الغريب: آيات الله، دلائله، و " نتلوها" أي نتلو ذكرها.
قال أبو علي: لا تستعمل التلاوة إلا في كتب الله، والأصل فيها إتيان
الثاني بعد الأول، تقول: تلوت القرآن تلاوة، وتلوت فلاناً تلواً.
قوله: (بالحق) ، حال، أي محقين، وقيل: بِالْحَقِّ لا بالباطل.
الغريب: لأجل الحق الذي قصدناه.
قوله: (بَعْدَ اللَّهِ) أي بعد حديث الله. من قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) وهو القرآن، والمعنى، فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون إن لم تؤمنوا بالقرآن.
الغريب: معناه إن لم تؤمنوا بالقرآن وهو آخر كتب الله، ولم تؤمنوا
بمحمد ﵇ وهو آخر رسل الله، فبأي كتاب بعد القرآن، وبأي نبي بعد محمد تؤمنون، ولا كتاب بعده ولا نبي، وقيل: بعد إعراضهم عن الله.
قوله: (يسمع آيات الله) .
أي يسمع النبي يتلو آيات الله، فحذف المفعول الأول.
قوله: (تتلى) حال من آيات الله تعالى.
قوله: (عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ) .
هو أشد العذاب.
الغريب: الرجز، النتن، أي لهم من عذاب ذي رجز.
قوله: (جميعا منه) .
حال، وقوله "منه" أي من خلقه، وقيل: تسخيرا منه، وقيل: "من" خبر
стр. 982
مبتدأ محذوف، أي هذه النعم منه، وقرأ ابن عباس "مِنّةً"، أي مَنَّ بها
عليكم منه، وقرىء "منة".
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن "الهاء" تعود إلى الأمر، أي
جميعاً من أمره، كما في الآية قبها (بامره) وهو ظاهر.
قوله: (قل للذين آمنوا يغفروا) .
قيل: الأمر مضمر، يغفروا جوابه، أي اغفروا يغفروا، وقيل: تقديره
ليغفروا فحذف اللام، وقيل: هو جواب قل وهذا بعيد لأن قل يستدعي
مقولاً.
الغريب: يغفروا وقع موقع اغفروا.
نزلت في عمر ﵁ وذلك أنه لما نزل (من ذا الذي
يقرض الله " قال فنحاص: احتاج رب محمد، فبلغ ذلك عمر، فاشتمل على
سيفه وخرج يطلبه، فنزل جبريل بالآية.
وقيل: فعل ذلك حين سمع أن عبد الله بن أبي ابنَ سلول قال: إن مثلنا ومثل محمد كما قيل: سَمِّنْ كلبك ياكلْك.*
قوله: (أيام الله) أي الوقائع كيوم أحد ويوم حنين، وقيل: نصر الله
للمؤمين.
الغريب: أيام الله التي وعدها المؤمنين في الجنة.
قوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) .
أي اكتسبوها، وهو مشتق من الجراحة، لأن لها تأثيراً، ومثله الافتراق.
مشتق من فرقت القرحة لتأثيرها.
стр. 983
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)
قوله: (أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
في محل نصب، بالحسنات.
وقوله: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)
جملة من مبتدأ وخبر، وموضعها نصب، لأنها خبر نجعل، وقوله: (كالذين آمنوا) حال من الضمير المنصوب في نجعلهم، والعامل في الحال "نجعل"
وقرىء (سواءً) بالنصب، فيجوز أن يكون حالاً، (كالذين آمنوا) .
المفعول الثاني لجعل، ويجوز أن يكون المفعول الثاني لجعل، كالذين آمنوا
حال.
وارتفع "محياهم ومماتهم" بقوله "سواء"، فإنه في معنى مستوي.
