(وَمَكَرَ اللَّهُ) ، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، ومثله: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ)
في أحد الوجهين.
العجيب: ترى الحسن فتستحسنه، وترى القبيح فتنكره، فعلى هذا
معنى عجبت أنكرت ما عليه الكفار.
قوله: (فإنما هي) .
أي القيامة، وقيل: نفخة القيامة.
قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) .
أي الكافرين.
الغريب: الثوري: الشُرَط.
قوله: (وَأَزْوَاجَهُمْ) قرناءَهم وأتباعَهم وأمثالَهم.
الغريب: الحسن: ونساءهم، أي احشروا المشركين والمشركات.
قوله: (عَنِ الْيَمِينِ) .
خص اليمين بالذكر، لأن العرب تتيامن بمن يأتي من اليمين، ومنه
السانح، أي تأتوننا عن أيمن الوجوه كأنكم تنصحوننا، فجنحنا إليكم فهلكنا، وقيل: اليمين الخير، أي تُروننا أنكم تريدون بنا الخير.
الغريب: تُكْرِهوننا عليه، واليمين، القوة.
стр. 877
العجيب، أي حلفتم أنكم على الحق، واليمين الحَلِف، الحسن: عن
اليمين: المال ترغبوننا فيه.
قوله: (يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) .
خبر كان، وكان وخبره خبر "إن".
الغريب: كان في الآية زيادة و "يَسْتَكْبِرُونَ" خبر إن وإذا ظرف يَسْتَكْبِرُونَ
تقدم عليه.
قوله: (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) .
لأن مجيء المخبَر به يصدِّق المخبِر.
قوله: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ) .
استثناء من الجزاء، والمعنى جزاؤهم أضعافاً مضاعفه، وقيل: متصل
بالذوق، أي يذوقون إلا عباد الله.
الغريب: الاستثناء منقطع، والمعنى لكن عباد الله المخلصين، (لهم
رزق معلوم) .
قوله: (فَواكِهُ) .
جمع فاكهة، والفاكهة ما يؤكل تلذذاً، لا للقوت وِحفظ الصحة
قوله: (مَعِينٍ) .
فعيل، من المَعْن، وهو المنفعة، وقيل: من الإمعانِ في السيرِ، أي
جار وقيل: من مَعَنت الركية جرى ماؤها، ومعن الماء، إذا جرى على
وجه الأرض.
قوله: (بَيضَاءَ) .
صفة للكأس.
стр. 878
الغريب: صفة للخمر.
قوله: (بَيْضٌ مَكْنُونٌ) .
مصون كبيض النعام تكنها بريشها من الشمس والريح والغبار.
الغريب: شبهن بالماح مسلوقا.
العجيب: ابن عباس: البيض المكنون، الدر في صدفه.
قوله: (إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) .
قيل: كانا أخوين، وقيل: شريكين.
الغريب: كانا أخوين، وهما فطروس الكافر ويهود المسلم وقصتهما في
الكهف.
قوله: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) .
قيل هذا من كلام أهل الجنة بعضهم لبعض سروراً بذلك، وقيل: هم
يسألون الملائكة عنه فيقولون: لا، فيقول أهل الجنة: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) .
الغريب: هذا من تمام كلام القرين.
وقوله: (فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)
قيل: من كلام الله، وقيل: من تمام كلامه أيضاً.
العجيب: إلا في الآية بمعنى بعد، وعند الجمهور معناه لا نموت إلا مرة.
الغريب: الاستثناء منقطع، والتقدير لكن الموتة الأولى قد كانت في
الدنيا.
стр. 879
قوله: (شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) .
قطرب: الزقوم شجرة مرة تكون بتهامة.
وذكر جمهور المفسرين:
أنه لما نزلت شجرة الزقوم قال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمداً
يخوفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان البربر وإفريقية الزبد والتمر، ثم إن أبا جهل
لما سمع ذكر الزقوم أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بزبد وتمر.
فقال: تزقموا، فهذا ما يوعدكم به محمد، فأنزل الله صفة الزقوم، فقال:
(إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) .
وفيها ثلاثة أقوال، أحدها: أن الشياطين شجر معروف عند العرب قبيح يسمى الأسين، والثاني: الشيطان نوع من الحيات خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.
والثالث: إن الشيء إذا استقبح شبه بوجه الشيطان ورأس الشيطان، لقبحه
في زعم الناس، وإن لم يكونوا رأوه.
الغريب: مقاتل: هي حجارة سود تكون حول مكة بالجبال تسمى
رؤوس الشياطين.
قوله: (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) .
أي مأواهم ومنقلبهم. وقيل: يطوفون بينها وبين حميم، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨.
وقيل: هذا كقولهم: فلان يرجع إلى مال ونعمة، أي هو فيها.
الغريب: "ثُمَّ" متعلق بالإخبار، أي ثم أخبركم أن مرجعهم لإلى
الجحيم.
العجيب: "ثم" مع الجملة قد يأتي دالاً على التقديم. كقوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) .
стр. 880
قوله: (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) .
أي لنوح، وقيل: عام، أي فلنعم المجيبون نحن لمن دعانا.
قوله: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) .
الناس كلهم بنو نوح ومن ذريته، وكان بنوه ثلاثة: سام وحام ويافث.
العرب والعجم أولاد سام، والروم والترك والصقالبة، أولاد يافث، والسودان أولاد حام.
قال:
عجوزٌ من بني حَام بن نوح. . . كأنَّ جَبينَها صَخْرُ المقامِ.
قوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) .
فيه قولان: أحدهما: تركنا عليه قول الناس سلام على نوح. فيكون
رفعاً على الحكاية، كقوله: (قل الحمد لله) .
والثاني: وتركنا عليه ثناء حسناً، ثم استأنف، فقال سلام فيكون السلام من الله سبحانه.
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن معنى تركنا عليه أثنينا عليه أو
سلمنا عليه. لأن الظاهر في القولين الأولين تركنا له، لا عليه، ولا يجوز أن
يكون عليه متعلقا بالثناء المضمر، وقرأ ابن مسعود: "سلاماً" بالنصب.
(إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) .
أي جزاء كذلك نجزي، فهو بالنصب على المصدر.
قوله: (مِنْ شِيعَتِهِ) .
стр. 881
أي من شيعةِ نوح.
الغريب: من شيعةِ محمد ﵇، قاله الفراء، على منهاجه
ودينه، وإن كان سابقاً.
قوله: (إِذْ جَاءَ) .
متصل بمعنى الشيعة، أي تبعه.
(إذ قال) ، بدل منه.
قوله: (أَئِفْكًا) .
منصوب بقوله "تُرِيدُونَ".
(آلِهَةً) بدل.
الغريب: "أَئِفْكًا" حال أي كاذبين.
قوله: (فِي النُّجُومِ) .
أي في عالم النجوم، وكتبها، وكان علماً نبوياً فنسخ، وقيل: نظر إلى
نجوم السماء.
الغريب: جمع نجم وهو مصدر) : أي فيما نجم لهم من الرأي، قاله
المبرد. وقيل: جمع نجم الأرض وهو النبات.
العجيب: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، أي فكر في الحيل.
قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) .
أي مريض، والمرض: خروج النفس من الاعتدال، وقيل من يخلو من
ذلك، وقيل: المراد به الموت، وهو يلحقه لا محالة، وقيل: مطعون، وكانوا يخافون العدوى.
