تقديم المفعول على الفاعل والحال على ذي الحال والظرف على العامل
فيه إذا كان ذلك أكثر الغرض في الأخبار.
والثاني: لِمَ قال في البقرة: (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ولم يقل في غيرها من
السور الثلاث، لأنه لما قال في الموضع الأول (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) صريحاً.
واكتفى في غيره تضميناً لأن قوله: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) يدل على أنه لَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
والثالث: لم قال: (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : وفيما سواها (فَإِنَّ اللَّهَ) .
الجواب: لأنه قد سبق في سورة الأنعام ذكر ما في تربية الأجسام من قوله:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) .
وفيها ذكر الحبوب والثمار، وأتبعها بذكر الحيوان من الحيوان الضأن والمعز والبقر والإبل، فكان ذكر الرب فيها أليق.
قوله: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) .
الجمهور: على أن البطون ذكرت نفياً للمجاز، لأن الأكل قد يذكر
ويراد به التصرف، تقول العرب: فلان يأكل بلد كذا، أو يذكر ويراد به
الإهلاك، تقول أكل فلان ماله من الضياع والعقار، أي أهلكها، وقيل:
تقديره، يأكلون، فيحصل في بطونهم.
و"في" متصل "به" لا بالأكل، لأن الأكل لا يكون في البطون، وقيل: (فِي بُطُونِهِمْ) حال للنار، وتقدم عليها، أي (إِلَّا النَّارَ) مستقرة في بطونهم، وسمى ما يأكلون ناراً أي مآل آكله إلى النار، وقيل: يصير عين ذلك ناراً في بطونهم يوم القيامة، فسمَّاه باسم ما يؤول إليه.
قوله: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ)
أي بكلام وتحية وسلام، وقيل: لا يبعث
стр. 107
إليهم الملائكة في التحية، وقيل: لا يسمعون كلامه، والمؤمنون يسمعونه.
وقيل لا يسمعون كلاماً يسرهم.
والغريب: لا يكلمهم كناية عن الغضب، كما تقول: فلان لا يكلم
فلاناً.
سوال: لِمَ قال في البقرة: (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) .
وقال في آل عمران: (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ) .
الجواب: بالغ في البقرة فوق ما بالغ في آل عمران، لأن في الآيات التي تقدمت أكثر، والوعيد في البقرة أكثر.
قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) .
قيل: "مَا" للاستفهام، وقيل: للتعجب، وقيل: للتوبيخ لهم.
والتعجب للمؤمنين. ومعنى: (أَصْبَرَهُمْ) قيل: أجرأهم وحكي عن
الكسائي عن القاضي باليمن، أنه اختصم إليه رجلان، فحلف أحدهما:
فقال له صاحبه ما أصبرك على الله، يريد ما أجرأك، وقيل: ما أبقاهم في
النار.
وقيل: ما أدومهم على عمل أهل النار، وقيل: جهنم.
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) .
أي ذلك العذاب سببُه، أن الله نزلَ الكتابَ، يعني التوراة بِالْحَقِّ.
فَكتموهُ، ودل أن الذين يكتمونَ عليه، وقيل: نزل التوراة بِالْحَقِّ.
فاختلفوا فيه، ودل أَن الذينَ اختلفوا عليه، وقيل: نَزل القرآن بِالْحَقِّ فلم
يؤمنوابه.
стр. 108
والغريب: ذلك الكتمان والجزاء بأن نزل القرآن بِالْحَقِّ، وأخبر فيه
أنهم لا يؤمنون، يعني: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) .
فكان كما أخبر.
قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ) .
أي لا تقع القربة إلى الله باستقبال القبلة للصلاة وحده، ولكن بأمور
أخر، ثم عدها.
قتادة: ليس البر ما عليه النصارى من التوجه للمشرق
وما عليه اليهود من التوجه للمغرب.
(وَلَكِنَّ الْبِرَّ) ، أي البار (مَنْ آمَنَ) .
وقيل: ذا البر، فحذف المضاف، وقيل: ولكن البِر بِر من آمن بالله واليوم
الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والإيمان بهذه الخمسة إيمان بجميع ما يلزم العبد من المعارف.
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)
"الهاء" تعود إلى الله، وقيل: إلى المال، وقيل: إلى الإيتاء.
والفعل يدل على المصدر.
والغريب: (عَلَى حُبِّهِ) المال أو الله - سبحانه - أو الإيتاء، وعلى هذا
يكون الحب مضافاً إلى الفاعل، وفي الأول مضاف إلى المفعول.
العجيب: على حب الله الإيتاء.
قوله: (وَابْنَ السَّبِيلِ)
يريد المسافر، وسمي بذلك لملازمته الطريق، ولم يجمع الابن، لأنه مجاز ها هنا، وقيل: ابن السبيل: الضيف
(وَفِي الرِّقَابِ)
إعانة المكاتب، وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها، وهو قريب.
قوله: (وَآتَى الزَّكَاةَ)
قيل وآتى المال تطوعاً، وآتى الزكاة فرضاً.
الشعبي: في المال حق غير الزكاة، وقيل: ذكر في الأول من توضع فيهم
الزكاة، ثم ذكر الزكاة ليعلم أن المراد بالمال الزكاة.
стр. 109
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) مع الله والناس.
و (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)
هما مصدران لا وصفان.
(وَحِينَ الْبَأْسِ) وقت القتال.
قيل: الصوم والحج داخلان في الصبر، فاشتملت الآية على جميع الواجبات كاشتمالها على جميع المعارف.
و (الْمُوفُونَ) رفع من أربعة أوجه: العطف على خبر لكن، والعطف على محل اسم لكن، والمدح، أي فهم الموفون، والعطف على ضمير من آمن، وفيه بعد لأنه لا يعطف عليه ما لم يؤكد بالمنفصل.
و (الصَّابِرِينَ) نصب على المدح عند الجمهور.
والغريب: قول الزجاج: إنه عطف على ذوي القربى لأنه لا يحال
بين الصلة وبين المعطوف على الصلة بأجنبي منها، (وَالْمُوفُونَ) أجنبي منها إلا
على الوجه الضعيف.
ويحتمل أن يكون نصباً على العطف على اسم لكن.
(الْحُرُّ بِالْحُرِّ) .
أي يقتل الحر بسب قتله الحر.
(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)
أي ترك، وقيل: تفضل عليه، وقيل: هو من عفا إذا سهل، وقيل: من عفا إذا كثر.
"له" الهاء تعود إلى "مَن" وهو ولي الدم، وقيل: إلى القاتل.
قوله: (مِنْ أَخِيهِ)
قيل: هو الولي، وقيل: القاتل، وقيل: المقتول.
(شَيْءٌ) هو الدم، وقيل: شيء من الدم إذا عفا بعض الأولياء.
(فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) على الطالب.
(وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) أي على المطلوب منه.
وقيل: كلاهما على المطلوب منه.
стр. 110
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) .
أي في شرع القصاص حياة من همَّ أن يقتل، ومن همَّ أن يقتله.
وقيل: لأنه لا يقتل بالمقتول إلّا قاتله، خلافا للجاهلية.
العجيب: قول من قال: القصاص: هو قصص القرآن، واستدل بقراءة
أبي الجوزاء "ولكم في القَصَصِ" - بالفتح -، وهو بعيد.
قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) .
الجمهور: على أن التقدير، وكتب عليكم، لكن الكلام الأول لما طال
تم حذف الواو، ويحتمل أنه تأخر عنها نزولا، فلم يحتج إلى الواو، والمراد
بقوله: (الْمَوْتُ) أسبابه، وقيل هو أن تقول إذا مت فافعلوا كذا.