وفيه بعد، لأنه ليس باسم الفاعل، ولا بالصفة المشبهة باسم الفاعل فيعمل
عمل الفعل، بل هو مشبه بقولهم: مررت برجل مائة إبلِه، وبرجل خير منه
أخوه، وقرىء في الشاذ، ومماتَهم - بالنصب -، فيحمل أن يكون "محياهم
ومماتهم" ظرفين.
قال الشيخ الإمام: ويحتمل أن يكون بدلا من الضمير في
نجعلهم، والتقدير، فجعل معنى وممات الكفار محيى وممات المؤمنين.
فحذف الثاني وقرىء أيضاً في الشاذ، ومماتهم - بالجر - فيكون التقدير.
كالأول، لكن حذف الأول، والضمير في "محياهم ومماتهم"، في الجر
للمؤمنين خاصة، ومع النصب للكافرين خاصة، وفي الرفع، قال الشيخ
الإمام: يحتمل الوجهين، ويحتمل العموم في القبيلين، وكذلك إذا نصبت
على الظرف.
الغريب: قد تم الكلام على قوله: (الصالحات) ثم استأنف.
فقال: سواء محياهم ومماتهم، أي محياهم سواء ومماتهم كذلك.
قوله: (ساء ما يحكمون)
إنْ جَعَلتَ، "مَا" موصولا "ويحكمون " صلته فمحله رفع اسم "مَا"، وإن جعلته نكرة و"يحكمون" صفته، فمحله
стр. 984
نصب واسم "ساء" مضمر، كما تقول: بئس رجلاً، والمخصوص بالذم
محذوف، أي حكمهم.
قوله: (إِلَهَهُ هَوَاهُ) .
أي بهواه لا بالدليل.
الغريب: فيه تقديم وتأخير، أي اتخذ هواه إلهه، فركب ما اشتهاه.
قوله: (على علم)
حال من الفاعل، وهو الله سبحانه، أي في سابق
علمه، وقيل: حال من المفعول، أي معانداً لأن ضلال المعاند عن علم
وقيل: هو علم الصناعات.
قوله: (من بعد الله) أي بعد خذلان الله إياه، وقيل: بعد هدايةِ
الله.
الغريب: (من بعد الله) أي غير الله، و "الفاء" في "فمن يهديه" جواب
"من اتخذ".
قوله: (حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) .
ليس بتسليم لحياة ثانية، وإنما التقدير بزعمك.
قوله: (نموت ونحيا)
فيه تقديم، وقيل: نموت نحن ونحيي الأنباء، وقيل: يحى البعض ويموت البعض.
الغريب: هذا كلام من يقول بالتناسخ، أي يموت الإنسان ثم تصير
روحه في موات فتحيى به.
قوله: (إلا الدهر) مرور الزمان.
الغريب: قتادة إلا العمر.
стр. 985
العجيب: عكرمة، إلا الله، وفيه بعد.
قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) .
العامل فيه "يخسر المبطلون"، و "يومئذٍ " بدل منه.
الغريب: (وَيَوْمَ تَقُومُ) عطف على محل السماوات والأرض، وهو
مفعول به.
قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) .
يعني الكتب المنزلة على الأنبياء، والتقدير، وأما الذين كفروا فيقال
لهم: (ألم تكن آياتي) فأضمر القول، وقام "الفاء" في أفلم مقام "الفاء"
في "فيقال ".
قوله: (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) .
"الساعة" مبتدأ و "مَا" خبره، وقيل: "مَا" مبتدأ، و "الساعة" خبره.
والصواب الأول، والجملة مفعول (ندري) ، وقوله (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)
وقال أبو علي لا تجري هذا الكلام على ظاهره لأن كل من يظن فإنه لا يظن غير الظن، قال: ويصح الكلام بأن يقدر بـ "إِلَّا" التقديم، وهو قول الأخفش، أي ما نحن إلا نظن ظنا.
الغريب: المازني: إن نظن نحن إلا أنكم ظننتم ظنا.