стр. 882
الغريب: معناه إني سقيم إذ لست على بصيرة من ديني، وذلك حين
نظر في النجوم، من قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) الآيات، وقيل: كان
كاذباً، لقوله ﵇: " لقد كذب إبراهيم ثلاث كذبات، ما منها
واحدة إلا وهو يناضل عن دينه، وهو قوله: إني سقيم، وقوله: (بل فعله
كبيرهم) : وقوله لسارة: هذه أختي) .
ومن الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن معنى قوله: " إني سقيم".
أي ذو داءٍ، من قوله ﵇: (كفى بالسلامة داء) ، فكنى عن
السلامة بالسقم.
قوله: (أَلَا تَأْكُلُونَ) ، (مالَكم لا تَنطِقون) .
الجمهور على أن إبراهيم ﵇ قال هذا: استهزاء بالأصنام.
وقيل: كان يوضع عندها الطعام ليتبرك به.
الغريب: كان يوضع بين يديها الطعام فتأكله خدم الأصنام، وكذلك
ينطق الخدم وضعفة الكفار يزعمون أن الأصنام تأكل وتنطق، فلما خرجوا
للعيد دخل عليها إبراهيم وبين أيديها الطعام، قال: أَلَا تَأْكُلُونَ كسائر الأيام، ألا تنطقون على عادتكم.
قوله: (باليمينِ) .
أي باليد اليمنى، فإنها أقوى، وقيل: بالقوة.
الغريب: باليمين التي سبقت منه، وهو قوله: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) . الآية.
стр. 883
قوله: (يَزِفُّونَ) .
أي يسرعون، وقيل: هي مشية فيها مهل، من زفيف النعامة، وهو
ابتداء عدوها.
الغريب: هي مشية فيها اختيال من قولهم: زفت العروس. ومن قرأ
بالضم فالمعنى يزفون دوابهم، قاله أبو علي. وقيل: أزف الرجل، إذا صار
إلى حال الزفيف.
قوله: (وَمَا تَعْمَلُونَ) .
أي وأعمالكم، وقيل: وأصنامكم.
الغريب: وما تعملون منه الأصنام.
قوله: (الْأَسْفَلِينَ) .
- أي أسفل في أمره سفال، وقيل: أفعل ها هنا للمبالغة لا للمشاركة كما
سبق في قوله: (أَحْسَنُ مَقِيلًا) ، ولم تحرق النار من إبراهيم إلا قيدَه.
لأن الله منع النار التحرك في جهته فلم تداخله، والنار تحرق الأجسام
بالمداخلة.
قوله: (إِلَى رَبِّي) .
أي من ربي، وحيث أمرني ربي إلى قضائه وقدره.
العجيب: إلى الموت كما يقال للميت: ذهب إلى الله، قاله حين رمي
في النار.
قوله: (مِنَ الصَّالِحِينَ) .
الموصوف محذوف، أي أولاداً من الصالحين، والصالحون الأنبياء.
стр. 884
قوله: (بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) ، وفي الأخرى "عَلِيمٍ" أي عليم في صباه حليم إذا بلغ.
قوله: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) .
يمشي مع أبيه في منافعه، وقيل بالسعي في عبادة الله، وقيل: بلغ
مبلغ الرجال، وقيل: كان له يومئذ ثلاث عشرة سنة.
قوله: (أَرَى فِي الْمَنَامِ)
ذكر بلفظ المستقبل، لأنه كان يرى ذلك في منامه ثلاث ليال.
واختلفوا في الذبيح، فذهب جماعة إلى أنه إسماعيل.
واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه، بعد قصة إسماعيل: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ) وبقوله ﵇: " أنا ابن الذبيحين "، يعني إسماعيل
وعبد الله، وبأن المذبح بمكة، وكان إسماعيل بمكة، وهو الذي قال فيه:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ، ولم يكن إسحاق
بمكة، وكان قرنا الذبيح معلقين على باب الكعبة إلى أن احترق البيت.
واحترق القرن أيام ابن الزبير والحجاج، وكان ميراثاً لولد إسماعيل عن
أبيهم، وذهب جماعة إلى أنه إسحاق، واستدلوا بقوله ﵇ وقد
سئل عن أشرف إنسان: (يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن
إسحاق ذبيحٍ الله بن إبراهيم خليل الله".
وأجابوا عن قوله: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا) أنه بشر به أولًا، ثم بُشِّر بنبوته ثانياً، وزادوا وقالوا: قد عين
في موضع، فقال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ) ، وفي موضع آخر (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ) فيحمل (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ) عليه، لأن المبهم يحمل على
стр. 885
المفسر، وأجاب الأولون عن قوله: إسحاق ذبيح الله، أن الصحيح من قول
النبي ﵇ أنه قال: " الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "، والزوائد من الراوي. وقالوا: فلما قال:
(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)) .
علم إبراهيم ﵇ أنه لم يؤمر بذبحه، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: كان مأموراً بالذبح، لأن رؤيا الأنبياء حق، ولقوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)
فذبحه والتام، وقال
بعضهم: كان مأموراً بالذبح ونسخ بالفداء، وقيل: لم يكن مأموراً بذبحه.
وكان يمر السكين على قفاه وحلقه صفحة من نحاس منعت السيهن عن
القطع، وقيل: كان مأموراً بالقدر الذي وجد منه بدليل قوله: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) .
الغريب: رؤيا الأنبياء تنقسم قسمين:
رؤيا تقع كما تُرى، وذلك مثل ما رأى النبي ﵇ أنه يدخل المسجد الحرام ومعه المؤمنون، فكان
كما رأى، لقوله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) الآية.
ورؤيا تعبر فتقع على غير ما يرى، كرؤيا يوسف ﵇، وهو قوله: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا) الآية، فكانت أخوة يوسف وأبويه، لقوله: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) الآية، وبعدها (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ) ، وكانت رؤيا إبراهيم من القبيل الثاني، فاحتاط، فأخذ بظاهرها وعدها من القبيل الأول فقصَدَ ذبحَه، ففداه الله، وقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) ، وصفه
стр. 886
بالعظم، لأنه فُديَ به نبي، وقيل: لأنه رعَى في الجنة أربعين خريفا، وقيل:
وهو قربان هابيل، وقيل: عظيم لأنه متقبل.
الغريب: كبش أحدثه الله في الوقت.
العجيب: الحسن: وَعِل أروَى نزل من جبل ثبير.
قال الشيخ الإمام: يحتمل أنه إنما وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى بوم
القيامة، لأنه ما من سَنَةٍ إلا ويُذبح بسب ذلك من الأنعام ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
قوله: (كَذَلِكَ نَجْزِي) .
ولم يقل: إنا كذلك لأنه قد تقدم في القصة إنا كذلك، ولأنه بقي من
القصة شيء، وسائر ذلك وقع بعد عام القصة.
قوله: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) .
قيل: إلياس اسم لإدريس ﵇، وفي حرف ابن مسعود.
"وإن إدراس لمن المرسلين، سلام على إدراسين"، وفي حرف أبي: "وان
إيليس لمن المرسلين. سلام على إيليسين"، وذهب جماعة إلى أن إلياس
نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل، وكان فيهم ملك يقال له:
أجب، وله امرأة يقال لها: إزبيل، وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها.