و (الْوَصِيَّةُ)
رفع من وجهين: أحدهما: ب (كُتِبَ) ، والثاني: بالابتداء. وخبره
(لِلْوَالِدَيْنِ) ، وقيل: عليه مضمر فيكون، (كُتِبَ) بمعنى قيل، تكون الجملة
محلية، وهذا أحد قولي الفراء، وإلى هذا ذهب الأخفش أيضاً، فقال:
(إِنْ تَرَكَ) شرط، وجزاؤه (الْوَصِيَّةُ) فحذف الفاء. وفي قوله ضعف، لأن
حذف الفاء من جواب الشرط بعيد، وفي ارتفاع الوصية ب (كُتِبَ) كلام، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، فيبقى إذاً بلا عامل.
وقول النحاس: النية التقديم على تقدير كتب الوصية إذا حضر.
سهو لأن المصدر مثلاً إذا تقدم تقدم بصلته، وإن تأخر تأخر بصلته، ولا يجوز أن يتأخر البعض ويتقدم البعض، وقيل: العامل فيه الِإيصاء، وتقديره، كتب الإيصاء إذا حضر
стр. 111
فيحسن الوقف على (الْمَوْتُ) ، على قول الأخفش، وعلى (خَيْرًا) على قول
الفراء، وعلى (بِالْمَعْرُوفِ) عند سائر القراء.
والكلام فيه يطول.
قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ) .
قيل: قول الموصي، وقيل: الإيصاء.
قوله: (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) .
أي بين الموصَى لهم، ولم يتقدم ذكرهم، لكن لفظ الوصية دل عليهم.
الغريب: أصلح بين الموصي والموصى لهم ساعة الإيصاء.
قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
قيل:التشبيه في الصوم فحسب، وقيل: كتب عليكم صيام شهر
رمضان كما كتب على غيركم، فبدلوا وغيروا، وقيل: الصيام من العتمة
فنسخ بقوله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) .
قوله: (كما) قيل: صفة مصدر محذوف، وقيل حال من الصيام.
(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) .
قيل: نصب ب (كُتِبَ) على أنه مفعول به على السعة، وقيل: نصب
بالصيام، فمن جعل كتب صفة للمصدر، لم بجز أن يعمل الصيام في الأيام.
لأنه حينئذ حيل بين المصدر والمعمول بأجنبي، فلا يعمل فيه، وإن جعلته
حالا عن الصيام جاز، ويحتمل أن (أَيَّامًا) منصوبة ب (تَتَّقُونَ) أي تتقون الأكل والشرب أَيَّامًا.
قوله: (فَعِدَّةٌ) ، تقديره: فأفطر، فعليه عدة.
والغريب: قول من قال: إن المريض والمسافر لو صاما لا يقع صومهما
عن الفرض، لقوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) .
стр. 112
قوله (أُخَرَ) لا ينصرف لاجتماع الوصف والعدل، لأنه معدول عن الألف واللام.
قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ)
مبتدأ وخبره (الَّذِي أُنْزِلَ) : وقيل: (الَّذِي أُنْزِلَ) صفته وخبره (فَمَنْ شَهِدَ) الجملة.
وقيل: تقديره: كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان، فحذف المضاف، وقيل: تلك الأيام أيام شهر رمضان.
قوله: (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)
فيه أقوال:
أحدها: أنزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في شهر رمضان، ثم نزل به جبريل نجما نجما، وقيل: كان ينزل من اللوح إلى السماء مقدار ما يحتاج إليه قابل، وقيل: كان ابتداء إنزاله في شهر رمضان.
والغريب أن قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر وليلة القدر في شهر رمضان لقوله (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) أي في وجوب صومه.
والثاني: أنزل في شأنه ومنزلته، كما تقول: أنزل في عليٍّ كرم الله وجهه سورة (هل أتى) (١) .
قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
المفعول محذوف، والشهر ظرف، تقديره: شهد المصرَ في الشهر.
стр. 113
قوله: (فَلْيَصُمْهُ)
أي فيه، فحذف الجار، فنصب نصب المفعول به.
قوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا)
أعادَ ذكرَ المريض والمسافرِ، ليعلم أنهما على ما كانا عليه من الخيار.
وقيل: لأن الأولى نزلتَ في خيارهما للصوم أو الفداء، وهذه للخيار بين الصوم أو الإفطار والقضاء.
قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)
أي الأيام المعدودات، وقيل: عدة ما أفطر المريض والمسافر.
والواو عطف على مضمر تقديره، يريد الله بكم اليسر.
ليسهل عليكم ولتكملوا العدة ولتكبروا الله أمركم ما أمركم. وله نظائر.
وقيل: يريد الله بكم اليسر وتكميل العدة، وقيل: الواو زيادة، وهذا بعيد.
قوله: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) .
جواب لمَن سأل النبي ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه، أي قريب بالسماع، وقيل، قريب الإجابة، أي سريعها، وقيل: قريب بالعلم، وقيل: قريب بالرحمة من قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ) ، وليس من قرب المكان - سبحانه - لأن العباد في أمكنة متباعدة، فيوجب قربه من واحد بعده من آخر.
أو يوجب الأجزاء وكثرتها، والله منزه عنها.
قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
منهم من قال: الإجابة واجبة، وإنها تجري مجرى ثواب الأعمال، ومنهم من قال: الإجابة تفضل. وإن السؤال رغبة وطلب، هذا إذا استجمع شرائط الطلب من التوبة والاستغفار وأكل الحلال فإن لم يستجمعها فإجابته غير جائزة عند بعضهم وجائزة عند البعض، ومنهم من قال أجيب دعوته إذا استخار بقوله: أجبني إن كان لي الخيرة فيها.
وقيل: تقديره، أجيب إن شت من قوله: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) .
стр. 114
الغريب: معنى (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)
أتَقبل طاعةَ المطيع، من قوله ﷺ : " الدعاء هو العبادة ".
العجيب: معنى (أُجِيبُ) أسمع، كما أن معنى (سمع الله) ، أجاب.
وقيل أُجيبها إما عاجلاً وإما آجلاً في العقبى.
قوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)
أَي فليطيعوني، أي فليجيبوني.
قوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ) .
نزلهن مع الرجال منزلة اللباس، لما بينهما من الاجتماع والتضام.
قال: َ
إذا ما الضجيعُ ثُنَى جيدَها. . . تَثَنَّتْ عليه فكانَتْ لباسا
الغريب: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) ، أي سكن، من قوله: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) ، ثم سماها لباساً، كما سمى الليل سكناً في قوله: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) ، ثم سماه لِبَاسًا، فقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) .
العجيب: قول من قال: هن فِراشٌ لكم وأَنتم لحاف عليهن، فإنه
شنيع.
قوله: (لَيْلَةَ الصِّيَامِ)
أي ليلة اليوم، الذي يصبح في غداته صائماً.
стр. 115
(الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)
عداه ب "إلى" لأن معناه الإفضاء
(مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)
قيل: الولد، وقيل: الرخصة.
الغريب: الحلال.
العجيب: ليلة القدر.
قوله: (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ)
أي الصبح الصادق (مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)
الصبح الكاذب. وقيل: يظهر لكم الخيط الأبيض، يعني الفجر مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) : أي مما كان مكانه من الظلام.
وقيل: النهار من الليل.
وسمي خيطا؛ لأنه أول ما يظهر يكون دقيقاً كالخيط ثم ينتشر.
وعن سعد بن سهل، إنه نزل من الخيط الأسود، ولم ينزل من الفجر، وكان رجال، إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله خيطا أبيض وخيطا أسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين لونهما، ويروى تتبين له الأشياء منهما. فأنزل الله (مِنَ الْفَجْرِ) .
وعن عدي بن حاتم، قال: قلت لرسول الله ﷺ : اني وضعت تحت رأسي عقالين أسود وأبيض، فلم يتبين لي شيء، فقال: " إنك إذاً لعريضُ الوساد "، ويروى " لعريض القفا، إنما ذاك سواد الليل وبياض
النهار".
