قوله: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)
في "مَا" خمسة أوجه:
وجهان حسنان، ووجهان غريبان، ووجه عجيب.
فالحسن: أن يكون وصفاً لمصدر محذوف تقديره يؤمنون إيمانا قليلاً، فحذف المصدر، وبقي الوصف.
والثاني فبقليل يؤمنون، فحذف الجار وتعدى الفعل إليه بغير الواسطة.
والغريب: أن "مَا" بمعنى "مَن"، أي فقليلا من يؤمنون.
والثاني: "مَا" مع الفعل في تأويل المصدر، أي فقليلا إيمانهم.
وإنما قلت: غريب لأنه لا ناصب لقوله: "قليلاً" في الآية، ومن أضمر كان وصار استغرب.
والعجيب: أن "مَا" للنفي، وتقديره ما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، لأن ما
بعد "مَا" النفي لا يتقدم عليه.
قوله: (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) .
أي يصدق التوراة، لأن مجي المخبر به يجعل المخبِر صادقاً، وقيل:
موافق لما معهم، وقيل: يصدق التوراة والإنجيل أنهما من عند الله.
قوله: (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)
الجمهور، على أن معناه يستنصرون، وذلك أن اليهود كانوا إذا قاتلوا غلبوا ودعوا الله، وقالوا: اللهم انصرنا على أعدائنا بالنبي الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان، فينصرون.
وقيل: يسألون الله القضاء بينهم وبين عدوهم به، وقيل: معنى (يَسْتَفْتِحُونَ)
يخبرون بصحة أمره.
والغريب: يستعجلون الناس، هل ولد فيهم من هو بصفة محمد ﷺ .
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)
"لَمَّا" إذا دخل الماضي يكون ظرفاً، وهو اسم يستدعي جواباً، وإذا دخل المستقبل جزم، وهو حرف وقد يأتي بمعنى إلاّ، وجوابه في الآية مضمر، وهو كفروا به، وجاز إضماره، لأن الثاني يدل عليه، وقيل: أجيب "ولما" و"فلما" بجواب واحد، وهو كفروا به، وقيل: (كَفَرُوا بِهِ) ، جواب لقوله: "وَلَمَّا" ولكن لما أطال الكلام أعاد
стр. 72
ذكره، وهذا كقوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ) الآية، وقيل: (كفرو) جواب
"فلما"، و "فلما" مع جوابه جواب "ولما جاءهم".
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
اشترى، ابتاع، وشرى، باع، هذا هو الأصل، ثم يوضع أحدهما
مكان الآخر، وخصوصاً إذا كان التبايع بغير الذهب والفضة، لأن كل واحد منهما بائع ومشتر، و "مَا" في الآية بمعنى باع. و"بئس" كلمة وضعت لغاية الذم خلاف "نعم"، ويستدعي فاعلاً فيه عموم وشياع، وقد يضمر الفاعل ويفسّر بنكرة يكون هو المذموم، ويرتفع بالابتداء، والجملة المتقدمة خبره.
وقيل: يرتفع بالخبر، والمبتدأ محذوف، و "مَا" في الآية نكرة، ما بعده صفته، و (أَنْ يَكْفُرُوا) رفع بالابتداء، وهو المذموم، أي بئس شيئاً اشتروا به
أنفسهم، الكفر وقيل: "مَا" هى الموصولة، وما بعده صلته، أىِ بئس الذي
اشتروا به أنفسهم الكفر.
وعند الكوفيين: "مَا" مع بئس اسم واحد
كـ "حبذا" و (أَنْ يَكْفُرُوا) خبر بالبدل من الهاء في "به".
قوله: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ) .
لا يسوغ إجراؤه على الظاهر، لا تقول أضرب أمس، وعدَّه
سيبويه، في المجاز.
والغريب: ما قال ابن السراج: إن هذه أمثلة جاز وقوع بعضها موقع
بعض إذا لم يورث التباساً. والذي في الآية بمعنى الماضي، و (مِنْ قَبْلُ) دل
عليه، وقيل إنما جاز ذلك، لأن المعنى لم تعتقدون صحة ما فعل آباؤكم من
القتل من قبل.
стр. 73
والغريب: معناه لم يقصدون قتل محمد ﷺ والأنبياء هنا محمد ﵇ وحده، وقد قصد اليهود قتله.
والعجيب: إنه متعلق بالاستخبار الذي تضمنه معنى "لم"، أي أخبرني
من قبل، كما يقول المناظر الذاب، لم تجوزون الوضوء بغير النية من قبل؟
أي أخبرني عن هذا قبل الشروع في المسائل، ويحتمل أن التقدير قل من
قبل فلم تقتلون.
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)
أعاد، لأن الأولى: لعداد النعم، وختمها بقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) ، والثانية: للاحتجاج، وختمها بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
(قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) .
للجمهور قولان: أحدهما: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
والثاني: قالوا: سمعنا ولم يقولوا عصينا لفظاً، بل حالهم دل على ذلك.
والغريب: ما قال الحسن: أولئك آمنوا طوعاً أو كرها، وإنما هو من
كلام من أدرك محمدا ﷺ ، ثم رجع إلى ذكر آبائهم فقال: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) ، أي حب العجل، وهو من قولهم هو مشرب عمره؛ لأنك لا تقول أشرِبتهُ بعض سقيته، ولفظ أكثر المفسرين: سقوا حب العجل، وقيل: سقوا الماء الذي في سحالة العجل من قوله: (لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) .
قال في هذه السورة: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) ، وفي الجمعة (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ) ، لأن دعواهم في هذه السورة بالغة قاطعة، وهو كون الجنة لهم
بصفة الخلوص، فبالغ في الرد عليهم بـ "لَنْ"، وهي أبلغ ألفاظ النفي،
стр. 74
ودعواهم في الجمعة قاصرة مترددة، وهي زعمهم أنهم أولياء الله فرد
بـ "لا".
قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) .
عطف على معنى (أَحْرَصَ النَّاسِ) ، لأن المعنى أحرص من جميع الناس ومن الذين أشركوا، ومن جعله مستانفا، أي ومن الذين أشركوا من يود، أو قوم يود، ففي قوله بعد، لأنه لا يجوز حذف الموصول، وإقامة الصلة
مقامه أصلاً، ولا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، إذا كانت
جملة، وإنما يجوز إذا كانت اسماً مثله.
(وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) ، هو كناية عن التعمير، وأَنْ يُعَمَّرَ
تفسيره.
والعجيب: قول من قال: هو كناية عن الأمر، فان "الباء" لا تدخل
الجملة، وكذلك من جعله عماداً، لأن خبر "مَا" لا يتقدم على اسمه.
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) .
خصّا بالذكر بعد الملائكة لشرفهما، و "الواو" فيه للتفصيل لا للجمع.
علي بن عيسى: "الواو" بمعنى أو، وليس للجمع، لأن ذلك يؤدي إلى
تسهيل عداوة الواحد منهم إذا انفرد.
والغريب: قول من قال أنهما ليسا من الملائكة، والمعطوف غير
المعطوف عليه، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل أمراء الملائكة.
والملائكة كالأتباع والجنود لهم، ولفظ الجند لا يشتمل على الأمير، ولهذا
стр. 75
جاز إضافة الجند إليه، تقول جند الأمير، وجواب الشرط مضمر تقديره: فإنه كافر والله عدو للكافرين.
قوله: (وَاتَّبَعُوا) .
عطف على (نَبَذَ) .
(مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ)
قيل تتبع، وقيل: تقص وتقرأ، والتقدير، ما كانت الشياطن تتلوا، وقيل: حكاية الحال، وقيل، مستقبل وقع موقع
الماضي، ويحتمل أنه على أصل الاستقبال، أي تتلو الآن، لأن ذلك قد امتد
إلى زمن النبي ﷺ .
(عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
أي في عهده وزمانه، قال:
فَهي على الأفْق كعَينِ الَأحولَ.
وقيل: مملكته وسلطنته، ودل على الكذب كما تقول: قال عليه.
