الغريب: معناه، استحقوا العذاب، ولولا مكانك منهم واستغفار
المؤمنين لعُذبوا، وقيل وما لهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة، وقيل: يوم
بدر.
قوله: (إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) .
المكاء: صوت يشبه صوت المكاء وهو طائر معروف اشتقاقه من مكا
يمكو، وهو أن يجعل بعض أصابع اليمنى ببعض أصابع اليسرى في فمه، ثم
يصفر، والتصدية: ضرب إحدى اليدين على الأخرى، واشتقاقه من الصدى، وهو أن تسمع مثل صياحك من أماكن تمنع الصوت من النفوذ.
الغريب: المكاء من مك الفصيل، والتصدية من صد يصد.
وقيل: مكاؤهم: أذاهم وتصديتهم: إقامتهم.
العجيب: معناه صلاتهم ودعاؤهم، غير رادين عليهم ثوابا إلا كما
يجيب الصدى الصائح.
قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) .
"مَا" هي الموصولة، و "غَنِمْتُمْ" صلته، والضمير محذوف.
وقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) خبر "أَنَّ"، ومحله رفع، والتقدير، فالأمر أن لله خمسهُ.
ودخل الفاء الخبر، لأن المبتدا إذا كان موصولاً حسن دخول الفاء الخبر.
ومثله، (أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) ، و (أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) .
الغريب: (أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) فَعَلَى (أن لله خمسة) محذوف الجار.
العجيب: قول من قال الفاء للعطف، وخبر "أنَّ" محذوف
стр. 352
تقديره: واعلموا أنما غنمتم من شيء يجب أن يقسم فاعلموا أن لله خمسه، لأن الخبر لا يحذف إلا بدليل.
ومن العجيب: قول الفراء: إن "مَا" للشرط، ودخل الفاءُ جزاءَ الشرط.
لأنه لا يجوز إدخال "أن" على ما الشرطية.
قوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) .
العرب تبني من بناتِ الياء الفعلى بالواو نحو الرُعْوَى من رعيت.
والتَقْوى من تقي، والبُقْوى من بقي، وتبني من بنات الواو الفعْلى بالياء، نحو: الدنيا من دنوت، والعُليا من علوت، وشذ القصوى كما شذ استحوذ ولححت عينُه، ولو كان في غير القرآن لجاز القصيا على الأصل المستمر.
قوله: (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)
(وَالرَّكْبُ) ، رفع بالابتداء، و (أسفل) صفة محذوف هو الخبر، أي مكانا أسفل إلى سباحة البحر. وفي الركب قولان:
أحدهما: جمع راكب، وكذلك أخواته.
والثاني: أنه اسم للجمع، وليس بجمع راكب بدليل التصغير، فإنك تقول فيه ركيب، وحريب في جمع حارب، ولو كان جمع راكب لقلت: رويكبون.
قوله: (وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا)
أي جمع بينكم ليقضي الله.
وقوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ)
هذا اللام بدل من لام ليقضي.
الغريب: هو عطف، أي ليقضي وليهلك، فحذف الواو.
стр. 353
وقوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)
سؤال لِمَ ذكر أحدهما بلفظ الماضي والأخر بلفظ المستقبل؟
عنه ثلاثة أجوية:
أحدها: ليهلك من حكم الله بهلاكه ويحيى من حكم الله بحياته.
والثاني: ليحكم بهلاك من هلك وليحكم بحياة من حي.
والثالث: ما ذكره ابن السراج: أن الماضي والمستقبل والحال ألفاظ يجوز وقوع بعضها موقع بعض إذا لم يورث التباساً.
ولم يكن في الآية التباس، فجاز.
قوله: (فِي مَنَامِكَ) ، أي في رؤياك.
الغريب: الحسن في جماعة: فِي مَنَامِكَ، أي في عينيك.
وزعموا: أن المنام موضع النوم، وهذا ضعيف، لأن المنام يصلح للمصدر
والزمان والمكان، ويريد بالمكان مكان النائم وموضعه، وأما كيفية النوم
ومنشؤه فليس يختص بالعين دون غيرها من الحواس.
قوله: (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) .
أي دولتكم وقدرتكم ونصرتكم.
الغريب: هي الريح الحقيقية إذا كانت في قوم ظفروا، ولهذا قال ﷺ : (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
قوله: (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) .
هذا من كلام إبليس، وذلك، أنه أتى قريشا يوم بدر في صورة
سراقة بن مالك بن جعثم، فقال، لا غالب لكم اليوم من الناس، أي من
جنس الناس.
الغريب: من كثرتكم، و (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) أي مجير.
стр. 354
(فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)
رجع القهقرى، وهو الرجوع إلى وراء.
(وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) ، فقال له أبو جهل: يا سرافة أفرارا من غير قتال، فقال: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) ، يعني الملائكة، (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)
قيل: كذب عدو الله، وقيل: أخاف الله عليكم.
وقيل: خاف أن يكون الوقت الذي انظر إليه قد حان.
وقيل: خاف من الملائكة.
الغريب: مثله مثل الشاعر، حيث قال:
وكتيبةٍ لبَّسْتها بِكتيبةٍ. . . حتى إذا التبست نَفَضتُ لها يدي
قوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) .
محله رفع على خبر المبتدأ، أي صنيعهم كصنيع آل فرعون.
وقيل: نصب، أي نفعل بهم فعلنا بآل فرعون.
(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) جر بالعطف، ويجوز أن يرنفع بالابتداء.
(كَفَرُوا) خبره.
قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) (١) .
التاء للخطاب، أي لا تَحْسَبَنَّ يا محمد الذين كفروا، فهم المفعول
الأول، وقوله: (سَبَقُوا) جملة في محل المفعول الثاني.
ومن قرأ بالياء، فله ثلاثة أوجه:
أحدها ولا يَحْسَبَنَّ محمد الذين كفروا سبقوا، فيكون كالأول.
والثاني: أن يكون الذين كفروا هم الفاعلين، وضميرهم المفعول الأول، أي
إياهم، وسبقوا المفعول الثاني.
والثالث: وهو الغريب: أن يضمر "أنْ" فيصير مع "سبقوا" واقعا موقع المفعولين، وهو قراءة ابن مسعود.
стр. 355
العجيب: قول من قال: "أنْ" مقدرة هنا، وتقديره: أنهم - بالتشديد -.
فخفف لأنه إذا خفف لا يلي الفعل إلا بواسطة، كقوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) ، و (أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) و (حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، فيمن رفع.
ومن نصبه جعله المخففة، وهي لا تمتنع من الوقوع بعد حسبت.
قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
"مَن" في محل رفع من وجهين:
أحدهما: بالعطف على قوله: (اللَّهُ)
والثاني: بالابتداء، أي: (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، كذلك.
وقيل: نصب عطفا على محل الكاف كقوله: (مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) .
والمعنى: يكفيك ويكفي المؤمنين.
الغريب: محله جر بالعطف على الكاف، ولا يجوز العطف على
ضمير المجرور إلا بإعادة الجار، عند البصريين.
قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) .
رفع بالابتداء، و (مِنَ اللَّهِ) و (سَبَقَ) صفتان للمبتدأ.