والغريب: قول أبي عبيدة: الخيط: اللون. وقول المبرد: الخيط: العلم.
العجيب: قول حذيفة: الخيط الأبيض: ضوء الشمس، وقال: كان
стр. 116
النبي ﷺ يتسحر وأنا أرى مواقع النبل.
وهذا خلاف الإجماع.
قوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا)
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية (فَلَا تَقْرَبُوهَا) ، وقال في هذه السورة أيضاً (فَلَا تَعْتَدُوهَا) ؟
الجواب: حَدٌّ هو أمر، وحَدٌّ هو نهي فما كان أمراً لا تجوز مجاوزته وهو الاعتداء، وما كان نهيا لا تجوز مقاربته، وما في الآية الأولى نهي وهو
(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ، وما في الثانية بيان عدد الطلاق، فإن العرب كانت تطلق وتراجع من غير تمييز عدد.
قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) .
هي جمع هلال، وجاز جمعه لتجدده كل شهر، والهلال ليلتان.
وقيل: ثلاث ليال، وقيل: حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة.
تقول: أُهِل الهلال واستهِلّ بلفظ المجهول وأهلَلْنا شهر كذا، أي دخلنا
فيه. واسم القمر: الزِبرِقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوءِهِ الفَخْت.
واسم ظله: السَمَر (١) .
وحكى الزجاج في "معاني القرآن" قال أبو زيد يقال
للقمر ابن ليلة هتمة سحيلة حل أهلها برميلة، وابن ليتين حديث أمتين
بكَذِب وَمَين، ورواه ابن الأعرابي بكِذْب وميَن، وابن ثلاث "حديث قينات
غير جد مؤتلفات"، وقيل، ابن ثلاث قليلُ اللباث، وابن أربع عتمة
стр. 117
ربع لا جامع ولا مُرضَع.
وعن ابن الأعرابي عتمة أم الربع وابن خمس حديث وانس.
قال أبو زيد: عشاء خلعات قعس.
وابن ست سر وبت، وابن سبع دلجة الضبع وابن ثمان مر أضحيان، وابن تسع يقطع الشسع. قاله أبو زيد.
وعن غيره يُلتَقط فيه الجِزع. وابن عشر ثلث الشهر، عن أبي زيد.
وعن غيره محنق الفجر.
قوله: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)
فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، يتحرجون من أن يحول بينهم وبين السماء سقف، وكان إذا عَنتْ لأحدهم حاجة يقتحم الجدار من وراء، إلا الحُمْس.
والثاني وهو الغريب: كان إذا خرج منهم واحد إلى سفر لحاجة حاجةٍ.
فإن رجع غير مقضي الحاجة، لم يدخل من باب بيته إلى الحول، تطيراً، بل
ينقب خلفه ثقبا يدخل فيه ويخرج منه.
والثالث: هذا مثل ضربه، أي ائتوا البر من وجهه.
قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) .
قيل: هي أول آية نزلت في القتال.
стр. 118
قوله: (وَلَا تَعْتَدُو ا)
قيل: مبتدأ، وقيل: بقتل الصبيان والنساء.
وقيل: بترك القتال، ثم نسخ بما في براءة وقيل: ثابتة.
قوله: (مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) : أي من مكة.
الغريب: بسب إخراجهم إياكم.
قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) .
سؤال: قال هنا، (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) ، وقال في الأنفال: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"؟
الجواب: لأن القتال في هذه السورة مع أهل مكة
فحسب، وفي الأنفال مع الكافة، فقيد بقوله "كُلُّهُ".
قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .
سمى الثانية اعتداءً للمزاوجة، ولها نظائرها، منها: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) ، (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) .
قال ابن عيس: المزاوجة، أحد أنواع المبالغة، وهي أربعة: المزاوجة والمجانسة، كقوله: (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ) ، والمطابقة، كقوله، (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) ، أي ليطابق الجواب السؤال، والمقابلة وهي كقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) .
стр. 119
قوله: (بِأَيْدِيكُمْ) .
"الباء" زائدة، وقيل: المفعول محذوف، وتقديره: ولا تُلقوا أنفسكم
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
وفي معناها، أربعة أقوال:
أحدها: بالامتناع من الإنفاق في سبيل الله.
والثاني: بارتكاب المعاصي واليأس من مغفرة الله.
والثالث: بتقحم الحرب من غير نكاية في العدو.
والغريب: بالإسراف في الإنفاق الذي يأتي على النفس.
قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) .
أي منعكم خوف عدو ومرض.
والغريب: إنْ منَعكم حابس قاهر، لأنك تقول: أحصره المرض
والخوف، وحَصَرهُ العدو والسلطان. وأجاز الفراء في هذا: اُحصر أيضاً.
قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي فعليه ذلك.
قول: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) ، يريد به القروح على الرأس.
(أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) ، يعني الهوام في الرأس.
(فَفِدْيَةٌ) أي فحلق، فعليه فدية..
الغريب: تقديره، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) ، فلبى، (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) ، فحلق، فعليه فدية وقيل: فالواجب عليه فدية.
قوله: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أي في حجه، وهو إذا كان
محرمأ، والأيام في العشر، وقيل: أيام اتثريق. (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)
стр. 120
أي إلى أوطانكم، وقيل، إذا فرغتم من الحج.
قوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
فيه سؤال: لمَ قيد الثلاثة والسبعة بالعشرة، وتلك بالبديهة معلومة.
فعنه ثمانية أجوبة:
جوابان من التفسير، وجواب من الفقه، وجواب من النحو، وجواب من اللغة، وجواب من المعنى، وجوابان من الحساب.
أما التفسير " فالجواب الأول: أن المقصود ذكر الكمال لا العشرة، وأن
المعنى (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) عن شَاةٍ.
والثاني: تقديره، فصيام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وأما الفقه: فإن الكفارات وجبت متتابعة، ولما فصل ها هنا بينهما بالإفطار، قيد ليعلم أنها كالمتصلة.
وأما النحو، فإن الواو قد يذكر مع الشيء في العطف، والمراد به أحدهما.
كقوله: (مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ) ، فقيد، ليعلم أنهما كليهما مرادان.
وأما اللغة فإن السبع يذكر والمراد به الكثرة، لا العدد الذي فوق الست ودون الثمان، روى أبو عمرو وابن الأعرابي عن العرب.
سبع الله لك الأجر، أي أكثر لك أراد التضعيف
وقال الأزهري: في قوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) هو جمع السبع، الذي يستعمل للكثرة، ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر لهم، ولهذا جاء في الأخبار، وله سبع وسبعون وسبع مائة.
وأما المعنى، فإن الثلاثة لما عطفت عليها سبعة
стр. 121
احتمل أن تكون بعدها ثالثة، فقيد بالعشرة، ليُعلَم أنها كملت.
وأما الحساب، فإن السبعة المذكورة عقيب الثلاثة تحتمل أن تكون مع الثلاثة كما في قوله سبحانه: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)
أي مع اليومين اللذين ذكرا في قوله: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ، ولا بد من هذا لدفع التناقض في الآية، وسياتي في موضعه - إن شاء الله -، فقيد بقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ليعلم أنها سواها.
والثاني: أن عادة الحساب قد جرت بذكر الجملة بعد التفصيل.
كقول الشاعر:
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ. . . وسادسةٌ تميلُ إلى ثماني
لأن العدد، إما أن يذكر مفصلا، ثم يقال: "فذلك" كذا، فيذكر
مجملاً، كما في الآية، وإما أن يذكر مجملاً ثم يقال: "منها"، فيذكر
مفصلاً، كما في الآية الأخرى: (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) .
قوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) .
فيه تقديران أحدهما: أشهر الحج أشهر، فحذف المضاف من المبتدأ.
