَطَّتْ عليها الغُيُومُ ابن معبد القرشي الإسكندري هو أبو الحسن علي بن الحسن بن معبد، أنشدني الفقيه نصر بن عبد الرحمن الإسكندري الفزاري ببغداد سنة ستين، قال: أنشدني أبو الحسن الأديب هذا لنفسه بالإسكندرية، وكان حسن التصرف في النظم والنثر، كثير المعاني، لطيف الطبع، صحب ملوك المغرب مدة طويلة، وشعره مشهور مستجاد: ومُهَفْهَفٍ طالَتْ ذوائبُ فَرْعِهِ ... كالليل فاضَ على الصباح المُسْفِرِ قَصَرَ الدَّلالُ خُطاهُ فاعتلقتْ به ... لي مهجةٌ عن حُبِّهِ لم تَقْصُرِ وَسْنانُ كُحْلُ السِّحرِ حَشْوُ جُفُونِه ... ففتورُها عن مُهجَتي لم يَفْتُرِ مَلَكَ القلوبَ بدُرِّ سِمْطَيْ لؤْلُؤٍ ... عَذْبِ اللَّمَى في غُنْجِ طَرْفٍ أَحْوَر وبوجنةٍ رَقَمَ الجمالُ رياضَها ... ببنفسجٍ من فوقِ وردٍ أحمر كتبَ العذارُ على صحيفةِ خَدِّهِ ... هذا بداءَةُ حيرةِ المتحيّر وَهَبَتْ محاسنه الكمالَ فأصبحتْ ... فِتَنَ العقولِ وَرَوْضَ عينِ المُبْصِر قال: وأنشدني أيضاً لنفسه: وَهَبْتُ سُلُوِّي لدينِ الصِّبا ... فصيرَّتُ مَذْهَبَهُ مَرْكَبَا

стр. 733

وصرتُ إِذا ما الهوى مَرَّ بي ... يقولُ له خاطري مرحبا وإِني لأَهْوى رشاً ساحراً ... أَعارَ فتورَ العيونِ الظِّبَا إذا ما تَثَنَّى فغُصْنُ نَقَاً ... وبدرٌ جلا شَعْرَه غَيْهَبا وزانتْ مُحيَّاهُ خيلانُهُ ... كما تيبعُ الكوكبُ الكوكبا وبي أَسمَرٌ ناسَبَتْهُ القَنَا ... يرُوقُكَ خدًّا حَلا مُذْهَبا سَقَى روضَ خَدَّيه ماءُ الشبابِ ... ففتَّحَ زهراً به مُعْجِبا وخيلانُهُ خَيَّلَتْ عنبراً ... على صفحةِ التِّبْر قد حَبَّبا تَقَلَّدَ من لحظه صارماً ... أَسالَ النفوسَ وما ذُنِّبا وَمُلِّكَ من حُسْنِه دَولةً ... لطاعتها كلُّ قلبٍ صَبَا وأورده ابن بشرون في المصريين وقال: ابن معبد الطرابلسي أنشدني لنفسه: يا حاديَ الركْب رفقاً بالحبيب فقد ... طارَ الفؤادُ وقلَّ الصبرُ والجَلَدُ لعلّ حِبِّي يرى ذُلِّي فيرحمني ... بنظرةٍ عَلَّها تشفي الذي أَجِدُ يا ويحَ من ظَعَنَتْ أحْبابُه وَغَدَا ... مُخَلِّفاً بعدهم أكْبادَه تَقِدُ قال: وأنشدني أيضاً لنفسه: هواك لقلبي أَجلُّ المِلَلْ ... وإِنْ سِمْتَهُ غارِماً بالمَلَلْ حَلَوْتَ فكنت كعصرِ الصِّبا ... فَجُدْ بالقَبُولِ وَطِيبِ القُبَلْ فوجْهُكَ حُسْناً وَوَجْدِي به ... غدا ذا وذا في البرايا مَثَلْ قال: وأنشدني أيضاً لنفسه: تنامُ وعندي غُلَّةٌ وأَلِيلُ ... وَتَلْهو وَلبْسِي لَوْعَةٌ ونُحُولُ وأَرْضَى بحملِ الذلِّ فيكَ وليسَ لي ... لديكَ إلى نَيْلِ الوِصالِ وُصُولُ فوا أسفاً إن لم تَجُدْ لي بزورةٍ ... يقابلني منها رِضاً وقبولُ الشيخ أبو الحسين بن مطير شاعرٌ مجيدٌ، وله ديوان، ووجدت له في مجموع: مُحْكَمَةٌ كاساتُنا هذه ... وَلَهْوُنَا أَسْبابُهُ مُحْكَمَهْ فَمَهْ لحاكَ اللهُ من لائمٍ ... وكُنْ كمنْ سَدَّ بِصَمْتٍ فَمَهْ تم التأليف الحاوي لشعراء مصر وأدباء العصر بمن الله تعالى بتاريخ العشرين من رجب من سنة اثنتين وأربعين وستمائة والحمد لله وصلى الله على محمد وآله وأصحابه. قسم شعراء المغرب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ أعنّ الجزء الثاني من القسم الرابع باب في ذكر محاسن فضلاء جزيرة صقلية أبو الحسن علي بن عبد الرحمان بن أبي البشر الكاتب الصقلي الأنصاري سمّاه أبو الصلت في رسالته من أهل العصر، وأثنى على بلاغته بعد ذكر أبيات لنفسه في وصف النيل كتبها الى الأفضل ليلة المهرجان وهي: أبْدعتَ للناس منظراً عجبا ... لا زلتَ تُحيي السّرورَ والطّرَبا جمعتَ بين الضّديْنِ مُقتدراً ... فمَنْ رأى الماء خالط اللهبا كأنّما النّيلُ والشّموعُ به ... أفْقُ سماءٍ تألّقتْ شُهُبا قد كان في فِضّةٍ فصيّرهُ ... توقُّدُ النارِ فوقَه ذهَبا قال: وقد تعاور الشعراء وصف وقوع الشعاع على صفحات الماء. ومن مليح ما قيل فيه قول بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن أبي البشر الكاتب: شرِبْنا مع غُروب الشّمسِ شمسا ... مُشَعشَعةً الى وقتِ الطّلوعِ وضوءُ الشمسِ فوقَ النّيل بادٍ ... كأطرافِ الأسنّة في الدّروعِ ولأبي الصلت في المعنى: بشاطئِ نهرٍ كأنّ الزّجاجَ ... وصفْوَ اللّجينِ به ذُوِّبا إذا جمّشَتْه الصَّبا بالضُحى ... توهّمْتَه زرَداً مُذْهبا ولابن خفاجة الأندلسي: والرّيحُ تعبثُ بالغُصونِ وقد جرَى ... ذهبُ الأصيل على لجين الماءِ وقرأت في مجموع شعر نظماً حراً، يفوق ياقوتاً ودراً، منسوباً الى أبي الحسن بن أبي البشر، مشتملاً من المعاني على الغرر، فمن ذلك قوله في راقصة:

стр. 734

هيفاء إن رقصت في مجلس رقصت ... قلوبُ مَنْ حولها من حِذْقها طربا خَفيفة الوطءِ لو جالت بخطوتها ... في جفن ذي رمدٍ لم يشتكِ الوصبا وقوله: لنا في كلّ مُقترَح وصوتٍ ... مناجاةٌ بأسْرار القلوبِ فنفْهمُ بالتّشاكي ما نُلاقي ... بلا واشٍ نخافُ ولا رقيب وقوله: وساقٍ كمثل الغزال الرّبيب ... بصيرِ اللّحاظِ بصيدِ القُلوبِ جسَرْتُ عليهِ فقبّلتُه ... مُجاهرةً في جُفونِ الرّقيب فلما توسّد كفَّ الكرى ... وأهداه لي سُكرُه من قريب تعجّلتُ ذنباً بفتكي به ... ولكنّه من مليح الذّنوبِ وقوله: كتبتَ فهلاّ إذ ردَدْتَ جوابي ... جعلتَ عنّي مكان عتابي لئِنْ كان ذنباً أنّني لم أزركمُ ... لفَقْدي للقياكم أشدُّ عِقابِ وهذا كقول الصابئ: إن يكن تركي لقصْدِكَ ذنبا ... فكفى بي ألاّ أراك عقابا وقال أبو الحسن بن أبي البشر: اللهُ يعلم كيف سرتُ ... وما لقيتُ وكيفَ بتُّ حذَراً عليكَ وُقيتُ فيك ... من الحوادثِ ما حذرْتُ إن لم تمُنَّ بوصف حا ... لِكَ لي بخطِّ يديك متُّ وقال، ومما يقرأ على خمسة أوزان: وغزالٍ مُشنَّفٍ ... قد رثى لي بعدَ بُعدي لمّا رأى ما لقيتُ مثل روض مُفوَّفٍ ... لا أبالي وهو عِندي في حُبّه إذْ ضنيتُ وجهه البدرُ طالعاً ... تاه لمّا حاز ودي فإنني قد شَقيتُ في قضيب مُهفهَفٍ ... لذّ فيه طولُ وجْدي جفا فكدت أموتُ مانع غيرُ مُسعِفٍ ... ليس يأبى نقْضَ عهدي وليس إلا السّكوتُ جائر غير مُنصفٍ ... حالَ عمّا كان يُبْدي إنّ الوِصالَ بُخوتُ وقال: أتراني أحْيا الى أن يعودا ... نازحٌ لم يدعْ لعيني هُجودا كيف أرجو الحياةَ بعد حبيب ... كان يومي به من الدهر عيدا كنت أشكو الصّدود في القرب والآ ... ن قد استغرق البِعادُ الصّدودا أشتهي أن أبوح باسمك لكن ... لقّنَتْني الوُشاة فيك الجُحودا وقال: الى الله أشكو دَخيلَ الكمدْ ... فليس على البُعد عندي جلَدْ ومنْ كنتُ في القرب أشتاقهُ ... فكيف أكون إذا ما بعُدْ وقال: إليك أشكو عيوناً أنت قلتَ لها ... فيضي فقد فضحَتْني بين جُلاّسي وما تركتَ عدوّاً لي علمْتَ به ... إلا وقد رقّ لي من قلبك القاسي فإن رضيتَ بأن ألقى الحِمامَ فيا ... أهلاً بذاك على العينين والرّاسِ وقال، وقد سئل في إجازة البيت الأخير: تولّوا وأسرابُ الدّموع تفيضُ ... وليلي طويلٌ بالهموم عريضُ ولما استقلّوا أسلمَ الوجد مُهجَتي ... الى عزَماتٍ ما لهنّ نهوض توقّدُ نيران الجوى بين أضلُعي ... إذا لاح من برق العِشاء وميض ولم تبق لي إلا جفون قريحةٌ ... وعظْم بَراهُ الشّوق فهو مهيض فغنِّ لمحزون جفا النومُ جفنَه ... فليس له حتى الوصالِ غموض شجاني مغاني الحي وانشقت العصا ... وصاح غراب البين: أنت مريض وقال: ألم يأنِ للطيف أن يعطفا ... وأن يطرُق الهائِمَ المُدْنفا جفا بعد ما كان لي واصلاً ... وخلّف عندي ما خلّفا أما تعطفنّ على خاضع ... لديك يناجيك مستعطفا إذا كتبتْ يدُه أحرفا ... إليك محا دمعُه أحرُفا ولو كنتُ أملك غرْبَ الدموع ... منعتُ جفونيَ أن تذرِفا غراماً بإشعال نار الغرام ... وما عُذرُ صب بكى واشتفى وقال: قد أنصف السقمُ من عينيكَ وانتصفا ... فها هما يحكيان العاشقَ الدّنِفا