وروى عليه، قال:
وما كل مَن تظَنني أَنا مُعتبٌ. . . وما كُل من يَروي عليَّ أَقول
(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)
جواب لليهود حين قالوا: إن سليمان لم يكن
نبيا، وإنما ملك الِإنس والجن والطير بالسحر.
وفي سب معتقدهم ذلك قولان:
أحدهما: لما كثر السحر في بني إسرائيل، اطلعَ الله سليمان - عليه
السلام - عليه، فاستخرجه من أيديهم، ودفن تلك الكتب تحت كرسيه.
والثاني: أن الشياطين كتبوها ودفنوها في خزانته حين فتن سليمان، فلما
مات ﵇ استخرجها الشياطين، وقالوا هذا سحر سليمان وبه كانت
стр. 76
تتم أموره، فبرأه الله من ذلك بقوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
بنسبة السحر إليه، وقيل: كفروا باستخراج السحر.
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)
بأن ألقوا في قلوبهم تعلمه، وقيل: بأن دلوا على تلك الكتب، وقيل: التعليم في الآية بمعنى الإعلام، وفي السحر
أقوال: أحدها: أنه قلب الأعيان واختراع الأجسام وتغيير صور الإنسان وفعل المعجزات كالطيران وقطع المسافات في أسرع زمان، قال القفال:
ومدعي هذا كافر، وكذلك من يصدقه، لأن في هذا التباس علامات النبوة
بسحر السحرة.
والثاني: أنه تمويهات وشعوذة ومخاريق وتخيل لما لا حقيقة له، من قوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) الآية.
وصاحب هذا فاسق، لأنه مقر بأنه مموه.
والثالث: أنه أخذ بالمعنى، من قوله: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) الآية.
والرابع -: تضريب وتمويه وتخويف يزعم المبلغ أنه حق، فيؤثر فيه.
والخامس: أنه ضرب من استخدام الجن.
قوله: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)
في "مَا" قولان: أحدهما: أنه الموصول.
والثاني أنه للنفي، وكلا القولين عن ابن عباس، ومن جعله الموصول.
ففيه قولان: أحدهما: أنه لما كثر السحر فيما بين الناس والتبس أمر الأنبياء
بعث الله ملكين يبينان ماهية السحر ومِمّ يكون وكيف يكون
والوجوه التي فيها يتوصل السحرة إلى الاحتيال على الجهال لستخف الناس
بالسحر ويعرفوا حقيقته، وكانا لا يعلمان أحداً ولا يكشفان وجوه الاحتيال فيه حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر ولا تستمعه
لتستعمله فيما نُيهتَ عنه، ولكن إذا وقفت عليه تحرز من أن ينفذ لساحر
стр. 77
عليك تمويه، واعلم أنهم مبطلون.
والثاني: امتحن الناس يومئذ بالمَلكين
وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن تقبل القابل تعلم السحر، فيكفر بتعلمه
ويؤمن بترك العلم، ولله أن يمتحن عباده بما يربد.
والعجيب: إنهما ملكان كلفا تكليف بني آدم، وركب فيهما
الشهوة، حين قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) ، وأنزلا من السماء
ليحكما بين الناس، فجاءتهما زهرة، واسمها بالنبطية ناهيد، وبالفارسية
بيدخت، تخاصم زوجها، فافتتنا بها وشربا الخمر وزنيا بها وقَتَلا رجلاً اطلع
على فعلهما، وعلَّما زهرة اسم الله الأعظم، فصعدت إلى السماء ومسخت
كوكباً.
وزاد الربيع بن أنس، وأخرجت لهما صنماً فسجدا له، ثم انطلقا
إلى رجل صالح فقالا له: اشفع لنا، وذكر بعضهم أنه كان إدريس - عليه
السلام - فدعا لهما، فَخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما معلقان في بئر منكوسين يعذبان بسياط من نار، ومن ثم
استغفرت الملائكة لبني آدم من قوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) :
وهما يعلمان الناس السحر، وإذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له لا
تكفر، فإنْ أبى، قالا له ائت هذا الرماد وَبُلْ فيه، فإذا بال خرج منه نور
يصعد إلى السماء، وهو إيمانه، ويأتيه دخان يدخل مسامعه، وإذا أخبرهما
بذلك علَّماه.
وروي عن عائشة: من دنا منهما سمع كلامهما ولم يرهما.
وعن الكلبي: أنهم كانوا ثلاثة عزار وعزايا وعزابيل، فاستقال عزابيل ربه.
فأقاله، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله سهيلا فإنه كان
стр. 78
عشاراً باليمن، ولعن الله زهرة فإنها فتنت الملكين" (١) ، وروى عن ابن
عمر أنه كان إذا رأى زهرة قال: لا مرحبا بها ولا أهلا، إنها كانت بغياً
من بني إسرائيل، لقي الملكان منها ما لقيا، وهذا من العجيب، لأنه غير
مرضي عند كثير من المفسرين، ولم بذكره كثير منهم.
ومحل "مَا" نصب عطفاً على السحر، وقيل: عطف على (مَا تَتْلُو)
وقل: محله جر بالعطف على ملك سليمان، ومن جعل "مَا" اللنفي.
قال: هذا رد على من زعم من سحرة اليهود، أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فيكون جبريل وميكال هاروت وماروت، والمحل جر بالبدل من الملكين، وقيل: أما داود وسليمان، واسمها هَارُوت وَمَارُوت بالعبرانية، وقيل: هما قبيلان من الشياطن، والمحل نصب بالبدل من (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ) ، وقيل: بدل من الناس.
وقال الحسن. هما علمان.
(بِبَابِلَ) قيل: هي بابل العراق، حيث تبلبلت الألسن، وقيل:
بابل المغرب، وقيل: جبل نهاوند، وقيل: وهدة في الأرض.
وقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)
من جعل "مَا" إثباتاً فهو من كلام الملكين، ومن جعل "مَا" نفيا، قال:
إنما هذا كقول الخليع الغاوي أنا في ضلال فلا ترد ما أنا فيه.
(فيتعلمون)
قيل عطف على المعنى، أي فيأبون عليهما وُيلِحَّان
стр. 79
فيتعلمون، وقيل: عطف على يعلمان، وتقديره، فلا تكفر فيعلمان فيتعلمون
وقيل: عطف على يعلمون، وأنكر الزجاج، وقيل: استئناف.
قوله: (مِنْهُمَا) أي من هاروت وماروت، وقيل: من السحر والكفر.
ويحتمل من السحر وما أنزل فيمن جعله إثباتاً.
والغريب: قول ابن جرير: إن من جعل "مَا" جحداً، والملكين
جبريل وميكائيل، جعل "مِن" في قوله: "منهما" بمعنى البدل كالمكان
لقول الشاعر.
فَلَيْتَ لنا من ماءِ زَمَزَم شَرْبَةً. . . مبَرّدَةً باتت على طَهيان
فيكون التقدير، فيتعلمون مِن مكان علمائهم.
(مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)
هو أن يؤخذ كل واحد منهما من صاحبه ويبغض إليه.
القفال في جماعة: إذا عمل بالسحر كفر فحرمت عليه امرأته.
قوله: (مِنْ أَحَدٍ) ، "مِنْ" زيادة.
(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) بعلمه وقضائه السابق وقدره، وليس بالمعنى بإذنه في السحر.
قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) الآية.
"اللام" لتوطئة القسم، و"من" الشرط، "مَا لَهُ" جزاؤه، والتقدير، فوالله مَا لَهُ، وهذا حكم يطرد في "لَمَنِ" حيث وقع بجواب القسم، وقيل: في "مَن" في الآية ابتداء "مَا لَهُ" في الآية خبره.
قوله: (لو كانوا يعلمون) مع قوله: (ولقد علموا) محمول على
стр. 80
وجهين: أحدهما: لو كانوا يحلمون بعلمهم، والثاني: أن بعضهم علم، وهم العلماء، وبعضهم لم يعلم، وهم المتعلمون.
قوله: (لَمَثُوبَةٌ) .