والخبر مضمر، أي تدارككم.
قوله: (لَمَسَّكُمْ) جواب لولا.
ولا يجوز أن يجعل (سَبَقَ) خبراً لكتاب، لأن خبر "لولا" لا يظهر على أصل سيبويه، ويجوز أن يقدر قد مع سبق، فيكون حالا من المضمر في قوله: (مِنَ اللَّهِ) لأن التقدير: كتاب ثابت من الله.
قوله: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) .
سؤال: لِمَ قدم في هذه السورة (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)) ، وأخر (فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
стр. 356
وقدم في سورة براءة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وأخر (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ؟.
الجواب: لأن ما في سورة الأنفال وقع بعد آيات تقدت، وفيها ذكر
المال والفداء والغنيمة من قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)
(لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) ، يريد من الفداء، و (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) .
فكان تقديم ذكر المال أليق بها.
وما في سورة براءة وقع بعد آيات تقدت، وفيها ذكر الجهاد في سبيل الله، وهي (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) .
وأقرب من هذا قوله: (كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
ثم استأنف، فقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
فكان هذا لفظا لما قبله. والله أعلم.
стр. 357
سورة التوبة
وقيل: سورة التوبة.
الغريب: الفاضحة والمبعثرة والمنفرة والمثيرة، والبحوث كلها
من أسماء هذه السورة.
فوله (بَرَاءَةٌ) .
يرتفع من وجهين:
أحدهما: بالابتداء، و "مِن" صفته، و "إِلَى الَّذِينَ"، خبره، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنها قد وصفت.
والثاني: أن يرتفع بالخبر، والمبتدأ مقدر وتقديره: هذه السورة أو هذه الآيات براءة، فيكون "من" و"إلى" صلته، ولا يمتنع أن يكون من صلته على الوجه الأول، لأن الصلة تقرب النكرة من المعرفة، كما أن الصفة تقربها منها.
قوله: (وَأَذَانٌ) .
عطف على قوله: (براءة) علي الوجه الثاني، فيكون "من" و "إلى"
و"يوم الحج" كلها صلة له.
قوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ) (١) مفعول لـ "أَذَانٌ"، ولا يحسن العطف على (بَرَاءَةٌ) على الوجه الأول، لأن "مِن" يصير صفة أو صلة
ويصير "إلى" خبراً له، فيبقى يوم الحج بلا عامل.
ويمتنع (أَذَانٌ) من العمل فيه.
стр. 358
وفي (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ) .
فإن قلت: ثابت يوم الحج بأن الله، فوجه ضعيف لا يحمل عليه ما وجد عنه مندوحة.
نزلت هذه السورة بالمدينة، وكان أبو بكر ﵁ صاحب
الموسم، فقال ﵇: " لا يبلغ عني إلا رجل مني"، فبعث
عليا ﵁ بعشر آيات، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: أربعين آية
من أول براءة وألحقه بأبي بكر، وأمره أن يتولى قراءة الآيات في الموسم يوم
النحر، فلما لحق أبا بكر قال له أبو بكر: أميرا جئت أم مأموراً، فقال علي: بل ماموراً وقص عليه القصة وقرأ الآيات في الموسم يوم النحر على جمرة
العقبة، وكان أبو هريرة مع عليٍّ.
قوله: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .
استثناء من قوله (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) .
قوله: (ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا) ، أي شَيْئًا من شروط العهد، وقرئ في الشواذ "ينقضوكم" من نقض العهد، وهذا زائف، لكن النقض أولى ليقع في مقابلة التمام في قوله: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ) .
قوله: (كُلَّ مَرْصَدٍ) .
ظرف: كما تقول: اجلس مجلسك واقعد مقعدك.
الغريب: الأخفش: على (كُلَّ مَرْصَدٍ) ، فحذف الجار.
قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) .
"أَحَدٌ" رفع بفعل مضمر دل عليه "اسْتَجَارَكَ".
قال سيبويه:تختص "إنْ" بهذا دون أخواتها، لأنها أم حروف الشرط.
وأنشد:
стр. 359
لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهلكتُه. . . وإذا هَلَكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي
قوله: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) .
أي كيف لهم عهد، واكتفى بذكر الأول.
الغريب: كيف لا تقتلونهم، وليس هذا تكرارا، لأن الأول لجميع
المشركين، وهذا لليهود، حكاه النحاس.
قوله: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) .
"اللَّهُ" مبتدأ "أَحَقُّ" خبره، و "مِن" مقدرة، أي أحق من غيره
بالخشية، و "أَنْ تَخْشَوْهُ" محله نصب، أي بأن تخشوه، فحذف الجار
الغريب: "أَنْ تَخْشَوْهُ" بدل من المبتدأ.
وقيل: "أَنْ تَخْشَوْهُ" مبتدأ "أَحَقُّ" خبره تقدم عليه، والجملة خبر للمبتدأ الأول، ومثله (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، والتقدير فخشية الله أحق من خشية غيره.
والتقدير الثاني، فالله خشيته أحق من خشية غيره.
قوله: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ) .
لا بد من أحد إضمارين: إما أن تضمر "أهل" تقول، أَجَعَلْتُمْ أهل "سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ".
وإما أن تضمر الإيمان تقول: كإيمان من آمن.
وقرئ في الشواذ: " سُقاةَ. . . وعَمَرةَ".
стр. 360
قوله: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) .
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا
عطف على محل (مَوَاطِنَ) لأن محلها نصب.
وروي عن بعض القراء الوقف على كَثِيرَةٍ، والابتداء بقوله: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) ، وفيه ضعف لأنه يبقى بلا عامل يعمل في (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) ، لأن "إِذْ" مضاف إلى قوله: (أَعْجَبَتْكُمْ) ، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، ولو جعل "إِذْ" زائدة جاز أن يعمل فيه (أَعْجَبَتْكُمْ) أو تضمر اذكر يوم حنين.
قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) .
شرط جزاؤه (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ) ، من القراء من وقف على
"عَيْلَةً" كأن جعل جواب الشرط ما يدل عليه قوله: (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ثم استأنف فقال: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) .
بالتنوين وحذفه، فمن أثبت التنوين فوجهه ظاهر وذلك أن "عُزَيْرٌ"
مبتدأ، "ابْنُ" خبره، والكل حكاية عن اليهود وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
ومن حذف التنوين حذفه لالتقاء الساكنين كما جاء: أحد الله وقال:
حميد الذي أمجٌ داره. . . أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
الغريب: حذف منه التنوين لأنه اسم أعجمي معرفة.
قال النحاس: هذا سهو من قائله، لأن عزيراً مشتق من قوله: (عَزَّرُوهُ) والياء فيه للتصغير، وهذا لا يدفع كلام من قال لا ينصرف، لأن إسحاق أيضاً يمكن
стр. 361
أن يقال فيه أن الألف والهمزة زائدتان، واشتقاته من السحق، وكذلك يعقوب وأخواته.
العجيب: حذف التنوين كما تحذف من النسب، لأن هذا أيضاً نسب
على زعم اليهود، وهذا القول ضعيف وإن كان قائلوه أقوياء، لأن الإنكار أو الرد ينصرف إلى الخبر، لأنهم قالوا تقدير عزير ابن نبينا، أو نبينا عزير ابن، فيبقى النسب بينهما: سبحانه عن ذلك.