стр. 735

يا ساحرَ الطرف قد أُغريتَ بي كلَفا ... برْحاً وصيّرتني أستحسنُ الكلَفا أظنّ خدّيكَ من جاري دمي اختَضَبا ... لقد تناهيْتَ في قتلي وقد ظرُفا وقال: يا سيّئَ القُدرة كم ذا الجفا ... لقد شفا هجرُك بي واشتفى تُراكَ لم يكفِك ما حلّ بي ... بعدَك من طول الضّنى أو كفى وقال مُلغزاً: اسمُ الذي صيّرني مدنفا ... لمّا انتضى من جفنه مرهَفا يلعب إنْ رُخِّم معكوسه ... لأنه قد نسّق الأحرفا ألم ترَ كيف غدا ثُلثُه ... جذراً لثلثيه إذ ألِّفا قد غلب القلب على صبره ... وهكذا يخرج إن صُحِّفا وقال: يا غزالاً صاغه الصا ... ئغُ من حسنٍ وظُرفِ لا وزهرٍ في رياض ... غيرِ مبذول لقَطْفِ ما تعرّضْتُ لريْبٍ ... إنّما نزّهْتُ طرْفي وقال: كيف لم يشتعل بنار اشتياقي ... قلَم لي أبُشّهُ ما ألاقي كان حلوَ المذاق عيشيَ للقُر ... بِ فأضحى للبُعد مُرّ المذاق فوَصَبري لآخُذنّ بثاري ... من ليالي الفراق يوم التّلاقي وقال: هجرتك يا سؤْلَ نفسي ولي ... فؤاد متى تذكري يخْفق وما ذاك منّي اطّراحُ المَلول ... ولكنه نظرُ المُشفِقِ أخاف عليكِ فلولاك لم ... أكن أتّقي جُلّ ما أتّقي كما تتزكين بَرودَ الشّرا ... ب ظمأى مخافة أن تشرَقي فإن سرّ حاسدَنا بُعدُنا ... فنحن على رغمه نلتقي ومهما علِمتِ فلا تجهلي ... فإن المُحبّ سعيدٌ شقي وقال: عذّبتَ قلبي ببُخلِك ... فامنُنْ عليّ بوصلكْ يا علّتي وشقائي ... ماذا لقيت لأجلك بحُسنِ وجهك إلا ... أمّنْتني قُبحَ فعلك أرجو انعطافَك لكن ... أخاف من طول مَطلِك نَهاك أهلك عني ... من أجل أهلِك أهلِك وقال وهذان البيتان يجمعان حروف المعجم: مُزَرْفَنُ الصّدغ يسطو لحظُن عبثا ... بالخلق جذْلانُ إن تشكُ الهوى ضحكا لا تعرِضَنّ لوَردٍ فوق وجنته ... فإنّما نصبَتْه عينُه شَرَكا وقال في مغنٍّ: ولنا مغنٍّ لا يزا ... ل يغيظنا ما يفعلُ صلَف وتيه زائد ... وتبَظْرُم وتمحّل غنّى ثقيلاً أوّلا ... وهو الثّقيل الأولُ وقال في الشيب والتغزل: تبلّج هذا الصبح أو كاد يفعلُ ... فأقصَر واستحيى معنّىً مُضلَّل أتاهُ نذير الشّيب قبل أوانه ... فأقلع عن لذّاته وهو معجَلُ فأهلاً بضيف قال هزلي لجده ... ترفق فإني حين تنزل أرحل سقى ورعى الله الشبابَ فإنّه ... على ما جنى سترٌ من اللهو مُسبَل بنَفسيَ من شطّت به غربة النّوى ... ومن هو في لحظي وفكري ممثّل ومن لجّ قلبي في هواه وغرّني ... رضاه فلا يسلو ولا يتبدل صحوت وعندي من هواه بقية ... تعمّ جميع العاشقين وتفضُل عجبت لطرف قد تضرّجَ من دمي ... فما احمرّ إلا خده وهو أكحل وما كنت أدري قبل لُقيا لحاظِنا ... بأن لدى الألحاظ سهم ومقتَل وقال: يا ذا الذي كل يومٍ ... يزيد عقلي خبالا ولّهْتَني بك حتى ... رأيت رُشْدي ضلالا أدعو عليك وقلبي ... يقول يا ربّ لا، لا وقال: ولقد وجدتُ الصبر بعدكمُ ... صعباً وكنت أظنه سهلا واستعبَرَتْ عيني فقلت لها ... هلاّ حذرْتِ الأعيُنَ النُّجْلا لا مرحباً بالبيْن من أجَلٍ ... تنْأى الحياةُ به ولا أهلا قد كان لي مُلْكاً دُنوّكمُ ... فالآن أصبح بُعدُكم عَزْلا وقال:

стр. 736

كيف أعتدّ بلُقيا هاجر ... قبلما حاول وصلي صرَما عجبي من سقَمٍ في طرفه ... يورِثُ السُّقْم ويَشْفي السّقَما لو تجاسرتُ على الفتك به ... لم أعُدْ أقرَعُ سنّي ندَما أيّ شيء ضرّني لو أنّني ... كنت في الحِلّ طرقت الحرَما أنا عندي من شفى غُلّته ... من حبيب مُسعِدٍ ما أثِما وقال: فيه لي جنة وفيه نعيم ... وعذاب أشقى به ونعيمُ جاءني عائداً ليعلمَ ما بي ... من تجنّي هواه وهو عليم هو يدري ما أوجب السُقمَ لكن ... ليس يدري بما يقاسي السقيم ثم نادى وقد رأى سوءَ حالي ... جلّ محْيي العِظام وهي رميم وقال: ألا فليُوطِّنْ نفسَه كلّ عاشق ... على خمسة محثوثةٍ بغَرام رقيبٍ وواشٍ كاشح ومفنِّدٍ ... مُلحّ ودمعٍ واكفٍ وسَقام وقال: لا فرّج الله عنّي ... ولا شفى طولَ حُزني وألهبَ الشّوقُ قلبي ... وأمكن العجزُ منّي إن لم أروّحْ فؤادي ... من ذا القِلَى والتّجنّي وقال: وصلَ الكتابُ وكان آنسَ واصلٍ ... عندي وأحسنَ قادمٍ ألقاه لا شيء أنفَسُ منه مُهدَى جامعاً ... شمِلَ المنى إلا الذي أهداه ففضَضْتُه وجعلت ألثُم كلّ ما ... كتبَتْهُ أو مرّت عليه يداه وفهمت مودَعَه فرحت بغِبطة ... جذْلانَ مبتهجاً بما أدّاه وعجِبْتُ من لفظٍ تناسق فيه ما ... أعْلاه ما أجْلاه ما أحْلاه ولقد غُبِطتُ عليه عِلْقَ مضِنّةٍ ... عُدِمتْ له الأشكال والأشْباه كالروض باكَرَهُ الحَيا فتفتّحت ... أزهاره وتضوّعَت ريّاه كالعقد فُصِّل لُؤلؤاً وزبرجدا ... فتقابلت أولاهُ معْ أُخراه دُرٌ ترفّعَ قدْرُه عن قيمة ... منظومة صُغراهُ معْ كُبْراه وقال معمى وهو تميم، وموضعه حرف التاء: اسمُ الذي أضحى فؤادي به ... مُعذّباً صبّاً بتعذيبه إن صيّروا أوّلَه ثانيا ... غدا اسمُه بعضَ صِفاتي به وقال: الموت في صحُفِ العشّاق مكتوبُ ... والهجر مِن قبلُ تنكيدٌ وتعذيبُ إن طال ليلي فوجه الصّبح مطلعُهُ ... من وجه من هو عن عينيّ محجوب من لي بإعلامِه أنّي لغيبته ... ذيل المدامع في خدّيّ مسحوب كأنّ أجفانَ عيني من تذكّرهِ ... غصن مَروح من الطّرْفاءِ مهْضوب طالعتُ كتاباً صنفه بعض فضلاء عصري هذا الأقرب بالمهدية، وذكر فضلاء صقلية. فمنهم: أبو الفضل جعفر بن البرون الصقلي ذكر أنه أحد الأفراد، في النظم المستجاد، وأورد من شعره ما يصف الراح، ويصافي الأرواح، فمن ذلك قوله: وساحِرِ المقلتين تحسَبُه ... من حور عِين الجِنان منفَلِتا يَبسِمُ عن لؤلؤٍ وعن برَدٍ ... ما بين زهر العقيق قد فُتِتا تكسف بدرَ السماء بهجتُه ... وإن رنَتْ مقلتاه أسكرتا فالوجهُ كالشمس مُذهَب شرِق ... والصدرُ والجيدُ جوهر نُحِتا قلت له والغراب يعبثُ بي ... وناظري في سناه قد بُهِتا ألا وهل عطفَة تُعدّ مُنى ... منكَ فإنّ العَذول قد شمِتا فقال منّي إليك شيْمُ سَنا ... يسوم ذا الشوقِ في الهوى عنَتا ومرّ كالبَدْرِ في سماوَتِه ... يختال في زهوِه وما التفتا وقوله: إني أبثّكَ سيّدي ... ما ليس يحملُه بشرْ محَن كتِبنَ بمَفرِقي ... وافى بهنّ ليَ القدر عُلِّقتُ ألوَدَ لم أكن ... أدري لعَمرُك ما الخبر أبصرتُه في يلمَّقٍ ... كالغُصنِ أثمرَ بالقمَر فسطا عليّ بجورِه ... أكذا الكريمُ إذا قدَر وقوله:

стр. 737

حتى متى قلبي عليكَ عليل ... والى متى هذا الصّدودُ يطولُ أشكو إليك كأنني لكَ راغب ... ألا يكون عليّ منكَ قَبول وإذا تعرّض لي هواكَ بنظرة ... أعرضْتَ حتى ما إليك سبيل وقوله: ولولا أنني أُغفي لعلّي ... ألاقي الطّيفَ مُزوَرَّ الجنابِ فأقضي من ذِمامكَ بعضَ حقٍّ ... تقاصر دونه أيدي الركاب لما طعِمتْ جفوني الغمْض حتى ... يُجَدِّد عهدَها منك اقترابي الفقيه أبو محمد بن صمنة الصقلي وصفه بحسن المحاضرة والمحاورة، وطيب المفاكهة والمذاكرة، واستضافة علم الشعر الى علم الشرع، وظرافة الخلق، وسلامة الطبع، وأورد له شعراً سنيِّ الصنع، جنّي الينع، وهو قوله: ترَكوا العتاب وجانبوا العَتْبا ... فأقِلهُمُ وأنثلهُمُ العُتْبَى واصفح لهم عمّا جنَوا كرَما ... حُباً لهم وكرامةً حُبا أحبابَنا لي عندكم مِقَة ... نهبَتْ جميعَ إساءةٍ نهْبا ومحبّةٌ في الصدر ثابتَة ... محَتِ الذّنوبَ فلم تدع ذنْبا أوليتكم مني صحيح هوى ... فشفى مريضَ سقامكم طِيّا وجزيتكم بقطيعةٍ صِلةً ... وحمَلْتُ ما حُمِّلْتُ من أعْبا ووردْتُ مِلحاً ماءَ وُدِّكُمُ ... فشربتُه وسقيتكم عذْبا وذكر أن الفقيه عيسى بن عبد المنعم الصقلي بلغه عنه كلام أحفظَه، فكتب إليه: جنّبَنا اللهُ سيّئَ القالَهْ ... وصاننا عن مواقف الخالَهْ منّا وفينا فلا رعَوْا أبدا ... حرّابَة بالمقال نبّالَهْ ذوو بضاع تُعدُّ ألسنَة ... وهْيَ مُدى في النّفوس فَعّاله فأجابه، وقرن بالعتبى عتابه: ما لحبيبي مُعتباً ماله ... أحال إفْكُ الوشاة أحوالَهْ غيّره ميْنُ كاشِح مذِقٍ ... وشَى وكان الإله سئّالَهْ بفيه عفر التراب بل تربت ... يداه في ما حكى وما قاله أراد قطْعاً لوصْلِنا حسَدا ... قطّع حدّ الحُسام أوصاله وُدٌ برَضْوى شددْتُ عُقدَتَه ... فكيف رام الغبيّ زلزاله بل كيف أرمي بأسهُمي بصَري ... أعمى ويحوي الحسود آماله يا ولدي والمَكينُ من خلَدي ... بموضع لم أبِحْهُ إلا لَهْ فناقلُ الزّور غير ما ثِقَة ... إذ كان يسعى ليُفسِدَ الحاله عبد الرحمان بن رمضان المالطي قال: ويعرف بالقاضي، وليس له في علوم الشريعة يد، بل هو شاعر له من بحر خاطره وغزارة غريزته مدد، ومعظم شعره في مدح روجار الإفرنجي المستولي على صقليه يسأله العودة الى مدينة مالطة، ولا يحصل منه إلا على المغالطة. له وقد احتجب عنه بعض الرؤساء: تاه الذي زُرتُه ولاذا ... عنّي ولم يُخفِ ذا ولا ذا وكان من قبلُ إن رآني ... يبسُطُ لي سُندُسا ولاذا فصار كلّي عليه كلاًّ ... يا ليتني متّ قبلَ هذا وقال في ذم إخوان الزمان: إخوان دهرِكَ فالقَهُمْ ... مثلَ العِدا بسلاحكا لا تغتَرِرْ بتبسّمٍ ... فالسّيف يقتُل ضاحكا عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي الأصل، الإفريقي المنشأ، الصقلي الدار سكن مدينة بلرم، واستدر من ذوي كرمها الكرم، وله نظم كالعقود، وحلب كالعنقود، له في صقلية: عشقْتُ صقليّةَ يافعا ... وكانت كبعض جنان الخلود فما قُدِّر الوصلُ حتى اكتهلتُ ... وصارت جهنّم ذاتَ الوَقود ونسب إليه هذه الأبيات وهي مشهورة جداً: قالت لأتراب لها يشفَعْنَ لي ... قولَ امرئٍ يُزْهى على أترابه وحياةِ حاجته إليّ وفقرِه ... لأُواصلنّ عذابه بعذابه ولأمنَعنّ جفونَه طعْم الكرى ... ولأمزِجنّ دموعه بشرابه لمَ باح باسمي بعد ما كتمَ الهوى ... دهراً وكان صيانتي أوْلى به

