فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا. . . حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
وفيه بعد.
قوله: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا) .
أي السقاية التي في رحل أخيه، وقيل: الصواع، وهو يذكر ويؤنث.
وقيل: السرقة.
قوله: (كِدْنَا لِيُوسُفَ) ، أي صنعنا، وقيل: ألهمنا.
الغريب: (كِدْنَا) بمعنى أردنا، كما جاء (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) .، والمراد
يكاد. ومن الغريب: كدنا إخوةَ يوسف لأجل يوسف، الكيد هنا: رد الحكم إلى بني يعقوب.
قوله: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) .
أكثر المفسرون فيه.
والغريب: قول عكرمة: هذه عقوبة من الله ليوسف أجراها على لسان
إخوته في مقابلة قوله: (إنكم لسارقون) .
قوله: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) ، أي الإجابة، وقيل: المقالة.
والمراد بها المقول.
العجيب: قال الزجاج: هذه كناية بشريطة التفسير، ورد عليه أبو
علي، وقال: الكنابة شريطة التفسير في الكلام على وجهين لا ثالث لهما.
أحدهما: مفرد تفسره جملة نحو: إنه زيد قائم، والنحويون: يسمونه كناية
стр. 457
الأمر والشأن، وهذا مختص بالمبتدأ والعوامل الداخلة على المبتدأ.
والثاني: مفرد يفسره مفرد نحو: نعم رجلًا زيد، وبئس غلاماً عمرو، وأراد
الزجاج بقوله: بشريطة التفسير، أن قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) ، يفسره، والقول قول أبي علي.
قوله: (خَلَصُوا نَجِيًّا) .
أي انفردوا عن غيرهم يتناجون نجيا، فهو مصدر، وقيل: هو اسم
الفاعل أي كل واحد نجي.
الغريب: فعيل يقوم مقام الجمع.
قوله: (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ)
"مَا" صلة، وقيل: "مَا" مع الفعل في تأويل المصدر، ومحله نصب بالعطف على اسم (أنّ) ، وقيل: على محل أن، وقيل، رفع بالابتداء، و "فِي يُوسُفَ" خبره، أي وتفريطكم، كان في يوسف من قبل، وقيل: رفع بالابتداء، "فِي يُوسُفَ" خبره، وقيل: رفع بالابتداء، "فِي يُوسُفَ" خبره، وهذا مزيف.
قوله: (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) .
فيما رأينا في الظاهر.
قوله: (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)
أي لم نعلم الغيب حين سألناك أن تبعث بنيامين معنا، ولم ندر أن الأمر يؤول إلى هذا.
الغريب: الغيب، الليل بلغة حِمير، أي لعله سرق بالليل، وقيل:
في رحله بالليل.
قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) .
عاد إلى مثل كلامه في يوسف، وهو قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)
стр. 458
حين جاؤوا على قميصه بدم كذب.
فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين قوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) ، ويين قوله: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) .
الجواب: الشكوى إلى الله لا تزيل اسم الصبر عن الصابر، كما لم
تزِل عن أيوب عند قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ)
فإن قيل: كيف عدل إلى يوسف ولم يقل يا أسفي على بنيامين؟
الجواب: أراد يا أسفي على يوسف وبنيامين، واقتصر على ذكر
أحدهما، وقيل: كأنَّه أراد كل هَمٍّ بالإضافة إلى هَمِّ يوسف جلل، وقيل: لأنه نُعي إليه يوسف حين قالوا فأكله الذئب، ولم ينع إليه بنيامين، بل قيل: إن ابنك سرق.
قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) .
أي لا تفتؤ، وجاز حذفه، لأن اليمين في الإثبات يجاب باللام أو
بإن، وفي النفي يجاب بما أو بلا، وإذا خلا من علامة الإثبات فالنفي لا
غير، نحو: أن تقول: والله اضرب زيداً، يكون تقديره: لا أضرب، ومثله:
(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا) ، أي لا يؤتوا، ومثله في
الشعر في. قال امرؤ القيس:
١٢٧١، لقد آليت أغدِرُ في جداع
أي لا أغدر، وذكر عقبه.
فإن الغدْرَ بالأقوام عارٌ
وإن الحرَّ يجزأ بالكراع
قوله: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) .
أي أعطنا بالرديء ما تعطي بالجيد، وقيل: تصدق علينا بأخذ متاعنا.
وإن لم يكن من حاجتك..
стр. 459
الغريب: تصدق علينا بأخينا، وقيل: تفضل علينا وتجاوز عنا.
العجيب: كانت الصدقة على الأنبياء حلالا، وإنما حرمت على نبينا
محمد ﷺ .
قوله: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) .
موجب هذا القول عند بعضهم، أنهم لما قالوا: (يا أيها العزيز مسنا
وأهلنا الضر) دخلته رقة، فعندها قال: هل علمتم، وقيل: كتب يعقوب إليه كتابا في معنى بنيامن وذكر أحواله، فدخلته رقة.
الغريب: قال لهم يوسف: إن مالك بن ذعر قال: اشتريت منكم
بمكان كذا غلاما من صفته كذا وكذا، فقالوا: نحن بعناه منه، فغضب عليهم وأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا، فدمعت عيناه ورق لهم، وقال: هل علمتم.
حكاه الثعلبي في تفسيره (١) .
العجيب: حكى ابن الهيضم في كتاب القصص: أنه صلبهم. وفي
القولين بعد - والله أعلم -.
قوله: (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) .
قرىء يالاستفهام والخبر، ويرجح جانب الاستفهام قوله عقبه "أَنَا يُوسُفُ"، ويرجح جانب الخبر اللام، وقوله: "لَأَنْتَ" مبتدأ، و"يوسف"
خبره، والجملة خبر عن اسم إن.
العجيب: قول من زعم أن أنت تأكيد لكاف الخطاب، واللام يدفع
هذا القول.
стр. 460
قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ) .
عن ابن كثير: "من يتقي ويصبر" - بإثبات الياء وجزم الراء، وبابه
الشعر. قال الشاعر:
ألم يَأْتيك والأنباءُ تُنْمي. . . بما لاقَتْ لَبُونُ بني زياد
الغريب: (من) الشرط بمعنى "الذي"، و "يتقي" صلته، وجزم الراء
يصير حملًا على الشرط الذي تضمنه الذي، وحسن لذلك دخول "الفاء" في
خبره. ذكره أبو علي في الحجة.
العجيب: أراد ويصبر فسكنه تخفيفاً، حكاه أبو علي أيضاً.
قوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) .
هي قرية بالقرب من مصر، لأنهم كانوا قد خرجوا من مصر، وقيل:
القرية هي مصر، والتقدير: أهل القرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
مقامه، وهذا في القرآن كثير جداً.
الغريب: ليس في الآية حذف، والمعنى ليس بمستنكر أن يكلمك
جدران القرية، فإنك نبي.
قوله: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) .
الجمهور لا تعيير عليكم، وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم، وقيل: لا مجازاة
على ما فعلتم عندي لكم، وقيل: لا تخليط عليكم - الزجاج: لا إفساد
عليكم، وقيل: لا لوم عليكم ولا عتب.