وتجلس للحكم كما يجلس زوجها، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله فأبيا
عليه، وهمَّا بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته فآلَ. أمره
إلى أن أوحى الله إليه، اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تهبه.
فجاءه فرس من نار فوثب عليه، وناداه خليفته اليسع: يا إلياس ما تأمرني
فرمى إلياس إليه بكسائه من الجو، وكان ذلك علامة اسنخلافه إياه على بني
стр. 887
إسرائيل ورفع الله إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب.
وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماويا.
الغريب: إلياس موكل بالفيافي، كما وُكِّل الخَضر بالبحار، وهما آخر من
يموت من بني آدم.
العجيب: قد هلك إلياس والخضر، ولا نقول ما يقول الناس: إنهما
حيان - والله أعلم -.
قوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) .
قيل: اسم صنم لقوم يسكنون موضعاً يقال له: بك، فركبا فصار
بعلبك، والبعل: الرب، والبعل: السيد، والبعل: الرب المملك.
العجيب: اسم امرأة عبدها قوم وقيل: اسم نَبِي عبده أهل ذلك
الزمان.
قوله: (إِلْ يَاسِينَ) .
لغة في إلياس، وقد سبق، وقيل: أصله الياسيين بياء النسب، وقرىء
آل ياسين، وياسين: اسم محمد ﵇، وآله. عترته والمؤمنون
وهو معهم كما قال: آل فرعون وهو معهم، وقيل: "آل" زيادة.
العجيب: ياسين اسم كتاب من كتب الله، فصار كقولك: آل القرآن.
حكاه أبو علي الجبائي.
قوله: (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) .
стр. 888
لبقي هو والحوت إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وقيل: يموت الحوت فيبقى هو في
بطنه، وقيل: يموتان، ثم يحشر يونس من بطنه، ولم يلبث لكونه من
المسبحين.
قوله: (بِالْعَرَاءِ) .
العراء، وجه الأرض، وقيل: الساحل.
قوله: (شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) .
الجمهور: على أن اليقطين من الشجر، ما له ورق عريض منبسط على
وجه الأرض، والأكثرون على أن المراد بها في السورة القرْع.
الغريب: خص بالقرع، لأنه لما خرج من بطن الحوت كان كالفرخ
الممعَّط وكان يؤذيه وقوع الذباب عليه، وورق الدبا لا يحوم حوله الذباب ولا يقع عليه.
العجيب: كانت تختلف إليه، وعلة يشرب من لبنها.
قوله: (أَوْ يَزِيدُونَ) .
لا يجوز أن يكون أو يزيدون عطفاً على قوله (مِائَةِ أَلْفٍ) لأنه فعل.
والتقدير إلى مائة ألف أو جماعة يزيدون على مائة ألف، والمعنى: لو رآهم
واحد منكم لقال: مائة ألف أو يزيدون، و "أَوْ" للإبهام في حق المخاطبين.
وقول من قال: بل يزيدون ضعيف.
قال الشيخ الإمام: ويحتمل أن التقدير، ويزيدون على مرور الزمان، فيكون استئناف كلام.
قوله: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) .
من فتح جعله استفهاماً ووصله بقوله: (ألربك الاتِ) ، ومن كسره
جعله بدلًا من قوله: (وَلَدَ اللَّهُ) ، أو أضمر القول على تقدير ليقولون ولد
الله، ويقولون اصطفى البنات.
قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) .
стр. 889
الجِنَّة، الملائكة عند بعضهم، سموا بذلك لاستتارهم عن العيون.
وقيل: لأنهم في الجنان، وعد بعضهم الجن المعروف.
عكرمة، قالوا:
سَرَوَات الجن بنات الرحمن.
الغريب: قال الكلبي: قالوا: الباري سجانه تزوج من الجن فظهر
منها الملائكة.
العجيب: أراد بالنسب الإخوة، وزعم بعض الكفار أن الباري تعالى
وإبليس أخوان، والنور والخير من الله، والظلمة والشر من إبليس.
ومن الغريب: قال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو
النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجِنة.
قوله: (بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ) .
نصب ب "فَاتِنِينَ"، وقيل: تقديره (بِفَاتِنِينَ أحداً إلا مَنْ، فهو نصب على
الاستثناء.
وقوله: (صَالِ الْجَحِيمِ)
وله وجهان، أحدهما: صالوا على الجمع.
فحذف الواو اكتفاء بالضمة، والثاني: من باب شاكي السلاح أي شائك.
قوله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) .
أي ملك أو أحد الاَّ لَهُ.
العجيب: قال الكوفيون: إلا من له مقام، وهذا لا يجوز عند
البصريين وقوله: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
الجمهور على أنهم الملائكة، وكذلك، (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) .
الغريب: قتادة، كان يصلي الرجال والنساء معاً حتى نزلت (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
стр. 890
فتأخرت النساء، قال: وكانوا يصلون مفرداً حتى نزلت
((وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) ، وقيل: ليس ما ولا منكم أيها الكفار إلا له مقام معلوم يوم القيامة بين يدي الله .
قوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا) .
هي قوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا) الآية.
وقيل: هو قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية، ولم يقتل نبي في معركة.
قوله: (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) .
جمع الآية حملاً على المعنى، بخلاف قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ) فوحد.
قوله: (رَبِّ الْعِزَّةِ) .
أي ذو العزة، لأن العزة صفته لا مربوبة، في الحديث، أن ابن
عباس ﵄ سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن، فأنكر عليه، وقال القرآن ليس بمربوب، ولكنه كلام الله.
قوله: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) .
عمم الرسل باللام ما خص بعضهم في السورة، لأن تخصيص كل
واحد بالذكر يطول، وعن علي - كرم الله وجهه -: من أحب أن يكتال
بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه "سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ" إلى آخر السورة - والله أعلم.
стр. 891
سورة ص
قوله تعالى: (ص) .
الكلام فيه كما في سائر الحروف التي وقعت أوائل السور.
الغريب: هو اسم بحر عليه عرش الرحمن، وقيل: اسم بحر يعني به
الموتى، وقيل: صدق الله، ومن فتحه، ففيه تقديران:
أحدهما: أنه حركه بالفتح لالتقاء الساكنين، والثاني: اسم للسورة وهو منصوب، أي اقرأ (ص) ، ولم ينون لأنه لا ينصرف.
العجيب: معناه صاد محمد قلوب العباد من الصيد، ومن كسره
فلالتقاء الساكنين.
الغريب: هو أمر من صادى يصادي، والواو في (والقرآنِ) بدل من
الباء، أي صاد بالقرآن عملك، ذكره أبو علي.
ومن الغريب: " ص" قسم "والقرآنِ" عطف، عليه، والجمهور على أن
"والقرآن" قسم واختلفوا في جواب القسم، فقيل: جوابه إن ذلك الحق.
وقيل: إن كل وقيل: مضمر، أي لتبعثن.
الغريب: مقدم، أي صدق الله والقرآن. وقيل: اتل ص والقرآن.
كما تقول: قم والله.
صاحب النظم، جوابه بل، والتقدير، ما آمن به قومك.
стр. 892
(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ) .