стр. 738

ونسب إليه أيضاً هذه الأبيات: شكوتُ فقالت كل هذا تبرُّما ... بحُبّي أراح الله قلبكَ من حُبّي فلما كتمتُ الحبّ قالت لشدّ ما ... صبرْتَ وما هذا بفعل شجيّ القلب فأدنو فتُقصيني فأبعُدُ طالبا ... رضاها فتعْتَدّ التباعد من ذنْبي فشكواي تُؤْذيها وصبري يسوءها ... وتُحرَجُ من بُعدي وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الأجْرَ من ربي وله: كرّرتُ لحظيَ فيمن لحظه سقمي ... فقال لي: فيمَ تكرارٌ وتردادُ فقلت عيناك مرضى يا فديتُهُما ... فلا تلُمْ لحظاتي فهي عوّاد البثيري الصقلي هو عبد الرحمان بن محمد بن عمر، من مدينة بثيرة حامل القرآن، ومساجل الأقران، ذكر أنّ باعه في الترسّل أمدّ، وخاطره في النثر أحدّ، وأورد له قصيدة مدح بها روجار الفرنجي صاحب قصلية، يصف المباني العلية، ذكر أنه أنشدها لنفسه، منها: أدِرِ الرّحيق العسْجَديّه ... وصِلِ اصطباحَكَ بالعشيّهْ واشرَبْ على وقْع المثا ... ني والأغاني المعبَديّه ما عيشة تصفو سوى ... بذُرى صقليّةٍ هنيّه في دولة أرْبَتْ على ... دول الملوك القيصريّه ومنها: وقصورِ منصوريةٍ ... حطّ السّرورُ بها المطيّه أعجِبْ بمنزلها الذي ... قد أكمل الرحمان زِيّه والملعبِ الزاهي على ... كل المباني الهندسيّه ورياضِه الأُنُفُ التي ... عادت بها الدُنْيا زهيّه وأسودِ شاذِروانِه ... تهمي مياهاً كوثريّه وكسا الربيعُ ربوعَها ... من حسنه حُللاً بهيّه وغدا وكلّل وجهَها ... بمُصبَّغاتٍ جوهريّه عطّرنَ أنفاسَ الصَّبا ... عند الصّبيحة والعشيّه وهي قصيدة طويلة. قال ابن بشرون: لما عرض عبد الرحمان عليّ هذه القصيدة، سألني أن أعمل على وزنها ورويها، فقلت: لله منصوريّة ... راقت ببهجتها البهيّه وبقصرها الحَسَنِ البِنا ... والشّكل والغُرَفِ العليّه وبوحشِها ومياهِها ال ... غُزْرِ العُيونِ الكوثريّه فقد اكتست جنّاتُها ... من نبتِها حُللا بهيّه غطّى عبيرَ تُرابِها ... بمُدبّجاتٍ سُندسيّه يُهدي إليكَ نسيمُها ... أفواه طيبٍ عنبريّه واستوسَقَتْ أشجارُها ... بأطايِبِ الشّجر الجنيّه وتجاوبت أطيارُها ... في الصّبح دأباً والعشيّه وبِها رُجارُ سما العُلا ... مِلكُ الملوكِ القيصريّه في طيب عيشٍ دائِمٍ ... ومشاهِدٍ فيها شهيّه واقتصرت من القصيدتين على ما أوردته، لأنهما في مدح الكفّار فما أثبته. عبد الرحمن بن أبي العباس الكاتب الاطرابنشي أورد له في وصف منتزه المعتزية المعروف بالفوّارة: فوّارةَ البحرينِ جمّعْتِ المُنى ... عيش يطيبُ ومنظر يُستعظَمُ قُسمتْ مياهُك في جداولَ تسعةٍ ... يا حبّذا جرَيانُها المتقسِّمُ في مُلتقى بحرَيك معتركُ الهوى ... وعلى خليجِكِ للغَرام مخيَّمُ لله بحْرُ النّخلتَيْنِ وما حوى ال ... بحرُ المَشيدُ به المقام الأعظمُ وكأنّ ماء المفرَغيْن وصفْوَه ... دُرّ مُذاب والبسيطة عندَمُ وكأن أغصان الرّياض تطاولت ... ترنو الى سمَكِ المياه وتبسِمُ والحوتُ يسبَحُ في صفاء مياهها ... والطير بين رياضها يترنّم وكأنّ نارنْجَ الجزيرة إذ زَها ... نار على قُضُب الزّبرجدِ تُضرَمُ وكأنّما الليمونُ صُفرةُ عاشق ... قد بات من ألم النّوى يتألم والنخلتان كعاشقَيْنِ استَخلَصا ... حذَرَ العدى حِصْنا منيعاً منهُمُ