والثاني: الحج حج أشهر، فحذف المضاف من الخبر، أي إلا ما تفعله
النسأة من قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) .
والغريب: قول أبي علي: جعل الأشهر حجا لكثرة وقوعه فيها.
قوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
الفعل مجزوم بـ "مَا" و "مَا" منصوب بالفعل.
стр. 122
قوله: (مِنْ عَرَفَاتٍ) .
التنوين فيها كالتنوين في الزيدين، وهي جمع، فإن سميت شيئاً به جاز
حذف النون وإثباته، ولم يجز النصب، وأجاز الأخفش والكوفيون نصبها
كعرفة.
قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) .
أي أكثر، وقيل: ارفع به صوتا، وكانت العرب إذا قضت مناسكها.
وقفت وعددت مناقب آبائهم وأحسابهم، فأمروا أن يجعلوا ذلك الذكر لله
تعالى، وقيل: كانت العرب تحلف بالآباء، فنهوا عن ذلك.
وقيل: واذكروه بالاستكانة والتضرع، كما يذكر الصبي أباه أول ما يفتح فاه.
والغريب: اغضبوا له كما تغضبون لآبائكم.
والعجيب: أي وحدوه ولا تشركوا معه، كما - تستنكرون لو نسبتم إلى
غير واحد، وعلى هذا المعنى يكون (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) قطع مجاز تستعمله
العرب بقولهم الوالدان والأبوان، أي لا تشركوا معه لا حقيقة ولا مجازا.
قوله: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا) .
فحذف المفعول: لأن الآية الثانية تدل عليه.
قوله: (فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) .
أي ساعات أيام) ، وقد سبق.
مْوله: (فِي يَوْمَيْنِ)
هو يوم وبعض الثاني، فثني لوجود بعض الثاني.
كما جمع لوجود بعض الثالث في قوله ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) .
قوله: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
يجوز أن يعلق الجار بالمصدر، أي في أمور دنيوية، ويجوز أن يتعلق
بـ (يُعْجِبُكَ) .
стр. 123
قوله: (أَلَدُّ الْخِصَامِ)
جمع خصم أي ألد منهم، وقيل: مصدر، أي شديد الخصومة.
قوله: (كَافَّةً) .
حال من المخاطبين، أي جميعاً، وقيل: حال عن السلم، أي ادخلوا
في جميع الإسلام.
قوله: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) .
فيه وجهان: أحدهما: أنه من سأل يسأل، نقلت حركة الهمزة إلى
السين، فاستغنت عن ألف الوصل، والثاني: هو أمر من سأل يسأل.
كـ "هب " من هاب يهاب، و "سال" لغة في سأل.
سَالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشَةً. . . ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سَالَتْ ولم تُصِبِ
و"سأل" يأتي على وجهين:
أحدهما: بمعنى الطلب، وهو يتعدى إلى مفعولين نحو: سألت الله المغفرة، وقد يقتصر على أحدهما، نحو (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ) .
والثاني: بمعنى البحث عن الشيء، فيتعدى إلى الثاني بعن.
نحو (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) و (عَنِ السَّاعَةِ) و (عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) .
وقد يأتي مع عن للطلب، نحو قوله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ)
стр. 124
فيمن جعله للطب، وقيل: يتعدى بالباء أيضاً نحو (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)
(فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) على أحد الوجهين، وقد يقع موقع الثاني
جملة مستفهمة نحو سألت زيداً كم ماله، (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ) ، وأما قولك (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) فـ (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) ، بدل عن (السَّاعَةِ) ولا يعمل (سَلْ) في "كَمْ" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ويعمل فيه ما بعده، و "كَمْ" في الآية منصوب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون ظرفاً، أي كم مرة آتيناهم، وقوله: (مِنْ آيَةٍ)
المفعول الثاني، و "من" زائدة. والثاني: انه المفعول الثاني و (مِنْ آيَةٍ)
تفسير لـ "كَمْ"، أي كم آية آتيناهم.
والثالث: أنه المفعول الأول، بإضمار فعل تقديره كم آتينا آتيناهم، كما تقول: زيداً ضربته.
والغريب: محله رفع بالابتداء، أي أتياهموه، فحذف الهاء كما تقول:
زيد ضربت.
ومن العجيب: ما حكى الزجاج عن الكسائي، أن أصل "كَمْ"، "كما"
فحذف الألف مثل عمَّ وممّ ولمَ وفيمَ، وقيل: لو كان كذلك لقيل: كم - بفتح الميم - كـ "لمَ" و"عمَّ".
قوله: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
فيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: أنه متصل بالفاعل، وهو الله - سبحانه - أي لا يحاسب في ذاته، والثاني: أنه متصل بالمفعول، أي يعطيه ويحاسبه به في العقبى، وقيل: يتصل بالمعطى أي كثيراً لا يدخل تحت العد والإحصاء.
стр. 125
والغريب: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، بغير كفاية، بل فوق الكفاية.
العجيب: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، أي من حيث لا يحتسب القليل محسوباً.
قال:
ما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه. . . في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ.
قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) .
أي اختلف غيرهم. وقيل: اختلفوا هم وغيرهم، وتقديره فهدى الله
الذين آمنوا لبيان ما اختلفوا.
والغريب: فيه تقديم، أي للحق مما اختلفوا فيه.
قوله: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) الآية.
فيه أربعة أوجه:
أحدها: ذكروها استعجالاً لوقت النصر، فأجابهم الله بقوله (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
والثاني: استبطؤا النصر، وإليه ذهب القتبي، وفيه بعد؛ لأن الأنبياء ﵈ واثقون بوعد الله، منتظرون لأمر الله.
الثالث: أن التقدير، حتى يقول الذين آمنوا (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) .
ويقول الرسول (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) ، كما سبق في قوله: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) .
والغريب: إن الكلام قد تم عند قوله: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) ، ثم قال
لمحمد ﷺ (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) .
(قِتَالٍ) بدل من الشهر بدل الاشتمال.
(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ) مبتدأ وخبره (كَبِيرٌ) ،
стр. 126
ولم يعرفه بالألف واللام، كما تعرف النكرة إذا تكررت، لأن الثاني ليس
بالأول، وهذا كقوله: (مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) .
(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
مبتدأ وما بعده عطف عليه، "في" خبره.
قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
في المعطوف ثلاثة أقوال:
أحدها: "الهاء" في قوله: "بِهِ" وهذا بعيد، لأنه لا يجوز العطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار.
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
والثاني: سبيل الله، وفيه بعد أيضاً، لأنه لا يحال بين صلة المصدر وما يعطف
عليها، وقد حيل ها هنا بقوله: (وَكُفْرٌ بِهِ) .
والثالث: (الشَّهْرِ الْحَرَامِ) ، فيكون سؤالهم عن الشهر الحرام والمسجد الحرام.
قوله: (وَالْمَيْسِرِ) .
الْمَيْسِر: القمار كله، مشتق من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه.
وقيل مشتق من التجزيء، وكل شيء جزأته، فقد يسرته، والميسر:
الجزور لأنه يُجزأ أجزاء، وكانوا يقامرون عليها، وهو ضرب القداح على
أجزاء الجزور.
قال القتبي: الأقداح عشرة، سبعة منها عليها خطوط.
(الفذ) ، وله نصيب، و "التوام" وله نصيان، و "الرقيب"، وقيل: " الضريب "، وله ثلاثة، و "الحلس" وله أربعة، و "النافس"، وله خمسة.
و"المسيل"، وقيل: "المصفح"، وله ستة، و "المعلى"، وله سبعة.
وثلاثة أغفال لا نصيب لها، وهي: المنيح والسفيح والوغد.
قوله: (مَاذَا يُنْفِقُونَ) .
فيه وجهان، أحدهما: أن "مَا" مبتدأ، ومحله رفع و "ذا" بمعنى الذي.
