← Тафсир

Тафсир · id 12820

غرائب التفسير وعجائب التأويل

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

العجيب: كان قد تلمذَ لألف نبي، وتلمذ له ألف نبي. قوله: (أن أشكر لِلهِ) . "أنْ" هي المفسرة، أي قلنا له أشكر للُه. الغريب: الزجاج: لأن يشكر لله. قوله: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) ، مع الله. الغريب: (بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ) قسم. قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) . اعتراض من كلام لقمان لابنه، وهي نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁. الغريب: تقديره: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ونحن وصينا الإنسان بوالديه حسناً وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك. قوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) بعد قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) محمول على أن الإنسان مأمور بالإحسان إليهما والشكر لهما. الغريب: أراد بالوالدين الأب ومن أفادك علماً، فقد قيل: الأب أبوان. أبو نسب وأبو أدب. قوله: (أَنَابَ إِلَيَّ) . متصل بأناب عند الجمهور. الغريب: (أَنَابَ" كافٍ كقوله: (خَرَّ راكعاً وأَنَابَ) ثم قال على وجه التهديد (إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي: في مرجعكم بالموت ثم إلى مرجعكم بالبعث.

стр. 807

قوله: (فِي صَخْرَةٍ) . وهي الصخرة التي عليها الأرض مهاداً والجبال أوتاداً. قوله: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) أي بجوابها. الغريب: أراد "بها" الرزق. قوله: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) . أي على المستمع. الغريب: أي من أنكر الأصوات، فحذف من، والحمير اسم للجمع. ولهذا قال: (صَوْتُ) فأفرد، وقيل: الصوت وقع موقع الأصوات. العجيب: لصوت الحمير هي العطسة المنكرة، حكاه أقضى القضاة. والحمير: فعيل من حَمارَّة القيظ، وهي شدته، وطعنة حمراء، شديدة. والحمار لشدته سمي حماراً، وجاء في الخبر، أن النبي ﵇ كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو ثوبه، غض بها صوته. قوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) . يعني يمده يزيد فيه من بعد نفاد ما فيه. الغريب: يمده يجعله مداداً من قوله: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا) . العجيب: قال أبو عبيدة: البحر ها هنا ماء العذب، لأن الملح لا ينبت الأقلام. قال القفال: قول أبي عبيدة يوجب أنه يجعل المعنى، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر فأنبت أقلاماً. قلت: قول أبي عبيدة ضعيف، لأن الله سبحانه أراد التكثير، وليس فيما ذكر أبو عبيدة كثير مبالغة، وعُذر القفالِ عنه حسن كأنَّه يجعل هذه الآية مشتملةً على ذكر الأقلام فحسب، كما أن ما

стр. 808

في الكهف في المداد فحسب اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كما اكتفى بذكر الأقلام والمداد عن ذكر ما يكتب عليه، وعن ذكر الكتبة لأن تقدير الآية لو جعلت الأشجار أقلاما والبحار مدادا والسموات والأرض قرطاسا والأنس والجن والملائكة كتبة ثم كتبوا منها عليها، ما نفِدت كلمات اللُه، ومعنى قوله: (أقلام) أي بريت أقلاماً. قال الشيخ الإمام: ويحتمل ولو أن ما في الأرض من شجرة شجرة أقلام فبريت أقلاما. (سبعة أبحر) يريد به الكثرة، لا سبع العدد، وقوله في الكهف "ولو جئنا بمثله مددا) ، أي بأمثاله، يوافق هذه الآية، ومثل قد يقع للجمع، كقوله: (إنكم إذاً مِثلُهم) أي أمثالهم من نصب البحر عطفه على "مَا" ومن رفعه جعله مبتدأ "يمده" خبره، والتقدير، والبحر هذه حاله. قوله: (كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) . أي كخلق نفس واحدة وبعثها. قوله: (بنعمة الله) . حال، أي منعماً بها عليكم. الغريب: بنعمة الله، أي بالريح، لأن الريح من نعم الله. قوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ) أي صبار ما دام فيها، شكور إذا خرج، وقيل: صبار شكور أي مسلم. لقوله: "الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر". قوله: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) . أي مقيم على عبادةِ الله، ومنهم جاحد فحذف لأن قوله: (وَمَا يَجْحَدُ) يدل عليه، وقيل: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) ، ذم، ومعناه جاحد.

стр. 809

قوله: (وَاخْشَوْا يَوْمًا) . مفعول به ولا يجري "أي" فيه. - قوله: (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ) . "مَوْلُودٌ" رفع بالعطف على الوالد. "هو" مبتدأ، "جَازٍ "، خبره، والجملة صفة لمولود. الغريب: يجوز أن يعلق عن الثانية بقوله: (يَجْزِي) كما يتعلق عن الأولى به، فيبقى "هُوَ جَازٍ" صفة لمولود، أي ولا مولود هذه صفته في الدنيا، أي كان يحفظ ويذب عنه. قوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) . عن النبي ﷺ : " مفاتيحُ الغيب خمس - يريد ما في الآية - "فمَن ادَّعى علمَ شي، من هذه الخمسةِ فهو كافر. قوله: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) عطف على خبرإ إن ". الغريب: عطف على الساعة بإضمار "إن"، أي علم الساعة وإنزال الغيث. قوله: (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) إن جعلته مفرداً منصوب بـ (تكسب) ، وإن جعلته جملة فمحلها نصب بـ "تدري". قوله: (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) في حَضرٍ أو سفرٍ، برٍ وبحرٍ، وقيل: بأي قدم لأن كلَّ قدم يقع علَى أرض غير الأولى في المشي. الغريب: بأي قدم من الشقاوة أو السعادة. اللهم اجعلنا من السعداء برحمتك وفضلك.

стр. 810

سورة السجدة قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) . "أَمْ" هي المنقطعة، أي بل أيقولون. وقيل: هي متصلة وتقديره. أيصدقون، أم يقولون افتراه. الغريب - "أَمْ" بمعنى الواو وجميع حروف العطف قد تقوم مقام الواو. قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) . قيل: "يُدَبِّرُ" بمعنى يوصل فيكون "مِن" لابَتداء الغاية و "إِلَى" للانتهاء. وقيل: يدبر بمعنى يقضي، ومن بمعنى في، وإلى متعلق بمضمر، أي فيرسله إلى الأرض، وقيل: معناه أقام لذلك مدبرات في السماء إلى الأرض، وهم الملائكة، لقوله سبحانه: (فالمدبرات أمراً) ، فيمن حمله عليهم. قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) . قوله: (إِلَيْهِ) يعود إلى السماء، ولفظ السماء مذكر، وقيل: يعود إلى الله سبحانه، كقوله: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) ، وفاعل يعرج في الظاهر الأمر، وقيل: الملك. قوله: "فِي يَوْمٍ" متعلق بالعروج. الغريب: متعلق بقوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) ، أي مقدار كل يوم ألف سنة. ومن الغريب: ظرف لقوله: "يدبر".

