الغريب: عن سفيان بن عيينة، ما عبد من ولد إسماعيل أحد صنماً
قط، يريد أن الأصنام التي كانت منصوبة، كانت من عمرو بن لحي، وكان
خزاعياً.
قوله: (أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) .
المفعول محذوف، أي إسماعيل وأمه، وقيل: من زيادة، هذا لا يصح
على قول سيبويه، قوله: (ليقيموا الصلاة) ، اللام لام كي، وهو متصل
بقوله: (أَسْكَنْتُ) ، وقوله: (رَبَّنَا) اعتراض بين الفعل وعلته.
الغريب: (لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) اعتراض بين المنادي والمنادى له، وقيل:
متصل بقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ليقيموا الصلاة.
العجيب: هو لام الأمر كأنَّه دعا لهم بإقامة الصلاة.
قوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) ، هي جمع فؤاد، وسمي فؤاداً
لحرارته، وفأدت شويت، والمِفْأد: السَّفود.
الغريب: قال المؤرج: الأفئدة القِطَع من الناس بلغة قريش، وإليه
ذهب ابن بحر، وفيه كلام.
قوله: (مِنَ النَّاسِ) ، "من" للتبعيض. مجاهد: لو لم يُدْخِل من
لازدحمت عليه فارس والروم.
ابن جبير: لو قال: أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى.
قوله: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) .
стр. 492
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)
قيل: من كلام إبراهيم، وقيل: اعتراض واستئناف من الله سبحانه.
قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) .
أي، واجعل من ذريتي مقيم الصلاة، لامتناع ذلك.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) .
قد سبق ذكر العذر عن دعاء إبراهيم لأبيه.
الغريب: أراد آدم وحواء، وقرىء في الشواذ (ولِوَلَدَيَّ) يعني
إسماعيل وإسحاق.
قوله: (طَرْفُهُمْ) .
أي نظرهم، مصدر، وقيل: عينهم، ولم يجمع اكتفاء بجمع المضاف
إليه.
قوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)
منحرفة لا تعي شيئاً من الخير، وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم، وقيل: جُوف لا عقل لها.
الغريب: تدور في أجوافهم لا تستقر.
العجيب: الفؤاد موضع القلب، كالصدر.
قوله: (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) . هو يوم القيامة.
الغريب: يوم الموت، وهو نصب على المفعول به، لا على الظرف.
قوله: (أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)
أي حلفتم أنكم إذا متم لا تزولون عن تلك الحالة إلى حياة ثانية، لقولهم: (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) ، وقيل: حلفتم لا تزولون بعذاب، وليس يعني به زوال موت، فإنهم مقرون بالموت.
стр. 493
الغريب: لا نزول ولا نصير إلى دار أخرى، بل نموت ونحيى فيها.
الغريب: تئم الكلام على قوله: (أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ) يريد قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) ، ثم ابتدأ فقال: (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) ، يريد عما أنتم فيه، ولا تجابون إلى ما تريدون.
(وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) .
أي رأيتم آثار ما نزل بهم من العذاب والنكال، وفاعل "تَبَيَّنَ" مضمر.
أي حالهم، وهذا كقوله:
فإنْ كان لا يُرضيك حتى تَردَّني. . . إلى قطريٍّ لا إخالُك راضياً
أي لا يرضيك شيء، و "كيف" نصب ب "فعلنا"، ولا يسند إلى الفعل
ألبتة لأنه استفهام.
قوله: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) .
من قرأ بكسرِ اللام، جعل "إِنْ" بمعنى "مَا" للنفي، ومن قرأ بالفتح
ورفع الثانية، جعل "إِنْ" هي المخففة من الثقيلة، و "الهاء" مضمر، و "اللام"
هي التي تدخل للفرق.
قوله: (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) .
بمنزلة معطي غلامِه درهمَه.
стр. 494
الغريب: بجوز أن تنصب "رسله" ب "وعده"، وفي الوجه الأول مضاف
إلى المفعول الثاني، ولو أضافه إلى المفعول الأول جاز.
قوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) .
أي والسموات غيرَ السماوات، فاقتصر على ذكر الأول، و "يَوْمَ "
منصوب بقوله: (ذو انتقام) .
سؤال: لمَ قال في هذه السورة: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) ، وقال في
سورة النمل: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) .
الجواب: لأن قوله: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)
قام مقامه، ولم يكن في النمل ما يقوم مقامه، فأظهر، وقوله بعده (ما كان لكم) لم يكن ينوب عنه لأنه نفى.
قوله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ) .
متصل بقوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) .
الغريب: هو لام القسم على مذهب سهل.
العجيب، متصل بقوله. (ذو انتقام) . وهذا لا يجوز، وإن جعلته
متصلاً بفعل دل عليه ذو انتقام، جاز.
قوله: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ)
قيل: الواو زائدة، وقيل: تقديره، هذا
الإبلاغ والإنذار، وهذا كلام المبرد، وقيل: ليُبَلَّغوا ولينذَروا به.
الغريب: هو عطف على أول السورة (ليخرج الناس ولينذروا به) .
العجيب: هو لام الأمر، وهذا حسن لولا قوله: (وَلِيَذَّكَّرَ) فإنه لام
كي لا غير - والله أعلم.
стр. 495
سورة الحجر
قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) .
في "مَا" قولان، أحدهما: أنها الكافة، تكف الحرف عن العمل الذي
كان له وتهيؤه لدخوله على ما لم يكن يدخل عليه، فإن رب تدخل الاسم
المفرد، نحو: رب رجل وربه رجلاً، ولا تدخل الفعل، فهيأتها "مَا" للدخول على الفعل، وهو يود، و "يود" مستقبل وقع موقع الماضي، لأن رب يدل
على أمر قد مضى، وجاز لأنه حكاية حال آتية، وأنشد أبو علي في الحجة:
جارية في رمضانَ الماضي. . . تُقَطِّعُ الحديثَ بالإيماض
وذهب بعضهم إلى أن التقدير، ربما كان يود، وأنكره أبو علي، وقال
يخرج بذلك عن مذهب سيبويه، قال الشيخ: "رب " في اصطلاح النحاة
للقلة، وأكثر ما جاء في الشعر للكثرة، وكذلك ظاهر الآية يقتضي
التكثير، ولعلهم أرادوا بالإضافة إلى كم، لأن القلة والكثرة يعرفان بالإضافة، أو وضعوها موضع الكثرة كما يستعمل الشيء لضده، والتخفيف لغة فيها كما في أن ولكن، وقراءة أبي بكر "رُبُما" بضمتين موافقة، والثاني، أن "مَا"
стр. 496
نكرة بمعنى شيء و"يود" صفة له، كأنه قال رب ود يوده الذين، فإن "مَا"
لعمومه يقع على كل شيء، و"يود" أيضاً يكون حكاية عن الحال، وهذا كله
من كلام أبي علي.
وقيل - وهو الغريب -: إنما جاز وقوع المستقبل موضع الماضى، لأن
ما هو آت لا محالة فهو كالماضي.
العجيب: قال ابن السراج: الأفعال كلها جنس واحد، فجاز وقوع كل
لفظ منها موقع الآخر إذا لم يورث اشتباها.