و (يُنْفِقُونَ) ، صلته، وهو رفع بالخبر.
والثاني: (مَاذَا) كلمة ومحله نصب
стр. 127
بـ (يُنْفِقُونَ) ، ويراعى في جواب (ماذا) المطابقة في الرفع رفعاً وفي النصب
نصبا.
قوله (فِي الدُّنْيَا) .
يجوز أن يتعلقَ ب "يتفكرون " ويجوز أن يتعلق بـ (يبين) .
قوله: (عَنِ الْيَتَامَى)
جمع يتيم على غير قياس، والفعل منه يتم
- بالكسر - يُتْماً ويَتْماً، وحكى الفراء: يتُم - بالضم -.
والغريب: أنه جمع يتمان، ويتمان كندمان ونديم.
قوله: (فَإِخْوَانُكُمْ) أي فهم إِخْوَانُكُمْ.
قوله: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ) .
أي خيرٌ نكاحاً مِنْ مُشْرِكَةٍ، أي في حرة مُشْرِكَةٍ، و (أَمَةٌ) من بنات
الواو، تقول: أمة بينة الأموة، ووزنها فعلة، كـ "أكمة".
وجمعها إماء كـ "إكام"، حذف لامه فوزنه على اللفظ فَعة.
قوله: (عَنِ الْمَحِيضِ) .
أي عن الحيض، تقول: حاضت تحيض حيضاً ومحيضاً ومحاضاً.
ومثله: كال يكيل كيلاً ومكيلاً ومكالاً.
والحيض صالح للمصدر ولزمان الحيض ولمحل الحيض.
قوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) - بالتخفيف. ينقين بانقطاع الدم، - وبالتشديد - يغتسلن.
والغريب: أن يجعل المشدد بمعنى المخفف، كـ تقطَّع وانقطع
وتكسَّر وانكسر، ويحمل على ما دون العشرة.
قوله: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)
أي أمركم باجتنابه، وقيل: أي في الطهر لا في الحيض.
стр. 128
والغريب: معناه بالنكاح لا بالسفاح.
وقيل: فأتوهن ما لم تكن صائمة أو محرمة أو معتكفة.
قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ) .
أي موضع حرث، وهذا تشبيه شبه بالزراعة، والنطفة بالبذرة، والرحم
بالأرض، والولد بالنبات.
قوله: (عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) .
علة حجة، وقيل: هذا نهي عن الجرأة على الله بكثرة الحلف.
وقيل: قوة لأيمانكم
(أَنْ تَبَرُّوا) وتقديره، أَنْ لا تَبَرُّوا، وقيل: كراهة أَنْ تَبَرُّوا.
فحذف المضاف، وقيل: معنى عرضة مانعاً من أن تبروا فلا يحتاج إلى
إضمار.
الزجاج: (أَنْ تَبَرُّوا) مبتدأ، وما بعده عطف عليه، وخبره (خير لكم) ، وهو محذوف.
قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) .
"مِنْ" متعلق بما في "اللام" من معنى الاستقرار، أي استقر منهن، وهو
كما تقول: لي من الأمير الرزق وله مني الدعاء.
والغريب: أن يكون صفة لقوله: (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ، تقدم فانتصب
على الحال.
والعجيب من جعله متصلا بالِإيلاء، وفيه بعد وعنه استغناء.
قوله: (يَتَرَبَّصْنَ) خبر بمعنى الأمر، وقيل: ليتربصن، فحذف اللام.
قوله: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .
واحدها، قَرء - بالفتح -، وهو الحيض، وقيل: هو الطهر.
أبو عمرو: الزمان فيصلح لهما، وجمعه القليل أقرؤ على غير القياس.
стр. 129
وقوله: ((ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
وكان القياس ثلاثة أقراء، لأن من الثلاثة إلى العشرة يضاف إلى الجمع القليل، وعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: لما ذكر النساء، وكان لكل واحدة ثلاثة أقراء، جاء لكثرتهن بلفظ الكثير.
والغريب: قول ابن عيسى: لما جاء أقراء على غير القياس، لم يعتد
به، فصار كثلاثة في قُرُوءٍ.
والعجيب: ما قيل: ثلاثة أقراء قروء، فحذف المضاف.
قوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ)
أي للنساء حقوق من النفقة والمهر مثل الذي عليهن من الأمر والنهي.
وقيل: المماثلة في الأداء والتأدية لا في جنس المؤدى.
الغريب: لهن من اللذة مثل ما عليهن.
قوله: (بِالْمَعْرُوفِ)
الجار متعلق بما في "اللام" من معنى الفعل.
قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) .
أي عدد الطلاقِ مرتان، والمرتان في الحقيفة ظرف، لكنه اتسع فيه
فارتفع. والتقدير، فطلقها مرتين.
الغريب: مجاهد: معناه البيان عن تفريق الطلقات على الأقراء.
قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ)
أي فعليه إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ.
قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)
عن النبي ﷺ قال: " هو التطليقة الثالثة ".
(إِلَّا أَنْ يَخَافَا) الاستثناء منقطع، (أَلَّا يُقِيمَا) ، مفعول، كقوله
"تَخَافُونَهُمْ"، ومن ضم (يُخَافَا) ، فإن (أَلَّا يُقِيمَا) مخفوض عند الخليل، ونصب
عند غيره، بنزع الخافض، لأنه المفعول الثاني، ومعنى (يَخَافَا) يوقنا، وقيل:
يعلما وقيل: يظنا.
قوله: (فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي في الخلع.
стр. 130
والغريب: قال ابن عباس: الفدية فسخ، ألا ترى إلى قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا) ولو كانت الفدية طلاقا لكانت، هذه تطليقة رابعة.
غيره: (فَإِنْ طَلَّقَهَا) بالفدية أو بالتسريح.
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الغريب: مجاهد: (فَإِنْ طَلَّقَهَا) تفسير قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ) ، لقوله ﷺ (١) .
العجيب: قال صاحب (النظم: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ) اعتراض.
والتقدير: الطلاق مرتان، (فَإِنْ طَلَّقَهَا) ، أي الثالثة: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، أي غير المطلق ثلاثا، والدخول شرط
بالإجماع.
العجيب: قال ابن المسيب: تحل له بمجرد العقد..
قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ) .
إجماع لقوله: (إِمْسَاكٌ) وأمسكوهن.
(وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ)
يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء، (يَعِظُكُمْ) خبره.
ويجوز أن يكون نصباً بالعطف على (نِعْمَتَ اللَّهِ) ، (يَعِظُكُمْ بِهِ) حال من المُنزِل
أو المنزَّل عليهم أو المنْرَل، فإن لم تجعله خبراً أو حالاً، وجب أن يكون
جزماً بجواب الأمر.
قوله: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) .
خطاب للأولياء، وقيل: خطاب للأزواج، والمعنى: لم يبقَ لكم
стр. 131
عليهن سبيل، ويكون أزواجهن تسمية بما يؤول إليه، كما هي تسمية في
القول الأول بما كان عليه
قوله: (لَا تُضَارَّ) .
بالرفع على النفي، والفتح على النهي، والراء المدغم، يحتمل الكسر
والفتح على القراءتين (١) .
قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ)
أي وارث الولد، وقيل: وارث الوالد، وقيل: هو الصبي إذا ورث مالا.
قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) ولم يقل على الوالد.
لأن الوالد ربما لا يلزمه رزقهن، وهو إذا كان عبداً، وفي غيره من المسائل.
قوله: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) أي فطاما.
الغريب: أراد الوالدان مفاصلة بالفرقة والطلاق.
قوله: (تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ)
أي لأولادكم، فحذف الجار.
قوله: (يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) مبتدأ، (يَتَرَبَّصْنَ) خبره، وفي العائد ثلاثة أقوال: أحدها: أزواجهم يتربصن، وقيل: يتربصن بعدهم.