قوله: (يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا) .
قيل: لا ينفقون الفضة فضلًا عن الذهب، وقيل: يعود إلى الكنوز.
وقيل: تقديره: يكنزون الذهب والفضة جنسين لمكان الألف واللام فيها
أجريا مجرى الجمع، كما جاء في (خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا) .
العجيب: يعود إلى المصدر، وهو النفقة، أي ولا ينفقون النفقة في
سبيل الله.
قوله: (جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) .
انما خص هذه المواضع بالكي، لأن البخيل إذا سئل، زوى وجهه أولاً.
ثم أعرض عنه، ثم ولى.
(هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) ، أي ويقال لهم: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ.
قوله: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) .
إنما دخل "إِلَّا" وليس قبله نفي، ولا يقال ضربت إلا زيداً، لأن في الإباء
معنى الامتناع، فضارعت النفي، قاله: علي بن سليمان.
الغريب: قال الفراء إنما دخلت "إِلَّا"، لأن في الكلام طرفا من الجحد.
стр. 362
العجيب: قال أبو إسحاق الزجاج: الجحد، والتحقيق ليس بذي
أطراف.
قال: أراد بالأطراف أنه لا ينوب عنه ما دونه، وأدوات الجحد ما
ولا ولم ولن وليس، وهذه لا أطراف لها، ولو كان كما أراد لجاز كرهت إلا
زيداً.
قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) .
أي على عدد البروج المذكورة في قوله: (جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) .
وقوله: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) صفة لـ "اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا" أي مثبتة (فِي كِتَابِ اللَّهِ) .
وقوله: (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) بدل من قوله: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) على المحل.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
الغريب: متصل ب (كِتَابِ اللَّهِ) ، وكتاب الله هنا مصدر، ولا يجوز تعلق
و"فِي" ولا (يَوْمَ خَلَقَ) ب (عِدَّةَ) لأنه قد حِيلَ بينهما بالخبر، ولا يجوز الإحالة بين المصدر وصلته.
قوله: (مِنْهَا) تعود إلى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وقوله: (فِيهِنَّ) تعود إلى
الأربعة، لأنك تقول في العدد من الثلاثة إلى العشر خلون، وفيهن ومنهن.
فإذا جاوزت العشرة قلت: خلت وفيها ومنها.
الغريب: لا يمتنع أن يعود إلى (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) فقد يستعمل كل واحد منهما
مكان الآخر وإن كان الأصل هو الأول.
قوله: (كَافَّةً) مصدر في موضع الحال كالعاقبة والعافية.
و (كَافَّةً) لا يثنى ولا يجمع ولا يذكر ولا يدخله الألف واللام، بل يلزمه النكرة كما يلزم أجمع المعرفة، ومثلها عامة وخاصة.
стр. 363
قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) .
النَّسِيءُ زِيَادَةٌ: مصدر نسأ الله في أجله، نسئا ونسيئا وأنسأ الله أجله
إنساء، والنَّسِيءُ أيضا فعيل بمعنى مفعول.
ابن عباس: هو تأخيرهم حرمة شهر حرمه الله إلى شهر لم يحرمه لحاجة تعرض لهم فيبدلون المحرم من صفر، وصفرا من المحرم.
وقيل: كانوا يؤخرون الحج في كل سنة شهرا فيجعلونه في المحرم ثم في صفر ثم في شهر ربيع على هذا شهرًا بعد شهر يحجون في كل شهر عامين حتى وافق حج أبي بكر ﵁ الأخير من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي ﷺ ثم حج النبي ﷺ - من قابل في ذي الحجة، فقال في خطبته: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يومَ خلق السماوات والأرض".
الغريب: كانت العرب تستعمل الكبيسة أيضاً لئلا تتغير أحوال
فصول سنتهم ووجدوا أيام السنة القمرية ثلاثماثة وأربعة وخمسين يوماً، وأيام
السنة الشمسية تزيد عليها أحد عشر يوما فكبسوا في كل ثلاث سنين شهرا
وجعلوا سنتهم ثلاثة عشر شهرا وسمُّوا ذلك النسيء، وكانت تقع شتاء وهم في جمادي الأولى وجمادى الآخرة، وصيفهم يقع في شهر رمضان وشوال.
وسمي رمضان لشدة الحَرِّ فيهِ، وكانوا على هذا حتى بعث الله
النبي ﷺ حكاه أبو ملك.
قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)
اللام متصل بالفعلين أعني يُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَهُ.
стр. 364
الغريب "اللام" متعلق بقوله (وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) ، لأن المواطأة تقع
إذا حرَّموا أربعة أشهر لا إذا أحَلُّوا.
قوله: (إِذْ أَخْرَجَهُ) .
ظرف لقوله: (نَصَرَهُ اللَّهُ) ، وقوله: (إِذْ هُمَا) بدل من (إِذْ أَخْرَجَهُ)
وقوله: (إِذْ يَقُولُ) بدل من (إِذْ هُمَا) .
قوله: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) نصب على الحال، أي منفرداً عن كل أحد إلا من
أيى بكر، والعامل في الحال (أَخْرَجَهُ) .
الغريب: (نَصَرَهُ) هو العامل.
العجيب: العامل، مضمر تقديره: أخرجه الذين كفروا فخرج ثاني
اثنين، ومعنى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) واحد من اثنين، فخامس خمسة، أي واحد من
خمسة، وكذلك أخواته.
قوله: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) ، هو غار ثور، جبل بمكة.
العجيب: الغار من الغيرة، أي غارا على دين الله، وحكاه الماوردي.
قوله: (خِفَافًا وَثِقَالًا) .
أي ركباناً ومشاةً، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: أصحاء ومرضى.
وقيل: شبابا وشِيباً، وقيل: ذا عيال وغير ذي عيال، وقيل: ذا ضَيْعة وغير
الغريب: خفة اليقين وثقل اليقين.
العجيب: خِفَافًا إلى الطاعة ثِقَالًا عن المخالفة.
стр. 365
قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) .
محا الله ذنبك، قدم العفو على العتاب، وقيل معناه: أدام الله
عفوك.
الغريب: هذا توقير ودعاء له، كما تقول للرجل: عفا الله عنك ما
صنعت في حاجتىِ، ورضي الله عنك ألا زرتني.
العجيب: حكى أبو الليث في تفسيره، أن معناه عافاك الله يا سلبم
القلب، وهذا ضعيف، لأن هذه اللفظة - وإن كانت مدحاً كقوله : (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) - فقد صارت تستعمل لمن له ركاكة في
الرأي وضعف في العزيمة.
قوله: (وَلَأَوْضَعُوا) .
كتب في المصحف بزيادة ألف، وكذلك (لا أذبحنه)
و (لا أتوها) في الأحزاب، وذلك، إن صورة الفتحة في الخطوط قبل
الخط العربي كانت ألفا، وصورة الضمة كانت واواً، وصورة الكسرة كانت
ياء، فعلى هذا كتب (لا أوضعوا) و (لا أذبحنه) فجعلوا مكان الفتحة
ألفا، وكذلك أولئك، وأولات، جعلوا مكان الضمة واوا، وعلى هذا
(وإيتائي ذي القربى) جعلوا مكان الكسرة ياء لقرب عهدهم بالخط الأول.