مصدر وقع موقع الفعل، أي لأُثيبُوا ما هو خير لهم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا) .
هذه اللفظة في العربية تحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: صيغة الأمر من راعى يراعي، وهو قول الجمهور، وتقول العرب: راعي سمعك وأرعي سمعك، أي استمع مني.
الثاني: وهو غريب: أنه من الرعونة، وهي الاضطراب، والأصل
فيه راعناً بالتنوين، كقراءة من نوَّن، لكنهم قلبوا التنوين ألفاً في الوصل
قياساً على الوقف، وما أجري فيه الوصل على حكم الوقف كثير.
والثالث: وهو عجيب: أن أصله راعينا، فحذف الياء، أي يا راعيَ
إبلنا، قال:
كنَواحِ ريشِ حَمامةٍ نَجْديةِ. . . ومَسَحْتَ باللِّثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ
وكان المسلمون يقولونها للنبي ﷺ على المعنى الأول، فسمعت اليهود ذلك، فجعلوا يقولونها للنيي ﷺ على المعنى الثاني أو الثالث. وقيل: بل كان سبًّا قبيحاً بلغتهم.
قال القفال: كانت اليهود تقول راعونا، يوهمون
стр. 81
التعظيم، وهو فاعولاً من الرعونة، فنهى الله المؤمنين عن التلفظ بهذه
اللفظة، كيلا تجد اليهود إلى ذلك سبيلاً، وقيل: إنما نهى المسلمين لأنها
تنبىء عن المساواة على أصل باب المفاعلة، وهم مأمورون بأن يخاطبوا
النبي ﷺ ، بما يدل على التعظيم في قوله: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وقيل: معناه لا تقولوا قولاً راعناً، أي فيه اضطراب على ما قلت، أصلهُ التنوين.
قال الحسن: لا تقولوا حمقاً.
وقيل: هي كلمة كانت تجري مجرى السخرية فيما بينهم، فنهى الله المسلمين أن يقولوها بحضرة النبي ﷺ .
والعجيب: ما قيل: إن في الآية ناسخاً ومنسوخاً، أي نسخ قوله:
(راعنا) بقوله: (انظرنا) ، وفيه بعد، لأن النسخ إنما يرد على شيء أمَر الله به ثم ينسخه.
ومعنى: "انظرنا"، أمهلنا وتوقف حتى نفهم ما تقول، ونسألك عما
يشكل علينا، وقيل: انظر إلينا، فحذف الجار.
(واسمعوا) اقبلوا ما يأمركم به الرسول.
الحسن: اسمعوا ما يأتيكم به.
قوله: (مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) .
الأولى زائدة، والثانية لابتداء الغاية، وتقديره، أن ينزل عليكم خير
مبدَاه من الله.
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) .
قالت اليهود: إن محمداً ﷺ في حيرة من أمره، يأمر أصحابه اليوم شيئا، ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد ﷺ فأنزل الله هذه
стр. 82
الآية، والنسخ: رفع الشيء وقد كان يلزم العمل به إلى مدة ببدل منه.
من قول العرب: نسخت الشمس الظل، أي أزالته وقامت مقامه، وإجماع
المسلمين على أن في القرآن ناسخاً ومسوخا.
والجمهور على أنه يأتي على ثلاثة أوجه.
أحدهما: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهو الكثير في القرآن.
كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وأشباهه، فإنها منسوخة بقوله:
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، و (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وهذه
الآية تسمى آية السيف.
والثاني: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه، وذلك ما روي، أن ابن عباس قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم، ولولا أني أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدتها.
والثالث: ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: كنا نقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر".
والغريب: ما نسخ لفظه ولم يكن له حكم، وذلك، كما روي عن
أنس أنه قال: كانت تُقْرَأُ مرة: "أخبروا قومنا أنا لقينا ربنا فأرضانا ورضي
عنا" وروى أيضاً: كنا نقرأ في القرآن: لو أن لابن آدم واديين من ذهب
لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (١) .
وكذلك الخامس: ما نسخ لفظه وبقي بعض حكمه، وذلك ما روي
عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات
стр. 83
معلومات فنسخن إلا خمساً معلومات يحرمن، قالت: وتوفي رسول
الله ﷺ وهو ما يقرأ في القرآن.
ومن الغريب جداً - وهو السادس -: قول من قال: كل استثناء في
القرآن فهو الناسخ لما قبله.
والعجيب: قول من قال: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ، ثم
أوّل لكل منسوخ وجهاً محتملاً، وهذا قريب من قول اليهود، حيث قالوا:
النسخ بداء، والبَدَاءُ على الله ليس بجائز.
ومن العجيب أيضاً: قول من أجاز أن يدخل النسخ الخبر، وهذا يؤدي
إلى نسبة الكذب إلى الله تعالى، تعالى الله عن ذلك، بل النسخ يدخل الأمر
والنهي، وما بمعناهما.
وأعجب من هذين قول من قال: إن ذلك إلى الإمام ينسخ ما يرى
المصلحة في نسخه، ويثبت ما يرى المصلحة في إثباته.
وهذه الأقوال الثلاثة مرغوب عنها مردودة على قائليها.
قوله: (أَوْ نُنْسِهَا)
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا
نذهبها من قلبك، من النسيان، وقيل: نتركها ولا ننسخها.
وزيّف هذا، لأن قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) أي بخير مما نسخ لا مما ترك.
ومن همزها. فمعناه نؤخرها فلا ننسخها (١) .
وقيل: ما ننسخ من
стр. 84
آية من اللوح المحفوظ للإنزال عليك ونؤخر إنزالها عليك نأت بخير منها من
الثواب، وقيل: أخف على المكلف بها، أو مثلها في الثواب والتكليف.
قوله: (وَدَّ كَثِيرٌ) .
وَدَّ وتمنَّى يتعديان إلى المعاني دون الأعيان، وقد يقعُ "لو" بعد (وَدَّ)
معناه: أنَّ (كُفَّارًا) حال من ضمير المخاطبين في (يَرُدُّونَكُمْ) وقيل: مفعول
قوله: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) متصل ب (وَدَّ) ، والمعنى: وَدَّوا من عند
أنفسهم لم يؤمروا به، وأنكر الزجاج، أن يكون متصلا ب (حَسَدًا) وقال: لأن (حَسد الإنسان لا يكون إلا من عند نفسه.
وأجازهُ علي بن عيسى على وجه التوكيد كقوله: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) : و (حَسَدًا) نصب على المفعول.
قوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) .
يريد، وقالت اليهود: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وقالت
النصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصَارَى، فأخبر عنهما معًا إيجازًا، وله
في القرآن نظائر، وهو جمع هائد كغائط وغوط، وحائل وحول.
وهائد هو التائب.
قال النقاش: هو مشتق من التهود، وهو السير السريع، وقيل: أصله
يهودي جمع على يهود، كرومي وروم، ثم حذف الياء الأولى. وقيل: أجري مجرى المصادر، أي ذو هود وذو نصارى، وقيل: هود واحد وحد على لفظ (مَنْ)
قوله: (مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) .
стр. 85
للجمهور فيها قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس.
والثاني: أنها المسجد الحرام.
والغريب: أن "مَسَاجِدَ اللَّهِ"، الأرض، من قوله: "جُعِلَت لي الأرض مسجداً وَطهوراً".
قوله: (أَنْ يُذْكَرَ)
في محل نصب، بدل من المساجد، وقيل: تقديره، من أَنْ يُذْكَرَ.
والغريب: أن نجعل مفعِولًا ثانيا لـ (مَنَعَ، كقول أبي بكر الصديق ﵁: " لو مَنعوني عِقالاً ".
قوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) .
قيل: نزلت رخصة للتحري حالة الاشتباه، وقيل: في التطوع على
الراحلة.
والغريب: قول القفال: زعمت اليهود، أن الله لما خلق الأرض
صعد إلى السماء من الصخرة، فاتخذوها قبلة، والنصارى استقبلوا المشرق
لولادة مريم من جهته.