قوله: (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) .
أي أجل مقدر محدود، وقيل: هو كتاب فيه أعمالهم، ومعنى معلوم
أي بعلم الملائكة ذلك الوقت.
الغريب: معلوم من العلامة، وفيه نظر.
العجيب: الماوردي: كتاب معلوم، فرض محتوم. وهذا - ها هنا - بعيد.
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) .
يعنون محمداً ﵇، و "الذكر" القرآن بزعمك "إنك
لمَجنون".
(لَوْ مَا تَأْتِينَا) ، معناه، هلا.
الغريب: لم لا تأتينا.
(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
стр. 497
يعني القرآن بحفظه من الزيادة والنقصان، وقيل: بحفظه في قلب من
يريد به الخير.
الغريب: قتادة: (لَهُ) لمحمدٍ حافظون من أعدائه.
قوله، (فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) .
ذهب بعضهم إلى أن هذا من إضافة الشيء إلى صفته، وهذا خلاف
قول سيبويه، بل الأولون هم الذين سنوا الضلالة لمن بعدهم، وشيعهم.
أتباعهم لاقتدائهم بهم.
قوله: (نَسْلُكُهُ) .
أي الكفر، وقيل: الاستهزاء.
الغريب: نسلك الذكر، وهو القرآن (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) بأن
يسمعهم النبي ﵇ ثم هم مع ذلك لا يؤمنون.
قوله: (بُرُوجًا) .
هي البروج الاثنا عشر.
الغريب: هي قصور في السماء.
(وَزَيَّنَّاهَا) أي الماء، وقيل: البروج.
قوله: (رَجِيمٍ) ، أي ملعون.
الغريب: "رَجِيمٍ" مرمى بالنجوم.
(إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ)
"من" نصب بالاستثناء.
стр. 498
الغريب: جر، أي إلا مِن مَن.
قوله: (فيها) ، في الأرض، وقيل: في الجبال.
الغريب: فيها.
قوله: (موزون) ، أي من شأنه أن يوزن، وقيل: معلوم عند الله، وقيل:
مقدور، وقيل: مقسوم.
قال الشيخ: الغريب: يحتمل أن المراد به المكيل، والموزون، المعدود، فسمى الكل موزوناً، لأن مآل المكيل والموزون والمعدود إلى الوزن كالخبز وحب الرمان والمخ.
العجيب: معنى موزون له منزلة ووزن.
قوله: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) .
هم العبيد والإماء.
الغريب: مجاهد، الدواب والأنعام والبهائم، ولفظ "من" يدفع هذا
القول، وقيل: الوحوش والسباع والطير، وذلك أيضاً مدفوع بمَن.
ومحل "مَن" نصب من ثلاثة أوجه:
أحدها: بالعطف على معايش، أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيداً وإماء فيمن فسر "مَن" بهِمْ، الثاني: بفعل مضمر دل عليه المعيشة، أي أعشنا فيها من لستم.
الثالث: عطف على محل الجار والمجرور في قوله: (لكم) وقيل: محله جر بالعطف على الضمير في (لكم) ، وهذا مدفوع، وقيل: رفع بالابتداء، أي ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش) .
الغريب: هم الجن.
ابن عيسى: المعيشة طلب أسباب الرزق من المطاعم والمشارب
стр. 499
والملابس مدة الحياة، وقد يطلبها الإنسان بالكسب والتصرف، وقد يطلب له فإن أتاه من غير طلب، وهو العيش الهنيء.
قوله: (عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) .
أي هو القادر عليه وعلى أحداثه.
ابن عيسى: خزائن اللهِ، مقدوراته.
الغريب: "خَزَائِنُهُ" مفاتحه.
ومن العجيب: "خَزَائِنُهُ" خُزانُهُ يرسلون ذلك، ابن بحر: لفظ الخزائن
مستعار، والمعنى: الخير كله بيد الله.
العجيب: الثعلبي.: في العرش تمثال ما خلق الله في البر والبحر، وهو تأويل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) ، وقيل: يريد الماء الذي في السماء ينزل إلى السحاب، ثم إلى الأرض، ابن مسعود: ليس أرض بأمطر من أرض، ولا عام بأمطرَ من عام، ولكن الله يقسمه في الأرض كيف شاء، عاما هاهنا وعاماً هاهنا، وربما كان في البحر.
ومن قوله: (وَإِنْ) في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) زيادة، ومحل شيء رفع
بالابتداء، والخبر عندنا، وخزائنه رفع بالظرف، (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) ، أي عند الله مبلغة وحده.
قوله: (الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) .
فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: حوامل بالسحاب، جمع لاقحة، والثاني: ذات لقح، والثالث: هي بمعنى مُلْقِحة، لأنها تلقح الأشجار، وهو ضد العقيم، من قرأها بالجمع فوجهه ظاهر، ومن وحدها، حملها على الجنس.
стр. 500
قوله: (صَلْصَالٍ) .
أي حمأة يبست فصلتْ إذا نقرت، والصلصلة: الصوت، وقيل:
وأنتنت، من قولهم: صَلَّ اللحمُ، إذا: أنتن، "مِنْ حَمَإٍ" جمع حمأة، وهو الطين يطول جريان الماء عليه فينتن ويسود. "مَسْنُونٍ" مصبوب، والسن. الصب، وقيل: متغير الرائحة.
الغريب: مُصَوَّر مِنْ سُنَّةِ الوجهِ، وقيل: مسنون حَك بعضه بعضاً من
سننت الحجر بالحجر إذا حككتها.
العجيب: " المسنون"، المرطب.
قوله: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ) .
قيل: هو إبليس، وقيل، الجان: أبو الجن، وآدم: أبو الِإنس.
وإبليس: أبو الشياطين، والشياطين: يموتون بموت أبيهم، والجن والإنس
يموتون.
(مِنْ نَارِ السَّمُومِ) من لهب النار.
الغريب: من نار الشمس.
العجيب: من حر السموم.
والسموم -: الريح الحارة، وقيل: السموم نار الصواعق.
قوله: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ) .
قيل: "أن" زيادة، وقيل: تقديره، في أن لا تكون فحذف الجار وبقي
منصوب الحمل.
الخليل: محله خفض.
قوله: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) .
جمع باب، وقيل: هي طبقات
(لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ) من أتباع إبليس.
стр. 501
(جُزْءٌ مَقْسُومٌ)
نصيب مفرد، و "منهم " متعلق باللام، وليس متعلقا بمقسوم.
لأن الصفة لا تعمل فيما قتل الموصوف، وليس بوصف لـ "باب"، لأن ذلك يقتضي منها.
قوله: (مِنْ غِلٍّ) .
أي نزعناهُ في الدنيا، وألفنا بين قلوبهم، وقيل: في الجنةِ، والآية
نزلت في العشرة من أصحابه - رضوان الله عليهم -.
قوله: (سُرُرٍ) جمع سرير.
الغريب: جمع سرور، حكاه الماوردي.
قوله: (عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) .
أي على هذه الحالة، أم أرد إلى حال الشباب، وقيل: "على" ها هنا
بمعنى في، أي أَبَشَّرْتُمُونِي في وقت الكبر.
