← Тафсир

Тафсир · id 12820

غرائب التفسير وعجائب التأويل

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الغريب: الربوبية والتأنيث لا يجتمعان، وإبراهيم ﵇ اعتقد أنه الرب - سبحانه - على قول ابن عباس، أو حكى عنها أو أظهر على قول سائر المفسرين، وقد بينتها في "لباب التفاسير". قوله: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) . نصب استثناء منقطع. قوله: (شَيْئًا) مصدر شاء، تقول: شئته شيئا وشيا. قوله: (عِلْمًا) ، نصب على التمييز، لصرف الفعل عنه. قوله: (أَتُحَاجُّونِّي) ، من خفف حذف النون التي قبل الياء، نحوة ليتي وليتني، وليست النونَ التي تقع علامة للرفع، لأنها لا تحذف في حال الرفع. وإنما كسرت لتصحَ الياء، فاستدلال القائل بالكسر باطل. قوله: (دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) . من أضاف: جعلها المفعول به، ومن نوَّن، جعل "مَنْ نَشَاءُ" المفعول به و "دَرَجَاتٍ" نصب بحذف الجار، أي نرفع مَنْ نَشَاءُ إلى درجات. وقيل: صفة لمصدر محذوف، أي رفعة ذات درجات. وفي الآية: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ذهب الجمهور إلى أن "على" متعلق بقوله "حُجَّتُنَا" وهذا مدفوع عند المحققين، لأنه لا يحال بين المصدر وصلته بأجنبي من المصدر، وحيل ها هنا بقوله: "آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ". وذهبوا إلى أنه متصل بفعل مضمر دل عليه "حُجَّتُنَا"، أي بحتج على قومه. الغريب: يحتمل أنه خبر بعد خبر، كما تقول: هذا لك وهذا عليك. ويحتمل أيضاً أن تكون حالاً لقوله، "حُجَّتُنَا" أي ئابتة على قومه.

стр. 282

قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) . "الهاء"، تعود إلى نوح، وقيل: تعود إلى إبراهيم. الغريب: من لا يمكن حمله على الذرية في القولين فهو عطف على قوله: "ونوحاً" فإن لوطا لم يكن من ذرية إبراهيم، وإلياس لم يكن من ذرية نوح، فيمن قال إلياس هو إدريس. قوله: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) . "الهاء" للاستراحة عند الجمهور، وقراءة ابن عامر "اقتده" بالحركة مستبعدة (١) ومختلسة محمولة على "الهاء" كناية عن المصدر، وإلى هذا ذهب أبو علي، وأنشد: هذا سُرَاقَةُ للقرآن يدرُسُهُ والمرء عند الرُّشا، إنْ يَلَقَهَا ذيبُ أي يدرس درساً. قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) . قال بعض النحويين: "مَا" الأول للنفي، والثاني للجحد. وعند المحققين هما سواء والآية نزلت في مالك بن الصيف، وكان يخاصم النبي ﷺ ، فقال النبي: "أنشدك بالذي أنزل على موسى التوراة، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " - وكان هو حبراً سمينا -، فغضب، فقال: "والله مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ"، وكان يومئدٍ بمكة، فلما رجع إلى المدينة عزلته اليهود وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف - وذهب

стр. 283

بعض العلماء إلى أن هذا في حق علماء اليهود خاصة، فإنهم المسمون بالأحبار، وقيل: إن هذا منسوخ كسائر أحكام التوراة، وقيل: نزلت في فنحاص. قوله: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ) ، أي تكتبونه في قراطيس، فحذف الجار. وقيل: ذا قراطيس، فحذف المضاف. قوله: (يَلْعَبُونَ) حال وليس بجواب. قوله: (أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) . "أَنْزَلْنَاهُ" جملة في محل رفع بالخبر، و "مُبَارَكٌ" خبر بعد خبر. قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) . نزلت في مسيلمة والأسود العنسي، وروى معمر عن الزهري، أن النبي ﷺ قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فكبر عليَّ، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء اليمن الأسود العنسي، وكذاب اليمامة هو مسيلمة. ولقد أظهر نظماً زعم أنه يضاهي به القرآن وذلك مثل قوله: يا ضفدع نقي نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين

стр. 284

ولا النهر تفارقين. فبلغ هذا الكلام أبا بكر ﵁ فقال: إن هذا الكلام لم يخرج من إلٍّ (١) . وحكى أبو القاسم بن حبيب في تفسيره: أن مسيلمة لما بلغته سورة (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ، زعم أن عيزائيل أتاه بمثلها: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل كافر. قال: "وعيزائيل هذا لم يخلقه الله بعد، قال: وزعموا: أن طليحة بن خويلد لما بلغته سورة الفيل: قال لقومه: لقد أنزل عليَّ مثلها، ثم قرأ: الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل. ولما نزل، (والعاديات ضبحاً) . قال العنسي لقومه: لقد أنزل عليَّ مثلها والزارعات زرعا والحارثات حرثاً والحاصدات حصداً، فالكادسات كدسا والطابخات طبخاً والعاجنات عجناً فالخابزات خبزا، والثاردات ثردا فالآكلات اكلاً، حتى قال بعض المجان هلا أتمها فقال: والخاريات خرياً. قال: ولقد عارض قوم القرآن بضرب آخر من المعارضة، فصلى بعضهم بقوم فقال: أفلح من هينم في صلاته وأخرج الواجب من زكاته وأطعم المسكين من مخلاته وذب عن بعيره بشاته واجتنب الفحش وداعياته أدخله الله غدا جناته. قال الشيخ: فاسمع هذه الترهات البسابس التي لا أصل لها ولا فرع، ومن كان له أدنى مسكة وفهم علم، أن هذه وأضرابها احتذاء على مثال وبناء على أساس لا يشبه هذا الكلام كلام الله جل ذكره بوجه من الوجوه. كيف؟؟!!! (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . قوله: (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) . ذهب جماعة من المفسرين إلى: أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح

стр. 285

كان يكتب لرسول الله ﷺ أوائل سورة المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله تعالى: (خَلْقًا آخَرَ) عجب من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فقال ﵇ اكتب فهكذا نزلت. فشك عند ذلك، فقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول: إنه يوحى إليه فقد أوحي إليّ كما يوحى إليه، وإن قال من ذاته فقد قلت مثل ما قال. وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة، لأن ارتداده كان بالمدينة، وسورة المؤمنين مكية. قوله: (فُرَادَى) . فُرَادَى، واحداً واحداً، فَرْد وفَرِد، وفارِد وفريد وأفرد وفرُد، وفِراد جمع فريد كرديف ورِداف وقرين وقِران، وقرىء في الشواذ، "فرادًا كما" - بالتنوين -. وأما فُرادى فجمع فريد، أيضاً كأسير وأسارى. الغريب: جمع فَردان كسَكران وسُكارى. الفراء: فرادى اسم مفرد على فعالى. قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) من رفعه جعله اسماً بعد أن كان ظرفاً، كما جعل اسماً في قوله ، (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) . الغريب: البين: الفراق، وقد يستعمل بضده، وهو الوصل، أي تقطع