стр. 811

العجيب: صاحب النظم: يدبر الأمر من السماء، يعني الشمس طلوعا إلى الأرض غروبا، ثم ترجع إلى موضعها من حيث طلعت، ومعنى ألف سنة أي للسائر المجدِّ، لأن مسيرها من المشرق إلى المغرب خمسمائة سنة. ومثله من المغرب إلى المشرق. قوله: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) . أي أحسن خَلْقَ كل شي، فهو بدل. الغريب: أحسن بمعنى عَلِم من قولهم هو يحسن كذا أي يعلمه. العجيب: معناه أعطى كل شيء خلْقه، ومن قرأ خلَقه بفتح اللام. فهي جملة في محل جر صفة لشيء. قوله: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ) . "مِنْ مَاءٍ" بدل من "سلالة". الغريب: السلالة منتزعة من ماء. قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ) . جواب "لَوْ" محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً، وقوله: "رَبَّنَا" متصل بمضمر أي يقولون رَبَّنَا والجملة حال. قود: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) . بدل من القول. قال الحسن: لو آمن إلا واحد لَملأها اللهُ من ذلك الواحد. قوله: (إِنَّا نَسِينَاكُمْ) . تركناكم فيها كما تركتم لقاء يومكم هذا، وقيل: جازيناكم على سيئاتكم. قوله: (خَوْفًا وَطَمَعًا) .

стр. 812

نصب على المفعول له، وقيل: حال، أي خائفين طامعين. الغريب: مصدران، أي يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً. قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ) . "مَا" بمعنى أي ومحله رفع بالابتداء فيمن قرأ "أُخْفِيَ" بفتح الياء. ونصب فيمن سكن، والجملتان متعلقان بقوله: "تَعْلَمُ"، والعلم معلق. هذا اختيار أبى علي. الغريب: "مًا" بمعنى الذي، وهو مفعول تعلم. قوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا) . علي بن أبي طالب ﵁. (كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا) الوليد بن عقبة. قوله: (لَا يَسْتَوُونَ) جمعَ لاطرادِ الحكم في المؤمنين والفاسقين. قوله: (مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) . العذاب الأدنى: ما ابتُلُوا به من القتل والسبي والجدب والمرض. وقيل: الحدود، وقيل، يوم بدر. الغريب: الحسن، من العذاب الأدنى: الشدائد، دون العذاب الأكبر، الاستئصال، فإنه يكون في هذه الأمة. العجيب: النقاش، العذاب الأدنى، غلاء الأسعار، والعذاب الأكبر خروج المهدي.

стр. 813

ومن الغريب: العذاب الأدنى عذاب القبر، وهو في هذه الآية بعيد لقوله: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) . فإن الرجوع إلى الإيمان بعد الموت غير مقبول. قوله: (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) . من لقائك موسى، فإن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " رأيت ليلة أسري بني موسى بن عمران رجلًا آدم طويلاً جعدا كأنَّه من رجال شنوة ". وقيل: من لقائه إياك. وقيل: من لقاء موسى الكتاب. العجيب: قول صاحب النظم، هذا اعتراض، وهو متصل بما قبله. والتقدير ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى، وقوله: (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) متصل بقوله: (هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ. ومن الغريب: لقد أتينا موسى الكتاب ولقي من قومه شدائد، فلا تكن في شك من لقاء مثله من قومك. قوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا) . فاعل يهد أهلكنا، ودل عليه فعله. الغريب: فاعله الله بدليل قراءة يعقوب "نَهدِ) بالنون، وكم نصب بأهلكنا ولا ترتفع بالفعل ألبتة، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. قوله: (إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) . اسم أرض بعينهِ. وقيل: هي اليمن. قوله: (فَنُخْرِجُ بِهِ) أي بالماء. قال الشيخ: ويحتمل بالمكان. والله أعلم.

стр. 814

سورة الأحزاب قوله تعالى: (اتَّقِ اللَّهَ) . أي دم على التقوى، وقيل: اتقِ الله وحده. وقيل: الخطاب للنبي - ﵇، والمراد به أمته، وبهذا ختم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) . قوله: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) . نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلاً حفظة، فقالت قرسى: ما حفظ جميل هذه الأخبار إلا وله قلبان، فكان هو يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما كان يوم بدر. وهزم المشركون وفيهم جميل بن معمر تلقاه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده. والأخرى في رجله، فقال يا أبا معمر ما حال الناس) : قال: انهزموا. قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك، فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا أن لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده. الغريب: زعم بعضهم أن لمحمد ﵇ قلبين، ولهذا علم ما لم يعلم غيره، يقصدون بهذا الكلام شكيك الضعفة في نبوته ويوهمونهم

стр. 815

أنه إنما أتى بما عجز عنه غيره، لأن له قلبين، فكذبهم الله، فقال: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) . العجيب: ذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذا نهي عن تسمية زيد ابن رسول اللُه، فإن المولود إذا استقرت النطفة الداخلة عليه بالوطء الثاني، فلا يكون لرجل قلبان ولا أبوان ولا أمان، فاتصل بآية الظهار من هذا الوجه. حكاه القفال. وقال حكى الشافعي هذا التأويل عن بعض المفسرين وهو قول الزهري ومقاتل. قوله: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) . أي منزلات منزلة الأمهات. وفي مصحف أبي: وهو لهم أب. وروي أن عمر أمر بغلام وهو يقرأ وهو لهم أب، فقال للغلام: حكَّه من المصحف. فقال: هو مصحف أبي، فقال: ما هذا يا أبي، قال: كنت أشد منك اشتغالاً بالقرآن، وقرأ ابن عباس كذلك أيضاً. قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) المؤمنون في الآية الأنصار. وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فيكون من للتقضيل. الغريب: فيه تقديم وتأخير، أي وأولو الأرحام من المهاجربن والمؤمنين بعضهم أولى ببعض ممن لم يؤمن ولم يهاجر، فتكون من للتبيين. العجيب: "مِن" صلة. قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ) . الزجاج: واذكر. الغريب: القفال: مسطوراً إذ أخذنا، أي حين أخذنا.

стр. 816

قوله: (لِيَسْأَلَ) " اللام" متصل بأخذنا، والمعنى عما قالوا لقومهم، والسؤال توبيخ لمن كذبهم، ومثل (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) ، قال الشيخ الإمام الغريب: يحتمل أن الصدق بمعنى التصديق، أي عن تصديق قومهم إياهم، كما في الآية، فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ. العجيب: ليس سؤالا وإنما هو عبارة عن محاسبة الصادق والكاذب. قوله: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) . الرئة تنتفخ عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة، وهذا مجاز أبلغ من الحقيقة. قوله: (مَا وَعَدَنَا) . وذلك أن النبي ﵇ حين أمر بحفرِ الخندق، عرضت صخرة شقت على من كان يليها، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل إلى الخندق وأخذ معولًا من سلمان، فضرب تلك الصخرة ثلاث ضربات، فخرج مع كل ضربة كهيئة البرق، فقال سلمان، لقد رأيت أمراً عظيماً. فقال - ﵇: " لقد رأيت في الضربة الأولى أبيض المدائن، وفي الثانية قصور اليمن، وفي الثالثة مدائن الروم، وليفتحن الله هذه على أمتي ". فلما حصرهم الأحزاب واشتد عليهم المجال، قال مُعَتِّب بن قشير، يعدنا أن يفتح علينا قصور الروم وفارس واليمن ولا يستطيع أحدنا أن يذهب إلى الخلاء، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. فأنزل الله (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ) . الآية.

