← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كيف أعتدّ بلُقيا هاجر ... قبلما حاول وصلي صرَما عجبي من سقَمٍ في طرفه ... يورِثُ السُّقْم ويَشْفي السّقَما لو تجاسرتُ على الفتك به ... لم أعُدْ أقرَعُ سنّي ندَما أيّ شيء ضرّني لو أنّني ... كنت في الحِلّ طرقت الحرَما أنا عندي من شفى غُلّته ... من حبيب مُسعِدٍ ما أثِما وقال: فيه لي جنة وفيه نعيم ... وعذاب أشقى به ونعيمُ جاءني عائداً ليعلمَ ما بي ... من تجنّي هواه وهو عليم هو يدري ما أوجب السُقمَ لكن ... ليس يدري بما يقاسي السقيم ثم نادى وقد رأى سوءَ حالي ... جلّ محْيي العِظام وهي رميم وقال: ألا فليُوطِّنْ نفسَه كلّ عاشق ... على خمسة محثوثةٍ بغَرام رقيبٍ وواشٍ كاشح ومفنِّدٍ ... مُلحّ ودمعٍ واكفٍ وسَقام وقال: لا فرّج الله عنّي ... ولا شفى طولَ حُزني وألهبَ الشّوقُ قلبي ... وأمكن العجزُ منّي إن لم أروّحْ فؤادي ... من ذا القِلَى والتّجنّي وقال: وصلَ الكتابُ وكان آنسَ واصلٍ ... عندي وأحسنَ قادمٍ ألقاه لا شيء أنفَسُ منه مُهدَى جامعاً ... شمِلَ المنى إلا الذي أهداه ففضَضْتُه وجعلت ألثُم كلّ ما ... كتبَتْهُ أو مرّت عليه يداه وفهمت مودَعَه فرحت بغِبطة ... جذْلانَ مبتهجاً بما أدّاه وعجِبْتُ من لفظٍ تناسق فيه ما ... أعْلاه ما أجْلاه ما أحْلاه ولقد غُبِطتُ عليه عِلْقَ مضِنّةٍ ... عُدِمتْ له الأشكال والأشْباه كالروض باكَرَهُ الحَيا فتفتّحت ... أزهاره وتضوّعَت ريّاه كالعقد فُصِّل لُؤلؤاً وزبرجدا ... فتقابلت أولاهُ معْ أُخراه دُرٌ ترفّعَ قدْرُه عن قيمة ... منظومة صُغراهُ معْ كُبْراه وقال معمى وهو تميم، وموضعه حرف التاء: اسمُ الذي أضحى فؤادي به ... مُعذّباً صبّاً بتعذيبه إن صيّروا أوّلَه ثانيا ... غدا اسمُه بعضَ صِفاتي به وقال: الموت في صحُفِ العشّاق مكتوبُ ... والهجر مِن قبلُ تنكيدٌ وتعذيبُ إن طال ليلي فوجه الصّبح مطلعُهُ ... من وجه من هو عن عينيّ محجوب من لي بإعلامِه أنّي لغيبته ... ذيل المدامع في خدّيّ مسحوب كأنّ أجفانَ عيني من تذكّرهِ ... غصن مَروح من الطّرْفاءِ مهْضوب طالعتُ كتاباً صنفه بعض فضلاء عصري هذا الأقرب بالمهدية، وذكر فضلاء صقلية. فمنهم: أبو الفضل جعفر بن البرون الصقلي ذكر أنه أحد الأفراد، في النظم المستجاد، وأورد من شعره ما يصف الراح، ويصافي الأرواح، فمن ذلك قوله: وساحِرِ المقلتين تحسَبُه ... من حور عِين الجِنان منفَلِتا يَبسِمُ عن لؤلؤٍ وعن برَدٍ ... ما بين زهر العقيق قد فُتِتا تكسف بدرَ السماء بهجتُه ... وإن رنَتْ مقلتاه أسكرتا فالوجهُ كالشمس مُذهَب شرِق ... والصدرُ والجيدُ جوهر نُحِتا قلت له والغراب يعبثُ بي ... وناظري في سناه قد بُهِتا ألا وهل عطفَة تُعدّ مُنى ... منكَ فإنّ العَذول قد شمِتا فقال منّي إليك شيْمُ سَنا ... يسوم ذا الشوقِ في الهوى عنَتا ومرّ كالبَدْرِ في سماوَتِه ... يختال في زهوِه وما التفتا وقوله: إني أبثّكَ سيّدي ... ما ليس يحملُه بشرْ محَن كتِبنَ بمَفرِقي ... وافى بهنّ ليَ القدر عُلِّقتُ ألوَدَ لم أكن ... أدري لعَمرُك ما الخبر أبصرتُه في يلمَّقٍ ... كالغُصنِ أثمرَ بالقمَر فسطا عليّ بجورِه ... أكذا الكريمُ إذا قدَر وقوله:

стр. 737

حتى متى قلبي عليكَ عليل ... والى متى هذا الصّدودُ يطولُ أشكو إليك كأنني لكَ راغب ... ألا يكون عليّ منكَ قَبول وإذا تعرّض لي هواكَ بنظرة ... أعرضْتَ حتى ما إليك سبيل وقوله: ولولا أنني أُغفي لعلّي ... ألاقي الطّيفَ مُزوَرَّ الجنابِ فأقضي من ذِمامكَ بعضَ حقٍّ ... تقاصر دونه أيدي الركاب لما طعِمتْ جفوني الغمْض حتى ... يُجَدِّد عهدَها منك اقترابي الفقيه أبو محمد بن صمنة الصقلي وصفه بحسن المحاضرة والمحاورة، وطيب المفاكهة والمذاكرة، واستضافة علم الشعر الى علم الشرع، وظرافة الخلق، وسلامة الطبع، وأورد له شعراً سنيِّ الصنع، جنّي الينع، وهو قوله: ترَكوا العتاب وجانبوا العَتْبا ... فأقِلهُمُ وأنثلهُمُ العُتْبَى واصفح لهم عمّا جنَوا كرَما ... حُباً لهم وكرامةً حُبا أحبابَنا لي عندكم مِقَة ... نهبَتْ جميعَ إساءةٍ نهْبا ومحبّةٌ في الصدر ثابتَة ... محَتِ الذّنوبَ فلم تدع ذنْبا أوليتكم مني صحيح هوى ... فشفى مريضَ سقامكم طِيّا وجزيتكم بقطيعةٍ صِلةً ... وحمَلْتُ ما حُمِّلْتُ من أعْبا ووردْتُ مِلحاً ماءَ وُدِّكُمُ ... فشربتُه وسقيتكم عذْبا وذكر أن الفقيه عيسى بن عبد المنعم الصقلي بلغه عنه كلام أحفظَه، فكتب إليه: جنّبَنا اللهُ سيّئَ القالَهْ ... وصاننا عن مواقف الخالَهْ منّا وفينا فلا رعَوْا أبدا ... حرّابَة بالمقال نبّالَهْ ذوو بضاع تُعدُّ ألسنَة ... وهْيَ مُدى في النّفوس فَعّاله فأجابه، وقرن بالعتبى عتابه: ما لحبيبي مُعتباً ماله ... أحال إفْكُ الوشاة أحوالَهْ غيّره ميْنُ كاشِح مذِقٍ ... وشَى وكان الإله سئّالَهْ بفيه عفر التراب بل تربت ... يداه في ما حكى وما قاله أراد قطْعاً لوصْلِنا حسَدا ... قطّع حدّ الحُسام أوصاله وُدٌ برَضْوى شددْتُ عُقدَتَه ... فكيف رام الغبيّ زلزاله بل كيف أرمي بأسهُمي بصَري ... أعمى ويحوي الحسود آماله يا ولدي والمَكينُ من خلَدي ... بموضع لم أبِحْهُ إلا لَهْ فناقلُ الزّور غير ما ثِقَة ... إذ كان يسعى ليُفسِدَ الحاله عبد الرحمان بن رمضان المالطي قال: ويعرف بالقاضي، وليس له في علوم الشريعة يد، بل هو شاعر له من بحر خاطره وغزارة غريزته مدد، ومعظم شعره في مدح روجار الإفرنجي المستولي على صقليه يسأله العودة الى مدينة مالطة، ولا يحصل منه إلا على المغالطة. له وقد احتجب عنه بعض الرؤساء: تاه الذي زُرتُه ولاذا ... عنّي ولم يُخفِ ذا ولا ذا وكان من قبلُ إن رآني ... يبسُطُ لي سُندُسا ولاذا فصار كلّي عليه كلاًّ ... يا ليتني متّ قبلَ هذا وقال في ذم إخوان الزمان: إخوان دهرِكَ فالقَهُمْ ... مثلَ العِدا بسلاحكا لا تغتَرِرْ بتبسّمٍ ... فالسّيف يقتُل ضاحكا عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي الأصل، الإفريقي المنشأ، الصقلي الدار سكن مدينة بلرم، واستدر من ذوي كرمها الكرم، وله نظم كالعقود، وحلب كالعنقود، له في صقلية: عشقْتُ صقليّةَ يافعا ... وكانت كبعض جنان الخلود فما قُدِّر الوصلُ حتى اكتهلتُ ... وصارت جهنّم ذاتَ الوَقود ونسب إليه هذه الأبيات وهي مشهورة جداً: قالت لأتراب لها يشفَعْنَ لي ... قولَ امرئٍ يُزْهى على أترابه وحياةِ حاجته إليّ وفقرِه ... لأُواصلنّ عذابه بعذابه ولأمنَعنّ جفونَه طعْم الكرى ... ولأمزِجنّ دموعه بشرابه لمَ باح باسمي بعد ما كتمَ الهوى ... دهراً وكان صيانتي أوْلى به

стр. 738

ونسب إليه أيضاً هذه الأبيات: شكوتُ فقالت كل هذا تبرُّما ... بحُبّي أراح الله قلبكَ من حُبّي فلما كتمتُ الحبّ قالت لشدّ ما ... صبرْتَ وما هذا بفعل شجيّ القلب فأدنو فتُقصيني فأبعُدُ طالبا ... رضاها فتعْتَدّ التباعد من ذنْبي فشكواي تُؤْذيها وصبري يسوءها ... وتُحرَجُ من بُعدي وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الأجْرَ من ربي وله: كرّرتُ لحظيَ فيمن لحظه سقمي ... فقال لي: فيمَ تكرارٌ وتردادُ فقلت عيناك مرضى يا فديتُهُما ... فلا تلُمْ لحظاتي فهي عوّاد البثيري الصقلي هو عبد الرحمان بن محمد بن عمر، من مدينة بثيرة حامل القرآن، ومساجل الأقران، ذكر أنّ باعه في الترسّل أمدّ، وخاطره في النثر أحدّ، وأورد له قصيدة مدح بها روجار الفرنجي صاحب قصلية، يصف المباني العلية، ذكر أنه أنشدها لنفسه، منها: أدِرِ الرّحيق العسْجَديّه ... وصِلِ اصطباحَكَ بالعشيّهْ واشرَبْ على وقْع المثا ... ني والأغاني المعبَديّه ما عيشة تصفو سوى ... بذُرى صقليّةٍ هنيّه في دولة أرْبَتْ على ... دول الملوك القيصريّه ومنها: وقصورِ منصوريةٍ ... حطّ السّرورُ بها المطيّه أعجِبْ بمنزلها الذي ... قد أكمل الرحمان زِيّه والملعبِ الزاهي على ... كل المباني الهندسيّه ورياضِه الأُنُفُ التي ... عادت بها الدُنْيا زهيّه وأسودِ شاذِروانِه ... تهمي مياهاً كوثريّه وكسا الربيعُ ربوعَها ... من حسنه حُللاً بهيّه وغدا وكلّل وجهَها ... بمُصبَّغاتٍ جوهريّه عطّرنَ أنفاسَ الصَّبا ... عند الصّبيحة والعشيّه وهي قصيدة طويلة. قال ابن بشرون: لما عرض عبد الرحمان عليّ هذه القصيدة، سألني أن أعمل على وزنها ورويها، فقلت: لله منصوريّة ... راقت ببهجتها البهيّه وبقصرها الحَسَنِ البِنا ... والشّكل والغُرَفِ العليّه وبوحشِها ومياهِها ال ... غُزْرِ العُيونِ الكوثريّه فقد اكتست جنّاتُها ... من نبتِها حُللا بهيّه غطّى عبيرَ تُرابِها ... بمُدبّجاتٍ سُندسيّه يُهدي إليكَ نسيمُها ... أفواه طيبٍ عنبريّه واستوسَقَتْ أشجارُها ... بأطايِبِ الشّجر الجنيّه وتجاوبت أطيارُها ... في الصّبح دأباً والعشيّه وبِها رُجارُ سما العُلا ... مِلكُ الملوكِ القيصريّه في طيب عيشٍ دائِمٍ ... ومشاهِدٍ فيها شهيّه واقتصرت من القصيدتين على ما أوردته، لأنهما في مدح الكفّار فما أثبته. عبد الرحمن بن أبي العباس الكاتب الاطرابنشي أورد له في وصف منتزه المعتزية المعروف بالفوّارة: فوّارةَ البحرينِ جمّعْتِ المُنى ... عيش يطيبُ ومنظر يُستعظَمُ قُسمتْ مياهُك في جداولَ تسعةٍ ... يا حبّذا جرَيانُها المتقسِّمُ في مُلتقى بحرَيك معتركُ الهوى ... وعلى خليجِكِ للغَرام مخيَّمُ لله بحْرُ النّخلتَيْنِ وما حوى ال ... بحرُ المَشيدُ به المقام الأعظمُ وكأنّ ماء المفرَغيْن وصفْوَه ... دُرّ مُذاب والبسيطة عندَمُ وكأن أغصان الرّياض تطاولت ... ترنو الى سمَكِ المياه وتبسِمُ والحوتُ يسبَحُ في صفاء مياهها ... والطير بين رياضها يترنّم وكأنّ نارنْجَ الجزيرة إذ زَها ... نار على قُضُب الزّبرجدِ تُضرَمُ وكأنّما الليمونُ صُفرةُ عاشق ... قد بات من ألم النّوى يتألم والنخلتان كعاشقَيْنِ استَخلَصا ... حذَرَ العدى حِصْنا منيعاً منهُمُ

стр. 739

أو ريبَة علقَتْهُما فتطاولا ... يستَمحِيان ظُنونَ من يتوهّم يا نخلتَيْ بحرَيْ بلِرْم سُقيتُما ... صوبَ الحيا بتواصلٍ لا يُصرَمُ هُنّيتُما أمْن الزّمان ونِلتُما ... كلّ الأماني والحوادثُ نوّمُ بالله رِقّا واستُرا أهلَ الهوى ... فبأمْنِ ظلكما الهوى يتحرّمُ هذا العيان بلا امْتراءٍ إنّما ... سمْعُ الكيان زخارف تُتوهَّمُ الغاون الصقلي أبو علي حسن بن واد الملقب بالغاون وجدت في شعره لحناً كثيراً. له من قصيد: وكم من رفيع حطّه الدهر للّتي ... تضعضع منه الحال بعد تسامِ وكم خامل في الناس أمسى مُرَفّعا ... ترقّى الى العلياء كل سَنام فتعساً لدهر حطّ عُلْوَ مراتبي ... وقلّل إخواني وأكثر ذامي إذا اخضرّ يوماً منه للمرء جانب ... غدا فجلا للعين كيف بنام وله: ألا لا تكُن في الهوى ظالمي ... فما قطّ أفلحَ من يظلمُ ومنها: ألا في سبيل الهوى ميتتي ... ومثلُك في الحبّ لا يظلمُ إليك استَنَمْتُ فما قد ترى ... أتُنْعمُ بالوصل أم تصرِمُ ألا ارْحَمْ عُبَيدَك هذا الضعيف ... فكلّ رحيم له يرحَمُ ولا تكُ بالجور بِئْسَ الولي ... فإنّي لك الدهرَ مُستَسْلمُ الفقيه أبو موسى عيسى بن عبد المنعم الصقلي ذكر أنه كان كبير الشان، ذا الحجة والبرهان، فقيه الأمة وأمثل الأيمة له في المعاني الأبكار البعيدة مرامي مرامها، والألفاظ التي هي كالرياض جادها هامي رهامها. وقد أورد من كلامه ما يأسو سماعه الكلوم، ويجلو سنا إحسانه العلوم، ويحكي درر الأصداف ودراري النجوم، فمن بديع قوله في الغزل، وهو أحلى من نجح الأمل: يا بني الأصفَرِ أنتم بدَمي ... منكمُ القاتلُ لي والمُستَبيح أمليحٌ هجر من يهواكمُ ... وحلالٌ ذاك في دين المسيح يا عليلَ الطّرْفِ من غير ضنى ... وإذا لاحظ قلباً فصحيح كلّ شيء بعدما أبصرتكم ... من صنوف الحسن في عيني قبيح وله: سلب الفؤادَ من الجوانح غادةٌ ... أدلت إليه بدلِّها المستحكم عذراءُ تُنسبُ درعها من خدها ... وخمارها من ذي ذوائب أسحَم وعقودُها من نهدِها في شكلِها ... وحلاتها من لوني المُتسهِّم فكأنّها ووشاحَها وخمارَها ... وحليَّها للناظر المتوسِّم شمس توشحت السّنا وتتوجت ... جنحَ الدجى وتقلّدت بالأنجم وقال: يا أملحَ الناس وجهاً ... جاوزتَ في الحسن حدّكْ للغصن منك انعطاف ... يكاد يُشبه قدّك قد كان قلبيَ عندي ... والآن أصبح عندك وكنتُ من قبلُ حراً ... فها أنا صرتُ عبدَك وقال في جارية مصفرة اللون، بديعة الحسن: فضح الهوى دمعي وعيل تصبّري ... بخريدة ترنو بعَينَي جُؤذَر صفرا تولّعَ بالبياض لباسها ... وخمارها بمعصفرات الأخمُر فكأنها في دِرعها وخمارها ال ... مُبيَضِّ والمحمرّ عند المنظر ياقوتَة كسيَتْ صفيحةَ فضّةٍ ... وتتوجت صفْحَ العقيق الأحمر وله من قصيدة طويلة في الرثاء أولها: جَلّ المصابُ وجُلّ الخطب أوله ... فالحزن آخرُ ما آتى وأولُه ومنها: وكل وجدٍ وإن جلّت مواقعه ... فقدُ الأخلاءِ إن فكّرت أثكلُه أبا عليّ ابْنِ عبدِ الله إنّ بنا ... عليك وجْداً غدا أدناه أقتَلُه هل في السرور وقد أوديتَ من طمع ... لصاحب أو عديم كنتَ تكفُلُه كم صاحب نال ما يبغي بجاهكمُ ... عفوا وكم من سرور كنتَ تشمَلُه قد كان سعيُك في محياكَ أحمده ... وذكراك اليوم بعد الموت أجمَلُه وله من قصيدة في المجون، يصف قول معشوقته، وقد أرسلت إليه:

стр. 740

أشتهي أن أرى له وتَدَ الأر ... ض لنا في بيت الرّجا والسّعادَهْ وله: قِفْ باللِّوى المنعَرِج ... ونادِ بالركْبِ عُج واسألْ سُليمى أين با ... نَ ركبُها بالدَّلَج كأنها شمس الضّحى ... مكنونةٌ في الهودَج غراءُ تهدي ركبها ... في غسق المُدَّلج فلا يكاد دائبا ... يُخطي سَواءَ المنهج كأنها في درعها ... كافورة بدرُج لاعبتُها فتيّة ... بمثلها في منعج وأحسن الدهر لنا ... إحسان غير محرج ينعم كلٌ بالذي ... يهواه غير مزعج من لثم خدٍ أصبح ... ورشف ثغر أفلج وعضِّ نهد معصر ... وعضُدٍ مُدملج من عُكَنٍ كأنها ... طيُّ رباط المدرج وفوقها وتحتها ... من مركَبٍ ومولِج كلٌ على كلّ كما ... رُكِّبَ زوْجا مِسْحَج في راحتَيْ ريح بلي ... ل وظلالِ سجْسَج كأسُ السّرور بيننا ... صافية لم تُمزَج حتى أتَتْ من دونِها ... زعازع في رهَج هل راجع عهدي بها ... بالكَرْخ أو بالكرَجِ هيهات ما في أوبةٍ ... من طمع لمُرتجي فدعْ هُديتَ ما مضى ... وخذْ فُديتَ ما يجي واسمعْ حديثاً حسَنا ... تقصُر عنه حُجَجي أبصرتُ بدراً ساعياً ... بالأرض غير منبَج وحوله كواكبٌ ... تُضيء مثلَ السُّرُج بيضاءُ كالثلج تُري ... وجهاً كصبح أبلج مُنَعّماً مُكلّلا ... بغيهَبٍ من سبَج وحولَها لداتُها ... عوابثٌ بالمُهَج يفتكْنَ بالألحاظ فت ... كَ البطل المدجّج يجذب خصراً مُخطَفا ... بكفَلٍ مرَجْرَج كمثل زِقٍّ ناقصٍ ... على حمار أعرج يشفَعُه صدرٌ لها ... كأنّه في نهَجِ مواخِرُ الفُلكِ غدتْ ... زخّارَة في لُجَج تبسِمُ إذ تبسِمُ عن ... ذي أشرٍ مفلّج يا ليتني قبّلتُه ... ففي لماهُ فرَجي تُصبي الحليم ذا النُهى ... بذي احْوِرارٍ أدعَج وبِدلالٍ فاحم ... مُعقرَبٍ مصولَج ومن رسائله في وصف الخط: ورد عليه كتاب فلان أطال الله بقاء فلان لفلك السيادة والكرم، وعماداً تعلو به الهمم، ليشيد من عرصات الفضل دارسها، ويبين من أعلام المجد طامسها، وينير من آفاق المعالي حنادسها، ويبسط من أوجه الليالي عوابسها، فنظرت منه الى خط موصوف، معتدل الحروف، أملس المتون، مفتح العيون، لطيف الإشارات، دقيق الحركات، لين المعاطف والأرداف، متناسب الأوائل والأطراف، يروق العيون حسنه وشكله، ويعجز المحاول بيد التناول صنعه وفعله، متضمناً معاني كأنها رقية الزمان، وصُمتَةُ الأمان، لو كانت مسارب كانت الحياة، أو مشارب فادت النجاة، فأوجب تأملي لها تألبي، واستنار بفكري فيها تعجبي، قلت سبحان ربي القيوم، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون أكل هذا الإحسان في طاقة الإنسان، ما أرى ذلك في الممكن والإمكان، ولئن كان ذلك فنحن الأنعام يشملنا اسم الحيوان، ثم رجعت الى نفسي، وثاب إليّ حسي، فقلت عند سكون جاشي، وثبوت طيشي، وإفراخ روعي وذهاب دهشي: إن من دبّ في الفصاحة ودرج في وجرها ورضع بلبانها، وجرع من درّها، وصاحب السادات مقتبلاً، والأمجاد مكتهلاً، لخليق أن يحل الفضل وسائطه ويجمع قطريه، بل يستولي على غواربه ويملك شطريه. وله من رسالة أسقط فيها حرف الألف واللام:

стр. 741

رقعتي نحوك سيدي وسندي، وذخري وعضدي، ومن بذّ وبزّ، جمع من سبق وعزّ، فذّ دهره، ووحيد عصره، وغريب زمنه، ونسيج وحده، مدّ ربي مدتك في مربوب نعمته، ومدد نصرته، وكبت من نكب عن ودك، بعظيم ذخره ومخوف زجره، وصيره موطئ قدميك، وصريع نكبته بين يديك، وسوّغك من ضروب نعمه بهنيّه ومريّه، ومتعك من موفور قسمه بحميده ومزيده، كتبت، وكبدي تسعر بجحيم ودك، ومهجتي تصهر بسموم توقك، ونفسي تجذر من فظيع بعدك ونفسي يحصر بوجيع فقدك: وكنتُ من بعدُ غير مَيْنٍ ... قريرَ عيش قريرَ عين حتى رمتْني صُروف دهري ... عن قوس غدْرٍ بسهم بيْنِ فشتّتَتْ زُمرَتي وهدّتْ ... ركني ومرّت تجري بحَيْني عجبت من عيشتي وعمري ... وكيف بي عشتُ بين ذَيْن فصل له من رقعة: لولا أن ذنوب الحبيب تصغر عن التأنيب، وقدر الرئيس يكبر عن اللوم والتعنيف، لكان لنا وللرئيس مجال واسع، ومتسع بالغ، فيما أتاه، إن لم نقل جناه، وفيما وعد فأخلف، إن لم نقل الذنب الذي اقترف، ومهما أجللنا قدره عن أن ينسب إليه خلف الوعد وإن كان جليلاً، ما عذره إن لم يكتب بوجه العذر أنه ما وجد سبيلاً، وقد كنا نتوقع تداني العناق، فصرنا نقنع بأماني التلاق: فجميلُ الصبر والصف ... ح بهذا الشأن أولى قُل ومن شاء المصافا ... ة على ذا الشّرط أوْ لا وذكر المهم، آثر وأهمّ، فشوق البعيد شديد، وسؤال القاصي أكيد، وكلاهما على الأيام يزيد، فكِلهما الى يوم جديد. ولده أبو عبد الله محمد بن عيسى الفقيه ذكر أنه كاتب شاعر، بارع ماهر، مهندس منجم، لغارب الفصاحة متسنّم، في ملتقى أولي العلم كميٌ معلم، وقد أورد من شعره ما يهزّ أعطاف القلوب مراحا، ويدير على الأسماع من الرحيق المختوم راحا، وله من قصيدة: أفشى هواه بأدمُعِ الأجفان ... وأبتْ عليه مطالبُ الكتمان رام التّجمُّل للوشاة فلم يُطِقْ ... فعصى النّصيحَ ولجّ في العصيان عنّتْ له فأرَتْهُ بدراً طالعاً ... من فوق غُصنٍ بان في كثبان هيفاءُ يحسد جيدَها ريمُ الفلا ... ظلماً ويغبِطُ وجهَها القمران ومنها: سلبَتْ نُهاه وأورطَتْهُ تعمُّدا ... في فِتنة من لحظِها الفتّان إنّي ابتُليتُ بحبها وأجبْتُه ... لمّا بَدا لي شخصُه ودعاني فلُهيتُ من ولَهي العظيم عن النُهى ... وسلوتُ من شغفي عن السلوان قولي لهما ما تأمرين لمدنف ... كلِفٍ بحبّك هائم حرّان سنة له لم يدر ما سِنة الكَرى ... ملقى أسنّة طرفك الوسنان أبليت طوعاً في المحبة جِدّتي ... ورضيت قسراً في الهوى بهوان وصرفت نحو هوى الملاح بصيرتي ... وسرحت في بيدائهنّ عِناني حتى تبيّن لي الصوابُ وأنني ... أفنيت في طلب الضّلال زماني فتركت لهوي واطّرحت مجانتي ... وجفوت من نبَذَ الهوى وجفاني وله من قصيدة: كتمتُ الذي بي فانتفعت بكتماني ... وأعلنتُ حالي فاتُّهمت بإعلاني وما خلت أنّ الأمر يفضي الى الذي ... رأيت ولكن كل شيء يُرى وانِي وله: لا تعذلوه فإنه مفتونُ ... سلبت نهاه مَها القصورِ العينُ برزت فتاة منهمُ في خدّها ... وردٌ وفي وجناتها نسرينُ في طرفها سقم وفي ألحاظها ... غنَجٌ وفي تلك المعاطف لينُ عنّت له وتبخترت في مشيها ... فأرت غصونَ البان كيف تلين وترجرجت أردافها فرأى بها ... كيف انتقى كثبانها يَبرينُ ولو أنها سفرتْ فأبدت وجهَها ... لأرت ضياءَ الصُبح كيف يَبين أنَسيتِ ليلتنا وقد خلص الهوى ... منا وحبلُ الوصلِ وهو متين بتنا على فرش العفاف وبينا ... نجوى ترقّ لها الصفا وتلين والليل كالزّنجيّ شدّ وثاقه ... والنجم مطّلع عليه أمين

стр. 742

ومنها في المدح: هذا الذي جدواه سبعة أبحر ... تجري ولكن ماؤهنّ معين ذو هيبةٍ كالليث إلا أنه ... متردد وله النفوس عرين برٌ فليس الوعد منه بمخلف ... أبداً وليس العهد منه يخون فوليُّه في الأكبرين معظم ... وعدوه في الأصغرين مهين وله الى الفعل الجميل توثّبٌ ... وله عن القول القبيح سكون فالظل لا متنقل والورد لا ... متكدر، والمنّ لا ممنون خلق كنوار الحدائق زاهر ... وحِجى كأعلام الجبال رصين وحميّة تولي الأذلّةَ عزةً ... وتعلِّم الأيام كيف تكون ونصيحة لله يوضح نورها ... ظُلَمَ الشكوك إذا دجت فتبين وله في الغزل؛ ويغنّى به: مولاي يا نورَ قلبي ... ونور كلِّ القلوبِ أما ترى ما بجسمي ... من رقةٍ وشحوب وما بداخلِ قلبي ... من لوعةٍ ووجيبِ فلِم بخلتَ بوصلي ... وليس لي من ذنوب فإن يكن لي ذنبٌ ... فأنت فيه حسيبي ومحنتي فيك جلّت ... عن فهم كل لبيب وما لسقمي شفاء ... ولا له من طبيب ولا لدائي دواء ... إلا وصالُ الحبيب مولاي إن ذبتُ عشقاً ... فليس ذا بعجيب برِّدْ غليل فؤادي ... بزورة عن قريب ففي صميم فؤادي ... جهنّم في اللهيب وله: بمهجتي ظبي خدر زار مكتتما ... فردّ روحي الى جسمي وما علما أبدى القبول مع الإقبال حين بدا ... وقدّم البشرَ والتسليمَ إذ قدما فقلت: مولاي صلْ من شفّه سقم ... فجاد لي بوصال أذهب السقما فعاد شكّي يقيناً في زيارته ... فلو ترحّل عن عيني لما عدما وله في المعنى: أتاني من أهوى على غير موعد ... فخيّل لي أن الزيارة في الحُلْمِ تبختر في الأرداف كالغصن في النقا ... ولاح على الأزرار كالقمر التّمِّ خضعتُ له والذلّ من شيم الهوى ... فأسعد بالتقبيل والضمّ والشمِّ وأطلعته عمداً على ما يجنّه ... جناني من البلوى وجسمي من السقم فأشفق من حالي ورق لذلّتي ... وجاد بوصل ردّ روحي الى جسمي ولما مضى فكّرت في كل ما انقضى ... فصار يقيني فيه أثبتَ من وهمي وله: جاد بالياسمين والورد خدٌ ... وحبا الأقحوان والخمرَ ثغرُ أنا والله عاشق لك حتى ... ليس لي عنك يا منى النفس صبر فحياتي إن تمّ لي منك وصل ... ومماتي إن دام لي منك هجر وله: بأبي ظبي مليح فائق ... بابليّ اللحظ غصنيّ القوام عسليّ الريق خمريّ الهوى ... لؤلؤي الثغر درّي الكلام إن تثنّى ماس غصناً في نقا ... أو تبدّى لاح بدراً في تمام حزتُ إذ نادمني من وجهه ... دعوة تمّت بروض ومدام وخشيت البين إذ ودّعني ... فانثنى يومُ وداعي بالسّلام وله من المراثي، ما يحل للقيام حبى المستمع الجاثي، فمنه قوله من قصيدة طويلة: عزّ العزاء وجلّ البينُ والجزعُ ... وحل بالنفس منه فوق ما تسعُ يا عينُ جودي بدمع خالص ودمٍ ... فما عليك لهذا الرزءِ ممتنع فالجسمُ ينحلُ والأنفاسُ خافتة ... والقلب يخفق والأحشاء تنصدع كوني على الحزن لي يا عين مسعدة ... فإن قلبي لما تأتينه تبَع ومنه: وكانت الأرض لا تحوي محاسنه ... وقد حوى شخصَه اللحدُ الذي وضعوا مَن لليتامى وأبناء السبيل وهم ... قد ارتوَوا من أياديه وقد شبعوا بُعداً ليوم أتاه الموت فيه فما ... به الذي بصر من بعدُ مطّلع بكته شمس ضحاه واختفت جزعاً ... وألفيت تحت ستر الغيم تطلع

стр. 743

سعوا مشاةً وهم في الزي أغربة ... مسودّة من وراء النعش تتبع ولم يكن لهمُ بالعيد من فرح ... ولا لهم في التسلي بعده طمع لو يُفتدى لافتدته من عشيرته ... ذوو الحفيظة والأنصارُ والشيع لكنّ من غاله الموت المحتم لا ... يفدى ولا من نيوب الخطب ينتزع جاءت ملائكة الرضوان معلمة ... بأنّه بجنان الخلد مرتفع وقد أعدت له أعماله غرفاً ... فيها لأنفس أهل الفضل مرتبع الموت وِرد وكل الناس وارده ... وقد رأوه عياناً بعد ما سمعوا ما بالهم شعروا بالموت أنهم ... سَفْر وهم لاقتناء الزاد ما شرعوا نالوا مغبّة ما قد قدموه له ... فعلا به حصدوا منه الذي زرعوا يا فجعةً لم تدع في العيش من أرب ... وغُصّةً في لَهاهُ ليس تبتلع أضرمتِ ناراً على الأحشاء موصدة ... أكبادنا في لظى أنفاسها قطَع ومنها: بني لُبانة إنّ الله فضّلكم ... على الورى فبِكمْ في الدّهر يُنتفع آراؤكم لذوي الإرشاد مرشدة ... وجودُكم لذوي الإكثار منتَجع وقدركم قد سما عزاً مدى زحلٍ ... وجاهكم في ذراه الخلق قد وقعوا وقوله من قصيدة أخرى: استهلال: شهابُ المنايا من سماء الردى انقضّا ... وركن المعالي والجلالِ قد انفضّا ومنها: بكتْه المذاكي المقربات وقطّعت ... شكائمها إذ منه أعدمت الركضا مشت وهي بين الخيل أبرَرُها دما ... وأبرزها جسماً وأهزلها نحضا وكادت سيوف الهند تندقّ حسرة ... وأجفانها تنشقّ عنها لكي تُنضى وخطّ على الخطية الرزءُ أحرفا ... أرادت لها حِفظاً فحوّلها حفضا وكادت تفانَى حوله كل جُنّة ... أسىً وتذوب البيض واللامة القضّا شهدنا على قربٍ بمشهد موته ... مشاهدَ لم تخط القيام والعرضا ومنه: أعاد سرورَ العيد حزناً مماتُه ... ومُبرَمُ أمر فيه حوّله نقضا فما أحد وافى المصلى ضحى ولا ... دُجى أبصرت من همه عينه غمضا ومنها: ألا لم يمت من كان خلّف بعده ... أخاه علياً إذ إليه العلا أفضى أحبّ محب للفضائل كلها ... وأفضل إنسان على كسبها حضا ومنها: تعزّوا فإن الموت حتم على الورى ... توافي به الآجال في الوقت إذ يقضى وكم إسوة في المصطفى وصحابه ... وقُدْماً قفا آثارَهم فقضى الفرضا لقد مات فيه عدّة أيُّ عدة ... لنا فعدمنا كل عيش به يرضى وأبصارُنا كانت تسامى له وقد ... غدا الكلّ منا طرفه اليوم قد غُضّا وقد كان طرفي ليس يغضي على القذى ... فأضحى على أقذائه اليوم قد أغضى فظُفر الجوى الباقي بقلبي ناشب ... وباب الأسى الملقى على مهجتي عضا ومن شعره المودَع رسائله. له في وصف كتاب: تضوّع منه إذ فضضتُ ختامه ... نسيمُ فتيتِ المسك والعود والندّ ونزّهت طرفي في حدائق أزهرت ... بها زهرة السوسان والآس والورد بصفحة نور من نهار دجت بها ... سطور ظلام حالك اللون مسودّ وطالعت ألفاظاً يواقيت نُظّمت ... مع الجوهر المكنون والدرّ في عقد يزيل الضنى عن ذي السّقام مرورُها ... به بل تقيم الميت من رقدة اللّحد ومنها: مضمنة من علم أحواله الذي ... يسرّ سرور الوصلِ في زمن الصدّ وله صدر رسالة: يا حالَ حالٍ بسقم النفس والجسد ... قد رُدّ عن ورد ماء الأمن والرّشَدِ قد قيدته الليالي عن تصرفه ... الى النجاة بقيد الأهل والولد ولو أمنتُ عليهم بعد منصرفي ... صرف الليالي لقوّت عزمتي جلدي

стр. 744

من بعدِ نعمةَ لم تنعم بلذّتها ... نفسي ولا بردت من لوعة كبدي قد أسس البين عندي منزلي ولهٍ ... فمهجتي للجوى والعين للسّهد وأرّق البعد جفني ثم فرّقني ... فالجسم في بلدٍ والروح في بلد أخي ومولاي علّ الدهر يجمعنا ... بمنزلٍ عن جميع الشرّ مبتعد شوقي إلى لقائك شوق الظمئان الى الماء الزلال، وارتياحي الى ما يرد من تلقائك ارتياح السقيم الى الصحة والإبلال، وتلهفي على فراقك تلهف الحيران، وتأسفي على بعدك تأسف الولهان، لكنني إذا رجعت الى شاهد العقل، وعدلت الى طريق العدل، يمازج قلبي سروراً، ويخالط شوقي بهجة وحبوراً، بما ألهمك الله تعالى إليه من صفاء النية والإخلاص، والظفر بأمل النجاة والخلاص، وأتلو عند ذلك (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً) ثم أرجع الى قول النبي ﷺ (الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن) ، فأعلم أن الأمور كلها مقدرة، وأنه في اللوح مسطرة فأفزع الى الدعاء لمقدر الأمور، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أن يحسن لنا العقبى، ويقضي لنا بالحسنى، ويسبل علينا من العافية ستراً سابغاً ضافيا، ويوردنا من السلامة مورداً سائغاً صافيا، وأن يقرب بك الاجتماع، حيث يوجد الاستمتاع، بما تقرّ به الأعين وتلذّ الأسماع. فصل من رسالة أخرى في العتب قد عاملني في مشاهد هذه الأيام، التي قمعت الخاص والعام، بأشياء لو جرت بيني وبينه على خلوة لعددتها من لذيذ الأنس، لكنها أتت في الملا بما آلم النفس، واحتملت ذلك منه رجاء أن يقلع عنه، فازداد لجاجة، وازددت حراجة، حتى استفحل الثُغاة عليّ بسبب ذلك المزاح، واستنسر البغاث إليّ وهزّ الجناح، ولو شئت حينئذ لعرفت كل واحد بما جهله من أبوّته وقيمته، وأعلمته بما لم يعلمه من خُلقه وشيمته: فمن جهلت نفسُه قدرَه ... رأى غيرُه فيه ما لا يرى لكنني أغضيت على موجع القذى، وصبرت على مفجع الأذى، وأعرضت عن أشياء لو شئت قلتُها. ولو قلته لم أبق للصلح موضعاً، وأنا أحرص على صحبته ممّن يرعاها حق رعايتها، وأروم حفظ ذلك بالمحافظة على ما سلف بيننا من المصافاة، والاعتداد بما له قبَلي من الحقوق المثبتة بخالص المؤاخاة، وأطرح ما أعاين من الزلات والهفوات، فأحب أن يحسن الظن بي، والذكر عني، فإن فعل ذلك فعل الأشكل به والأليق بأدبه، والأولى بجميل مذهبه، وقد أطفأت عن قلبي هذه المعاتبة ناراً موصدة، وبردت من صدري غلة موقدة. فصل من أخرى مسترقّ أياديها، يرغب الى شريف معاليها، أن تحلّه من نفسه النقيّة محل المصطنعين المخلصين، وتنزله من حضته الرئيسية منزلة الأولياء المختصين، فإنّ غرس فضلها السابق إليه أثمر عنده شكراً وحمداً، وأثبت لديه محبة ووداً، وهو يقسم بالله العظيم، إنه من موالاتها لعلى صراط مستقيم، ومن الإقرار بفضلها لعلى منهج قويم، ومن الدعاء لها لعلى حال مقيم، وكيف لا يكون كذلك وقد صيّره سالف إحسانه في الرق، وملكه فارط امتنانه ملك المستحق، فهو لا يفتر من جميل شكرها لساناً، ولا يخلي من خلوص ودّها جنانا. أبو حفص عمر بن حسن النحوي الصقلي ذكر أنه شيخ لغة ونحو، وله في علمهما سبْحُ صحة وصحو، حصل في اعتقال الإفرنج في صقلية، وسيم أنواع البليّة، وشعره متناسب الحَوْك، متناسق السلك والسبك، وله قصيدة في مدح روجار، صاحب صقلية، وهو في قبضة الإيسار، أولها: طلب السّلوّ لوَ انّ غير سُعادِه ... حلّت سويدا قلبه وفؤادِه ورجا زيارة طيفها في صدّها ... وغرامُه يأبى لذيذَ رقاده والله لولا المَلْك روجار الذي ... أزدى لحبيّه عظيمَ وداده ما عاف كأسَ الوجد يومَ فراقها ... ورأى محيّا المجد في ميلاده ومنها في المدح: يهتزّ للجدوى اهتزاز مهنّد ... يهتزّ في كفيه يوم جلادِه ويضيء في الديجور صبحُ جبينه ... فتخال ضوءَ الشمس من حسّاده ومطالع الجوزاء أرض خيامه ... والنجم والقمران من أوتاده وإذا الأمور تشابهت فلعَضْبه ... خطٌ يبيّض سودَها بمداده ومنها:

стр. 745

يا أيها الملك الذي ثُنيَتْ به ... قدَما الفظاظة في صفا أصلادِه ودَعته أرواح العدى فرمى بها ... لعَباً تلقّتْها ظُبى أغماده واقتصرت منها على هذه النُغْبة مع الظمإ إليها، فما أوثر إثبات مديح الكفرة، عجل الله بهم الى لفح ناره المسعرة، وهذا الشاعر معذور، فإنه مأسور. عثمان بن عبد الرحمن المعروف ب ابن السوسي مالطة مسقط رأسه، ومربط ناسه، ومغبط كأسه، وبه تهذب، وقرأ على أبيه الأدب، ثم سكن بلرم واتخذها دارا، ووجد به قرارا، ونيّف على السبعين، ومُتِّع ببنين، وله شعر صحيح المعنى، قويم المبنى، لذيذ المجنى، وذكر أنه أنشده لنفسه قبل وفاته بأيام قلائل، مرثية في بعض رؤساء المسلمين بصقلية تدل على ما حواه من فضائل، وهي قصيدة طويلة أولها: ركابُ المعالي بالأسى رحلَه حطّا ... وطودُ العلى العالي تهدّم وانحطّا فنائي مساءات الأسى متقرّب ... وقرب مسرات السرور لنا شطا وكيف لنور الشمسِ والبدرِ عودةٌ ... وهذا منارُ المجد والعز قد قُطّا أصيبَ فما ردّ الردى عنه رهطه ... بلى أودع الأحزان إذ ودّع الرّهطا ومنها: يعز علينا إن ثوى في بسيطة ... وردّ الردى عن كفّه القبضَ والبسطا كأن حَماماً للحمام قد انبرى ... لأرواح أهل الفضل يلقطها لقطا فيا رزء ما أنكى ويا حزن ما أبكى ... ويا دهر ما أعدى ويا موت ما أسْطى عزاءً عزاءً قد محا الموت قبلنا ... ملوكاً كما يمحون من كتبٍ خطّا جماعة من شعراء جزيرة صقلية ذكرهم أبو القاسم علي بن جعفر بن علي السعدي المعروف بابن القطاع في كتاب: الدرة الخطيرة والمختار من شعراء الجزيرة، وهم أقدم عصراً وأسبق شعراً وقد أوردت منها غرراً والتقطت من عقدها درراً، فمنهم: ابن القطاع مؤلف الدرّة الخطيرة ذكر أن مولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأنه قال الشعر صبياً سنة ست وأربعين، وعمّر، ورأيت أنا بمصر من رآه وعاش الى آخر زمان الأفضل ورأيت خطّه على دفتر في سنة تسع وخمسمائة فممّا أورده من شعره قوله من قصيدة: فلا تنفدنّ العمرَ في طلب الصبا ... ولا تشقينْ يوماً بسعدى ولا نُعْمُ فإن قصارى المرء إدراك حاجة ... وتبقى مذمّات الأحاديث والإثمُ وقوله من أخرى: قهوةٌ إن تبسّمت لمزاج ... خِلْتَ ثغراً في كأسها لؤلئيّا فاصطحبها سلافةً تترك الشي ... خ، إذا ما أصاب منها صبيا واغتنم غفلة الزمان فإن ال ... مرء رهنٌ ما دام يوجد حيا قطعَ العذرَ يا عذولي عذارٌ ... كهلال أنار بدراً سويّا وقوله من أخرى في مدح الأفضل، أولها: صاحبيّ وا أسفا ... ذي ديارُها فقِفا واسمعا أبثكما ... من حديثها طرفا وقوله في أخرى: فيا نفس عدّي عن صباك فإنّه ... قبيح برأسٍ بالمشي معمَّمِ أفِق إنّ في خمسين عاماً لحجة ... على ذي الحجى إن لم يكن قلبه عَمِ وقوله في أخرى: من ذا يطيق صفات قوم مجدهم ... وسناؤهم من عهد سامٍ سامِ وحِماهُمُ من عهد حام لم يزل ... يحميه منهم ليثُ غابٍ حامِ وقوله من أخرى: إذا ابتسمتْ يوماً حسبتَ بثغرها ... سموطاً من الياقوت قد رُصِّعتْ درّا وإن سفرتْ عاينتَ شمساً مُنيرةً ... تردّ عيون الناظرين لها حسْرى وتسلب عيناها العقولَ إذا رنتْ ... كأن بعينيها إذا نظرت سحرا ومنها: ألا إنما البيض الحسان غوادرُ ... ومن قبحت أفعاله استحسن الغدرا يملن الى سود القرون وميلُها ... الى البيض منها كان لو أنصفت أحرى وقوله في وصف الرمان: رمانة مثل نهد العاتِق الرّيم ... يزهى بلون وشكل غير مسؤوم كأنها حقّة من عسجدمُلِئتمن اليواقيت نثْراً غير منظوم وقوله:

стр. 746

أنت كالموت تدرك الناسَ طرّا ... مثلما يدرك الصباحَ المساءُ كيف يرجو من قد أخفتَ نجاءً ... منك هيهات أين منك النجاءُ وقوله في لثغة اللسان: وشادنٍ في لسانه عُقَدٌ ... حلّت عقودي وأوهنت جلَدي عابوه جهلاً بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنفث في العُقَدِ وقوله: أقبل الصبحُ وصاح الدّيَكهْ ... فاسقنيها قهوةً منسفكهْ قهوة لو ذاقها ذو نُسُكٍ ... لزم الفتك وخلّى نسكهْ فأهِنْ دُنياك تعززك ولا ... تترك المال كمن قد تركهْ واغتنم عمرك فيها طائراً ... قبل أن تحصل وسطَ الشبكهْ وقوله: انظر الى الماء حاملاً لهباً ... واعجب لنار تضيء في ماء وقوله: شربت درياقة للْ ... هُموم إذ لبستني دبّت بجسمي فأرْدتْ ... همومه وشفتني قتَلْتُها بمزاج ... وبعد ذا قتلتني كأنها طلبتني ... بالثأر إذ صرعتني وقوله: تنبّه أيها الرجل النّؤوم ... فقد نجمَت بعارضك النجومُ وقد أبدى ضياء الصبح عمّا ... أجنّ ظلامه الليل البهيمُ عنى بالضياء الرشاد، وبالصبح الشيب، وبالظلام الغي، وبالليل الشباب. فلا تغررك يا مغرور دنيا ... غَرور لا يدوم به نعيم ولا تخبط بمعوجّ غموض ... فقد وضح الطريق المستقيم أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن الطوبي ذكر أنه كان صاحب ديوان الرسائل والإنشاء، ومن ذوي الفضائل البلغاء، طبيباً، مترسلاً، شاعراً، وأورد من نظمه كل مليح الحوك صحيح السبك، فمن ذلك قوله في الغزل: يا قاسي القلب ألا رحمة ... تنالني من قلبك القاسي جسمُك من ماء فما لي أرى ... قلبَك جلموداً على الناس أخاف من لين ومن نعمة ... عليك من ترديد أنفاسي سبحانَ من صاغك دون الورى ... بداً على غصن من الآس وقوله: أي ورد يلوح من وجنتيه ... طار منّي الفؤاد شوقاً إليه فإذا رمتُ أجتنيه ثناني ... عنه وقْعُ السيوف من مقلتيه وقوله في العذار: انظرْ الى حسَن وحُسْن عذاره ... لترى محاسنَ تسحر الأبصارا فإذا رأيت عذاره في خدّه ... أبصرتَ ذا ليلاً وذاك نهارا وقوله في العذار: قام عذري بعذاري ... هـ فما أعظم كرْبي قلت لمّا أن تبدّى ... نبتُه: سبحان ربّي أحرِقَتْ فضّةُ خدي ... ك لكي تحرقَ قلبي وقوله في غلام عرضت له بفيه حرارة: قالوا بفيك حرارةٌ ... فعجبت كيف يكون ذاكا ورضابُ ريقك مطفئٌ ... نيرانَ أقوام سواكا يقع لي أن المعنى حسن، ولكن اللفظ مضطرب. وقوله في المعنى وهو أجود سبكاً: شكا لحرارة في فيه أعيتْ ... معالجةً فبات لها كئيبا وكيف يصحّ ذا تفديه نفسي ... وبرْدُ رضابه يطفي اللهيبا وقوله: ما لامني قطّ فيه ... إلا الذي لا يراه حتى يراه فيضحي ... مشاركي في هواهُ وقوله: بخدّك آسٌ وتفاحةٌ ... وعينك نرجسةٌ ذابلهْ وريقُك من طيبه قهوة ... فوجهك لي دعوة كاملهْ وقوله: ومُسقمي من طرفه ... بما به من سقمِ أوْما لتقبيل يدي ... فقلت ما ذنبُ فمي وقوله: قُسِم الحسن على الخل ... ق ولكن ما أقلّه فهو في الأمة تفصي ... لٌ وفي وجهك جُملَهْ وقوله في غلام ناوله حصرماً: أتعبت قلبي بالصدو ... د وليس أيأسَ من وصالكْ فخُذِ الدليل فقد زجر ... تَ لما أؤمّل من نوالك ناولتني من حصرم ... فرجوت نقْلَك عن فعالك إذ كان يحمض أولاً ... وتراه يحلو بعد ذلك وقوله: يا سَميّي وحبيبي ... نحن في أمرٍ عجيب

стр. 747

اتّفاقٌ في الأسامي ... واختلافٌ في القلوبِ وقوله: فمُه فيه لؤلؤ في شقيق ... فوقه خاتَمٌ له من عقيقِ وله في جفونه حدّ سيف ... مرهفِ الشّفرتين عضبٍ رقيق فإذا رمتُ أن أقبّل فاه ... صدّ عما أريد خوف الطريق وقوله في النحول: يا من لجسم تقضّى ... حَراكه والسكون فعاد شكلاً بسيطاً ... تزلّ عنه العيون يخفى على الموت لطفاً ... فما يكاد يبين فلو تجسّم يوماً ... تناولت المنون وقوله في المعنى: دقّ حتى لا تراه ... فهو كالمعنى الخفيّ أو كما يهجس في الخا ... طر شيء غير شيّ وقوله في المعنى: سهامُ اللحظ ترشقُه ... فتدميه وتؤلمُه ودقّ فما تكادُ ترى ... له شخصاً تكلِّمُهُ كمثل الروح ينبئ عن ... حقيقته توهّمُه وقوله في غلام قبّله، فقيل له: سرقت الورد من خده، والقطع لازم في حده: قالوا: سرقتَ الورد في قبلةٍ ... من خدّ يحيى بن أبي المعزِّ فقلت: لا قطع على سارقٍ ... إلا إذا استخلص من حرزِ وقوله: لي سيدٌ جارَ على عبده ... وعبدُه باقٍ على ودِّهِ يمنعني من يده قبلةً ... حذار أن ترقى الى خدّه وقوله في سوداء: تحبّكِ يا سوداء نفسي بجهدها ... فما لك لا تجزينها بودادها وأنتِ سواد العين مني أرى به ... وليس بياضُ العين مثلَ سوادها وقوله في وصف مغنٍّ: إذا غنى يزيل الهمَّ عنّا ... ويأتينا بما نهواه منه له وتر يطالب كل هم ... بوتْر فالهموم تفرُّ عنه وقوله، مما تكتبه الشيعة على فصٍ أسود غروي: أنا غَرَويّ شديدُ السوادْ ... وقد كنتُ أبيض مثل اللّجين وما كنت أسودَ لكنني ... صُبِغْتُ سواداً لقتل الحسين وقوله في فص أحمر: حمرتي من دم قلبي ... أين من يندب أينا أنا من أحجار أرضٍ ... قتلوا فيها الحُسينا هو من قول الشاعر في فص أخضر: لا تعجبوا من خضرتي ... فإنها مَرارتي تقطّرتْ لما رأت ... ما صنعوا بسادتي وقوله في وصف اللوز الأخضر: أرابَك اللوز له لذة ... تجلّ عن وصف ومقدارِ انظر إليه فله خلقةٌ ... قد أحكمتْها صنعةُ الباري لؤلؤة في صرّةٍ ضمنت ... حُقاً وقد قُيِّر بالقاري وقوله في وصف لحية كبيرة: ما إن رأيتُ ولا سمعت بلحية ... عرضت كلحية جعفر بن محمد سدّتْ عليه وجهه فكأنّما ... عيناه في ثُقبَي كساء أسود وقوله في اعتزاله عن الناس: يا لائمي في انتزاعي ... عن الورى وانقطاعي لا أستطيعُ على أن ... أكون بين الأفاعي وقوله في الخضاب: يا خاضبَ الشيب دعْهُ ... فليس يخفى المشيبُ حصلتَ منه على أن ... يقال شيخ خضيبُ وقوله في عذر الخضاب: ما خضبت المشيب للغانيات ... لا ولكن ستَرْتُه عن عِداتي حذراً أن يروا مشيبي فيبدو ... ليَ منهم سرورُهم بوفاتي وقوله في ذم الخضاب: رضيتَ يا خاضب الشي ... ب خطة ليس تُرضى سوّدْتَ منك ثلاثاً ... وجهاً وعقلاً وعِرضا وفي مدح الشيب: يا بكياً للشباب إذ ذهبا ... بكيت في إثر غادرٍ هرَبا الشيبُ أوفى منه بذمته ... هل فارق الشيب قط من صخبا وقوله في المعنى: بكى الشباب رجالٌ بئس ما صنعوا ... والشيب أفضل في التحصيل والنظرِ إن الشبابَ كليلٍ ضلّ مسلكه ... والشيبَ كالصبح يهدي العين للأثر وقوله في صفة الخشخاش: حُقٌ من العاج وفي وسطه ... دقّ من اللؤلؤ منثورُ وقوله في لبس بني العباس السواد:

стр. 748

بنو العباس قد فطنوا لسر ... بنزعهم لمبيضِّ الثياب لئن لبسوا السوادَ لقد أصابوا ... لأنهم حكوا لون الشباب وقوله في استدعاء صديق له الى مجلس أنس: قد شربنا المدام من كف خود ... أقبلت كالهلال والليلُ داجِ ونعمنا لولا مغيبك عنا ... بسماع الأرمال والأهزاج وعجبنا للماء يحمل ناراً ... في قنان كأنها خرط عاج وفتاةٍ تكشفت للنّدامى ... وعجوزٍ تستّرت بالزجاج فاغتنم لذّة الزمان وبادِرْ ... كلّ ضيق تخافه لانفراج وقوله في كبير اللحية: لحية حمدون دثارٌ له ... تكنّه من شدة البردِ كأنها إذ غاب في وسطها ... قطيفة لُفّتْ على قِرْد وقوله في العناق: لم أنسَ إذ عانقتُ بدر التمام ... في غسق الليل وجنحِ الظلامْ كأنّنا لامانِ قد قوربا ... فألصق الخطّ فصارا كلام وقوله في الخضاب: خضبت شعرَك زوراً ... والشيب قد فاض فيضا كذبتَ في كل شيء ... حتى على الشعر أيضا وقوله في المعنى: صبْغُ المشيب بليّهْ ... على الفتى ورزيّهْ حصلت منه على أن ... أضحكت مني البريّه وقوله في مدح البخل: يا لائمي في اشغالي ... بحفظ مالٍ قليلِ البخلُ أجملُ بالح ... رِّ من سؤال البخيل وقوله في نار الفحم: ونار فحم ذي منظر عجب ... يطرد عنه الشرار باللهب كأنما النار مبرد جعلت ... تبرد منه برادة الذهب وقوله في فتى بارد: أتيتُ إليه في قيظٍ شديدِ ... فحيّاني محيّاه بثلجِ فقلت: عدمت عندي بادهنجاً ... ولكن وجه هذا بادهنجي وقوله في بخيل: أتيته زائراً أحدّثه ... ولست في ماله بذي طمعِ فظن أني أتيت أسأله ... فكاد يقضي من شدة الجزعِ وقوله في النرجس، وقد أتى فيه بأربع تشبيهات: أريد لأشفي سقم قلبي بنرجس ... فيذبل إن صافحته بتنفسي له مقلة كالتّبر والجفن فضّة ... وقدّ كغصن البان في ثوب سندس وقوله في ذم مغن: غنّى وإن كان مقيتاً فلا ... ينسبه الله الى المقتِ من حُمَّ فلينظر الى وجهه ... فإنه يبرد في الوقتِ وقوله: لا تصلْ من صدّ تيهاً ... أبداً واستغنِ عنه كن كمثل الكرم يعلقْ ... بالذي يقرب منه وقوله: يحبّ بنو آدم ربّهم ... ولكنهم بعدُ يعصونه وإبليسُ قد شربوا بغضه ... وهم بعد ذاك يطيعونه فهذا التنافي فما بالهم ... يرون الضلالَ ويأتونه وقوله في الشيب: أرى عيني إذا ثقلت مشيباً ... يكون لها انقباضٌ وانخفاضُ كأن العين تشفق أن تراه ... مخافة أن يحلّ بها البياض وقوله: سلَوْنا حبّه لما جفانا ... وكان بموضع منّا شريفِ كمثل الزهر تكرمه طرياً ... ويُطرَح إن تغير في الكنيف وقوله: إن أنت لم يحتج إليك الورى ... كنتَ بهم في تعب متعب ألا ترى الماء إذا لم يكن ... شاربه عطشان لم يُشرَبِ وقوله: احذر صديقك إنه ... يخفى عليك ولا يبينُ إن العدو مبارز ... لك والصديق هو الكمينُ وقوله في راقصة: راقصة كالغصن من فوقه ... بدرٌ منيرٌ تحت ظلماء تلهب مثل النار في رقصها ... وهي من النعمة كالماء كأنما في رجلها عودُها ... وزامرٌ يتبع بالنّاء ساحرة الرقص غلامية ... منها دوائي وبها دائي إذا بدت ترقص ما بيننا ... يرقص قلبي بين أحشائي وقوله في العذار: عذاره في خدّه أنه ... سبحان ربي الخالق الباري

стр. 749

معجزة يا قوم ما مثلها ... هل ينبت الآس على النار وقوله فيه: قلت لما كثّر الشّع ... رُ عليه عاشقيه أحرِقَت فضة خدي ... هـ فغالى الناسُ فيه وقوله فيه: كأنما عذاره ... والخد منه الأحمر غلالة ورديةٌ ... فيها طراز أخضرُ وقوله في مجدور: جُدّرَ فازدادت مداجاته ... ونحن في الحب له زدنا وكان كالفضة ما نقشت ... فزادها أن نُقِشَتْ حسنا وقوله في العذار أيضاً: يقول لي الآسُ قُل لي ... علامَ تكثر لَثمي فقلت أشبهت عندي ... عذار من لا أسمّي وقوله: يخصّ البعيدَ بإحسانه ... وذو القرب من سيبه مخفقُ كمثل العيون ترى ما نأى ... وليست ترى ما بها يلصق وقوله: لا تنكري أخلاقيَ الخارجهْ ... واختبري أخلاقيَ الوالجهْ فالمِسك ما في الطيب شبهٌ له ... وإنما كسوته نافجَهْ وقوله في ذم مغن: ومغنٍ لو تغنى ... لك صوتَين لمُتّا سمج الخلقة غثٌ ... ينحت الآذان نحتا ويغني ما اشتهاه ... ولا يغنّي ما أردتا كلما قال: اقترح قل ... ت: اقتراحي لو سكتا وقوله في مثله: غنّى كمن قد صاح في خابِيَه ... لا وهب الله له العافيهْ ما أحد يسمعه مرةً ... فيشتهي يسمعه ثانيهْ وقوله في مثله: ومغنٍّ نحن منه ... بين أسقام وكُربهْ يضرب العودَ ولكن ... ضربُه يوجب ضربَهْ وقوله في مثله: ومغنّ قد لقينا ... منه كرباً وبلاء هو من برد غناهُ ... يجعل الصيفَ شتاء وقوله في مثله: يغني فنهوى انسداد الصماخ ... ونبصره فنحبّ العمى دعاه رجال الى عرسهم ... فصيّر عرسهمُ مأتما وقوله في مثله: لنا مغنٍ غِناه ... يعود شراً عليهِ لم يأتي منزل قوم ... فعاد قطّ إليه وقوله في العذار: لما رأيت عذاراً ... له خلعت عذاري وبان للناس عذري ... فما أخاف اشتهاري كأنه لامُ مسك ... خُطّت على جلّنار أو البنفسجُ في الور ... د خضرة في احمرار وقوله فيه: وعذار كأنه لام مسك ... خطّها كاتب على جلّنار عجب العاذلون منه وقالوا ... طاب في ذا العذار خلعُ العذار ما رأينا بنفسجاً قبل هذا ... نابتاً في صحيفة من نُضار وقوله في أبخر: مالي أرى صاحبنا مَعْمرا ... قد عدم المنظر والمخبرا تفسد ريحَ المسك أنفاسُه ... وتبطل الكافور والعنبرا وكلّ من حدثه ساعة ... يقيم أياماً يشمّ الخرا وقوله في أبخر دميم الخلقة: وأبخر في فمه دبره ... تراه إن حدث يفْسو فمُه يخفى عن الأعين لكنه ... يظهره النتنُ ولا يكتمه وقوله في بارد: لو كان في النار لما أحرقت ... وخاف أهلوها من الفالج وعذِّبوا فوق الذي عذِّبوا ... إن هو لم يطرح الى خارج وقوله في مثله: قالوا به حمّى لها صولةٌ ... فقلت هذا كذب بينُ قد أجمع الناس على أنه ... ما سخن الثلج ولا يسخن وقوله في تفضيل السود على البيض: شبيهاتِ المشيب تعافُ نفسي ... وأشباه الشبيبة هنّ حورُ سواد العين نور العين فيه ... وما لبياضها في العين نور وقوله في بخيل: تبرّم إذ دخلت عليه لكن ... فطنت فقلت في عرض المقال عليّ اليوم نذرٌ في صيام ... فأشرق لونه مثلَ الهلال وقوله: منجّم بكّر في حاجة ... ونجمه في الفلك العُلوي حتى إذا حاول تحصيلها ... قارنه المريخ بالدّلو وقوله في بعض إخوانه وقد استبطأ جواب كتابه:

стр. 750

أمثلي يا فدتك نفسي يُجفى ... ويُصرَف عنه وجه الود صرْفا كتبت فلم تجبني عن كتابي ... ولم يُعِد الرسولُ عليّ حرفا فآهاً ثم آهاً ثم آها ... وأفاً ثم أفّاً ثم أفّا وله من قطعة يستدعي بعض إخوانه: عندي الذي تتمنى ... عندي الذي تشتهيه وما يتمّ سرورٌ ... إلا إذا كنتَ فيه وقوله: تأمّلْ إن في اسمك شرَّ معنى ... وقد يدري الغرائبَ مبتغيها لئن سمّوك يعلى ما أرادوا ... بفتح الياء إلا الضمَّ فيها وقوله: صبرتُ على سوء أخلاقه ... زماناً أقدّر أن يصلحا فلما تزوّج قاطعته ... لأني تخوّفت أن ينطحا وقوله: إذا سبك إنسان ... فدعه يكفك الربُّ ولا تنبح على كلب ... إذا ما ينبحُ الكلب وقوله: يقرب قولُه لك كلّ شيء ... وتطلبه فتبصره بعيدا فما يرجو الصديق الوعدَ منه ... ولا يخشى العدوّ له وعيدا طابق ثلاثة بثلاثة في هذا البيت. وقوله: قاطعتُ عمران ولم أستطع ... صبراً على أشياء ليست تليقْ فالكفّ إن حلّت بها آفة ... يقطعها المرء فكيف الصديقْ وقوله في التصوف: ليس التصوّف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاؤك إن غنى المغنّونا ولا صياح ولا رقص ولا طرب ... ولا تَغاش كأن قد صرت مجنونا بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحقّ والقرآن والدينا وأن تُرى خائفاً لله ذا ندمٍ ... على ذنوبك طولَ الدهر محزونا وقوله في الزهد: لو قلت لي أي شيء ... تهوى لقلت خلاصي الناس طراً أفاعٍ ... فلات حين مناص نسوا الشريعة حتى ... تجاهروا بالمعاصي فشرّهم في ازدياد ... وخيرُهم في انتقاص حتى يوافوا المنايا ... فيؤخذوا بالنواصي يا ويحَهم لو أعدّوا ... لهول يوم القصاص أبو الحسن علي بن الحسن ابن الطوبي ذكر أنه إمام البلغاء، وزمام الشعراء، مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين، ومعتمد سلاطين، سافر الى الشرق، وحل منه في الأفق، وكان في زمان المعز بن باديس عنفوانه، وله فيه قصيدة رُصّع بها ديوانه: أجارتنا شدّي حزيمك للتي ... هي الحزم أو لا تعذلي في ارتكابها وكفّي فإن العذل منك زيادة ... عليّ كفى نفسي الحزينةَ ما بها ومنها: وإما المُنى أو فالمنيّة إنها ... حياة لبيب لم ينل من لبابها وهل نعمة إلا ببؤسي وإنما ... عذوبة دنيا المرء عند عذابها سآوي الى عزّ المعزّ لعله ... سيأوي لنفس حرة واكتئابها إليك معز الدين وابن نصيره ... حملت عقود المدح بعد انتخابها وأثواب حمد حُكتُ أثواب وشيها ... على ثقةٍ مني بعظم ثوابها وله من قصيدة: أجارتنا إن الزمان لجائرُ ... وإن أذاه للكرام لظاهر أجارتنا إن الحوادث جمة ... ومن ذا على ريب الحوادث صابر أجيراننا إن الفؤاد لديكم ... لثاوٍ وإن الجسم عنكم لسائر أأترك قلبي عندكم وهو حائر ... وآخذ طرفي منكمُ وهو ساهر كذا يغلب الصبر الجميل كما أرى ... ويخسر في بيع الأحبة تاجر وله: أعددتُ للدهر إن أردَت حوادثه ... عزماً يحل عليه كلّ ما عقدا وصار ما تتخطى العين هزته ... كأنما ارتاع من حدّيه فارتعدا وذابلاً توضح العليا ذبالته ... كأنها نجم سعد لاح منفردا ونشرةٌ ليس للريح المضيّ بها ... إلا كما عرضت للنهي فاطّردا وسابحاً لا تروع الأرضَ أربعُهُ ... كأنه ناقد مالاً قد انتقدا فداك مالٌ متى يحرزه وارثه ... فخير ما وجد الإنسان ما وجدا وله:

стр. 751

سلِ الليل عني هل أنامُ إذا سجى ... وهل ملّ جنبي مضجعي ومكاني على أنني جلْد إذا الضرّ مسّني ... صبور على ما نابني وعراني وله في الغزل: ما أحسَب السحرَ غير معناها ... والعنبر الجون غير ريّاها إنا جهلنا ديارها فبدا ... من عرفها ما به عرفناها كأنما خلّفت بساحتها ... منه دليلاً لكلّ من تاها لا كثَبٌ دارها فأغشاها ... ولا فؤادي يريم ذكراها ومنها: الموت أولى مى قضيت بها ... نحبي فمحياي في محيّاها وأغبط الماءَ حين ترشفه ... إذ كان دوني مقبّلاً فاها ومنها: وما ثنائي على قلائدها ... إلا بأن أشبهت ثناياها أجزع من عتبها ويبعثني ... إليه كرهاً طلاب عتباها دنوّها منك من شمائلها ... وبعدها عنك من سجاياها وله من أخرى أولها: رأى نورَها أو رأى نارَها ... فلما تجلى اجتلى دارَها وقد ضرب الليل أرواقه ... وأرخت دياجيه أستارَها فقل في جمال يضيء الدجى ... ويغشى النجومَ وأنوارَها ومنها: وشاطرة ردفها شطرها ... وما يبلغ الخصر معشارها ومنها: فيا لك عصراً قطعنا به ... لياليَ تشبه أسحارها ولذّات عيش مضى عينها ... فها أنا أطلب آثارها فها هي لم يبق منها سوى ... أحاديث أعشق تكرارها قضيت الصّبا بين أوطاره ... ولم تقض نفسيَ أوطارها وله من أخرى: أما من وقفة أم من مقام ... أبثك عنده داءً دخيلا جفوتَ فضاقت الدنيا وكانت ... عليّ رحيبة عرضاً وطولا لعلك يا قضيبَ البان يوماً ... تمهد في ظلالك لي مقيلا أما لو كان قلبك من صفاةٍ ... لشيّعني على حبّي قليلا ولكني دُفعت الى حديد ... ينوّل كلما قرع الصليلا لئن أنبطتَ من عيني دموعاً ... لقد أذكيتَ في قلبي غليلا فيا عجباً دموعٌ ليس ترقا ... ووجدٌ ليس يمكن أن يزولا ولم أسمع بأنّ حياً توالى ... على أرض تزيد به مُحولا أين هذا من قول القاضي أبي بكر الأرّجاني حيث قال وابتكر المعنى: يروّي ضاحيَ الوجنات دمعي ... ويعدل عن لهيب جوًى دخيلِ وما نفعي وإن هطلت غيوث ... إذا أخطأن أمكنة المحولِ ولأبي الحسن الطوبي: خالسته نظراً تحمّل بيننا ... نجوى هوًى خفيَت على الجلاّس فاحمرّ ثم اصفرّ خيفة كاشح ... فعلَ المدامة عند مزج الكاس وله: أيا رب قرِّبْ دارها ونوالها ... وإلا فأعظم إن هلكتُ بها أجري ويا رب قدّر أن أعيش بأرضها ... وإلا فقدّر أن يكون بها قبري وله: هبني أسأتُ فأين إق ... راري بذنبي واعتذاري هلاّ ثناك عن الحفا ... ء غناك عنّي وافتقاري لو أن غيرك رام بي ... غدراً لكان بك انتصاري وله: ارفق بعينيك فإنّ الذي ... ضُمِّنَتا من سقَمٍ زائدُ فاستودع اللحظَ لأجفانها ... فهي مِراض وهو العائدُ وله أيضاً: وعيشٌ هززناه هزّ النسيمْ ... قضيبَ الإراكة عند الهبوب مزجناه باللهو مزج الكؤوس ... بشكوى الهوى ورضاب الحبيب فيا لك عصراً قضينا به ... حقوقَ الشبيبة دون المشيب وله في العذار: البدرُ في أزراره ... والغصن في زُنّاره وكأنما فتّ العبي ... رُ على مخَطِّ عِذاره وله أيضاً: يا عاذلي أنتَ الخليُّ فخلّني ... وحَشاً عليه من الصبابة نارُ كيف السلوّ وكيف صبري عندما ... قامت بعذري قامةٌ وعِذار وله في الخمر وغيرها من قصيدة: قضيتُ أوطارَ نفسي غير متّركِ ... ولم أعقها على لحْقٍ ولا حرَكِ

стр. 752

وكم رددت على العذّال ما سهروا ... في حوكة فهو لم ينجح ولم يحك وكم عدوت الى الحانات منهمكاً ... بكل عاد الى اللذات منهمك أهين مالي وأغلي الراح دونهم ... في ظلّ عيش كما تهوون مشترك ومسمعاً يجمع الأسماع في قرَن ... من صوت غِرّ عليه لحن محتنك وساقياً تركب الصهباءُ نظرتَه ... الى صريع من الفتيان منبتك غدا يصرِّفها فينا ويمزجها ... فنحن وهي مع الأيام في ضحك والماء يحذر منها أن تطير فقد ... صاغ الحُباب عليها صيغة الشّبك ومنها: كأنها جوهر في ذاته عرَضٌ ... قد شيب مُنسبِكٌ منه بمنسبك فاسمع بعينيك عنها مثل ما سمعت ... أذناك ما قيل عن نوح وعن لمَكِ وليلة بتُّها والأرض عامرة ... حولي بحور وبانٍ ماس في نبَك ومنها في الدّبيب: والكأس تخدعهم عني وقد نذروا ... بأنني غير مأمون على التّكك حتى إذا أقبلوا منه ومال بهم ... أخذ الكرى وتداعى كل ممتسك دببت أكتم في أنفاسهم قدمي ... كأنني بينهم ماش على الحسَك وقد تخلص غيّي من يدَي رشدي ... فيهم وأطلق فتكي من عرى نُسكي فبتّ أنقد مما خولوا سِككاً ... وكنت قدماً أجيد النقد للسكك وقد وثقت بعفو الله عن زللي ... فما أبالي بما خطّت يد الملك وله من أخرى في الخمر: وصهباء كالإبريز تبصر كأسها ... من اللمع في مثل الشراع المدّد كما حفّ نور البدر من حول هالة ... وفاض لهيب الشوق من قلب مكمد إذا ما احتوتها راحة المرء أمسكت ... بهُدّاب ظل من سناها مورّد وإن ناولتها بالمزاج يدٌ عَلا ... لها زبد مثل الدِّلاص المسرّد إذا ما تبدّى تحسب العين أنه ... نجوم لجين لُحْن في أفق مسجد وله: حيّى بريحان وقد ... حصِرَ اللسانُ فناب عنه وفهمتُ من معكوسه ... تأخير ما أبغيه منه أحسن من هذا ما طالعتُه من مجموع في الأترج: أترجّة قد أتتك تُهدى ... لا تقبلنه وإن سُرِرْتا لا تهوَ أُترجّة فإنّي ... رأيت مقلوبها هجرتا عدنا الى شعر ابن الطوبي. نبَذٌ منه في الأوصاف والتشبيهات له في وصف الثريا: انظر الى الأفق كيف بهجتُه ... وللثريا عليه تنكتُه كأنها وهي فيه طالعة ... قميص وشيٍ وتلك عروته وله في الخضاب ومدحه: بعيشك ما أنكرت من ذي صبابة ... تجمّل في ردّ الصبا فأعادَه هبِ الشيب في خدي بياض أديمه ... زمان شبابي في الخضاب سوادَه وله في العذر: قدّ من الأغصان يشرق فوقه ... وجهٌ عليه بهجة الأقمار وكأنّ ممتدّ العذار بخده ... ليل أمرّ على ضياء نهار وله: يا حبّذا كأسٌ يكون بها ... ريقٌ كأنّ ختامه مسكُ باتت تعلّلني بها وبه ... حسناء ما في حسنها شكُّ هاتيك كالدنيا فلا أحدٌ ... إلا لها بفؤاده فتكُ وله في العذار: قال: العذول التحى فقلت له ... حسنٌ جديدٌ قضى بتجديد أما ترى عارضيْه فوقهما ... لام ابتداء ولام توكيد وله يصف الكأس والحباب: يا حبذا كأس بدت فوقها ... حبابة زهراء ما تذهب أداره الساقي فردّ الضحى ... وانجابت الظلماء والغيهب فقلت للشِّرب انظروا واعجبوا ... من حسن شمس وسطها كوكب وله يصف قوّاداً يحسن الصناعة: وأحور مائل النظرات عني ... دسست إليه من يسعى وسيطا فجاء به على مهَلٍ وستر ... كما يستدرج اللهبُ السّليطا أبو محمد عبد العزيز بن الحاكم عمر بن عبد العزيز المعافري

стр. 753

وصفه بالبراعة في الصناعة، والمهارة في العبارة، والتنزه في رياض الرياضيت، والتنبه في سحريات السحريات، وأورد له ما اخترت منه، قوله في العذار: فيه للعين مُنيةٌ واعتذار ... حين أبدى البديعُ منه العِذار فات حدّ القياس إذا صيغَ ماء ... وسط درّ مركّبٍ فيه نار وقوله في الأوصاف: انظر الى الزُهرة والمُشتري ... إذ قابلا البدر يريكا العجبا قد أشبها قرطين قد علِّقا ... في جانبيْ تاج صقيل المذهب وله أيضاً: وكأن البدر والمرْ ... ريخ إذ وافى إليه ملكٌ توقد ليلاً ... شمعةٌ بين يديه وله في القناعة: أنا لعمري يئستُ ... من الغنى فاسترحتُ وقد قنعت فحسبي ... من الغنى أن قنعت أبو الحسن علي بن أبي اسحاق ابراهيم بن الودّاني وصفه بالرئاسة والنفاسة، ومن شره قوله يصف ليلة: من يشري مني النجوم بليلة ... لا فرق بين نجومها وصحابي دارت على فلك السماء ونحن قد ... دُرْنا على فلَك من الآداب وأتى الصباحُ فلا أتى وكأنه ... شيبٌ أطلّ على سواد شباب وله في الشيب: وبرغمي لما أتاني مشيبي ... قلت أهلاً بذا الضّحوك القَطوب ولعمري ما كنت ممن يحي ... يه ولكن تملّقُ المغلوبِ كان في عهد ابن رشيق وبينهما مكاتبات. أبو القاسم أحمد بن ابراهيم الوداني أنشدت له: ترفّق بنفسك لا تضنه ... بحرص فحرصك لا ينفعُ فكم عاجزٍ واسعٌ ماله ... وكم حازم فقرُه مدقعُ أبو عبد الله محمد بن علي ابن الصباغ الكاتب كان في عهد ابن رشيق وبينهما مراسلات، ذكر أنه ناظم ناثر. له: وليلٍ قطعناه بأختِ نهاره ... الى أن أماط الصبحُ عنه لثامَهُ إذا ما أردنا أن نشب لقاصد ... ضِراماً سكبناها فقامت مقامه ليالي نوفي اللهو منّا نصيبه ... ونعطي الصبي مما أراد احتكامه وله: قومي الذين إذا السنابكُ أنشأت ... دون السحاب سحائباً من عِثيرِ برقت صوارمهم وأمطرتِ الطُلى ... علَقاً كثرثار الحيا المتفجر الواترين فلا يقاد وتيرهم ... والفاتكين بحمير وبقيصر والمانعين حماهم أن يُرتعى ... والحاسمين لكل داء يعتري وله: لا يخدعنّك حِبٌ ... يطولُ منه السكوت فالزِّند يضمر ناراً ... وهو الأصمّ الصموت وكتب إليه أبو علي بن رشيق عند وصوله من القيروان الى مازر في أول رسالة: كتابٌ من أخ كشفت ... قناعَ ضميره يدُهُ تذكّرْ منزلاً رحباً ... وعذْباً طاب مورده وكان يطير من شوقٍ ... الى عهد يجدّدُه فكتب إليه في جوابه: أخٌ بل أنت سيّده ... على ما كنت تعهده بودٍّ غير محتاج ... الى شيء يؤكّده لعلّ الله باللقيا ... كما يختارُ يسعده وله في وصف ذكي: أذكَى الورى كلِّهم وأعلمم ... فما يرى مثل لبّه لبُّ يوضح بالفهم كلّ مشكلة ... كأنما كلُّ جسمه قلب الأمير مستخلص الدولة عبد الرحمان بن الحسن الكلبي له في بعض الكتاب: نحن كلانا يضمّنا أدبٌ ... حُرمتنا فيه حرمة النّسبِ فعَدِّ عمّن معناك خالفه ... في كل فنٍ تسلمْ من التعب واجنحْ إلينا فإنّ أُلفتنا ... تدفع باليمن حرفة الأدب وقوله: قلت يومها لها وقد أحرجتني ... قولة ما قدرت أنفكّ عنها أشتهي لو ملكتُ أمركِ حتى ... آمر الآن فيك قهراً وأنهى فبكت ثم أعرضت ثم قالت ... خنتني في محبة لم أخنها قلت إن أنتِ لم تجودي بوصل ... فالمنى ما عليك لو نلتِ منها الأمير أبو محمد القاسم بن نزار الكلبي

стр. 754

ذكر أنه كان مقيماً بمصر وتولى شرطتها. وله: عضّ تفاحة وناولنيها ... آهِ منها وآهِ من مهديها فإن اشتقتُ منه طيب ثنايا ... هـ أقبّلْ مواضع العضّ فيها وله: إنّي متى يجفو الحبي ... ب وصلت جفوته ببيْن ومنعتُ عيني أن ترا ... هـ ولو رأته فقأتُ عيني وجعلتُه بفعاله ... في العين مثل قذاة عين ووضته دون الحضي ... ض لو انّهُ في الفرقدين وقطعتُه لو كان يش ... به أحمد ابن أبي الحسين أبو علي بن محمد بن القاف الكاتب له: ولما رأيتُالناس لا خير عندهم ... صددت وبيت الله عن صحبة الناس وصرتُ جليسَ الفكر ما دمت فيهمُ ... وأعملتُ حسنَ الصبر فيه مع الياس وله: سأكرم نفسي جاهداً وأصونها ... وإن قرّحت من ناظريّ جفونُها ولست بزوّار لمن لا يزورني ... ولا طارحاً نفسي على من يهينُها وله: إذا ما أراد المرء إكرام نفسه ... رعاها ووقّاها القبيح وزيّنا وإن هو لم يبخل بها وأهانها ... ولم يرْعَها كانت على الناس أهونا وله في إفشاء السر: حدثتُ خِلّي بهمّ ... رجوت منه انفراجي وكان سرّي لديه ... كالنّار والليلُ داج وله: أيها الخائف المكا ... رِهَ وطّن لها الحشا رُبّ أمرٍ كرهتَه ... نلتَ فيه الذي تشا أخوه أبو العباس بن محمد بن القاف يا تائِهاً بجماله رِفقا ... أنت الذي عذّبتني عشقا وزعمتَ أنك لا تكلمني ... عشراً فمَنْ لك أنني أبقى وله: وسقانا الراحَ ساقٍ ... ما له في الحسن نِدُّ فهي في الكأس أقاح ... وهي في خدّيه ورد وله: أموالكم في النجم أودعتم ... ولا تحبّون الجفا والأذى وتكرهون الهجوَ مني لكم ... هيهاتَ ما تسمح نفسي بذا القائد أبو الفتوح ابن القائد بدير المكلاتي، سند الدولة، حاجب السلطان له: ليس في الدنيا سرورٌ ... إنما الدنيا همومُ وإذا كان سرورٌ ... فقليلٌ لا يدوم تركها أفضلُ منها ... ذا بهذا لا يقومُ أبو الحسن علي بن عبد الجبار ابن الوداني من أهل القرآن، وسبق ذكر والده وعمه له: يا قانطاً من حالِه ... إن القنوط من البليّهْ لا تيأسنّ من الغِنى ... لله ألطاف خفيّهْ أبو علي بن حسين بن خالد الكاتب له: وشادن قُدّ قميص الهوى ... في حبّه ما عنه لي مذهبُ كأنما الصّدغ على خدّه ... ياقوتة تلبسها عقربُ وله: لا تحاول من يَزيدٍ ... فضلَه واستغن عنه ربما عضّك كلبٌ ... إن طلبت العظْم منه أبو بكر محمد بن سهل الكاتب المعروف ب الرزيق له: ضرائبُ الناس وأخلاقُهم ... شتى ضروب عندما تخبر منها الزلال العذب إن ذقته ... يوماً ومنها الآجن الأكدر فالخير فيهم ثمَدٌ آجن ... والشرُّ فيهم حصرم يزْحَر أبو الفضل مشرف بن راشد له: سرتْ ورداء الليل أسحمُ حالك ... ولا سائرٌ إلا النجوم الشوابك عشية أعشى الدمعُ إنسانَ مقلتي ... ونمّت بأسراري الدموع السوافك وطاف الكرى بالطرف وهو محجّبٌ ... كما طاف بالبيت المحجّب ناسك سرت موهِناً ثم استقلّت فودّعت ... يجاذبها حِقفٌ من الرمل عاتك به غصنُ بانٍ أثمر البدرَ طالعاً ... عليه قناع من دُجى الليل حالك غريبة حسن يحسن الهجر عندها ... وأعجِبْ بها محبوبةً وهي فاتك وأحور مكحول المدامع عاقني ... عن الصبر فاستولت عليه مهالك

стр. 755

رعى الله أكنافَ الجزيرة إن رعى ... سوائمها عضْبُ الغِرارين باتك يشيد أعاديه الحصونَ منيفةً ... وهل منع الإفشينَ ما شاد بابك وإني لآتي الحقَّ فيما أقوله ... وما أنا فيما يعلم الله فاتك شهدتُ لقد حاز العلا بيمينه ... غداة تصدّاه الرّدى وهو ضاحك ليوث وغًى أذكت خلال ضلوعها ... لهياً أنارته لهنّ الحسائك ومنه يصف القتلى، وطابق أربعة بأربعة في بيت واحد: فأقصاهمُ رضوانُ عن روح جنة ... وأدناهمُ من نفحة النار مالك وأنا أقول إن كان قد طابق ولكن في البيت اضطراب بيّن من قبل المقابلة، فأمعن النظر فيه. وله من أخرى: للتّلاقي يهونُ ما قد ألاقي ... من سُهاد وعَبرة واشتياقِ لو تخلّصت للقاء لأطفأ ... تُ غليلي بدمعيَ المهراقِ فدموع الفراق كالنار حَرّا ... وكذا ضدّها دموعُ التلاقي كنتُ في غبطةٍ وطيب حياة ... لو وقاني من سطوة البيْن واق كم قطعت الدجى بوصل حبيب ... وسّع العيشَ منه ضيقُ العناق آهِ من صبوتي التي لم تدعني ... نازعاً من صبابةِ العشّاق وله من أخرى: أيه الغصن لِنْ بعطفك غضّا ... وليكن منك للقطيعة رفْضُ وأجزِ ودّي بمثله ودع السخ ... ط وعُد للرضا فللختم فضُّ يا شقيق الفؤاد حكمُك جورٌ ... لك مني حبٌ ولي منك بغضُ نمْ هنيئاً فما دنا من جفوني ... مذ تناءيت عن جفوني غمضُ غير أني إذا تأخر حظي ... منك والدمع واكف مُرفضُّ كان لي مدح صاحب الخمس إبرا ... هيم حظا له على الفخر حضُّ وله: ما للحبيب وما لي ... تفديه نفسي ومالي أريدُ عنه سلواً ... فإن بدا لي بدا لي وله: بثناياكَ العِذابِ ... لا تُطِلْ فيك عذابي كنْ رحيماً بي رفيقاً ... واجعلِ الوصلَ ثوابي لا يغرّنّك صبري ... واحتمالي منك ما بي فالأسى بين ضلوعي ... والضّني بين ثيابي وله في ذم مغنٍ: غنّى فكدّ وعنّى ... مني فؤاداً مُعنّى فقلت ماذا غناء ... تنحّ بالله عنّا وله: ما روضةٌ بالحَزْنِ ممطورةٌ ... لم تنتهبها أعينُ الناسِ بكى عليه الغيث فاستضحكت ... عن نرجس غضٍّ وعن آسِ أحسنَ من وجه أبي طاهر ... وإن رمى قلبي بوسواسِ وله في صفة الليل الطويل: وليلٍ كأن الحشرَ أول ساعة ... به بتّه والصبرُ ليس بنافعي غنائي به لحنُ الثقيل من الأسى ... وشربي وإن أظمأ كؤوس مدامعي فيا لك من ليلٍ أضاقَ مذاهبي ... وإن بتّ في ثوبٍ من الحزن واسعِ سليمان بن محمد الطرابلسي ذكر أنه سافر الى افريقية، وانتقل الى الأندلس، وتوطّنها، واتخذها لمخالطة ملوكها سكَناً، ومن شعره قوله من قصيدة: نبّهتهُ لما تغنّى الحمام ... ومزّق الفجرُ قميصَ الظلامْ وقلت قم يا بدرَ تمّ أدر ... في فلك اللهو شموسَ المدام فقام نشوان وشمل الكرى ... له يرتمي مقلتيه التئام ومجّ في الدنّ خلوقية ... عتّقها في الدنّ طول المقام لاحت تحاكي ذهباً خالصاً ... دار من الدرّ عليها نظام بِنتُ عناقيد إذا خامرت ... شيخاً أعارته مجون الغلام يا هل لعيشي معه أوبة ... تعيد في وجه حياتي ابتسام وله من قصيدة: أجِرْ جفوني من دمعٍ ومن سهر ... وأضلعي من جوى فيهن مستعر جرى عليّ بما شاء الهوى قدرٌ ... يا قومُ ما حيلة الإنسان في القدر ما كنت أحسب دمعي سافكاً لدمي ... حتى أبحتُ لعيني لذّة النظر