الغريب: "على" بمعنى بعدأَبَشَّرْتُمُونِي بعد أنْ.
العجيب: ابن بحر: هذا كما تقول لمن أخبرك بشيء ويبعد عندك، ما
تقول يا هذا، وانظر ما تقول.
قوله: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) ، من فتح النون فالضمير محذوف، ومن كسر
فالنون الثاني محذوف، ومن شدد فالياء محذوف.
قوله: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ) .
منصوب على الاستثناء من الضمير، وهذا قول غريب، والجمهور على
أنها استثناء دخل على الاستثناء، أي إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إلا امرأته.
والمستثنى من المستثنى مردود حكمه إلى المستثنى منه الأول.
стр. 502
قوله: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ)
منصوب بالمحل بدلاً من قوله: (ذَلِكَ الْأَمْرَ) ، و (مُصْبِحِينَ) حال.
والعامل فيه معنى الإضافة.
قوله: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) .
يعني سدوم.
(يَسْتَبْشِرُونَ) بأضياف لوط طمعا منهم في ركوب الفاحشة.
الغريب: قال عطاء بن أبي رباح: ظهرت امرأة لوط على سطح.
فلوَّحَت إلى القوم تعلمهم بالأضياف.
العجيب: بعثت إليهم، وكانت العلامة بينها وبينهم، أطعمونا ملحاً.
فيعرفون ما تريد.
قوله: (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي) .
يريد بنات قومه، (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي رَاغبين فيهِن.
الغريب" الحسن: (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) كناية عن الجماع، المبرد:
إن كنتم تريدون النكاح.
العجيب: قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته، أي تزوجوهن، وكان جائزاً
نكاح المؤمنات من الكافرين، وقيل: شرط عليهم الإسلام.
قوله: (لَعَمْرُكَ) .
هذا قسم بحياة محمد ﵇، ولم يقسم بحياة غيره، تعظيماً
стр. 503
له وتفضيلاً على غيره. والعُمْر والعَمْر لغتان، واختير الفتح في القسم
للتخفيف، وهو مبتدأ، وخبره مضمر، تقديره، لَعَمركَ قَسَمي.
الغريب: المبرد: يجوز أن يكون لعمرك من قول العرب، قد عمر فلان
دينه، إذا صلى وصام، وفلان لعمر الله، أي يعبده، وعمرت ركعتين.
العجيب: قتادة: (لَعَمْركَ) ، أي عملك.
قوله: (إنهم) قيل: كناية عن قومِ لوط، وقيل: عن قريش.
قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
وبعدها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) ، الإشارة في الآية الأولى راجعة إلى قصة لوط وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لوط لهم طمعاً، وإهلاك الله إياهم بقلب المدينة وإمطار الحجارة عليهم، وكل واحد منها عبرة وعظة، فلذلك جمع الآيات، والثاني: إشارة إلى قرية قوم لوط، وإنها بطريق معلم واضح، وهي واحدة مما قبلها فلذلك وحد الآية، فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) .
قوله: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) .
هي عند جماعة، فاتحة الكتاب، وسميت مثاني لأنها نزلت مرتين.
ولأنها تثنى في كل صلاة، ولأن أكثر كلماتها مثنى، وقيل: لأن أولها ثناء على الله، وقيل: السبع المثاني، السبع الطُّوَل: البقرة وآل عمران والنساء، والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، وقيل: يونس.
والطُّوَل جمع الطُولى كالكبرى في قوله: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) .
والطولى تأنيث الأطْول، وسميت المثاني، لأن القصص فيها مثناة، والتثنية إضافة مثل الشيء
إليه) : وقيل: المثاني جميع القرآن، كقوله: (مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) ، ويأتي
стр. 504
في موضعه. وقيل: المثاني: معاني القرآن، وهي سبعة أمر ونهي، وتبشير
وإنذار، وضرب أمثال وتعديد نِعَم وأنباء قرون.
الغريب: السبع المثاني "آل حم".
العجيب: هي كرامات أكرم الله نبيه بها. حكاه أقضى القضاة.
قوله: (أزواجاً منهم) .
يريد أصنافاً، وقيل: أغنياء، وقيل: أمثالاً في النعم.
الغريب: "أزواجاً" يريد الرجال معهم النساء، والمعنى اثنين اثنين منهم.
قوله: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) .
الكاف في محل نصب صفة لمضمر، أي أنذركم عذاباً كما أنزلنا
وقيل: آتيناك إيتاءكما، وفي المقتسمين أقوال: عن ابن عباس:
هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض القرآن، وهو الذي وافق
كتابهم، وكفروا ببعض، وهو الذي لم يوافقه.
عِكرمة: هو قولهم هذه السورة لي وهذه السورة لك استهزاءً.
الغريب: مجاهد: آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض، وكل كتاب الله
قرآن، وقيل: اقتسموا طُرَقَ مكة وعقباتها وقعدوا عندها وجعلوا يردون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ .
قتادة: قسموا القول في القرآن، فقالوا: سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين، وقيل: هو من القسم، أي قوم تقاسموا لا يؤمنون بمحمد ﷺ ويعادونه أبداً.
العجيب: ابن زيد، هم قوم صالح (تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) ، يريد
قوله: (تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ) .
стр. 505
قوله: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) .
قيل: هو من العَضيهة، وهي السحر، والعاضهة، الساحرة..
قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) .
أي ابنْ وأظهِر، من الصديع وهو الصبح، قال الشاعر:
كَأنً بَياضَ غُرّتِهِ صديعُ
مجاهد: اجهَرْ به في الصلاة، وما زال النبي ﵇ مستخفياً
حتى نزلت (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، وقيل: أصله إعلان الحق، وقيل: من
الفصل، أي احكم واقض.
الغريب: جرِّدْ لهم القول في الدعاء إلى الإيمان مبشراً لهم بالجنة.
ابن عيسى: من الفرْق، أي فرُق.
العجيب: النقاش: فرق القول فيهم مجتمعين وفرادى، ومن العجيب:
أبو عبيدة، عن رؤبة: ما في القرآن أغرب من قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) .
قوله: (بِمَا تُؤْمَرُ) أي بالذي تؤمر به، وما بمعنى الذي، فحذف
الجار، ثم حذف الهاء، وقيل: ما للمصدر، أي بالأمر.
قوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) .
стр. 506
جل المفسرين على أنها نزلت في خمسة من قريش كانوا يبالغون
في إيذاء النبي ﵇، والاستهزاء به، فأهلكهم الله جميعاً.
فمنهم الوليد بن المغيرة، مر برجل يَريش نبلاً فوطىء سهماً من سهامه.