стр. 286

وصلكم، فعلى هذا اسم وليس بظرف، ومن قرأ بالنصب: فله وجهان: أحدهما: أن الفاعل مضمر، ومن نصب على الظرف، فتقديره، لقد تقطع وصلكم بينكم، وأول الآية يدل عليه. والثاني: وهو الغريب: قال الأخفش: إذا نصب فمعناه معنى المرفوع، لكن جرى في كلامهم منصوباً ظرفاً تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام (١) ، قال، ومثله (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) ومثله: (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) ، ف "دُونَ" في موضع رفع عنده. العجيب: قول من قال: تقطع ما بينكم، فحذف الموصول، فإن ذلك لا يجوز، أو الموصوف، فإن ذلك إنما يسوغ مع المفرد. قوله: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) . من كسر القاف أضمر فمنكم فمستقر ومنكم مستودع، ويكون المستودع المفعول ليوافق الأول في الاسمية، ومن فتح القاف أضمر فلكم. والمستقر المكان، لا غير، لأنه لازم، ويحمل المستودع على المكان أيضاً. وإن كان له صلاحية المفعول ليوافق الأول. قوله: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) : ابن عباس: خالق الحب والنوى، الجمهور، فالق الحب عن السنبلة وفالق النواة عن النخلة، وكل نبات فعن حب أو نواة. الغريب: مجاهد: هو الشقاق الذي في الحب والنواة. العجيب: مظهر ما في حبة القلب من الأخلاق والرياء.

стр. 287

(فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) . أي فالق ما به يحصل الإصباح، والإصباح: مصدر أصبح، إذا دخل في الصبح، وقيل: شقاق عمود الصبح. الغريب: الإصباح ضوء الثسمسِ بالنهار، وضوءُ القمرِ بالليل، قاله ابن عباس. قوله: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) ، من أضاف نصب سكنا بفعل مضمر دل عليه جاعل، أي جعله سكناً، وكذلك قوله: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) أي جعلهما ولا ينتصب باسم الفاعل عند البصريين، لأنه بمعنى الماضي، وأجاز ذلك الكوفيون. قوله: (حُسْبَانًا) الأخفش، أي بحسبان، فحذف الجار كقوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) . قال: والحسبان: مصدر حسب، والحساب الاسم. الجمهور: حُسبان جمع حساب، كشهاب وشهبان. والمعنى: جعل سيرهما بحساب ومقدار. الغريب: يجريان بحساب إلى نهاية آجالهما. العجيب: قتادة: جعلهما ضياء ونوراً من قوله: (حسباناً من السماء) . أي نهاراً. ومن العجيب: إنما قال حسبانا - بالنصب - من غير الباء ليفيد اعتدال نظام العالم، وذلك، أن الله قدر أن يكون لها ثلاث حركات، إحداها: تحريك المحيط للكل من النقطة وإليها في كل يوم وليلة

стр. 288

مرة واحدة، والثانية، حركة فلكهما الخاص لهما بخلاف تلك الحركة من المغرب إلى المشرق. والثالثة، ما لكل واحد منهما من الحركة في فلكهما. قوله: (فَأَخْرَجْنَا) . بعد قوله: (أَنْزَلَ) محمول على سعة الكلام وتلوين الخطاب، وله نظائر. الغريب: قول من قال: لا يمتنع أن يكون تقديره، قولوا فأخرجنا نحن بني آدم منه نبات كل شيء بتراب الأرض وطرح البذر وغرس الشجر، لأن النخل والرمان والعنب والحنطة والشعير، لا ينبت حتى يغرس، ويطرح البذر، ولولا الماء ما نفع طرح البذر ولا غرس الشجر، فيكون معنى فأخرجنا: أخرجنا ما أنبت الله بفلاحتنا إلى الانتفاع به. قوله: (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) أي رزقَ كل شىء، وقيل: نبات كل نبت. قوله: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ) قيل: من النبات، وقيل: من الماء. قوله: (خَضِرًا) أي نباتاً أخضرَ وخَضِرة وأخضر بمعنى. قال الأخفش: هو كما تقول العرب: أرِنِها نَمِرة ارِكِها مَطِرة. قوله: (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) كان القياس قنوانا دانية كما في مصحف أنس، عطفاً على نبات، وللرفع وجوه، أحدها: ومن النخل نخلا من طلعها قنوان، فحذف نخلا، وفيه بعد. الثاني، وكذلك من النخل من طلعها قنوان، كما تقول: ضربت زيداً وعمرو، أي وعمرو كذلك. الثالث: ولكم من النخل من طلعها قنوان.

стр. 289

قال الشيخ الإمام: الغريب: يحتمل أنه محمول على مضمر دل عليه أخرجنا، أي ويخرج من النخل من طلعها قنوان، تقويه قراءة من قرأ: يخرج منه حبٌّ متراكب ": ومثله: (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) ، أي أنبتكم وتنبتون نباتا. قوله: (وَجَنَّاتٍ) عطف على نبات، أو على خضرا، ومن رفع فهو عطف على (وَمِنَ النَّخْلِ) على الوجوه التي سبقت. وقول من قال: لا وجه للرفع لأنه لا يكون من النخل نبات فكلام لا طائل تحته، وقنوان جمع قتو كصنوان جمع صنو، وجمعهما على صورة التثنية حالة الرفع، ولا نظير لهما. قوله: (دَانِيَةٌ) أي دانية وغير دانية، فاكتفى بأحد الضدين، وقيل: دانية بعضها من بعض وقيل: دانية من المجتنى. قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) . له وجهان: أحدهما، أن التقدير، وجعلوا الجن شركاء لله، فالجن المفعول الأول، وشركاء المفعول الثاني، قدم على الأول. و"لِلَّهِ" متعلق بـ "شُرَكَاءَ". والثاني أن "شُرَكَاءَ" المفعول الأول و "لِلَّهِ" واقع موقع المفعول الثاني، "الْجِنَّ" بدل من الشركاء، وهذا الوجه أبلغ وأحسن لأنه يتضمن فائدة شريفة لا توجد في الوجه الأول، وذلك أنه يفيد إنكار الشركاء أصلاً، والإنكار يجري مجرى النفي، وعلى الوجه الأول يفيد إنكار كون الجن شركاء لله دون غيرهم، تعالى أن يكون له شريك أو شبيه، ومثله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) ، ومثل هذا في احتمال الوجهين قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) . ولكنه ليس فيها من

стр. 290

الترجيح ما في الآية الأولى، والآية نزلت في الزنادقة، وهم المجوس. قالوا: إن الله وإبليس أخوان، الله خالق النور والناس والدواب والأنعام. وإبليس خالق الظلمة والحيات والسباع والعقارب، فمنهم من قال: الشيطان قديم، ومنهم من قال: إن الله قد فكر في عظم ملكه، فتولد من فكره، ومنهم من قال، بل شك في قدرته فتولد من شكه الشيطان، وقيل: الجن صنف من الملائكة، وإبليس منهم. قوله: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ) أي قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. فجمع موافقة للبنات، وزعمت طائفة منهم، أن الله صاهر الجن فولدت الجنية أولادا إناثاً هم الملائكة، وهو قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) "تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً". قوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) . فإن قيل: زعمت النصارى أن مريم هي صاحبته؟ الجواب: الصاحبةُ تقتضي المجانسة، والله تعالى منزه عن الجنس والنوع، فإذاً ليس له صاحبة ولا بنون ولا بنات - سبحانه -. قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) سؤال، لِمَ قال في هذه السورة: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . وقال في المؤمن: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فقدم (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . الجواب: لأن في هذه السورة تقدم ذكر الشركاء وذكر البنين والبنات، يأني بعده بما يدفع قول من يجعل له شريكاً، فقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ، ثم قال: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، وفي المؤمن تقدم ذكر الخلق في قوله:

стр. 291

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) ، وكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان لا على نفي الشريك، فقدم في كلِّ سورة ما اقتضاه ما قبله من الآيات. قوله: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) . فيه قولان: أحدهما: أنه عطف على مضمر أي ليستمعوا وليقولوا. الثاني: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ، صرفناها، وقرىء في المعروف دَرَسْت) ، وفيه وجهان، أحدهما قرأت وتعلمت. الثاني - وهو الغريب -: وليقولوا درست علينا هذه قبل اليوم، فيذكروا بالثانية الأولى. ودارست وله وجهان: أحدهما: دارست أهل الكتاب وتعلمت من أبي فُكيهة وجبر ويسار. الغريب: دارستنا قيل هذا كما قيل في درسْتَ. ودرسَتْ، وله وجهان: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا أحدهما: هذه آيات دَرَسَتْ وتقادمت ولم يأت محمد إلا بما أتى به مَن قبله. الثاني - وهو الغريب -: لئلا يقولوا دَرَسَتْ وانمحَتْ ولا يأتينا محمد بغيرها. واللام لام العاقبة على ثلاث تأويلات، ولام كي على ثلاث. قوله: ((لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) . يجوز أن تكون حالًا عن ربك، ويجوز أن تكون اعراضا بين الأمرين. ويجوز أن يكون بدلاً مما أوحي. قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) . أي لوشاء أن لايشركوا ما أشركوا، فمفعول شاء مضمر. وقوله: (مَا أَشْرَكُوا) جواب "لو".

стр. 292

الغريب: لو شاء الله لاستأصلهم، فقطع سبب شركهم، وقيل: لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى الإيمان. قوله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ) الآية. أجمع المفسرون على أن "مَا" للاستفهام، وفاعل (يُشْعِرُكُمْ) مضمر يعود إلى "مَا"، والمفعول الثاني محذوف، أي إيمانهم، ثم استأنف، فقال: إنها - أي الآيات المقترحة -، إذا جاءت لا يؤمنون. ومن فتح جعله بمعنى لعل. قال الخليل: العرب تقول: أئت السوق أنك أن تشتري لحماً. أي لعلك. وذهب الكوفيون إلى أن "لا" زائدة، وتقديره وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فيكون "مَا" مبتدأ، (أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) خبره. والعائد إلى "مَا" محذوف بعد حذف الجار منه. والثالث: النفي، وتقديره: "وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ"، بل أخبركم بقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ) الآية. ويحتمل النفي وجها آخر، وهو أن تجعل معنى "وَمَا يُشْعِرُكُمْ" وما يظهرها لكم، أي الآيات عند الله، وما يظهرها لكم، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، وإنها إذا جاءت - بالكسر - على الاستئناف. قوله: (أَوَّلَ مَرَّةٍ) . نصب على الظرف، أي أول مرة أتتهم الآيات، يريد انشقاق القمر وغيره، وقيل: أول زمن موسى، يعني أسلافهم. الغريب: نقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا. ابن عباس: لو رددناهم إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الإيمان كما حيل أول مرة في الدنيا.

стр. 293

قوله: (بِهِ) ، قيل: بالله، وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد ﷺ . الغريب: "بِهِ" يعود إلى التقليب. العجيب: يعود إلى الآيات. قوله: (غُرُورًا) . حال، وقيل: مصدر، لأن معنى (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ، بعضهم بعضاً، وقيل: مفعول له. الغريب: بدل من "زُخْرُفَ الْقَوْلِ". قوله: (وَلِتَصْغَى) . في اللام ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لام العاقبة، والواو زيادة وقيل: لام كي، وهو عطف على المعنى، أي ليغروهُ ولتَصغَى. وقال أبو حاتم: هي لام القسم، والأصل، لتَصْغَينَّ، وهذا مذهبه في مواضع. العجيب: هو لام الأمر. وهذا يدفعه إثبات الألف، ولا يأتي إلا في شعر شاذ لا يقاس عليه. قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) . "غَيْرَ" مفعول و "حَكَمًا" حال. الغريب: لا يمتنع أن يكون "حَكَمًا" مفعولًا به و "غَيْرَ" صفته. قوله: (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) ، المضمر في منزل رفع، وهو المفعول الأول و "مِنْ رَبِّكَ" المفعول الثاني و "بِالْحَقِّ" حال من الضمير. الغريب: "بِالْحَقِّ" المفعول الثاني و "مِنْ رَبِّكَ" حال. قوله: (صِدْقًا وَعَدْلًا) مصدران وقعا حالين، أي صادقة عادلة.

стр. 294

الغريب: منصوبان على المصدر. قوله: (أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ) . لا عمل لقوله: (أَعْلَمُ) في "مَن"، لأن المعاني لا تعمل في المفعول به، ولا تعلق المعاني أيضاً، بل فيه إضمار دل عليه (أَعْلَمُ) ، أي يعلم، و "مَن" في محل نصب، كقوله: (يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) . وقيل: في محل رفع، كقوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) ، وهذا أولى. الغريب: نصب بنزع الخافض. العجيب: محله جر بالياء، لأنها منْويَّة، و "بِالْمُهْتَدِينَ" يدل عليه. ولا يجوز أن يكون جراً بالإضافة - تعالى الله عن ذلك - وقول أبي علي في الحجة: "وليس ربنا من المضلين عن سبيله، فيضاف إليهم" محمول على قراءة الحسن: "أَعْلَمُ مَنْ يُضِلُّ" - بالضم. سؤال: لِمَ قال في هذه السورة: (أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ) بحذف الباء، وقال في القلم: (أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ) بإثباته؟. الجواب: لأن ما فىِ هذه السورة معناه: يعلم أيهم يطيعه من قوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) . وما في القلم معناه: أعلم بما كان وبما يكون عن أحوال من ضل، بدليل قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) . (+ ( البقرة ٢٢٠ ٢ الكهف ١٢ ١٨. الحجة في علل القراءات الغ، لأبى علي الفارص ج ٢ ص ٤، ٠ الحر الححيط ٤ ٢١٠ القلم ٧ ٦٨ الرهان ٧٤. الأظ م ٦ ٦ ١ ١ ١ لأ عشر اف ٢٣. ٧ ٢٣ القلم ٥ ٦٨، ٦. ٣٨٢

стр. 295

قوله: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) . ذهب كثير من المفسرين إلى أن التقدير: إنكم لمشركون إن أطعتموهم، ولهذا لم يأتِ بـ "الفاء"، وهذا بعيد، لأنك إذا قلت: إذا دخلت الدار أنت طالق، يقع في الحال، ولو قلت: أنت طالق إن دخلت الدار، يكون تعليقا، ولا يحمل الأول على التقديم بل الوجه في ذلك ما ذهب إليه المحققون، أن التقدير لئن أطعتموهم إنكم لمشركون، فلم يحتج إلى الفاء لأن هذه اللام لام توطئة القسم، فيجابُ بما يجاب مِن ما ولا وإنَّ واللام، وكل ذلك في القرآن، و "الفاء" مقدر مع القسم، فإن حذفت اللام من "لئن" عاد إلى الشرط فاستدعى الجزم أو الفاء أو إذا، فإن وقع موقع الجزاء ما يصلح جواباً للقسم، جاز حذف "الهاء" كما في هذه الآية وكما في قوله: (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، وفي قوله: (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) . قوله: (زُيِّنَ) . أي زيَّنهُ الشيطان، وقيل: زيَّنهُ الله. الغريب: ابن بحر، "زُيِّنَ" في مثل هذا لا يحتاج إلى فاعل كـ "أُعجِبَ و " جُنَّ " و " زُهيَ"، و " عُني"، وبابه. قوله: (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) . أي جعلنا بها أكابرَ المجرمين كما جعنا بسائر البلاد. وأضاف "أَكَابِرَ" إلى "مُجْرِمِيهَا" لأن أفعل إذا كان للتفضيل لا يستعمل إلا مع مِن أو مع الألف واللام أو الإضافة، ولا يجمع إلا مع الألف واللام أو الإضافة. الغريب: ذهب جماعة من المفسرين لا يحصى عددهم إلى أن التقدير