стр. 756

رميتُ نبلاً أصابتني فلست أرى ... يوماً أعاود ذاك النزعَ في وتري وله: سبحانَ من صاغ الأنامَ بقدرة ... منه وأفرد بالملاحة جعفرا حمل المحاسنَ كلّها مجموعة ... في وجهه كالصيد في جوف الفَرا أبو الفتح محمد بن الحسين ابن القرقوري الكاتب أثنى على نظمه ونثره كثيراً، وذكر أنه كان قدْرُه كبيراً. له: حسب العواذل ما قد مرّ من عذلي ... شغلن بي وأنا عنهنّ في شُغُلي يسُمْنَني النّسك لا يسأمن معتبتي ... ولا وحقّ الصبا ما النّسك من عملي هيهاتَ خامرني خمر العيون كما ... تخامر الخمر عقل الشارب الثّمِل إن العيون نفثن السّحر في عُقدي ... سحراً يوهّن كيدَ الفاتك البطل وله: بلا مِريةٍ إنّ العذولَ لمسرفُ ... غداةَ اغتدى في مجهَلِ اللوم يعسفُ أطال صحيحاً من ملامة مدنف ... وشتّان في أمر صحيح ومدنف فيا طيبها من كفّه إذ يديرها ... ويدني ثناياه إليّ فأرشف رضاب أبِن لي ما بردت ببرده ... غليليَ أم ماء زلال وقَرقفُ ووجهك أم صبح وفرعك أم دجى ... ولحظك أم عضب الغرارين مرهف فيا زهرة الدنيا التي ليس تُجْتَنى ... من الصون إلا بالعيون وتقطف تقاسمك الضدان شطرٌ مثقّل ... تحمّل أعباء وشطرٌ مخفّف أقلبي الذي راع العذولَ اضطرابُ ... فأقصر عني أو جناح يرفرف ضَلالٌ رجاء العاذلين إنابتي ... وإن قيّدوني جاهلين وعنّفوا وفي المخلص: وماذا عليهم أن أجود بتالدي ... وأفني طريفي قبل يومي وأتلف لهم ما اقتنوا فليحرصوا في ادّخاره ... ولي كنز شِعر لا يبيد ويوسف أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن القرني الكاتب ذكر أنه منجّم، حاسب، كاتب. له في وصف الغرق: ينضج جسمي على الفراش لما ... بالقلب من لوعة ومن حُرق لعارض يستهلّ واكفه ... عليّ واش بالوابل الغدِق مثل غريق نجا بمهجته ... وكابد الموجَ خشيةَ الغرق أبو القاسم هاشم بن يونس الكاتب ذكر أنه صاحب ترسل ومقامات، وملَح وروايات وله من قصيدة: ألمّت بنا والليل سود ذوائبه ... تطالعنا راياتُه ومواكبُه وبين سواد الليل أبيض ماجد ... تخرّ لديه ساجدات كواكبه على حينَ نام الليل وانتبه الهوى ... وأونس مغناه وأوحش راكبه ولما بدا طيف البخيلة سامحت ... بوصل ولا وصلٌ لمن هو طالبه عجبت لدانٍ وصله وهو نازحٌ ... كأني على بعد الدّيار أقاربه بعيدٌ قريبٌ في الفؤاد محلّه ... فدر تنائيه ونفس تصاقِبه وبتنا ونار الحب تضرم بيننا ... ودمع الهوى يهمي على الخد ساكبه أقبّله طوراً وطوراً أضمّه ... وأعرضتُ عن دهري فلست أعاتبه وفارقني عند الصباح برغمه ... وكل عطاء النوم فالصبحُ سالبه وله من أخرى: وأغيد مجدول القوام مهفهف ... دعاني فلم ألبث ولم أتخلّفِ فلما استمرّ الحب بيني وبينه ... وفيت له بالعهد فيه ولم يفِ ومنها: أكلُّ خليل هكذا غير مسعف ... وكل حبيب في الهوى غير منصف نعم كل مسدول الغدائر غادر ... وكل لطيف الكشح ليس بملطف ومنها: ويوم كأن الشمس فيه عليلةٌ ... لها من وراء السّجْفِ نظرةُ مُدنَفِ جمعتُ الهوى فيه لأبيض ماجد ... أعلّ ببكر من ثناياه قرقَفِ وصَحْبٍ سمتْ بي همة فصحبتهم ... فمن متلفٍ مالاً وآخرَ مخلف ومنها: ويوم تنادوا من يجير من الرّدى ... وما لخيول القوم من متصرف

стр. 757

وقفتَ أبا نصر تكفكف عنهمُ ... وتطعن بالخطيِّ أشرفَ موقف ومنها: لقاء أعادٍ وامتطاء مطيّهم ... وتقليب هنديّ وهزّ مثقّف أحب إليه من مُدام وقينة ... وأحور معشوق الشمائل أهيف وله: رُبّ ليلٍ سوادُه ... كسواد الذوائبِ صارمي فيه حاجبي ... والرّديني كاتبي سرت فيه كأنّني ... بعض زُهْر الكواكب راكباً عزمة الهوى ... أي طِرْف وراكب ونهار بياضه ... كبياض التّرائب وهجير يحَرّ قل ... بي لهجر الحبائب واشتياقي إليك كا ... ن دليلي وصاحبي وله مما يكتب على سكين: مطبوعة من شَفار ... ومن شَبا الأشفارِ أعارها فعلُ عيني ... ك فاتكٌ لا يباري القاضي أبو الفضل الحسن بن ابراهيم بن الشامي الكناني له من قصيدة، مرثية: فلا البؤسُ مدفوعٌ بما أنت جازع ... ولا الخيرُ مجلوبٌ بعلم ولا فهم وأن الحريص العمر يلقيه حرصه ... الى حفرة جوفاء واهية الرضم تعلّم بأن الموت أزينُ للفتى ... وأهونُ من عيش يشين ومن وصم أبو الفضل أحمد بن علي الفهري صاحب الشرطة له: خليليّ مالي قد حُرِمتُ التدانيا ... وأصبحتُ عن وصل الأحبة نائيا وما كان لي صبرٌ على البين ساعةً ... فها أنا في بينٍ سنينَ ثمانيا رعى الله أحباباً وقرّب دارَهم ... وبلّغ مشتاقاً وأطلقَ عانيا عبد الجبار بن عبد الرحمان ابن سرعين الكاتب له في حاسد: وحاسدٍ لا يزال منّي ... فؤادُه الدهرَ في اشتعال كاتبُ يمناه مثل حالي ... ومثله كاتبُ الشّمال ذاك في راحةٍ وهذا ... في تعبٍ منه واشتغال وله: يا بدر تمّ على غصن من الآس ... ألا يرقُّ لقلبي قلبُك القاسي ما لامني الناس إلا زدتُ فيك هوى ... قلبي بحبكَ مشغول عن الناس الأمير أبو محمد عمار بن المنصور الكلبي ذكر أنه من أفاضل العلماء، وسادات الأماء، وذو يد في الفقه والحديث. وله: تقول: وقد رأيتُ رجالَ نجد ... وما أبصرتَ مثلَك من يَمانِ ألِفْتَ وقائع الغمرات حتى ... كأنك من رداها في أمانِ الى كم ذا الهجوم على المنايا ... وكم هذا التعرّض للطعانِ فقلت لها: سمعت بكل شيء ... ولم أسمع بكلبيٍّ جبان ويقول في ابن عمه شكاية: ظننتُك سيفاً أنتضيكَ على العدى ... وما خلتُ أني أنتضيك على نفسي وجئتك أبغي رفعةً وكرامةً ... فأمسيتُ مقهوراً بقربك في حبس الأمير ثقة الدولة جعفر ابن تأييد الدولة الكلبي كان أحد ملوك صقلية. كتب إليه بعض الكتاب: أنت مولى النّدى ومولايَ لكن ... رُبّ مولىً يجور في الأحكام قد وعدت الإنعام فامْنُنْ بإنجا ... زك ما قد وعدت من إنعام فكتب إليه: حاش لله أن أقصّرَ فيما ... يبتغيه الوليّ من إنعامي أنا موفٍ بما وعدت ولكن ... شغلتني حوادثُ الأيام أبو الحسن علي بن عبد الله ابن الشامي له من قصيدة: يا سيدي لي أوامر كرمت ... فارْعَ لها لا عدمتُك الذِّمما فكم أناس حقوقها جحدوا ... ظلماً وما عادل كمن ظلما فحسّنوا جحدها بلؤمهمُ ... وإنما هجّنوا به الكُرَما وله في الوداع: ودّعني وانصرفا ... يحملُ وجداً متلفا ملتفتاً وكلّما ... ثقل رجلاً وقفا وله: إذا نحن أعيانا اللقاء فودنا ... بمحْضِ التصافي كل حين له ورد ولا صنعَ للأيام في نقض مُبرَمٍ ... يعودُ جديداً كلّما قدم العهد القائد أبو محمد الحسن بن عمر بن منكود له يصف النيلوفر:

стр. 758

كؤوسٌ من يواقيت ... تفتّحُ عن دنانير وفي جنباتها زهرٌ ... كألسنة العصافير أبو حفص عمر بن الحسن ابن الفوني الكاتب ذكر أنه لغوي، شعر، كاتب، منجم، مهند. وله في مرثية أولها: للموت ما يولد لا للحياه ... وإنما المرءُ رهينُ الوفاه كأنما ينشره عمره ... حتى إذا الموت أتاه طواه من ترْم أيدي الدهر لا تُخطِه ... والدهرُ لا يخطئ من قد رماه وله: نفس الفتى عارية عنده ... ما بخله بالرّدّ إلا سفاه وله: بأبي من غدا صَمي ... مَ فؤادي محلُّهْ والذي عقْدُ حبّه ... ليس خلْق يحُلّهْ أيها العاذل الذي ... طال في الحب عذْلُهْ أتراني مللْتُه ... لست ممن يملّه لا ولا اعتضت غيره ... بل له الودّ كلّه وله: يا لدمعٍ أعلن الس ... رّ وقد كان مصونا باح بالوجد فأبدى ... للورى داءً دفينا مااذي يصلح عيني ... قبّح الله العيونا جلبت حتفي ونمّت ... فاحْتفَتْ منّي الظنونا وغدا ما كان شكّاً ... عند أقوامٍ يقينا أبو بكر محمد بن علي بن عبد الجبار الكموني له: ما إن رأيتُ كراقص ... مستظرف في كل فنِ يحكي الغناءً برقصه ... كمراقص يحكي المغني رجلاه مزمار وعو ... د في نهاية كلّ حسن فهو السرورُ لكل عي ... ن والنعيمُ لكل أذن وله: يا بأبي ريّان طاوي الحشا ... يقطعه الدلّ إذا ما مشى يحسبه الناس إذا ما خطا ... منتشياً لكنّه ما انتشى رزيق بن عبد الله الشاعر ذكر أنه كان محارفاً، ولم يزل حرمانه بضعف حظّه متضاعفاً، برّه بعض الرؤساء بدنانير وظن أنه يعينه، فلما عاد الى بيته وجد لصاً قد سرق جميع ما فيه. فقال: محاني اللهُ من ديوان سعدِهْ ... وأيأسَ راحتي من نيل رِفدِهْ إذا ما السعدُ أسعفني بشيء ... يقوم النّحس محتسباً لردّه أبو محمد عبد الله بن مخلوف الفأفأ له: يا من أقلّ فؤادي ... ولحظ عينيَ علّه صِلْني تصلني حياتي ... وامْنُنْ عليّ بقُبله وله: يا من يجود بدائِه ... لا تبخلنْ بدوائِهِ واعطف على قلب غدا ... مثواك في سودائه وانضح بماء الوصل نا ... رَ الهجر في أحشائِه أمرَضْتَه بجفونك ال ... مرضى فجُدْ بشفائه أبو حفص عمر بن حسن ابن السطبرق ذكر أنه من أهل الدين، والورع، والعفاف. وله في الزهد: سيلقى العبدُ ما كسبت يداه ... ويقرأ في الصّحيفة ما جناه ويسأل عن ذنوب سالفات ... فيبقى حائراً فيما دهاه فيا ذا الجهل ما لك والتمادي ... ونارُ الله تحرق من عصاه فعوّلْ في الأمور على كريم ... توحد في الجلالة في علاه وأمِّلْ عفوه وافزع إليه ... وليس يخيب مخلوق رجاه أبو حفص عمر بن خلف بن مكي ذكر أنه انتقل الى تونس، وولي قضاءها، وهو فقيه، محدث، خطيب، لغوي، وفضله بالألسنة في جميع الأمكنة مأثور مروي، وله خطب لا تقصر عن خطب ابن نباتة، تعجب رواته. ومن شعره قوله: يا حريصاً قطع الأيامَ في ... بؤس عيش، وعناء، وتعبْ ليس يعدوك من الرزق الذي ... قسم الله فأجمِلْ في الطلبْ وقوله: نعماكمُ طردتنا عن زيارتكم ... وقنّعتْنا حياءً آخرَ الأبد إنّ الزيادة في الإحسان طاردة ... للحرِّ عن موضع الإحسان فاقْتصِد وقوله: لا تبادرْ بالرأي من قبل أن تس ... أل عنه وإن رأيتَ عوارا أحمقُ الناس من أشار على النا ... س برأي من قبل أن يُستشارا وقوله:

стр. 759

لا تصحبنّ إذا صحبت أخا ... جهلٍ ولو أنّ الحياة معَهْ إن الجهول يضرّ صاحبَه ... من حيث يحسب أنه نفعَهْ وقوله: صديقي الذي في كل يوم وليلة ... يكلفني من أمره ما لَهُ بال ولا يؤثر التخفيف عني فإنما ... علامة صدق الودّ عندي إدلال وقوله من قطعة: عادِ الجهولَ فإنه ... ممن يعينُك في هلاكِهْ واحذر معاداة اللبي ... ب فليس يخلص من شباكِهْ وقوله: اجعلْ صديقك نفسك ... وجوفَ بيتك حِلْسَك واقنع بخبزٍ وملح ... واجعل كتابَك أنسك واقطع رجاءك إلا ... ممن يصرِّفُ نفسك تعشْ سليماً كريماً ... حتى توافيَ رمسك وقوله: وإذا الفتى بعد طو ... ل خصاصة بلغ الأملْ فكأنّ بؤسي لم تكن ... وكأنّ نُعمى لم تزُلْ وقوله في مدح الانفراد: من كان منفرداً في ذا الزمان فقد ... نجا من الذل والأحزان والقلقِ تزويجنا كركوب البحر ثم إذا ... صرنا الى ولدٍ صرنا الى الغرق وقوله في الشيب: أيروم من نزلَ المشيب برأسه ... ما قد تعوّد قبلُه من فعلِه من لم يميّز نقصَه في جسمه ... في الأربعين فإنّه في عقله وقوله: عجَباً للموت يُنسى ... وهو ما لا بدّ منه قُل لمن يغفل عنه ... وهو لا يغفل عنه كيف تنساه وقد جا ... ءتك رُسْل من لدنه سوف تلقى الويلَ إن جئ ... تَ بعذرٍ لم تبِنه وترى جسمَك في النا ... ر غداً إن لم تصنه والذي ينجو من النا ... ر أخو التقوى فكُنْه أبو الحسن بن عبد الله الطرابلسي له في بدوّ الشيب: وزائرة للشيب حلّت بعارضي ... فعاجلتُها بالنّتْفِ خوفاً من الحتف فقالت: على ضعفي استطلْتَ ووحدتي ... رويدَك للجيش الذي جاء من خلفي وله: أتدري ما يقول لك العذولُ ... وتدري ما يريدُ بما يقولُ يريد بك السلوّ وهل جميل ... سلوّك عن بُثينة يا جميلُ وله من قطعة: يا ربّة الهودج المزرور كيف لنا ... بالقرب منك وهل في وصلكم طمَعُ إن تبذليه فإن الماءَ من حجرٍ ... أو تبخلي فمنال الشمس يمتنعُ أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الغني المقرئ الواعظ له مرثية: سيف المنية آفةُ العمْرِ ... كلّ العباد بحدّه يفْري حكم المهيمن بالفناء لنا ... فمَنِ الذي يبقى على الدّهْر وله: أيا من نال في الدنيا مُناه ... تأهّبْ للفراق وللرحيل ولا تفرحْ بشيء قد تناهى ... فما بعد الطلوع سوى النزول أبو بكر عتيق بن عبد الله بن رحمون الخولاني المقرئ لا تخش في بلدة ضياعا ... حيث حياة فثمّ رِزقُ قد ضمن الله للبرايا ... رزقهم فالعناء حُمقُ أبو سعيد عثمان بن عتيق الصفار الكاتب له من قصيدة في الأمير المعتصم أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح: فاضَ عقيق الدمع فوق البهر ... وانحدر الطّلُّ على الجلّنار واجتمع الغصنان لكنّ ذا ... ذاوٍ وهذا يانع ذو اخضرار وكاد ذا ينقدُّ من لينه ... وكاد هذا يعتريه انكسار واضطرمت في القلب نارُ الجوى ... فهذه الأدمعُ عنه شَرار أبو حفص عمر بن عبد الله الكاتب له: أرقٌ أراقَ مصونَ دمعيَ كاربُه ... وهوًى هوى بجمل صبريَ غالبُه ومنه: نازعته بعد الجماح عنانه ... والليل أليَلُ ترجحنّ غياهبه فقضيتُ بالتمويه منه لبانةً ... وجعلت إعتابي بحيث أعاتبه وتشكُلُ الحالين أشكل أمره ... لما استوى صدقُ العناقِ وكاذبه وله:

стр. 760

ألا إن قلبي بالغرام موكّل ... ومذ غبتَ عن عيني فقدتُ هُجوعي منحتُ سوادَ القلب صفوَ ودادكم ... وقسّمتُه بين الحشا وضلوعي فإن كنتِ لا تأسي لبعدي فإنني ... لبعدك وجْداً ما تجفّ دموعي الأمير أبو محمد جعفر بن الطيب الكلبي أثنى عليه مصنف الدرة الخطيرة، بالفضائل الكثيرة، وذكر أن بينهما مكاتبات وشدا منها طرَفاً وطُرفاً، وأورد من شعره قوله: ما الصبر بعد فراقكم من شاني ... رحَلَ العزاء برحلة الأظعان ما كنت أحسب للمنية ثانياً ... فإذا الفراق هو الحِمام الثاني بُعْداً لذاك اليوم بُعداً إنه ... أجرى دموع العين بالهملان من ساترٍ دمعاً بفضل ردائه ... أو ممسكٍ قلباً من الخفقان وألفت فيك الحزنَ حتى أنني ... لأسَرّ فيك بكثرة الأشجان ومنها في المديح: ملكٌ إذا لاذ العُفاة ببابه ... أخذوا من الأيام عقدَ أمان يعطي الجزيل ولا يمنّ كأنّما ... فرضٌ عليه نوافلُ الإحسان وله من قصيدة: أراها للرحيل مُثوّرات ... جِمالاً بالجَمال محمّلاتِ تتيهُ على الركائب في سُراها ... بأقمارٍ عليها طالعاتِ ولو نظرت لمن تسري إليه ... لصدّت عن وجوه الغانياتِ وجازت والفلاةُ لها ركابٌ ... كما كانت ركاباً للفلاة ولم تعلق بشيء غير شعر ... منابتُه بأفواه الرّواة تمرّ على المياه ولم تردها ... كأن الريّ في زجر الحُداة أقول لها وقد علقت ذميلاً ... بأجفان لزجْري سامعات سأتركُ عنكِ في مرعى خصيب ... وماء بارد عذب فرات بأرضِ مدافع مأوى الأماني ... وقتّال السنين المجدبات فيحمل عنك همّي فوق طِرْفٍ ... سَبوقٍ من خيول سابقات أغرّ تخاله ريحاً أعيرت ... قوائم باللجين محجّلات كساه الليل أثواباً ولكن ... تراها بالصباح مرقّعات وحسبك ما يفرّق من نوال ... بأيدٍ للمكارم جامعات فقد أطمعتَ في جدواك حتى ... سباع الطير من بعض العفاة وله من أخرى: ضحوكٌ مرةً جَهْداً وباكٍ ... وشاكرُ حالِه حيناً وشاك ومغتبط بعيشٍ غير باق ... يروم سلامةً تحت الهلاك ألا يا حارِ قد حارت عقول ... وعلّت بالعليل عن الحراك وقد نصبت لك الدنيا شِباكاً ... فإيّاك الدنوّ من الشّباك وإن شيّدت لي يا حارِ بيتاً ... فحاوِل أن يكون على السّماك وأبْعِدْ إن قدرت على مكان ... فإني والحوادث في عراك وله في الغزل: لقد بليتُ بشيءلستُ أعرفه ... مولىً يجور على ضعفي وأنصفه ما زال يطمعني لفظ له خَنِثٌ ... يمنّ بالوعد سراً ثم يخلِفُه يا رب زدني غَراماً في محبته ... ودع فؤادي بالأشواق يتلفه وله: فارقتكم لا عن قِلىً وتركتُكم ... رغماً على حكم الزمان الجائر وفقدتكم من ناظري فوجدتكم ... لما أردت لقاءكم في خاطري وله في ذم الاجتداء من البخلاء: وحقّك لو نلتَ النّوال معجَّلاً ... لغير سؤال كان غيرَ جميل فكيف وما في الأرض وجه مؤمّلٍ ... ولا يُرتجى للجود غير بخيل وله: ألا سكنٌ إذا ما ضقتُ يوماً ... سكنْتُ إليه في شكوى همومي أوسّع صدره وأحلّ منه ... محلّ الجود من قلب الكريم أبو الفتح أحمد بن علي الشامي ذكر أنه زين الأدباء، وغرة الدهماء. له: في السمهريّ مشابه ... ممن أحبُّ وأعشق اللون والقدّ الرشي ... ق وطرفه إذ يرمق قلبي لسهم لحاظه ... غرض ففيه يرشق