والعجيب: قول من قال: إنها ناسخة للقبلة الأولى، والمعنى، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) الذي أمركم بالتوجه إليه، وهو الكعبة، فتوجهوا إليها، فإنه
ممكن، والتقديم والتأخير لا يمنع صحة هذا التأويل.
وقال القفال: ليس في الآية ذكر القبلة والصلاة، وإنما أخبر عن علمه بهم ولحوق سلطانه إياهم، حيث كانوا كقوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) الآية.
قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) .
стр. 86
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذا عبارة عن سرعة الإيجاد، وأن لا نَصَب هناك ولا تَعَب، والأمر أو القول مجازان، لأن المعدوم لا يخاطب، والموجود لا يؤمر بالوجود.
والثاني: أن جميع ما هو كائن في علم الله كالموجود، فَصَحَّ الخطابُ. والثالث: أن هذا خاصٌّ في الموجودات التي أراد الله سبحانه أن ينقلها بحالة أخرى، كقوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَ) الآية.
ومثله (كُونُوا قِرَدَةً) ، وقيل: معنى (لَهُ) لأجلِهِ.
قوله: (فَيَكُونُ)
الرفع هو الوجه، أي فهو يكون على الوجه الذى قدره الله.
والنصب على الحمل على اللفظ، لأنه صيغة الأمر، وكذلك
قال الأخفش: في قوله (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا) .
قوله: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) .
وقال في هذه السورة أيضاً: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) .
فجعل مكان (الَّذِي) "مَا" وزاد "مِن"، لأن العلم في الأول علم بالكمال ليس
وراءه علم، لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وبصفاته، وبأن (الهدى
هدى الله) : ومعناه بأن دين الله الإسلام، وأن القرآن كلام الله، وكان لفظ (الَّذِي) أليق به من "مَا"، لأنه في التعريف أبلغ، وفي الوصف أقعد، بيان ذلك أن الذي تُعَرِّفُه صلتُه ولا يَتنَكَّرُ قط ويتقدمه أسماء الإشارة نحو قوله: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) ، فيتكنَّفُهُ بيانان.
الإشارة والصلة ويلزمه الألف واللام، ويثنى ويجمع، و "مَا" ليس فيه شيء
من ذلك، لأنه يتنكر مرة ويتعرف أخرى، ولا يقع وصفاً لأسماء الِإشارة،
стр. 87
ولا يدخله الألف واللام، ولا يُثَنَّى ولا يجمع، وخص الثاني ب "مَا"، لأن المعنى بعد ما جاءك من العلم أن قبلة الله هي الكعبة، وذلك قليل من كثير من العلم، وزِيدَ معه "مِن"، التي لابتداء الغاية، لأن تقديره من الوقت الذي
حال العلم فيه بالقبلة، لأن القبلة الأولى نسخت بهذه الآيات، وليس الأول
مؤقتا بوقت، وختم الآية الأولى بغليظ في الجواب، فقال: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ) الآية، لعظم شأن الأول، وختم
الثانية بقوله: (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) : لَما كان الثاني منحطاً عن الأول.
وقال في سورة الرعد: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، فعبر
بلفظ "مَا" ولم يزد "مِن" لأن (الْعِلْمِ) ها هنا هو الحكم العربي، أي القرآن.
وكان بعضاً من الأول، ولم يزد "مِن" لأنه غير مؤقت، وختم أيضاً بغليظ من
الخطاب، فقال: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ)
إن اتبعتَ أهواءهم، لأنه وإن كان بعض الأول، فهو مشتمل على الكل - والله أعلم -.
قوله: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) .
المعروف خمس في الرأس، وخمس في البدن، وقيل: ثلاثون
خصلة عشر في براءة، وعشر في قد أفلح وعشر في الأحزاب.
والغريب: هي مسألة في القرآن سألها إبراهيم ربه، وقيل: هي قوله:
(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) .
стр. 88
ومعناه عندهم أب رحيم -، وقيل: مشتق من البرهمة، وهي شدة النظر، وجمع إبراهيم براهيم وإسماعيل سماعيل، وقال بعض أهل اللغة: براهمة وسماعلة.
والهاء بدل من الياء، المبرد: جمعهما، أباره وأسامع وأباريه وأساميع.
قال: وأما إسرائيل فجمعه أساريل وأسارلة.
ومن الكلمات: الختان، واختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، وقيل: اختتن بقدوم، من صرفه جعله اسم آلة، ومن لم يصرفه قال اسم موضع.
المبرد: قرية بالشام، وهي باقية.
قوله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
قيل: العهد، النبوة، وقيل: الإمامة، وقيل: الرحمة، وعن ابن عباس: ليس للظالمين عهد، فإذا
عقد عليك في ظلم فأنقضه.
الغريب: سأل إبراهيم ربَّه أن يجعل الخاص عاماً والعام خاصاً، فلم
يستجبه، أما الخاص الذي سأله أن يجعله عاماً، فالنبوة أو الإمامة والرحمة.
بقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، وأما العام الذي
سأله أن يجعله خاصا فهو الرزق، حيث قال: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ) ، قال الله: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا) ، أي ارزقه في
الدنيا، وقال بعضهم لولا هذا الواو لمات الكفار جوعا، وقيل: لما قال الله
له، (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، اختص إبراهيم في طلب الرزق، " وخص
المؤمنون به قليلاً، أي متاعاً، وقيل: زمانا قليلا، إلى حين موته.
стр. 89
قوله: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) .
أي يثوبون إليه كل عام، وقيل: مثابة من الثواب، أي يحجون
فيثابون، وقيل: المثابة للمجتمع، والمثاب والمثابة واحد، كالمقام
والمقامة، وقيل: الهاء للمبالغة.
(وَأَمْنًا) أي ذا أمنٍ. والمعنى آمِنٌ أهله من قوله: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) .
وقيل: من التجأ إليه أمِن، وقيل: من حَجَّ البيتَ أمِن مِنْ عذابِ اللهِ، وقيل: من شاء لم يُؤَّمن كما أن من شاء ثاب ومن شاء لم يثب.
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)
قيل: متصل بمضمر، تقديره: وإذ جعلنا وقلنا اتخذوا.
والغريب: قول القفال: إنه خطاب لأمة محمد ﷺ . ثم رجع إلى الأول فقال: (وَعَهِدْنَا) .
ومن قرأ بالفتح جعله في محل جرعطفاً على (جَعَلْنَا) .
(مُصَلًّى) قيل: موضع صلاة. وقيل، مَدْعى.
(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) ، وفي إبرإهيم (هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)
لأن هذا إشارة إلى الوادي المذكور في قوله: (أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) قبل بناء البيت، وفي إبراهيم إشارة إلى البلد بعد البناء.
فيكون (بَلَدًا) في هذه السورة المفعول الثاني. و (آمِنًا) صفته، و (الْبَلَدَ) في
إبراهيم المفعول الأول و (آمِنًا) المفعول الثاني، وقيل: الإشارة سواء
وتقديره في البقرة هذا البلد بلدا آمناً، فحذف البلد اكتفاء بالإشارة، وقيل: لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة، ولفظ "هذا" يدفع هذا التأويل.
стр. 90
(وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)
جاء في التفسير عن عطاء أن الله بعث جبريل إلى الشام فقلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعا، فلذلك سميت الطائف، ثم أتى بها تهامة (١) - والله أعلم -.
قوله: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) .
وجاء في التفسير أن إبراهيم كان يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر، فجاز
وصفهما بالرفع، وحكى ابن حبيب: أن إبراهيم كان يتكلم بالسريانية
وإسماعيل بالعربية، وكان كل واحد منهما يعرف ما يقول صاحبه ولا يمكنه
التفوه به، وكان إبرإهيم يقول بلسانه لإسماعيل هب لي كبباً، يعني ناولني
الحجر، ويقول إسماعيل: هاك الحجر.