стр. 366
قوله: (ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي) .
نزلت في جد بن قيس المنافق، قال له رسول الله ﷺ "هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - تتخذ منها سراري ووصفاء"، فقال يا رسول الله: لفد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، فلا تفتني بهذا، فأنزل الله هذه الآية.
وكان الأصفر رجلاً من الحبشة، ملك الروم، فاتخذ من نسائهم كل وضيئة
حسناء، فولدن له بنين وبنات، وأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكُنَّ ضفراً لُعْساً يضرب بهن المثل في الحسن.
قوله: (أَوْ بِأَيْدِينَا) .
يجوز أن يكون عطفاً على "بِعَذَابٍ"، أي نتربص بكم أن يصيبكم الله
بعذاب من عنده بقارعة عظيمة أو موت، أو يصيبكم بأيدينا، أي يأمرنا
بقتالكم، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: (مِنْ عِنْدِهِ) أي عذاب من
عنده، أو عذاب بأيدينا، المعنى فيهما واحد، والتقدير مختلف.
قوله: (كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) .
سؤال: لِمَ زاد "باء" في قوله (وَبِرَسُولِهِ) وحذفها من قوله: (كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا) ، وكلاهما في هذه السورة؟
الجواب: لأن الكلام في الآية الأولى إيجاب بعد نفي، وهو الغاية في باب التأكيد، وهو قوله: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) ، فأكد أيضاً المعطوف على الله بتكرار "الباء" ليكون الكل على منهاج واحد.
وليس كذلك الآيتان بعدهما، فإنهما خَلَتا من التأكيد بالإيجاب بعد النفي.
стр. 367
قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ) .
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية: "فَلَا" - بالفاء -، وقال في الآية الأخرى
من هذه السورة: (وَلَا تُعْجِبْكَ) - بالواو -؟
الجواب: لأن الفاء تتضمن معنى الجزاء، والفعل الذي قبله
مستقبل يتضمن معنى الشرط، وهو قوله: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) ، أي إن يكن منهم هذا، ما جزاؤهم؟.
فكان الفاء هو اللائق بها، وليست كذلك الآية التي بعدها، فإن الذي قبلها
قوله: (كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا) بلفظ الماضي وبمعناه، والماضي لا
يتضمن معنى الشرط ولا يقع من الميت فعل، فكان الواو في هذه الآية
أولى.
قوله: (وَلَا أَوْلَادُهُمْ) .
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية: (وَلَا أَوْلَادُهُمْ) بزيادة "لا"، وقال في
الأخر ى (وَأَوْلَادُهُمْ) بغير "لا"؟
الجواب: لما أكد الكلام الأول بالإيجاب بعد النفي - وهو الغاية - كما سبق، وعلق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط، اقتضى الكلام
الثاني من التأكيد فوقه أو مثله، فأكد معنى النفي بتكرار "لا" في
المعطوف، فقال: (وَلَا أَوْلَادُهُمْ) ، وليس في الآية الثانية من هذا شيء.
قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية
(لِيُعَذِّبَهُمْ) ، وقال في الآية الأخرى: (أَنْ يُعَذِّبَهُمْ) .
الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن "أنْ" في هذه الآية مقدر
стр. 368
بعد اللام، أي لأن يعذبهم، وهو الناصب للفعل، فصارت كالآية الأخرى.
وزيادة اللام في هذه الآية جارية مجرى زيادة "الباء"، و "لا" للتأكيد.
والوجه الثاني: أن مفعول الإرادة في هذه الآية محذوف تقديره: إنما يريد الله أن يزيد من نعمائهم بالأموال والأولاد ليعذبهم بها بما هم فيه، وهو العذاب.
قوله: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
وفي الأخرى: (فِي الدُّنْيَا) " فحسب؟.
الجواب: لأن الدنيا في الآيتين صفة الحياة، فأثبت الصفة
والموصوف في الآية الأولى وحذف الموصوف من الآية الثانية اكتفاء بذا
الوصف، لأن الآية الأولى تدل على الموصوف، فلا يخفى على متأمل.
وقوله: (فِي الْحَيَاةِ) في الآيتين متعلق ب (تُعْجِبْكَ) ، وفيها تقديم وتأخير، أي فلا تعجك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا بجمعها وحفظها وحبها والخوف عليها، والبخل بها، والإنفاق منها، وإخراج زكاتها، وكل هذا عذاب، والأظهر في الآية الأولى متعلقة بالتعذيب، وفي الثانية متعلقة بالإعجاب وليست الآيتان متكررتين، لأن الأولى في قوم والثانية في آخرين، وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.
قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .
اختلف المفسرون والفقهاء في الفقراء والمساكين، فذهب بعضهم
إلى أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وأن المسكين قد يملك شيئاً.
وأستدل بقوله: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) ، وبأن النبي ﷺ كان
стр. 369
يتعوذ من الفقر، ويسأل الله المسكنة، ويقول: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني
مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ".
وذهب بعضهم إلى أن المسكين أسوأ حالا، وأن الفقير قد وصف بالمُلك في قول الشاعر:
أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُه. . . وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَهَدُ
واعتذر عن قوله سبحانه: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) بأنهم
أجراء، وبأن المسكنة تذكر ويراد بها النهاية في الفقر، وتذكر ويراد بها الذلة
والضعف.
كقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) ويراد بها الذلة إذا كانت فيهم.
وكذلك قول علي ﵁: "مسكين ابن آدم ينظر من شحم ويتكلم من لحم ويسمع من عظم، مستور الأجل مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقة وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة"
فكذلك قوله: (فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) أي لقوم ضعفاء.
الغريب: المسكين والفقير واحد، فكل فقير مسكين وكل مسكين فقير.
والله سماهم باسمين ليجعل لهم من الصدقة سهمين رحمة لهم، ونظرًا إليهم
قوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) .
يقال: رجلٌ أذن إذا كان يقبل كلام كل قائل ويعمل به.
وفي تسميته بذلك قولان:
أحدهما: أن الأذن هي الجارحة، وسمي لكثرة استعماله ذلك كما سمي
الجاسوس عيناً والمركوب ظهرا لكثرة الاستعمال.
والثاني: - وهو الغريب -: أنه فعل من أذن يأذن أذنا.
قال:
في سماع يأذن الشيخ له. . . وحديث مثل ماذيّ مشار
стр. 370
أي يستمع الشيخ له.
قوله: (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، سبق.
قوله: (مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
"مَنْ" شرط، (فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) ، جزاؤه، والتقدير: فالأمر أن له نار
جهنم، وقد سبق.
قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) .
أي خاضوا فيه، فحذف الجار، ثم حذف الضمير.
الأخفش - وهو الغريب -: إن "الذي" هنا بمنزلة "مَا" المصدرية.
والتقدير: خضتم كخوضهم، ومن الغريب: خضتم كالذين خاضوا، فحذف النون.