الغريب: الضمير في (يَتَرَبَّصْنَ) يعود إلى مضاف إليهم، أي يتربص
أزواجهم، وقيل: عدل إلى الإخبار عن الأزواج.
قوله: (وَعَشْرًا) أي عشر ليال، فحذف المضاف إليه، لأن لفظ الشهر
يدل عليه من حيث أن أول الشهر ليلة الهلال.
الغريب: قال أبو العالية وابن المسيب: إنما زاد على أربعة أشهر
عشراً، لأن الله ينفخ الروح في الجنين في هذه العشر.
стр. 132
قوله: (لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) .
ما نهيتم عنه جهراً، فيكون نصباً على الحال، أي مسرين.
قوله: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا) استثناء منقطع.
(وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) أي عقده.
الغريب: لا تباشروا ولا تعقدوا عقدة النكاح.
قوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) .
"مَا" للمدة، وهو نصب على الظرف، والمعنى، أي وقت كان بخلاف
المدخول بها.
الغريب: هي الموصولة، أي النساء اللواتي لم تمسوهن.
العجيب: للشرط، أي إن لم تمسوهن.
قوله: (مَتَاعًا)
نصب على المصدر، أي متعوهن متاعاً.
(حَقًّا) نصب على المصدر، أي حق ذلك عليهم حقاً من قوله: حققت عليه القضاء، أوجبت، وقيل: حال، أي عرف ذلك حقاً.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) .
أي يهبن، أَوْ (يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) الولي، وقيل: الزوج.
فيكمل لها المهر.
قوله: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) .
أفردت بالذكر بعد دخولها في الصلوات لفضلها، أو لأن المحافظة
عليها أشد.
ابن عباس في جماعة، هي العصر، وقرىء في الشواذ
"والصلاة الوسطى صلاة العصر" فهي العصر لا غير، وقرىء في الشواذ
أيضاً "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" فلا تكون العصرَ على هذا.
стр. 133
ابن عمر: هي الظهر، لأنها في وسط النهار.
قبيصة: هي المغرب، لأنها الوسطى في الطول والقصر، ولأنها بين الليل والنهار.
جابر بن عبد الله: صلاة الفجر، لأنها بين الليل وبين النهار، وبين الظلمة والضياء، وبين صلاتي الجهر وصلاتي العجماوين.
والغريب: العشاء، لأنها بين صلاتي طرفي النهار.
والعجيب: عن ابن عباس أيضاً: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) الفجر.
(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، داعين فيها بالقنوت غير ساكتين، نهوا بذلك
عن الكلام في الصلاة.
قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ) . أي العدو.
قوله: (إِلَى الْحَوْلِ) .
الإجماع على أن هذه الآية منسوخة بالآية التي قبلها، وهي ناسخة.
ووقعت المنسوخة في التلاوة بعدها لا في النزول، وهو عجيب لا نظير له
أيضاً.
وقيل: في سورة الأحزاب نظيره (١) ، وقيل: في هذه السورة له نظير
أيضاً، وهو قوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، نزلت بعد قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) .
والغريب: لم ينسخ الحول وإنما نسخ ما زاد على أربعة أشهر وعشر.
стр. 134
والعجيب: قول ابن بحر، إنها ثابتة رخصة إن أوصى لها بالإقامة
حولًا.
قوله: (مَتَاعًا) أي متعوهن متاعاً، وقيل: جعل ذلك متاعاً.
والغريب: قول المبرد: إنه حال عن أزواجهم، أي لأزواجهم ذوات
متاع.
وقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ)
حال أيضاً، أي غير مخرجات، وقيل: صفة لمتاع.
قوله: (وَهُمْ أُلُوفٌ) .
اختلف في عددهم، ولفظ ألوف يدل على أنهم كانوا أكثر من عشرة
آلاف، لأن (أُلُوفٌ) صيغة الكثير، ولا يستعمل للعشرة وما دونها، وصيغة القليل آلاف، والآلاف تستعمل من الثلاثة إلى العشرة.
والغريب: جمع إلف - بالكسر - أي كانوا جد مؤتلفين.
(حَذَرَ الْمَوْتِ) مفعول له، أي خوفاً من الوباء والطاعون، وقيل: أمرهم
بالجهاد فجبنوا فأماتهم ثم أحياهم وأمرهم بالقتال، وهو قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
ابن عباس: أماتهم ثمانية أيام، ثم أحياهم فتوالدوا وبقيت سَحنة الموت في وجوههم، لم يلبسوا ثوباً إلا عادَ دَسما مثل الكفن.
ابن عباس، توجد اليوم في ذلك السبط تلك الريح، وقيل: ماتوا، وأتى عليهم زمن طويل، تفرقت أوصالهم ونغيرت أحوالهم، ثم أحياهم الله بسؤال نبي كان في ذلك الزمان، قال: وهب: اسمه شمويل، وقيل: حزقيل،
стр. 135
وقيل: هو ابن العجوز، وقيل: يوشع، وقيل: شمعون، لأن الله سمع دعاء أمه.
(مَنْ ذَا الَّذِي) .
هذا لفظ يدل على المسارعة والسبق، و (مَنْ) مبتدأ، (ذَا) خبره.
و (الَّذِي) صفته أو عطف بيان، ولا يكون (مَنْ) مع (ذَا) اسماً كما قلنا في
(ماذا) .
(فَيُضَاعِفَهُ)
المضاعفة، أكثر من التضعيف، قيل: هي سبعمائة.
وقيل: قوله (كَثِيرَةً) لا يدخل تحت العد، لأن ما لا نهاية له لا يدخل في
الحد.
قوله: (يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ)
يضيق ويوسع، وقيل: يقل ويجازي، وقيل: يقبض الصدقات ويبسط بالخلف في الدارين، وقيل: يسلب ما أنعم عن قوم، ويوسع على آخربن، وقيل: هو من ضيقة القلب، وسعته.
(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
إلى الله تصيرون، وقيل: إلى ثواب الله أو عقابه.
الغريب: قتادة: إلى التراب تعودون.
(عَسَيْتُمْ) .
الفتح هو المعروف، والكسر لغة. روى أبو زيد: عَسِيَ يعسى فهو.
عَسٍ، وضمير المخاطبين فاعله (أَلَّا تُقَاتِلُوا) خبره والشرط اعتراض.
(وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ)
فيه أربعة أقوال:
أحدها: "أنْ" زائدة، وتقديره ومالنا لا نقاتل، فيكون لا نقاتل حالاً.
الثاني: قال الفراء: ما يمنعنا أن نقاتل، قال ومثله (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) : أي ما يمنعك أن تكون،
стр. 136
والثالث، ما لنا في أن لا نقاتل، فحذف الجار.
والرابع، وهو غريب: ما لنا وأن لا نقاتل، أي مالنا وترك القتال، فحذف الواو، وقيل: "مَا" للنفي، أي ليس إلى ترك القتال سبيل.
(وَأَبْنَائِنَا)
أي وأفردنا من أبنائنا بالسبي.
قوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) .
إنما أنكروا ملكه، لأنه كان من سبط ابن يامن بن يعقوب، وكانوا
قد عملوا ذنباً، وهو أنهم كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا جهاراً فغضب الله عليهم، ونزع الملك والنبوة منهم، وكان طالوت دباغا، وقيل: سقاء على حمار.
ابن حبيب: خَرَبَنْدَجا لَفْظُه.
(وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)
أي وليس له مال فيملك به إذا فاته الحسب.
قوله: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ)
أي علم الحرب، وقيل: عام في العلوم.
والغريب: أتاه وحي.
(وَالْجِسْمِ) ، كان أجمل رجل في بني إسرائيل وأقواهم.
الغريب: ابن حبيب: إنما سمي طالوت لطوله.
قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ)
أي واسع الفضل والعطاء.
ابن عيسى: موسع، وقيل: واسع ذو سعة، كـ "تام"، و "لابن".
قوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ) .
أي في التابوت.
والغريب: في الإتيان.
(وَبَقِيَّةٌ)
عطف على التابوت، واختلف في السكينة، فقيل: طست من
ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء.
علي - كرّم الله وجهه - ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.
مجاهد: له رأس كرأس الهرة وجناحان.
стр. 137
وهب: روح من الله يتكلم بالبيان عند وقوع الاختلاف.
عطاء: آية يسكنون إليها (١) .
والسكينة للنفوس كالسكون للأجسام، وهي مصدر كالضريبة والعزيمة.
الغريب: كانت التوراة وكتابا آخر.
وقيل: كان فيها صور الأنبياء.
هبط بها آدم من الجنة وبقية عصا موسى وهارون وثيابهما ونعلاهما
وقفيز من المن.
(تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ)
أي في الهواء، من حيث يرون التابوت ينزل من علو.
وقيل: كان أصحاب جالوت غلبوا عليه فأصابهم أذى بسبب ذلك.
فحملوه على ثورين وساقوهما نحو ناحية بني إسرائيل، وكانت الملائكة
تسوق الثورين، فيكون كقول بعضهم: حملت متاعي إلى بلد كذا.
(بِالْجُنُودِ) .
"الباء" للتعدي، وقيل: أي انفصل، كقوله تعالى: (فَصلتِ العِيرُ) .
و"الباء" للحال.
(فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) من ماء النهر.
الغريب: من احتسى من النهر بِفيه.
(وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) يذقه، (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ) استئناء من الجملة الأولى.
(غُرْفَةً) - بالضم - قليل من الماء مفعول به، (غَرْفَةً) - بالفتح - مرة واحدة مصدر، والمفعول به محذوف.
(فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)
الجمهور: جاوز النهر هو والمؤمنون.
الغريب: القفال: جاوز الكفار والمؤمنون، ثم اعتزل الكفار عند اللقاء.
وقيل: جاوز المؤمنون ثم اعتزل بعض المؤمنين أيضاً عند اللقاء.
стр. 138
(قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ)
الطاقة: اسم من أطاق، كالطاعة، من أطاع، والجابة من أجاب.
(وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) .
أي يشاء الله، وقيل: يشاء داود.
قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) .
كرر تكذيباً ورداً على من زعم أنه لم يكن بمشيئة الله.
الغريب: أراد بالأول: الجميع، والثاني: المؤمنين.
(وَلَا شَفَاعَةٌ) أي للكفار.
قوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) .
يجوز أن يكون وصفا، لقوله: (اللَّهُ) أو خبراً بعد خبر، أو بدلاً من هو.
أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ، أو يكون (الْحَيُّ)
مبتدأ خبره (الْقَيُّومُ) .
(الْقَيُّومُ) : فيعول، من قام، لا فعول، لأنه لو كان فعولا
لكان يجب أن يكون قووماً، وذلك لا يصح، لأن القيوم من قام، فقلبت
الواو ياء في قيوم، لاجتماعهما، وسبق أحدهما بالسكون.
(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
بدأ بالسِّنة بموجب الارتقاء من القليل إلى الكثير.
تقول: وسِن يَوْسن وَسَنا.
والغريب: ما حكاه ابن حبيب: قال عكرمة: إن موسى سأل
الملائكة: هل ينام ربنا، فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه
ثلاثا، ثم أعطوه قارورتين في يديه، فأمسكهما، وحذروه أن يكسرهما فجعل
ينعس وهما في يديه فينبهونه حتى نعس نَعْسة، فضرب إحداهما بالأخرى
فكسرهما.
قال معمر: فهذا مثل ضربه الله له.
стр. 139
قوله: (مِنْ عِلْمِهِ)
أي معلومه، لأن علم الله لا يبعض ولا يتبعض.
الغريب: الهاء في، (عِلْمِهِ) تعود إلى ما في قوله " يَعْلَمُ مَا".
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)
هو السرير دون العرش، وقيل: كُرْسِيُّهُ ملكه.
وقيل: قدرته.
ابن عباس:كُرْسِيُّهُ علمه، والكراسة منه، لما فيها من العلم.
والكرسى: العالِم.
قال:
حُفُّ بهم بيضُ الوجوه وعُصْبَةٌ. . . كراسِيُّ بالأحداثِ حين تَنُوبُ
الغريب: كُرْسِيُّهُ: سِرُّهُ:، وقيل: عَرْشُه.
العجيب: قول جرير: الكرسي: الأهل.
أي وسع عباده السماوات والأرض.
(وَلَا يَئُودُهُ) الهاء تعود إلى الله.
الغريب: تعود إلى الكرسي.
(الطَّاغُوتُ) الشيطان، وقيل: الكاهن، وقيل: الساحر، وقيل: الأصنام، وقيل: هودة الإنس والجن. واشتقاقه من الطغيان، ووزنه فاعوت، يأتي واحداً وجمعا.
قوله: (يُخْرِجُهُمْ) .
ولم يكونوا دخلوا فيه، أي لولا عصمته لدخلوا فيه.
قوله: (الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ) .
هو نمرود بن كنعان
(فِي رَبِّهِ) ، في توحيده وإثباته سبحانه،
стр. 140
والهاء يصلح عائداً إلى إبراهيم وإلى الذي حاج.
(أَنْ آتَاهُ)
أي لأن، و "الهاء" تعود إلى الذي حاج، أي بطرُ الملكِ حمله على ذلك، وقيل: تعود إلى إبراهيم ﵇
و (الملك) ملك النبوة، من قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) .
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)
كأنَّه قال له: من ربُّك، (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) فقتل واحداً وأطلق آخر من السجن.
الغريب: أحيي بالمباشرة وإلقاء النطفة، وأميت بالقتل والسخطة.
فَلضا مَوَّهَ، قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ) ، بالدليل الأول، وقيل: بهما، َ وليس هذا بانتقال من
دليل إلى دليل، بل دليل بعد دليل.
وقال المفسرون: لم يذكر نمرود لإبراهيم: فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله صرفه عن ذلك.
العجيب: الحسن: ما تحتمله الآية من التأويل، وذلك أن إبراهيم لما
قال ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود، فإِذن أنا ربك، أنا أحيي وأميت.
والإحياء والإماتة لدي لا من نسبت إليه، وكان يدعي الربوبية بإجماع من
المفسرين، فلما رأى إبراهيم ﵇ افتراءه العظيم وادعاءَه الباطل تمويهاً، قال له واقترح عليه أن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت وانقطع، ولم يقل قل لربك أن يفعل ذلك، لأنه لم يكن يسلم الربوبية لغيره - والله أعلم -.
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) .
(أَوْ) للتخيير، والكاف محمول على المعنى، أي أرأيت كالذي حاج.
أو كالذي مرّ.
الأخفش: الكاف: زائدة.
قال صاحب النظم: هو عطف
стр. 141
على قوله (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ) ، أي كذلك أو كالذي مر على قرية - واختلف في المار، والجمهور، على أنه عزير، وقيل: أرميا.
الغريب: الخضر ﵇.
الحسن: كان كافراً.
وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)
واختلف في القرية: فقيل: سلما باد، وسابر اباد، ودير هرقل، وبيت
المقدس، بعدما خربه بختنصر، وقيل: هي التي خرج منها الألوف -
(وَهِيَ خَاوِيَةٌ)
قيل: ساقطة من خوي - بالكسر - يخوَى خوى، مقصور، وقيل، من خوى - بالفتح - يخوى خواء - بالمد - إذا خلا.