العجيب: قال الفراء: جوابه "كَمْ"، فحذف اللام كما حذف في
لقد، وهذا ممتنع من وجهين "
أحدهما: أن "كَمْ" له صدر الكلام، فلا يقدم عليه اللام، ولا يدخل عليه، والثاني: أنه مفعول "أَهْلَكْنَا" فلا يدخله اللام.
قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا) .
أي كم قرية، وقيل: كم مرة. "والقرن"، الأمة، وقيل: هو الزمان.
أي أهل قرن، وهو أربعون سنة، وقيل: ستون أو ثمانون، أو مائة وعشرون.
قوله: (فَنَادَوْا) أي بالتوراة، وقيل: رفعوا أصواتهم بالويل.
(وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)
أولا زيد عليه "التاء" كما زيد في ثمت
وربت، وخص بالدخول على الأزمنة، و "حين " مفتوح به، والجر محذوف، أي لهم -
الغريب: أصله ليس قلب الياء ألفاً وقلب السين ناء. كما قال:
يا قاتلَ اللَّهُ بني السَّعْلاتِ. . . عمرَو بنَ يَرْبُوعٍ شرارَ الناتِ
لَيْسوا بأخيارٍ ولا أَكْياتِ
يريد الناس وأكياس، وكذلك ست أصله سدس بدليل سدس، وكذلك
جبت عند بعضهم أصله جبس، وجنت مهمل، واسم ليس معنى، أي ليس
الحين حين مناص.
стр. 893
العجيب: قال أبو عبيد: نظرت في مصحف عثمان فكانت التاء
متصلاً بحين، والعرب تزيد التاء في حين، والآن، فتقول: تحين وتلان.
العاطفونَ تَحين لا مِن عاطِفٍ. . . والمطعمونِ زمانَ ما من مطعِمِ
وقال:
. . . . . . . . . . . . . . . .. وصليا كما زعمتِ تَلانا
فعلى هذا إذا وقفت وقفت على لا، وعلى قول من جعل أصله ليس
وقف على التاء، ومن جعل أصله لات كـ "ثمت وربت" وقف عليه بالتاء عند البصرية، قياساً على التاء في الفعل، نحو: قامت وقعدت، وعند
الكوفية، بالهاء قياساً على التاء في الأسماء، نحو: قائمة ونائمة، وقرىء
في الشواذ "ولاتِ" - بالكسر - على أصل التقاء الساكنين، وقرىء "ولات
حينٌ" - بالرفع - فيكون "لا" بمعنى ليس، والخبر محذوف، أي وليس
الحين حين مناص ولات حين فيكون محمولًا على معنى غير أو غير حين
مناص نادوا.
ومثله قوله:
طلبوا صُلْحَنا ولات أوان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
стр. 894
أي وغير أوان طلبوا، كما تقول: جاء بلا مال، أي بغير مال، وقول المتنبي:
. . . . . . . . . لات مصطبر (و) . . . . . . . . . . . . . لات مقتحم
من هذا والتقدير، لات حين مصطبر ولا حين مقتحم.
وقرىء "مناص " - بالنصب - على تقدير ونادوا مناص ولات حين، أي نادوا
المناص فحذف الألف واللام، لأن حذف التنوين يدل عليه، ومثله، الْوَحا
الْوَحَا، يقويه ما رواه الكلبي: أن العرب كانوا إذا أحسوا في القتال بفشل
قال بعضهم لبعض" مناص" أي حملة واحدة ينجو فيها من نجا ويهلِك من
هلك.
قوله: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ) .
ب "بالواو" في هذه السورة. وفي " ق ": "فقال " بالفاء، لاتصال قوله:
"عجيب " آخر الآية بقوله: "عجبوا" أول الآية في " ق "، وقال في هذه:
"عَجِبُوا" وختم الآية بقوله: "سَاحِرٌ كَذَّابٌ"، وقد ذكرت هذا مستوفى في كتاب "البرهان في متشابهات القرآن ".
قوله: " أَنْ" هي المفسرة، أي امضوا من غير أن تلفِظوا به، بل الحال
دلت عليه، وقيل: تقديره بأن امثسوا، أي انطلقوا متكلمين بهذه الألفاظ
стр. 895
فتكون "أن" هي التي تكون مع الفعل في تأويل المصدر.
وعند الخليل محله خفض، وعند سيبويه نصب.
العجيب: "امشوا) معناه اكثروا، من قول العرب: مشت الماشية إذا
كثر نسلها. قال:
والعنزُ لا تَمْشِي مع الهَمَلَّعِ
قال ابن عيسى - منكراً -: لا يقال مشى، وإنما يقال: أمشى الرجل إذا
كثرت مواشيه.
قال الشيخ الإمام: يحتمل أن قائل هذا القول أراد امشوا من
قولهم مشى الرجل إذا استغنى مَشاء - والله أعلم -.
قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) .
أي هم جند، ف "هم" رفع بالابتداء، "جُنْدٌ" خبره، و"مَا" زيادة.
و"مَهْزُومٌ" صفة "جُنْدٌ"، "مِنَ الْأَحْزَابِ" صفة أخرى، "هُنَالِكَ" ظرف
لـ (مَهْزُومٌ، والتقدير جند من الأحزاب مهزوم هنالك، وقيل: "جُنْدٌ" مبتدأ، و "هُنَالِكَ" صفة له، أي جند مستقر هنالك، مهزوم خبره، "مِنَ الْأَحْزَابِ" خبر بعد خبر، والوجه هو الأول.
قوله: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) .
أي يريده محمد، وقيل: نريده نحن، وقيل: يراد بنا.
الغريب: إن العُلا والرِفْعَةَ يريده كل واحدٍ.
قوله: (قِطْنا) .
نصيبنا، مشتق من قططت أي قطعت، والقِط: الصك، وهو كتاب
стр. 896
الجائزة، وقيل: عنوانه العذاب والحساب، وقيل: عنوانه الكتاب. قالوه
حين نزل (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ) . استهزاء.
قوله: (إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) .
مطيع رَجْاع إلى الله، مستغفر من ذني.
الغريب: مسبح، بلغة الحشة.
قوله: (يُسَبِّحْنَ) .
كانت الجبال تسبح مع داود ﵇، وقيل: تسبيحها سيرها
حيث سَيرها.
الغريب: قال أبو القاسم الكعبي في تفسيره: سخرنا أهل الجبال معه.
والضمير في "يُسَبِّحْنَ" يشهد بفساد قوله.
(بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) آخر النهار وأوله.
الغريب: عن ابن عباس: قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري
بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، حتى حدثتني أم هانيء بت أبي طالب، أن رسول
الله ﷺ دخل عليها فدعا بَوضوء توضأ ثم صلى الضحى، وقال: "يا أم هانيء هذه صلاة الإشراق) .
العجيب: الإشراق وقت طلوع الشمس، وهو بعيد. إنما يقال:
شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت.
قوله: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) .
زاد الله فيها ما فهمت الأمر والنهي، وقيل الملائكة كانت تحشرها.
стр. 897
الغريب: سلط الله عليها من الطير ما قويت على حشرها إليه.
قوله: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) .
أي بالجند، وكان يحرُس محرابه كل ليلة ثلاث وثلاثون ألف حارس.