стр. 461
الغريب: ابن عيسى" التثريب تعليق الضر بالإنسان من أجل جرم كان منه.
العجيب: ابن بحر: هو مأخوذ من الثرب، وهو لحم الجوف، وهو
بلوغ الأقصى من الأمر.
قال الشيخ: ومن الغريب: يحتمل أنه من الثرب، كما ذكر ابن بحر
ويكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: فلان يتناول كبد زيد ويأكل كبده.
كناية عن التوبيخ واللوم والانتظار.
وقوله: (عليكم) لا يتعلق بالتثرب، لأن ذلك يستدعي تنوين
التثريب، وكذلك اليوم، ويجوز أن يكون "عليكم" الخبر واليوم متعلق بما في
عليكم من معنى الفعل، ويجوز أن تجعل اليوم خبراً و "عليكم" صفة للتثريب، ويجوز أن تضمر الخبر، أي لا تثريب عليكم موجود، ويجوز أن يكون اليوم متصلاً بقوله: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) ، فيكون الكلام كافياً على قوله: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) .
قوله: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا) .
قيل: كان قميصه الذي يلبسه، وقيل: كان من الجنة، لا يمسه ذو
عاهة إلا صح، وذكر المفسرون: أنه القميص الذي ألبسه الله إبراهيم ﵇ يوم طرح في النار، فكساه إسحاق، ثم كساه هو يعقوب، ثم جعله يعقوب في تعويذة وعلَّقه في جيد يوسف ولم يعلم إخوته بذلك (١) .
قوله: (يَأْتِ بَصِيرًا) ليرجع إلى حالة الصحة والبصر.
قوله: (رِيحَ يُوسُفَ) .
أي ريح قميص يوسف، فكان من الجنة (٢) ، فعلم أن ليس في الدنيا من
الجنة شيء إلا ذلك القميص، ولذلك قال: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) ، ومن
حمله على القميص الملبوس، قال: لما نشروه فاحت منه ريح يوسف فبلغت
стр. 462
يعقوب من مسافة بعيدة معجزة له، وللولد ريح كما جاء في الخبر،: ريح
الولد من الجنة) .
قوله: (لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ) .
أي خطأكِ القديم من حب يوسف، غلظوا له القول بهذه الكلمة إشفاقا
منهم عليه، وكان عندهم أنه قد مات، وهذا الكلام من أسباط يعقوب، فإن أولاده بَعْعُ في الطريق.
سعيد: "ضلالك" حيرتك. الحسن: هذا عقوق، كأن لم يرضَ هذا القول.
الغريب: في ضلالك، أي محبتك.
قال الشيخ الإمام: وفي الغريب يحتمل أنهم أرادوا بهذا الضلال ما قال بنو يعقوب ليعقوب إن أبانا لفي ضلال مبين.
قوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) .
أي أدوم عليه، وقيل: أخره إلى وقت السحر، وقيل: إلى ليلة الجمعة.
وقيل: إلى أن أسال يوسف، فإن عفا عنكم أستغفر لكم.
قوله: (أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) .
الجمهور، أبوه وخالته: الحسن: أمه كانت باقية إلى دخول
مصر، - وهو الغريب -
والعجيب: قول من قال: أحياها الله ذلك الوقت تحقيقا لرؤيا
يوسف.
قوله، (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) .
стр. 463
قيل: متصل بالدخول، وكان قد استقبلهم، وقيل متصل بالأمن، لا
تخافون بعد اليوم.
الغريب: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) جار مجرى تسبيح ها هنا، وليس باستثناء.
العجيب: هو متصل بقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) إن شاء الله.
قوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) ، أي ليوسف تصديقا لرؤياه، وكان تحيتهم
ذلك.
الغريب: سجدوا لله، و"الهاء" في "له، تعود إلى الله، وفيه تقديم.
أي وخروا له سجداً ورفع أبويه على العرش.
قوله: (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يقل: من الجب، لقوله: (لا
تثريب عليكم) .
قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) .
ذهب جماعة إلى أنه تمنى الموت، وذهب آخرون إلى أن المعنى
توفني حين تتوفني.
وقوله: (يمرون عليها) .
يعود إلى الآيات.
الغريب: يعود إلى الأرض، وقوله: (عنها) يعود إلى الآيات لا غير.
وقرىء في الشواذ "والأرضُ" - بالرفع -.
وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ)
أي وكأيِّ عدد شئت، ويلزم ما بعده من قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
نزلت في الكفار، لأنهم مقرون بأن الله خلقهم، وقيل: نزلت في الثنوية، وقولهم بالنور والظلمة، والمجوس وقولهم الخير من الله والشر من إبليس. وقيل: في النصارى، آمنوا ثم أشركوا بالثليث.
стр. 464
الغريب: ابن عباس: نزلت في تلبية المشركين، وهي قولهم: لبيك
اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقيل: في
المنافقين، وقيل: في أهل الكتاب.
العجيب: قول من قال - وهو ابن جرير -: هو قول القائل: لولا الله
وفلان لكان كذا. وقيل: تقديره: إلا وهم كانوا مشركين.
ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ : "مَن حلفَ بغير الله ففد أشركَ بالله) .
قوله: (عَلَى بَصِيرَةٍ) .
حال من الداعي، و "أنا" تأكيد للضمير في "أدعواا، و "وَمَنِ اتَّبَعَنِي" عطف
عليه.
الغريب: "أنا ومن اتبعني" ابتداء، "على بصيرة" خبره تقدم عليه.
ويجوز أن يرتفع ب "على " عند الأخفش.
قوله: (من أهل القرى) .
لأنهم أحكم وأعلم، وما بعث الله نياً من البادية ولا من النساء.
قال الحسن: ولا من الجن.
سؤال: لِمَ قال في هذه السورة: (من قبلك) بزيادة "من"، وقال في الأنبياء: (قبلك) بحذفه.
الجواب: قيل: اسم للزمان الذي تقدم أضيف إليه قبل، وأفاد
دخول من استيعاب الظرفين، لأن قبل قد يقع على بعض ما تقدم، وما في
стр. 465
هذه السورة للاستيعاب، وأما في الأنبياء فوافق ما قبله وهو قوله: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ) ، لأنه هو بعينه.
قوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ، أي الأرض ذات الطول والعرض.
الغريب: معناه، أفلم يقرأوا القرآن فيعرفوا حال من قبلهم.
سؤال: لِمَ قال في هذه السورة: "أَفَلَمْ"، وفي بعض المواضع
"بالواو".
الجواب: إذا كان الثاني متصلا بالأول ذكر بالفاء ليدل على
الاتصال، وعلى عطف جملة على جملة، والواو يدل على عطف جملة على
جملة فحسب، وفي هذه السورة، قد اتصلت بالأول لقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) ، حال من كذبهم، وليس كذلك ما في الروم والملائكة.
قوله: (ولدار الآخرة) ، الموصوف محذوف تقديره، ولدار الساعة
الأخرى، فحذفت الساعة لتقدم ذكرها في قوله (أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) ، أي القيامة.
سؤال: لِمَ قال في هذه السورة (بالإضافة) وقال في الأعراف: (والدار الآخرة) على الصفة.
الجواب: لأن في الأعراف تقدم قوله: (عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) .