فأنكر وطارت منه شظية، فأصاب منه عرق النساء، فجعل يقول: قتلني رب محمد، حتى مات. ومنهم العاص بن وائل السهمي، وكان أهل مكة مطروا ليلاً، فقال لابنه أرحل لي بعيري حتى أطوف في شعاب مكة، فخرج
متنزهاً، فأناخ بعيره بشعب من تلك الشعاب، فلما وضع قدمه على الأرض، ضربته حية في رجله فانتفخت حتى صارت مثل عنق البعير، فجعل يقول:
قنلني رب محمد، فمات مكانه. ومنهم الحارث بن قيس: أكل سمكاً
مليحاً، فأصابه عطاش، - فجعل يشرب ولا يَروى، وكلما تنفس قال: قتلني رب محمد، حتى انفتق بطنه، فمات. ومنهم الأسود بن المطلب، خرج ليلقى ابنه زمعة قادماً من الشام، فقعد في أصل شجرة، فأتاه جبريل، فجعل يضرب رأسه بالشجر، وهو يقول يا غلام أدركني، فقال الغلام: ما - أرى أحداً يضرب رأسك وإنما أنت تضربه، ولا يزال يضرب حتى مات، ووافق قدوم ابنه من الشام. ومنهم الأسود بن يغوث، ذهب إلى ماء لبني كنانة يحذرهم النبي ويضمن لهم الضمانات على اغتيالهم إياه، فأصابته سموم، فاسود حتى صار كأنَّه حبشي، فأتى أهله، فلم يعرفوه، وأغلقوا الباب في وجهه، فصار يطوف في شعاب مكة، ويقول: قتلنى رب محمد، حتى مات، فأنزل الله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)) .
الغريب: الحسن: المراد به جميع مركي العرب.
قوله: (مِنَ السَّاجِدِينَ) .
أي المصلين، وقيل: المتواضعين.
стр. 507
قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) .
جل المفسرين على أن اليقين، الموت، وسمي يقينا لأنه متيقن به
متحقق متفق على لحاقه كل حي مخلوق.
الغريب: ابن بحر: اليقين: النصر على الكافرين.
العجيب: أبو مسلم الخولاني: قال: قال رسول الله ﷺ ما أوحي إلى أن أجمع المال وكن من المتَاجرين، ولكن أن سبح بحمد ربك
وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". - والله أعلم.
стр. 508
سورة النحل
قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) .
جل المفسرينَ على أن اللفظ للماضي والمعنى للاستقبال، وكذلك
اكثر ألفاظ القيامة، لأنها لصحة وقوعها وصدق المخبر بها كالكائن الدائم.
الغريب: أي الأمر لصحته فهو للماضي
(فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) الهاء تعود إلى الأمر.
الغريب: تعود إلى الله تعالى.
قوله: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) .
أي بالمشقة الشديدة.
الغريب: لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس، لِذهاب نصفها بالتعب.
أي بنصف قوى أنفسكم، ويقوي هذا المعنى قول المتنبي:
حتى وصلتُ بنفسٍ ماتَ أكثرها. . . وليتني عشتُ منها بالذي فَضُلا
العجيب: لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس "لولاها"، فأضمر.
والشق: المشقة مصدر والشق - بالفتح - لغة فيه، وقد قرىء
стр. 509
والشق " - بالكسر - أيضاً، أحد شقي الشيء، والهاء في قوله: (بالغيه)
في محل جر بالإضافة.
الغريب: الأخفش: في محل نصب.
قوله: (وَزِينَةً) .
أي لتركبوها ولتتزينوا بها، فلما حذف اللام نصب، وقيل: وجعلها
زينة.
ابن عباس: والحكم لحم الخيل حرام، لأنها للركوب والزينة، كالبغال
والحمير، قال جابر: في لحم الخيل، حلال، وكنا، نأكل لحم الخيل على
عهد رسول الله ي ﷺ .
قوله: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) ، قيل: يريد في الجنة ما لا عين رأت.
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقيل: غير ذلك.
قال الشيخ: ويحتمل أن السكوت عن تفسير ما يقول الله فيه (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أولى.
قوله: (مِنْهُ شَرَابٌ) ، أي ماء مشروب.
الغريب: هو شراب.
قوله: (وَمِنْهُ شَجَرٌ)
يريد ما ينبت المرعى، وكل نبات على الأرض شجر.
وأنشد الزجاج:
نُطْعِمُها اللحمَ إذا عَزَّ الشجَرْ
والخيلُ في إطعامها اللحمَ ضرر
يريد بالشجر النبات.
الغريب: ومنه شُرْب شجر.
стр. 510
قوله: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) .
من نصب، عطفها على الأول، وأعاد المسخرات، لأن المعنى
مسخرة لله سخرها لكم، فهي نصب على الحال، ومن رفع الكل، جعل
الواو للحال.
قوله: (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ) .
يجوز أن يكون نصبا بالعطف على تقدير، وسخر لكم ما ذرأ، ويجوز
أن يكون رفعا بالابتداء.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ) خبره، ويجوز أن يكون جواباً للعطف
على ذلك، أي في ذلك وفيما ذرأ لكلم.
قوله: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) .
وحد الخطاب وما قبله وما بعده جمع لقوله: (تَرَى) اختصاص في
الاستعمال للشيء، يوحد على صفة متى طلبه طالب وجده (عليها) ، وليس
بخطاب لواحد معين، بل هو جار مجرى قول القائل، أيها الرجل، وكلكم
ذلك الرجل، ومثله في القرآن كثير، منه قوله: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) .
(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ) ، (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ) ، وكذلك في
سورة الملائكة.
سؤال: لِمَ قال في هذه السورة: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) ، وقال في صورة الملائكة (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا) ، فقدم وحذف الواو.
стр. 511
الجواب: القياس تأخير فيه، فجاء في هذه السورة على القياس.
وكذلك لتأكلوا منه وزاد ها هنا الواو، لأنه عطف على لام العلة، وهي
لتأكلوا، وفي الملائكة، لما قدم "من" في قوله: (ومن كل تَأْكُلُونَ) قدم
في موافقة لذلك، ولم يزد الواو، لأن اللام للعلة وليس قبله ما يعطف عليه.
كما في هذه السورة.
قوله: (أن تَميدَ بِكم) .
تقديره: كراهة أن تميدَ بكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه
مقامه، ومحله نصب على العلة. وقال الكوفيون: "لا" مضمر، وتقديره:
أن لا تميد بكم.
قوله: (وعَلامَاتٍ) .
هي الجبال، وهي منصوبة عند بعضهم بـ "ألقى"، وعند بعضهم
بمضمر تقديره، لئلا تميد، ولتكون علامات لطرقكم.
الغريب: هي النجوم، والمعنى: خلق علامات، وناب لفظ ألقى عن
خلق حيث كان بمعناه فيكون قوله: (وَبِالنَّجْمِ) واقعاً موقع الكناية أي وبها
هم يهتدون.
قيل: النجم ها هنا للجنس، وقيل: المراد ها هنا الجدي، وهو السابع
من بنات نعش الصغرى، والفرقدان هما الأولان منها، وبعضهم يصغر هذا.
فيقول جُدَيّ ليكون فرقاً بينه وبين الجدي الذي يذَكَّر والمراد به أحد البروج
الاثني عشر.
وعن ابن عباس: قال سألت رسول الله ﷺ عن قوله: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، فقال: هو الجدي، وعن ابن عباس: عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم.
стр. 512
الغريب: قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة للسماء.
ومعالم الطريق، ورجوماً للثسياطين، فمن قال فيها غير هذا، فقد قال رأيه.
وتكلف ما لاعلم له به.
قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) .