العجيب: (الَّذِي) بمنزلة "مَنْ" فكما جاء من يستمعون بلفظ الجمع.
كذلك جاء الذي خاضوا بلفظ الجمع، وفيه بعد.
قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) .
مبتدأ، خبره (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) ، وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) عطف على (الْمُطَّوِّعِينَ) ، وقيل: مبتدأ خبره مضمر تقديره: " ومنهم
الذين يلمزون، وقوله: (فِي الصَّدَقَاتِ) متعلق بـ (يَلْمِزُونَ) ، ولا يتعلق
بـ (الْمُطَّوِّعِينَ) "، لأنهم وصفوا بقوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، واسم الفاعل إذا وصف لا يعمل.
стр. 371
قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)
الصيغة صيغة الأمر والنهي، والمراد بهما الشرط تقديره، استغفر إن
شئت أو لا تستغفر إن شئت.
الغريب: الأمر والنهي واقعان موقع المصدر، أي استغفارك وترك
استغفارك سواء.
ومن الغريب: معناه، إنْ طلبت الاستغفار من الله لهم طلبك
المأمور به، أو تركت الاستغفار تركك المنهي عنه لم يغفر الله لهم.
قوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)
لما نزلت هذه الآية قال ﷺ : "لأزيدن على السبعين" فنزلت: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) .
الغريب: الغرض منه الكثرة لا العدد، كما تقول: فعلت هذا مائة مرة
وقلت: هذا ألف مرة.
الأزهري: سبعين جمع سبع الذي يراد به الكثرة.
لا الذي فوق ست ودون ثمان.
قوله: (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) .
بمعنى خلف، ونصبه على الظرف.
الغريب: (خِلَافَ) مصدر خالف، ونصبه على المصدر أو العلة.
قوله: (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) .
كان رسول الله ﷺ ، إذا دُفِن ميت قام على قبره ودعا له، فنهي عن ذلك في حق المنافقين.
الغريب: القبر مصدر قبره، أي دفنه، والقيام من قام بالشيء إذا تولاه.
стр. 372
قوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) .
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) .
وفي الأخرى (وَطَبَعَ اللَّهُ) ؟
الجواب: لأن الآية التي تقدمت هذه مبدوءة بقوله: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) ، بلفظ المجهول، والمنزل هو الله، فختم بمثله الآية التي بعدها
فقال: (وَطُبِعَ) بلفظ المجهول، والفاعل هو الله. وأما الآية الأخرى.
فأفعالها مسندة إلى الله صريحا، فختم الآية بمثله صريحاً.
قوله: (الْمُعَذِّرُونَ) .
يحتمل من الفعل وزنين، أحدهما: مفعل من التعذير، وهو التقصير في الاعتذار.
والثاني: مفتعل من الاعتذار، وهو طلب العذر من غير تصحيح، وهذا مدح، والأول ذم، ولهذا قال ابن عباس: لعن الله المعذرين، ذهب إلى أنه من التعذير، وقرىء (المعذرون) وهو من أعذر إذا أتى بعذر صحيح.
والعذر: سقوط اللوم بانتفاء التمكن.
قوله: (لِتَحْمِلَهُمْ) .
أي على الخفاف المرفوعة والنعال المدبوغة، وعن أبي هريرة، أنه
قال: قال رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: " أكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما كان منتعلَاَ".
تقول: حمله حملاً إذا أعطاه ما يركبه، وحمله حملاً إذا حمله على ظهره.
стр. 373
(وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ)
سؤال: لمَ قال في هذه الآية على هذا النسق وزاد في الآية الأخرى
(وَالْمُؤْمِنُونَ) ، فقال: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ) ؟
الجواب: لأن الآية الأولى خطاب للمنافقين، ونفاقهم لا يطلع عليه
غير الله وغير النبي، بإطلاع الله عليه.
والآية الثانية، خطاب للمؤمنين، وأولها: (اعملوا) أي الطاعات والعبادات والصدقات، وهذه يراها المؤمنون كما يراها رسول الله ﷺ .
قوله: (ثُمَّ تُرَدُّونَ)
سؤال: لِمَ قال في هذه الآية: "ثُمَّ"، وقال في الأخرى: (وَسَتُرَدُّونَ) ؟ الجواب: لأن الأول وعيد و "ثُمَّ" للتاخير.
والثاني وعد، والسين أقرب إلى الحال من "ثُمَّ"، فوافق ما قبل الآية من قوله: (فَسَيَرَى) ، فقرب الثواب وبعد العقاب.
قوله: (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا) .
أي لتعرضوا عنهم ولا توبخوهم، فأعرضوا عنهم ولا توبخوهم.
الغريب: طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت.
قوله: (أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) .
هذا الكلام تصديق من الله.
قوله: (وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) .
محل (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) جر بالعطف على (الْأَنْصَارِ) ، ويجوز أن يكون رفعا
عطف على قوله (وَالسَّابِقُونَ) .
ومن قرأ "والأنصار" - بالرفع - جعل (وَالَّذِينَ) رفع لا غير
стр. 374
وكان عمر ﵁ يقرأ: وَالْأَنْصَارُ - بالرفع - الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ.
بغير واو، فقال له زيد بن ثابت: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) ، فقال عمر: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ.
قال زيد: أمر المؤمنين أعلم، فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب، فأتاه
فسأله، فقال أبى: (وَالَّذِينَ) ، فقال عمر: فنعم إذن.
قوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ) .
مبتدأ وخبره (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا) ، أي قوم مردوا، فحدف
الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
الغريب: (مَرَدُوا) صفة لقوله: (مُنَافِقُونَ) وقد حيل بين الموصوف
والصفة بقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) ، والتقدير: وممن حولكم من الأعراب
ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق.
ويحتمل أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم مردوا.
قال قتادة: أسرَّ النبي ﷺ إلى حذيفة ﵁ اثني عشر رجلا من المنافقين لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وقال: ستة منهم تقتلتهم الدُبَيْلة - خُراج من نار تأخذ في كتف أحدهم حتى تخرج من صدره، وكان عمر ﵁ إذا مات رجل يظنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه اتبعه، قال حذيفة، قال لي عمر: أنشدك الله، أمنهم أنا، قلت: لا والله ما جعلك الله منهم.
قوله: (تُطَهِّرُهُمْ) .
إن جعلت التاء للتأنيث فالفعل صفة للصدقة، وإن جعلت التاء
للخطاب، فالفعل حال للمخاطب.
стр. 375
قوله: (وَتُزَكِّيهِمْ) للخطاب، وقد حمل على الصدقة، وفيه بعد.
ويجوز أن يكون (تُطَهِّرُهُمْ) صفة للصدقة، (وَتُزَكِّيهِمْ) للمخاطب.
وقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)
إذا ماتوا خلاف من نُهيتَ عن الصلاة عليه بقوله: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) .
قوله: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) أي يقبلها.
الغريب: نزل أخذُ النبي ﷺ منزلة أخذِ الله، لأن ذلك بأمره.
قوله: (هَارٍ) .
في وزنه قولان: فالٍ: والأصل هاير، فقلب، وحذف العين.
والثاني: فَعُل كَـ بَابٍ، فعلى هذا يجري بالإعراب، وعلى الأول يبقَى على الكسرة.