أي المنزل الأدنى، والدار الدنيا بمعناه، والدنيا صفة للدار، كذلك الآخرة
جعلت وصفاً للدار.
قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) .
стр. 466
من قرأ - بالتشديد - فمعناه وأيقنوا أن القوم قد كذبوهم، ومن قرأ
- بالتخفيف - فله وجهان:
أحدهما: أن الضمير يعود إلى المرسل إليهم، أي وظن القوم أن الرسل قد كَذَبوهم.
والثاني: يعود إلى الرسل، أي وظن الرسل أن قومهم قد كذَبوهم فيما وعدوهم من الإجابة إلى الإيمان.
وقيل: ظن القوم أن الرسل قد كذِبوا، أي أخلِفوا ما وُعِدوا به من النصر، و "كَذب" يتعدى إلى مفعولين: كذبته الحديث.
العجيب: حكى القتَبي في المشكل: كانوا بشراً، يعني الرسل.
يذهب إلى أن الرسل ضعفوا فظنوا أنهم أُخلِفوا.
قال الشيخ الإمام: وهذا بعيد لا يعتقد مثله في الأنبياء والمرسلين
- والله أعلم.
стр. 467
سورة الرعد
قوله تعالى: (المر) .
سبق الكلام فيها.
الغريب: أنا الله أعلم وأرفع بدليل قوله: (الله الذي رفع السموات) .
قوله: (آيات الكتاب)
قيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ.
العجيب: الزبور وهو قول مطر.
الغريب: القرآن، والذي أنزل إليك من ربك هو القرآن لا غير.
ومحل الذي جر فيمن جعل الكتاب القرآن على الوصف، والواو زيادة.
ويجوز أن يكون للعطف، وقد يعطف الوصف على الوصف، قال الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ. . . وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وقيل: محل" والذي" رفع بالابتداء "الحق" خبره.
العجيب: قيل: محله جر بالقسم وجوابه (المر تلك آيات الكتاب "
стр. 468
تقدم عليه، فلم يحتج إلى حرف التأكيد.
وقوله: (الحقُّ) رفع من أربعة
أوجه، أحدها: أن يقال: "تِلْكَ" مبتدأ، "آيَاتُ الْكِتَابِ" صفته، "الْحَقُّ"
خبره.
والثاني: "تِلْكَ" مبتدأ، "آيَاتُ الْكِتَابِ" خبره، و "الْحَقُّ" خبر بعد
خبر، والثالث: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) مبتدأ، "الْحَقُّ" خبره.
والرابع: خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق.
قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) .
جمع عماد، وقيل: جمع عمود، فإن العرب تقول: عماد البيت وعمود
البيت، والجمع عَمَد - بفتحتين -، ومثله: إهاب وأُهَب، وأديم وأُدَم، وأفيق وأفَق.
قوله: (ترونها)
"الهاء" تعود إلى السماء، والتاء متعلق بالرفع، ويجوز
أن يعلق بالرؤية أي ترونها بالعيان فلا حاجة إلى البيان، وقيل: "الهاء" يعود
إلى العمد، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها عمد غير مرئية وهي قدرة الله تعالى.
والثاني: هي جبل قاف، والسموات مقببة عليه، وإن خضرة السماء من
ذلك.
الغريب: قال الفراء: تقديره: بعمد لا ترونها، فقدم النفي.
والعرب قد تفعل مثل هذا. قال الشاعر:
ولا أراها تزال ظالمةً. . . تُحْدِثُ لي قَرحةً وتنكؤها
أي أراها لا تزال.
قوله: (مَدَّ الْأَرْضَ) .
أي طولاً وعرضاً، والآية حجة لمن قال الأرض بسط على من قال
كرَة.
стр. 469
قوله: (رَوَاسِيَ)
جمع راسية، كأنَّه جمع جبلًا على أجبل، ثم جمع
جبال، وهي جمع الكثير. والتأنيث لأجبل، وقيل: جبل راسية على المبالغة، كعلامة وراوية للحديث، وهو الغريب.
قوله: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)
أي نوعين، وقيل: لونين، حلو وحامض، وأبيض وأسود، وخص اثنين بالذكر، وإن كان في أجناس الثمار ما يزيد على ذلك.
لأنه الأقل، إذ لا جنى تنقص أنواعه عن اثنين.
الغريب: تم الكلام على قوله: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ، ثم قال: (جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ، يعني الشمس والقمر، والليل والنهار.
العجيب: أحد الزوجين ذكر والآخر أنثى، كفحول النخل وإناثها.
وكذلك كل النبات، وإن خَفي.
ومن الغريب: قول من قال: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يريد بهما أربعة، لأن الزوج
يقع على الاثنين كما يقع على الواحد، فصارت كل ثمرة أربعة أنواع.
قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)
الليل، المفعول الأول، أي يُغْشِي في أحدهما الآخَر، فيصير التقدير يُغْشِي الليل النهار، والنهار الليل.
قوله: (صِنْوَانٌ) .
أي نخَلاتْ أصلها واحد، (وَغَيْرُ صِنْوَانٍ) ، أي متفرقات.
الغريب: "صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ"، صفة لجنات، أي أشكال وغير أشكال.
قوله: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)
الماء متحد الوصف، واختلاف ألوانه وطعومه بالمجاورة "والأكل"، الثمر.
وهو خلاصة الشجر.
الغريب: هذا مثل لبني آدم صالحهم وطالحهم وأبوهم واحد.
ومن الغريب: هذا مثل لقلوب بني آدم يزل عليها تذكير واحد، فيرق بعضها، ويقسو البعض.
стр. 470
قوله: (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) .
أي عندكم، ولا به يوصف الباري سبحانه.
الغريب: ذهب فتادة إلى جوازه.
(أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا)
العامل في إذا مضمر تقديره " انبعث، ولا يعمل في "كنا"، لأن "إذا" مضاف إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا فيما قبله ولا يعمل فيه "جديد"، لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبله.
قوله: (الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) ، جمع غُل، وهو القيد يجمع اليمنى
والعنق.
الغريب: (أغلالُهم" أعمالهم، كما تقول للعمل السيء: هذا غُل في
عنقك.
قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) .
أي بالعقوبة قبل العافية، وقيل: بالشر قبل الخير، وقيل بالكفر قبل
الإجابة. وقيل: يطلبون ما يسوؤهم من العذاب قبل الإحسان بالأنظار.
الغريب: معنى "قبل" ها هنا الوقت، أي يستعجلونك بالعذاب وقت
إحسان الله إليهم بتأخيره عنهم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ومن الغريب: "قبل" ها هنا للتفضيل" كما تقول: الفرائض قبل النوافل.
العجيب: "قبل" ها هنا بمعنى دون كما تقول: اختر الجَوْد قبل
النحل، وقد يستعمل دون بمعنى قبل كقوله ﵇: " من قتل
دون ماله فهو شهيد".
قوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)
قيل: على الصغائر، وقيل: على ظلمهم بالتوبة منه، وقيل: هو بمنزلة قوله:
стр. 471
(يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) .
الغريب: المغفرة ها هنا تأخير العذاب إلى يوم الجزاء لا غفران
الذنوب.