وقع المضاف موقع الجنس، لأن المراد بها نعم الله، والإحصاء: بلوغ
نهاية عدد الشيء، أي إن قصدتم تِعدادها، لا يمكنكم إذاً شكرها.
قوله: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) .
أي الأصنام، أَمْوَاتٌ، قوله: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) تأكيد وقطع مجاز يستعمل
في الحي، سماهم ميتين باسم ما يؤول إليه و "أَمْوَاتٌ" يجوز أن يرتفع بالخبر
بعد الخبر، وهو قوله: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ) ، كما تقول: رمان حلو
حامض، وبجوز أن يرتفع بمضمر، أي هم أموات.
قوله: (أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)
نصب بيبعثون لا بيشعرون، لأن الاستفهام يعمل فيه ما بعده، لا ما قبله.
قوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)
وبعده (قالوا خيراً) ، فرفع الأول ونصب الثاني، لأن (ماذا)
يأتي على وجهين:
أحدهما: أن يكون كلمتين "مَا" مبتدإ "إذا" خبره، وهو
بمنزلة الذي، وأنزل في الآية صلته وتقديره ماذا أنزله ربكم، فهذا يقتضي
جوابه بالرفع، ولذلك قُرىء (قُلِ الْعَفْوُ) - بالرفع - عن أبي عمرو.
والوجه الثاني: أن يكون ماذا بمنزلة اسم واحد بدليل قول العرب عماذا
تسأل، ولو كان ماذا بانفراده اسماً لقلت عم كما في سائر المواضع ولم وبمَ
وفيم، فيكون في الآية محله نصباً، بأنزل، ويقتضي أن يكون جوابه منصوباً،
стр. 513
قالوا خيراً، ولهذا نصبَ سائرُ القراء، (قُلِ الْعَفْوَ) ، وذهب سيبويه في
الآية: إلى أن التقدير الذي أنزله بزعمكم أساطير الأولين بزعمنا كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) .
الغريب: أعرضوا عن جواب القائل: ماذا أنزل ربكم، فقالوا أساطير
أي هذه أساطير، لأنهم لم يكونوا يقرون بإنزال القرآن بخلاف المؤمنين.
فإنهم بنوا على السؤال، فقالوا خيراً، أي أنزل خيراً. الغريب: "خيراً"
منصوب ب " قالوا"، وهو من كلام الله - سبحانه - لا من كلام المتقين، كما تقول للمؤذن - إذا أذن -: قلت حقاً -، وللمفتى - إذا أفتى -: قلت صوابا، والمفعول المجهول في قيل لهم المصدر، وماذا أنزل ربكم
تفسيره، وليس في ذلك باسم ما لم يسم فاعله، كما لو قدمت، فقلت:
ماذا أنزل ربكم، قيل: لهم، أي قل لهم: هذا القول، كذلك إذا تأخر.
قوله: (لِيَحْمِلُوا) .
" اللام" لام العاقبة، وقيل: لام الأمر، (وَمِنْ أَوْزَارِ) صفة مفعول
محذوف، تقديره، وأوزارا من أوزار الذين يضلونهم، وعند الأخفش: من
زيادة، أي أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم، والمعنى للمضلين وزرهم.
ومثل وزر الضالين.
الغريب: للضالين مثل وِزر المُضلِّين لطاعتِهم. عن أقض القضاة.
قوله: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) .
يريد عذاب القبر، وقيل: هذا بعد البعث، و" أبواب جهنم" هي
من قوله (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) وقيل: دركاتها.
стр. 514
الغريب: أبوابها، أصنافها، كما تقول: فلان ينظر في باب من
العلم، أي في صنف منها.
قوله: (فلبئس) بزيادة لام موافقة لقوله بعده ولنعم وبينهما ولدار
الآخرة.
الدار رفع، لأنه فاعل نعم، وفي الممدوح ثلاثة أقوال:
أحدها دار الآخرة.
والثاني: الدنيا لتقدم ذكرها " في هذه الدنيا حسنة "
أي يتزودون فيها للأخرى.
والثالث: جنات عدن.
قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) .
أي من أضلة الله بخذلانه لا يوفقه بهدايته.
الغريب: معناه لا يهتدي، وقرىء " لا يُهدَى"، أي من يضله لا يُهدَى.
كقوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) .
قوله: (وَعْدًا) .
أي وَعْدًا عليه، بمعنى عنه.
الغريب: " وعدا عليه" إنجازهُ، و " حقا " صفته، والوعد الحق، ما
اقترن بالإنجاز.
قوله: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) .
قيل، هو متصل بقوله: (نُوحِي إِلَيْهِمْ) ، ومعنى يوحي إليهم.
يرسل إليهم بالبيناتِ والزبرِ.
стр. 515
الغريب: هو متصل بقوله: (وما أرسلنا من قبلك.. بالبينات والزبر.. إلا
رجالًا) ، وهذا ضعيف، لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعده.
العجيب: " إلا" ها هنا بمعنى " غير"، وهو كقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) .
قوله: (ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ) .
الظل ما غاب عن مسامتة الشمس فلم يصبه شعاعها.
قوله: (عَنِ الْيَمِينِ) ، أي عن يمين الشيء وجعل وجه الشيء ما يواجه الشمس لأنه ينتقل الظل من اليمين إلى جاب آخر، وكثير من المفسرين قالوا: عن اليمين أول النهار، وعن الشمال آخر النهار، وفي توحيد اليمين وجمع
الشمال أقوال: أحدها: أن الابتداء عن اليمين ثم تنقص حالًا بعد حال عن
الشمال، ولهذا جمع، وقيل: أرأد الأيمان والشمائل، فاكتفى بجمع
أحدهما عن الآخر.
الغريب: "مَا" لفظهُ موحد، ومعناه جمع، فحمل اليمين على
اللفظ، وحمل الشمال على المعنى، وكذلك قوله: (ظلاله) جمع حملاً
على المعنى، ووحد الضمير حملاً على اللفظ.
ومن الغريب: قال الشيخ: ويحتمل أن المراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف، لأن الظل يفيء من الجهات كلها، فبدأ باليمين، لأن ابتداء التفيء منها، أو تيمناً بذكرِها، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف -
قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) .
أي يخافون ربهم أن ينزل عليهم عذاباً من فوقهم، وليس قوله:
стр. 516
(مِنْ فَوْقِهِمْ) حالًا من ربهم، تعالى الله عن الجهة والمكان.
وقيل: فوق علو لا فوق مكان.
قوله: (لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) .
أي لا تعبدوا إلهين، فيكون اثنين توكيداً للتثنية.
الغريب: تقديره، لا تتخذوا اثنين إلهين، فيكون "اثْنَيْنِ" المفعول
الأول، و "إِلَهَيْنِ" المفعول الثاني، لأن ماله ثان فليس بإله، لأن الإلهَ هو الذي لا ثاني لَه.
قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا) .
ذهب جماعة إلى أن "مَا" هو الصنم، والضمير في "يعلمون"
للكافرين، والعائد إلى الصنم محذوف، أي لا يعلمونه، لأنهم لوعلموه ما
اتخذوه رَباً. وذهب جماعة إلى أن "مَا" الأصنام، والضمير في لا
يعلمون، للأصنام، أي لا يعلمون ولا يُخْشَوْن، وكان الكفار يزعمون أن
الأصنام عقلاء.