قوله: (فَانْهَارَ بِهِ) أي انهار الشفا بالبناء، وقيل: انهار البناء بالباني.
عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين
انهار.
قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا) .
قرئ بالواو وحذفه، فمن قرأ بالواو، جاز أن يكون عطفاً على ما
قبله من نحو قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ) .
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) ، ومنهم (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) ، وجاز أن يكون
استئنافا، ومن قرأ بغير الواو فله أيضاً وجهان:
أحدهما: أن يكون كالأول، لكن الواو مقدر مع الخبر المحذوف، أي ومنهم الذين، كما أن الفاء مقدر مع الفعل في قوله: (كَفَرْتُمْ) أي فيقال لهم: أَكَفَرْتُمْ، وهذا
стр. 376
غرب، حكاه أبو علي في الحجة.
والثاني: للاستئناف، إذا استأنفت به مع الواو، أو تحذف أشكل الخبر، فذهب أبو علي إلى أن الخبر مضمر.
قال: كما أضمر في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
إلى قوله: (وَالْبَادِ) .
قال: والمعنى ينتقم منهم أو يعذبون.
الغريب: قال الفراء: خبره (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) ، أي في مسجدهم.
وهذا لا يجوز عند البصريين، وقيل، خبره، (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ) .
العجيب: خبرهُ قوله: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) ، لأن تقديره: "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ" من هؤلاء أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ من الذين اتخذوا مسجداً.
قوله: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) .
القياس مذ أول يوم، لأن مذ للزمان.
الجواب من وجهين:
أحدهما: أن من للزمان وغيره، ومذ للزمان.
والثاني: تقديره: من بناء أول يوم.
قوله: (السَّائِحُونَ) .
هم الصائمون، ﷺ "سياحة أمتي الصوم".
وكانت السياحة قبل الإسلام السير في الأرض.
وقيل: المجاهدون. قال ﷺ : "سياحة امتي الجهاد".
стр. 377
الغريب: عكرمة: السائحون هم طلاب العلم، وقيل: هم المهاجرون.
قوله: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
في هذه الواو كلام.
ابن عيسى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذكران معاً، وكان له بما قبله زيادة اختصاص، ثم استمر فقال: (وَالْحَافِظُونَ) .
الغريب: قال صاحب النظم: (التَّائِبُونَ) مبتدأ، وما بعده صفة له إلى
قوله: (السَّاجِدُونَ) .
وقوله: (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) خبر المبندأ، و (وَالنَّاهُونَ، وَالْحَافِظُونَ) عطف على الخبر.
العجيب: قال بعضهم: هو واو الثمانية، وهذا شيء لا يعرفه النحاة.
واستدل قائلوه بقوله: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) وبقوله: (وَأَبْكَارًا) .
وزعموا أن الواو في قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) ، واو الثمانية، وهو
الدليل على أن أبواب الجنة ثمانية، ولهذا الكلام وجه، وإن كان
ضعيفا - وهو أن يقال: لما كان السبع من العدد مشتملا على جميع أوصاف
العدد من الزوج والمفرد وزوج الزوج وزوج المفرد، وانضم إليها الواحد
الذي هو مبدأ الأعداد وإن لم يكن هو من العدد في شيء، صار ما بعده
كالمستأنف فحسن دخول الواو عليه، وللآيات التي استدلوا بها وجوه تأتي
في مواضعها - إن شاء الله -.
стр. 378
قوله: (وَعَدَهَا إِيَّاهُ) .
فاعل (وَعَدَ) أبو إبراهيمٍ وعده أن يؤمن به، وذهب بعض المفسرين إلى
أن قوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) ، استمهال ليفكر ويتأمل.
و"الهاء" في "وَعَدَهَا" المفعول الثاني تقدم، و (إِيَّاهُ) المفعول الأول تأخر.
الغريب: " الهاء" تعود إلى المصدر وتنتصب على المصدر أيضاً، ومن
الغريب: فاعل وعد إبراهيم ﵇ وإياه أبوه بدليل قوله:
(سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) وقرىء في الشواذ "أباه".
قوله: (كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) .
(قُلُوبُ) ترتفع بـ (كَادَ) ، أي كاد قلوب فريق منهم تزيغ.
وقيل: كاد الأمر والشأن وجاز إضمار الأمر مع كاد، لأن كاد يستدعي خبراً فصار كـ باب كان، والقلوب ترتفع بقوله (يَزِيغُ) .
الغريب: فاعل (كَادَ) مضمر إلى من تقدم ذكرهم.
العجيب: فاعل (كَادَ) قولُه (يَزِيغُ) تقديره أن يزيغ، وهذا بعيد.
وقول من قال، من قرأ "بالتاء" فلا يجوز ارتفاع قلوب بكاد، ضعيف، لأنه
وإن كان نصباً جائز.
قوله: (بِمَا رَحُبَتْ) .
"مَا" للمصدر، أي برحبها.
стр. 379
قوله: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) .
قيل: الطائفة، وقيل: بقية الفرقة.
الغريب: ليتفقه كلهم، لأنهم إذا رجعوا تعلموا ممن بقي فيصيروا
جميعاً فقهاء.
قوله: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .
الفراء: دعاء عليهم.
غيره: إخبار.
قوله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) .
(عَزِيزٌ) صفة للرسول، "مَا" للمصدر، أي عنتكُم، وهو رفع بـ (عَزِيزٌ)
كما تقول، مررت برجل عزيز أخوه، ويجوز أن يرفع (مَا عَنِتُّمْ) بالابتداء.
(عَزِيزٌ) خبره، والجملة رفع صفة للرسول.
الغريب: (عَزِيزٌ) مبتدأ، (مَا عَنِتُّمْ) فاعله، وسد الفاعل مد الخبر
والجملة صفة للرسول، وهذا بعيد، لأن اسم الفاعل لا يعمل بديهة.
قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) .
يجوز أن يكون جملة مستأنفة، ويجوز أن يكون حالاً.
قوله: (جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) .
في مصحف مكة (مِنْ تَحْتِهَا) وفي سائر المصاحف (تَحْتَهَا) .
سؤال: لِمَ قال في هذه السورة (تَحْتَهَا) من غير (مِنْ) ، وفي سائر القرآن: (مِنْ تَحْتِهَا) بإثبات (مِنْ) ؟
الجواب: لأن (مِنْ) في قوله (مِنْ تَحْتِهَا) أفاد عند عامة المفسرين أن منابع الأنهار من تحت المنازل، وأن الجنات مبنية على أوائل الأنهار، ومبادىء الأنهار أشرف، وأوائلها في العادة أنظف مما بعدها.
فصارت الجنات إذا ذكر معها (مِنْ) أبلغ في الوصف من المطلقة المهملة.
стр. 380
وعَامة ما جاء في القرآن قد تقدمها ذكر الأنبياء ﵈ إما صريحاً، وإما كناية، أو ما تقدمه وصف يصلح للأنبياء، أو كان ذكرها ضرباً للمثل فذكرت الجنات لمكانهم - صلوات الله عليهم - على أحسن وصف وأبلغ وصف، وما في هذه السورة مقطوع به أنه خلاف ما تقدم من صريح ذكر الأنبياء وكنايتهم، ولم يكن وصفاً يصلح لهم، لأنها نزلت في المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وهو قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) ، فلم يبالغ في ذكر الجنات
تلك المبالغة، - والله أعلم -.