وقيل: (عَلَى ظُلْمِهِمْ) على شركهم إذا أسلموا، وزعم بعضهم أنه
منسوخ بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية، والجمهور على أنه
محكم، ورحم امرءاً لم يضيق على الناس ما وسَّعه الله لهم.
قاله الشيخ الإمام.
قوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) .
تقديره: إنما أنت يا محمد منذر وهاد لكل قوم، وقيل: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) ، والله لكل قوم هاد، وقريب من هذا قول من قال، ولكل قوم هاد الله.
ثم قال: يعلم، أي هو يعلم، وقيل: هذا عام، أي ولكل قوم نبي بعث إليهم وداع يدعوهم إلى الحق.
العجيب: "إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ" وعليٌّ هاد لكل قوم. حكاه الثعلبي في
تفسيره.
قوله: (مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) .
أي من ذكر وأنثى، وقيل: من واحد أو اثنين.
الغريب: من صالح أو طالح.
قوله: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ)
أي تنقص عن مدة الحمل، وهي تسعة أشهر، وما تزيد على تسعة أشهر من السنة والسنتين وأكثر من ذلك، وقيل، الحَبَل والحُبالى.
стр. 472
الغريب: ما تغيض عن الواحد بالإخداج والإسقاط، (وما تزداد) .
على الواحد والاثنين.
العجيب: كلما حاضت على الحَبَل، أي رأت الدم على حملها يوما.
ازدادت على طهرها يوماً، حتى تستكمل تسعة أشهر طهراً، وما يجوز أن
يكون للمصدر، فلا يكون له محل من الإعراب، لأنه حرف، ويجوز أن
يكون بمعى الذي، فيكون في محل نصب، ويجوز أن يكون للاستفهام
ومحله رفع بالابتداء.
قوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) .
"مَنْ أَسَرَّ" مبتدأ، "وَمَنْ جَهَرَ" عطف عليه، وكذلك "وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ".
و"سَوَاءٌ " الخبر تقدم عليه.
قوله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) .
يعود إلى "من "، وقيل: إلى (مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ) ، والكلام قد تم على
"وَمَنْ جَهَرَ"، ومعنى "مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ" في الليل الباء للآلة، أي استتر به.
"وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ" أي في النهار.
الغريب: بسبب النهار، ومعنى قوله: "وَسَارِبٌ" ظاهر، وقيل: داخل.
له معقبات من آي الله، وهو الأظهر، والمعقبات الملائكة، وشدد الفعل
لكثرة وقوعه منهم، وأنث حملاً على لفظ الملائكة، وجمع كما تقول
العرب: رجالات قريش وأبناوات سعد.
قوله: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي بأمر الله، وقيل: حفظهم إياه بأمر الله.
وقيل: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الله) صفة لمعقبات، أي معقبات من أمر الله، كما تقول: له غلامٌ مِن بصره.
الغريب: يحفظونه من الجن والعقارب والحيات، وكل ذلك من
مخلوق الله، فيكون "من" بمعى عن.
стр. 473
العجيب: يحفظونه من قدر الله ما لم يجىء القدر، فإذا جاء القدر.
خلوا بينه وبينه.
قوله: (لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) ، أي من النعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم
من الطاعة. فيجعلوها معصية.
الغريب: لَا يُغَيِّرُ ما بهم من النعيم حَتَّى يُغَيِّرُوا هم ذلك، لأن ما بالقوم
ومَا بِأَنْفُسِهِمْ واحد.
ابن عباس ومجاهد في قوله (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) هم الحرس والرجال
يحفظون الأمراء، وقيل: هم الأمراء يمنعون الناس من الظلم.
العجيب: عكرمة، هم الجلاوزة.
ومن الغريب: لمحمد ﵇ ملائكة يحفظونه بأمر الله، وذلك
حين هَم أربدُ وعامر بن الطفيل بقتله فكفاه الله.
قوله: (خَوْفًا وَطَمَعًا) .
مصدران وقعا موقع الحال، أي خائفين وطامعين.
الغريب: "خَوْفًا وَطَمَعًا"، معناهما إخافةً وإطماعاً، كما تقول: فعلت
ذلك رغماً للشيطان، أي إرغاماً، فيكون نصبهما على المفعول له.
قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) .
أي من خيفة الله، وقيل: من خيفة الرعد، والرعد: اسم ملك.
بالسحاب، والمسموع من السحاب صوته، وقيل، الرعد: هو صوت
ذلك الملك.
стр. 474
والغريب: الرعد: صوت أجرام السحاب، وتسبيحه، دلالته على
وحدانية الله ، والأول الصواب، كما روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: " سبحان من يُسبح الرعد بحمدِهِ ".
وعن ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته
صاعقة، فعليَّ ديته".
قوله: (شَدِيدُ الْمِحَالِ) ، أي الأخذ والانتقام والعداوة.
الغريب: الإهلاك بالمحل، وهو القحط "والميم" أصل، من قولهم
محل به، إذا عرضه للهلاك.
الغريب العجيب: الميم زيادة، والكلمة من الحول والحيلة، وهو
بعيد، لأن المِفْعَل والمِفعال يصحان كالمِخْيط والمِقْود والمِحْور.
قوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) .
في وجهان: أحدهما: أن "الذين يدعون" هم الكفار، وواو الضمير هو
العائد إلى الموصول، والمفعول محذوف، وهم الأصنام، ودل على
المحذوف ما بعده وهو قوله: (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ) .
الثاني: أن "الَّذِينَ يَدْعُونَ" هم الأصنام، والضمير محذوف، أي يدعونهم "لا يستجيبون لهم" خبر الذين في الوجهين.
قوله: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ) : استثناء من الاستجابة التي دل عليها (لَا يَسْتَجِيبُونَ) ، لأن الفعل بحروفه يدل على المصدر، وبصيغته يدل على الزمان، وبالضرورة يدل على المكان، والحال، فجاز استثناء كل هذه من الفعل، فصار تقدير الآية (لَا يَسْتَجِيبُونَ) إلا استجابة مثل استجابة باسط كفيه إلى الماء، واللام في "ليبلغ" متصل بـ "بَاسِطِ كَفَّيْهِ) "
стр. 475
إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ
قوله: (وَمَا هُوَ)
يجوز أن يكون كناية عن الماء، ويجوز أن يكون كناية عن قوله: (فاه) ، ويجوز أن يكون كناية عن بَاسِطِ كَفَّيْهِ.
قوله: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)
قيل: الله، وقيل: الصنم.
قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
سجود تعبدٍ وانقياد "طوعاً" سجود الملائكة والمؤمنين، "وكرها" من
أمره على الإيمان، وقيل: الطواعية والكراهية في سجود من في الأرض، وأما الملائكة، فهم يسجدون طَوْعًا، وقيل: طبعا، وفيه نظر، وقيل: المراد
بالسجود كرهاً قهر الله للأشياء لما أراد منهم وإن لم يسجدوا سجود عبادة.
قوله (وظلالهم) ، أي ويسجد ظلالهم، جمع الظل، وهو ما ستره الشيء
عن شعاع الشمس، يقصُر مرة ويمد أخرى، وقد قيل: ظل كل شيء من كل جنس يسجد لله، وقيل: سجوده دلالة على الوحدانية، فظل الكافر يسجد طَوْعًا، وهو كاره، وظل المؤمن طَوْعًا وهو طائع.