стр. 296

جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وهذا زائف، والوجه ما سبق. قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . حيث ها هنا اسم محض وليس بظرف، وهو مفعول به، والعامل فيه "يعلم" الذي دل عليه (أَعْلَمُ) كما سبق. قوله: (صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) عند الله من صفة المصدر، وهو صغار. وقيل: صفة، أي صغار ثابت. وقيل: متصل بقوله: "سَيُصِيبُ". قوله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) . "صَدْرَهُ"، المفعول الأول لـ يجعل "ضَيِّقًا" المفعول الثاني. وقوله (حَرَجًا) جاز أن يكون وصفاً لـ "ضَيِّقًا". وجاز أن يكون مفعولًا بعد مفعول وهو الغريب. ومثله: رمان حلو حامض. (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) حال من المضمر في "ضَيِّقًا". قوله: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) . نصب على الحال، والحال على ثلانة أوجه: حال دائم، نحو: هذا، ونحو: قوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) وحال، طارىء نحو: جاء زيد راكباً، وهو، الكثير. وحال مقدر نحو: (خَالِدِينَ فِيهَا) . قال سيبوبه: وذلك نحو قولك: مررت برجل معه صائداً به غداً. الغريب: يجوز أن يكون حالاً عن "هَذَا" أي هذا مستقيماً صراط ربك.

стр. 297

قوله: (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) . أما استمتاع الإنس بالجن، فهو أن العرب إذا نزلت وادياً أو سلكوا مفازة استعاذوا بالجن، وقالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شرِّ سفهاء قومه. وكانوا يعتقدون أن الأرض ملئت جناً، وإن لم يُدْخِله جني في جواره خَبّلَهُ الآخرون، وكذلك إذا قتلوا صيدا استعاذوا بهم، لأنهم يعتقدون أن هذه البهائم للجن منها مراكبهم هو ما كانوا يأخذونه من الجن بالإنس، فهو إغواؤهم وإضلالهم، وقيل: هو قولهم: لقد سدنا الجن والإنس، وقيل: معنى استمتع بعضنا ببعض، بعض الإنس ببعض الإنس. قوله: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) لا يخلو "مثوى" من أن يكون مصدرا أو مكاناً، فإن جعلته مصدرا امتنع أن يكون خبراً عن النار، وإن جعلته ظرفاً امتنع أن يعمل في الحال، والوجه أن يجعل مصدراً ليعمل في الحال ويضمر ذات فيقال النار ذات مثواكم، ليصلح أن يكون خبراً. قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) قيل: قبل الدخول، وقيل: سوى ما شاء الله، وقيل: إلا ما شاء الله من الزيادة في العذاب والنكال. الغريب والعجيب: ابن عباس: جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدته إلى مشيئة الله، حتى لا يحكم في خلقه أحد. قوله: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) . أي نسلط بعضهم على بعض من التولية. قتادة: هو الموالاة، أي نتبع بعضهم بعضا في النار. وقيل: من الولاية، المؤمن ولي المؤمن، حيث كان، والكافر ولي الكافِر حيث كان، وقيل: نكل بعضهم إلى بعض.

стр. 298

وعن النبي ﷺ : "يقول الله: لا إله إلا أنا، مالك الملوك، قلوبهم ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ أُعطِّفْهم عليكم ". قوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) . جمهور المفسرين على أن رسل الجن من الإنس، وغلب الإنس على الجن في قوله: "مِنْكُمْ". الغريب: ابن عباس: رسل الجن هم المنذرون في قوله: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) . العجيب: قال الضحاك: بَعث إلى الجن رسلاً منهم كما بعث إلى الإنس رسلًا منهم. قوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ) . أي دركات، فاكتفى بأحد الضدين، وقيل: هذا للمؤمنين، ثم أوعد الكافرين بقوله (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) . قوله: (مَا يَشَاءُ) أي من يشاء. (مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) أي قرناً بعد قرن. الغريب: "مَا" بحالهِ والمعنى: بأن يخلف محالف لجنسكم، فيكون "مِن" بمعنى بدل، كقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً) أي بدلكم.

стр. 299

فَلَيْتَ لنا من ماءِ زَمَزَم شَرْبَةً. . . مبَرّدَةً باتت على طَهيان قوله: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) . "مَن" جاز أن يكون رفعاً وجاز أن يكون نصباً، وهو متصل بقوله: (تَعْلَمُونَ) وليس برأس آية. سؤال: لم قال في هذه السورة: (فَسَوْفَ) - بالفاء، وكذلك في الزمر. وقال في هود: (سَوْفَ) ؟ الجواب: لأنه تقدم في السورتين قل، فأمرهم أمر وعيد، بقوله: (اعملوا) أي: اعملوا فستجزون، ولم يكن في هود قل، فصار استئنافاً، وقيل: إني عامل سوف تعلمونه، أي تعرفونه وتعرفون عمله، واختلف القراء في عدها آية في الزمر بعد إجماعهم على أنها ليست رأس آية في سائر السور. قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) . أراد بالشركاء الأصنام وسدنتها الذين كانوا يحملونهم على وأد البنات وذبح البنين بالنذر عند قضاء الحاجات. وارتفاع قوله: (شُرَكَاؤُهُمْ) من وجهين: أحدهما:بـ "زَيَّنَ" والثاني بالمصدر، لأنهم حملوهم على القتل، وفاعل "زَيَّنَ" هو الله سبحانه الشيطان، وهذا الوجه غريب، وقراءة ابن عامر "زُيَّنَ" - بضم الزاي - "قَتْلُ" رفع "أَوْلَادَهِمْ" نصب "شُرَكَائِهُمْ" جر، عالية في الإسناد موافقة لإمامهم،

стр. 300

وإن كانت نازلة في الإعراب، ولأن الإحالة بين المضاف والمضاف إليه بالشعر كثيرة. قال: . . . . . . . . . . . . . . . . لِلَّهِ درُّ اليومَ مَنْ لامَها وقال: كما خُطّ الكتاب بكفِّ يوماً. . . يَهودِيٍّ يُقَارِبُ أو يُزيلُ وقد حيل بينهما بالمفعول، قال: تَنْفِي يداها الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ. . . نَفْيَ الدَّراهيمِ تَنْقَادُ الصَّيَاريفِ يريد نفي الصياريف الدراهمَ تنقادها، وقد حيل بينهما بالفاعل، وهم العجيب. قال: تَمُرُّ على ما تَسْتِمِرُّ وَقَدْ شَفَتْ. . . غَلائِلَ عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا صُدُورِهَا قوله، (هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) . التأنيث للمعنى، لأنه للأجنة، والتذكير للفظ، وقيل: هي للمبالغة كالنَّسَّابة، وقيل، هي مصدر كالعافية والعاقبة، وهذا أظهر، قال: وَكُنْتِ أمنِيَّتِي وَكُنْتِ خَالِصَتِي. . . وَلَيْس كلُّ امْرِىءٍ بِمُؤتَمَنِ