стр. 381
سورة يونس
قوله: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا) .
روي عن سهل، الوقف على (لِلنَّاسِ) ، ولعله جعل اسم كان مضمرا
في "كَانَ" وهو يعود إلى الكتاب أي أكان الكتاب الحكيم، أو مثله للناس.
وينتصب (عَجَبًا) ، على هذا بالمصدر، أي أتعجبون عجباً، والوجه ما عليه
جمهور المفسرين، وهو: أنَّ (أَنْ أَوْحَيْنَا) إلى قوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) ، في
محل رفع، رفع بكونه اسم كان، و (عَجَبًا نصب بأنه خبر كان و (أَنْ أَنْذِرِ)
نصبه (أَوْحَيْنَا) .
الغريب: قال صاحب النظم: " أَنْ" زائدة، و (أَوْحَيْنَا) معناه قلنا:
وقوله: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ) نصب ب (بَشِّرِ) .
والمشكل في الآية، إعراب (لِلنَّاسِ) ، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه صفة لقوله: (عَجَبًا) فانتصب على الحال، لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصب على الحال.
قال:
لِمَيَّةَ موحِشاً طَلَلٌ. . . يَلُوح كأنَّه خِلَلُ.
стр. 382
والثاني: أن يتعلق بكان كما يتعلق الظرف إذا قلت: كان زيد أباك عند
الناس، وكان عمرو غلامَك سنة كذا - والله أعلم -.
قوله: (قَدَمَ صِدْقٍ)
القدم بمعنى المقَدَّم، كالقبض بمعنى المقبوض والنقص بمعنى المنقوص، وهو ما قدمه الإنسان من خير أو شر.
و (صِدْقٍ) ها هنا يدل على المراد به الخير، وهو صفة له أضيف إليه، كمسجد الجامع، والصدق ها هنا بمعنى النفع والصلاح، لا ضد الكذب، وقيل: (قَدَمَ صِدْقٍ) هو السعادة، وقيل: المنزلة الرفيعة.
الغريب: شفاعة محمد ﷺ .
العجيب: هو استعارة كما تقول: له عندي يد ولك قدم عندي.
قوله: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) .
في اتصاله بما قبله كلام، فبعضهم ذهب إلى أنه متصل بالمعنى رداً
على من زعم أن الأصنام تشفع لهم عند الله، وقيل: معناه، خلق هذه
الأشياء من غير شفاعة شفيع.
الغريب: ابن بحر: خلق هذه الأشياء ولا حي معه، جمله مشتقا من
المشفع.
وقوله: (مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) أي خلقه.
ومن الغريب: يحتمل أنه متصل بقوله: (قَدَمَ صِدْقٍ) فيمن حمله على شفاعة محمد ﷺ ، ويحتمل أيضاً فيه نية التأخير متصل بقوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ، - واله أعلم -.
قوله: (مَرْجِعُكُمْ) .
أي رجوعكم، مصدر جاء على مَفْعِل في الصحيح، وهو شاذ.
стр. 383
الغريب: ابن عيسى: (مَرْجِعُكُمْ) موضع رجوعكم و "جَمِيعًا" نصب على
الحال من المضمر من قوله: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) ، مصدران دل على فعليهما ما
قبلهما من وعد الله وعدًا وحقَّ حقًا.
قوله: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) .
إن حملت (جَعَلَ) على معنى الخلق، فـ ضِيَاءً) نصب على الحال.
وإن حملته على معنى "صير"، فهو المفعول الثاني، والتقدير فيهما: ذات
ضياء لأنه مصدر، محذوف المضاف.
الغريب: نزلت ذات الشمس منزلة الضياء لكثرته منها.
العجيب: ضياء جمع، والضياء والنور قريبان في المعنى، لكن الضياء
أبلغ في إزالة الظلمة كقوله: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) ، (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) .
قوله: (وَالْقَمَرَ نُورًا) فيه الأوجه الثلاثة.
والنور ما يُرى وُيرى به.
قوله: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ)
يعود إلى القمر، وخص بالمنازل لسرعة سيره وقطعه إياها في ثمانية وعشرين يوماً، ولأن أحكام الشرع منوطة بحساب القمر دون الشمس، ولأن منازل القمر مرئية مع القمر بالليل، بخلاف الشمس.
الغريب: تقديره: جعل الشمس ضياء وقدرها منازل والقمر نوراً وقدره
منازل، فاكتفى بذكر أحدهما، كما قيل:
نَحْن بما عندنا وأنْتَ بما عندك. . . راضٍ والرأيُ مُختلِفُ.
ومعنى قَدَّرَهُ، أي قدر له منازل، فحذف الجار.
الغريب: قَدَّرَهُ: يسير منازل فهي نصب على الظرف.
стр. 384
العجيب: قدره منازل، أي جعل ذاته زائداً أو ناقصاً أخرى أو تاماً.
وعلى هذا يكون الضمير للقمر وحده.
قوله: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)
يريد السنين والشهور والأسابيع والأيام، فاقتصر على ذكر السنين لاشتمالها عليها كلها.
و" الحساب" أي حساب المعاملات.
قال النحاس: من الغريب من يقرأ "وَالْحِسَابِ" - بالجر -.
الغريب: قال الأصمعي: سألت أبا عمرو، فقلت: عدد السنين
والحساب، بالجر أو بالنصب، فقال: بالنصب، ومن يعلم عدد الحساب إلا
الله.
قوله: (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) .
أي في مجيء كل واحد منهما خلف الآخر، وقيل: في اختلاف ألوانهما.
الغريب: يخلف كل واحد منهما الآخر ويقوم مقامه.
قوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ) .
(اسْتِعْجَالَهُمْ) نصب بالمصدر، وفيها حذف بعد حذف، تقديره: لو
يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه به استعجالا مثل استعجالهم بالخير.
فحذف الفعل والمصدر والمضاف.
وفي سبب نزوله قولان:
أحدهما: نزلت الآية في النضر بن الحارث حين استعجل العذاب، ومثله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) ، وأمثاله، والقول
стр. 385
الثاني: أن هذا عام فيمن يدعو على نفسه وأعِزَّتِهِ حالة ضجره وملاله ولا
يريد وقوع شيء منه.
قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) .
تقدير الآية: دعانا مضطجعا، فالثلاث أحوال، وذو الحال مفسر في
دعانا، والعامل (مَسَّ) أي: (مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) دعانا.
قوله: (كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ) ، أي استمر
على كفره معرضاً عن الشكر.
الغريب: مَرَّ كَأَنْ لَمْ يكن به ضرر، أي معافى، ثم لم يشكرنا عليه.
والمشكل في الآية: أن إذا للاستقبال.
وقوله: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ) للماضي، ووجهه أنه أتى بالماضي والمستقبل إعلاما أنه هكذا كان، وهكذا يكون، فدل كل لفظ منهما على زمان غير الأول، وقيل: هذه ألفاظ مثستقة من مصدر، وجاز وقوع كل واحد منهما موقع الآخر إذا لم يورث التباساً.