قوله: (بالغدو) ، قال الفراء: هو مصدر.
غيره الغدو جمع غداة، مثل قُنِى وقناة، والآصال جمع
أصيل، وقيل: جمع أصُل، وأصُل جمع أصيل.
الغريب: " ظِلالهم" أشخاصهم.
سؤال: لمَ قال في هذه السورة (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
وقال في سورة الحج: "مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ الْأَرْضِ) ، وقال في
النحل: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ؟
الجواب: لأن في هذه السورة تقدم آية السجدة ذكر العلويات من
البرق والسحاب والرعد والصواعق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم ذكر
الأصنام والكفار، فبدأ في آية السجدة بذكر من في السماوات لذلك، وذكر
стр. 476
الأرض تبعاً، ولم يذكر من فيها استخفافا بالكفار والأصنام، وأما في سورة
الحج، فقد تقدم ذكر ما خلق الله على العموم فلم يكن فيه ذكر الملائكة ولا
الإنس بالصريح، فاقتضى للآية ما في السماوات وما في الأرض، فختم كل
آية بما اقتضاه أول الآية.
قوله: (أَنْزَلَ) .
أي الله، وقيل: يعود إلى ما قبله، وهو الواحد القهار، "مِنَ السَّمَاءِ"
من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة، "ماء"
مطراً، "فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ" جمع واد، وهو الموضع الذي فيه الماء بكثرة.
قوله:
(بِقَدَرِهَا)
في الصغر والكبر، والقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا
نقصان، وقيل: بقدرها: ملئها. الزجاج: ما قدر لها من ملئها، وهو الغريب.
قوله: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا) ، رَفَعَ زبداً، وهو وضر الغليان وخبثه.
"رَابِيًا" عالياً.
الغريب: "رَابِيًا"، زائدا بانتفاخِهِ.
وهذا مثل ضربه الله للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء مثل
القرآن، والأودية مثل القلوب، ومعنى "بقدرها" على سعة القلوب وضيقها، فمنها ما انتفع به فحفظه ووعاه فتدبره، فطهرت ثمرته وأدرك تأويله ومعناه، ومنها دون ذلك بطبقة، ومنها دون ذلك بطبقات، والزَبَد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين إنه كلام الله، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق.
قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ)
يريد الفِلِزّات كالذهب والفضة والرصاص والصفر والحديد والنحاس، ومعنى توقدون عليه في النار عند الجمهور: تلقون عليه الحطب في النار تحته. قال أبو علي في كتاب الحجة: "عليه" من صلة "توقدون" كقوله: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) .
стр. 477
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ
وقوله: (فِي النَّارِ) حال "للهاء" من "عليه "، أي كالْاً في
النار، قوله: (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) ، يريد ما يتخذ من النحاس والصفْر والحديد
والرصاص من الأواني وغيرها مما يمتع به في السفر والحضر.
قوله: (زَبَدٌ مِثْلُهُ)
يريد لهذه الفلزات إذا غليت بالنار زَبَد مثل زبد الماء، و"ابتغاء"
نصب على المفعول له. أي لابتغاء حلية.
الغريب: نصب على الحال، أي مبتغين حلية.
قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)
فيه قولان، أحدهما:
أي مثل الحق والباطل، فحذف المضاف، والثاني: (يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) ، الأمثال، وهو قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) .
فلما حيل بينهما بقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ) الآية، أعاد فقال: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) .
قوله: (جُفَاءً) هو ما جفاه الوادي، أي رماه.
الغريب: ممحقاً.
العجيب: متنثسفاً.
قوله: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) .
قال الشيخ الإمام: يحتمل أن المراد بالمِثْل، الجمع، كقوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) ، أي أمثالهم، لتكون المبالغة على وجه لا مزيد عليها.
سؤال: لِم قال في هذه السورة: (لَافْتَدَوْا بِهِ) ، وقال في غيرها: (لِيَفْتَدُوا بِهِ)
الجواب: لأن "لو" يقع على الماضي أولا وثانياً.
وقوله: (مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) جواب لهم، و (لِيَفْتَدُوا) اعتراض، وفي هذه السورة جاء على القياس من غير اعتراض.
стр. 478
قوله: (أَنَّمَا أُنْزِلَ) .
"مَا" في محل نصب، "بأن" الحقُ خبره، وفي المصحف "أنما" متصل.
قوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)
"مَا" فيه الكافة، لوقوع الفعل بعده، "أُولُو الْأَلْبَابِ" فاعله.
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) . صفته.
"وَالَّذِينَ يَصِلُونَ"، عطف عليه.
وكذلك (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) .
ويجوز أن تجعل ((الَّذِينَ يُوفُونَ) وما بعده مبتدأ، (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) ، خبره.
الغريب: الذين يوفون والذين يصلون متعلق بالأول، والذين صبروا
مبثدأ، أولئك خبره.
قوله: (عُقْبَى الدَّارِ)
رفع بالظرف، وإن شئت بالابتداء، "لهم" خبره
تقدم عليه، والجملة خبر المبتدأ.
(جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدل منها.
قوله: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ)
في محل نصب، أي مع من صلح، فهو مفعول معه، ويجوز أن يكون رفعاً عطفاً على الضمير المرفوع في قوله: (يدخلونها) ، وأقام ضمير المفعول المرفوع مقام التأكيد بالضمير المتصل.
الغريب: محله رفع بالعطف على أولئك.
العجيب: محله جر بالعطف على ضمير المجرور، أي لهم ولمن
صلح.
(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) .
أي يقولون سلام عليكم بما صبرتم، أي بصبركم، فنعم عقبى داركم
الجنة.
стр. 479
قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)
أي يقدر لمن يشاء فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر.
الغريب: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له ذلك.
قوله: (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) .
بأفواههم، وقيل: بوعد الله.
الغريب: بالقرآن.
العجيب: بنعمة الله عليهم.
نم حث على الاطمئنان بكتاب الله ووعده وذكره، فقال: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) .
ولا منافاة بين هذه الآية وقوله: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، لأن ذلك عند الوعيد، وهذا عند الوعد، والقرآن يشتمل عليهما.
قوله: (طُوبَى لَهُمْ) .
فُعلى من الطيب.
الغريب: مجاهد: اسم الجنة بلغة الحبشة.
أبو هريرة: شجرة في الجنة ما من بيت إلا وفيه غصن من أغصانها.
وقيل: (طُوبَى) حسنى ونعمى وغبطة وفرح وخير وثمرة عين، وعيش طيب
، هذا كله من أقاويل المفسرين، و"طوبى" رفع بالابتداء، "لهم"
خبره، و "وَحُسْنُ مَآبٍ" عطف على الابتداء.
قوله: (قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) .
جواب "لو" محذوف، أي لكان هذا القرآن.
الغريب: جوابه في نية التقديم، وتقديره، وهم يكفرون بالرحمن. ولو
أن قرآناْ سيرت به الجبال، الآيات.
стр. 480
قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا)
يعني أفلم يعلم، بلغة نخع.
