← Тафсир

Тафсир · id 12820

غرائب التفسير وعجائب التأويل

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) . سؤال: لِمَ قال هنا: (وَأَخَذَ) ، وقال بعدها: "وَأَخَذَت"؟ الجواب: التذكير مع الحائل أحسن، وهو أخف أيضاً لنقصان حرف، وهو التاء، لكنه وافق في الآية الأخرى ما بعدها، وهو قوله: (كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) . الخطيب: لماجاء في قصة شعيب مرة الرجفة، ومرة الصيحة ومرة الظلة. ازداد التأنيث حسناً. قوله: (قَالُوا سَلَامًا) . أي سلموا سلاما، وقيل، هو مفعول "قالوا"، لأن القول إذا وقع بعده جملة حكيت نحو: قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، وإن وقع بعده مفرد بمعنى جملة نصبت، نحو: قولك - في جواب الأذان - قلت حقا. قوله: (قَالَ سَلَامٌ) الظاهر من معناه أنه أجابهم، فقال سلام. سؤال: أليس الزيادة في الجواب مندوباً إليها في قوله: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) ، الجواب: الزيادة موجودة في الرفعيَّة، لأن للرفع مزية على النصب، لأنه إخبارٌ عن شيء ثابت، والنصب فضلة، ولأن الكلام لا يتم إلا بمرفوع، فقد دخل تحت قوله (بِأَحْسَنَ مِنْهَا) . قوله: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ) "مَا" نفي، وفي "لَبِثَ" ضمير إبراهيم، و (أَنْ جَاءَ) في محل نصب بنزع الخافض وتعدى الفعل إليه، وتقديره: فما لبث إبراهيم عن أن جاء.

стр. 422

الغريب: (أَنْ جَاءَ) فاعل "لَبِثَ"، وليس فيه ضمير إبراهيم، أي ما لبث مجيئه بعجل. العجيب: "مَا" بمعنى الذي، وإن جاء خبره، والتقدير: فالذي لبث قدر أن جاء بعجل. قال الشيخ: ويحتمل أن يجعل "مَا" للمصدر وأن هو المصدر فبصر التقدير فلبثه بمجيئه بالعجل. قوله: (حَنِيذٍ) أي مشوي بالحجارة المحماة. مجاهد: مطبوخ. الحسن: نضيج مشوي. شمر: مشوي بقَطر وَدَكِهِ: من قول العرب: حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال. الغريب: (حَنِيذٍ) ، سميط. السدي: (حَنِيذٍ) ، سمين. قوله: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ) . أي قائمة تخدم، وقيل: تصلي. الغريب: قائمة عن الحيض والولد. قوله: (فَضَحِكَتْ) أي سرورا بالأمر، وقيل: فيه تقديم، أي بشرناها بإسحق فَضَحِكَتْ سروراً بالولد. العجيب: ضحكت، حاضت، من ضحكت الأرنب، وضحكت الثمرة إذا سالت منها صبغة تشبه الدم.

стр. 423

الغريب: معنى "ضحكت" أشرق لونها من قولهم: ضحكت الروضة. قوله: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) من رفعه جعله مبتدأ وخبراً، ومن نصبه أضمر فعلا، أي ووهبنا له يعقوبَ، وقيل: هو محمول على لفظ إسحاق، ومحله جر. وقيل: على محل، إسحاق لأنه مفعول. وذهب جماعة إلى أن هذا ممتنع، لأنه لا يحال بالظرف بين الواو وأخواته، وبين المعطوف، وبابه الشعر. قال: يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ ال. . . عَصْبِ ويوماً أَديمَها نَغِلاً قال الشيخ: سبق نظير هذا في هذه السورة. وهو قوله (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) ، ومثله في البقرة: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) . الغريب: الوراء في الآية: ولد الولد وهو مشكل ووجهه: أن يجعل ذلك بالإضافة إليها، لأن يعقوب وراءها، والوراء جمع كالولد: و "مَن" للتبعيض. وخصت بالبشارة لأن النساء أكثر سروراً بالولد من الرجال. وقيل: لأن الأثر ظهر عليها، وهو الحيض. الغريب: خصت حيث لم يكن لها ولد، وكان لإبراهيم ولد، وهو إسماعيل.

стр. 424

قوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) . له مائة سنة، وقيل: مائة وعشرون. من العجيب: عرضت بقولها (شَيْخًا) عن ترك غشيانه إياها. وشَيْخًا) حال، والعامل فيه المعنى، ومحل الجملة نصب على الحال، وهو عطف على جملة أخرى، هي حال أيضاً. وهو قولها (وَأَنَا عَجُوزٌ) . الغريب: تقديره، في الآية "أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي يلد شَيْخًا. قوله: (يُجَادِلُنَا) . أي أخذ يجادلنا، لأن "لَمَّا" علم للظرف إذا وقع الشيء بوقوع غيره. وإذا أضمر أخذ، صار (يُجَادِلُنَا) حكاية حال. وأجاز النحاس وقوع المستقبل بعد "لَمَّا"، وقال: لما جاز وقوع الماضي بعد الشرط ومعناه المستقبل، جاز وقوع المستقبل بعد "لَمَّا" ومعناه: الماضي. قوله: (يُجَادِلُنَا) أي يجادل رسلنا. الغريب: (يُجَادِلُنَا) يتشفع في قوم لوط. العجيب: (يُجَادِلُنَا) يكلمنا. قوله: (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) الإهراع، الِإسراع، وجاء بلفظ المجهول، كما جاء عنيت بحاجتك. وقيل: الإهراع: السوق.

стр. 425

الغريب: الكسائي، الإهراع، الإسراع مع رعدة. قوله: (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ) . عذاب، يرتفع من وجهين: أحدهما: كونه فاعلاً لـ "آتِيهِمْ" لما وقع خبرا. والثاني: إنه خبر المبتدأ، و "آتِيهِمْ" المبتدأ، والجملة خبر لاسم "إنَّ". قوله: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ) . قيل: بنات صلبه، وهما اثنتان: زعورا وربثا، وأراد ﵇ أن يقي أضيافه ببناته: وقيل: أراد بنات قومه، وأضافها إلى نفسه، لأن كل نَبى أبو أمته، ومنه قراءة من قراءة "وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب". الغريب: الحسن البصري: كانوا يخطبون بناته فيأبى، فحمله ضيق الأمر على أن ضمن إسعافهم. قوله: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) "لَيْسَ" في الآية بمعنى "مَا" النفي والاستفهام للإنكار. قوله: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) مبتدآن وخبران، وإن شئت قلت: (هَؤُلَاءِ) مبتدأ، "بَنَاتِي" بدل منه، أو عطف بيان، "هُنَّ" مبتدأ، "أَطْهَرُ" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وإن شئت قلت: "هَؤُلَاءِ" مبتدأ، "بَنَاتِي" مبتدأ ثان، "هُنَّ" مبتدأ ثالث "أَطْهَرُ" خبره. وإن شئت قلت: "هَؤُلَاءِ" مبتدأ "هُنَّ" مبتدأ ثان "بَنَاتِي" خبره تقدم عليه "أَطْهَرُ" خبر ثان وزعم