стр. 301

قوله: (وَصْفَهُمْ) أي جزاء وصفهم. (افْتِرَاءً) مفعول له، الزجاج: مصدر، لأن قوله: (لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ) معناه يفترون. قوله: (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) . حال مقدر كما سبق، لأنها ساعة إنشاءِ الله إياها لا يكون عليها أُكُل. الغريب: أنشأها بقوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فأعلم أنه أنشأها مختلفة أكلها، والهاء تعود إلى كل واحد، وقيل: إلى الزرع. الغريب: أكل ذلك. قوله: (وَفَرْشًا) . الغنم، والإفراش، الإضجاع للذبح. الغريب: الفرش من الأنعام ما قربت جثته من الأرض. العجيب: الفرش ما اتخذ من أصوافها وجلودها. قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) . بدل من الحمولة، وقيل: تقديره، وأنشأنا ثمانية أزواج، فحذف، لأن الأول يدل عليه، والقولان واحد. قوله: (أَوْ فِسْقًا) . الجمهور على أنه عطف على ما قبله، من قوله: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) ، وفيه نظر، لأن قوله: (أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) من الموصولات،

стр. 302

ولا يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليها بأجنبي. وقوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) أجنبي، ووجه ذلك، أن يجعل عطفاً على محل أن (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) خبره، ومحله نصب بالاستثناء، أي، إلا كون الطعام ميتة، وليس قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) كقوله: " ما جاءني القوم لا يكون زيداً "، و"ليس زيداً" في أن الضمير الذي يتضمنه في الاستثناء لا يظهر، وكذلك انتصاب قوله: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) بالعطف على محله فيمن من رفع ميتة، ومن نصب، فانتصاب الدم واللحم من وجهين: من العطف على المحل، أو العطف على الخبر. الغريب: قولُ من قالَ تقديره أو أهل لِغير الله به فسقا. فجعله مفعولًا. لأن الحيلولة بالأجنبي باقية، فإن عطفته على "يكون" وتقديره أو أن أهل لغير الله به فسقاً، صح هذا الوجه. والعجيب: قوله من قال: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) اعتراض لا يكون إلا بالأجنبي. وقد سبق أن الإحالةَ بينهما بالأجنبي ممتنعة. قوله: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ) . من متصل بـ "حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ". الغريب: متصل بـ "حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ"، وتكون الثانية لبيان المبهم. قوله: (أَوِ الْحَوَايَا) هي جمع حاوية، وحاوياء، ووزنها فواعل، وإليه ذهب سيبويه. وقيل: واحدها حوية ووزنها مفاعل، ومحلها من الإعراب رفع عطفاً على "ظُهُورُهُمَا"، أي حملت ظهورها أو حملت الحوايا. وقيل: محلها نصب عطفاً على "مَا حَمَلَتْ"، أي إلا ما حملت أو الحوايا.

стр. 303

الغريب: محلها نصب بالعطف على شُحُومَهُمَا.. أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: يريد، الإلية، وقيل: المخ، وهذا الوجه يكون حراماً. قوله: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ) ، "ذلك" في محل نصب على أنه المفعول الثاني، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ومثله (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) . وقرئ: " كل" - بالرفع -) . قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) . سؤال: لمَ قال في هذه السورة على هذا النسق، وزاد في النحل: "مِنْ دُونِهِ" مرتين؟. الجواب: لأن لفظ أشرك دل على إثبات شريك لا يجوز إثباته. فلم يحتج إلى ذكر دونه، ودلَّ أيضاً إلى بيانه بخلاف لفظ عبد، فإن العبادة غير مستنكرة، وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله - سبحانه - ولا تدل العبادة أيضاً على تحريم كما دلَّ عليه أشرك، فلم يكن بدٌّ من تقييده بقوله: (مِنْ دُونِهِ) . قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) . لهذِهِ الآية وجوه: أحدها: أنْ "مَا" نُصب ب "أَتْلُ" أي أَتْلُ الذي حرمه ربكم. "عليكم"، صلة لـ "أَتْلُ" و "أَلَّا تُشْرِكُوا" بدل من "مَا" أو من "الهاء" المحذوفة، ومحله نصب، وقيل محله جر، وتقديره، لأن لا تُشْرِكُوا، فيكون المتلو عليهم ما تقدم في السورة من الآيات التي فيها ذكر المحرمات. وقيل: محله رفع، أي هو أن لا تُشْرِكُوا، وحذف النون للنصب في هذه الوجوه. وقيل: "أنْ" هي المفسرة لا محل له، "لا تُشْرِكُوا" جزم بالنهي. والوجه الثاني: أنّ ما نُصب ب "حَرَّمَ"، وهو الاستفهام، وتقديره: أَتْلُ أي شيء حرم

стр. 304

"رَبُّكُمْ"، ومعنى "أَتْلُ" أقل، و "عَلَيْكُمْ" من صلة "حَرَّمَ" و "أَلَّا تُشْرِكُوا" بدل من "مَا" وهو نصب، وتكون "لا" صلة أي حرم عليكم الإشراك، ويحتمل الرفع أيضاً كالأول، أي هو أن تشركوا فتكون "لا" صلة أيضا، ويحتمل الجر، أي حرم ما حرم وأحل ما أحل، لأن لا تشركوا، فيكون في موضعه. ويحتمل أن تكون المفسرة، أي لا تشركوا فتكون نهياً. والوجه الثالث: أن تكون ""عَلَيْكُمْ" إغراء، و "أَلَّا تُشْرِكُوا" في محل نصب، و "لا" للنفي وحذف النون من الفعل للنصب، والكلام في "لا تقتلوا" وما بعده، كالكلام في لا تُشْرِكُوا. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي أحسنوا، ودلَّ "إِحْسَانًا"عليه، وقيل: أوصيكم بالوالدين، ودلَّ "ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ" عليه، ولا تتعلق "الباء" بالمصدر لما سبق أن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم على المصدر. قوله: (نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) ، وقال في سبحان: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) . الجواب: لأن المتقدم في الآية (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) ، وفي سبحان (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) يقع بهم أي بالأولاد نحن نرزقهم وإياكم. قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا) . "ثُمَّ" مع الجملة يقع موقع الواو. قال: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ. . . ثُمَّ قَدْ سَادَ بَعْدَ ذَلِكَ جَدُّهُ. الغريب: التراخي في الأخبار، أي ثم أخبركم أنا آتيا موسى الكتاب، وقيل: ثم قل يا محمد آتينا موسى الكتاب.