стр. 817

قوله: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ) . هي المدينة، وقيل: أرض، والمدينة في ناحية منها. وروي عن البراء، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة " ثلاث مرات. قوله: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ) أي غير حَصينةٍ. تقول عَوِرَ المكان يَعْور عوراً صار عورة، والعورة: ما كرِهَ انكشافُهُ. قوله: (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ) أي هي حصينة. الغريب: القفال، لأن الله يحفظها. قوله: (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا) . أي بالمدينة، وقيل: بالبيوت. الغريب: بالإجابة إلا يسيرا، نصب على الظرف، أي زماناً. وقيل: صفة مصدر أي تلبثاً يسيراً، وكذلك ما بعده، (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) . قوله: (عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) . يعني يوم أحد، حين فشلوا ثم تابوا. وقوله (لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ) محمول على اليمين، وعاهدوا يدل عليه. قوله: (مَسْئُولًا) أي مَسْئُولًا عنه. وقيل: (مَسْئُولًا) ، مطلوباً. قوله: (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) . المفسرين أجروه على ما قبله، والأحسن قطعه عما قبله، لأن

стр. 818

العصمة تستعمل لدفع المكروه، والرحمة هي النعمة من الله في الدنيا والأخرة، فالأحسن أن يقال: تقديره أو أراد بكم رحمة فمن يحرمكم ذلك. قوله: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) . قيل: متصل بكلام القائلين لإخوانهم، أي أصحاب محمد - عليه السلام -، لا يقاومون الأحزابَ. الغريب: استئناف من الله سبحانه، أن يعرفون البأس ويتخلفون بأنفسهم. قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) أي إتياناً وزماناً. الغريب: أراد الا قليل، فنصب على أصل الاستثناء، كقراءة ابن عامر، (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلاً) . قوله: (أَشِحَّةً) . حال من المعوقين، وقيل: من القائلين. وقيل: من الضميرفي "لا ياتون" ويجوز أن يكون وصفاً للقليل إذا حملته على الاستثناء من القوم. وقيل: ذم، كقوله: (حمالة الحطب" فيمن نصب قوله: (تدور أعينهم "، حال من الضمير في ينظرون، وينظرون حال من رأيتهم كالذي، أي دوراناً كدوران عن الذي يغشى عليه. الغريب: في مصحف أبي "كدورانِ الذي يُغْشَى عَلَيْهِ. قوله: (سَلَقُوكُمْ) جَادَلوكم وطعنوا فيكم خلاف الحالة الأولى، من قولك خطيب مِسْلَق وسَلأق. قوله: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) كرر، لأن الأول مطلق، والثاني مقيد بالخير.

стр. 819

قوله: (فِي الْأَعْرَابِ) . خبر بعد خبر، أي لو أنهم في الأعراب. ويجوز أن يكون التقدير في جملة الأعراب. قوله: (يَسْأَلُونَ) حال من الضمير في الخبر. الغريب: يَسْأَلُونَ عن أنبائكم يعود إلى قوم لم يحضروا الخندق وكانوا يسألون عن أنباء العسكر متوقعين غلبة المشركين، فعلى هذا يحتمل أن يكون حالاً من الأعراب، أي بادون في الأعراب الذين يسألون عن أنبائكم. قوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) . هذا عتاب، وقيل: أمر بالإتساء، وقيل: مدح للمؤمنين. قوله: (لِمَنْ كَانَ) بدل من قوله: (لَكُمْ) وفيه بعد، لأنه لا يجوز البدل من ضمير المخاطب، والأظهر أنه صفة الأسوة، أي أسوة حسنة ثابتة، لمن كان يرجو الله. قوله: (وما زادَهم) . فاعله مضمر يعود إلى ما رأوا، أي زادهم ما رأوا. وقيل: نظرهم. وقيل: مجيئهم، وقيل: ما نزل بهم من الشدائد، وقيل: اجتماع الأحزاب عليهم. قوله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ) . اللام متصل بقوله: "عاهدوا"، وقيل بقوله "وعدنا" وقيل وما بدلوا. الغريب: ابتلى المؤمنون ليجزي الله الصادقين بصدقهم، أي على صدقهم. وقيل: بسبب صدقهم. قوله: (لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا) ، مالاً.

стр. 820

الغريب: ظَفَراً، وسماه (خَيْرًا) بزعمهم. ومن الغريب: عن عائشة قالت: (خرجت يوم الأحزاب أستروح الأخبار، فإذا أنا برجل يقول: لبّث قليلاً يلحق الهيجا حَمَل. فإذا أسيد بن حضير وإذا امرأة تسوق بعيراً، فقلت: ما الخبر. فقالت: رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، ورسول الله سالم لم يمت. فأنزل الله على لسانها الآية، تريد موافقة للسانها، فإن الآية نزلت بعد هذا الكلام منها. قوله: (ضِعْفَيْنِ) . أي ضعفي عذاب غيرهن تعظيماً، كما جعل حَدُّ الحر ضعفي حد المملوك - وقيل، جعلَ العذاب ضعفين كما جعل الأجر مرتين. العجيب: أبو عبيدة: (ضِعْفَيْنِ) ثلاثة أعذبة، وأنكره الزجاج وقطرب وكيرهما من المفسرين، وقالوا: ضعف الشيء مثله، ولا يعطى على الطاعة أجرين وعلى الححصية ثلانة أعذبة. قال الشيخ الإمام: الغريب، يحتمل أن أبا عيدة لم يقل ثلاثة أعذبة من حيث رُدَّ عليه، لأن ذلك في غاية البعد، فإن الضعف الواحد حينئذٍ ينبي عن واحدٍ ونصف ضرورةً، وهذا لا يقوله أحد، ولكن وجه كلام أبي عبيدة أنه نظر إلى قوله (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ) والدرهم إذا ضاعفته مرة صار

стр. 821

درهمين وإذا ضاعفته مرتين صار ثلاثة دراهم، فصار معنى الآية بزعمه يجعل لها العذاب ومثليه. وما يحكى عن بعض الفقهاء: إن الرجل إذا قال أوصيت لزيد بضعف نصيب عمرو، ونصيب عمرو درهم، يلزمه درهمان. ثم إن قال: بضعفي نصيب عمرو، قال: يلزمه ثلاثة دراهم، استدلالاً بقول أبي عبيدة، فلا وجه له في العربية، لأن أبا عبيدة ذهب إلى ذلك لوجود لفظ التضعيف، ولأن النصيب الذي لعمرو لا يدفع إلى زيد فيصير مع الضعفين ثلاثة كما قال في الآية - والله أعلم -. قوله: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) . قيل: متصل بالأول، أي "لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ" بشرط الاتقاء. وقيل: إن الكلام تم على قوله: "مِنَ النِّسَاءِ"، ثم قال: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) ، فهو شرط جزاؤه فلا تخضعن بالقول. قوله: (وَقَرْنً) . من كسر، فله وجهان، أحدهما: أنه أمر من وقر يقِر. والثاني: أنه من قر بالمكان يَقِر. ومن فتح جعله من قَر بالمكان يَقَر، وهو أقل من الفتح. قوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ) نداء. الزجاج: مدح. قوله: (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) . أي القرآن، والجمهور على أن الحكمة، السنن، قال أبو علي: التلاوة لا تستعمل إلا في قراءة كتاب الله، فيصير من باب قوله: . . . . . . . . . . . . . . . .. متقلداً سيفا ورمحاً