стр. 426

بعضهم، أن "هُنَّ" في الآية فصل، وعماد لا محل له من الاعراب، وارتفاع "أَطْهَرُ" من وجهين: خبر المبتدأ الأول، وخبر بعد خبر، وقول من قال "هُنَّ" فصل، ضعيف مردود، لأن الفصل إنما يزاد مع المعرفة أو مع ما يمتنع من دخول الألف واللام. وروي عن محمد بن مروان أنه: قرأ أطهرَ بالنصب - جعله حالاً، وزيَّفه سيبويه، ورده عليه وعلى عيسى بن عمر بأنه قرأ بالنصب أيضاً، وروي أيضاً عن أبي عمرو: إنكار النصب. وقال: اجتبى ابن مروان في لحنه. وذهب بعض النحاة - وهو الكسائي - إلى جواز النصب في على الحال، وأن "هُنَّ" عماد، وقد تبينت فساد ذلك، ووجه النصب ما ذكر، وهو أن يجعل "هؤلاء" مبتدأ، و "بناتي" مبتدأ ثانياً، و "هُنَّ" خبر المبتدأ، و "أطهر" حال، والعامل في الحال الإشارة في "هؤلاء". قال الشيخ الإمام: لم تستقص هذه المسألة هذا الاستقصاء. قوله: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) . أي لسْنَ لنا بأزواج فنستحقهن. الغريب: ادَّعَوا في الضيفان حقاً لأنهم نهوا لوطاً عن إيواء المرد من الضيفان، وشرطوا هم إن أضافهم وآواهم أن يستبيحوهم، فلما أضاف أولئك ادَّعَوا الحق المتقدم، وهذا باطل تعلقوا به.

стр. 427

قوله: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) . أي عشيرة تنصرني، وجواب "لو" محذوف، وفيه قولان: أحدهما: لأجبرتكم على ترك ما أنتم عليه، وقيل: لدفعتكم. الغريب: زيد بن ثابت: لو كان للوط مثل رهط شعيب لجاهد بهم قومه. ومن الغريب: ابن عباس، ما بعث الله بعد هذه الكلمة من لوط نبيا إلا في عز وثروة من قومه، وعن النبي ﷺ أنه قال عند قراءة هذه الآية: "رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" - يريد نصر الله وعونه -.. قوله: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ) . من نصب جعله استثناء من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) ، ومن رفعه جعله مستثنى من قوله: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) . ويجوز النصب من هذا الوجه أيضاً على أصل الاستثناء. قوله: (إِنَّهُ مُصِيبُهَا) أي إن الأمر. قوله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) . سؤال: لِمَ قال في قصة لوط وقصة صالح: "فَلَمَّا" - بالفاء -، وقال في قصة هود وشعيب: (ولمَّا" - بالواو -؟ الجواب: لأن مجيء العذاب وقع في قصتي صالح ولوط عقيب

стр. 428

الوعيد، وهو قوله: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، في قصة صالح. وقوله: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) : في قصة لوط، بخلاف قصتي هود وشعيب، فإن هلاك قومهم تأخر عن وقت الوعيد، وهو قوله في قصة هو: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) ، وقوله: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) ، في قصة شعيب: فجاء بالواو للمهلة وبالفاء للتعجيل والتعقيب. قوله: (مِنْ سِجِّيلٍ) ابن عباس، هو معرب، وأصله بالفارسبة: سنك وكل بدليل قوله تعالى: (حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) ، وقيل: من مثل السِّجِل، وهو الكتاب، أي مكتوب الحجارة، وهي حجارة كتب الله أن يضرِبَهم بها. الغريب: أصله من سجين، أي من جهنم، قلب نونه لاماً، وهما من مخرج واحد. العجيب: (مِنْ سِجِّيلٍ) من السماء الدنيا، والسجيل: اسمها. قوله: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) . تقدير الآية، أمَنْ تصلي له يأمرك، وقيل: أنت تأمرنا لصلواتك، كما جاء (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) : وقوله: (تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) تحتاج إلى إضمار، لأنك لا تقول أمرت زيداً أن يجلس عمرو، وتقدير الآية: تأمرك أن تأمرنا بأن نترك. وقوله: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ) عطف على "مَا يَعْبُدُ"

стр. 429

وتقديره أن نترك ما يعبد آباؤنا ونترك فعلنا في أموالنا على مرادنا. ولا يجوز أن يكون عطفاً على "أَنْ نَتْرُكَ" إلا بإضمار "لا" أي أو أن لا نفعل، وعلى قراءة من قرأ ما تشاء - بالتاء -. الغريب: الأمر يتضمن معنى النهي، والنهي يتضمن معنى الأمر. فتقدير الآية تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء. العجيب: كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن القطع. وقيل: نهاهم عن البخس، وقيل: أمرهم بالزكاة. قوله: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قيل معناه على الضد، أي السفيه الأحمق. وقيل: تقديره، الحليم الرشيد بزعمك. العجيب: قالوا: السفيه الضعيف، فرد الله عليهم، وقال: الحليم الرشيد. وهذا بعيد. قال الشيخ: الغريب: يحتمل أن التقدير، إنك لأنت الحليم الرشيد في ظننا، قيل هذا، كما في قصة صالح: (يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) . قوله: (مَا اسْتَطَعْتُ) أي قدر طاقتي. الغريب: "مَا" للمدة، كما تقول، ما طلعت شمس وما ذر شارق. ومن الغريب: (مَا اسْتَطَعْتُ) متصل بالإصلاح، لأن الاستطاعة من شروط الفعل لا الإرادة.

стр. 430

قوله: (ضَعِيفًا) أي ضعف البدن، وقيل: (ضَعِيفًا) أعمى بلغة حمير. قوله: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ) ، أي قومك. قتادة: كانوا أربعة آلاف. العجيب: رَهْطُكَ) شيبك، حكاه النقاش. وأصل الرهط، الشد، ومنه الترهيط شدة الأكل. قوله: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) أي ومنها حصيد. قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أي ومنهم سعيد. قوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) . أي دوام السماوات والأرض، وأراد بالدوام وقت الدوام. فإن قيل: السموات والأرض فانيات، وبقاء أهل الجنة والنار لا نهاية له، فكيف علقه بها؟ الجواب عنه من وجوه: أحدها أن العرب كانت تعتقد دوامها، فخاطبهم على ما اعتقدوه، وإن كان الله يعلم من شأنها ما جهلوه. والثاني: أنهما يعادان فيبقيان إلى غير نهاية، تصديقه قوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) . الثالث: ما دامت السماء سماء والأرض أرضاً، وهذا شيء لا يفارقهما في دوامهما بقيتا أو فنيتا. الرابع: ما دامت سماء الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها. والخامس: "مَا" للنفي، أي لا تدوم السماوات والأرض. قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) له عشرة أوجه: أحدها: أن الاستئناف منصرف إلى السماوات والأرض، والخلود بحاله، أي، إلا ان يشاء الله فيهما ما يشاء. والثاني: إلا ما شاء الله من زيادة الدوام على دوام السماوات والأرض.