وقوله: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) متصل بِمضر، أي ويقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، ومن القراء من وقف على البيت، ورفع إسماعيل بالابتداء، وجعل البناء من إبراهيم، والدعاء من إسماعيل، والوجه هو الأول، لقوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ)
والجمهور على أن المعنى: ابنياه على الطهارة.
(وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) .
أي ثابتين على الإسلام، وقيل: مستسلمين منقادين.
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)
يعني العرب، وأحال بين الواو وبين المعمول بالظرف.
والشيخ أبو علي أنشد في ذلك:
ويوما تَراها كَشبهِ أرديةِ. . . العَضبِ ويوماً أديمَها نَغِلا
وهذا لا يمتنع في الفعل، وإنما يمتنع في اسم الفاعل وحرف الجر.
стр. 91
قوله: (رَسُولًا مِنْهُمْ) .
يعني محمدا ﷺ قال: " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى
عيسى، ورؤيا أمي ".
قوله: (إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) .
فخفف، وقيل: سفه في نفسه، فحذف الجار، وقيل: تمييز، وهو
ضعيف، لأن التمييز، لا يكون إلا نكرة، وله وجه آخر، وإن كان ضعيفاً.
فليس بأضعف مما ذكر وهو أن يجعل "مَن" في محل نصب، قياساً على
قراءة ابن عامر (ما فعلوه إلا قليلاً) ، وهذا قياس لا ينكسر، وتكون
نفسه" تأكيداً له وبدلا كما تقول: ما جاء القوم إلا زيداً نفسه، وقريب منه
قراءة من قرأ (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبَهُ) بنصب (الباء) ، على أنه بدل من الهاء.
وذكر المبرد أن سفُه - بالضم - لازم، وسفِه - بالكسر - متعد، ومعناه ضيع نفسه.
قوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
أي الفائزين، وقيل: من
الأنبياء و "في" متعلق بمضمر، أي إنه صالح في الآخرة من الصالحين، ولا يجوز أن يتعلق بالصالحين، لأن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول.
وقيل: بيان، فصح تقدمه، وقيل: الألف واللام للتعريف وليسا بمعنى
стр. 92
الذي، فجاز تقديم الجار عليه مع تعلقه به ومثله (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ، (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) ، وقيل: تقديره، ولقد
اصطفيناه في الآخرة وإنه في الدنيا لمن الصالحين، ولا وجه لهذا في
العربية.
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) .
قيل: متصل بقوله: (اصْطَفَيْنَاهُ.. إِذْ قَالَ) ، وقيل: واذكر إِذْ قَالَ.
ويحتمل أنه ظرف لـ (قَالَ أَسْلَمْتُ) .
(وَوَصَّى بِهَا) .
قيل: بالملة، وقيل: بكلمة الإسلام
(إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ)
بَنِيهِ، فحذف، لأن "الباء" تدل عليه.
(يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ) كسر "إن" لأن الوصية قول، وقيل" أنْ يا بني، كقوله: (أن امشوا) وهكذا هو في حرف ابن مسعود.
قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) .
أي بل أكنتم شهداء، (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ)
أي أسبابه، (إِذْ قَالَ) بدل من الأول، وقيل: ظرف لـ (حَضَرَ) .
(مَا تَعْبُدُونَ) أي من، وذكر بلفظ "مَا" ليكون أعم.
(إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) بدل من آبائك، وعدّ إسماعل في الآباء - وهو عم - مجازاً، وقرىء "أبيك".
стр. 93
فيحتمل أن يكون مفرداً وإبراهيم وحده بدل عنه، ويحتمل أن يكون جمعاً.
فقد جمع أب على أبين وأخ على أخين.
قال:
ليس جَدي خيرَ جدٍ. . . وأبي خيرَ الأبين
وقال:
فإنك مجهولُ الأبين هجينُ
قوله: (إِلَهًا وَاحِدًا)
حال من إلهك، وقيل: بدل منه، وأفاد التوحيد.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) .
في الآية سؤالان:
أحدهما: أن هذا معلوم بالبديهة، فما الفائدة في ذكره؟
والثاني: لم كرر الآية. الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أنه
أفاد بيان المعدلة والنصفة، ومثله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، والتحذير من
الاتكال على عمل الآباء والأجداد والاستدعاء للمبادرة بالطاعات.
والثاني: أفاد بطلان دعوى أهل الكتاب، أن لزوم دينهم وشرعهم مما أوجبه الله على سلفهم وخلفهم.
قال القفال: لها ما دانت في عصرها، ولكم ما تدينون
به الآن، فإن الله يشرع منا ما يشاء، وينقل عما يشاء إلى ما يشاء، والجواب عن الثاني: أن المراد بالأول الأنبياء ﵈ وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى، وقيل: الأول لإثبات ملة إبراهيم لهم جميعاً، والثاني: لنفي اليهودبة والنصرانية عنهم.
стр. 94
(بَلْ مِلَّةَ) .
أي بل نتبع ملة إبراهيم، فهو مفعول به، وقيل: اتبعوا، وقيل: نصب
على الإغراء، وقيل: بل نكون ملة إبرإهيم، أي أهل ملته.
قوله: (حَنِيفًا) حال عن ملة إبراهيم، وقيل: عن إبراهيم، والحال
عن المضاف إليه قليل.
وقيل: أعني حنيفاً، والحنيف: المائل عن سائر الأديان، من حنف القدم، وقيل: مستقيما، وسمِّي المِعْوَجِّ القدم أحنف تفاؤلاً. كالبصير للأعمى، على هذا الوجه.
قوله: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) .
فيه سؤالان: أحدهما: لم قال: هنا (إلينا) وفي آل عمران (علينا) ولم زاد في البقرة (وَمَا أُوتِيَ) وحذف هناك؟
الجواب: لأن "إلى" للانتهاء إلى الشيء من أي جهةٍ كان، والكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى الأمم جميعاً، وفي هذه السورة خطاب للأمة لقوله، (قولوا) فلم يصح إلا "إلى"
و"على" يختص بجانب واحد وهو فوق، فكان مختصاً بالأنبياء، لأن الكتب
منزلة عليهم، ولا شركة للأمة فيه، وكان في آل عمران "قل" وهو خطاب
للنبي ﷺ دون أمته، فكان الذي يليق به "على"، وزيد في هذه السورة (وَمَا أُوتِيَ) ، لأن في آل عمران قد تقدم ذكر الأنبياء في حق الأنبياء، حيث قال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) .
قوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) .
стр. 95
قيل: "الباء" زائدة، وتقديره، فإن آمنوا بما آمنتم به.
والغريب: بمثل ما آمنتُم بِهِ، أي بالقرآن، وما آمنتم به التوراة.
(بَيْنَ أَحَدٍ) : أي بين واحد، وقيل: (أَحَدٍ) ها هنا للعموم.
والغريب: (بَيْنَ) ها هنا: الدين، وهو كما تقول: شق عصا
المسلمين، إذا فارقهم، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون قوله: (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) من هذا، أي شقوا العصا وخالفوا المسلمين.
(صِبْغَةَ اللَّهِ) .
قيل: بدل من ملة إبراهيم، وقيل: اتبعوا صبغة الله، وهي الدين.
وقيل: هي الخلقة الأولى، كقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ) ، وكقول النبي ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة ".
وعن ابن عباس: أن الأصل في تسمية الدين صبغة من جهة عيسى ابن مريم، حين قصد يحيى بن زكريا، فقال: "جئتك لأصطبغ منك، وأغتسل في نهر الأردن، فلما خرج نزل عليه روح
القدس، وكانت النصارى إذا ولد لأحدهم ابن وأتى عليه سبعة أيام صبغوه
في ماء لهم، يقال له "المعمودية" ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا
مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا، فأنزل الله (صِبْغَةَ اللَّهِ) .
وروى القفال، في ماء يقال له: المعمودية، قال ويسمون ذلك
التغمير، ومنهم من يسميه الصبغ، قال: وفي الإنجيل - بزعمهم - في ذكر يحى
стр. 96
الصابغ، وفي بعض تراجمهم المعمداني، وهذا الصنف من النصارى يقال
لهم المعمودية.