стр. 822

أي ما يتلى من آيات الله، ويذكر من الحكمة. قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) . مقاتل: إن أسماء بنت عُميس، قالت لرسول الله ﷺ : إن النساء في خيبةِ لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال. فأنزل اللهُ هذه الآية. قوله: (وَالْحَافِظَاتِ) المفعول محذوف دل عليه الأول، وتقديره والحافظات فروجهن، وكذلك والذاكرات أي الله كثيراً. قوله: (أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) . جمع على المعنى، لما كان للعموم. قال أبو علي: دلت هذه الآية على ان "مَا" في قوله: (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) للنفي، ودل قوله: (مَا كَانَ) على أن" الياء" ها هنا حسن. (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ) . محله جر، صفة لقوله: (الَّذِينَ خَلَوْا) ، وكان مقدراً في الآية. الذين كانوا يبلغون، فحذف لأن خلوا يدل عليه. الغريب: القفال: الذين يبلغون، صفة للنبي ﵇، في قوله "على النبي" بلفظ العموم، فلا يحتاج إلى إضمار كان. قوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) . أي من رجالكم البالغين، وليس المراد به الذكور، فإنه كان عليه السلام أباً للقاسم والطيب والطاهر وإبراهيم. قوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) أفاد دخول لكن أنه ليس بأبي أحد بل هو أبو الجميع، ويقويه وهو "لهم أب"، وأفاد أيضاً أنه خاتم النبيين، ولو

стр. 823

كان له ابن كبير لاقتضى بمنصبه ﵇ أن يكون الابن نبيا، فلم يكن حينئذٍ خاتم النبيين. قوله: (وَخَاتَمَ) هو اسم الفاعل، أي ختمهم، ويجوز ان يكون الفتح والكسر لغتان، كطابق ودانق، فيكون اسماً لا فاعلًا. قوله: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) . أي يرحمكم الله وتستغفر لكم الملائكة بأمره، مثل قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) . الغريب: لما نزل قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) قال أبو بكر: ما أعطاك الله من خيرٍ إلا أشركتنا فيه. فنزلت (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) . فيكون هذه في النزول متأخرة عنها، وفي التلاوة متقدمة، وقد مضى مثله في البقرة. العجيب: فيه تقديم وتأخير، تقديره ويسبحوه بكرة وأصيلا ليخرجكم من الظلمات إلى النور هو الذي يصلي عليكم وملائكته وكان بالمؤمنين رحيما. قوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) . مصدر مضاف إلى المفعول، أي ان يحيهم أدثه أو الملائكة. وقيل: مضاف إلى الفاعل، أي تحية بعضهم بعضاًا لسلام. قوله: (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) . صفة للنبي أيضاً، أي ضياء ودالاً لمن اهتدى، وقيل: سراجاً منيراً هو القرآن على تقدير وتالياً سراجاً. وقيل: ذا سراج منيرٍ. قوله: (وَدَعْ أَذَاهُمْ) .

стр. 824

أي إيذاءهم، وهو عند الجمهور، ومضاف إلى الفاعل، أي لا تخف من إيذائهم إياك، وتوكل على الله. الحسن: دع إيذاءك إياك. قال: ومثله، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) . وهي مكية فتكون منسوخة. الغريب: معناه تحمل عنهم، فيكون مضافاً إلى الفاعل أيضاً. قوله: (تَعْتَدُّونَهَا) . أي تتوفونها، تقول عده واعتده، وكاله واكتاله، وزانه وازدانه. الغريب: هوس عند الشيء واعنده أي أحصاه، ومنه اعتدت المرأة. و (سناده في هذه الآية إلى الرجال لبيان أن العدة حق الزوج واستبراء للرحم. العجيب: عن بعض أصحاب ابن كثير (تَعْتَدُّونَهَا) بالتخفيف. قال أبو علي: لا وجه في التخفيف في تشدونها وتردونها من الله والرد. وليس كل المضاعف يبدل، إنما يبدل فيما يسمع قال: وإن شئت قلت جاء في التنزيل في هذا النحو الأمران (فَلْيُمْلِلْ) ، وقال: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً٨) . قال: وه (ن ثثت جعلت افتعل من عدوت الشيء إذا جاوزته أي مالكم عليهن من وقت عدة فلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنبهحوا أختها ولا أربعايواها حتى تنقضي العدة. قوله: (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) . هي صفية بنت حيي، وجويرية بنت الحارث، أعتقها وتزوجها ومارية القبطة أهداها ملك إسكندرية، وما كان يصطفيه من الغنائم من الجواري.

стр. 825

(وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ) أولاد عبد المطلب، (وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ) أولاد عبد مناف بن زهرة. ووحد العم والخال، وجمع العمات والخالات، لأن بني العم والخال كثر دورها في الكلام، فحسن المجاز وعرف ولم يكثر دورها مع العمة والخالة فجاءت على الأصل. المبرد: الواحد الذي يقوم مقام الجمع لا يكون إلا مذكرا نحو (إن الإنسانَ لفي خُسرٍ) ، (يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) ، (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا) ، ولم يأت مثل ذلك في المؤنث. قوله: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ) تم الكلام على قوله: (هَاجَرْنَ مَعَكَ) ثم قال (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) أحللنا له، فيكون بمعنى المستقبل والشرط لا يكون في الماضي ألبتة، وقرىء في الشواذ أن وهبت - بالفتح -. وقرىء أيضاً (وهبت) من غير "أن" ويكون عطفا على الأول في امرأة بعينها. قالت عائشة: هي خولة، وقيل: ميمونة. وقيل: زينب أم المساكين، امرأة من الأنصار، وقيل: أم شريك بنت الحارث. الغريب: ابن عباس ومجاهد: لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له. قوله: (خَالِصَةً لَكَ) أي لا تحل لأحد أن يتزوجها في حياتك وبعد وفاتك. وقيل: يرجع إلى جميع ما في الآية أي هذا الإكثار من النكاح خالصة لك. وقيل: هو أن يتزوجها من غير مهر. وقيل: أراد نكاحها بلفظ الهبة، وليس ذلك لغيرك، أراد النكاح بغير ولي ولاشهود. وقوله: خالصة

стр. 826

لك وخاصة مصدران يستوي فيهما المذكر والمؤنث، كالخاطبة والكاذبة واللاغية. قوله: (لِكَيْلَا يَكُونَ) متصل بما قبله، أي قد خصصناك في النكاح بأشياء، لكيلا يكون عليك حرج. قوله: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) ، الآية. الجمهور على أنها محكمة. الغريب - منسوخة بالآية التي قبلها وهي (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) ، وهذه سابقة في التلاوة متأخرِة في النزول. وقد سبق في السورة نظيرها. ومثلها في البقرة (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) . وإلى هذا القول ذهبت عائشة وقالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلت له النساء. وعن أم سلمة: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من يشاء. قوله: (إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) . (غَيْرَ نَاظِرِينَ) نصبه على الحال، وذو الحال الضمير في "لكم". وقوله: (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ) عطف على الحال ومحله نصب، وأجاز الفراء أن يكون محله جراً عطفا على "ناظرين"، وقول من قال نصب بقوله: (لَا تَدْخُلُوا) أي لا تدخلوا مُسْتَأْنِسِينَ مدفوع بقوله: (ولا) ، وقراءةُ ابن أبي عبلة "غيرِ" بالجر، بعيد، لأنه يستدعي إبراز الضمير فيقال أنتم، ولم يبرز في الآية.