стр. 431

والثالث: "إلا" ها هنا بمعى سوى، تقول: لك على ألف إلا الألفان اللذان تعرفهما، فيلزمه ثلاثة آلاف. والرابع: أن الاستثناء عائد إلى مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ، لأن هذا اللفظ يوجب أن يكونوا في الجنة حال الإخبار. والخامس: استثنى مدة وقوفهم في القيامة قبل الدخول. والسادس: إلا ما شاء بزيادة النعيم على أهل الجنة، وزيادة العذاب على أهل النار. السابع: الفراء: "إلا" بمعنى الواو، أي، و "مَا شَاءَ رَبُّكَ". الثامن: "مَا" بمعنى، "مَن". وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فيقال لهم، الجهنميون. وهم المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم الجنة بكونهم في النار أياماً. والتاسع: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) عن ابن عباس: ليأتين على جهنم زمان تطبق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا، فيأمر الله النار فتأكلهم. وهذا الوجه يكون في حق أهل النار دون أهل الجنة، لأن ذلك مقيد بقوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) . والعاشر: "مَا" للنفي، وتقدير الآية: لا تدوم السماوات والأرض إلا مقدار ما شاء ربك، ويكون المعنى: يدخلونها عن قريب. وقيل: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) وهو لا يشاء غيرتخليدهم. وقيل: يعود إلى الزفير والشهيق، أي لهم زفير وشهيق (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) من غير اعتراض. قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) . "كُلًّا منصوب بأن مخففة ومثقلة، و"لَمَّا" مخفف لامه لِخبر إن. و"مَا" صلة زيد ليكون حائلا بين اللامين و "لَمَّا" مشدد مشكل. قال الكسائي: لا أعرف له وجهاً. قال أبو علي: لم يبعد الكسائي فيما قال.

стр. 432

وقول من قال "لَمَّا" بمعنى "إلا" - بالكسر - كما تقول فعلتَ كذا فاسد، لأن "إلا" لا تدخل خبر "إن"، لا تقول إن زيداً إلا قائم، وكذلك لما لا يجوز أن تقول: إن زيدا لَمْا قائم، وقول من قال: أصله "لمن ما" فأدغم وحذف، فاسد، وقول من قال: أصله لما مخفف فشدد أيضا فاسد. قال الشيخ: والوجه أن يجعل مصدراً من قوله: "كُلًّا لَمَّا" على وزن فَعْلَى، أو يجعل لما بالتنوين ثم أجري الوصل مجرى الوقف، وقد قرىء "وَإِنَّ كُلًّا لَمًّا" - بالتنوين - في الشواذ. قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) . ابن عباس: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية كانت عليه أشد ولا أشق من هذه الآية، ولهذا قال: "شيبتني سورة هود ". قوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) . قيل: بظلم من الله وأهلها مؤمنون محسنون. وقيل: بظلم بعضهم وأكثرُهم على الصلاح. الغريب: (بِظُلْمٍ) ، شرك، (وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) في المعاملات فيما بينهم لا يظلم بعضهم بعضاً، لأن مكافأة الشرك النار. وإنما أهلك من أهلك بالتعدي في الشرك. وقيل: وفيهم مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. سؤال: لِمَ قال في هذه السورة: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ، وقال في القصص: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى) ؟ لأن الله تعالى نفى الظلم عن نفسه بأبلغ لفظ يستعمل في النفي، لأن هذا اللام لام

стр. 433

الجحد، ولا يظهر بعدها إن ولا يقع بعدها المصدر ولا تستعمل إلا مع كان ولم يكن، ومعناه ما فعلت فيما مضى ولا أفعل في الحال ولا في الاستقبال. فكان الغاية في النفي وليس كذلك ما في القصص، إذ ليس فيها صريح ظلم، فاكتفى بذكر اسم الفاعل، وهو لأحد الأزمنة غير مبين ثم نفاه. قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) . أي مختلفي الأديان كاليهود والنصارى والمجوس. والاختلاف اعتقاد كل واحد نقيض ما يعتقد به الآخر. وقوله: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) . وهداه إلى الإيمان، فإنه ناجح من الاختلاف، والاستثناء منقطع. الحسن. لا يزالون مختلفين في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض. الغريب: معناه، لا يزال الخلَف منهم يتبع السلَف، افتعال من خلفه بخلفه إذا قام بالشيء مَقامه بعده، نحو: قتلوا واقتتلوا، ويكون اعتراضاً والتقدير: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة كفارا، إلا من رحم ربك فهداه، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. قوله: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أي للرحمة خلقهم، واللام لام العاقبة. وقيل: وعلى الرحمة خلقهم، نحو: أُكرِمتَ لبرك وعلى برك. وقيل: وللرحمة والاختلاف خلقهم، موحد كقوله: (بَيْنَ ذَلِكَ) . وقيل: للسعادة والشقاوة. وقيل: للجنة والنار.

стр. 434

قوله: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) . "كُلًّا" نصب على المصدر، أي كلَ القصص نقصُّ. وقيل: "كُلًّا" مفعول نقص، "مَا نُثَبِّتُ" بدل منه. ابن عيسى: الفؤاد: العضو الذي يحمَى عند الغضب، ومنه المفْتأد وهو المشتوَى، قال الشاعر: كأنه خارجاً من جنب صفحته. . . سفود شَرْب نَسُوهُ عند مفتأدِ قوله: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . عن كعب الأحبار، أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية.

стр. 435

سورة يوسف قوله تعالى: (الْكِتَابِ الْمُبِينِ) . أي الظاهر أنه كلام الله، وقيل: المبين حلاله وحرامه وما تحتاجون إليه، وأبان لازم ومتعد. العجيب: عن معاذ بن جبل: المبين، للحروف التي سقطت عن ألسن العجم وهي ست: الصاد والضاد والطاء والظاء والعين والحاء، وكذلك الثاء والقاف، وأما الذال المعجمة فلا تقع في أوائل الكلم العجمية، وإن وقع في الوسط أو في الآخر فمنهم من جعله دالاً، ومنهم من جعله ذالاً، والمعنى: يبين لهذه الحروف أن هذا القرآن عربي وبلسانكم يا معشر العرب. قوله: (أنزلناه) . " الهاء" تعود إلى الكتاب، وقيل: نبأ يوسف، وقيل: القرآن. (قرآناً) : نصب على المصدر. الغريب: أنزلناه مجموعاً. قال الشيخ: ومن الغريب: يحتمل أن يعود إلى المصدر، أي أنزلناه قرآناً عربياً إنزالًا.