الغريب: شددنا ملكه بالهيبة، وذلك أن غلاماً استعدى على رجل
وادعى عليه بقرة، فأنكر المدعى عليه ولطم الغلام لطمة، فسأل داود من
الغلام البينة فلم يقمها، فرأى داود في المنام، أن اقتل المدعى عليه وسلم
البقرة إلى الغلام، فأخبر بذلك بني إسرائيل، فجزعت بنو إسرائيل، وقالوا:
تقتل رجلاً بأن لطم غلاما لطمة، فقال داود: هذا أمر من الله بذلك، ثم
أحضر الرجل، وأخبر أن الله أمر بقتله، فقال الرجل: صدقت يا نبي الله.
إني قتلت أباهُ غِيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فعظمت هيبته واشتد ملكه، وقالوا: يقضي بوحي من السماء.
قوله: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ)
قال: هو قوله: "البينة على المدعي واليمين على المدعَى عليه "، وذلك، أن الله علق سلسلة من السماء، وأمره
أن يقضي بها بين الناس، من كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على
الباطل لا يقدر على أخذها، ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤاً، فجعل اللؤلؤ في عصا له ثم خاصمه المدعي إلى داود، فقال: إن هذا أخذ مني لؤلؤاً ولم يرده وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة ثم قال المدعى عليه: خذ مني العصا، فأخذ عصاه، فقال: إني رددت عليه اللؤلؤ وإني صادق في
مقالتي فجاء وأخذ السلسلة، فتحير داود في ذلك، فرفعت السلسلة وأمره بأن يقضي بالبينة واليمين وذلك فصل الخطاب.
ومثل: فصل الخطاب هو قوله
"أما بعد" وهو أول من تكلم به، وفي: إذا حكم فصل، وفي: لم يكن
يتتعتع في كلامه ومحاورته ومخاطبته.
الغريب: هو الفصل يذكر ويكتب بين كلام وكلام.
стр. 898
قوله: (نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) .
"إذ" الأول ظرف له نبأ، وهو مصدر، والثاني: بدل منه، وقيل: العامل
في الثاني تسوروا.
الغريب: "إذ" الثاني بمعنى لما، وجوابه "قَالُوا لَا تَخَفْ".
واختلف المفسرون في الخصم، فذهب الأكثرون إلى أنهم الملائكة.
الغريب: كانا آدميين.
العجيب: كانا ملكين على صورة آدميين.
وقيل: لو كانا ملكين لم يقولا "خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ"
ولم يقولا، (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) ، لأن الملائكة لا تكذب
ولايبغي بعضهم على بعض، ولايكونان خصمين، ولا يملكان النعجة ولا
غيرها، بل كانا آدميين، دخلا بغير إذنه في غير وقت الخصوم ففزع منهم.
ولا يأمرهم الله بالكذب أيضاً. وذهب بعضهم إلى أنهما كان ملكين، وقالا:
أرأيت إن كنا خصمين بغى بعضنا على بعض، إلى آخر الآية، وقيل:
تقديره، ما تقول: خصمان قالا بغى بعضنا على بعض، الآيات، إنما هو
مثل.
قوله: (تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) .
النعجة: الأنثى من الضأن، وقيل: كناية عن المرأة، كما كنى عنها
بالشاة والقلوص.
الغريب: النعجة، المرأة الحسناء اللينة الجميلة من النَعَج، وقيل:
النعج الفتور في العين.
стр. 899
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)
وقوله: (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) .
مصدر مضاف إلى المفعول، أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه.
الغريب: تقدير الآية، إن كان الأمر على ما قلت فقد ظلمك.
الغريب: أقَرَّ الآخر بما ادعى عليه الأول.
العجيب: قال ذلك قبل أن ينظر في صدق ما ادعى فكان ذلك هو
الذنب الذي ابتلى به داود ﵇.
قوله: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، "هُمْ" مبتدأ، "قَلِيلٌ"، خبره و "مَا" صلة.
قوله: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)
ابتليناه وشددنا عليه التعبد، وقرىء
في الشواذ "فَتَنَاه" يعني الخصمين، لأنهما ضحكا وذهبا، وقيل: قالا:
حكم على نفسه، لأن الله بعث الخصمين ليعرفا مذهبه في الحكم، فاستغفر
ربه ذنبه. وقال بعضهم: الذي ابتلي به هو أن أوريا خطب امرأة فأراد قومها تزويجها منه، فوصفت لداود فخطبها، فزوجت من داود، فكان ذلك منه
وقوله: (فِي الْخِطَابِ (٢٣)
على هذا القول، فعال في الخطبة، وهو
أحسن ما قيل في الآية، وما ذكره بعض المفسرين: إن داود - عليه
السلام - كان يصلي فجاء طائر كأحسن ما يكون فوقع قريبا منه، فنظر إليه
فأعجبه، فدنا منه ليأخذه فطار ووقع قريبا منه، وأطمعه أن يأخذه فطار، فما زال يتبعه حتى أشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته نقضت شعرها فغطى
جسدها، فوقع في نفسه منها ما شغله عن القراءة، فنزل من محرابه، فسأل
عنها، فقيل: امرأة أوريا بن حنَّا، فكتب إلى صاحب جنده. إذا جاء له
كتابي هذا، فاجعل فلاناً في أول الخيل، ففعل فقتل، وفي بعض القصص
стр. 900
كتب له ثلاث مرات ثم خطبها وتزوجها، فلما أتاه الخصمان وذكرا التسعة
والتسعين نعجة علم أن الله فتنه، فسجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة
المكتوبة، ولا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني
قد غفرت لك، وزاد بعض المفسرين: أن جبريل أتاه فقال له: اذهب إلى
أوريا واستحل منه، فإنك تسمع صوته في مكان كذا، فأتاه فاستحل منه.
فقال: أنت في حل، فلما رجعِ قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك، قال:
لا، قال: فإنك لم تعمل شيئا، ارجع وأخبره بالذي صنعت، فرجع داود
وأخبره بذلك، فقال: أنا خصمك يوم القيامة، فرجع مغتما وبكى أربعين
يوماً، فأتاه جبريل، قال: إن الله يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي.
وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء، وذهب المحققون إلى إنكاره أصلاً، ورووا
أن علياً ﵁ أنكر هذا، وقال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص معتقداً صحته، جلدته حدين لعظيم ما ارتكب من الإثم.
وكبير ما احتقب من الوزر، وجاء عن ابن عباس وابن مسعود إنكاره أيضا.
وذهب بعضهم إلى أن ذنب داود هو: أنه لما وقعت عينه على امرأة أوريا
سأله أن ينزل عنها له، فكان ذلك جائزاً في شرعهم - والله أعلم -.
قوله: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) .
أي ذلك الذنب، وعن بعض القراء، الوقف على فغفرنا له، أي جميع
ذنوبه، ثم قال: (ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) أي ذلك له وله غير ذلك.
وفسره بقوله: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى)
قال الشيخ الِإمام: ويحتمل الأمر ذلك كما سبق في الحج.
قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) .
أي على سليمان.
стр. 901
العجيب: ابن بحر، عرض على داود.
قوله: (الْجِيَادُ)
جمع جواد، وهو الذي يجود بالسير.
الغريب: ابن عيسى جمع جَوْد كسَوْط وصِياط، ومطر جَوْد، أي كثير.