стр. 827

الغريب: قرىء بين يدي إسماعيل بن حكيم هذه الآية فقال: هذا أدب الله به الثقلاء. وعن الحسن والسدي قالا: ذكر الله الثقلاء في القرآن فقال: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) . وعن عائشة قالت: حسيبك في الثقلاء أن الله سبحانه لم يحتملهم حتى أنزل الله فيهم فقال: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) . قوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) قيل: صحف القرآن، وقيل: أداة وآلة طعام، (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يريد نساء النبي، وهذه آية الحجاب، ولم يتقدم ذكرهن في الآية، ودلت عليهن البيوت، أي لا تدخلوا بيوت النبي وفيها النساء. العجيب: البيوت ها هنا النساء، كما قال: ما لي إِذا أَنْزِعُها صَأَيْتُ. . . أَكِبَرٌ غَيَّرني أَم بَيْتُ ولفظ (ادخلوا) يدفعه قول (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ) ، بيَّنَ في هذه الآية من جاز لهن أن لا يحتجبن عنه. قوله: (وَلَا نِسَائِهِنَّ) . أي المؤمنات، فإن عليهن الاحتجاب عن الكوافر والكتابيات، ولم يذكر في الآية الأعمام والأخوال لمكان بنتهم، ولم يذكر البعولة لأن الاحتجاب لأجلهم. قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) . قال أبو على: ليس في قوله: (يُصَلُّونَ) ضمير الله - سبحانه - لأن الله لا يضمر مع غيره كما سبق في قوله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)

стр. 828

وتقديره: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ) ، هم وهو. وقيل: تقديره: إن الله يصلي وملائكته تصلي. المبرد: لو كان كذلك لجاز "وملائكتُه" بالرفع، فصح أن الوجه ما قاله أبو علي. الغريب: ذهب بعض المفسرين إلى أنه إذا صلى عليه المؤمن مرة فقد امتثل وأدى الغرض، والجمهور على أنه يجب عليه أن يصلي كلما ذكره، أو ذكر بين يديه، لما روي أن النبي ﵇ قال: " إن الله وكل بي ملكين، فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلي عليَّ، إلا قال ذلك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين، ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي عليَّ، إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين ". قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . أي أولياء الله، وقيل ذكر الله تعظيم، والمعنى يؤذون رسول الله. وقيل: يؤذون الله يعصون. الغريب: ذهب جماعة إلى أنهم أصحاب التصاوير. قوله: (مَلْعُونِينَ) . ذهب الزجاج وعلي بن عيسى في جماعة: أنه نصب على الحال من الضمير في قوله، (لَا يُجَاوِرُونَكَ) وفي هذا نظر لأن ما قبل "إلا" لا يعمل فيما بعده ولعلهم يجعلونه في النية مقدماً على ما يأتي أمثاله في القرآن من التقديم والتأخير. وقيل: نصب على الذم، وأجاز بعض المفسرين أن يتصل بما بعده وهو خطأ، لأن الشرط لا يقدم على ما بعده، ونص الزجاج على امتناعه.

стр. 829

الغريب: الأصل في قوله (إِلَّا قَلِيلًا) الرفع لأنه استثناء من نفي، لكنه نصب على أصل الاستثناء كقراءة ابن عامر (إِلَّا قَلِيلًا) ، و (مَلْعُونِينَ) صفة لهم. قوله: (تَكُونُ قَرِيبًا) . نصب على الظرف، ويجوز نصبه بخبر كان، وذُكِّر كما في قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ) وقد سبق. قوله: (الرَّسُولَا) ، (الظُّنُونَا) ، (السَّبِيلَا) . هذه الألفات لروي الآيات موافقة لما قبلها وما بعدها. الغريب: من وصل وقف بغير ألف، قال هذه الألفات بدل من الفتحة، وهكذا كان في خط حِمْير، الفتحة ألف والضمة واو والكسرة ياء. وعلى هذا وقع في القرآن في مواضع موقع الحركات، وما ذهب إليه ابن عيسى أنها للتذكير، فقد أساء القول، لأنه عز اسمه غير موصوف بالغلط والتذكير. قوله: (قَوْلًا سَدِيدًا) . أي قولا لا تناقض فيه، وقيل: قولاً صواباً، وقيل: لا إله إلا الله. قوله: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ) . اللام متصلة بجميع ما في السورة. وقيل: متصلة بقوله: (عَرَضْنَا) ، وقيل: لام العاقبة. قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) ، أي للمؤمنين والمؤمنات. (رَحِيمًا) ، بهما. اللهم اجعلنا منهم.

стр. 830

سورة سبأ قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) . وذلك أن المؤمنين يحمدون الله تلذذاً به وسروراً لا تعبداً، ومثله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) ، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) ، (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وأمثالها. الغريب: النقاش: (له الحمدُ في الأولى والآخرة) ، أي في السماوات والأرض، لأن إحداهما قبل الآخرة، وهذا بعيد، إذ ليس في القرآن الأولى. قوله: (لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) . من كلام الكفار المشركين، دون أهل الكتاب. الغريب: السامرة من اليهود ينكرون البعث. قوله: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) أي يا محمد ردَّ عليهم كلامهم. وأكده باليمين جرياً على عادتهم. وقوله: (عَالِمِ الْغَيْبِ) وعاِلمِ بالجر صفة للرب، والرفع على الابتداء والخبر وقيل: بإضمار القول، أي قال عالم. قال الشيخ الإمام: ويحتمل وهو الغفور الرحيم عالم الغيب.

стр. 831

الغريب: هو فاعل قوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) . قوله: (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) وزن نملة، وقيل: فقال ذرة، رأس نملة. وقيل: هي ما يقع في الكوَّة من الشمس. الغريب: ابن الهيضم، سبعون ذرة وزن جناح ذباب، وسبعون جناح ذباب وزن حبة. قوله: (وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ) عطف على توله (مِثْقَالُ) ، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، (إِلَّا فِي كِتَابٍ) خبره. قوله: (لِيَجْزِيَ) . متصل بقوله (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) وقيل: بقوله (لَا يَعْزُبُ) وقيل ب بما (فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) معنى الفعل، أي كَتَبَ وبيَّن ليَجزى. قوله: (وَيَرَى) . فعل، "الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" الفاعل، "الَّذِي أُنْزِلَ" المفعول، "الْحَقَّ" المفعول الثاني، "وهو" عماد، وفائدة دخول العماد الإعلام بأن ما بعده خبر لا صفة، "ويرى"استئناف، وقيل عطف على (ليجزي) ، ومحله نصب. قوله: (عَلَى رَجُلٍ) . يعنون محمداً ﷺ (يُنَبِّئُكُمْ) بشيء عجيب،: (إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي فُرقتم كل تفريق، وأكلكم دواب الأرض وطيور الهواء، يجدَّد خلقكم وتبعثون. و "إذا" منصوب به، وسها الزجاج في هذه الآية، ولا يجوز أن ينتصب بقوله (يُنَبِّئُكُمْ) لاختلاف الزمانين، ولا بـ (مُزِّقْتُمْ) ، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا بـ "جَدِيدٍ"، لأن ما بعد "إنَّ" لا يعمل فيما قبله -