стр. 436

والغريب: منسوب إلى العرب، والعرب جمع عربي، كرومي ورومي. وهو منسوب إلى أرض يسكنونها، وهي عَرَبة ناحية دار إسماعيل بن إيراهيم - عيهما السلام -. قال الشاعر: وعَرْبَةُ أرضٌ ما يُحِلُّ حرامَها. . . مِنَ الناسِ إلا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ يعني ﷺ أحلت له مكة ساعة من نهار حتى قتل من شاء. الغريب: نسب إليها ابتداء. قوله: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) . نصب على المصدر، أي أحسن بيان، وقيل: مفعول كالطلَب والسَلب والحَلَب فيكون جميع القرآن، وقيل: هو قصة يوسف، وسماها أحسن القصص لاشتمالها على ذكر حاسد ومحسود، ومالك ومملوك، وشاهد ومشهود، وعاشق ومعشوق، وحبس وإطلاق، وسجن وخلاص، وخصْب وجدب، وغيرها مما يعجِز عن بيانها طوق الخلق. قوله: بِمَا أَوْحَيْنَا) أي بإيحائا القرآن، و "مَا" للمصدر. العجيب: هو بمعنى الذي، وهو ضعيف. قوله: (يُوسُفُ) . هو اسم عجمي، وقيل: من الأسف أو الأسيف، لم ينصرف للمعرفة. ووزن الفعل، ولعل هذا فيمن همز، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ : " الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". قوله: (يَا أَبَتِ) التاء للتأنيث تزاد مع الأب في النداء فحسب. الغريب: هو بدل من الواو وفي قولك: أبوان.

стр. 437

العجيب: يقال للوالد أب وللوالدة أبه، فلما جعل للوالدة اسم غير هذا - وهو الأم جعل الأب وأبه للوالد فليس لهذا نظير. ومن كسر التاء جعلها دليلًا على الياء، ومن فتحها قلب الياء ألفا كما قال الشاعر: با أبَتا علك أوعساكا ثم حذف واكتفى بالفتحة دليلاً. الغريب: قال أبو على في الحجة: هو كما تقول يا طلحة كأنك رخمت فصار يا طلح ثم رددت الهاء وتركته مفتوحاً. قوله: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) تكرار، لأن الأول وقع على الذات، والثاني وقع على الحال، وقيل: لما طال الكلام أعاد. الغريب: كأنَّه قال يعقوب كيف رأيتهم قال: رأيتهم لي ساجدين. وإنما جمع جمع السلامة، لأن السجود من أفعال العقلاء، فلما وصف غيرهم بفعلهم، أجرى مجراهم. الغريب: السدي: عن جابر: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له، ما أسماؤها، فسكت ﵇ فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، فقال ﵇ لليهودي: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها، فقال: نعم، فقال ﵇: " جريان والطارق والذيال وذو الكتفات وقابس ووثاب

стр. 438

وعمودان والمصبح والفيلق والضروح والفرع والضياء والنور، نزلن من السماء فسجدن له، فصدقه اليهودي. قوله: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي في طريق الآباء في الأولاد، وقيل. على ضلال باختياره الصغير ، على الكبير، والقليل على الكثير، وقيل: في ضلال عن التعديل في المحبة. الغريب: "فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"، أي محبة. قوله: (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) . فيه إضمار تقديره: وتوبوا إلى الله تكونوا من بعد طرحه قوما صالحين تائبين، هيأوا التوبة قبل المعصية. الغريب: صالحين مع أبيكم في أمر دنياكم. قوله: (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) . بمشورتي، وقيل: فاعلين ما قصدتم من التفريق بينه وبين أبيه. واختلفوا في إخوة يوسف حين قالوا هذا وفعلوا، فذهب بعضهم إلى أنهم كانوا بالغين أقوياء ولم يكونوا بعد أنبياء. - قوله: (يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) . أجمعوا على أن هذا ابتداء كلام إخوة يوسف مع يعقوب في حق يوسف، إلا مقاتلاً، فإنه قال: هذا جواب لقوله (لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) .. قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) . قيل: إنما قال ذلك لأن أرضهم كانت مَذْأبَة، وقيل: كان رأى في المنام كان ذئبأ يعدو على يوسف.

стр. 439

الغريب: روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تلقنوا الكذب فتكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان حتى لقهن أبوهم) . العجيب: خافهم عليه أن يقتلوه فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم، قال ابن عباس: سماهم ذئاباً. قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) . قيل: أحد الواوين زيادة وجوابا لقوله: (فلما) والجواب مضمر تقديره: حفظناه. قوله: (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) قيل: متصل بقوله: (أوحينا) أي أوحينا إليه في البئر وهم لا يشعرون بالوحي، وقيل: متصل بقوله: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ) ، أي بما فعلوا بك وهم لا يشعرون أنك يوسف. قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) . أجمع المفسرون على أن تأويله، وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين غير متهمين عند الناس، وقيل: صادقين عندك في غير هذا الكلام. العجيب: قال الجرجاني - صاحب النظم - في قولهم "ولو" دليل على أن ذلك لم يكن، لأن "لو" يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، ولو كانو! صادقين في دعواهم لقالوا " وإن كنا صادقين، كما قالوا وإن كنا لخاطئين. قوله: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) . أي ذي كذب، كأنَّه لم يكن دم يوسف، و "عَلَى قَمِيصِهِ" حال من دم. لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال، ولا يجوز أن يكون صفة للمصدر وهو كذب، لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه، وقرىء "دم كدِب" - بالدال - أي طري.

стр. 440

الغريب العجيب: ما رواه الشيخ أبو الفضل الرازي "بدمِ كَدْبٍ" بالإضافة وفتح الكاف وسكون الدال غير معجمة، وفسره الجدي. قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) وذلك أن يعقوب قال لهم: أروني قميصه، فأروَهْ، فقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا حكيماً أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فعندها قال: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أمثل وأحسن، وقيل: فأمري صبر جميل. الشعبي: لقميص يوسف ثلاث آيات: إحداها: حين جاؤوا عليه بدم كذب. والثانية: حين قُدَّ. والثالثة: حين ألقى على وجه يعقوب. قوله: (يَا بُشْرَى) . أي تقديره، فأدلى دلوه ثم دَلاها أي أخرجها فتشبث بها يوسف، فلما رآه قال: يَا بُشْرَى، أي هذا غلام: بَشَّر المُدلي نفسه، وقال يا بشراي تعاليْ فهذا أوانك وقيل: بشَّر أصحابه بأنه وجد غلاماً، وقيل: بُشْرَى أي اسم صاحب له ناداه يخبره خبر الغلام، ومن قرأ "يا بشراي" جاز أن يكون الألف في حكم النصب كدال عبد الله، وجاز أن يكون في حكم الكسر كميم غلامي، وعلى القراءة الأولى جاز أن يكون المنادى محذوفاً تقديره يا قوم بُشْرَى هذا غلام. قوله: (وَأَسَرُّوهُ) ، أي كتموا حاله. و "بِضَاعَةً" حال، الزجاج: "أَسَرُّوهُ" جاعليه بضاعة. ابن عباسْ أسروا بيعه - قال الشيخ الإمام: ويحتمل أن معنى أسروه أظهروه، و "بِضَاعَةً" حال، وهو كما تقول" هذا