العجيب: (الْجِيَادُ) : الطوال الأعناق من الجِيد، حكاه أقضى القضاة.
قوله: (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) .
أي الخيل، وسماه خيراً، لأن الخير المال.
الغريب: في حرف ابن مسعود: "حب الخيل " باللام.
العجيب: أراد الخيل، فقلب اللام راء.
قوله: (عَنْ ذِكْرِ)
قيل: أحببت بمعنى آثرت، وعن بمعنى على.
الغريب: ابن جرير: تقديره أحببت الخير حبا، فقدم وأضيف إلى
المفعول قال: ومعنى (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) سهوت عن ذكر ربي.
ومن الغريب: صاحب النظم: أحببت، بمعنى تقاعدت أي تأخرت عن
ذكر رَبِّي، وحب الخير مفعول له، أي لحب الخير، وأنشد:
دَعَتْكَ إليها مُقلتاها وجِيدُها. . . فَملتَ كما مالَ المحبُّ على عَمدِ
المحب: الجمل الذي به عمد.
العجيب: معناه آثرت حب الخير عن أمر ربي لا من تلقاء نفسي.
وقيل: آثرتُ حب الخيل عن ذكر الله لها بالخير.
стр. 902
حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)
قوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)
أي غربت الشمس ولم يتقدم ذكرها لكن العشي دل عليها.
الغريب: ابن عيسى: توارت الخيل بالحجاب، وهي مرابطها.
قوله: (رُدُّوهَا عَلَيَّ) .
أي الخيل، وقيل: الشمس، تضرع إلى الله لما فاتته صلاة العصر.
فرد الله له الشمس فصلى. والخطاب في ردوها للملائكة.
قوله: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)
قطع أعناقها، وعرقب أرجلها، لأنها منعته عن الصلاة.
الزجاج: أباح الله له ذلك. وقيل: ذبحها للفقراء والمساكين.
الغريب: ابن عباس: مسح أعناقها وأسواقها بيده حبْاً لها (١) ، أي غسلها.
وقيل: مسح الغبار عنها.
العجيب: وسم أعناقهن وسوقهن وجعلهن في سبيل الله.
قوله: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) .
ذهب جماعة: إلى أن الجسد هو الشيطان الذي جلس على كرسيه
أيام نزع الله ملكه، واسمه ضحى، وقيل: آصف، وذلك أنه سَرَقَ خاتم
سليمان من تحت رأسه، وكان نائماً، وقيل: دخل المتوضأ فدفع خاتمه
إلى جرادة جارية له، فتمثل لها الشيطان على صورة سليمان فدفعت إليه
الخاتم. وقيل: قال سليمان للشيطان: كيف تفتنون الناس، قال: أرني
خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر وقعد مكانه.
وقيل: وطىء امرأة في الحيض، وقيل: رخص لإحدى نسائه أن تتخذ تمثالًا على صورة
стр. 903
أبيها. فاتخذت صنما فعبدته وعبدت معها جواريها. وقيل: وعد إحدى نسائه أن يميل إلى أخيها إذا ترافع على خصم له إليه ولم يفعل. وقيل: احتجب عن الناس ثلاثة أيام. (١)
الغريب: عن علي ﵁ قال: كان يلعب بخاتمه وهو
جالس على ساحل البحر، فوقع في البحر، وكان سليمان يستطعم في تلك
الأيام، فأعطته امرأة حوتاً، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه.
وقيل: الجسد، ابن له خاف عليه الشياطين فغذاه في السحاب، فمات
فألقى على كرسيه.
وقيل: الجسد هو سليمان مرض، فتقدير الآية فألقيناه
على كرسيه جسداً، وقيل: الجسد، آصف بن برخيا، وزيره، وذلك، إن
سليمان لما افتتن جعل الخاتم يسقط من يده مرة بعد أخرى، فقال له آصف:
إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يثبت في يدك أربعة عشر يوماً، ففر إلى الله
تائباً من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في جندك وقومك بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك، فذهب سليمان وأخذ آصف الخاتم وجلس على كرسيه إلى أن رد الله ملكه فقام آصف وجلس سليمان واتخذ الخاتم بيده فاستقر. وعن النبي ﵇ أنه قال: قال سليمان: لأطوفن الليلة على كذا امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله، فلم
يستثن فطاف فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد هو الجسد
الذيَ ألقي على كرسيه، فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء اللَه لجاهدوا في سبيل الله فرساناً.
العجيب: الحسن: جاءت بشق ولد لم يكن له إلا يد واحدة، ورجل
واحدة وعين واحدة وأذن واحدة، فبينا سليمان جالس وعنده آصف وأم هذا الولد، فذكر سليمان اغتمامه بأمر الولد، فقال آصف: تعالوا حتى يدعو كل واحد منا بعد أن نصدق على أنفسنا بشيء يعلمه الله منا ويسأل عند ذلك
стр. 904
شفاء هذا الولد، فقال سليمان: اللهم إنك تعلم أني أملك من الدنيا ما
أملك، ومع ذلك لا يدخل علي رجلان مع أحدهما تفاحة ليهديها إلي، إلا كان صاحب التفاحة أحب إلي من الآخر، اللهم إن كنت صادقاً فاشفِ هذا
الولد، فرد الله عينه وأذنه، وقال آصف: اللهم إنك نعلم أني قد سألت
سليمان مرارا أن يأخذ عني وزارته وإنما كان ذلك بلساني دون قلبي، فإن
كنت تعلم أني صادق فاشف هذا الولد، فرد الله عليه يده، وقالت المرأة:
اللهم إنك تعلم أني امرأة سليمان، وأنه لا يدخل علي أحد أشب من سليمان
إلا تمنيت أنه زوجي بدل سليمان، فإن كنت تعلم أني صادقة فاشف هذا
الولد، فرد الله عليه رجله، فسلم الولد من الآفات، فأحبه سليمان حباً
شديداً.
والقولان الأولان في الجسد مردوان عند الأئمة لما فيهما من الافتراء
العظيم، ولأن الجن لم تكن سخرت له يومئذٍ، وإنما سخر له بعد ذلك.
بدليل قوله عقيب ذلك: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا) الآية، وقوله
سبحانه: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) الآية.
قوله: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) .
هو ينفعل من بغيت الشيء إذا طلبته، أي لا يحصل لغيري، وإنما
سأل بهذه الصفة ليكون له معجزة، ولا مشاركة في المعجزات، ولم يسال
حسداً ومنافسة.
وقيل: سأل ذلك بإذن الله إياه في السؤال.
الغريب: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، وقيل: لا
ينبغي لأحد ممن بعثت إليهم، ولم يرد مَن بعدَه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
والقول هو الأول، لقوله سبحانه: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) الآية، (والشياطين الآية.
قوله: (هَذَا عَطَاؤُنَا) .
стр. 905
الإشارة إلى الملك، وقيل: إلى تسخير الشياطين، أي أطلق من شئت
وأمسك من شئت.
العجيب: ابن عباس: هذا إشارة إلى النكاح، وكان له قوة مائة رجل.
وعنده ألف امرأة ما بين، منكوحة أو سُرِيَّة، أي جامع من شئت لا حساب
عليك.
قوله: (بِغَيْرِ حِسَابٍ)
صفة لقوله: "عَطَاؤُنَا" وقيل: متصل بقوله: "فَامْنُنْ".
قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) .
أيوب بدل من عدنا.
قوله: (إِذْ نَادَى)
بدل منه بدل الاشتمال، أي زمان ابتلائه.
قوله: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) .
أي اركض الأرض برجلك، فركضها بها، فظهرت عين ماء فاغتسل منه.
شم ركض ثانيا فظهرت عين أخرى، فشرب منها. وتقدير الآية هذا مغتسل وهذا شراب بارد.
قتادة: هما عيان بأرض الشام في موضع يقال له: الجابية.
العجيب: مقاتل: "هَذَا مُغْتَسَلٌ"، أي موضع يغتسل منه، والمغتسل
الماء عند الآخرين.
العجيب جداً قول من قال: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" معناه ارقص فرحاً بما
آتاك الله.
стр. 906
قوله: (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) .
أي وهبنا له أولاده، بأن أحياهم الله وكانوا قد ماتوا وزاد مثلهم من
صلبه. وقيل: وهبنا له أولاده ومثلهم معهم من أصلابهم، وهم الأسباط.
الغريب: يهبهم له في الجنة ومثلهم معهم في الدنيا.
العجيب: ابن بحر: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا) : فجمعهم الله.
قوله: (رَحْمَةً مِنَّا)
مصدر، وقيل: مفعول له، و (وَذِكْرَى) نصب عطفا عليها.
الغريب: محلها رفع، أي فهي ذكرى لأولي الألباب، والمعنى إذا
ابتلي اللبيب ذَكر بلاء أيوب، ولم يكن لأيوب ذنب أصلاً، وإنما ابتلاه رفعاً
للدرجة، وقيل: مر ببعض الجبابرة فرأى منكراً فلم يغيره. (١)
الغريب: ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع لم يطعمه.
قوله: (فَاضْرِبْ بِهِ) .
أي اضرب امرأتك به.
قوله: (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) .
أي العمل والعلم.
الغريب: لهم أيد عند الله، كما تقول: لزيد عندك يد.
قوله: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) .
"هَذَا" مبتدأ، "فَلْيَذُوقُوهُ" خبره، وجاز إدخال الفاء لما يتضمن من التنبيه
والإشارة وقيل: "هَذَا" مبتدأ، "حَمِيمٌ" خبره و "غَسَّاقٌ" عطف
عليه "فَلْيَذُوقُوهُ" اعتراض والنية به التأخير.
стр. 907
الغريب: هذا نصب، والفاء زيادة كقوله:
هريرةَ ودعها وإن لام لائمُ
ومن الغريب: هذا متعلق بما قبله، أي فبئس المهاد هذا، ثم
استانف، فقال: فليذوقوه، ثم قال لهم حميم وغساق، وقيل: منه حميم ومنه
غساق.
قوله: "وغساق" أي بارد، وقيل: منتن، وقيل: أسود من الغسق وهو
الظلام، وقيل: من غسقت القرحة.
العجيب: قال النقاش: إنه بلغة الترك.
والتخفيف أظهر، لأن فَعَّالاً في الأسماء قليل، ولو جعل وصفاً استدعى
موصوفاً.
قوله: (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ) .
الزجاج: الأمر هذا. وقيل: هذا لأهل الجنة، وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) .
قوله: (جَهَنَّمَ) .
بدل من شَرَّ مَآبٍ، ويجوز أن تكون نصبا بفعل دل عليه "يصلونها".
أي - يصلونها جهنم يصلونها. كما تقول: زيداً ضربته.
قوله: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ) .
إشارة إلى قوله: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ) وجوابهم (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ) الآيات وتخاصم أهل النار خبر بعد خبر، وقيل: هو تخاصم أهل، وقيل: تخاصم أهل النار حق. أي صدق.
الغريب: بدل عن ذلك إلى الموضع.
قوله: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) .
стр. 908
اختصام الملائكة: قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) .
وقيل: تخاصمهم اختلافهم لإبليس.
الغريب: ما رواه أبو الأشهب عن الحسن، قال قال رسول
الله ﷺ سألني ربي فقال: يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى، قلت في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات، قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات، والجلوس في المساجد وانتظار الصلوات بعد الصلوات، قال: وما الدرجات، قلت: إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
قوله: (مَا لَنَا لَا نَرَى) .
"مَا" مبتدأ، "لَنَا" خبره، "لَا نَرَى" حال من الضمير في "لَنَا".
قوله: (إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) .
محل "أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ" رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، وقيل: إنه
يوحي إلي ما يوحي إلا أنما أنا نذير وبإنما أنا نذير.
الغريب: إن يوحى إلي إلاَّ أنما أنت نذير، فعبر عنه بالمعنى، ومن
كسر "أنما" فلأن الوحي قول.
قوله: (لَعْنَتِي) .
خصت في هذه السورة بالإضافة خلافاً لسائر السور، فإنها فيها بالألف
واللام موافقة لقوله: "يَدَيَّ".
قوله: (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
قيل: كذا ود الملعون ألا يذوق الموت، فما أعطاه سؤله، بل قال:
стр. 909
(إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) ، يعني نفخة الموت، وقيل: لم يعلمه الوقت
الذي أنظر إليه.
قوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) .
بدأ السورة بالذكر، وختمها بالذكر.
قوله: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) .
نصب على الظرف من "لَتَعْلَمُنَّ".
الغريب: "لَتَعْلَمُنَّ" على أصله في التعدي إلى مفعولين "نَبَأَهُ"
المفعول الأول، و "بَعْدَ حِينٍ" المفعول الثاني، فإن النبأ حدث، وظرف
الزمان يقع خبراً عن الحدث كما تقول: الخطبة يوم الجمعة، وعلمت الخطبة
يوم الجمعة - والله أعلم.
стр. 910
سورة الزمر
الغريب: سورة الغُرَف.
الغريب: قوله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ) إِنَّا أَنْزَلْنَا) .
أي هذا تنزيل، "من الله " خبره، أي هو من الله، لا كما زعموا أن
محمداً ﵇ تَقَوَّله، وقيل: معناه تنزيل الكتاب من الله فاعملوا به.
قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا) ، بعد قوله: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ) بمنزلة
عنوان الكتاب وبيان ما في الكتاب.
قوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ) .
أي يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ.
الغريب: تقديره: وقال الذين اتخذو"، فهو رفع، لأنه الفاعل.
ومن الغريب: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ" مبتدأ، "يقول " المضمر حال، "إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ" خبره.
قوله: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) .
أي يغشي ويلف من تكوير العمامة، وكارّ لقَضار. وقيل: يكور أي
يزيد عن قولهم: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهو النقصان بعد الزيادة.
стр. 911
الغريب: يكور الليل موقوفاً على ظهور النهار، ويكور النهار موقوفاً
على دخول الليل.
قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) .
أي خلق آدم وأخرجكم من ظهره للميثاق ثم أعادكم فيه. "ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا" حواء، وقيل: "ثُمَّ" تأتي مع الجملة دالاً على التقديم، نحو قوله:
(ثم اهتدى) ، وقوله: (ثم كان من الذين آمنوا) ، وقيل: "ثُمَّ" متصل
بالإخبار لا بالجعل، أي ثم أخبركم بأنه سبحانه جعل منها زوجها، أي من
ضلع من أضلاعه، وقيل: من بقية طينه.