стр. 832

وقوله: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) الآية. معناه إن تمزقوا أو تفرقوا لم تَخْرُج الأجزاء عن الأرض والسماء، فهي في القبضة يحييها متى شاء، وقيل: معناه في سلطان الله وقدرته، وما بين أيديهم من السماء والأرض محيط بهم من كل الجهات. قوله: (أَوِّبِي) . سيري، وكانت الجبال تسير معه حيث شاء إذا أراد معجزة. وقيل: معناه سبحي من تأويب القارىء إذا رجع. الغريب: إذا نادى داود بالنياحة أجابت الجبال بصداها وعطفت عليه الطير من فوقه، فصدى الجبال من ذلك اليوم. حكاه الثعلبي، وفيه قوله: (وَالطَّيْرَ) أي مع الطير، وقيل: سخرنا له الطير، وقيل: عطفت على محل يا جبال لما لم يمكن عطفه على الأول لمكان الألف واللام. قوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) سهلنا عليه العمل به. الغريب: أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ بقوته وحرارة كفه كما تلينه النار. قوله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) . (أَنْ) هي المفسرة، أي اعمل، وقيل: وأوحبنا إليه أن اعمل. الغريب: هو خبر، أي بأن يعمل. قوله: (فِي السَّرْدِ) في نسج الدرع، وقيل: السرد الثقب، وسمى الأثغر والمثقب مسرداً لذلك، والمعنى اجعل ثقوب أطراف الحلق على قدر المسامير، وقيل: السَّرْد المسمار.

стр. 833

الغريب: ابن هيضم: الدرع التي عملها داود كانت بغير مسمار. لأنها كانت معجزة له، ولقوله (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) مع أنا قد رأينا منها. فكانت بغير مسمار، وقيل: السرد الدرع بعينها. (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ) . أي وسخرنا. الغريب: أنا له الحديد وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وسخرت له ريح واحدة من الرياح الأربع، ولهذا أجمع القراء السبعة على توحيد ريح سليمان حيث وقعت. قوله: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) أي النحاس، أسيلت له ثلاثة أيام كالماء بأرض اليمن. الزجاج: هو الصفْر، وقيل: عين الرصاص. الغريب: هو الحديد. قوله: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ) أي وسخرنا له من الجن من يعمل ويجوز أن يكون مبتدأ وخبراً. قوله: (وَمَنْ يَزِغْ) "مَنْ" رفع بالابتداء، "يَزِغْ" جزم بالشرط، "نُذِقْهُ" جزاء الشرط قائم مقام الخبر. قوله: (مِنْ مَحَارِيبَ) . المساجد والقصور والمساكن. (وَتَمَاثِيلَ" تماثيل العباد والملائكة والأنبياء قائمين راكعين ساجدين ليقتدى بهم من ورائهم، كان يومئذ مباحاً. الغريب: الحسن، يعنى النقوش، وصور الأشجار، وذلك مباح.

стр. 834

(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) ينتصب من أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول به كقوله: يعمل صالحاً، ومن يعمل سوءاً لأن العمل والفعل يستعملان في جميع الأحداث. والثاني: أنه مصدر من غير لفظ الأول كما قلنا في حُرِّمَتْ.. كتابَ الله، وأمثالِه. والثالث: نصب على المصدر والفعل مضمر أي اعملوا الصالحات، واشكروا شكراً. والرابع: اعملوا الطاعات للشكر، فيكون مفعولا له. قوله: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) . هي الأرَضة، والأرض مصدر أرِضت الخشبةُ فهي مأروضة، والدابة أرَضة، والجمع أرَضَة كالكَفَرة والفجَرة، والجمهور على أن الدابة مضافة إلى الأرض مستقر الخلق. الغريب: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) ، هي الأرض بعينها. قوله: (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) . العجيب: "تَأْكُلُ" حال. "مِنْسَأَتَهُ": عصاهُ مشتقة من نسأت البعيرَ أي زجرته، وقد يحذف الهمز تخفيفاً، وقراءة ابن ذكوان "منسأْته" بهمز ساكنة، بعيد محمول على من همز عالم وخاتم. العجيب: مِنْسَأَتَهُ: عتبة بابه، والمفسرون عن آخرهم على أن سليمان اتكأ على عصاه فمات، إلا النقاش، فإنه ذكر في تفسيره عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: أنه قال من زعم أنه قبض وهو متكأ على عصاه فقد كذب بل قبضه الله على فراشه، فبعث الله الأرضة على عتبة الباب، فأكلتها فخر الباب. مجاهد: تحنط سليمان وتكفن، ثم جلس على كرسيه وجمع

стр. 835

كفيه على طرف عصا ثم وضعها تحت ذقنة فمات، وبقي ذلك سنة إلى أن أكلت الأرضة أسفل عصاه فخر ساقطاً. العجيب: أرسل الجن الأرضة على العصا حتى أكلتها، وقالت لها بعد أكلها: لو كنت تأكلين الطعام وتشربين الشراب لأتياك بأطيب طعام وألذ شراب، ولكن سننقل إليك الماء والطين حيث كنت. قوله: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) تبين يأتي لازماً ومتعدياً، فإذا جعلته لازماً، فالتقدير فلما خر ظهر جهل الجن أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ومحل "أَنْ لَوْ" رفع بدل من "الفاء" على الذي حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإذا جعلته متعدياً فالمعنى علمت الجن و (أَنْ لَوْ) في محل نصب، وكانوا يزعمون أنهم يعلمون شيئاً من الغيب، وقيل: كانوا يظهرون تمويها، فعلموا أن ذلك قد ظهر للناس. الغريب: قرأ ابن عباس: "تبينت الإنس أن لو كانوا"، وقرأ ابن مسعود: "تبينت الإنس أن الجن لو كانوا"، وقراءة يعقوب: "تُبينت" على المجهول محمولة على قراءتهما. قوله: (مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) أجمع المفسرون على أنهم بقوا في العذاب مدة، وإنما أخذوا ذلك من قراءة ابن عباس ما لبثوا حولا كاملا في العذاب المهين. الغريب: الثعلبي، لم يعلموا مذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات من سنة.