قال: ووقعت العبارة عن الدين بلفظ الصبغة لخروج الكلام
مخرج المحاجة والمقابلة، وسمي الدين صبغة لبيان أثره على الإنسان من
الصلاة والصوم والطهور والسكينة، وسمي الختان صبغة لظهور أثر الدم على
صاحبه.
(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) .
وقد أخبر أن إبراهيم وإسماعبل وإسحاق ويعقوب والأسباط سبقوا
اليهودية والنصرانية، وما كانوا إلا على الدين الذي نحن عليه بعد ظهور
كذبكم في قولهم كانوا هوداً أو نصارى.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ)
الظاهر أن قوله: (مِنَ اللَّهِ) صفة للشهادة، وهي صفة محمد ﷺ .
الغريب: قول من قال: تقديره، ومن أظلم منكم يا معشر اليهود
والنصارى إن كتمتم عن الله شهادة عندكم، وفي كتابكم أنهم لم يكونوا هودا
ولا نصارى.
العجيب: قول القفال وابن عيسى: إن المعنى: فلا أظلم من الله إن
كتم الشهادة.
و"مِن" الأولى، بمعنى "في" والثانية للتفصيل.
قوله: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) .
كان هشام بن الحكم يقول: بحدوث العلم لله، ويحتج بالآية،
стр. 97
وليس هذا مذهب السنة والجماعة.
ولهذه الآية وأمثالها تأويلات "
أحدها: أن المراد به علم المشاهدة، وهو الذي يستحق به الثواب والعقاب، وعلم الغيب لا يستحق به ذلك، وقيل: ليعلم أولياؤنا، وقيل: لنعلم علم المختبر الذي كأنه لا يعلم، وقيل: لنرى، وقيل: لنميز، فيعبر عنه بالعلم، لأن التمييز لا يقع إلا به.
الغريب: إلا لتعلموا أيها المخاطبون، قال إن يقول أحد: الحطب
يحرق النار، ويقول الآخر: بل النار يحرق الحطب، فيجمع بين النار
والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لتعلم أنت.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً)
قيل: كانت التولية، وقيل: القبلة، وقيل: الصلاة إليها، و "إِنْ" هي المخففة من الثقيلة، ويلزمها لام للفرق بينها وبين النافية والشرطية، ومن جعل "إِنْ" نفيا، و "اللام" بمعنى "إلا" فقوله مزيَّف بعيد، لأنه لم يأت في كلام العرب " لام" بمعنى "إلا"، فيجري هذا عليه.
(قِبْلَةً تَرْضَاهَا) .
وكان رسول الله ﷺ راضيا بالقبلة الأولى غير ساخط، فقيل: معناه تحبها طبعا، لأنه كان يرى أن الصلاة إليها أدعى لقومه.
الغريب: ترضى عاقبتها بما يعرف المعتقد من المتردد والمتحير.
стр. 98
قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) .
في تكرار هذه الآية ثلاث مرات مع استواء حكمها، أقوال:
أحدها: الأولى في مسجد المدينة، والثانية خارج المسجد، والثالثة خارج البلد.
وقيل: الأولى نسخ القبلة. والثانية لسبب وهو قوله: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، والثالثة للعلة، وهو قوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) : وقيل: في الآيات الثلاث خروجان: خروج إلى مكَان يرى فيه الكعبة، وخروج إلى مكان لا يرى فيه الكعبة، أي الحالتان فيه سواء.
والغريب: ما قلت أن إحداهما: لجميع الأحوال، والأخرى لجميع
الأزمان، والثالثة لجميع الأمكنة.
والعجيب: ما قلت أيضاً إن في الآية الأولى (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ) .
وليس فيها (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) ، وفي الآية الثانية: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) ، وليس فيها (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ) ، فجمع في الآية الثالثة بين قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) ، وقوله: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ)
ليعلم أن النبي والمؤمنين في ذلك سواء.
قوله: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .
في الاستثناء قولان:
أحدهما: أنه منقطع، وهو أن تكون "إِلَّا" فيه بمنزلة "لكن" أي: "لكن ظَلَمُوا مِنْهُمْ يأتون الشبه ويجعلونها مكان الحجة"، وذلك أن المشركين، قالوا: إن محمداً علم أنَّا أهدى سبيلاً منه، فتوجه إلى قبلتنا، وهذا قول الجمهور. والثاني: أن الاستثناء متصل، والمراد با لحجة، الاحتجاج.
стр. 99
والغريب: قول أبي عبيدة:، أن "إلا" بمعنى الواو أي ولا الذين
ظلموا. وأنشد:
ما بالمدينةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ. . . دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا
وليس مذهب البصريين ولا أكثر الكوفيين.
والعجيب: قول قطرب: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) في محل جر
ب "على" أي إلا على الذين ظلموا، وهذا بعيد لفظا ومعنى.
قوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا) .
في "الكاف" قولان: أحدهما: أنه متصل بما قبله، ومحله نصب صفة
لمصدر محذوف، وفي ذلك المصدر قولان:
أحدهما: إتماماً كما أرسلنا، أي النعمة في أمر القبلة كالنعمة في أمر الرسول. والثاني: تهتدون هداية كما أرسلنا، والمعنى: ذكراً يوازي إنعامنا عليكم لإرسالنا رسولا بالصفة المذكورة في الآية.
والغريب: أنه حال من المضمرين في "عليكم"، كما تقول: خرج كما أراد.
قوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ) .
نزلت في شهداء بدر، كان الناس يقولون: مات فلان وذهب عنه نعيم
الدنيا ولذاتها، فأنزل الله، بل هم أحياء، أي في البرزخ يرزقون، كقوله:
بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
стр. 100
وجاء في الخبر: "أرواحُ الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ تسرحُ في الجنةِ".
واستبعد هذا قوم، وليس فيه استبعاد، لأن حياتهم ورزقهم وفرحهم في القبر
مع امتناع أجسامهم عن التصرف تشبه حال النائم، وقد قال الله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) ، ثم إنه يرى في نومه أنه يأكل ويشرب ويفرح
ويغتم، وجثته غير متصرفة كنكاح النائم.
والغريب: ما ذكره القفال: (بَلْ أَحْيَاءٌ) ، أي سيحيون فيثابون، وقال
أيضا: لا تقولوا أموات بل هم أحياء في الدين، وهذا كقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ، وقال أيضاً: نهوا أن يقولوا للشهداء أموات وأمروا أن
يسموهم "شُهداء" حرمة لهم.
قوله: (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)
أي تُحسون بحياتهم: والشعر: علم يحصل بطريق الحواس الخمس.
قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) .
أراد بشيءٍ من الخوف وشيء من الجوع، وشيء من نقص الأموال
والأنفس والثمرات، ولم يقل بأشياء، كيلا يتوهم أنه بأشياء من كل واحد.
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) .
يجوز أن يكون نصباً على الصفة، ويجوز أن يكونَ مبتدأ.
(أُولَئِكَ) خبره.
قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) .
أي مغفرة، وقيل: ثناء حسن، وقيل: رحمة بعد رحمةِ.
стр. 101
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
وعن عمر ﵁ أنه قال: نعم العدلان ونعم العلاوة.
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) .
هما جبلان: وكان على أحدهما صنم يقال له إساف، وعلى الآخر
صنم يقال له نائلة، قتَحرج المسلمون الطواف بينهما، فأنزل الله هذه
الآية: وقيل: كانت الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا
يعبدون بالمشلل، وكان من أهل بها ليتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فأنزل فيهم، ومن وقف على (جُنَاحَ) وابتدأ (عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ، ففيه بعد من وجهين:
أحدهما: أن قوله ولا جناح يكرر في القرآن، وصلته عليه، والثاني: أنه
زعم أن "عليه" إغراء، والإغراء إنما يكون للمخاطب دون الغائب.
قوله: (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) .
هم الملانكة والمؤمنون، بدليل قوله: (لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) : وقيل: اللاعنون: الدواب والهوام، تقول: منعنا القطر بذنوبهم.