стр. 441

شيء أظهرته أعجوبة، وهذا حال أظهرته بضاعة، والمعنى: أظهروا حال يوسف على هذا الوجه، والضمير في أسروا للوارد وأصحابه، وقيل: هو لإخوة يوسف، ذلك أن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم، لأنه بقي فيه ثلاثة أيام، فأتاه يومئذ بالطعام فلم يجده فيها، فأخبر إخوته، فأتوا مالكا وقالوا: هذا عبدنا أبق منا. الغريب: الضمير يعود إلى السيارة. قوله: (وَشَرَوْهُ) . أي باعوه، قال الشيخ: ويحتمل، واشتروه، فيكون الضمير للوارد وأصحابه، أو للسيارة، إذ ليس في القرآن ما يدل على أن الفعل لإخوة يوسف ولا لهم في الآية ذكر، وإنما المتقدم ذكر السيارة والوارد وأصحابه، وهم أخرجوه من البئر، وأسروه بضاعة وباعوه بمصر بثمن بخس، وتنزيه الإخوة مما يمكن أولى. قوله: (وَكَانُوا فِيهِ) ، أي في يوسف، وقيل: في الثمن من الزاهدين. وفي معلق بمضمر، أى زُهداً فيه من الزاهدين، لأن ما يتعلق باسم الفاعل وفيه الألف واللام لا يتقدم عليه. وقال بعضهم وهو الغريب: يجوز تقديمه إذا كان الألف واللام للتعريف، وإذا كان بمعى الذي لم يجز، ومثله: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) . قوله: (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) . أي نتبناه، ولم يكن لهما ولد. ابن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال في يوسف: (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) ،

стр. 442

وابنة شعيب حين قالت لأبيها: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ " الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر. قوله: (وَلِنُعَلِّمَهُ) ، قيل: " الواو" زيادة. الغريب: تقديره: ولنعلمه من تأويل الأحاديث مكناه. قوله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) . سؤال: لماذا اقتصر ها هنا وزاد في القصص (واستوى) . الجواب: لأن الله أوحى إليه وكان صبياً في البئر، وأوحى إلى موسى بعد أربعين سنة، وكذلك الحكم في سائر الأنبياء إلا قليلاً منهم، يقويه قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) . قوله: (وَرَاوَدَتْهُ) . المراودة مطالبة الإنسان لأمر بالرفق واللين، ولا يقال في مطالبة الدين راوده. قوله: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ) أي بابا على باب على يوسف وعليها، وكانت سبعة. العجيب: قول من قال كان باباً واحداً فغلقته بمغلاق بعد مغلاق. وهذا ضعيف، لقوله: (الْأَبْوَابَ) . الغريب: وغلقت أبواب الشهوات عليها إلا من طريق يوسف. قوله: (هَيْتَ لَكَ) ، هو من الأسماء التي سميت الأفعال بها، ومعناه: تعال: هلم، يبنى على الفتح وعلى الضم، وقرىء: هِئتُ لك، - بكسر

стр. 443

الهاء وضم التاء مهموزا وغير مهموز - من قولك هيت أي هيْئة كقولك: أجيء جيئة، والمعنى تهيأت لك، واللام متعلق بالفعل، وعلى الوجه الأول تبيين للمدعو. الغريب: الزجاج: تقدم لنفسك، أي لك في التقدم حظ. قوله: (إِنَّهُ رَبِّي) أي زوجك ربي أحسن تربيتي (١) . الغريب: إن الله ربي، والأول أظهر لقوله لها فيه: (أكرمي مثواه) . قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) . ابن عباس: استلقت على قفاها وحل هو هِمْيانه، أي سراويله. الحسن: أما همها فكان أخبثَ هم، وأما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، ولم يكن منه عزم على الزنا. الغريب: هم بضربها والفرار منها. العجيب: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) [جواب ﴿لَوْلاَ﴾ ههنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلاناً خلصك] (٢) وهذا حسن في المعنى، لكن جواب لولا لا يتقدم عليه، والوجه عند المحققين: إن الكلام تم على قوله: (وَهَمَّ بِهَا) ثم استأنف، فقال: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به، ومثله في القرآن: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) ، واختلفوا في البرهان، ابن عباس: رأى صورة يعقوب عاضًّا على يده، وقيل: نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء. وقيل: رأى جبريل، وقيل: رأى العزيز، وقيل: رأى كفًّا بلا معصم يمنعه من المواقعة.

стр. 444

الغريب: تذكر جزاء الزنا. العجيب: خرجت شعرة طويلة من أنف زليخا، وقيل: مسح جبريل جناحه على ظهره حتى خرجت شهوته من أظافيره (١) . قوله: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) . لما رأته خافت فأوهمت أن البدار منه وأنه قصدها، و"مَا" للنفي. الغريب: "مَا" للاستفهام، أي هل جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم. (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) . لم يكن يوسف ﵇ يفضحها إن لم تكذب عليه. قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، كان صبياً فأنطقه الله عند أكثر المفسرين. وقيل: كان رجلاً من خاصة الملِك له رأي. الغريب: هو زوجها. العجيب: هو سنور كان في الدار. حكاه النقاش. ومن العجيب: القميص: هو الشاهد. وكان القياس: وشهد شاهد أنه إن كان، لكنه أجرى مجرى قال، لأنه قول. قوله: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ) المبرد والزجاج: يجوزان وقوع كان بعد إن الشرطية بمعنى الماضي، ويأباه أبو علي، ويقول: تقديره: إن يكن الأن قدَّ قميصه. قال علي بن عيسى: هذا دلالة عادة أن الذي شُق قميصه من دبر هو الهارب، كما أن الذي يظهره الضربة هو المهزوم في الحرب.

стр. 445

قال الشيخ الإمام الغريب: يحتمل أن الشاهد علم قطعاً أن الذنب لها وأن القميص قد من دبر فلم يرد أن يصرح بذلك، فعرض بهذا. قوله: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) . لأن كيدهن مواجهة وعين، وكيد الشيطان ضعيف لأنه وسوسة وغيب. قوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) . أي يا يوسف اكتمه ولا تذكره، وقيل: دع ذلك، هذا من كلام الزوج. وقيل: من كلام الشاهد. قوله: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) أي استغفري الله. الغريب: "واستغفري زوجك لدنبك ". العجيب: كان العزيز قليل الغيرة حين اقتصر على قوله لها (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) ، وقيل: سلب الله الغيرة عنه لطفاً بيوسف. قوله: (بِمَكْرِهِنَّ) . سمَّى قولَهن (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ) مكراً لأنهن أردن بهذا الكلام أن تريهن يوسف. وقيل: كانت أخبرتهن بحبها إياه واستكتمتهن، فلما أظهرن، سمَّى مكراً. قوله: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) ، أي عظمنه. الغريب: "أَكْبَرْنَهُ" أمذين. العجيب: حضن. قال الشيخ الإمام: ويمكن تصحيح أكبر بمعنى حاض أو أمذى الغلام والجارية من وجه، وهو أن يحمل على أول حيض وأول إمذاء، فإن ذلك علامة الكبر، ثم صار كناية عن الحيض والإمذاء. قال الشاعر:

стр. 446

نأتي النساءَ على أَطْهارِهِنَّ ولا. . . نأتي النساءَ إذا أَكْبَرْن إكبارا والهاء في قوله "أَكْبَرْنَهُ" - على هذا - تعود إلى المصدر، أي حضن حيضاً، وقيل: إلى يوسف، أي حضن له، فحذف اللام، وقيل: المرأة إذا اشتدت غُلمتُها حاضت، ومنه قول المتنبي: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجمالَ ببُرْقُعٍ. . . فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدورِ العواتِقُ والمحققون على أن بيت "أكبرن " مصنوع لا يعرف قائله. قوله: (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) أي جرحتها دهشاً. العجيب: قطعنها حتى أبَنَّها وسقطت على الأرض، وفيه بعد. (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ) ، "حاش" ها هنا فعل وفاعله يوسف، أي حاشا يوسف عن البشرية. العجيب: هو حرف جر في باب الاستثناء، وهذا بعيد، لأنه لا يدخل الجار على الجار. قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) . فاعل "بدا" مضمر تقديره: بداء، أو رأى، قال الشاعر: لَعلَك والموعودُ حَقٌّ وفَاؤهٌ. . . بَدا لك في تلك القَلوص بداءُ الغريب: "لَيَسْجُنُنَّهُ" فاعله، وهذا على قول الكوفيين، فإنهم

стр. 447

يجوزون وقوع الجملة موقع الفاعل، ولا يجوز عند البصريين. المبرد: ثم بدا لهم سجنه. قوله: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ) . فه إضمار، فأدخل يوسف السجن ودخل معه السجن فتيان. قوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) من العالمين، من قولهم: هو يحسن علم كذا، وقيل: "مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فإنه كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد لربه في السجن. الغريب: من المحسنين إلينا إن فسرت لرؤيانا. قوله: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ) . قيل: لا تريانه في المنام، وقيل: في اليقظة، كما قال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ) . الغريب: ابن جريج، كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما، أي أخبركما بذلك الطعام إن أتيتما به قبل أن يأتيكما. قوله: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) ، مبتدأ وخبر. الغريب: ذَلِكُمَا فاعل يأتيَكما، وقوله: (مما علمني) متصل بقوله (نَبَّأْتُكُمَا) ، قيل: عدل عن الرؤيا ليدعوهم إلى الإسلام أولا، فكان ذلك أولى، وقيل: كره تعبير رؤيا السوء، وهو ما في رؤيا صاحب الطعام. قال الشيخ: ويحتمل في الغريب: إنه ليس بمعدول، لأن في المنام ذكر الطعام.

стр. 448

قوله: (إِنِّي تَرَكْتُ) ، أي رغبت عنه، وليس المعنى أنه كان يتعاطاه فتركه. (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) . نداء مضاف، وعلامة النصب الياء، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. وما توهمه بعض المفسرين أنه يعود إلى المتكلم أو هو منه في شيء، سهو. قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) . الضميران يعودان إلى الناجي، وقيل: يعودان إلى يوسف، وعن النبي ﵇ أنه قال: " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس ". العجيب: اذكرني عند ربك اثنا عشر حرفاً، فبقي في السجن بكل حرف سنة. قوله: (إِنِّي أَرَى) . أي رأيت في المنام، كأني أرى بَقَرَاتٍ سِمَانٍ. قوله: (سِمَانٍ) وصف للبقرات، وفي الأخرى (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) وصف للسبع، وأنت في مثل ذلك بالخيار إن شئت وصفت المضاف، وإن شئت وصفت المضاف إليه. قوله: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قيل: الفعل محمول على المصدر، أي للرؤيا عبارتكم، وقيل أيضاًْ محمول على الفاعل، أي للرؤيا معبرين. وقيل: المفعول إذا تقدم ضعف الفعل عن العمل فيه فقوي باللام، وقيل: المفعول محذوف تقديره: للرؤيا تعبرون ما تعبرون أو ما تسألون، و "اللام " للعلة.

стр. 449

قوله: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) . أي ليس تعبير الرؤيا من شأننا، وقيل: للرؤيا المختلطة عندنا حكم. الغريب: الله صرفهم عن تعبير هذه الرؤيا ليتذكره الذي نجا، فيكون سبباً لخلاص يوسف. قوله: (بَعْدَ أُمَّةٍ) . جماعة من الزمان مجتمعة، وقرىء في الشواذ " أَمَهٍ" - بفتحتين -. أي نسيان، أني زوال عقل. وقوله: (فَأَرْسِلُونِ) أي إلى السجن، فأرسل فجاء، فقال: (يُوسُفُ)) : أي يا يوسف، "أَيُّهَا الصِّدِّيقُ" هو المبالغ في الصدق، يجوز أن يكون هذا ثناء عليه، ويجوز أن يكون المراد صدقه في رؤياه ورؤيا صاحبه. قوله: (أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ) أي في رؤيا، من رأى في منامه، سبع بقرات. قوله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قيل: هما بمعنى كي، وقيل: هما على أصلهما من الطمع، والترجي في فائدة التكرار هي أن أحدهما: يتعلق بتعبير الرؤيا، أي لعلي أرجع بتأويلها إليهم، والثاني: يتعلق بيوسف، أي لعلهم يعلمون منزلتك وصدقك، فيخرجوك من السجن. قوله: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) . الغريب: في مصحف ابن مسعود: فذروه في سنبله، هو أبقى له. (إلا قليلًا مما تَأْكُلُونَ) ، أي تحتاجون إلى أكله، فأخرِجوه من السنبل، وليس هذا من الرؤيا في شيء، ولكن ذكرها نصيحة لهم، وقيل الأول أيضاً محمول على الأمر، أي ازرعوا سبع سنين. قوله: (يَأْكُلْنَ) أي ياكلون فيها.

стр. 450

قوله: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ) . ليس هنا من جملة الرؤيا، ولكن ذكره تنبيهاً على علمه. الغريب: معرفة ذلك ضرورة، لأنه إذا حكم أن سني القحط فالثامنة خِصْب لا غير. قوله: (يُغَاثُ النَّاسُ) قيل هو من الغيث، وقيل: من الغوث. قوله: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) أي تكثر الثمار والأعناب والسمسم والزيتون، فيعصرون الأدهان والأشربة، وقيل: معناه ينجون من القحط، من قولهم: هو عُصرة المنجود، أي المكروب. الغريب: ابن عباس: يعصرون، أي يحلبون المواشي من كثرة المزارع. العجيب: تعصرون السحاب بنزول الغيث: من قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) . قوله: (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) . أي فلما جاءه الرسول ليخرجه من السجن، قال ارجع إلى ربك، أي الملك، (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ) يريد بذلك إظهار براءته مما نسب إليه، وأنه كان محبوسأ ظلما، وعن النبي ﷺ أنه قال: " رحم الله أخي يوسف. لو كنت مكانه لبادرتهم إلى الباب ". ويروى لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ". قوله: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) .