стр. 836

قوله: (لِسَبَإٍ) . من صرفه، جعله اسم أبي القبيلة، ومن لم يصرفه جعله اسم القبيلة. الحسن، اسم أرض. قتادة: سبأ أرض باليمن يقال لها مأرب. وروي ان رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن سبأ، أجبل هو أم أرض أم امرأة، فقال: " ليست بجبل ولا أرض ولا امراة، وإنما هو رجل من العرب ولد عشرة رجال، صار كل واحد أباً لقبيلة، تيامن ستة منهم وتشام أربعة". قوله: "آيَةٌ " ثم أبدل عنهما فقال: "جَنَّتَانِ". قوله: "عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ" صفة للجنتين. الغريب: في قصتهم آية. "كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ" أي رزقه من الجنتين. "بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ" لم يكن فيها بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وأن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب، فإذا رأوا بيوتهم تموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل البستان ويمسك المكتل على رأسه، فيخرج وقد امتلأ من أنواع الفاكهة من غير أن يتناول بيده شيئاً منها، وتقديره: بلدتكم بلدة طيبة وربكم رب غفور، يضعف الحسنات ويعفو عن السيئات. قوله: (سَيْلَ الْعَرِمِ) .

стр. 837

هو المسناة والسكر، وأضاف السيل إليه، لأنه بخرابه جاء السيل. وقيل: العرم اسم الوادي، وأضاف إليه، لأنه جاءَ من قبله، وقيل: العرم الخلد، وهو الجرذ الأعمى، ثقب السكر من أسفله فسالَ منه الماء فخرب الجنات. الغريب: العرم من العرام وهو الشدة، وهو صفة للسيل، أضيف إليه مثل مسجد الجامع. قوله: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) بعد الخراب جنتين، ازدواجاً، كقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) . وقيل: التبديل تغيير الصفات مع بقاء الذات. العجيب: قال النقاش في تفسيره: قد طعن بعض الملحدة في هذه الآية وقال: "وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ"، لأن الجنة لا يكون فيها الخمط والأثل، قال النقاش: وهذا جهل عجيب وغلط بين لا يخفى على صاحب نظر ولا خبر ولا لغة، أما الأخبار فمتواترة على خلاف ما قال هذا الطاعن. وأما النظر فإن لهذه الآية نظائر كثيرة منها (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا) ، كذلك "وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ". وأما في اللغة، فلو كان جنتين لقال ذوي لأن الخبث مذكر والجنة مؤنث. انتهى كلامه. قوله: (مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) قليل صفة لشيء - الغريب: صفة للخمط، والأثل والسدر.

стр. 838

العجيب: معنى قليل هاهنا حقير. قوله: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا) . أي جزيناهم ذلك بكفرهم، فهو مفعول مقدم. قوله: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) أي هل نجازي بمثل هذا إلا من كفر النعمة ولم يشكرها، وقيل كفر بالله، وقيل المؤمن يجزى والكافر يجازى، لأن المفاعلة تقتضي المكافأة فيكون في السيئة، وقيل: الجزاء عام، والمجازاة للكفار خاصة. الغريب: القفال: المجازاة في الآية بمعنى التجازي، أي لا يرتجع ما أنعم به عليه إلا ممن يكفر ولا يثكر، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . قال: والكفر من كفران النعمة. قوله: (سِيرُوا فِيهَا) . أمر إباحة. الغريب: أمر بمعنى الماضي، أي (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) ظرفان (آمِنِينَ") حال. قوله: (أَحَادِيثَ) . أي ذَوِي أَحَادِيثَ. قوله: (رَبَّنَا بَاعِدْ) قرىء (بَعِّدْ" "رَبَّنَا" نصب على النداء. وباعد وبعد بمعنى كما تقول: قارب وقرب، والمعنى بطروا النعمة فسألوا الله أن يبعد سيرهم بين أسفارهم. وقرىء "رَبُّنَا" " رفع "بَاعَدَ" على الماضي وبُعد، قال ابن عباس: أي شَكَوْا إلى ربهم بعدَ أسفارهم. وكانوا يَقِيلون في قرية ويبيتون في قرية، فعاقبهم الله.

стр. 839

قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ) . قرىء بالتخفيف والتشديد، فمن شدد نصب ظنه على المفعول. والمعنى حقق ظنه فيهم، والعائد يعود إلى جميع الكفار. الغريب: يعود إلى أهل سبأ، ومن خفف نصب (ظَنَّهُ) على المفعول به أيضاً. قال أبو علي: ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف، أي صدق عليهم إبليس في ظنه، وأنشد أبو علي في تعدية " صدق " بالتخفيف قول الشاعر: فإنْ يَكُ ظَنِّي صادِقاً وهو صادِقٌ بثسملةَ يحبسْهم بها محبساً أزلا وما ذكره الزجاج أن (ظَنَّهُ) فيمن خفف نصب على المصدر ففيه نظر. وقرىء في الغريب (ظَنُّهُ) بالرفع على البدل من إبليس، وقرىء "إبليسَ" نصب (ظَنُّهُ) رفع، أي صدق ظن إبليس فيما ظنه. قوله: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل، تقديره ما سلطناه عليهم إلا لنعلم. والثاني: منقطع، أي لكن ابتلينا المكلفين به لنعلم من يؤمن. قوله: (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) . أي للشافعين، وقيل: للمشفوع لهم.

стр. 840

قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) فَعَّل وأفعل يأتيان للسلب. تقول أشكيته، أي أزلت شكايته، وأخفيته أزلت خفاه، ومرَّضْت المريضَ إذا توليت مداواته ومصالحه، كذلك فزَّعته سلبت الفزع من قلبه. والجمهور على أن الضمير من قُلُوبِهِمْ يعود إلى الملائكة، وذلك ما روى عن ابن عباس: أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيرون أنه أمر الساعة، فإذا فزع عن قُلُوبِهِمْ الغشية التي لحقتهم من الخشية، قالوا للملائكة فوقهم: ماذا قال ربكم، أي ماذا أمر الدب، فيقولون لهم قال الحق، ويقويه ما روي أن الحرث بن هشام قال لرسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي، قال: " يأتيني في صَلْصَلَةٍ كَصَلْصَلَة الجَرس، فَيفْصِم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتيني أحياناً في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلاما، وهو أهون عليَّ ". وعن ابن عباس أيضاً: كان قد انقطع الوحي بعد عيسى - عليه السلام -، فلما تكلم الله بالوحي إلى محمد ﷺ سمعت الملائكة صوتاً كصوت الحديد على الصفا، فغشي عليهم، فلما جلّي عنهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا: أوحى إلى محمد ﵇. الغريب: قال القفال: أذن لهم في الشفاعة ففزعوا أن يلحق في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصبر في وضع الشفاعة غير موضعها، فلما فزع عن قلوبهم وكشف المفزع، قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا: الحق، أي أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين. ومن الغريب: الضمير يعود إلى الناس، وذلك في القيامة تقول لهم الملائكة، أي للمشركين، ماذا قال ربكم، قالوا: الحق، فيقرون حين لا ينفع. وقيل: يكون ذلك عند الفزع، فلا ينفعهم ذلك، و (ماذا) في الآية كلمة واحدة، ولهذا جاء جوابه في قوله "قالوا الحق) - بالنصب -،