وجمع جمع السلامة لما وصفت بفعل العقلاء، وعن ابن مسعود ﵁ "إذا تلاعن اثنان رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحق واحد
منهما، رجعت على اليهود".
стр. 102
قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) .
تقديره: لا إله للخلق إلا هو، وهو رفع بالدل من "إِلَهَ" على المحل.
ولا يجوز فيه النصب ها هنا، لأن الرفع يدل على أن الاعتماد على الثاني.
والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول.
و (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) خبر مبتدأ محذوف، أي هو الرحمن الرحيم، أو هو. بدل من الضمير، ولا يجوز أن يكون وصفا لـ (هُوَ) لأن الضمير لا يوصف.
قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
قيل: (الخلق) زياَدة، لأن الآيات في المشاهد. وقيل: الخلق، هيئة.
وقيل: الخلق: المخلوق.
قوله: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)
الرياح، أربع: الجنوب ومهبها من مطلع سهيل، والشمال، ومهبها من مطلع بنات نعش، والصبا ومهبها من مطلع الشمس، ويقال لها: القبول أيضاً، والدبور مهبها من مغرب الشمس.
وكل ما جاء في القرآن بلفظ الجمع، فهو خير، وما جاء بلفظ الواحد، فهو شر، ولهذا قال ﵇، - كلما هب الريح -: "اللهُم اجعلها رياحاً ولا تَجعلها ريحاً ".
وقيل: إن الدبور من بينها مذمومة، والثلاث الأخر محمودةْ.
وقال ﷺ : " نُصرْتُ بالصِبا، وأُهلِكت عادٌ بالدبور".
قوله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) .
هو مصدر مضاف للمفعول، والفاعل مقدر، قال بعضهم: كحبهم الله.
وقال بعضهم: كحب المؤمنين الله، وفي هذا ضعف ل قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) ، وقال بعضهم: كالمحبة التي يجب أن تكون لله.
قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)
أي أكثر وألزم حُبًّا لِلَّهِ من الكافر للأنداد.
стр. 103
والغريب: قول الطاعن إن عبدة الأصنام والهنود يحرقون أنفسهم بين
يدي الأصنام ويطلونها بالشمع والقطران حبا لها فكيف يكون حب المؤمنين
أشد؟
الجواب: الكافر يزعم أن الصنم أمره به وأحب ذلك منه، والمؤمن لو
علم أن الله يحب ذلك منه أو أمر به، لكان أسرع إليه من الكافر، ولأن الكافر يفعل ذلك، إذا رأى معبوده، والمؤمن يرى معبوده سبحانه في الجنة. وعن سعيد بن جبير: إن الله سبحانه يأمر من أحرق نفسه على حب الصنم أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم، فيأبون، ثم يقول للمؤمنين بين يدى الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم، فيقتحم المؤمنون النار، فينادي مناد من تحت العرش: (الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) .
قوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) .
من قرأ بالياء جعل (الَّذِينَ) فاعل و (أَنَّ الْقُوَّةَ) و (أَنَّ اللَّهَ) المفعول.
والمعنى: لو رأى الذين ظلموا حينَ يرونَ العذابَ، أو يريهم الله، فيمن
قرأ يُرون بالضم. وجواب "لَوْ" محذوف، أي لآمنوا، ومن قرأ بالتاء
جعل المخاطب النبي ﷺ والمراد به غيره، والذين ظلموا المفعول وتقديره، لعلمت أن القوة لله.
ومن كسر (إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَإِنَّ اللَّهَ) (١) جعل الكلام مستأنفاً
وجواب "لَوْ" محذوفاً، وكذلك المفعول فيمن قرأ بالياء، ويحتمل أن يضمر
القول، فيكون جواباً لـ "لَوْ"، أي لقلت إن القوة، وقيل: إن القوة بدل من المفعول، وفيه ضعف.
قوله: (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ) .
"أَنَّ" في محل رفع، أي وقع لنا كرور فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، نصب على الجواب.
стр. 104
لأن "لَوْ" ها هنا بمعنى التمني، ومثله (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
قوله: (كَذَلِكَ) ، قيل: متصل بالأول، أي تجرؤوا كذلك، وقيل:
منفصل، أي الأمر كذلك، وقيل: متصل بما بعده، أي (يُرِيهِمُ اللَّهُ) ، والضمير المفعول الأول، (أَعْمَالَهُمْ) ، المفعول الثاني (حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) المفعول الثالث، أراه كذلك.
قوله: (مَا أَلْفَيْنَا) .
أي صادفنا، وفيه سؤالان:
أحدهما: لم خص في البقرة بـ (أَلْفَيْنَا) وقال في المائدة (وَجَدْنَا) وفي لقمان (وَجَدْنَا) ؟
الجواب: لأن ألفيت يتعدى لمفعولين، تقول: ألفيت زيداً صادقاً، وألفيت عمرا على كذا، و "وجدت " مشترك يتعدى مرة لمفعولين، ومرة لمفعول واحد، تقول: وجدت الضالة، ووجدت درهما، ولا تقول: ألفيت الضالة، فكان الموضوع الأول باللفظ الأخص أولى، لأن غيره إذا وقع موضعه في الثاني والثالث علم أنه بمعناه.
والسؤال الثاني: لِمَ قال في البقرةِ (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ، وفي المائدة (لَا يَعْلَمُونَ) ؟
الجواب: لأن العلم أبلغ درجة من العقل، ولهذا جاز وصف الله سجانه بالعلم ولم يجز وصفه بالعقل، وكان دعواهم في المائدة أبلغ، لقولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) ، فادعوا النهاية بلفظ حسبنا، فنفى ذلك بالعلم، وهو النهاية، وقال في البقرة: (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا) .
ولم تكن نهاية، فنفى بما هو دون
стр. 105
العلم لتكون كل دعوى منفية بما يلائمها، وفي الآيتين ضمير تقديره:
أتتبعونهم.
قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) .
فيه أقوال:
أحدها: مثل دعاءُ الذين عبدوا الأصنام، كمثل الناعق، وهو راعي الأغنام
والثاني: مثل الذين كفروا معك يا محمد كمثل الناعق مع الغنم، فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر، وله في القرآن نظائر، وهو أبلغ ما يكون من الكلام.
والغريب: قول ابن عيسى: إن مثل الذين كفروا كمثل الناعق ودعائه
الصدى في الجبل وما يشبهه يخيل إليه أنه يجاب، وليس وراء القول شيء
والعجيب: قول الفراء وأبي عبيدة: وضع الناعق موضع المنعوق
والمعنى: مثل الكفار مثل الأغنام.
وأنشد:
كانت فريضةُ ما تقولُ كما. . . كان الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ
قوله: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) .
فيه ثلاثة أسئلة "
أحدها: لم قدم به في البقرة وأخره في المائدة والأنعام والنحل؟
الجواب: لأن تقديم "الباء" الأصل وهو يجري مجرى الألف، والتشديد في التعدي، فصار كحرف من الفعل، وكان الموضع الأول
أولى بما هو الأصل ليعلم ما يقتضيه اللفظ، ثم قدم فيما سواه ما هو
المستنكر، وهو الذبح لغير الله، وتقديم ما هو الغرض أولى، ولهذا جاز
стр. 106
تقديم المفعول على الفاعل والحال على ذي الحال والظرف على العامل
فيه إذا كان ذلك أكثر الغرض في الأخبار.
والثاني: لِمَ قال في البقرة: (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ولم يقل في غيرها من
السور الثلاث، لأنه لما قال في الموضع الأول (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) صريحاً.
واكتفى في غيره تضميناً لأن قوله: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) يدل على أنه لَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
والثالث: لم قال: (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : وفيما سواها (فَإِنَّ اللَّهَ) .
الجواب: لأنه قد سبق في سورة الأنعام ذكر ما في تربية الأجسام من قوله:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) .
وفيها ذكر الحبوب والثمار، وأتبعها بذكر الحيوان من الحيوان الضأن والمعز والبقر والإبل، فكان ذكر الرب فيها أليق.