قوله: (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ) .
أي لا أعلمكم الله، والدرية والدراية التأني والتحمل لعلم الشيء.
وداريت الرجل لايَنْته وختلته، والدرِية - فيمن لم يهمز - من هذا، وهو
الحمل الذي يستتر به الصائد.
الغريب: قال أبو علي: فعلى هذا لا يسوغ في وصف الله الداري.
قال: وقول الشاعر:
لا هُمَّ لا أدري وأنتَ الداري.
محمول على الازدواج، كقول الله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
стр. 386
أو هو محمول على جفاء الأعراب، فقد جاءت عنهم كلمات لا مساغ لها، منها: لا هُمَّ لا أدري.. البيت:
ومنها:
لاهُم إن كنتَ الذي بِعَهدي. . . ولم تغَيِّرْكَ الأمورُ بعدي
وكذلك قول الآخر:
لو خافكَ اللْهُ عليه حَرمه
وقرأ ابن كثير "وَلَأَدْرَاكُمْ بِهِ"، أي أعلمكم.
قوله: (لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ) ، أي أربعين سنة.
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) .
سؤال: لِمَ قدم الضر في هذه الآية على النفع، ونظيره في
الفرقان، (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ) قدم النفع
على الضر؟.
الجواب: أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً، جاء
بتقديم لفظ الضر على النفع، لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولا ثم
طمعا في ثوابه ثانيا، يقويه قوله - سبحانه -: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) : ثم انضاف إلى ذلك: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ)
стр. 387
ثلاث مرات، وقوله: (ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فازداد في
هذه السورة تقدم لفظ الضر وتأخره في قوله فقدم الضر على النفع حسنا في
قوله (مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) بخلاف الفرقان، فإن فيها قد عَدَّ منافع
جمة في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ، وهلم جرا إلى
قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ) ، وكذلك حيث
ما تقدم النفع على الضر، إنما تقدم لسابقة معنى تضمن نفعاً، وذلك في
القرآن في سبعة مواضع، ثلاثة منها بلفظ الاسم، وهي في الأعراف (نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) ومثله في الرعد وسبأ، وأربعة بلفظ الفعل في الأنعام: (مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) ، وفي آخر يونس (مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) .
وفي الأنبياء: (مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ)
وفي الفرفان: (مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ) .
وجميع ذلك لسابقة معنى تضمن نفعا فاعتبر بما في آخر
سورة يونس، وهو قوله: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) ، ثم قال:
(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)
وفي الأنعام مقدمة قوله: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) ثم قوله: (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا)
стр. 388
ثم وصله بقوله: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) .
وفي الأنبياء تقدم قوله حكاية عن الكفار حين خاطبوا إبراهيم
﵇ في مجادلته إياهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ) ، أي ما لا ينفعكم
بجواب في حل مشكل ما حَل بكم، ولا يضركم إن لم تعبدوه.
وما جاء بلفظ الاسم، فكذلك، أما سورة الأعراف، فقد تقدمه بآيات (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فقدم الهداية على الضلال، ووقع بعد قوله (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) ، فقدم الخير على السوء، وفي الرعد تقدمه طوعا أو كرهاً، فقدم الطوع على الكره، وفي سبأ، وقع قبله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) ، فقدم البسط على القدر، وهو التضييق، فتدبر القرآن تجد فيه العجب - والله أعلم -.
قوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا)
إشارة إلى "مَا" وحمله على المعنى لأن "مَا"
هنا موحد في اللفظ جمع في المعنى ومثله مما حمل على اللفظ مرة وعلى المعنى أخرى قوله: (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا)
ثم قال بعده: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ)
ومعنى (شُفَعَاؤُنَا) الحسن: شفعاؤنا في إصلاح أمر دنيانا، لأنهم لا يعتقدون بعثاً ولا نشورا.
عكرمة: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يقول: إذا وقعت القيامة تشفع لي اللات والعزى.
стр. 389
وقيل: معناه إن كان الأمر على ما تقولون أيها المؤمنون من أمر البعث والنثور فهؤلاء شفعاؤنا عند الله.
الغريب: قيل من الكفار من يعتقد البعث.
قوله: (بِمَا لَا يَعْلَمُ) أي بما ليس بالموجود، فنفى العلم لنفي المعلوم.
قوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ) .
"إذا" ظرف فيه معنى الشرط، ولا يجزم لغلبة الظرفية عليه، وقد جاء
في الشعر جازماً، قال:
واستَغْنِ ما أغناك ربُّك بالغِنى. . . تُصِبْكَ خَصَاصةٌ فَتَجَمَّلِ
وجوابه في الآية "إذا" الثانية في قوله: "إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ" أي مكَروا
ومثله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) أي قنطوا.
قوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ) .
(بَغْيُكُمْ) مبتدأ، (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) خبره، والمعنى، وبال أمركم عليكم.
(مَتَاعَ) خبر ثان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك متاع الحياة
الدنيا، ويجوز أن يكون من صلة المصدر، وهو (بَغْيُكُمْ) ، والمعنى، بغى
بعضكم على بعض، فجعلهم كنفسهم، كقوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)
و (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) خبره، ومن نصب (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، فعلى
المصدر، أي تمتعوا متاع، ويجوز أن ينتصب بالمفعول له، كما تقول:
стр. 390
ضربي زيداً تأديباً له، جائز، ففي هذا القول على من صلة المصدر، لأنه لا
يحال بين المصدر ومعموله، ويكون الخبر محذوفاً تقديره مذموم أو مكروه.
الغريب: (مَتَاعَ) نصب على الظرف، أي مدة متاع، فحذف المضاف.
قوله: (مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) .
ابن عيسى: في التشبيه والمشبه به ثلاثة أقوال:
أحدها: الحياة الدنيا بالنبات، والتقدير: مثل الحياة الدنيا كمثل حياة قوم بماء أنزلناه.
الثالث (١) : الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الإمتاع ثم الانقطاع.
قوله: (فَاخْتَلَطَ بِهِ) أي بالماء اختلاط جوار، لأن الاختلاط تداخل
الأشياء بعضها في بعض.
الغريب: اختلاط يثبما نبات الأرض، أي امتدت وطالت ونمت.
قوله: (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) ، أي الأرض، وقيل: الغلة، وقيل: الزينة.
قوله: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي تقم، من قولك غنيت بمكان كذا.
والمغنى المكان والمنزل.
الغريب: هو من غَنِيَ بمعنى اكتفى.
ومن الغريب: مقاتل: تغن تنعم، أي كان لم تكن تلك الأرض بهذه الصفة.
قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) .
مصدر كالبشرى.
الغريب: هي تأنيث الأحسن، ومعناها الجنة.
(وَزِيَادَةٌ) هي النظر إلى وجه الله سبحانه.
العجيب: الحسنى جزاء حسناتهم، والزيادة: بالواحدة عشراً.
ومن الغريب: الحسنى عشر، والزيادة: تضعيف العشرات.
قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) .
(الَّذِينَ كَسَبُوا) مبتدأ، واختلفوا في الخبر، فذهب الفراء: إلى أن