стр. 739

أو ريبَة علقَتْهُما فتطاولا ... يستَمحِيان ظُنونَ من يتوهّم يا نخلتَيْ بحرَيْ بلِرْم سُقيتُما ... صوبَ الحيا بتواصلٍ لا يُصرَمُ هُنّيتُما أمْن الزّمان ونِلتُما ... كلّ الأماني والحوادثُ نوّمُ بالله رِقّا واستُرا أهلَ الهوى ... فبأمْنِ ظلكما الهوى يتحرّمُ هذا العيان بلا امْتراءٍ إنّما ... سمْعُ الكيان زخارف تُتوهَّمُ الغاون الصقلي أبو علي حسن بن واد الملقب بالغاون وجدت في شعره لحناً كثيراً. له من قصيد: وكم من رفيع حطّه الدهر للّتي ... تضعضع منه الحال بعد تسامِ وكم خامل في الناس أمسى مُرَفّعا ... ترقّى الى العلياء كل سَنام فتعساً لدهر حطّ عُلْوَ مراتبي ... وقلّل إخواني وأكثر ذامي إذا اخضرّ يوماً منه للمرء جانب ... غدا فجلا للعين كيف بنام وله: ألا لا تكُن في الهوى ظالمي ... فما قطّ أفلحَ من يظلمُ ومنها: ألا في سبيل الهوى ميتتي ... ومثلُك في الحبّ لا يظلمُ إليك استَنَمْتُ فما قد ترى ... أتُنْعمُ بالوصل أم تصرِمُ ألا ارْحَمْ عُبَيدَك هذا الضعيف ... فكلّ رحيم له يرحَمُ ولا تكُ بالجور بِئْسَ الولي ... فإنّي لك الدهرَ مُستَسْلمُ الفقيه أبو موسى عيسى بن عبد المنعم الصقلي ذكر أنه كان كبير الشان، ذا الحجة والبرهان، فقيه الأمة وأمثل الأيمة له في المعاني الأبكار البعيدة مرامي مرامها، والألفاظ التي هي كالرياض جادها هامي رهامها. وقد أورد من كلامه ما يأسو سماعه الكلوم، ويجلو سنا إحسانه العلوم، ويحكي درر الأصداف ودراري النجوم، فمن بديع قوله في الغزل، وهو أحلى من نجح الأمل: يا بني الأصفَرِ أنتم بدَمي ... منكمُ القاتلُ لي والمُستَبيح أمليحٌ هجر من يهواكمُ ... وحلالٌ ذاك في دين المسيح يا عليلَ الطّرْفِ من غير ضنى ... وإذا لاحظ قلباً فصحيح كلّ شيء بعدما أبصرتكم ... من صنوف الحسن في عيني قبيح وله: سلب الفؤادَ من الجوانح غادةٌ ... أدلت إليه بدلِّها المستحكم عذراءُ تُنسبُ درعها من خدها ... وخمارها من ذي ذوائب أسحَم وعقودُها من نهدِها في شكلِها ... وحلاتها من لوني المُتسهِّم فكأنّها ووشاحَها وخمارَها ... وحليَّها للناظر المتوسِّم شمس توشحت السّنا وتتوجت ... جنحَ الدجى وتقلّدت بالأنجم وقال: يا أملحَ الناس وجهاً ... جاوزتَ في الحسن حدّكْ للغصن منك انعطاف ... يكاد يُشبه قدّك قد كان قلبيَ عندي ... والآن أصبح عندك وكنتُ من قبلُ حراً ... فها أنا صرتُ عبدَك وقال في جارية مصفرة اللون، بديعة الحسن: فضح الهوى دمعي وعيل تصبّري ... بخريدة ترنو بعَينَي جُؤذَر صفرا تولّعَ بالبياض لباسها ... وخمارها بمعصفرات الأخمُر فكأنها في دِرعها وخمارها ال ... مُبيَضِّ والمحمرّ عند المنظر ياقوتَة كسيَتْ صفيحةَ فضّةٍ ... وتتوجت صفْحَ العقيق الأحمر وله من قصيدة طويلة في الرثاء أولها: جَلّ المصابُ وجُلّ الخطب أوله ... فالحزن آخرُ ما آتى وأولُه ومنها: وكل وجدٍ وإن جلّت مواقعه ... فقدُ الأخلاءِ إن فكّرت أثكلُه أبا عليّ ابْنِ عبدِ الله إنّ بنا ... عليك وجْداً غدا أدناه أقتَلُه هل في السرور وقد أوديتَ من طمع ... لصاحب أو عديم كنتَ تكفُلُه كم صاحب نال ما يبغي بجاهكمُ ... عفوا وكم من سرور كنتَ تشمَلُه قد كان سعيُك في محياكَ أحمده ... وذكراك اليوم بعد الموت أجمَلُه وله من قصيدة في المجون، يصف قول معشوقته، وقد أرسلت إليه:

стр. 740

أشتهي أن أرى له وتَدَ الأر ... ض لنا في بيت الرّجا والسّعادَهْ وله: قِفْ باللِّوى المنعَرِج ... ونادِ بالركْبِ عُج واسألْ سُليمى أين با ... نَ ركبُها بالدَّلَج كأنها شمس الضّحى ... مكنونةٌ في الهودَج غراءُ تهدي ركبها ... في غسق المُدَّلج فلا يكاد دائبا ... يُخطي سَواءَ المنهج كأنها في درعها ... كافورة بدرُج لاعبتُها فتيّة ... بمثلها في منعج وأحسن الدهر لنا ... إحسان غير محرج ينعم كلٌ بالذي ... يهواه غير مزعج من لثم خدٍ أصبح ... ورشف ثغر أفلج وعضِّ نهد معصر ... وعضُدٍ مُدملج من عُكَنٍ كأنها ... طيُّ رباط المدرج وفوقها وتحتها ... من مركَبٍ ومولِج كلٌ على كلّ كما ... رُكِّبَ زوْجا مِسْحَج في راحتَيْ ريح بلي ... ل وظلالِ سجْسَج كأسُ السّرور بيننا ... صافية لم تُمزَج حتى أتَتْ من دونِها ... زعازع في رهَج هل راجع عهدي بها ... بالكَرْخ أو بالكرَجِ هيهات ما في أوبةٍ ... من طمع لمُرتجي فدعْ هُديتَ ما مضى ... وخذْ فُديتَ ما يجي واسمعْ حديثاً حسَنا ... تقصُر عنه حُجَجي أبصرتُ بدراً ساعياً ... بالأرض غير منبَج وحوله كواكبٌ ... تُضيء مثلَ السُّرُج بيضاءُ كالثلج تُري ... وجهاً كصبح أبلج مُنَعّماً مُكلّلا ... بغيهَبٍ من سبَج وحولَها لداتُها ... عوابثٌ بالمُهَج يفتكْنَ بالألحاظ فت ... كَ البطل المدجّج يجذب خصراً مُخطَفا ... بكفَلٍ مرَجْرَج كمثل زِقٍّ ناقصٍ ... على حمار أعرج يشفَعُه صدرٌ لها ... كأنّه في نهَجِ مواخِرُ الفُلكِ غدتْ ... زخّارَة في لُجَج تبسِمُ إذ تبسِمُ عن ... ذي أشرٍ مفلّج يا ليتني قبّلتُه ... ففي لماهُ فرَجي تُصبي الحليم ذا النُهى ... بذي احْوِرارٍ أدعَج وبِدلالٍ فاحم ... مُعقرَبٍ مصولَج ومن رسائله في وصف الخط: ورد عليه كتاب فلان أطال الله بقاء فلان لفلك السيادة والكرم، وعماداً تعلو به الهمم، ليشيد من عرصات الفضل دارسها، ويبين من أعلام المجد طامسها، وينير من آفاق المعالي حنادسها، ويبسط من أوجه الليالي عوابسها، فنظرت منه الى خط موصوف، معتدل الحروف، أملس المتون، مفتح العيون، لطيف الإشارات، دقيق الحركات، لين المعاطف والأرداف، متناسب الأوائل والأطراف، يروق العيون حسنه وشكله، ويعجز المحاول بيد التناول صنعه وفعله، متضمناً معاني كأنها رقية الزمان، وصُمتَةُ الأمان، لو كانت مسارب كانت الحياة، أو مشارب فادت النجاة، فأوجب تأملي لها تألبي، واستنار بفكري فيها تعجبي، قلت سبحان ربي القيوم، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون أكل هذا الإحسان في طاقة الإنسان، ما أرى ذلك في الممكن والإمكان، ولئن كان ذلك فنحن الأنعام يشملنا اسم الحيوان، ثم رجعت الى نفسي، وثاب إليّ حسي، فقلت عند سكون جاشي، وثبوت طيشي، وإفراخ روعي وذهاب دهشي: إن من دبّ في الفصاحة ودرج في وجرها ورضع بلبانها، وجرع من درّها، وصاحب السادات مقتبلاً، والأمجاد مكتهلاً، لخليق أن يحل الفضل وسائطه ويجمع قطريه، بل يستولي على غواربه ويملك شطريه. وله من رسالة أسقط فيها حرف الألف واللام:
следующие страницы →