стр. 841

ولو كان على كلمتين لجاز الرفع على ما سبق بيانه في النحل. قال أبو علي: تقديره قالوا قال الحق. قوله: (قُلِ اللَّهُ) . أي إن سكتوا عن الجواب، أو ردوا الجواب إليك، فقل أنت الله. إذ ليس لهذا الكلام جواب غير هذا. قوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) . تقديره عند بعضهم: إنا لعلى هدى أو في ضلال، وإياكم لعلى هدى أو في ضلال، على أنه تعريض في الكلام توصلاً إلى المقصود بلفظ غير شنيع، كما تقول لصاحبك: أحدنا كاذب، فيكون ألطف من أن تقول له أنت كاذب. الغريب: تقديره إنا لعلى هدى وإياكم في ضلال، وأو بمعنى الواو. العجيب: قال النقاش: تقديره: قل الله يرزقنا وإياكم على هدى كنا أو في ضلال. وهذا من حيث المعنى صحيح، لكن يدفعه "إنَّ"، و "اللام". و"إياكم " نصب بالعطف على اسم إن و "لَعَلَى هُدًى" خبره، وخبر الأول محذوف دل عليه الثاني. وهذا مذهب المبرد وعند سيبويه: "لَعَلَى هُدًى" خبر "إنا" وخبر الثاني محذوف، وعلى بعض الوجوه التي تقدمت "لَعَلَى" خبر عنهما كما تقول إن زيداً وعمراً لفي الدار. قوله: (قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) . الجمهور: على أعمالنا ولا نحاسب على أعمالكم. القفال: هذا إلطاف للخصم إلى الإصغاء، فأضاف إلى أنفسهم الجُرم، وأضاف إليهم العمل جملة.

стр. 842

قوله: (أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ) "أَرُونِيَ" من رؤية العين، والضَمير المفعول الأول، و"الذين ألحقتم به " المفعول الثاني، والتقدير ألحقتموهم، و "شُرَكَاءَ" حال. الغريب: هي رؤية القلب، فيكون متعدياً إلى ثلاثة مفاعيل، والثالثة شُرَكَاءَ، والمعنى شاركه في خلق شيء. قوله: (كَافَّةً) . نصب على الحال من الكاف أي يكف الناس، وقيل: (كَافَّةً) مصدر. أي ذا كافة وقيل: تقديره إلا للناس كافة، أي جميعاً، فيكون حالاً من الناس. الزجاج: أرسلناك جامعاً. لأنه بعث إلى العرب والعجم. قوله: (وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) . أي الكتب والأنبياء. الغريب: هو الإنجيل، فيكون من كلام اليهود. العجيب: البعث والحساب والجنة والنار، أي بين يديه بزعمه. قوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) . أي مكركم فيهما، وأضَاف إلى الليل والنهار، كما يقال: نهارُه صائم وليله قائم. الغريب: بل الليل والنهار، ومكراً بطول السلامة فيهما حتى ظتا أنكم على حق، وتقريه القراءة ان ذة "بل ئكر الليلِ والنهار" من الكرور. (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ) أي كتموها. أبو عبيد عن أبي عبيدة: أظهر وها.

стр. 843

الغريب: تبينت الندامة في أسرار وجوههم أي آثارها، لأن الندامة تكون في القلب. قوله: (بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) . تقديره، وما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالذين يقربونكم زلفى. فحذف كما قال الشاعر: نَحْن بما عندنا وأنْتَ بما عندك. . . راضٍ والرأيُ مُختلِفُ. الغريب: الفراء: (الَّتِي) واقعة موقع الجمعين. قوله: (زُلْفَى) مصدر من غير لفظ، (تُقَرِّبُكُمْ) أي بالتي تقربكم عندنا تقريباً. قوله: (إِلَّا مَنْ آمَنَ) محله نصب على الاستثناء. الغريب: قال الزجاج: بدل من الكاف والميم، وفي قوله ضعف. لأن البدل من ضمير المخاطب لا يجوز. العجيب: قال الفراء، موضع " مَنْ" رفع، بمعنى ما هو إلا من آمن. وليس لكلامه وجه، إلا أن يحمل قوله: (إِلَّا مَنْ آمَنَ) على حذف المضاف، والتقدير "إلا" حال (مَنْ آمَنَ) "، وأولاد من آمن، فحذف المضاف وارتفع المضاف إليه، قال الفراء: ومثله (إلا من أتى الله بقلب سليم ". قال الشيخ: ويحتمل أن الاستثناء منقطع على نقدير لكن من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف.

стр. 844

قوله: (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) . أي في الدنيا. وقيل: في الآخرة. وقيل: فيهما جميعاً. الغريب: معناه ما أنفقتم من شيء فالله أخلفكم ذلك، أي أعطاكم ورزقكم، من قوله: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) . قوله: (عَذَابَ النَّارِ الَّتِي) . قال في هذه السورة (عَذَابَ النَّارِ الَّتِي) ، وفي السجدة (عَذَابَ النَّارِ الذي) ، لأن ما في هذه السورة صفة للنار، وما في السجدة صفة للعذاب. وخصَّ ما في السجدة بالذي، لأن النار وقعت موقع الكناية، والكنايات لا توصف. وقد ذكرت هذا في كتاب برهان القرآن. قوله: (مِعْشَارَ) . هو العُشر، والعُشُر والعشير والمِعشار واحد. الغريب: العُشر جزء من العشَرة، كالثلث والربع والخمس. والعَشير عشر العُشر، والمِعشار عشر عشر العشر، فيكون المعشار الواحد من الألف. قوله: (نَكِيرِ) ابن عباس عقابي وتغييري. والجمهور على أنه بمعنى إنكاري عليهم. وقيل النكير جزاء المنكر، والمعنى ما أمنَ هؤلاء من مثل ذلك. قوله: (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) . أي لأن تقوموا، ومحله نصب، وقيل: بدل من واحدة وتقديره بأن تقوموا، ومحله جر، وقيل رفع، أي هي أن تقوموا، مَثْنَى وَفُرَادَى" نصب على الحال من الواو.

стр. 845

قوله: (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) "مَا" نفي وتقديره فتعْلموا، وقيل: استفهام، أي أي شيء بصاحبكم من آثار الجنون. قوله: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) . "مَا" نفي، وهو عائد إلى الأجر، وقيل: معناه النصح مجاناً، وتقديره ما أعطيتموني من أجر فخذوه. الغريب: قال الكلبي: هذه الآية ناسخة لقوله (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) . قوله: (فَهُوَ لَكُمْ) لأنهم قالوا يحثنا محمد على حب قرابته، ويشتم آلهتنا، وفي هذا القول ضعف. قوله: (يَقْذِفُ بِالْحَقِّ) في قلب من شاء وعلى لسان من شاء. الغريب: يَقْذِفُ بِالْحَقِّ على الباطل، فحذف. قوله: (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) خبر بعد خبر، وقيل: بدل من الضمير في "يَقْذِفُ" وقيل: هو علام الغيوب. الغريب: صفة لربي على المحل. وقرىء في الشواذ: (عَلَّامَ الْغُيُوبِ) بالنصب. وقوله: (وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) . قيل: "مَا" نفي، وقيل: استفهام. ومحل الأول نصب بقوله: "يُبْدِئُ"، والثاني نصب بقوله: "يُعِيدُ"، (وَلَوْ تَرَى) جوابه مضمر أي: رأيت أمراً عظيماً. الغريب: جوابه ما دل عليه (فَلَا فَوْتَ) أي أحيط بهم، وعطف عليه.
следующие страницы →