стр. 305

قوله: (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي أحسن الله إلى موسى، وقيل: أحسن موسى من قيامه بأوامرنا. وقيل: أحسن موسى، أي علم موسى. الغريب: أي على الذين أحسنوا، وهم الأنبياء، كقوله: وإنَّ الذي حَانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ. . . هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ العجيب: أجاز بعض الكوفيين أن يكون (أَحْسَنَ) اسماً في محل جر صفة للذي، وهذا لا يجوز عند البصريين. ومن العجيب أيضاً: قول من قال: إن "الذي" بمعنى "مَا" إلمصدر، أي تماما على إحسانه، ومن العجيب أيضاً أحسن إبراهيم. قوله: (أَنْ تَقُولُوا) : (أَوْ تَقُولُوا) . متصل بـ "أَنْزَلْنَا"، أي كراهة أن تقولوا ولئلا تقولوا. الغريب: متصل بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، أي تتقون أن تقولوا. وعلى هذا يجوز ان يتعلق بقوله: "وَاتَّقُوا"، أي (وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) . قوله: (لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) قيل هو من الاهتداء، أي أشد اهتداء، وقيل: من الهداية، لأنه لا يهدى إلاَّ مهتد. قوله: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) . دليل من قال: إن الإيمان لا يشترط في صحته العمل. قوله: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) دليل على أن العمل مع الإيمان شرط، وأو يدل على صحة القولين.

стр. 306

قوله: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) . ذُكِّرَ لإضافة الأمثال إلى مؤنث. أي فله عشر حسنات أمثالها. قوله: (دِينًا قِيَمًا) . من شدد جعله من قوله (لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) ، ومن قرأ (قِيَمًا) بكسر القاف - جعله مصدراً كالصغر والكبر. قال حسان: وتَشهَدُ أنك عبد المليك. . . وأرسلتَ حقاً بدين قِيَم وقيل: أصله قياما، حذف ألفه. الغريب: قول من قال: هو جمع قيمة، لأن المعنى لا يحتملها. قوله: (دِينًا قِيَمًا) منصوب بالبدل، من قوله "صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، لأن محله نصب حيث تقول هديته الطريق وإلى الطريق. وقوله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) بدل من قوله: (دِينًا قِيَمًا) . وقوله: (حَنِيفًا) حال من إبراهيم. قوله: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) . نصب على أنها صفة مصدر محذوف، أي رفعةً فوق رفعةٍ، وقيل: إلى "دَرَجَاتٍ"، فحذف الجار، وقد سبق. الغريب: رفعته درجة مثل كسوته ثوباً، فهو مفعول به، وارتفع درجة بمنزلة اكتسى ثوباً - والله أعلم -.

стр. 307

سورة الأعراف (المص) . حكمه حكم الحروفِ الواقعةِ في أوائل السور، وتختص هذه السورة بما قيل: أن المص معناه المصور. الغريب: معناه: ألم نشرح لك صدرك. قوله: (حَرَجٌ مِنْهُ) . الهاء تعود إلى الكتاب. الغريب: تعود إلى الإنذار، لأنه مقدم فى المعنى، تقديره، كتاب أنزِل إليك لِتنذِر بِهِ فلا يكن في صدرك حرج منه. العجيب: تعود إلى تكذيب الكفرة إياه. قوله: (وَذِكْرَى) محلها رفع عُطِف على كتاب، وقيل: نصب على المصدر وقيل: جر عطف على محل اللام في "لِتُنْذِرَ" أي للإنذار وذكرى. وقوله: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ) . محل "كَمْ" رفع بالابتداء، "مِنْ قَرْيَةٍ" بيان لـ "كَمْ". "أَهْلَكْنَاهَا" صفة للقرية، والمعنى، أردنا إهلاكها ليقع مجيء البأس. قيل: للإهلاك، وقيل: أهلكناها بالخذلان. وقيل: مجيء البأس والهلاك معاً. الغريب: معنى (فَجَاءَهَا) ، فصحَّ أنه قد جاءها. وقوله: (فَجَاءَهَا) خبر المبتدأ، وذهب بعضهم إلى أن الخبر "أَهْلَكْنَاهَا"،

стр. 308

والأول أظهر، ويجوز أن يكون "كم" في محل نصب بفعل مضمر بعد "كم" تقديره، وكم من قرية أهلكناها أهلكناها، أو فجاءها فجاءها، ولا يجوز أن تقدر قبل "كم" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) الجمهور على أنه حال. قال الفراء: الأصل، أو وهم قائلون، فحذف الواو، وأنكره الزجاج، وقال: العائد من الجملة قام مقام الواو فلمْ يحتج إليه. وأنا أذكر فصلاً يكون حَكَماً بين الشيخين: اعلم أن الحال إذا كانت جملة من مبتدأ وخبر، فالغالب عليها الواو، فإن كان في الجملة عائد يعود إلى ذي الحال، حسن الحذف وحسن الإثبات، فإن كان مبتدأ الجملة ضمير ذي الحال لم يكن بد من الواو، نحو: جاءني زيد وهو ضاحك، وضربت عمرا وهو قائم، لو قلت: جاءني زيد هو ضاحك وضربت عمراً هو قائم لم يصح، ثم نرجع إلى الآية فننظر أن العائد من قوله سبحانه (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) كيف هو، فنظرنا والعائد إلى ذي الحال هو مبتدأ الجملة التي وقعت حالًا، لأن تقدير الآية، وكم من أهل قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا بياتاً أو هم قائلون، فصح أن الفراء أصاب وعذره من حذف الواو والاستقبال من الجمع بين "أو" و "الواو". الغريب: أن قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) ليس بحال بل التقدير فيه فجاءها بأسنا بياتاً أو حين هم قائلون، ولا بد من هذا التقدير، لأن المفسرين عن آخرهم فسروا بياتاً ليلا، فيكون (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) نهارا وقت القيلولة، فصار بمنزلة قولك حيث زيداً حين هو قائم، ولا يمتنع الحال أيضاً بأن يحمل قوله بياتاً على بائتين، فكأنه قال: فجاءهم بأسنا بائتين أو هم قائلون.

стр. 309

قوله: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ) . هي في محل نصب بالخبر، (أَنْ قَالُوا) في محل رفع، كقوله: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) ، ويجوز على الضد، والوجه هو الأول، لأن "أَنْ قَالُوا" أكثر تعريفاً لامتناعه عن الوصف، وما كان تعريفه أبلغ كان بالاسم أولى. (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) . نصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ظرفا، فأخبر المبتدأ. والثاني: أن يكون صلة للمصدر. الثالث - وهو الغريب -: أن يكون مفعولًا للمصدر على الاتساع كما تقول الوزن الدراهم حق. حكاه أبو علي في الحجة. والحق يرتفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون خبر المبتدأ. والثاني: أن يكون صفة المبتدأ. والثالث: أن يكون بدلاً من الضمير المرفوع الذي في الخبر. - وهو الغريب - حكاه أبو علي. ولو قدمت الحق على يومئذ جعلت يومئذ خبرأ جاز، ولم يجز على الوجهين الآخرين. قوله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) . سبق في البقرة. والغريب: ما ذكره النحاس: أنه ينتصب على الظرف. قوله: (اسْجُدُوا لِآدَمَ) . الغريب: النقاش: إن الله أسجد الملائكة لآدم مرتين، مرة عند تمام خلقه، وهو قوله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) الآية، ومرة عند قوله: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) وهذا خلاف قول سائر المفسرين.