الغريب، بل العجييب، ما قاله ابن مهريزد قال: العلم للكفار.
و"مَا" للمصدر، أي لجهلهم، وهذا في المعنى حسن، لكن الكلام يبقى غير
تمام، ويصير المعنى لأجل جهلهم نصيبا، فيقى الكلام غير تام، فيحتاج
إلى إضمار الأصنام.
قوله: (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) .
محله رفع، أي، ولهم البنون، وقيل: نصب وهو الغريب، وأنكره
الزجاج.
قال الشيخ، ومع الإنكار فله وجهان:
أحدهما مفعول مضمر، أي
ويتمنون لأنفسهم الذكور، والثاني: ويجعلون لله البنات، ويجعل الله لهم
مَا يَشْتَهُونَ من الذكور والإناث.
стр. 517
قوله: (وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)
فعيل، بمعنى فاعل، أي حزين ممتلىء غيظاً، وقيل: بمعنى
مفعول، لقوله: (وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) .
الغريب: صاحب النظم: (أَيُمْسِكُهُ) متصل ب (كَظِيمٌ) ، أي
كظيم، أَيُمْسِكُهُ على هونٍ أم يدسه في التراب، قال: والكظم، ستر
المكروه في القلب.
قوله: (يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)
بالوأد، وذكر الكناية حملا على لفظ ما.
ْالغريب: يخفيه عن الناس، والمفسرون: على أن ها هنا مضمراً
تقديره، " يقول في نفسه: (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) .
قوله: (عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) .
أي على الأرضِ كناية عن غيرِ مذكورٍ، وجاز لأن الدابةَ تدل عليها.
سؤال: (قال في هذه السورة: (عليها) ، وقال في الملائكة (على ظَهرها) .
الجواب: لأن في هذه السورة لم يتقدم ذكر الأرض، فكان يلتبس
بظهر الدابة، لأن الظهر يستعار للدواب، وفي الملائكة قد تقدم الأرض فلم
يكن يلتبس.
قوله: (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) .
من جعل "جَرَمَ" اسماً جعله مبنيا مع لا بالفتح كـ " لا بد " وبمعناه.
ومن جمله فعلا جعل " لا " رداً على القائل: أن لهم الحسنى، ثم ابتدأ
فقال جرم، أي كسب، والفاعل مضمر، أي كسب فعلهم أن لهم النار،
стр. 518
وأن مع ما بعده نصب، وأنهم عطف عليه، وقيل: محل أن لهم رفع.
ومعنى جرم وجب.
قوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةً) .
نصب بالعطف على محل لتبين لهم؛ لأنه المفعول.
قوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) .
ذهب جماعة إلى أن الأنعام محمولة على معنى النعم، لأن الألف
واللام إذا دخل الآحاد ألحقه بالجمع كقوله: والله لا أتزوج المرأة، فإنه
يحنث بالواحدة والجمع، وإذا دخل الجمع ألحقه بالواحد كقوله: "والله لا
أتزوج النساء"، فإنه يحنث بالواحدة، ولو قال: "لا أتزوج نساء، فإنه يحنث بدون الثلاث. وذهب بعضهم إلى أن الهاء تعود إلى البعض، لأن اللبن
يكون في بعضها لا في كلها، وهذا حسن.
سؤال: لمً قال في هذه السورة: (في بطونه) - بالتذكير - وقال في
المؤمين (بطونها) ، وما وجه نخصيص هذه السورة بالتذكير؟
الجواب: لأن ما في هذه السورة يعود إلى البعض، كما سبق وكان
القياس في المؤمنين أيضاً أن يعود إلى البعض، لكن لما عطف عليه في
المؤمنين ما لا يختص بالبعض وهو قوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) ، وليس هذا مما يختص بالبعض، وفي هذه السورة لما اقتصر
على ذكر اللبن، اقتصر على ذكر البعض. وهذا واضح.
قوله: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) .
قيل: يعود إلى مضمر، ذلك المضمر موصول، وهذه الجملة صلة
على تقدير ما تتخذون منه، وهذا مذهب الكوفيين، وقال البصريون: لا
стр. 519
يجوز حذف الموصول وإقامة الصِّلَةِ مقامه، وحذف الموصوف وإقامة الصفة
مقامه كثير، كقوله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) ، أي أحد، وكذلك قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) ، (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ) ، وقد سبق. وفي قول البصريين أيضاً نظر، لأن ذلك إنما
يجوز إذا كانت الصفة مما يلي العوامل نحو: جاءني الفقيه ومررت
بالأديب، ورأيت العالم، دون قولك مررت بيجلس، وأنت تريد برجل
يجلس، أو ما يجلس، أو شيء، وقد جاء في الشعر:
تَرْمي بكفَّيْ كان مِنْ أرمى البشَرْ
لأن حذف الموصوف جائز في الجملة، وحذف الموصول غير جائز
أصلا.
الغريب: يعود إلى ذلك، وقيل: إلى الثمر.
ومن الغريب: قال الشيخ: يحتمل أن يعود إلى الجنس أيضاً كما في المسألة الأولى.
العجيب: ومن ثمرات النخيل والأعناب آيات " - بالرفع - أو آيات
- بالنصب - عطفاً على ما تقدم ".
قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) .
هي زنابير العسل وذبابه، و "وحيها" قيل: إلهامها والإلقاء في
قلوبها، وقيل: هو إيجاد الله تعالى النحل على تلك الصفة والطبيعة.
قوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) أي في الجبال.
الغريب: لأنها مبنية على حسن الصفة وصحة القسمة.
стр. 520
(وَمِنَ الشَّجَرِ) ، أي في الغياض.
(وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) يبنون لها.
قوله: (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) .
أي أنواعها، حُلوها ومُرها، "فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ" امضي فيما سخّرَ الله
لك.
قوله: (ذُلُلًا)
جمع ذلول، حال من السبل، فلا يتوعر عليها مكان
سلكته، وهذا قول مجاهد.
غَيره: حال من النحل، أي منقادة مطيعة لله.
قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ) ، هو العسل يلقيه من فيها.
قال الحسن: لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم.
وعن علي ﵁: العسل ونيم ذباب، فعلى هذا تلقيه من
أسفلها.
وقيل: إنها تحمل الطل الواقع على الأشجار فتضعه من فيها في كوَّرِها فيصير عسلاً.
الغريب: العسل أنواع مختلفة تحملها النحل إلى كوَّرِها وتضع بعضها
على بعض فيصير شهداً، فعلى هذا تأول بطونها على بيوتها. وهو ضعيف.
قوله: (شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ)
أبيض وأصفر وأحمر، وذكر أن الأبيض
من العسل يلقيه الشاب من النحل، والأصفر يلقيه الكهول منها، والأحمر
يلقيه الشيب منها.