العجيب: إن نظن إلا ظنا لا يؤدي إلى العلم فحذف الوصف.
قوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) .
ذكر الواو مع الأرض، لأن الأرض غير السماوات، ولمٍ يذكر مع
العالمين، لأنه اسم يشتمل على كل مخلوق، فكان بدلًا لا عطفا.
стр. 986
سورة الأحقاف
قوله تعالى: (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) .
هو عطف على "بِالْحَقِّ"، و "الباء" بمعنى اللام، أي للحق، و "وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أي وقت معلوم عند الله وإن طوي علمه عن العباد، وقيل: مقروناً
بأجل مسمى.
الغريب: هو أجل كل مخلوق.
العجيب: المراد، أي بأجل مسمى، وهو قوله (في ستة أيام) .
قوله: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) .
قيل: رواية من قولهم: جاء في الأثر، وقولهم: حديث مأثور، وقيل:
بقية، تقول العرب: سمنت الإبل على أثارة، أي بقية من الشحم، وقيل:
ميراث، وقيل بينة، وخاصة واجتهاد بعلم وإسناد.
الغريب: جاء مرفوعاً في قوله (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) "أنًه الخط.
وقال ﵇: " كان نبيا من الأنبياء يخط، فمن صادف مثله خطه
علم "
و"مَن" استفهام على الرواية الأولى، وشرط على الرواية الأخرى.
وقال أبو سليمان في غريبه عن ابن الأعرابي قال: يأتي صاحب الحاجة
стр. 987
إلى الحازي، فيعطيه حلواناً، وهو جُعْله فيقول له: اقعد حتى أخط لك.
قال: وبين يدي الحازي غلام معه ميل، ثم يأتي إلى أرضِ رِخو، فيخط
خطوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، قال: ثم يرجع فيمحو على مهل
خطين خطين، فإن بقي منها خطان فهو علامة النجاح، وكانت العرب تسمى ذينك الخطين ابني عِيان أسرِعي البَيان، وإن بقي خط واحد، فهو علامة الخيبة، الأزهري: وتسمي العرب ذلك الأسحم.
العجيب: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) مناظرة، لأن المناظرة في العلم مثيرة
لمعانيه. وهذا بعيد، لأنه يوجب إثارة - بكسر الهمزة - مصدر أثار، ولعله جاء في الشواذ بالكسر.
قوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
استبعاد لا غاية، وقيل: غاية، لأن المعبود يجيب العابد يوم القيامة.
نحو (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) .
قوله: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) .
كان هذا قبل نزول: (إِنَّا فَتَحْنَا) وفيه: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ) ، فعلم ما يفعل به، فلما نزل (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) قال رجل: قد
علمنا ما يفعل بك، فما يفعل بنا، فنزل (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ) الآية.
الغريب: لا يصح من الرسول أن يقول: (مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)
стр. 988
، بل سببه أنه ﵇ رأى في المنام أن يتحول إلى أرض ذات
نخل وضجر وماء، فأخبر أصحابه بذلك، فلما طال حصول ذلك راجعوه في
ذلك، فنزلت هذه الآية.
العجيب: معناه، لا أدعي علم غيب ولا معرفة ما يفعل بني ولا بكم
من الإحياء والإماتة والنعمة والجدب، إلا أن يوحى إليَّ في ذلك شيء
فأتبعه، قاله: ابن بحر، وهو قول حسن.
قوله: (وقالَ الذينَ كفروا للذين آمنوا) .
العجيب: هو كقولك: قلت له، وهذا ظاهر.
وقوله: (إن كانَ من عند اللهِ)
شرط جزاؤه مضى تقديره، أليس قد ظلمتم، والله لا يهدي الفوم الظالمين يدل عليه، قيل: جوابه أتأمنون عقوبة الله، وقيل: أتؤمنون به، وقيل: فمن أضل منكم.
الغريب: في الآية تقديم وتأخير إن كان من عند الله وشهد شاهد من
بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم وكفرتم.