стр. 761

قال مصنف الدرة الخطيرة: سألته أن ينفذ إليّ بشيء من شعره في حين تأليف الكتاب، فكتب إليّ: أبا قاسم والفضل فيك سجية ... وأنت بكل المعلوات خليق ومن مجْده فوق السّماك محلِّقٌ ... ومنصبه في المكرمات عريق يكلفني إظهار ما قد نظمته ... لياليَ غصني ناضر ووريق وإذ لمّتي تحكي خوافيَ ناعب ... وعندي لوصل الغانيات طريق فكن ساتراً عورات خِلّك إنه ... شقيقك والخِلُّ الصديق شقيق وله في المجون: احتَل لأيرِك في درع مُضعّفة ... فبين فخذيه أرماح من الشّعر الفقيه أبو القاسم عبد الرحمان بن أبي بكر السرقوسي له: أما منكمُ من مسعد ومعاون ... على حرّ وجد في السويداء كامِن أبانَ الكرى عن مقلتيّ التهابُه ... وما هو يوماً عن فؤادي ببائن ومنها: وبيداء قفر ذات آل كأنما ... هو البحر إلا أنه غيرُ آسن ترى ظعنَهم فيه غداة تحمّلوا ... طوافي فوق الآل مثل السفائن وله: أسارقه اللحظَ الخفيّ مخافةً ... عليه من الواشين والرّقباء وأجهد أن أشكو إليه صبابتي ... فيمنعني من ذاك فرط حيائي وإني وإن أضحى ضنيناً بودّه ... لأمنحه ودّي وحسن صفائي سأكتم ما ألقاه من حُرَق الأسى ... عليه ولو أني أموت بدائي وله: لا تبغِ من أهل الزمان تناصفاً ... والغدرُ من شيم الزّمان وأهله وإذا أردت دوام ودّ مصاحب ... فاغضض جفونك جاهداً عن فعله أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد اللخمي الكاتب القاضي له من قصيدة: يا عذبةَ الريق عودي بعض مرضاكِ ... وعلّليه برشْفٍ من ثناياكِ قد حاربته الليالي فيكِ جاهدة ... فصار من حيث ما يرجوك يخشاكِ وله: أيه المهدي لعيني السّهرا ... كان وجدي بك مقدوراً جرى لم أكن أعلم ما عُلِّمْته ... من هواك اليوم إلا خبرا ربّ لا حول ولا قوة لي ... صرتُ بعد العين أقفو الأثرا عاذلي مهلاً فما العذر على ... عاشق مثلي حديث يفترى أنت لا تأسى فدعني والأسى ... أشتفي منه وأقضي الوطرا إنّ أوفى الناس حباً كلِف ... ظلّ فيه بالأسى مشتهرا فعصى العاذلَ فيما قد نهى ... وأطاع الشوق فيما أمرا وله يصف ضيق يده عن مساعدة صديقه فيما يقوم بأوده: ولي مال من يغنى به فيكفّه ... ويعجز عن برِّ الصديق الملاطف فلا البخل أرضاه ولا الجود أنتهي ... إليه لقد أوقِفْتُ شر المواقف وما حيلة الحرّ المساعف إن سعى ... ولم يعط حظاً من زمان مساعف وله في الشيب من قصيدة: أساء صنيعاً شيبه بشبابه ... وأوقف خطّاب الخطوب ببابه تجنّبه الأحبابُ من غير زلّة ... سوى ما تبدّى من فضول خضابه وما أن وشى واشٍ به فأجبتُه ... ولكن شيب العارضين وشى به ومن كانت الخمسون منه قريبة ... تباعد عن نيل المنى باقترابه بنفسي شباب بان غير مُذمّمٍ ... ووكّل قلبي بالأسى وعذابه فيا ليت إذ ولّى تولّى بحرمة ... وأبْرأني من موبقات احتقابه ولكنه أبقاني الدهرَ بعدَه ... لعفْوِ إلاهي أو لمسّ عقابه عدمت الأماني فاجتزيت بدونها ... ومن عدم الماء اجتزى بترابه وله في الزهد: يا ربّ صفحاً وغفراناً ومعذرة ... لمذنب كثرت منه المعاذير يُبكيه إجرامه طوراً ويُضحكه ... رجاؤه فهو محزون ومسرور عبد الوهاب بن عبد الله بن مبارك له: نفسي الفداء لظبي ... قد جاز في التيه حدّهْ حكى القضيَ انعطافاً ... كما حكى الليث نجدَهْ بالدمع طرّز خدي ... مذ طرّز الشَّعر خدّهْ

стр. 762

كأنه بدرُ تمّ ... في الأفق قابل سعده يا ليته بات عندي ... أو ليتني بتُّ عنده يا عاذلي فيه دعه ... يُطِلْ كما شاء صدّه فإنما هو مولىً ... أضحى يؤدب عبد وله: إذا المء لم يُعرف بجدّ ولا أب ... ولم يشتهر في الناس إلا بأمّه فلا تسألنْ عن حاله فهو ساقط ... وإن لم يشع في الناس أسباب ذمّه أبو عبد الله محمد ابن العطار الكاتب له: لولا عيونُ جآذر وظباء ... ما راضت الأشواقُ صعبَ إبائي واقتاد قلبي بعد طول تمنّع ... نحو الصبابة قائدُ البرحاء وصبوتُ صبوةَ عاشق ذي غرة ... لعبت بمهجته يد الأهواء باب في ذكر محاسن جماعة من المغرب الأدنى والقيروان وأفريقية من أهل هذا العصر ابن فرحان القابسي هو سلاّم بن أبي بكر بن فرحان، من قابس مدينة من أعمال القيروان وكان جليساً ووزيراً لأميره مدافع بن رشيد بن رافع بن مكي بن كامل بن جامع الهلالي من بني فادع من بني علي ثم من هلال، وقتِل ابن فرحان يوم خروج الأمير المذكور من قابس واستيلاء المصامدة عليها بعسكر عبد المؤمن بن علي وذلك في سلخ شعبان سنة أربع وخمسين وخمسمائة، قال الشريف إدريس الإدريسي أنشدني أبو عمران شكر بن عامر بن محمد بن عسكر بن كامل بن جامع الهلالي الفلاعي لابن فرحان في تهنئة الأمير مدافع المذكور بشهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة من قصيدة أولها: برَبْعِ رامةَ رام الركبُ إلماما ... فغاض صبري وفاض الدمع تَسْجاما وقل للرّبع منا أن نلمّ به ... وأن نُحيّي به رسماً وأعلاما سقياً لعصر الصِّبا لو كان متصلاً ... ما كان أطيبَ ذاك العيشَ لو داما وكم كتمتُ الهوى جهدي فنمّ به ... دمعي وما زال دمع العين نمّاما فاخلعْ عِذاركَ في راح وفي رشأ ... طاوي الوشاح ولا تحفَلْ بمن لاما لله ريمٌ رمى قلبي فأقصده ... وأضرم النارَ في الأحشاء إضراما بخصره هيَف أهدى النّحولَ الى ... جسمي وأهدى لسقمِ اللحظ أسقاما ومنها: ذرني أكفّ عن التّطواف راحلتي ... ملّت جياديَ إسراجاً وإلْجاما ما زلتُ أفري أديمَ الأرض منفرداً ... أطوي المفاوزَ غيطاناً وأعلاما حتى حططتُ رِحالي في ذُرى ملك ... غمر المواهب للقصّاد بسّاما ومنها: في متن أدهمَ ما ينفكّ يُقحمه ... على أعاديه يومَ الروع إقحاما ما أبصرت مقلتي من قبل صافنِه ... طِرْفاً غدا حاملاً في الحرب ضرغاما في عُصبة كأسود الغاب قد جعلت ... سمرَ الرماح وبيضَ الهند آجاما هنِّئ مُدافعَ إن الله خوله ... عزاً ينال به كلّ الذي راما إذا رآه العدا في يوم ملحمة ... يغشي عيونهم نوراً وإظلاما وقبّلوا التُربَ تعظيماً لطلعته ... كما رأتْ فارسٌ كسرى وبَهْراما يا أيها الملك المرهوبُ جانبه ... شملتَ هذا الورى فضلاً وإنعاما سُسْتَ الرّعايا وصنتَ الملك فامتنعا ... بصارمٍ ذكرٍ تفرى به الهاما ومنها: قُم فافتحِ الأرضَ فالأملاك كلّهم ... سواك أضحوا عن العلياء نوّاما ومنها: خذ هاكها يا أبا الحملات نظم فتى ... ما زال في مدحكم للدرّ نظّاما يشدو بأفنان أغصانِ الثناء على ... علاك فيها طيورُ المدح تَرناما في بلدة مثل الخلد قد جمعت ... براً وبحراً وحيتاناً وآراما كما جمعتَ خلالاً كلها حسن ... تُقىً وحلماً ومعروفاً وإقداما لا زلت تُفني زماناً بعده زمنٌ ... مؤثل المجد وهّاباً وغنّاما أبو الفضل ابن الفقيه عبد الله بن نزار الهواري القابسي وهو حي الى الآن، يخدم ولد عبد المؤمن كاتباً.

стр. 763

وهوّارة قبيلة من قبائل البربر، قال: أنشدني للمذكور في مدح الأمير محمد بن رشيد الهلالي أخي مدافع من قصيدة أولها: لم يبقَ لي بعد الرحيل عزاءُ ... بان الخليطُ وشتِّتتْ أهواءُ فاصرف عنان اللّوم عن قلِقِ الحشا ... مغرَى فإن ملامه إغراء ومنها: فعلتْ به أحبابه يوم النّوى ... والبينُ ما لا تفعل الأعداءُ ساروا ولمّا يسمحوا بوداعه ... فكأن خالص ودّه شحناء أتراهمُ خالوا الوداع محرّماً ... أم أجمعوا أن لا يكونَ لقاء رقّت مياه الحسن فوق خدودهم ... وقسَتْ قلوبهمُ فبان جفاء ومنها: يا ويحَ من عبث الهوى بفؤاده ... وتحكّمت وقضت عليه ظباء من كلّ ما في القلب من لحظاتها ... نفثات سحر ما لهنّ دواء للبدر سُنّةُ وجهها وقوامها ... للغصن مخطفة الحشا هيفاء إن امتداحي ما يلِمّ من الورى ... إلا لمن دانت له العلياء مثل المليك ابن الرشيد فإنه ... بهر الملوك وحلّ حيث يشاء وتشابهت آراؤه وسيوفه ... كلٌ بما يهوى له ضمناء لبس الجلالةَ حلة أعلامها ... حلُمٌ يزيّن ثوبها وحياء فهو القريب تطوّلاً وتجمّلاً ... وهو البعيد محلّهُ الجوزاء وله المهبة في النفوس، وإن غدا ... متواضعاً والعزة القعساء يا من شكا جورَ الزمان وظلمه ... وأصابه من مسّه الضراء لُذ بالمليك محمدٍ فبجوده ... يحيا السماح وتكشف الغمّاء سَلْهُ تفد واقصدْ تجدْ واشرع ترِدْ ... عذبَ النّمير وما به أقذاء هذا العيان يُريك من أوصافه ... فوقَ الذي أهدتْ لك الأنباء لو نظّم الأملاك سلكاً لاغتدى ... لسناه وهو الدرة الغرّاء يحيى ابن التيفاشي القفصي من قفصة، مدينة بالقيروان، انتقل الى قابس، وسكن بها، ومدح بني هلال، وقتله الإفرنج بصقلية بعد سنة خمسين وخمسمائة عند فتكهم بالمسلمين، قال وأنشدني لهذا الشاعر من قصيدة في الأمير مدافع أولها: رأى البرق فازدادت جوانحه جمرا ... وبات يراعي النّجم يرتقبُ الفجرا وما البرق مما هاجه غير أنه ... تذكّرَ من يهوى فما ملك الصبرا خليليّ عوجا نندب الرّبرب الذي ... غدا بعدهم من بعد سكانه قفرا دياراً بها قدْماً ملأن جوانحي ... عيون المها جمراً كما ملئت سحرا كأن لم أجُلْ فيها بمعترك الصبا ... ولم أرتشف ثغراً ولم أنتشق زهرا ولم أدعِ النايات فيها مجيبة ... أغانيَ أغصان تميسُ بها خضرا ويا بأبي ذات الوشاح إذا بدت ... كشمس الضحى وجهاً وجنحِ الدجى شَعْرا تميسُ لنا غصناً وترنو غزالة ... وتعبق كافوراً وتبدو لنا بدرا ويأبى لها النهدان والردف أن ترى ... تمس له الأثواب بطناً ولا ظهرا أتتني وقلب البرق يرعد غيرة ... عليها وعينُ النّجم تنظرها شزرا وقد هجعت عين الوشاة وأسبلت ... علينا الدياجي من ملابسها سترا فبتنا الى وجه الصباح كأنّنا ... قضيبان لا صدّاً نخافُ ولا هجرا الى أن رأيتُ الفجر عند طلوعه ... قد التاح في إثر الدجنّة وافترّا كأن محياه المدافع قد بدا ... بغُرّتِه في النقع يسطو بها قهرا رضيع الندى ثدياً حليف العلا وفا ... شقيق الحيا بذلاً لخير الورى طرا هو الغيث في بذل النّوال إذا طما ... هو الليث في يوم النّزال إذا كرّا يريك الردى سخطاً ووجه المنى رضا ... وصوب الحيا بذلاً وحكم القضا أمرا ومنها:

стр. 764

ولولاك ما أوحشت أهليَ والحمى ... ولا أصبحت يوماً يدي منهمُ صِفرا فلي مهجة تهفو بقابس لوعةً ... وقلبٌ إذا فارقتُها يألف الضّرّا محمد التيفاشي عم الشاعر المقدم ذكره يحيى هو الذي وفد على عبد المؤمن بن علي ملك المغرب ومدحه بالقصيدة المشهورة التي أولها: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسُلِ ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي قال عبد المؤمن لا ينشد بعده شيئاً وأمر له بألف دينار السكدلي من أهل قفصة قال وأنشدني للسكدلي في مدافع بن رشيد يهنيه بعيد النحر من قصيدة موسومة بالممدوح أولها: خليليّ عوجا بي لتلك المرابع ... لنفسحَ بالسفحين درّ مدامعي ولا تبخلا بالدمع علّ الذي بنا ... يبرّده سحّ الدموع الهوامع منازل ساداتي ومغنى أحبتي ... وموضع أطرابي وخير مواضعي به قد جنيت العيشَ غضاً وملبسي ... شبابي ومن أهواه غير ممانعي ومنها: ألا قاتل الله اللوى من محلة ... وقاتلَ دهراً باللوى غير راجع يكاد فؤادي من تذكّره الحِمى ... وأهل الحمى ينقَدُّ بين الأضالع ومنها في التخلص: لقد ملكت روحي كما ملك العلا ... وحازَ الندى جودُ المليك المدافع ومنها في المديح: فما أنت إلا جوهرٌ قام ذاته ... بنور هدى من جوهر العدل ساطع وراجيك موفور وشانيك هالك ... وأيامُك الدنيا بغير مضارع التراب السوسي من أهل سوسة، وهي مدينة بالقرب من المهدية، وتوفي بسوسة، قال: وأنشدني للتراب في مدح صاحب سوسة، الأمير جبارة بن كامل بن سرحان بن أبي العينين الفادعي العلوي الهلالي، من قصيدة: سلّمْ على ذي سلَمِ ... مغنى الهوى المستغنم وقفْ عليه سائلاً ... عن قاصرات الخِيَم واستمطِر العينَ به ... صوبَ دموع ودم فهذه أطلالُه ... مندرسات الأرسم وهذه عِراصُه ... مستوحشات المَعلَم كئيبة في حالة ال ... مُنفرِد المتيّم لم يبق منهنّ الصبا ... ومغدقات الدّيم سوى ثلاثٍ صائما ... تٍ قائماتٍ جُثّم وأشعثٍ معفّر ... في بونها المهدّم أضحت خلاء بلقعاً ... بَوالياً كالرّمم ومنها: وطالما عهدتُها ... خضرَ الرُبى والأكم مأهولةً في زينة ... من نعَمٍ وأنعم وللقيان حولها ... بمفصحات النّغم لغالغ ما خُلِقت ... إلا لقتل المغرم والغانيات كالدُمى ... يسحبن كل مُعلَمِ من أبيض مفضّض ... وأخضر مُنَمنَم من كل خَودٍ كُحِّلت ... مقتلها بالسقم جبينها من قمر ... وفرعها من ظلم تُريك في بنانها ... وكفِّها والمِعصم رقماً من الوشي حكى ... رقمَ إهاب الأرقم يفترّ عن مفلّج ... عذبِ الثنايا شبِم حلو اللّمى وإنما ... لحظي جناه لا فمي سقياً لأيامي بها ... وعيشِنا المنصرم أيام غصني أخضر ... ولمّتي كالحمم وقامتي قويمةٌ ... شبابُه لم يهرَم وللهوى في خلَدي ... سرائر لم تُعلَم والدهر لم يخطُ الى ... مساءتي عن قدم ولا نهاني صاحبي ... ولا نهاني لوّمي ثم انقضت عن سرعة ... أيامُ ذاك الموسم كأنّني كنتُ أرى ... عيشي به في الحلم يا رسم أحباب نأوا ... عن عاشق متيّم إذا أباح شوقُهم ... عن شوقه المكتّم تناثرتْ دموعُه ... عن سلكه المنظّم أنعِمْ صباحاً واسلَمِ ... سُقيت نوءَ المرزم

стр. 765

إن لم أمت من أسفٍ ... وحسرةٍ عليهمِ كذبتُ في دعوى الهوى ... لست لهم بمغرم ومنها: كأنني بالوصل من ... نعمان لم أنعّم ولم أبت ريّان من ... رشف عقار المبسم في فُرُش وثيرة ... لم تفترش لمحرم ومنها: حتى تولى الليلُ في ... خميسه المنهزمِ وأقبل الصباح في ... جحفله العرَمرَمِ كأنه لما بدا ... يشرق تحت الظلم وجه الأمير ابن الأمي ... ر الأكرم ابن الأكرم جُبارة ابنِ كامل ... كهفِ الندى والكرم العارض الذي إذا ... أخلف صوبَ الدّيم سرت سحابُ جوده ... من غيثه المنسجم وأمطرت من الحيا ... نهراً لكلّ معدم الفارس الذي إذا ... أسرج كلّ شيظم وسلّ كلّ مرهف ... وسلّ كلّ لهذم واضطرمت نار الوغى ... وفرّ حامي الحرم وافى على طاوي الحشا ... عبْلِ الشوا مسوّم من الهلال مسرَج ... من الثريا ملجَم تراه إن صاحب بهم ... تحت وطيس قد حَمي تراكبوا من خوفه ... بعضاً على بعضِهمِ وله من قصيدة على وزن قصيدة مهيار الديلمي: بكر العارض تحدوه النعامى: بات بالأبرق برق يتسامى ... فجفا الجفنُ لمرآه المناما طلعتْ رايتُه خافقةً ... خفقانَ القلب أمسى مُستهاما يسحب السحبَ به في أفقها ... معصفاتٌ من جنوبٍ ونعامى تحت ليل كسواد البيْنِ في ... عين منْ ذاب من البين سِقاما فأعارتْه كراهاً مقلتي ... واستعادت منه للدمع انسجاما ثم بتنا نتبارى لوعةً ... وبكاء ونرى النوم حراما فإذا شبّ ضرامٌ في الدجى ... قدح الشوقُ على قلبي ضِراما وإذا حيّا بغيث دمنة ... جدت بالدمع فأنسيت الرِّهاما فتشابهنا بكاءً واضطراماً ... وتخالفنا اهتماماً واهتماما أيها البارقُ قد هجتَ الى ... ساكن الأبرق شوقاً وغراما وأذعتَ السرّ بالدمع الذي ... لم أُطقْ إذ فاض للحبِّ اكتتاما ومنها: بذمام الحبّ يا برقُ عسى ... لك علمٌ حيّهم أين أقاما وعسى في السحب من ماء ثووا ... حوله من جرعة تبري سقاما أنسوا عاماً فلمّا ملكوا ... رِقّ قلبي أوحشوا عاماً وعاما واستمالوني بوصلٍ في الهوى ... فكما ملت رأوا وصلي حراما بعثوا العرف فأذكى لوعتي ... وسنى البرق فأبكاني سجاما فكأنّ البرق سيفٌ ضارب ... وكأن الديم دمعي حين داما ومنها: وإذا هبّتْ صباً قلت لها ... بلّغي يا ريحُ من نهوى السّلاما عُجْ شوامي السحب تحدوه الصبا ... مثلَ ما تحدو يد الحادي السّواما فاسقِ أوطاناً بعلياء الحمى ... وابلَ الودق وجيراناً كِراما دِمَناً جرّرْتُ أذيال الصبا ... والتّصابي في مغانيها غلاما ومنها: وعليها قام لي عذرُ الهوى ... في عَذارى كاليواقيت اليتامى كبدور التمّ حسناً وبها ... وغصونِ البان ليناً وقواما يتدللن فيورثْن الضّنا ... ويواصلن فيشفين السّقاما ومنها: خلّ أوصاف التصابي والصبا ... والمغاني والغواني والنّدامى وانقلِ الهزلَ الى الجدّ ولا ... تلْهُ عن أوصاف من ساد الأناما من إذا أبصرتَه أكبرته ... وإذا خاطبت خاطبت هُماما وإذا استصرختَه في حادث ... فعلى الحادث جرّدتَ حساما مقبل القلب على سُبْلِ الهدى ... معرض عن كل ما جرّ الأناما