стр. 310

قوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) . الجمهور على أن لا زائدة، وقيل: معناه ما دعاك إلى أن لا تسجد. وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه، فكأنه قيل: أي شيء اضطرك إلى أن لا تسجد. والغريب: معناه ما الذي جعلك في منعه من عدائي. الغريب: المنع بمعنى القول، أي من قال لك لا تسجد. وهذا ضعيف، لأنه يقتضى الخبر. قوله: (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) . سؤال: لِمَ قال في هذه السورة بغير فاءين، وقال في الحجر وص: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) وزاد فيها فاءين؟. الجواب: لأن قوله: (أَنْظِرْنِي) في الأعراف استئناف كلام إبليس من غير مبني على ما سبق من الكلام بخلاف ما في الحجر وص، فإنه مبني فيهما على الكلام السابق وهو لعنةُ الله إياه، ولهذا في زيدَ فيهما "رَبِّ"، وقيل: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) ، أي إن بعثتني يا رب فأخر أجلي إلى يوم البعث. فأما حذفه من قوله (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) في الأعراف فلأن ذاك أيضاً استئناف إخبار من الله سبحانه يجري مجرى الجواب لا استجابة، ألا ترى أن السؤال مقيد بقوله (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) والجواب مطلق، وهو قوله: (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أي أنت من الذين أخر أجلهم في حكمي لا لأجل مسألتك ودعائك، وأما ما في الحجر وص، وإن كان إخبارا يجري مجرى الجواب لا استجابة لدعوته ولا إسعافاً لطلبته لأنه سأل النظرة إلى يوم القيامة، فقال الله سبحانه (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وهو يوم الموت، ولهذا

стр. 311

قال بعض المفسرين: أراد اللعين أن يهرب من الموت فلم يستجب إليه. فقد وجد فيها نوع من المطابقة وهو تقييد الجواب بقوله: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) ، وإن كان لفظا لا حكما، وفي المطابقة زيادة اتصال بما قبله، وفي الفاء معاقبة والتزام، فكان الفاء في السورتين أحسن - والله أعلم -. قوله: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) . "مَا" المصدر. الغريب: "مَا" للاستفهام، وفيه ضعف، لأن ألفه تحذف مع الجار، إلا في الشعر. العجيب "مَا" للجزاء، وهذا سهو. ذكره الثعلبي. و"الباء" للقسم، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: للسبب. الغريب: بمعنى البدل، وقيل: بمعنى مع. قوله: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) قال في الأوليين بلفظ "مِنْ" لابتداء الغاية، وفي الأخريين بلفظ "عَنْ" لأن "عَنْ" يدل على الانحراف. قال ابن عباس: لم يقل من فوقهم، لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه توحش. الغريب: لم يقل من تحتهم، لأنه لم يرض لنفسه أخسِّ الجهات. قوله: (وَقَاسَمَهُمَا) . حلف لهما، فاعَلَ بمعنى فعل كقولهم: عافاه الله، وعاقبت اللص. الغريب: قاسمهما من المقاسمة، وذلك أن إبليس، قال لهما إن كان

стр. 312

ما قلته خيراً، فهو لكما دوني، وإن كان شراً فهو عليَّ دونكما، ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين، وهذه مقاسمة. قوله: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي ناصح لكما من الناصحين، فاللام متعلق بناصح مضمر، ولا يجوز تعلقه بالناصحين، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وذهب بعضهم إلى أنه للتبيين، وتقديره لكما من الناصحين ينصحون، فلكما متعلق بينصحون. الغريب: أجاز بعضهم أن يعمل الناصحين في اللام إذا كان لتعريف الجنس والعهد، لأن المانع من العمل فيما قبله كونه بمعنى الذي فحسب. قوله: (رَبَّنَا) . يريد يا رَبَّنَا. الغريب: كثر حذف يا في القرآن من الرب تنزيها وتعظيماً، لأن في النداء طَرَفاً من الأمر، إذا قلت: يا زيد افعل واصنع. قوله: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) . أي خلقنا، وذكر بلفظ الإنزال ليدل على علو المرتبة، ومثله (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ) . الغريب: أنزل الماء، وهو أصل كل ملبوس من القطن والكتان. وكذلك الصوف والابريسم بواسطة النبات، فسماه باسم ما يؤول إليه. العجيب: أنزل أصل كل شيء مع آدم ﵇، حين أهبط إلى الأرض. (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) ستر العورة، وقيل الإيمان ببعث الرسل، وإنزال القرآن. وقيل: الصوف والخَيْش، وقيل: الحناء، وقيل: هو لبس ما يتقى به من الحر والبرد وهو الغريب.

стр. 313

العجيب: ولباس زيادة كما زيد في قوله: (لِبَاسَ الْجُوعِ) أي والتقوى ذلك غير. قوله: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) . أي اثبتوا على الإيمان ولا تكونوا من حزب الشيطان، وهذا كقوله (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) . قوله: (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) حال من الضمير في "أَخْرَجَ". قوله (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) قال الزجاج: ما بعد "حيث" صلة له. قال أبو علي: هذا سهو، بل ما بعده جملة أضيف إليها حيث قياساً على ظرف الزمان في الإضافة إلى الجمل. قوله: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) فريقاً الأولى منصوب "بهدى"، والثاني منصوب بفعل دل عليه (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) ، أي وأضل فريقاً كما تقول زيداً مررت به وعمرا نزلت عليه. الغريب: كلاهما منصوب على الحال من الضمير في تعودون يقويه قراءة ابن مسعود، "وتعودون فريقين" (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) . قوله: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) . كانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانت المرأة تطوف عريانة فتعلق على سِفْلها سيورا يسمونها الرَهْط، قالت واحدة منهن:

стр. 314

اليوم يبدو بعضُه أو كله. . . وما بدا منه فلا أحِلُّه. تعني الفرج، فأمروا بلبس الثياب وستر العورة في الطواف وعند الصلاة، وقيل: هو التزين بأحسن الثياب في الجمع والأعياد. وقيل: هو التزين في كل صلاة لقوله: (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) . الغريب: (خُذُوا زِينَتَكُمْ) المشط. العجيب: (خُذُوا زِينَتَكُمْ) رفع الأيدي مع التكبير في الصلاة. قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) أي كلوا واشربوا اللحم والدسم واللبن، ولا تسرفوا بالشروع في الحرام. الغريب: ولا تسرفوا فتجاوزوا الحد في الأكل والشرب. وقد روي أن الرشيد كان له نصراني حاذق، فقال لعلي بن حسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان - فقال له علي: جمع الله الطب في نصف آية من كتابه وهو قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) . فقال النصراني: وما روي عن نبيكم شيء من الطب؟. فقال علي: جمع رسول الله ﷺ الطب في كلمات وهو قوله: "المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء، وأعط كل بدن ما عودته". ففال النصراني: ما ترك كتابكم ولا رسولكم لجالينوس طباً. قوله: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قرىء "خَالِصَةً" - بالرفع والنصب -، قوله: "هِيَ" مبتدأ،

стр. 315

"لِلَّذِينَ آمَنُوا" خبر المبتدأ، و "فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" ظرف. وأجاز أبو علي أن يكون "فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" الخبر و "لِلَّذِينَ آمَنُوا" الظرف وإن تقدم عليه، كقولهم: أَكُلَّ يوم لك ثوب. ولا يجوز أن يكون متعلقا ب "أَخْرَجَ"، لأنه لا يحال بين صلة الموصول وما يتعلق بالصلة، وأجاز أبو علي أن يتعلق ب "حَرَّمَ". و"خَالِصَةً" رفع من وجهين: أحدهما: أنه خبر المبتدأ، أي هي خالصة للذين آمنوا. والثاني: أنه خبر بعد خبر، وللنصب وجهٌ واحدٌ وهو الحال، وذو الحال الضمير الذي في أحد الظرفين، والعامل في الحال الفعل الذي تضمنه ذلك الظرف. الغريب: قال الفراء: "خَالِصَةً" قطع، وليست بقطع من اللام الملفوظة لكنها قطع بلام، أخرى مضمرة المعنى هي للذين آمنوا مشتركة في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة خالصة. قوله: (فِي أُمَمٍ) . أي مع أمم، وهي حال، أي ادخلوا مجتمعين معهم في النار. قوله: (ضِعْفًا) الضِعف في اللغة، المثل أو الشيء المضاعف. ابن عباس: مضاعف بالحيات والأفاعي. الغريب: الضعف، القسط. العجيب: الضِعف هنا العذاب. حكاه الماوردي. قوله: (غَوَاشٍ) . حذف ياؤه حذفا، ولما كان هذا الحذف جائزاً في الآحاد كالمهتد والداع والمُناد، وكان جائزاً في الأفعال، نحو (نَبْغِ) : و (يَوْمَ يَأْتِ) .