قوله: (عَلَى) متصل بـ (خَاوِيَةٌ) ، أي ساقطة عليها، وقيل: بدل من على قرية، و (عُرُوشِهَا) أي سقوفها، أي سقطت السقوف، ثم سقط عليها الجُدُر، وقيل: (عُرُوشِهَا) بِنْيتها، من قوله: (يَعْرِشُونَ) أي يبنون، وقيل: عروش كرومها، وقيل: جمع عرش، وهو السرير.
الغريب: أبو عبيد: خاوية لا أنيس بها.
(عَلَى عُرُوشِهَا) هي الخيام بيوت الأعراب.
قوله: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)
الجمهور: نامَ أول النهار ثم أحياه الله بعد المائة آخر النهار، فقال: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثم التفت فرأى بقية الشمس، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
والغريب: "يَوْمًا أو يوماً وبعض يوم، لأنه لما التفت إلى الشمس رآها
أقرب إلى المطلع منها ساعة نومه.
قوله: (لَمْ يَتَسَنَّهْ)
من قولهم: سَنِهَ الطعام، إذا تغير،
стр. 142
وقيل: من السِّنَة فيمن جعل أصلها سنهة، ومن حذف "الهاء" جعلها من السنة فيمن قال
سنوات.
الغريب: لم يتسنن - بنونين - أي لم يتغير، قلبت: النون هاء، ثم حذف.
قال الفراء: ومنهم من يقول في تصغير السنَةِ سنينة، فيكون من لفظ
السنة من ثلاثة أوجه: من قال سنه محذوف اللام ففي لامه ثلاثة أقوال.
قال بعضهم: لامه، هاء، والدليل عليه، قولهم: سُنيهات، تصغير سنيهة.
ومنهم من قال: لامه واو بدليل: سنوات، ومنهم من قال: لام فعله نون.
وهو ضعيف.
وقوله: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) من جعل أصله من الهاء، فالهاء لام الفعل.
ومن جعل من الواو والنون، فالهاء للاستراحة.
وقول الفراء مخرج على هذه الوجوه، والمعنى، لم تغيره السنون.
والعجيب: قول من قال: هو من أسن الطعام، إذا تغير، وهو خطأ (١) .
قوله: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)
الجمهور: كان معه حمار فهلك وبليت عظامه.
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا
الغريب: إن حماره كان حياً كما كان.
العجيب: إن حماره نفسه، قال الشاعر:
فازجر حِمَارك لايرتع بروضتنا. . . إذن يُرد وقَيدُ العيرِ مكروبُ
قوله (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ)
أي عظام الحمار، وقيل: عظام نفسك.
стр. 143
وأول ما خلق منه عيناه، وهذا ضعيف، لأنه خوطب وأجاب بقوله: "كم
لبثتَ" وكيف يخاطب ويجيب وهو بعد رميم.
(وَلِنَجْعَلَكَ)
قيل الواو زائدة، وقيل: عطف على مضمر، أي انظر إلى حمارك لترى كيف يحيي الله الموتى، ولنجعلك آية.
وقيل: هو متصل بمضمر، أي ولنجعلك آية للناس فعلنا بك ما فعلنا. (كَيْفَ نُنْشِرُهَا) من قوله: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ)
وبالزاي من النشز وهو المكان المرتفع (١) .
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
قوله: (أَرِنِي)
من رؤية العين، أي أرنيها عياناً.
(كَيْفَ) منصوب بقوله: (تُحْيِي الْمَوْتَى) أي بأي حال.
(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) ، إيجاب وتقرير، ولم يكن شاكا
(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ) سألتك ليطمئن قلبي ولأزداد يقيناً، وأعلم أنك اتخذتي
خليلًا، ولأتقوى بها عند الخصام وتزول عني وسوسة الشيطان.
الغريب، أراد أن يكلمه ربه ويناجيه، فيشرف بذلك.
العجيب كل العجيب: ما ذكره ابن فورك في تفسيره: كان لإبراهيم
صديق، ووصفه بأنه قلبه، أي ليسكن هذا إلى هذه المشاهدة إذا رآها عِياناً.
وهذا بعيد جداً.
(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)
الجمهور: ديك وطاووس وغراب وحمام.
ابن عباس بدل الحمام نسر، وخص الطير، ليكون جامعاً لخواص
الحيوان، ولو كان شيئاً غير الطير لبقي خاصةُ الطيران.
стр. 144
(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) - بالضم - أملهن إليك، و - بالكسر - قطعهن.
[واجمعهن] (١) إليكَ (٢) .
(عَلَى كُلِّ جَبَلٍ)
أي جبل بقربك، وهي أربعة أجبل.
الغريب: إنما خص أربعة أجبل، إشارة لنواحي الدنيا، ومهاب الريح.
من الجنوب والشمال والصبا والدبور، وجعل الطير أربعة ليكون جامعاً
للطباع الأربع، لأن كل واحد منها مخصوص بطبع
(ثُمَّ ادْعُهُنَّ)
تعالين بإذن الله.
الغريب: الدعاء ها هنا بمعنى الإرادة، أي أراد إتيانهن.
(يَأْتِينَكَ سَعْيًا)
قوله: (يَأْتِينَكَ) حال، أي يسعين سَعْيًا، فهو مصدر وقع موقع الحال.
وقيل: يسعين على أرجلهن، ويحتمل يطرن بسرعة.
الغريب: خص بهذه الطيور، إشارة إلى ترك طول الأمل، فان النسر
موصوف بطول الأمل. وترك الحرص، والغراب موصوف بالحرص، وترك
الشهوة، والديك موصوف بالشهوة، وترك الرعونة، والطاووس موصوف
بالرعونة.
العجيب، قول ابن بحر: ما قطع إبراهيم الطير أجزاء ولا أمر به.
وانما هو مثل إحياء الله الموتى، وهذا خلاف الجمهور.
قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) .
أي مثل إنفاق الذين.
قوله: (حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)
هذا تمثيل ولا يشترط وجوده، وقيل: يوجد ذلك في الدُّخْن، والتقدير، كمثل حبة بذرت فأنبتت.
(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ) هذا التفعيف (لِمَنْ يَشَاءُ) .
وقيل: يضاعف على هذا أضعافاً.
стр. 145
قوله: (وَمَغْفِرَةٌ) .
أي عفو عن السائل إذا استطال عليك حين رددته، وقيل: ستر لما يعلم
من خلة المختل، وقيل: سلامة عن المعصية، ويحتمل، قول معروف، أي
رد جميل عن عذر صدق ومغفرة من الله خير من صدقة يتبعها أذى.
قوله: (كَالَّذِي يُنْفِقُ) .
أي لا تبطلوا ثواب صدقاتكم كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس.
ثوابها.
و"رئاء الناس" صفة مصدر، أى إنفاقاً ورياء، وقيل: مفعول له.
وقيل: حال، أي مرائيا.
(صَفْوَانٍ) الحجر الصافي من الرمل، الواحدة: صفوانة.
الكسائي: (صَفْوَانٍ) واحد، والجمع صفوان غير صفوان - بالكسر -
جمع صفا كأخٍ وإخوان.
قوله: (ضِعْفَيْنِ) .
أي مثلين، والضعف، المثل. وقيل: أربعة أمثاله، والضعف المثلان
الغريب: قول من قال: ضعفين ثلاثة أمثاله.
ولا نظير لهذا في العربية.
والعجيب: استدلاله بقول أبي عبيدة: ضعفين في سورة الأحزاب
ثلاث مرات، لأن في السورة يضعف لها العذاب، والدرهم إذا ضعفته مرة
صار درهمين، وإذا ضعفته مرتين صار ثلانة دراهم، فيكون العذاب
والضعفان ثلاثا، بخلاف ما إذا قال أوصيت له بضعفي نصيب فلان، ونصيب فلان درهم، فإن الدرهم حق فلان، ولا يجعل للموصى له وإنما يجعل له مثله أو مثلاه.