стр. 766

ليس يدري ما المزاميرُ ولا ... يسمع الصّنْجَ ولا ذاق المداما لا ولا تحمِله الأطماعُ أن ... ينقضَ العهدَ إذا أعطى الذِّماما بيتُه كعبة بِشْر نصبت ... يفصم العزّ عن الناس انفصاما ركنها يُمْنى يديه فاجعلوا ... بدل الركن بيُمناه استلاما لذوي الحاج زحامٌ حولها ... زحمَةَ الحجّاج قد زاروا المقاما كل وِردٍ هكذا مستعذب ... يُكثر الناس حواليهِ الزِّحاما الشيخ أبو الحسين ابن الصبان المهدوي قال: ورد الشم، واشتم بارق الفضل وشام، ولقي دولة نور الدين، وتوفي بدمشق سنة ستين، فمما أنشد لنفسه في مدح جبارة ابن أبي العينين صاحب سوسة قوله: أرى دمعَ عينيك فاض انهمالا ... أظنّ الأحبةَ راموا زِيالا أعدّوا الجِمال ليوم الرّحيل ... فزدتُ اشتياقاً وزادت جَمالا وبين السّجوف هلاليةٌ ... تحل النقاب فتبدي الهلالا وتبدي أناملَ مثل اللجين ... كُسينَ من الوشي سحراً حلالا بعيدة مهوى مجال الشنوف ... وفي جيد أحْوى بدا القرط خالا من البدويّات تهوى البروق ... إذا هبّتِ الريح عنها شمالا وتنتجع الغيثَ حيث استهل ... فتطلب سهلاً سقى أم تلالا تشدّ سُحَيراً لغاراتها ... فتلزم سرجاً وتلقى جلالا منازلَنا بحواشي الكثيب ... سُقيتِ الغوادي غزاراً بلالا فكيف عهدت الصبا ناسياً ... نناجي غزالته والغزالا ويا رُبّ بيداء عند الهجير ... قطعتُ سباسبها والرِّمالا بعَيرانةٍ أجُدٍ عرْمسٍ ... تُجدّ فتجذب آلاً فآلا إذا ونيَت قمت في غرزها ... أقول لها سوف ننسى الكلالا سألقي زمامَك في منزل ... تشدّ الرجال إليه الرّحالا بحيث جبارة مُستمْطر ... يجود على معتَفيه نَوالا فتىً للعشيرة عزّ لها ... غدا لجميع البرايا ثمالا إذا ما العشيرة في حادث ... شكت مرضاً طب منها اعتلالا وقال في صبي نصراني خمّار بمدينة صقلية: ومزنّر عقَد الصليبَ بنحره ... وأدار حول وشاحه إنجيلا خمدت بجنح الليل جمرة ناره ... فأقام خمرة دنّه قَنديلا متطلع لذوي السُرى من كأسه ... نجمٌ يكون الى الصباح دليلا أبو عمران ساكن بن عامر الهلالي أصله من عرب بني هلال بإفريقية، قد مضى ذكر نسبه وهو معنى الفضل الى مطلع أدبه، ورد الى دمشق، ولما أنشدني الشريف إدريس شعره، ذكر أنه مقيم بها في سنة إحدى وسبعين وهو الذي أفادنا بمن أوردناهم من الشعراء وذكرناهم من الفضلاء. ومن شعره: إذا مرّ من أهوى أغضّ له طرْفي ... وأخفي الذي بي من سقام ومن ضعفِ وأكتم عنْ سرّي هواه صيانةً ... ولو كان في كتمانه أبداً حتفي مخافةَ أن يشكو فؤادي تحرّقي ... الى مقلتي يوماً فتبدي الذي أخفي وأنشده زيد الحتسب بدمشق هذا البيت: هُدِّدْتُ بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودَك لا من السلطان والده أبو ساكن عامر بن محمد بن عسكر الهلالي ذكر أنه كان بدوياً، وأميراً سرياً، أنشد له ولده من قصيدة كتب بها الى قومه: يا جار طرْفي غير هاجعْ ... والدمعُ من عينيّ هامعْ ولقد أرقتُ مسامراً ... نجماً بدا في الشرقِ طالع متذكّراً بصروف ده ... رٍ أصبحت فينا قواطع إني من الشمِّ الألى ... أهل العلا أبناءِ جامع أهلِ المراتبِ والكتا ... ئبِ والمواهبِ والصنائع يتسابقون الى المعا ... لي كلّهم فيها مُسارِع ولقد ملكنا قابساً ... بالمشرفيات القواطع

стр. 767

تسعين عاماً لم يكن ... خلقٌ لنا فيها منازع كم من عزيزٍ كان يأ ... تي نحوَنا بالرغم خاضع كم قاصدٍ أو طالب ... لنوالنا يأتيه طامع وجنابُنا للمعتفي ... ن بزهرة المعروف يانع وإذا شهدنا مجمعاً ... يوما إلينا بالأصابع في كل يوم عَروبةٍ ... تدعو لنا زُمرُ الجوامع عبثت بنا أيدي الزما ... ن وأحدثتْ فينا البدائعْ الأمير عبد الرحمان بن زيري الصنهاجي كتب الى الأمير ساكن بدمشق وقد وعده بكتاب: سرى البرقُ من عَليا معالِم قابس ... وفي القلب من لمع البروق كوامِنُ يذكّرني عهدي به ومنازلي ... بساحتها والحادثاتُ سواكنُ ونحن على تلك المواطن والرُبى ... نُزولٌ ووشكُ البين بالوصل بائن أخادع عن سُكانها الدهرَ وحدَه ... كأني لما يأتي به الدهرُ ضامن فمنْ لي بتبليغ السّلام إليهمُ ... فكيف وقد شاقتك تلك المواطن ولما سرى البرقُ الذي ذكر الصّبا ... تأوهتُ شوقاً والدّموع هواتن وناديت من عليا هلالِ بن عام ... فتًى صادقَ الدعوى إذا مانَ مائن نمتْه رياحٌ من صليبةِ فادع ... لآل عليّ وهو للمجد صائن وحلّت بنو دهمان منه بعشْوةٍ ... وعزّ به بين الأفاضل ظاعن فما هو إلا في ذرى آل عسكرٍ ... لعامرهم نجلٌ وذلك ساكن الملك أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس صاحب المهدية نسبه: تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بُلكّين بن زيري بن مَناد بن منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث الأصغر بن سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة وهو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمر بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وايل بن الغوث بن حيدان بن قطر بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميع بن عمرو بن حمير وهو العرنجج بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود ﵇ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇ بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس ﵇ بن برد بن مهلايل بن قينان بن الوشن بن شيث بن آدم ﵇. مولده: بالمنصورة يوم الإثنين ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ووفاته ليلة السبت خامس عشر رجب سنة إحدى وخمسمائة وولد له من الأولاد الذكور مائة وعشرة بنين وأقام في ملك المهدية وما يليها من البلاد معظم عمره عظيم القدر، كريم النجر، طيب الذكر، مهذب الأمر، مذهب العصر، لقيت بدمشق ولد ولده وهو الأمير عبد العزيز بن شداد بن تميم وهو بها مقيم، وأعارني في سنة إحدى وسبعين ديوان جده فطالعته فاطّلعت على كل ما دل على جدّه وجودته وجِدّه، وأثبتّ من شعره ما تترنح له أعطاف السامعين اهتزازاً، فمن ذلك قوله: ما اختلف الصبحُ والمساءُ ... وأنفِذَ الحكمُ والقضاءُ إلا ولله فيه سرّ ... يحكم في الخلق ما يشاء وقوله في بعض السقاة: وساقٍ قد تكنّفه الحياء ... فوجنتُه وقهوته سواء يمجّ المسكَ من ثغر نقيّ ... كأن رُضابَه خمرٌ وماء وقد ولِع الخُمارُ بمقلتيه ... وظل التيه يفعل ما يشاء ويبخل بالسّلام وما يليه ... فليس لمُدنفٍ منه شفاء وقوله: وجهٌ هو البدر المنير وقامةٌ ... كالغصن ماسَ نَضارةً وشبابا يسقيك من حلبِ العصير مدامة ... ومن المؤشّر مسكةً ورضابا غنّت وكاسات المدام مدارة ... عذُبَ الوصالُ لنا بهنّ وطابا كأسٌ من الذهب السبيك تضمّه ... قصب اللجين تعمّمَت عُنّابا وقوله: سُعادٌ قد ألمّت بي ... ستمحو البعدَ بالقرب

стр. 768

كبدرٍ تحته غصنٌ ... على حقْفٍ من الكثب فحلّت في حمى قلبي ... على التأهيل والرّحب وقوله: وجاهلة بالحبّ لم تدرِ طعمَه ... وقد تركتني أعلمَ الناس بالحبِّ أقامت على قلبي رقيباً وحارساً ... فليس لدانٍ من سواها الى قلبي أدرتُ الهوى حتى إذا صار كالرّحا ... جعلتُ له قلبي بمنزلة القُطب وقوله يصف منافقاً مماذقاً: رأيتُك قاعداً عن كل خيرٍ ... وأنت الشهمُ في قالوا وقلتُ وطَرّاراً له لطف وحذق ... وألفاظ ينمّقُها وسمْت وثقت إليه من حسبٍ وبيتٍ ... ولولا ذاك منه ما وثقتُ وقد يعِدُ الوعود وليس يوفى ... وليس بقائلٍ يوماً فعلتُ كخز الماء فوق الماء طافٍ ... يروق وما له أصلٌ ونبت كذلك زهرة الدّفلى تراها ... تشوق العينَ حسناً وهي سُحْتُ وقوله: ألا يا نداماي الكرام وسادتي ... سألتكمُ إلا أجبتم مقالتي أليس معاطاةُ الكؤوس وحثُّها ... وحسنُ المثاني كارتجاع الفواخت أحب إليكم من زمان مصرّدٍ ... تحكَّم في الفتيان حكمَ الشوامت وقوله: بنفسيَ تفاحَ الخدود المضرّج ... وأنفسنا أشهى إليه وأحوج بنفسي وجه جيشه نبلُ لحظه ... يجيّشه ذاك الجبين المتوّج وأسقيه من كأسي وأشرب فضلَه ... فنقليَ من فيه ومن فيه أمزج هو الخمرُ إلا أنه خمر مرشف ... يمج به الثغر النقيُّ المفلّج وقوله من قطعة: ما العيشُ إلا مع التّهجير والدلَج ... أو المدام وصوت الطائر الهزِج والشرب بين الغواني والقيان معاً ... فإن أوجهها تغني عن السُرّج والقصر والبحر والبستان في نسق ... ونحن في مشرف من منظر بهج والكأس دائرة في كفّ غانية ... بيضاء في دعج صفراء في نعج أقول والكأس تزهى في أناملها ... رفقاً على هذه الأرواح والمهج اللهَ في مدنَفٍ أودى بمهجته ... طرفٌ تقلّب بين السحر والغنَج كم حجة لي ولكن ليس يقبلُها ... لو كان ينتفع المشتاقُ بالحجج وقوله: بنبلِ الجفون وسحْر العيون ... وميلِ الغصون كمثل الرّماحِ ولمعِ الثغور وبيض النّحور ... وضيق الخصور وجوْلِ الوِشاح ووردِ الخدود وميْسِ القدود ... وضمّ النهود ولثم الأقاح وساقٍ مليحٍ كظبي ربيب ... وعود فصيح يهيج ارتياحي وكأس المدام غداةَ الغمام ... بكفِّ الغلام فراحٌ براح كأن الرحيقَ بكف العشيق ... نظام العقيق بجيد الرّداح على المستهام حليف الغرام ... فما في السلام له من جناح وقوله: بلحظك يُقتَل البطل المشيح ... وبعض جيوشك الوجه المليح وأنت البدر يكمل كلَّ شهرٍ ... وغصن البان فالظبي السّنيح دنوّكمُ يبرِّد من غليلي ... وودكمُ هو الودّ الصحيح وقوله في جارية نصرانية: أليسَ الله يعلمُ أن قلبي ... يحبّك أيُّها الوجهُ المليح وأهوى لفظك العذبَ المفدّى ... إذا درس الذي قال المسيح أظاهرُ غيرَكم بالود عمداً ... وودكمُ هو الود الصحيح وفيكم أشتهي عيدَ النصارى ... وأصواتاً لها لحنٌ فصيح وقوله من قطعة: رمتني سهامٌ من لحاظ غريرةٍ ... معقربة الصدغين قائمة النهدِ مخنّثة الأعطاف مهضومة الحشا ... غلامية التقطيع ممشوقة القدِّ وقوله من أخرى: لئن خنتمُ أو ملتمُ لملالة ... فإني سأرعاكم على القرب والبعد وما أنسَ لا أنس العناقَ عشيةً ... وبردي ذكيّ النّشر من ذلك البرد وقوله من أخرى: أيا من حلّ في عيني وقلبي ... وجال من السّويْدا في السّواد

стр. 769

ليهنك أن حللْتَ حمى فؤادي ... وسلّطت السهاد على رقادي وأنك قد خلعتَ على جفوني ... من الأشواق أثوابَ الحِداد وله: أتسقيني وتسكرني بلحظ ... فلي سُكْرانِ من هذا وهذا فإن كان المراد بذاك قتلي ... على حُبّيك صبراً كان ماذا وقد فنيتْ دموعي من جفوني ... فأمسى وبْلُ أجفاني رَذاذا وله: يا قمراً أبصرتُه طالعاً ... ما بين أطواق وأزرارِ يرنو بعينَيْ شادن أحور ... قد عقد الخِصر بزنّار يطوفُ بالكأس كبدر الدُجى ... وكأسه كالكوكب الساري قد كتبَ الحسنُ على خدّه ... هذا طرازُ الخالِق الباري وله من أخرى: فنادِ بمسمَعيْك لكي يغنّوا ... وحث العود من بمٍّ وزير ولا تشربْ بلا طرب فإني ... رأيتُ الخيل تشرب بالصفير وله من أخرى: قمْ يا نديمي هاتِها ... حمراءَ ترمي بالشّررْ وأمرْ سقاتك تسقنا ... فالديك ينذر بالسّحر واشربْ على قمر الورى ... إن غاب في الغرب القمر ما العيش إلا بالمدا ... م وبالقيان وبالوتر تسقيكها ممشوقةٌ ... أو أهيفٌ زين الطُّرَر وكأنما هيَ رقّةً ... دينُ المعرّي في الخبر وله: يا غزالاً إذا نظرْ ... وقضينا إذا خطرْ أنت علّمت مقلتي ... رعية النجم والسهرْ طاف بالكأس أغيدُ ... وجهه كاسمِه قمر كيف لي بالسلوِّ عن ... هـ وما عنه مصطبَر وله من أخرى: أغرّك قول الناس يا غاية المنى ... ويا مخجلَ الشمس المنيرة والقمر وما خلقت عيناك إلا لآتي ... وما آفة الإنسان إلا من النظر وله: بأبي وجه مليح ... فيه ماءُ الحسن حارا وله طيفٌ إذا ما ... لجّ في الهجران زارا وله من أخرى: أخَوْدٌ ألمّت بنا آنفاً ... أم الشمسُ والقمرُ الباهر أرتك الهلالَ وغصن النقا ... يميّله روضه الزاهر بعثتُ إليها بلحظ الهوى ... وطرفي لموعدها ساهر منعّمة من بنات الملو ... ك فالحسن في وجهها حائر وله يصف الرّاووق: تأمل من الراووق والخمر يقطرُ ... كعيني محبٍ للتفرّق ينظرُ براه الهوى فالدمع يغلب جفنَه ... فيخفيه أحياناً ولا بدّ يظهر وله: فما شفق قد ضمّ بدر غمامةٍ ... ولا كأس بلّور دِهاق من الخمر بأحسنَ منها حين مرّت عشية ... تميس بتيه في غلائلها الخضر وله من أخرى: سأصبرُ مغلوباً على بعد دارنا ... وما كلّ مشتاقٍ على البعد صابر فيا عزّ قد عزّ الذي أنت واصل ... كما ذل يا عزّ الذي أنت هاجر فللْغصن ما شدّت عليه مناطق ... وللحقف ما ليثَتْ عليه المعاجر تميس كغصن البانِ يهتزّ ناعماً ... وتثقلها أردافُها والغدائر وله: ألا حبّذا راحٌ براحٍ تديرها ... ظباءُ قصورٍ بين تلك المقاصر معتّقة لم تلفح النار وجهها ... بعيدة عهد من قِطافٍ وعاصر على حلو أخبار إذا ما تكرّرت ... ثنينا على تذكارها بالخناصر وله وقد أوقد الراهب ناراً في منارة: يا راهبَ الدير الذي ... عمرَ المنارُ بناره هل أبصرتْ عيناك لي ... ظبياً نأى عن داره لبس الصّليبَ مقلداً ... إذ ماس في زنّاره كالسيف في آثاره ... والغصن في إثماره عيناه أوشك قتلة ... من غربِه وغِرارِه وله: كأن الكأس لؤلؤة وفيها ... عقار عتِّقت في دون تِبر وله: هلالٌ ألمّ بنا موهِناً ... تحيّر في حسنه ناظري وأوما إليّ بتقبيله ... فردّ عليه نعم خاطري

стр. 770

يريك الرّدينيّ من قدّه ... ويرنو عن المُرهفِ الباتر فكم شعلة في صميم الفؤاد ... تضرّمُ من لحظه الفاتر وله: يا قُبلة قد نِلتها من مؤنسِ ... فتضوّعت أنفاسُها في المجلس وضممته فضممت غصناً مائلاً ... ورشفت من ريمٍ ثنايا ألْعَس وتأرّجَتْ أثوابه فكأنها ... ريح القَبول على جفون النرجس وتضرجت وجناتُه فتورّدت ... وتحكمت ألحاظه في الأنفس وله من أخرى: وخمرٍ قد شربت على وجوه ... إذا وصفت تجلُّ عن القياس خدود مثل ورد في ثغور ... كدُرّ في شعور مثل آس وله: يا رُبّ راح جلونا كأسَها سحَراً ... عذراء صافية في حلّة الورس في راحة رخصة الأطراف ناعمة ... من كف جارية تُدمى من اللمس بيض ترائبُها سود ذوائبها ... كأن طرَّتها غيم على شمس وله في جارية بوجهها أثر جرح: ومجروحة في الوجه أحسن من مشى ... وترنو بعيني ظبية تكلأ الرشا وما جرحها في الوجه مما يشينها ... وما ضُرِب الدينار إلا لينقشا مهفهفة تصبي الحليمَ بدلِّها ... فلو حدّثَتْ صخراً من الصمّ لانتشى تريك النقا والغصن إمّا تعرضت ... مثقّلةَ الأرداف مهضومة الحشا مسيحية فيها من الحسن مسحة ... فشا حسنها مثل الذي بي قد فشا وله: فكّرت في نار الجحيم وهولها ... يا ويلاه ولات حين مناص فدعوت ربي أن خير وسائلي ... يومَ المعاد شهادةُ الإخلاص وله: ومجلس فيه ريحانٌ وفاكهةٌ ... نظلُّ نلهو به طوراً ونغتبط كأن سوسنه المبيَضّ حين بدا ... رأس لراهبة بادٍ به الشّمَط وله: لله من وجهه لنا قمر ... على قضيب مهفهف طلعا ضممتُه مرة فقبلني ... فخلتُ زهر الرياض قد سطعا وله: سلِ المطر العام الذي عمّ أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي إذا كنت مطبوعاً على الصدّ والجفا ... فمن أين لي صبرٌ فأجعله طبعي وله: تلوّتْ عليّ بوعد كما ... تلوّي على الخدّ أصداغَها أيا دُميةَ الدّير في بيعة ... تنوّق فيها الذي صاغها بقلبي أمورٌ طواها الهوى ... أريد الى فيكِ إبلاغَها الى شفة قد بهاها الهوى ... فسبّحْتُ ما شئت صبّاغها وله من أخرى: فيا مَنْ وجهُها سبب التّصابي ... ويا من وصلُها للقلب رافَهْ إليك صبوتُ يا من حلّ مني ... فأكلؤهُ بإشفاق المخافه فيا من ريقها شهْد جنيّ ... بماء الورد نكهتُه مُضافه وله: بليت بظبية تهوى لجاجي ... هي الشمس المنيرة في السّجوف مبرقعة بخزّ من سواد ... كمثل البدر في وقت الكسوف بلا قلبي وطرفي كان يحْيا ... فقلبي المبتلي والطرف عوفي وله: رويدكَ يا مُنى نفسي ... فما في الحب من أنفَهْ بحق الجمر إذ تُرمى ... بحق الحجّ في عرفَهْ بحق مِنًى ومن فيه ... وركبٍ حلّ مزدلِفَه ألمّي بي ولو يوماً ... لتُحيي مهجتي الكِلفَهْ وله: يا رب غانية حُمر غلائلها ... كأنها قمرٌ في حُمرة الشفق كأنّ غرّتَها من تحت طُرّتها ... بدرُ التّمام بدا في ظلمة الغسق قد زرْفنَتْ فوق خديها سوالفها ... كأنما كتبت لاميْنِ في يَققِ باتت تعللني راحاً وترشفني ... فبتّ أشرب راحَ الكرْم والحدق وله: أهلاً وسهلاً بقَيصَريّ ... يرشُقُني قدّه الرشيقُ تفعل ألحاظه بلُبّي ... أضعافَ ما تفعل الرحيق يا حاملاً خدّه وكأساً ... فذاك وردٌ وذا شقيق