قوله: (فِيهِ شِفَاءٌ)
الضمير يعود إلى العسل، والشفاء نكرة، ليكون لبعض الأدواء، وروى قتادة، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر أن أخاه يشتكي من بطنه، فقال ﵇ اذهب فاسقه عسلاً، فرجع وقال سقيته العسل فلم يزل ما به، فقال ﵇ اذهب
فاسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه ثانياً، فكأنما أنشط
من عقال.
وعنه ﵇ " لو كان شيء ينجي من الموت لكان السَّنا
والسنوت" والسنرت: العسل، والسنا حشيش معروف.
стр. 521
الغريب: (فِيهِ شِفَاءٌ) أي في القرآن شفاء "، كقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ.
العجيب: يعود إليهما. لقوله ﵇: " بالشفاءين العسل
والقرآن".
ومن الغريب: يعود الضميران إلى ما بين الله من الدلائل
والاعتبار في خلق النحل، أي فيه الشفاء من داءِ الجهل، ثم ختم الآية
بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) .
قوله: (أَرْذَلِ الْعُمُرِ) .
هو الخرف، قتادة: تسعون سنة، وعن علي ﵁:
خمس وسبعون سنة. قطرب: ثمانون سنة.
قوله: (لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ)
أي لئلا يعقل فيكون عبرة لمن اعتر.
الغريب: اللام لام العاقبة، أي يصير إلى حال الطفولة بنسيان ما كان
يعمل.
العجيب: لئلا يعلم بعد علمه شيئاً، أي يفتر عن العمل بالعلم.
و"شيئاً " منصوب ب "عِلْمٍ"، وقيل: ب "يَعْلَمَ"، والوجه الأول
لفصلك، بين العامل والمعمول، واحتياج المصدر إلى مفعول.
قال بعضهم: يجعل شيئاً مصدراً من شاء، وهو غريب.
قوله: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ)
стр. 522
من العبيد والإماء، واستعمل لفظ الرد في موضع الإعطاء.
قوله: (فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)
قيل: استئناف، والمعنى: المالك والمملوك في الرزق
سواء من حيث إن الله يرزقهم، لأن المالك يرزق المملوك، وقيل: متصل
بالأول أي لا يرد المالك فضله على مملوكه حتى يصير معه فيه سواء.
الغريب: هذا الفاء هو الذي يدخل جواب النفي فينصبه، والمبتدأ
والخبر واقعان موقع الفعل والفاعل، وتقديره لا يرد المالكون فضلهم على
مملوكهم فيستولوا.
العجيب: ألف الاستفهام مقدر تقديره: أفهم يستوون.
قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) .
سؤال: لِمَ زاد في هذه السورة " هم"، وحذفه في العنكبوت.
فقال: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) .
الجواب: لأن في هذه السورة نقل من الخطاب إلى الغيبة، فكاد
يلتبس في اللفظ والخط جميعاً، فأكده بقوله: "هم" لزوال الالتباس، وفي
العنكبوت استمر على لفظ الغيبة من قوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ) إلى
آخرها، فاستغنى عن التأكيد.
قوله: (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا) .
الجمهور: على أن "شَيْئًا" نصب بالمصدر، وهو قوله: "رِزْقًا".
وتقديره، أن يرزق شيئاً.
الغريب: "شَيْئًا" بدل من قوله: "رِزْقًا".
стр. 523
قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)
ذكر بلفظ الجمع حملا على المعنى على
معنى " ما "، ووحد حملا على لفظ "مَا" قياسا فيها على "مَن" والرزق
في القرآن متعد إلى مفعول واحد، وإليه ذهب حذاق النحاة، وزعم
بعضهم، أنه يتعدى إلى مفعولين، واقتصر في القرآن على المفعول
الواحد، وقد جاء متعدياً إلى مفعولين في الآية، التي تقرب من هذه الآية.
وهي قوله: (رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ) ، وقال: الإنفاق لا
يكون من المصدر، وإنما يكون من المرزوق، فلا يمكن حمل قوله:
(رِزْقًا حَسَنًا) على المصدر، والآية نزلت في أبي بكر ﵁
وأبي جهل - لعنه الله -.
قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) .
أي الحمد له على الكمالأ بل أكثرهم لا يعلمون"، فيجعلون الحمد
لغيره.
قوله: (كَلَمْحِ الْبَصَرِ)
كرجعِ طرفٍ.
العجيب: هو مسافة ما يلمحه البصر. حكاه الماوردي، وفيه بعد.
لأن المراد بلمح البصر، السرعة والسهولة، وضرب المثل به لأنه لا يعرف
زمان أقل منه.
وقوله: (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ، قيل: معناه، بل هو، وقيل: وهو
أقرب، وقيل: للإفهام في حق المخاطبين، وتحقيق قوله: (أَقْرَبُ) في
أن لمح البصر وضع الجفن ورفعه. وهما فعلان، وأن قيام الساعة فعل
واحد (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
стр. 524
قوله: (أُمَّهَاتِكُمْ) .
جمع" أم" زيد فيه " الهاء، فرقا بين أمهات الناس وأمهات البهائم.
وقد جاء في الواحدة أيضاً، قال:
أُمَّهتي خِنْدِفُ والياسُ أبي. . .
قوله: (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)
أي لا تعرفون ولا تعقلون، فهو مفعول به، وذهب بعضهم إلى أنه نصب على المصدر، وأبو علي يأباه، ولا يجوز تأكيد الفعل بالمصدر إذا كان نفيا.
قوله: (فِي جَوِّ السَّمَاءِ) .
هو فتح ما بين السماء والأرض، الزجاج: هو الهواء البعيد من
الأرض.
الغريب: جو السماء، كبد السماء. الفراء: جو السماء: هو
السماء.
قوله: (سَرَابِيلَ)
هو ما يلبس من ثوب أو درع.
الغريب: القميص خاصة.
وقوله: (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، أي الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما، أي
بذكر أحد الضدين عن الآخر.
قوله: (دَخَلاً) ، الزجاج: غشاً وغلاً، وقيل: " دخلا) : دغلاً وخيانة ومكراً، والدخل: كل أمر لم يكن صحيحاً.
стр. 525
الغريب: ابن بحر: الدخل الداخل في الشيء لم يكن منه.
قوله: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ)
أي كراهة أن تكون.
وكان ها هنا هي التامة، (هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) مبتدأ وخبر محلها رفع
بالوصف، لقوله: أُمَّةٌ، ولا يجوز أن يكون عماداً، لأن ذلك إنما يكون مع
المعارف.
قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) .
أي إذا أردت قراءة القرآن، وقيل: إذا كنت قارئاً، " فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ"
الغريب: تقديره، وإذا استعذت بالله فاقرأ القرآن.
العجيب: سليم عن حمزة، كان يتعوذ بعد القراءة أخذا بظاهر
القرآن.، ولا نأخذ به.
قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) .
جواب لهم حين قالوا للنبي ﷺ إنما أنت مفتر.
ابن بحرْ: أعلم الله أنهم هم أهل تلك الصفة دون رسول الله، فرد عليهم بالوصف دون النص أولا ثم رد عليهم أيضاً، فقال: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) .
قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ)
بدل من الكاذبين وليس بمبتدأ.
الغريب: هو خبر مبتدأ محذوف، أي هم من كفر.
العجيب: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) "مَن" شرح بدل منه فعليهم خبره.
قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) .
стр. 526
إماماً يأتم به أهل الدنيا - مجاهد: كان وحَدَه مؤمناً، والناس كلهم كفار
الغريب: كان يقوم مقام أمة.
العجيب: في الآية، كان ابن مسعود يقرأ "إن معاذاً كان أمة
، فقيل له غلطت إنما هو إبراهم ﵇ فأعادها ثلاثا، ثم قال
إنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ كنا نشبه معاذاً بإبراهم، ثم قال أتدرون ما الأمة، وما القانت، قلنا الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير والقانت المطيع لله، وكان معاذ كذلك، أعني كان معاذ بن جبل معلما للخير مطيعاً لله عزوجل، حكاه الثعلبي وغيره.
قوله: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) .
يجوز أن يتعلق اللام بالشكر فيحسن الوقف على أنعمه، ويجوز أن يتعلق
بقوله " اجتباه " فيحسن الوقف على قوله "شَاكِرًا" ويكون التقدير حنيفاً شَاكِرًا، ولم يكن من المشركين.
قوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) .
أي ناصرهم ومعينهم.
стр. 527
سورة الإسراء
قوله تعالى: (سُبْحَانَ) .
كلمة اتخذها الله لنَفسِهِ، وهو مصدر كالغفران، وليس من لفظه
فعل، وقيل: هو اسم من سبح والتسبيح مصدره، وسبحان نصب على
المصدر، ولم يأت إلا منصوباً، وأكثر ما جاء مضافاً، وقد جاء منوناً في
الشعر: قال أمية:
سبحانَه ثم سُبْحاناً نعوذُ به. . . وقبلَنَا سبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ
وجاء غيرمنصرف، قال:
أقولُ لَمَّا جاءني فَخْرُه. . . سُبْحَانَ مِنْ علقَمَةَ الفاخِرِ
كأنه جعله اسم علم، وبدأ هذه السورة بالمصدر، وبدأ الحديد
والحشر والصف بالماضي منه، والجمعة والتغابن بالمستقبل، والأعلى
بالأمر، استيعاباً لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وجميع جهات الأفعال هي
هذه الوجوه الأربعة المصدر والماضي والمستقبل والأمر الحاضر فحسب.
وجاء سبحه وسبح اسمه وسبح باسمه وسبح له وسبح بحمده.
стр. 528
والغريب: ما سبق، أنه من "سبح" إذا رفع صوته، قال الشاعر:
قبح الإله وجوه تغلب كلما. . . سبحَ الحجيج وكبروا إهلالا
قوله: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ، السرى والإسراء، الذهاب في اللبل.
يعديان بالباء، وقيده بالليل مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تاكيداً ونفياً
للمجاز الذي يستعمل له السرى نحو سرى الشيء في الشيء إذا جرى وخفي
فيه، وقيل، ذكره تعليلاً للوقت، وقيل: ليلا دل على وسط الليل ولم يكن
إدْلاجاً ولا ادّلاجاً، ومذهب أهل السنة والجماعة في المعراج أنه أسرى
بروحه وجسده إلى بيت المقدس، ثم إلى السماوات حتى انتهى إلى سدرة
المنتهى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) .
الغريب: عائشة قالت، أسري بروحه ولم يسر بجسده.
العجيب: ذهب معاوية إلى أن ذلك كان رؤيا من الله صادقة.
والقول هو الأول، وعليه يدل ظاهر القرآن، وورد في صحته ما لا يحصى
من الأخبار، ولو كانت رؤيا ما أنكرتها قريش حتى ارتدت جماعة ممن كانوا
أسلموا حين سمعوا منه هذا الكلام، لأن الرؤيا في المنام لا ينكر مثل ذلك
ولا ما هو أعلى منها.
قوله: (وَجَعلناهُ هُدىً) قيل التوراة.
الغريب: موسى.
(أَلَّا تَتَّخِذُوا) - بالياء -، وجهه ظاهر، أي لأن لا يتخذوا، ووجه
التاء أن يحمل على تلوين الخطاب، وهو كالوجه الأول، وقيل: المقول
مضمر، وهذا لا يصح، لأن المقول لا يخلو من أن يقع بعده جملة محكية
стр. 529
أو معنى جملة، يعمل في لفظهِ القول، فالأول، كقولك: قال زيد عمرو
منطلق، والثاني نحو: أن يقول القائل: لا إله إلا الله، فتقول قلت حقاً.
والثلجُ حار، فتقول: قلت باطلا، فهذا معنى" ما قاله " وليس نفس
المقول، فقوله "أَلَّا تَتَّخِذُوا" خارج من هذين الوجهين هذا كلام أبي علي
في الحجة، فإن جعلت أنْ زيادة صح زيادة القول وإضماره، وان جعلت أن
بمعنى، "أي" صح أيضاً، ويكون نهيا في الوجهين، والمخاطب به يجوز أن
يكون بني إسرائيل وذرية من حَملنا المفعول الأول، و" وكيلا " المفعول
الثاني، ويجوز أن يكون المخاطب به ذرية من حملنا فيكون نصاً على
النداء، و "وكيلا" مفعول "ألا تتخذوا"، وفعيل قد يقع موقع الجمع، كقوله
(وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) .
قوله: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)
هو نوح ﵇.
الغريب: هو موسى ﵇.
قوله: (وَعْدُ أُولَاهُمَا)
قيل: بمعنى الموعد، وهو الوقت، وقيل: بمعنى الموعود.
الغريب: ما وعدنا على المعصية الأولى.
العجيب: الوعد بمعنى الوعيد، أي عقوبة أولاهما.
(عِبَادًا لَنَا) ابن عباس وقتادة: هم جالوت. ابن المسيب:
بخت نصر. ابن جبير: هم سنحاريب. الحسن: هم العمالقة.
الغريب: هم قوم مؤمنون بعثهم الله وأمرهم بغزو بني إسرائيل، ولم
يضفهم إلى نفسه إلا بعد أن كانوا مؤمنين.
стр. 530
قوله: (فَلَهَا) ، أي عليها، وجاء باللام ازدواجا، وقيل: فلها
الجزاء والعقاب.
الغريب: " فلها" بمعنى إليها.
العجيب: الحسين بن الفضل، " فلها " رب يغفر الإساءة.
قوله: (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا) أي علوه، ومعناه ليخربوا.
الغريب: ما مع الفعل في تأويل المصدر، والمضاف محذوف، أي
مدة علوهم.
العجيب: في تأويل المصدر واقع موقع الحال، أي في حال
عُلوهم.
قوله: (حَصِيرًا) سجناً ومحبِساً.
الغريب: الحسن هو الذي يفرش ويبسط، أي جعل جهنم لهم
مهاداً.
قوله: (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) .
أي الطربقة أو الحالة التي هي أقوم، وأتم استواء وأشد من سائر السبل.
وهي شهادة أن لا إله إلا الله، الزجاج: أقومُ الحالات.
قوله: (دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) ، أي يدعو بالشر دعاء مثل دعائه
بالخير.
قوله: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)
أي إلى أمر الدنيا، والعجلة طلب الشيء قبل
وقته، والسرعة عمل الشيء في أول وقته.