قال الشاعر:
أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسِرونَني. . . ألم تَيْئَسوا أني ابنُ فارسِ زَهْدَمِ
قال آخر:
ألم يَيْئَسِ الأقوامُ أني أنا ابنُهُ. . . وإن كنتُ عن أرضِ العشيرةِ نائيا
وقيل: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله أنهم
لا يؤمنون.
الغريب: أفلم يعلموا علماً يئسوا معه من ضده.
العجيب: روي عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان "أفلم يتبين، فأخطأ
الكاتب، وهذا بعيد لا يجوز القول به.
قوله: (تَحُلُّ) ، "التاء" للتأنيث، أي تحل القارعة، وقيل: للخطاب.
أي يا محمد.
قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ) .
جوابه مضمر، أي كالأصنام، قوله: (بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) أي
بما ليس فيها.
قوله: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) ، أي ظاهر في اللفظ باطل في
الحقيقة.
وقوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي سموها بأسمائها، هل فيها ما يوجب
استحقاق الإلهية.
الغريب: هذا استحقاق في النهاية، أي ليس لها أهلية أن تسمى.
стр. 481
قوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
عند سيبويه، مبتدأ، وخبره محذوف، أي فيما أنزل عليكم مثل
الجنة.
الغريب: قال الفراء: مثل زيادة، والتقدير، الجنة التي وعد
المتقون تجري من تحتها الأنهار، فالجنة مبتدأ، تجري خبره.
العجيب: مثل الجنة التي وعد المتقون جنة تجري. قاله الزجاج.
ورد عليه أبو علي في إصلاح الإغفال.
قوله: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) .
أي لكل أمرٍ قضاه الله كتاب كتب في، وقيل: لكل أجل من آجال
الخلق كتاب عند الله.
الغريب: فيه تقديم وتأخير، أي لكل كتاب أنزله من السماء أجل.
قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) .
قيل: هو عام في السعادة والشقاوة والرزق والأجل، وهذا غريب.
وقيل: يمحو الله بالموت ويثبت بالولادة، وهذا أيضاً غريب: وقيل: يمحو الله القمر في النصف الآخر من الشهر ويثبت في الأول. وهذا عجيب. وقيل: يمحو الله من كتاب الحفظة مالا يتعلق به حكم، ويثبت ما سواه، وقيل، يمحو الله المعاصي ويثبت الطاعات. عكرمة: إنه كتابان، كتاب يمحو
стр. 482
الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، سوى أم الكتاب، فإن ما فيه لا يغير ولا يبدل.
قوله: (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) .
بفتحها على المسلمن من بلاد الكفار أرضا فأرضاً، وقوما فقوما.
وقيل: بِخرابِها بعد العمارة، وقيل: بنقصان ثمرها، وقيل: هو موت علمائِها.
الغريب: بِجور وُلاتِها.
وقوله: (قُلْ كفَى بالله شهيداً بيني وبينكم) .
"الباء" زيادة، والله سبحانه فاعل، و "شهيدا" تمييز، والمفعول الثاني
محذوف، ومن عنده عطف على المحل، فهو رفع، وفي معناه أقوال، قال
بعضهم: هو جبريل، وهو غريب. وقال أكثرهم هو عبد الله بن سلام
وأصحابه، والآية مدنية، والسورة مكية، وقيل: هم المؤمنون.
العجيب: هو الله ، وهذا على قراءة من قرأ "ومِن
عندِه " - بالكسر -، أحسن وهو شاذ وقرىء في الشاذ أيضاً: "ومن
عنده عُلِمَ الكتاب" على لفظ المجهول - والله أعلم -.
стр. 483
سورة إبراهيم
قوله تعالى: (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .
أي من الكفر إلى الإيمان. وقيل: من الشك إلى اليقين.
الغريب: من البدعة إلى السنة.
قوله ت (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ، بعلم ربهم.
الغريب: توفيق ربهم، وقيل: بإطلاق ربهم، بإطلاق الله ذلك لك.
قوله: (اللَّهِ الَّذِي) .
بالجر على البدل، أو على عطف البيان، ولا ينجر على الوصف، فإن
اسم الله تعالى جارٍ مجرى الأعلام، والأعلام توصف ولا يوصف بها، والرفع
على الاستئناف.
قوله: (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) .
يطلبون لها زَيغاً، وقيل: "عِوَجًا" حال، والأول أقوى، يقول: بغيته
الشيء أي طلبته، وأبغيته، أعنته.
الغريب: معنى قوله: (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) ينتظرون لمحمد ﷺ هلاكاً.
قوله: (إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) .
أي بلغتهم، "لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" ما هو مبعوث به، والمراد ها هنا قومه الذي
ولد محمد ﵇ فيهم، لا قومه الذي بعث إليهم، لأنه مبعوث إلى الخلق كافة.
стр. 484
الغريب: تقدير الآية، وما أرسنا قبلك رسولا إلا بلسان قومه، وأنت
مبعوث بلسان قومك إلى الخلق جميعاً.
العجيب: الكلبي: إن الله بعث جميع الكتب إلى جبريل بالعربية
وأمره أن يأتي رسول كل قوم بلغتهم.
قوله: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) .
أي بأن أخرج، وقيك: (أن) هي المفسرة.
قوله: (وَذَكِّرْهُمْ) جدد لهم الذكر، والذكر حصول المعنى للنفس.
وقد يغيب عنها بالنسيان، فيعاد بالتذكير.
قوله: (تَأَذَّنَ) .
معناه، أعلم، وتَأَذَّنَ وأذن بمعنى واحد، كتوعد وأوعد، وقيل: معنى
تَأَذَّنَ قال: وهو الغريب، وقيل: تَأَذَّنَ معناه سمع.
قوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .
من كلام موسى لقومه، وقيل: خطاب للنبي ﷺ .
قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)
قيل: الضميران يعودان إلى القوم، قال ابن مسعود: أي رد القوم أيديهم في أفواههم غيظا عليهم، كقوله: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) ، قال ابن عباس: عجبوا من كلام الله، فوضعوا أيديهم في أفواههم متفكرين، وقال بعضهم: أشاروا إليهم بالسكوت، ووضعوا أناملهم على شفاههم وقد طبقوها، وقيل: الضميران يعودان إلى الرسل، فيكون المعنى: لم يقبلوا كلامهم بل ردوا
стр. 485
عليهم ما أتوا به، فيكون هذا مثلاً، وقيل: اليد ها هنا، النعمة، لأن ما أتوا كانت نعمة، فردوا بعضهم في أفواههم، وقيل: الأول يعود إلى القوم.
والثاني يعود إلى الرسل، أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كي لا يتكلموا
بما أرسلوا به، وهذا قول الحسن والفراء، وأشار الفراء بظهر كفه إلى من
كان يخاطبه، وقيل: "في" ها هنا بمعنى "الباء"، أي ردوا النعم بأفواههم
بالنطق بالتكذب، وقيل: كانت بعثة الرسل نعمة حصلت في أفواههم.
وردوها، وقالوا: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) ، أي بما تدّعون أنه رسالة.
قوله: (من دنوبِكم) ، "من" زيادة.
الغريب: ابن عيسى، "من" للبدل، أي يجعل لكم المغفرة بدل
الذنوب، قال الشيخ: ويحتمل أنه للتبعيض، أي بما سلف من ذنوبكم.