стр. 771

يا مشبهَ البدر في كمالٍ ... يا حبّذا وجهك الطليق وله: يا مليكاً على القلو ... ب بجيش من الحدقِ بأبي صدغك البهي ... م على خدك اليققِ وله: ألمّت بوجه كبدر الدجى ... تقنّع بالمِعجَر الأزرق كبدر السماء بدا طالعاً ... تحفّ به زُرقةُ المشرِق وله: أضحكَ مَن في هواكِ باكِ ... حبُّكِ عن حبّ مَن سواك إذ لا وصال سوى نسيم ... من نشْر مرْط ومن سِواك وله: أبدَيْنَ أقمارَ الوجوه طوالعاً ... من فوق أغصان القدودِ المُيّلِ وبسَمْنَ عن دُرّ الثّغور فخِلْته ... برَداً تحدّر من سحابٍ هُطَّل وله من أخرى: رُبّ يوم نحن في ظل القَنا ... رُبّ يوم نحن مع بيض الدّمى إن تكن حرب صليْنا نارَها ... أو تكن سِلماً بذلنا النِّعَما وله: منع التنسّكَ والوقار وبجْمَه ... مُقلٌ تقلّبها بنات الرّوم مُقل لها فعل المُدام وتارة ... فعل الحسام بمهجة المهزوم بيض كأنّ شعورها ووجوهها ... ليل يبلّجهُ ضياء نجوم حدّثنَني وخلال ذاك تبسُّم ... كالدرّ منثور على منظوم لله ليلتُنا ونحن نُديرها ... كأساً معتّقة من الخُرطوم والطبل يخفق والمزامر حوله ... تتخالف العيدان في المزْموم فلئن صبوتُ فقد صبا أهل النهى ... ولئن هفوتُ فلست بالمعصوم وله: بسقام جفونك من سقم ... وشحوب خدودي من ألم وولوع الحب بذي شجنٍ ... وبقرعْ السن على ندم أرضيت الشوق يعذّبني ... يا مَن قد نام ولم أنم ولقد أصبحت لنا شغُلاً ... كعكوف الشِّرْك على الصّنم فلئن أسفرتَ فعن قمر ... ولئن سلّمْت فبالعنَم أفلا أشفى بوعود من ... ك شفاء المحْل من الدّيَم أهوىً وجوىً ونوىً وأسىً ... ووقوفُ الحال على العدم وهمُ أشجوك وقد سلِموا ... وهمُ أردَوْك بذي سلَم وهمُ قصدوك بنبلِهِمُ ... وأقاموا الحرب على قدَم وهم دلّوك بدلِّهمُ ... وهمُ راموك فلم ترُم ولقد أزمعتُ سلوّكُمُ ... وعرضْتُ الغدرَ على شيمي فكرهت الغدرَ لخسّته ... وأبتْهُ نفوس ذوي الهِممِ وله: يا شبيهَ الغزال عيناً وجيدا ... وشبيهَ القضيب قداً وقامهْ أنت بدر الجمال فوق قضيب ... خدّك الورد والرّضاب مُدامَهْ وله: ألا حبّذا الوجهُ الذي جمع الحُسْنا ... كأن سناه الشّمسُ لكنّه أسنى ويا من هواه في ضميري مخلّد ... وأدنى إذا فكّرْت من ثوبي الأدنى طلبت سلوّاً من هواكَ فلم أجد ... وألزَمْتُ نفسي الصبرَ عنك فما أغنى هواكَ الى قلبي ألذّ من المُنى ... وأعذب من ماء السّحائب بل أهنا وله: بنفسي القناني بأيدي الغواني ... وشدوِ القِيان وصوت المثاني وقد ستر الشمسَ ثوبُ الغمام ... وقد ودجَ العِلجُ نحرَ الدّنان فخُذْها عقاراً ترى لونها ... كحُمرةِ خدّ بقَرْص البنان وبادرْ زماناً قليل الوفاء ... فكلّ مع الدهر والعيشُ فان وله: أيها البدرُ إلينا ... لا تبِعْ بالنّقدِ دَيْنا دعْ نقبّلْ كفّك المخْ ... ضوبَ شئنا أم أبينا واسقِنا سِحراً بلحظٍ ... وأدِرْ كأسا علينا اسقِنيها مُرّةَ الطّعْ ... مِ تُريكَ الشَّيْنَ زيْنا أنت أبهى كل من يم ... شي على الأرض الهوينا وله: أيا من وجهُه حُلوُ ... ويا من قلبُه خِلوُ ويا من لحظُه سكر ... ويا من لفظُه صحوُ

стр. 772

ويا من قدّهُ غُصن ... نماه الدلّ والزهْوُ لقدأصبحتَ ذا جورٍ ... على من جسمُه نِضوُ وقد طالتْ مواعيدي ... أهذا منكَ بي لهوو فإنْ كنتُ أخا ذنب ... أما عندكَ لي عفوُ وله قد غُنّيَ بين يديه بقول ابن أخي عتّاب الجوهري: إذا لم أطِقْ صبراً رجعتُ الى الشكوى ... وناديتُ جنح الليل يا عالم النجوى فعمل ارتجالاً: أيا قلبُ كم حذّرْتُك البثّ والبلوى ... أليس قصارى العاشقين الى الشكوى فإن قلتَ إن الطّرْف أصلُ بليّتي ... فأنت الذي تصبو وأنت الذي تهوى لعَمري لقد بالغْتُما في نكايتي ... وحمّلتُماني في الهوى فوق ما أهوى بُليتُ بقاسي القلب في غاية المُنى ... فصيّرني في الحبّ في الغاية القصوى ولا يقبل الأيْمانَ إن جئتُ حالفاً ... ولا يرحمُ الشّكوى ولا يسمعُ النجوى وله: إن نظرتْ مُقلتي لمُقلتِها ... تعلمُ ممّا أريدُ فحْواه كأنّها في الفؤاد ناظرة ... تكشِفُ أسرارهُ ونجواه وله: وكأسٍ مثل عينِ الدّيكِ صِرْف ... وماء المُزنِ بالشّهْدِ الجَنيّ يطوف بها مليح ذو دلالٍ ... مريض الطرف ذو خُلُقٍ رضيّ أقام عقاربَ الأصداغ تيهاً ... ليمنَع بهجةَ الوجه الوضيّ شربت على لواحظِه مُداماً ... كماء المُزن والمِسك الذّكيّ وله من أخرى: وإذا حرّك المثاني عنيدٌ ... وسمعنا زَمراً ولحْنا شجيّا وسعى بالكؤوس بدر منير ... وسقانا الرّحيقَ صرْفاً وحيّا ما أبالي إذا شربتُ ثلاثاً ... أيّ قاضٍ بالجَورِ يقضي عليّا حميد بن سعيد بن يحيى الخزرجي من ندماء تميم بن المعز بن باديس بالمهدية، وشعرائه المجيدين في البديهة والروية، وهو الذي جمع شعر الملك تميم، ونظم في عقد سلكه كل در يتيم، ومما أورده لنفسه فيه أبيات عملها على وزن شعر لتميم قال: حضرنا ليلة بين يديه فأملى علي، يعني تميماً: يا باعثَ السُكرِ من كأس ومن مُقلِ ... يسبي الحليمَ بتكسير وتخنيث وحاملَ البدر فوق الغُصن منتصباً ... وخالِطَ الدرّ تذكيراً بتأنيث عاهدْتني عهْد من للعهْد ينكثُه ... فصرتَ تأخذ في طرْق المناكيث حدثتني بأحاديث منمّقةٍ ... فما حصلتُ على غير الأحاديث فالوعد ينشُرُني والخلفُ يقتلني ... فصرتُ ما بين مقتول ومبعوث قال حميد وسأل الحاضرين إجازته فأنشدته: يا من حُرمتُ وِصالاً منه يُنعشُني ... وصرتُ أقنعُ منه بالأحاديث تشبّث السُقْمُ بي لما هجرتُ فما ... بغير طولِ الأسى والهجرِ تشبيثي اللهَ في هجرِ مقتولٍ أضرّ به ... وجْد عليكَ وميتٍ غيرِ مبعوث قال ثم أنشده الحصيبي: يا ساقيَ الكأس ليس الكأس تُسكرُني ... السُكرُ من مُقلةٍ أغرتْ بتخنيثي وهذا الحصيبي من شعراء العصر ويستغنى بذكره هاهنا عن ذكره في موضع آخر. ثم أنشده الكفيف: بثثْتُ حبَّك إذ ضاقَ الفؤادُ به ... فمنْ يلوم لسرٍ فيكَ مبثوثِ نفثْتَ في القلب سحراً لا طيبَ له ... فيا لسحرٍ من الألحاظ منفوثِ وقد حلفتُ يميناً لا يُكلّمني ... والشوقُ يقضي على رَغْمي بتحنيث فقال له تميم: أنا انتقدت على الحصيبي، فانتقد أنت على الكفيف، فقلت: كلامه كله مختل، لأنه ذكر ضيق صدره بمحبوبه، ومن كان صحيح المحبة فما يضيق فؤاده، ثم قال: فمن يلوم لسر فيك مبثوث، والبهائم لو نطقت، تلومه، وإنما الصواب: فلا تلمني لسر فيك منثوث، والمبثوث لا وجه له، فإن المبثوث بمعنى المفرّق وكيف يبث حبه بمعنى يفرقه، وإنما أراد أن يقول نثثت حبك بالنون أي ذكرته بعد ما كان مكتوماً. قال حميد الخزرجي: وعملت بيتين ابتداء لأبيات وهما: وغانيةٍ محيّاها ... به يُغْنى عن السُرْجِ

стр. 773

لو اطّلعَتْ على الحُجّا ... ج ألهتْهُمْ عن الحجّ وبعدهما من شعر تميم: لها وجْه لها شعَر ... كمثل الروم والزّنْج لها جفْنان قد شُحِنا ... بنَبل السّحْر والغنْج لها ثغر، لها ريق ... كمثل الخمر والبنجِ لها نهدان قد نجُما ... كنابَي فيل شِطرَنْجِ وحكى حميد أنه دخل الى أبي عبد الله ابن النعناع وفي يده رقعة من الملك تميم إليه يتأملها ويكثر النظر فيها وقد ألهته عنّا معانيها، فقلت: عجبت لرقعةٍ ألهتْك عنّا ... وعما كنت فيه من الحديث أظنك قد شُغِفْتَ بها لسِرّ ... قديم قد حوتْهُ أو حديث وحكى أبو الصلت في الحديقة: أخبرني محمد بن حبيب المهدوي قال: حضرنا ليلة في جملة النّدامى مجلس السلطان أبي يحيى تميم ابن المعز فالتفت حميد بن سعيد الشاعر الى غلامين من مماليكه متناجيين قد ضمّا خداً لخدّ فقال حميد: انظر الى اللِّمّتَين قد حكتا فقلت: جنحَيْ ظلام على صباحَيْنِ فقال: واعجَب لغصنين كلّما انعطفا فقلت: ماسا من اللّين في وشاحَيْن فقال: ظَبْيان يحْمي حِماهما أسدٌ فقلت: لولاهُ كانا لنا مُباحينِ فقال: فلو تدانيت منهما لدنت فقلت: منّي في الحين أسهم الحَيْنِ محمد بن حبيب المهدوي القلانسي ذكره أبو الصلت في الحديقة وأورد قوله: بدورُ وجوهٍ في ليالي ذوائبٍ ... لعِبْنَ بلبّي بين تلك الملاعب تبرقَعْن من خوف العيون وإنما ... طلعن شموساً تحت غُرّ السحائب وفوّقن من تحت البراقع أسهُماً ... من اللّحظ ترمي عن قِسيّ الحواجب باب في ذكر محاسن جماعة من أهل المغرب الأقصى من العصر أوردهم عثمان بن بشرون المهدوي الكاتب في المختار في النظم والنثر وذكر أنهم من المُقلين محمد بن عبد الله المهدي المعروف ب ابن تومرت هو الذي خرج بالمغرب، ودعا الى التوحيد، وتولّى بعده عبد المؤمن. ذكر ابن بشرون: أنشدني محمد بن محمد النثري لابن تومرت أبياتاً قالها قبل قيامه بالمغرب، وهي: إنّي وفي النفس أشياء مخبّاة ... لألبَسنّ لها دِرْعاً وجِلبابا كيما أطهر دينَ الله من دنَسٍ ... وأوجب الفضل للسادات إيجابا تا الله لو ظفرَتْ كفّي بمطلبها ... ما كنتُ عن ضرب أعناق الورى آبى اليمان بن فاطمة المرابط أورد له: سل مُستَهاماً بكم قد شفّه السّقم ... لا يرقدُ الليل من فِكر ومن قلق قد أنفدَ الدمعَ فيما قد يكابدُه ... فالدمع في نزَفٍ والقلبُ في حرَق يا ويْحَ من قد بُلي من حبّه بنَوى ... إن قال صِلْ مال للإعراض والنّزَقِ وقال موعدُ وصْلي الحشرُ فاغن بما ... ترى إذا أو نهاكَ الحبلَ فاختنِقِ كم مرة قلت علّ الدهرَ يسعدني ... بالوصل منكَ فيحيى عندهُ رمقي قال اصطبرْ واحتسبْ ما صرتَ لاقيه ... مثل احتسابِ الشجي المشفي على الغرق ثم انثنى مرِحاً والتيهُ يعطِفه ... ووردة الخدّ تحكي حمرةَ الشّفقِ وقال: دعني واصنعْ ما تشاء ولا ... تلمُمْ بربعي واحذر أن تُسي خلقي فحين أبصرَ ذُلّي في هواه رثى ... لحالتي واعترته سَورة الفَرَق ومنها: ومال نحوي يفدّيني بأسرته ... وسار بي لذُراه سير منطلق وقال: خذها عَقاراً في زُجاجتها ... تلألأتْ كتلالي الشمس في الأفق ونِل وصالي وقبّلْ عند ذاك فمي ... وعضّ خدّي ولا تعبأ بمطّرق فلم يزلْ دأبنا هذا ومقصدُنا ... أيامَ شهرٍ جرتْ طلْقاً على نسقِ يا حبذا زمن قضيتُ أطيبَه ... ما بين عود وناي خائر الطرق في روضة أنُفٍ تزهو بأحمرها ... نعم وأصفرها والأبيض اليقق

стр. 774

إذا بكى القطرُ وانهلّت مدامعه ... تبسّمت ورنت إليه بالحدق عبد الله بن حماد المراكشي أورد من شعره قوله ينتجز وعداً ويقتضي رفداً: يا من إليه في الحواديث يُسنَدُ ... وعليه ألوية المحامد تُعقَد إني أتيتُ بشطر بيت سائر ... اليوم يومكم فأين الموعد وقوله في المعنى: بتّ ليلي أنافرُ النوم حتى ... لاح لي الصبح لا أغمّضُ عينا وكأني لمّا وعدت، ضرير ... أجذَم قد أتاك يطلبُ ديْنا عبد المؤمن بن يحيى السجلماسي له في ذم قاض: أيا عُرّة في جميع القضاة ... وأجورَ قاضٍ قضى واحتكَم أمثلك يصلُح في قُطرنا ... يلي الحُكمَ في الشرع بين الأمم ودارك مقسمة للزناة ... يناك بها لك كل الحُرم فقُل لولاة الأمور اللئام ... أبعد الفقيه علي الحكَم تولّي القضا مثل هذا البغيض ... ونجمُ قيادته قد نجَم نصحت لكم فاقبَلوا نصح مَنْ ... يرى قتل قاضيكم في الحرَم عبد الخالة بن عبد الصمد النولي أورد له من قطعة: يا لَقَومي ما لصبّ ... مُستهامٍ من نصير شفّه حُبّ غزال ... غنج اللّحظ غرير أهيفِ الخصر مليح ال ... قَدّ كالغُصن النضير بمحيّا ذي جمال ... مثل بدر مستنير ليته جاد بوصل ... بعد بُعْدٍ ونفور وغدا وهو عنيقي ... وضجيعي في السرير إيتني الوصل هنيئاً ... في خلوّ من غيور وشرابي ريق ثغر ... طيّب الطعم خصير الأفرم هذا لقبه، وهو محمد بن علي المسيلي. أورد من شعره في الرزق وطلبه، وأنه يجري من الله بقدره: يقولون إنّ الرزق بالحرص يجلبُ ... وليس بمقدور يُنال ويُكسب فصوّب وصعّدْ في البلاد مطالباً ... لرزق تنلْ منه الذي تتطلّب وإياك والتّضجيع فيه وإنّما ... أخو الرّزق من يشقى عليه ويتعب فما الرزق يأتي بالتوكل إنّه ... بعيد لذا التّضجيع لا يتقرّب فقلت: بعيد أن تُنال معيشة ... بحرص عليها فالحريص معذّب ألا إنما الأرزاق تجري بقدر ما ... يقدّرُ والمقدور عنّا مغيَّبُ وما أن ينال المرءُ منها سوى الذي ... به الله يقضي والقضاء مغلَّب فأرزاق هذا الخلقِ بينهمُ جرتْ ... فذا نائل عفواً وذاك مخيَّب ولكن علينا الاجتهاد وأن نُرى ... لربّ الورى في الرّزق ندعو ونرغب فرَبّ الورى يعطي ويمنع كيف ما ... أراد وما في ذاك منه تعقُّب رضيتُ به ربّاً ومولى وسيّداً ... وحسبي من رب يرجَّى ويرْهب محمد المكناسي المعروف بينطلق له في الفراق: إن يوم الفراق يوم عسير ... يتوقّى وقوعَه المهجور كم أديلت للشوق فيه دموع ... واستحرّتْ للبَيْن فيه صدور واغتدى العاقل الصّبور جَزوعاً ... للنّوى والنوى عليه أمير أي عقل يبقى وأي اصطبار ... لمُحبّ فؤاده مستطير إذ أحبّاؤه أشاعوا ارتحالاً ... بينهم غدوةً وقالوا المسير ومطاياهم تُشدّ ولم يب ... ق سوى أن يقال للركب سيروا لو تراني يوم ارتحال المطايا ... وبنان الحبيب نحوي يشير لرأيتَ امرأ أجِنّ من الشو ... ق فأضحى كأنّه مسحور ليس يسطيعُ أن يودّعَ حِيّاً ... دونه كاشح له وغيور لم يزل يتبَع الحبيبَ بطرْف ... دمعُه للفراق دمعٌ غزير وينادي والشوق يضرِم في الأح ... شاء ناراً لها لديه سعير

стр. 775

يا إلاهي قرّب مزار حبيبي ... ولأنْت القدير نِعْمَ النّضير حماد بن الرفا الفاسي الشاعر له في الاستعطاف، والتنصل من الذنب، والاستعفاء من العتب: دع العتْبَ وارجع لي حنانيك للعتبى ... وواصل إليّ الكَتْبَ واغتفر الذّنبا وكن كالذي ما زال في الناس مُحسناً ... وإن هم أتوا ذنبا وهاجوا به كرْبا وللعفو عن ذنب المُسيء عبادة ... تطيب بها ذكراً وتُرضي بها الرّبّا ونحرز في أثنائها خيرَ مكسبٍ ... يكون جمالاً في الحياة وفي العُقبى فإن اعترافي أنني لك مُذنب ... يجدّد لي عهداً ويثمرُ لي قربا لعلّ الليالي تستجِدّ لقاءنا ... فأشكو بِعاداً زادني فيكمُ حُبّا لقد طال هذا البعد حتى أذاقَني ... عذاباً ولقّاني به خطبُه خطْبا إذا الريح هبّتْ من سماوة أرضكم ... ذهِلتُ فلم أملِك فؤاداً ولا لُبّا وأستخبرُ الركبانَ عنكم لعلّني ... بذاك أقضي من سلام لكم نحبا فلا مبلغ عنكم إليّ رسالة ... ولا قائل خيراً ولا دافع كتْبا فأرجع مكلوم الفؤاد تشب به ... نار الصبابات لي شبّا لعل الذي أفضى بنا لتفرّقٍ ... يسنّي لنا لقيا ويُسنِي لنا قربا يحيى بن عمارة له من قطعة: قد كنت من قبلِ أن أهوى وأعشق لا ... أرثي لأهل الهوى في كل ما صنعوا فاليوم أعذرُهم فيه وأرحمُهم ... إذ نحن فيه سواء كلنا شرَع فدع عتابكَ في ريم علِقْتَ به ... فقلما عاشق بالعَتْب ينتفع قد حصحص الحقُّ إني عاشق كلِفٌ ... والعاشقون لسلطان الهوى تبَع علي بن عبد الله المقدسي أورد قوله في الطيف: طاف طيفُ الحبيب ليلاً وزارا ... ما رثى لي لما ألمّ ازْوِرارا عجباً منه إذ أتى ما تأنّى ... بل ثنى طيفَه المُلِمّ وسارا هاج لي ساكناً وأقلق منّي ... أضرم الشوق في الجوائح نارا ولقد نمتُ قبل زورة سارٍ ... عن أمور هيّجْن لي تذْكارا أذكرُ الحيّ والصّبا وسُليْمى ... وأموراً أظهرتُ منها استتارا إذ عيون الخطوب عنّا نيام ... وثغور القبول تُبدي افتِرارا أمطر الله بالغُوَير ربوعاً ... وسقاهُنّ وابلاً مدرارا كم قطعنا بها ليالي وصلٍ ... ووصلنا بها السرور نهارا ولنَشْرِ الصباح عرْف ذكيّ ... عِنبَريّ النّسيم لمّا استثارا في رياض مدبّجات بنَورٍ ... مدرِجات كِمامها أزهارا وكؤوس المُدام تجلى علينا ... حملت في لجَينهنّ نُضارا من رحيق في الدنّ يذكر كسرى ... قِدَماً في الزمان والنّوْبَهارا أنجُم في الكؤوس تُبدي طلوعاً ... لعيون وفي اللهى أنوارا والتي تيّم الفؤاد هواها ... شمس حُسنٍ بها العقول حيارى يُخجل الناظرين منها محيّا ... كمحيّا الصّباح حين أنارا هي أنْسي ولذّتي ونديمي ... ودوائي إذا شكوتُ أوارا شمّرتْ للوقوف منها بُروداً ... وأماطت عن وجنتَيْها خِمارا ورمتني بأسهُمٍ من لِحاظٍ ... ماحطَتْ من فؤادي الأعشارا ومتى شئت وصلها كان منها ... كون منع ولا رقيبٌ يُدارى فلقد حال من زمانيَ حال ... ترك العقل والفؤاد مُطارا وسعى بيننا من البيْن ساع ... شتّ شملاً مستجمعاً حين ثارا قدرٌ سابق وحكم نَفوذ ... وخطوب رددْن منها المُعارا أودعَتْنا الخطوب في كل أرض ... ودعتنا لحكمهنّ اضطرارا
следующие страницы →