стр. 451

أي ما علمنا على يوسف من ذنب. الغريب: ما علمنا سوءاً في دعائنا المملوك إلى طاعة صاحبته. قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) . أي رد السؤال وامتناعي من الخروج، ليعلم العزيز أني لم أخنه. وقيل: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز. قوله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) . ذهب بعض المفسرين إلى أن جبريل أتى يوسف فقال له: ولا حين هممت فقال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي، وهذا قول ابن عباس، وقال السدي: خاطبته بذلك راعيل، يعني زليخا، ولا حين خلعت السراويل، الحسن: لما زكى نبي الله نفسه، استدرك فقال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي. الغريب: قتادة، خاطبه الملك، فقال: اذكر ما هممت به (١) . والقول اللطيف: ما قيل: إن هذا كله من كلام امرأة العزيز، وهو متصل بقوله: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) . "ذَلِكَ " الإقرار، "لِيَعْلَمَ" يوسف، (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) بظهر الغيب، (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) ، (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) عن ذنب هممت به، (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) ، إذا غلبت الشهوة، (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) أي بنزع الشهوة عن يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وهذا القول ظاهر، والأول قول الجمهور، وفيه غموض. قوله: (إنك اليوم لدينا مكين) . أي فلما عبر رؤياه شفاها ودله على الرشد، (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) .

стр. 452

الغريب: في الآية تقديم وتأخير تقديره: اجعلني على خزائن الأرض. قال انك اليوم لدينا مكين أمين. أي إجابة إلى ما طلب. وقوله: (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) . أي حفيظ للخزائن، عليم بالتدبير فيها. وقيل: معناه: كاتب حاسب. الغريب: حفيظ لكتب الله، عليم بمعانيها. العجيب: أي حفيظ باللغات، عليم بالألسن، قيل: هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور الداخل في قوله : (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) ، ودليل أيضاً على جواز تولي القضاء من جهة الباغي الظالم. قوله: (فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) . أي لم يعرفوه ولم يكن منهم إنكاراً، وإنما ذكر ذلك لمطابقة المعروف والمنكر. قوله: (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) ، إلى آخر الآيتين. سؤال: كان إخوة يوسف أهل حزم وعزم ورأي ومعرفة، فلِمَ لم يقولوا لَهُ من أين عرفت أخانا هذا وما عليك أو لك في أمرك إيانا بالإتيان الجواب: ذهب بعضهم إلى أنهم لما دخلوا على يوسف وكلموه بالعبرانية قال لهم: من أنتم وأما أمركم ولعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادنا، قالوا: والله ما نحن بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ، يقال له يعقوب نبي من الأنبياء، قال: فكم أنتم،

стр. 453

قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا، قال فكم أنتم ها هنا، قالوا: عشرة، قال: فأين الآخر، قالوا: عند أبينا وهو الذي هلك أخوه من أبيه وأمه، يتسلى به، قال: فمن الذي يعلم أن الذي تقولون حق، قالوا: يا أيها الملك إننا ببلاد لا يعرفنا أحد، فقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك. أظهر لهم أنه يريد أن يستبري به أحوالهم. وقال صاحب النظم: سألوه أن يعطيهم وأخاهم الأخ لأبيهم، فأعطاهم، ثم أعيد عليهم في الرجعة فقال: ائتوني بهذا الأخ حتى أعلم صدقكم من كذبكم، وإن لم تأتوني به، علمت كذبكم، فلم أعطكم شيئا بعده، وقيل: سألوه لأخيهم هذا فلم يعطهم، وقال لهم: ائتوني به حتى أعلم ذلك ثم أعطيكم. قوله: (وإنا لفاعلون) . أي ما أمرتنا به. الغريب: لفاعلون المراودة، وهذه الكلمة تشبه قولَه في السورة: (إن كنتم فاعلين) . قوله: (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) . كرر العل "، لأن الأول يتعلق بالمعرفة، والثاني بالرجوع، ومثله في هذه السورة (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) . الغريب: إنما كرره لمراعاة فواصل الآي، لأنه إن لم يكرره كان وجه الكلام لعلهم يعرفونها فيرجعوا، وكذلك لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا. قوله: (مَا نَبْغِي) . "مَا" للنفي، أي لا نطلب منك ما تردنا به إلى مصر، هذه بضاعتنا نتصرف بها.

стр. 454

والغريب: "مَا" للاستفهام، أي ماذا نطلب وماذا نريد، وهل فوق هذا من مزيد، أكرمنا وباع منا ورد علينا الثمن. العجيب: "مَا" للنفي، و "مَا" معناه ما نكذب فيما نخبرك عن صاحب مصر. قوله: (بَعِيرٍ) أي جمل. الغريب: مجاهد: "بعير" حمار. قوله: (لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) . الأكثرون على أنه خاف عليهم العين، وكانوا ذوي هيبة وجمال. وقيل: خاف عليهم أن يبلغ الملك قوتهم وشدة بطشهم فَيهُمَّ بهم شراً خوفا على مملكته. الغريب: قال ذلك رجاء أن يلقوا يوسف. العجيب: معناه لا تسألوا الملك حاجة واحدة بأجمعكم بل يسأل كل واحد منكم حاجة كلما جاء في قوله: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) . قوله: (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ) جمع بين الواو والفاء في عطف الجملة على الجملة لما تقدم الصلة على الموصول بها. قوله: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) . تصديق من الله نبيه في قوله: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) . قوله: (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) أي قضى تلك الحاجة. وهي تفرقهم خوف العين أو خوف الملك أو رجاء أن يلقوا يوسف. قوله: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) .

стр. 455

اعترف له بنسبه، وقال: لا تخبرهم بما أخبرتك. الغريب: وهب: أنا أخوك مكان أخيك الذي زعموا أنه أكله الذئب. قوله: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) . دَأبُ الناشد في طلبه الضالة أن يضمن لمن جاءه بها شيئاً. قوله: (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) بعد قوله: (نَفْقِدُ) محمول على المؤذن، فإن الزعيم كان هو المؤذن. قوله: (تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) . إنما قالوا ذلك، لأنهم كانوا إذا دخلوا مصر كعموا (١) أفواه دوابهم حتى لا تأكل من حرث الناس، وكان قد عرف ذلك منهم، لأنهم ردوا ما وجدوا في رحالهم وليس ذلك دأب السراق. الغريب: فيه تقديم وتأخير، تقديره: تالله ما كنا سارقين ولقد علمتم. لتكون اليمين واقعة على فعلهم لا فعل غيرهم. قوله: (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) . أي جزاء السارق نفس السارق، أي استعباده، وله من الإعراب وجهان: أحدهما: أن جزاء رفع بالابتداء (مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) خبره " فهو جزاؤه جملة عطفت على جملة. والثاني: أن "جَزَاؤُهُ" مبتدأ و "مَنْ وُجِدَ) مبتدأ ثانٍ، "فَهُوَ جَزَاؤُهُ" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، والعائد إلى المبتدأ الأول غير المبتدأ، كما تقول: زيد ضربت زيداً، و "من " للشرط. و"الفاء" خبره، وقيل: هو بمعنى الذي، و "الفا" دخل الخبر، وقيل: (من) في الآية نكرة، وما بعده صفة له، كما جاء في الشعر: قال الشاعر:

стр. 456

فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا. . . حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا وفيه بعد. قوله: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا) . أي السقاية التي في رحل أخيه، وقيل: الصواع، وهو يذكر ويؤنث. وقيل: السرقة. قوله: (كِدْنَا لِيُوسُفَ) ، أي صنعنا، وقيل: ألهمنا. الغريب: (كِدْنَا) بمعنى أردنا، كما جاء (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) .، والمراد يكاد. ومن الغريب: كدنا إخوةَ يوسف لأجل يوسف، الكيد هنا: رد الحكم إلى بني يعقوب. قوله: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) . أكثر المفسرون فيه. والغريب: قول عكرمة: هذه عقوبة من الله ليوسف أجراها على لسان إخوته في مقابلة قوله: (إنكم لسارقون) . قوله: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) ، أي الإجابة، وقيل: المقالة. والمراد بها المقول. العجيب: قال الزجاج: هذه كناية بشريطة التفسير، ورد عليه أبو علي، وقال: الكنابة شريطة التفسير في الكلام على وجهين لا ثالث لهما. أحدهما: مفرد تفسره جملة نحو: إنه زيد قائم، والنحويون: يسمونه كناية

стр. 457

الأمر والشأن، وهذا مختص بالمبتدأ والعوامل الداخلة على المبتدأ. والثاني: مفرد يفسره مفرد نحو: نعم رجلًا زيد، وبئس غلاماً عمرو، وأراد الزجاج بقوله: بشريطة التفسير، أن قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) ، يفسره، والقول قول أبي علي. قوله: (خَلَصُوا نَجِيًّا) . أي انفردوا عن غيرهم يتناجون نجيا، فهو مصدر، وقيل: هو اسم الفاعل أي كل واحد نجي. الغريب: فعيل يقوم مقام الجمع. قوله: (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) "مَا" صلة، وقيل: "مَا" مع الفعل في تأويل المصدر، ومحله نصب بالعطف على اسم (أنّ) ، وقيل: على محل أن، وقيل، رفع بالابتداء، و "فِي يُوسُفَ" خبره، أي وتفريطكم، كان في يوسف من قبل، وقيل: رفع بالابتداء، "فِي يُوسُفَ" خبره، وقيل: رفع بالابتداء، "فِي يُوسُفَ" خبره، وهذا مزيف. قوله: (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) . فيما رأينا في الظاهر. قوله: (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) أي لم نعلم الغيب حين سألناك أن تبعث بنيامين معنا، ولم ندر أن الأمر يؤول إلى هذا. الغريب: الغيب، الليل بلغة حِمير، أي لعله سرق بالليل، وقيل: في رحله بالليل. قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . عاد إلى مثل كلامه في يوسف، وهو قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

стр. 458

حين جاؤوا على قميصه بدم كذب. فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين قوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) ، ويين قوله: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) . الجواب: الشكوى إلى الله لا تزيل اسم الصبر عن الصابر، كما لم تزِل عن أيوب عند قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فإن قيل: كيف عدل إلى يوسف ولم يقل يا أسفي على بنيامين؟ الجواب: أراد يا أسفي على يوسف وبنيامين، واقتصر على ذكر أحدهما، وقيل: كأنَّه أراد كل هَمٍّ بالإضافة إلى هَمِّ يوسف جلل، وقيل: لأنه نُعي إليه يوسف حين قالوا فأكله الذئب، ولم ينع إليه بنيامين، بل قيل: إن ابنك سرق. قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) . أي لا تفتؤ، وجاز حذفه، لأن اليمين في الإثبات يجاب باللام أو بإن، وفي النفي يجاب بما أو بلا، وإذا خلا من علامة الإثبات فالنفي لا غير، نحو: أن تقول: والله اضرب زيداً، يكون تقديره: لا أضرب، ومثله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا) ، أي لا يؤتوا، ومثله في الشعر في. قال امرؤ القيس: ١٢٧١، لقد آليت أغدِرُ في جداع أي لا أغدر، وذكر عقبه. فإن الغدْرَ بالأقوام عارٌ وإن الحرَّ يجزأ بالكراع قوله: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) . أي أعطنا بالرديء ما تعطي بالجيد، وقيل: تصدق علينا بأخذ متاعنا. وإن لم يكن من حاجتك..

стр. 459

الغريب: تصدق علينا بأخينا، وقيل: تفضل علينا وتجاوز عنا. العجيب: كانت الصدقة على الأنبياء حلالا، وإنما حرمت على نبينا محمد ﷺ . قوله: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) . موجب هذا القول عند بعضهم، أنهم لما قالوا: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) دخلته رقة، فعندها قال: هل علمتم، وقيل: كتب يعقوب إليه كتابا في معنى بنيامن وذكر أحواله، فدخلته رقة. الغريب: قال لهم يوسف: إن مالك بن ذعر قال: اشتريت منكم بمكان كذا غلاما من صفته كذا وكذا، فقالوا: نحن بعناه منه، فغضب عليهم وأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا، فدمعت عيناه ورق لهم، وقال: هل علمتم. حكاه الثعلبي في تفسيره (١) . العجيب: حكى ابن الهيضم في كتاب القصص: أنه صلبهم. وفي القولين بعد - والله أعلم -. قوله: (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) . قرىء يالاستفهام والخبر، ويرجح جانب الاستفهام قوله عقبه "أَنَا يُوسُفُ"، ويرجح جانب الخبر اللام، وقوله: "لَأَنْتَ" مبتدأ، و"يوسف" خبره، والجملة خبر عن اسم إن. العجيب: قول من زعم أن أنت تأكيد لكاف الخطاب، واللام يدفع هذا القول.

стр. 460

قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ) . عن ابن كثير: "من يتقي ويصبر" - بإثبات الياء وجزم الراء، وبابه الشعر. قال الشاعر: ألم يَأْتيك والأنباءُ تُنْمي. . . بما لاقَتْ لَبُونُ بني زياد الغريب: (من) الشرط بمعنى "الذي"، و "يتقي" صلته، وجزم الراء يصير حملًا على الشرط الذي تضمنه الذي، وحسن لذلك دخول "الفاء" في خبره. ذكره أبو علي في الحجة. العجيب: أراد ويصبر فسكنه تخفيفاً، حكاه أبو علي أيضاً. قوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) . هي قرية بالقرب من مصر، لأنهم كانوا قد خرجوا من مصر، وقيل: القرية هي مصر، والتقدير: أهل القرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا في القرآن كثير جداً. الغريب: ليس في الآية حذف، والمعنى ليس بمستنكر أن يكلمك جدران القرية، فإنك نبي. قوله: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) . الجمهور لا تعيير عليكم، وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم، وقيل: لا مجازاة على ما فعلتم عندي لكم، وقيل: لا تخليط عليكم - الزجاج: لا إفساد عليكم، وقيل: لا لوم عليكم ولا عتب.
следующие страницы →