قوله: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) .
"أن" زيادة، أفاد إثبات التوكل، وقيل: تقديره، في أن لا نتوكل.
فحذف الجار، وصار المحل نصباً.
الغريب: "مَا" للنفي، والتقدير: ليس لنا أن لا نتوكل.
قوله: (لمن خاف مقامي) .
أي مقامه بين يدي، وأضافه سبحانه إليه لأنه يقيمه فيه.
الغريب: هو من قوله : (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ) .
(من ورائه) .
قيل: خلفه، وقيل: قدامه، لأنه ما توارى عنك، أي سُتر.
قوله: (من ماء صديد) ، هو بدل من "مَا"، وقيل" تقديره، من ماء
стр. 486
مثل صديد، فحذف المضاف، وهو الغريب.
وقيل: من ماء صديد، صد عن شربه لكراهة مذاقه، وهو العجيب.
وقول من قال: "من" ها هنا للبدل، خطأ، لأن ذلك يوجب نصبه.
(وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) .
نفى، لأن الإصاغة إنما تكون مع تقبل النفس.
قوله: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) ، أي من الجهات الست.
الغريب، "مِنْ كُلِّ مَكَانٍ"، من جسده حتى من أطراف شعره، وأراد
بالموت أسبابه التي الواحد منها مهلك لو كان ثم موت.
قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) .
مثل (مَثَل الجنة) ، وقد سبق.
الغريب: مثل أعمال الذين كفروا، فلما أضمر أعادها بقوله:
(أَعْمَالُهُمْ) .
قوله: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) يريد أيها المخاطبون
(وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) سواكم من بني آدم.
الغريب: (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) من غير بني آدم.
ومعنى الجديد، القرب العهد بالجَد، وهو القطع.
قوله: (كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) ، جمع تابع.
الغريب: (تَبَعًا) مصدر.
قو له: (وعَدَكم) .
أي وعدكم وعد الحق فأنجز، ووعدتكم وعد الباطل فأخلفتكم.
وجاء
في التفسير أنه يوضع لإبليس منبر في النار فيرقاه، ويقول: يا أهل النار:
(إن الله وعدكم) الآية.
стр. 487
قوله: (بِمُصْرِخِيَّ)
القراء على فتح الياء، إلا حمزة، فإنه كسرها.
قال القُتَبي: المسكين حمزة، ظن أن الباء تجر كلما اتصلت به. وهذا
دأبه في التشنيع على أئمة المسلمين، بل المسكين القُتَبي، حيث لم يعرف
وجه قراءة حمزة، ولها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه حرك بالكسر لالتقاء الساكين
بالجمع لعلامة الجر وياء المتكلم، كما حرك الميم بالكسر في (عليهم
الذلة) و (بهم الأسباب) ، وسائر القراء حركوا الياء بالفتح عند اجتماع
الساكين، رداً إلى أصل حركته، ومذهب حمزة في الياءات التسكين.
وكذلك حركوا الميم بالضم في: (عليهم الذلة) و (بهم الأسباب) على
أصل حركته التي كانت له، وهي الضم.
والوجه الثاني: أن ذلك لغة لبعض العرب يكسرون الياء ويشبعونها، قاله أبو علي في الحجة، وأنشد:
قال لها: هل لكِ ياتا فِيَّ. . . قالت له: ما أنت بالمَرْضِيِّ
وقال آخر:
ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضيِّ
والوجه الثالث: أنه كسرها لمجاورة كسرة "إني" إيذاناً أن الابتداء بما
стр. 488
بعده غير جائز وأنه كفر، وهذا كما فتح أبو عمرو (ما لي لا أعبد) بعد أن
كان مذهبه في اليءات التي لا تقعٍ بعدها الهمزة، السكون، كقوله: (ما لي
لا أرى الهُدْهدَ"، وأمثاله إعلاما أن الابتداء بما بعده لا يصح، وهو كفر.
ولو فتح حمزة الياء لم يحصل غرضه، قاله الشيخ الإمام.
قوله: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) .
مصدر مضاف إلى المفعول، أي يحيون فيها بالسلام. وهذا من
الغريب.
وقيل: مصدر مضاف إلى الفاعل، أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) .
"كَيْفَ" منصوب ب "ضرب"، و "تَرَ" متعلق لمكان الاستفهام.
قوله، (كَلِمَةً طَيِّبَةً) ، عند جل المفسرين، لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وقيل: جميع أفعال المؤمن وطاعته.
الغريب: الأصم: هي القرآن.
العجيب: ابن بحر: هي دعوة الإِسلام، وهي الدين وما يعتزى
إليه المؤمن.
قوله: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ، جل المفسرين على انها النخلة.
وجاء مرفرعاً عن ابن عباس: "شجرة في الجنة".
الغريب: الشجرة الطيبة، هي المؤمن.
стр. 489
قوله: (كُلَّ حِينٍ) .
الحين، اسم للزمان مبهم يعرف بالقرائن، وقيل: في هذه السورة هو
سنة، لأن التمر يكون في السنة مرة، وقيل: ستة أشهر، لأن التمر يبقى عليها ستة أشهر.
الغريب: شهرين، وهما مدة الصرام إلى وقت طلوع الطلع وظهوره.
العجيب: بكرة وعشياً فيمن فسر الشجرة بالمؤمن، أي دائماً.
قوله: (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) .
عن النبي ﷺ إنها الحنظل ". وقيل: الكشوت.
الغريب: عن ابن عباس: هذه شجرة لم يخلقها الله ، وهو
مثل. ومعنى "خَبِيثَةٍ"، كريهة الطعم من المَذاق، تنفر عنها الطباع.
العجيب: عن ابن عباس أيضاً: إنها الثوم، وعن أبي هريرة: قال
ذكرت الكمأة عند رسول الله ﷺ فقال رجل: إني لأراها الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض، والله ما لها فرع ولا أصل، فقال ﵇: "لا تَقل ذلك، إنها من المنِ، وماؤها شفاء العين ".
ومعنى "اجتثت "، استؤصلت وقلعت جثته، أي أصله.
"مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ": أصل.
قوله: (بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) .
هو كلمة التوحيد، و"الباء" بمعنى السبب، أي يثبتهم بسبب إيمانهم.
الغريب: متصل بالإيمان، أي آمنوا بالقول الثابت.
قوله: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)
من صلة يثبت، والمراد بالآخرة
стр. 490
ها هنا القبر، وجُل المفسرين على أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر.
قوله: (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
أمر، أي ليقيموا وقال بعضهم: القول يستدعي مقولًا، والمقول أمر.
وهو: أقيوا الصلاة، ويُقِيمُوا جواب الأمر.
الغريب: "قل" بمعنى مر، أي مرهم بالصلاة، يقيموا الصلاة، لأنهم
مؤمنون.
قوله: (دَائِبَيْنِ) .
غلب التذكير على التأنيث لما اجتمعا.
قوله: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) .
"مَا" بمعنى الذي، ومحله جر، وقيل: "مَا" نكرة، و "سَأَلْتُمُوهُ" صفته.