стр. 316

صار في الجمع لازماً، ولما حذف الياء سقط عن زنة الجمع ودخل في زنة الآحاد، فدخله التنوين، وقيل: التنوين عوض عن الياء، وقيل: عوض عن ذهاب حركة الياء، والوجه الأول. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) . سؤال: لِمَ نال في هذه السورة: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) ، وقال في هو: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) بزيادة "هُمْ"؟. الجواب: لأن ما في الأعراف على القياس، وما في هود لما تقدم من قوله: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ) ، ثم قال: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) . ولم يذكر بلفظ الكناية احتمل أنهم هم، ويحتمل أنهم غيرهم، أعاد ذكرهم ليعلم أنهم هم المذكورون. قيل الغريب: قول من قال: أنه للتأكيد، وهذا ضعيف، لأن ذلك إنما يزاد مع الألف واللام، أو مع أفعال أو مع المستقبل. قوله: (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ) . الأعراف، السور المذكور في قوله: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) . وقيل: الأعراف أعالي السور، وأعالي كل شيء أعرافه، وهو جمع عُرْف، والغرْف: ما ارتفع من الأرض، وقيل: الأعراف، واحد، كثوب أسمالٍ وبرمةٍ أعشارٍ. واختلفوا في أصحاب الأعراف، فذهب بعض المفسِّرين إلى أنهم الأنبياء وقيل الملائكة سموا رجالًا كما في قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا) ، وقيل: هم العلماء، وقيل: الصالحون، وقيل: الشهداء، وهم عدول الآخرة. فهؤلاء ارتفع شأنهم في الدنيا والآخرة،

стр. 317

وقيل: هم قومٌ استَوَت حسناتهم وسيئاتهم، وعن النبي ﷺ "إنهم قوم خرجوا إلى الجهاد وهم عصاة لآبائهم، فقتلوا فأعتقهم الله من النار لأنهم قتلوا في سبيل الله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهما. وقيل: هم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، أو أمهاتهم دون آبائهم، وقيل: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم. الغريب: الأعراف من المعرفة، والمعنى: على معرفة الكفار والمؤمنين، "رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ". العجيب: هم أولاد الزنا، وقيل: هم أولاد المشركين، وقيل: هم المراؤون. قوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) الجملة التي "وَهُمْ يَطْمَعُونَ" حال من الضمير، وقيل: لا محل لها من الإعراب، وهي جملة مستأنفة. الغريب: معناه: دخلوها وهم يطمعون، فنقل النفي من الطمع إلى الدخول، قاله الأنباري. قوله (بِسِيمَاهُمْ) هي فِعْلَى من السومة، وهي العلامة. الغريب: هي من الوسم، كالجاه من الوجه. قوله: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) . مفعوله محذوف، أي شيئاً، ويجوز أن تكون من زائدة على مذهب الأخفش. الغريب: هذا إعلام أن الآدمي لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان معذبا أشد العذاب. العجيب: الكُدْية من عمل أهل النار.

стр. 318

قوله: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا) ، القياس حرمه لأن السؤال بلفظ أو، لكن أو قد تجري مجرى الواحد نحر جالس الحسن أو ابن سيرين، فله أن يجالسهما. قوله: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) . متصل بما قبله، أوحكاية. الغريب: استئناف، ومتصل بقوله: (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ) . قوله: (فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ) . (فَصَّلْنَاهُ) صفة لكلتاب، (عَلَى عِلْمٍ) حال من ضمير الفاعل، أي ونحن عالمون بتفصيله، ويجوز أن يكون حالًا من ضمير المفعول، أي على علم في الكتاب، (هُدًى وَرَحْمَةً) حالان من الهاء أيضاً. قوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) . الجمهور: على أنها ستة أيام من أيام الآخرة، كل يوم مقداره ألف سنة. الحسن: ستة أيام من أيام الدنيا، أولها الأحد وآخرها الجمعة، وإنما خلقه في أيام ليشاهد الملائكة حدوث شيء بعد شيء. الغريب: خلق كل يوم ما خلق بقوله: (كُنْ) فكان من غير استيعاب اليوم في ذلك. العجيب: كان مستحيلا خلقه في أقل من تلك المدة لاجتماع المتضادات فيها، والله - سبحانه - غير موصوف بالقدرة على المستحيلات. ابن بحر: خص الستة لأنها أصل جميع الحِسْبان، ومنه يتفرع سائر العدد بالغاً ما بلغ. قوله: (عَلَى الْعَرْشِ) فيه أقوال، أحدها: السرير،

стр. 319

والثاني: الملك، فقال لمن ذهب ملكه وعزه قلً عرشه. والثالث: السقف، من قوله: (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) . قال وقوله: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ، الهاء يعود إلى الخلق يريد بناءه وسقفه قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) أي يُغْشِي الليل النهار والنهار الليل، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. الغريب: الليل ظرف، أي يغشي في الليل النهار وضوءه. فالليل ظرف. والنهار مفعول به. العجيب: لما كان كل واحد من الليل والنهار صالحاً أن يكون المفعول الأول وصالحاً أن يكون المفعول الثاني، اكتفى به. ومن العجيب أن يجعل أحدهما غير معين للظرف والآخر للمفعول به. قوله: (حَثِيثًا) أىِ محمولاً على السرعة من حثه يحثه، وقيل: مصدر (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) أي الخلق كله والأمر فيهم، وقيل: الخلق العظيم والأمر النافذ. الغريب: إشارة إلى ما في أول الآية من الخلق وما في آخرها من الأمر وهما واحد. قوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . هو الذي يدعو على من لا يستحقه، وقيل: هو الذي يسأل الله درجة الأنبياء والمرسلين. الغريب: هو الذي يرفع صوته عند الدعاء، فإن أبا موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فأشرف القوم على وادٍ فجعل القوم

стр. 320

يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال ﵇: "اربَعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريبا إنه معكم". العجيب: الاعتداء في الآية، السجع في الدعاء، حكاه هشام في تفسيره. قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ) . ذُكِّر حملاً على الغفران أو على الثواب. الأحفش: المراد به المطر. قال الكوفيون، إذا أردت بالقرب والبعد قرب الزمان والمكان أو بعدهما فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. الغريب: القرب يعني المُقَربة، فيكون من باب كف خضيب وعين كحيل. قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى) . أي كما أحييا هذا البلد بإخراج الثمرات نخرج الموتى من القبور. الغريب: روى عن ابن عباس وأبي هريرة: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عاماً كمني الرجال من ماء تحت العرش. يدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم وكما ينبت الزرع من الماء حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم يلقى عليهم نومة ينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية
следующие страницы →