الغريب: وهو أحسن الوجوه: خلقكم من نفس واحدة خلقها ثم جعل
منها.
قوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ)
قيل: أنزلها من الجنة، وقيل: معنى
"وَأَنْزَلَ" ها هنا خلق، وعبر عن الخلق بالإنزال ليدل على الرفعة.
الغريب: الْأَنْعَامِ: بالنبات من الماء والماء من السماء، فهي من السماء
منزلة.
قوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ)
ذلك مبتدأ، "الكه" خبره، "ربكمأ خبر بعد
نجر، أو بدل من الخبر، أو خبر، ولفظة "اللَّهُ" عطف بيان.
قوله: (لَهُ الْمُلْكُ)
حال، أو خبر بعد خبر، "لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " حال.
أي منفرداً أو خبر بعد خبر، ويجوز أن يضمر لكل واحد مبتدأ، أي ذلك كذا وذلك كذا.
قوله: (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ) ، أي البلاء.
الغريب: "مَا" بمعنى "مَن" وهو اللُه سبحانه.
العجيب: نسي الدعاء.
قوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) .
стр. 912
"اللام" لام العاقبة، فيمن فتح الياء، ولام العلة، فيمن ضمها.
قوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ) .
من خفف فله وجهان:
أحدهما: الاستفهام، والتقدير أمن هو قانت، الأية كمن هو بضده، وقيل: ألف الاستفهام لا يليه "من " إلا مع حروف
العطف نحو، أو من، أفمن كان، وقيل: ألف النداء، والتقدير، يا من هو
قانت قل هل يستوي، وزيفه أبو علي في الحجة، وقال: لا وجه للنداء
فيما يقع في هذا الموضع ومن شدد فله وجهان، أحدهما: أن "أم" هي
المعادلة، والتقدير أمن هو قانت كمن هو بضده.
قوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) .
أراد: وَأُمِرْتُ بالإخلاص لأكون.
الغريب: أمرت تكرار، و "لِأَنْ" علة الأولى.
قوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) .
قيل: ذكر ظُلَلٌ للازدواج، وقيل من تحتهم ظلل لآخرين. فإن النار
أطباق وهم بين أطباقها. وقيل: تلك الظلل هي النار تخرج من تحتهم
فتعلوهم.
الغريب: تلك الظلل تدور عليهم دور الأفلاك، فمرة تكون فوقهم.
ومرة تكون تحتهم.
قوله: (أَنْ يَعْبُدُوهَا) .
نصب بدل من الطاغوت، والتقدير: اجتنبوا عبادة الطاغوت.
قوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) .
قيل: تقدير الآية أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، ثم
استأنف، فقال: (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ) .
стр. 913
الغريب: الفراء: تقديره: أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب.
فلما وقع الاستفهام غير موقعه أعاده.
قوله: (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) .
"يَنَابِيعَ" ظرف "ماء" "في الأرض "، حال لها.
الغريب: الينابيع، حال من الهاء "في الأرض" ظرف، والينبوع: الماء
يخرج من الأرض، وقيل: الينبوع الموضع الذي ينبع ويخرج منه الماء.
قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) .
أي كمن قسا قلبه، فحذف لدلالة قوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)
عليه.
قوله: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) .
أي ثنيت فيه القصص والأخبار وذكر الجنة والنار، وقيل: لأنه يثنى
في التلاوة فلا يمل، والمثاني عند الفراء: اسم للسور التي آيتها أقل من مائة
آية، لأنها ثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون.
الغريب: سمي مثاني لأنه نزل مرة بالمعنى، ومرة باللفظ والمعنى.
كقوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) .
ومن الغريب: قوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ)
تفسير لقوله: (مَثَانِيَ) .
العجيب: ابن بحر: سمى الله سبحانه كتابه أسماء مخالفاً لما سمى
العرب كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمى جملته قُرآنا، كما سموه
ديوانا، وسمى البعض منه سورة كما سموه قصيدة، وسمى الجزء من البعض
آية كما سموه بيتا، وسمى آخر الآي مثاني كما سموه قوافي.
стр. 914
قوله: (جُلُودُهُمْ) رفع بفعلها، وهو (تَلِينُ) .
الغريب: ابن جرير: تم الكلام على قوله: (تَلِينُ) وقوله: (جُلُودُهُمْ)
رفع بالابتداء، "قُلُوبُهُمْ" عطف عليه، (إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الخبر.
ومن الغريب: قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم بذهاب عقولهم.
والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.
قوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا) .
اليوم محمول على معنى إذا، لأنهما للزمان، وتقديره، يتقي بوجهه
سوء العذاب إذا كان يوم القيامة ويل للظالمين ذوقوا، وقيل: "قد" في الآية
مضمر، والواو للحال، أي في ذلك اليوم في تلك الحال.
قوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .
جوابه: "لآمنوا"، وقد ذكرت، إن هذا موطنُ أفصح وأبلغ ما يكون
المتكلم إذا سكت.
قوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) .
"قُرْآنًا" حال من قوله: (في هذا القرآن) ، "عَرَبِيًّا" صفة، "قُرْآنًا" أو حال
للقرآن، وكذلك "غَيْرَ ذِي عِوَجٍ".
قوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) .
وحده لأنهما معاْ ضربا مثلأ، وقيل: "مئلأ" صفة.
قوله: (عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) .
حكى الفتبي: أن المعترض قال: هذا تناقض يقول في سورة (عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، وفي الأخرى: (لا تختصموا) ، ابن عباس: في القيامة
موإطن، منهم يختصمون في بعضها وشحكتون في بعضها عن الخصومة. قال
стр. 915
الرقاش وأبو العالية: لا تختصموا خطاب لأهل الشرك، وقوله: (عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) لأهل الملة في المظالم.
الغريب: قال الشيخ الإمام: للآية وجه حسن، وهو أن القوم يوم
القيامة يختصمون، فيقول الله سبحانه لهم لا تختصموا لدي، فلو لم يكن
اختصام لما قال لا تختصموا.
قوله: (وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ) .
أي كذب النبي بالقرآن، والمعنى سبب ما جاء به.
الغريب: "بِالصِّدْقِ" بالصادق وهو محمد ﵇.
قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) .
قيل: هو جبريل، و "الصدق " القرآن، و"صدق به " محمد - عليه
السلام -، وقيل: حفظة القرآن إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وقيل: جاء بالصدق وصدق به جميعاً لمحمد - عليه أالسلام، -، والصدق: لا إله إلا الله. وعن علي ﵁ "جاء بالصدق ﵇ وصدق به أبو بكر ﵁.
الغريب: لا يجوز في العربية أن يكون فاعل "وَصَدَّقَ بِهِ" غير فاعل
جاء بالصدق لأن ذلك يستدعي إضمار الذي، وذلك غير جائز، وإضمار
الفاعل من غير تقدم الذكر وذلك بعيد.
وجمع "أولئك" حملا على المعنى، ولأنه بمنزلة "مَنْ" و "مَا"، وقيل:
أراد "الذي" وقد سبق.
قوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ*.
قيل: (اللام) متصل بالجزاء، أي جزاؤهم ليكفر الله، وقيل: متصل
بالْمُحْسِنِينَ، أي أحسنوا ليكفر الله.