والتقدير: سَأَلْتُمُوهُ أم لم تسألوه، وقيل: ليس ثم سؤال، وهذا كما تقول لمن تحبه: لأعطينك سؤالك، أي ما تحب وإن لم يكن سأل شيئاً، وهذا قول
غريب. وقيل: ما من شيء إلا وسأله أحد، وقرىء بالتنوين، فتكون "مَا"
للنفي ويجوز أن يكون المفعول، وعلى القراءة المشهورة، المفعول
محذوف، ويجوز أن يكون للعموم.
قوله: (نِعْمَتَ اللَّهِ) ، ها هنا للجنس، وقد يكون المضاف جنساً كما
يكون مع الألف واللام.
قوله: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ) .
أي بنى الذين أذنت لي في الدنيا لهم.
стр. 491
الغريب: عن سفيان بن عيينة، ما عبد من ولد إسماعيل أحد صنماً
قط، يريد أن الأصنام التي كانت منصوبة، كانت من عمرو بن لحي، وكان
خزاعياً.
قوله: (أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) .
المفعول محذوف، أي إسماعيل وأمه، وقيل: من زيادة، هذا لا يصح
على قول سيبويه، قوله: (ليقيموا الصلاة) ، اللام لام كي، وهو متصل
بقوله: (أَسْكَنْتُ) ، وقوله: (رَبَّنَا) اعتراض بين الفعل وعلته.
الغريب: (لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) اعتراض بين المنادي والمنادى له، وقيل:
متصل بقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ليقيموا الصلاة.
العجيب: هو لام الأمر كأنَّه دعا لهم بإقامة الصلاة.
قوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) ، هي جمع فؤاد، وسمي فؤاداً
لحرارته، وفأدت شويت، والمِفْأد: السَّفود.
الغريب: قال المؤرج: الأفئدة القِطَع من الناس بلغة قريش، وإليه
ذهب ابن بحر، وفيه كلام.
قوله: (مِنَ النَّاسِ) ، "من" للتبعيض. مجاهد: لو لم يُدْخِل من
لازدحمت عليه فارس والروم.
ابن جبير: لو قال: أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى.
قوله: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) .
стр. 492
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)
قيل: من كلام إبراهيم، وقيل: اعتراض واستئناف من الله سبحانه.
قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) .
أي، واجعل من ذريتي مقيم الصلاة، لامتناع ذلك.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) .
قد سبق ذكر العذر عن دعاء إبراهيم لأبيه.
الغريب: أراد آدم وحواء، وقرىء في الشواذ (ولِوَلَدَيَّ) يعني
إسماعيل وإسحاق.
قوله: (طَرْفُهُمْ) .
أي نظرهم، مصدر، وقيل: عينهم، ولم يجمع اكتفاء بجمع المضاف
إليه.
قوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)
منحرفة لا تعي شيئاً من الخير، وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم، وقيل: جُوف لا عقل لها.
الغريب: تدور في أجوافهم لا تستقر.
العجيب: الفؤاد موضع القلب، كالصدر.
قوله: (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) . هو يوم القيامة.
الغريب: يوم الموت، وهو نصب على المفعول به، لا على الظرف.
قوله: (أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)
أي حلفتم أنكم إذا متم لا تزولون عن تلك الحالة إلى حياة ثانية، لقولهم: (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) ، وقيل: حلفتم لا تزولون بعذاب، وليس يعني به زوال موت، فإنهم مقرون بالموت.
стр. 493
الغريب: لا نزول ولا نصير إلى دار أخرى، بل نموت ونحيى فيها.
الغريب: تئم الكلام على قوله: (أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ) يريد قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) ، ثم ابتدأ فقال: (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) ، يريد عما أنتم فيه، ولا تجابون إلى ما تريدون.
(وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) .
أي رأيتم آثار ما نزل بهم من العذاب والنكال، وفاعل "تَبَيَّنَ" مضمر.
أي حالهم، وهذا كقوله:
فإنْ كان لا يُرضيك حتى تَردَّني. . . إلى قطريٍّ لا إخالُك راضياً
أي لا يرضيك شيء، و "كيف" نصب ب "فعلنا"، ولا يسند إلى الفعل
ألبتة لأنه استفهام.
قوله: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) .
من قرأ بكسرِ اللام، جعل "إِنْ" بمعنى "مَا" للنفي، ومن قرأ بالفتح
ورفع الثانية، جعل "إِنْ" هي المخففة من الثقيلة، و "الهاء" مضمر، و "اللام"
هي التي تدخل للفرق.
قوله: (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) .
بمنزلة معطي غلامِه درهمَه.
стр. 494
الغريب: بجوز أن تنصب "رسله" ب "وعده"، وفي الوجه الأول مضاف
إلى المفعول الثاني، ولو أضافه إلى المفعول الأول جاز.
قوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) .
أي والسموات غيرَ السماوات، فاقتصر على ذكر الأول، و "يَوْمَ "
منصوب بقوله: (ذو انتقام) .
سؤال: لمَ قال في هذه السورة: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) ، وقال في
سورة النمل: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) .
الجواب: لأن قوله: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)
قام مقامه، ولم يكن في النمل ما يقوم مقامه، فأظهر، وقوله بعده (ما كان لكم) لم يكن ينوب عنه لأنه نفى.
قوله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ) .
متصل بقوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) .
الغريب: هو لام القسم على مذهب سهل.
العجيب، متصل بقوله. (ذو انتقام) . وهذا لا يجوز، وإن جعلته
متصلاً بفعل دل عليه ذو انتقام، جاز.
قوله: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ)
قيل: الواو زائدة، وقيل: تقديره، هذا
الإبلاغ والإنذار، وهذا كلام المبرد، وقيل: ليُبَلَّغوا ولينذَروا به.
الغريب: هو عطف على أول السورة (ليخرج الناس ولينذروا به) .
العجيب: هو لام الأمر، وهذا حسن لولا قوله: (وَلِيَذَّكَّرَ) فإنه لام
كي لا غير - والله أعلم.
стр. 495
سورة الحجر
قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) .
في "مَا" قولان، أحدهما: أنها الكافة، تكف الحرف عن العمل الذي
كان له وتهيؤه لدخوله على ما لم يكن يدخل عليه، فإن رب تدخل الاسم
المفرد، نحو: رب رجل وربه رجلاً، ولا تدخل الفعل، فهيأتها "مَا" للدخول على الفعل، وهو يود، و "يود" مستقبل وقع موقع الماضي، لأن رب يدل
على أمر قد مضى، وجاز لأنه حكاية حال آتية، وأنشد أبو علي في الحجة:
جارية في رمضانَ الماضي. . . تُقَطِّعُ الحديثَ بالإيماض
وذهب بعضهم إلى أن التقدير، ربما كان يود، وأنكره أبو علي، وقال
يخرج بذلك عن مذهب سيبويه، قال الشيخ: "رب " في اصطلاح النحاة
للقلة، وأكثر ما جاء في الشعر للكثرة، وكذلك ظاهر الآية يقتضي
التكثير، ولعلهم أرادوا بالإضافة إلى كم، لأن القلة والكثرة يعرفان بالإضافة، أو وضعوها موضع الكثرة كما يستعمل الشيء لضده، والتخفيف لغة فيها كما في أن ولكن، وقراءة أبي بكر "رُبُما" بضمتين موافقة، والثاني، أن "مَا"