قوله: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) .
الجمهور: على أن البطون ذكرت نفياً للمجاز، لأن الأكل قد يذكر
ويراد به التصرف، تقول العرب: فلان يأكل بلد كذا، أو يذكر ويراد به
الإهلاك، تقول أكل فلان ماله من الضياع والعقار، أي أهلكها، وقيل:
تقديره، يأكلون، فيحصل في بطونهم.
و"في" متصل "به" لا بالأكل، لأن الأكل لا يكون في البطون، وقيل: (فِي بُطُونِهِمْ) حال للنار، وتقدم عليها، أي (إِلَّا النَّارَ) مستقرة في بطونهم، وسمى ما يأكلون ناراً أي مآل آكله إلى النار، وقيل: يصير عين ذلك ناراً في بطونهم يوم القيامة، فسمَّاه باسم ما يؤول إليه.
قوله: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ)
أي بكلام وتحية وسلام، وقيل: لا يبعث
стр. 107
إليهم الملائكة في التحية، وقيل: لا يسمعون كلامه، والمؤمنون يسمعونه.
وقيل لا يسمعون كلاماً يسرهم.
والغريب: لا يكلمهم كناية عن الغضب، كما تقول: فلان لا يكلم
فلاناً.
سوال: لِمَ قال في البقرة: (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) .
وقال في آل عمران: (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ) .
الجواب: بالغ في البقرة فوق ما بالغ في آل عمران، لأن في الآيات التي تقدمت أكثر، والوعيد في البقرة أكثر.
قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) .
قيل: "مَا" للاستفهام، وقيل: للتعجب، وقيل: للتوبيخ لهم.
والتعجب للمؤمنين. ومعنى: (أَصْبَرَهُمْ) قيل: أجرأهم وحكي عن
الكسائي عن القاضي باليمن، أنه اختصم إليه رجلان، فحلف أحدهما:
فقال له صاحبه ما أصبرك على الله، يريد ما أجرأك، وقيل: ما أبقاهم في
النار.
وقيل: ما أدومهم على عمل أهل النار، وقيل: جهنم.
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) .
أي ذلك العذاب سببُه، أن الله نزلَ الكتابَ، يعني التوراة بِالْحَقِّ.
فَكتموهُ، ودل أن الذين يكتمونَ عليه، وقيل: نزل التوراة بِالْحَقِّ.
فاختلفوا فيه، ودل أَن الذينَ اختلفوا عليه، وقيل: نَزل القرآن بِالْحَقِّ فلم
يؤمنوابه.
стр. 108
والغريب: ذلك الكتمان والجزاء بأن نزل القرآن بِالْحَقِّ، وأخبر فيه
أنهم لا يؤمنون، يعني: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) .
فكان كما أخبر.
قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ) .
أي لا تقع القربة إلى الله باستقبال القبلة للصلاة وحده، ولكن بأمور
أخر، ثم عدها.
قتادة: ليس البر ما عليه النصارى من التوجه للمشرق
وما عليه اليهود من التوجه للمغرب.
(وَلَكِنَّ الْبِرَّ) ، أي البار (مَنْ آمَنَ) .
وقيل: ذا البر، فحذف المضاف، وقيل: ولكن البِر بِر من آمن بالله واليوم
الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والإيمان بهذه الخمسة إيمان بجميع ما يلزم العبد من المعارف.
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)
"الهاء" تعود إلى الله، وقيل: إلى المال، وقيل: إلى الإيتاء.
والفعل يدل على المصدر.
والغريب: (عَلَى حُبِّهِ) المال أو الله - سبحانه - أو الإيتاء، وعلى هذا
يكون الحب مضافاً إلى الفاعل، وفي الأول مضاف إلى المفعول.
العجيب: على حب الله الإيتاء.
قوله: (وَابْنَ السَّبِيلِ)
يريد المسافر، وسمي بذلك لملازمته الطريق، ولم يجمع الابن، لأنه مجاز ها هنا، وقيل: ابن السبيل: الضيف
(وَفِي الرِّقَابِ)
إعانة المكاتب، وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها، وهو قريب.
قوله: (وَآتَى الزَّكَاةَ)
قيل وآتى المال تطوعاً، وآتى الزكاة فرضاً.
الشعبي: في المال حق غير الزكاة، وقيل: ذكر في الأول من توضع فيهم
الزكاة، ثم ذكر الزكاة ليعلم أن المراد بالمال الزكاة.
стр. 109
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) مع الله والناس.
و (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)
هما مصدران لا وصفان.
(وَحِينَ الْبَأْسِ) وقت القتال.
قيل: الصوم والحج داخلان في الصبر، فاشتملت الآية على جميع الواجبات كاشتمالها على جميع المعارف.
و (الْمُوفُونَ) رفع من أربعة أوجه: العطف على خبر لكن، والعطف على محل اسم لكن، والمدح، أي فهم الموفون، والعطف على ضمير من آمن، وفيه بعد لأنه لا يعطف عليه ما لم يؤكد بالمنفصل.
و (الصَّابِرِينَ) نصب على المدح عند الجمهور.
والغريب: قول الزجاج: إنه عطف على ذوي القربى لأنه لا يحال
بين الصلة وبين المعطوف على الصلة بأجنبي منها، (وَالْمُوفُونَ) أجنبي منها إلا
على الوجه الضعيف.
ويحتمل أن يكون نصباً على العطف على اسم لكن.
(الْحُرُّ بِالْحُرِّ) .
أي يقتل الحر بسب قتله الحر.
(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)
أي ترك، وقيل: تفضل عليه، وقيل: هو من عفا إذا سهل، وقيل: من عفا إذا كثر.
"له" الهاء تعود إلى "مَن" وهو ولي الدم، وقيل: إلى القاتل.
قوله: (مِنْ أَخِيهِ)
قيل: هو الولي، وقيل: القاتل، وقيل: المقتول.
(شَيْءٌ) هو الدم، وقيل: شيء من الدم إذا عفا بعض الأولياء.
(فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) على الطالب.
(وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) أي على المطلوب منه.
وقيل: كلاهما على المطلوب منه.
стр. 110
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) .
أي في شرع القصاص حياة من همَّ أن يقتل، ومن همَّ أن يقتله.
وقيل: لأنه لا يقتل بالمقتول إلّا قاتله، خلافا للجاهلية.
العجيب: قول من قال: القصاص: هو قصص القرآن، واستدل بقراءة
أبي الجوزاء "ولكم في القَصَصِ" - بالفتح -، وهو بعيد.
قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) .
الجمهور: على أن التقدير، وكتب عليكم، لكن الكلام الأول لما طال
تم حذف الواو، ويحتمل أنه تأخر عنها نزولا، فلم يحتج إلى الواو، والمراد
بقوله: (الْمَوْتُ) أسبابه، وقيل هو أن تقول إذا مت فافعلوا كذا.
و (الْوَصِيَّةُ)
رفع من وجهين: أحدهما: ب (كُتِبَ) ، والثاني: بالابتداء. وخبره
(لِلْوَالِدَيْنِ) ، وقيل: عليه مضمر فيكون، (كُتِبَ) بمعنى قيل، تكون الجملة
محلية، وهذا أحد قولي الفراء، وإلى هذا ذهب الأخفش أيضاً، فقال:
(إِنْ تَرَكَ) شرط، وجزاؤه (الْوَصِيَّةُ) فحذف الفاء. وفي قوله ضعف، لأن
حذف الفاء من جواب الشرط بعيد، وفي ارتفاع الوصية ب (كُتِبَ) كلام، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، فيبقى إذاً بلا عامل.
وقول النحاس: النية التقديم على تقدير كتب الوصية إذا حضر.
سهو لأن المصدر مثلاً إذا تقدم تقدم بصلته، وإن تأخر تأخر بصلته، ولا يجوز أن يتأخر البعض ويتقدم البعض، وقيل: العامل فيه الِإيصاء، وتقديره، كتب الإيصاء إذا حضر