قوله: (كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا) .
"كِتَابُ مُوسَى" مبتدأ، "من قبله" خبره، "إِمَامًا" حال، والعامل فيه ما
في الظرف من معنى الفعل.
(وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا) حال.
الغريب: "مُصَدِّقٌ" ذا لسانٍ عربي وهو محمد ﷺ فيكون مفعولًا به.
قوله: (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى)
يجوز أن يكون رفعا، أي هو بُشْرَى.
الغريب: يجوز أن يكون نصباً، أي لينذر الذين ظلموا ولتبشير بثرى
للمحسنين.
الغريب: محله جر عطفاً على المحل، أي لإنذارٍ وَبُشْرَى.
стр. 989
قوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) .
أقل الحمل ستة أشهر، ونهاية الفطام حولان.
الغريب: صاحب النظم: هذه خاصة للرسول ﵇، وكان
حمله ستة أشهر.
قوله: (ثَلَاثُونَ شَهْرًا)
خبر مبتدأ محذوف تقديره ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً، فأخبر بظرف.
قوله: (رَبِّ أَوْزِعْنِي) الآية، عن ابن عباس في رواية عطاء: أنها
نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، ولم يكن في الصحابة من
أسلم وأسلم والده وأولاده إلا أبو بكر، وذلك أنه صحب رسول
الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة، ورسول الله ﵇ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام، فنزلوا فيه سدرة، فقعد رسول الله ﷺ في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال الراهب: من الرجل
الذي في ظل السدرة، فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال:
هذا والله نبي، فما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد نبي
الله ﵇، فوقع في قلبه اليقين والتصديق، فكان لا يكاد يفارق
رسول الله ﷺ في أسفاره وحضوره، فلما نبىء رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلائين سنة، أسلم وصدق رسول الله يتأ فلما بلغ أربعين سنة، قال رب أوزعني أن أشكر) الآية.
قوله: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) .
الحسن: الآية عامة، ولم يرد واحداً بعينه، السدي: ذهب إلى
стр. 990
أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، (وَهُمَا) يعني أبا بكر
وأم رومان (يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ) ويسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له، (وَيْلَكَ آمِنْ)
قال السدي: فاستجاب الله دعاءهما فأسلم وحسن إسلامه، ولقد رأيته وما
بالمدينة أعبد منه - قال: ولما أسلم نزلت فيه: " ولكلِ درجات مما
عملوا) ، وأنكر أكثر المفسرين هذا، وقالوا: روي عن عائشة: - رضي الله
عنها - أنها قالت لمروان بن الحكم - حين خطب زياد بالمدينة وأثنى على
معاوية ورد عليه عبد الرحمن، فقال مروان: هذا الذي قال لوالديه أف
لَكما -: كذبت، لأنها نزلت في أبيك وأخيك، وفي رواية قالت: والله ما هو به ولو شئت لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت ممن لعنه
الله. قال الزجاج: ويدل على أنها ليست في عبد الرحمن: أن الله أخبر
عن قائل هذا الكلام بأنه من أهل النار في قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) ، قال مجاهد ونزلت في عبد الله بن أبي بكر بطولها.
قوله: (وَيْلَكَ) نصب على المصدر، والمصادر التي لا أفعال لها الاختيار فيها
النصب إذا أضيفت، ومثله "وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا"، فإن كانت غير مضافة
فالاختيار الرفع كقوله (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) ، وأما المصادر التي لها
أفعال، فعلى الضد من ذلك، فإن الاختيار فيها الرفع إذا كانت معرفة، نحو
الشكر لله والحمد لله، وحمداً لزيد وشكرا له، وقد جاء على خلاف هذا.
والاختيار ما ذكرت.
قوله: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) .
стр. 991
أي نلتم لذاتكم وأصبتم شهواتكم في الدنيا.
وقيل: الغريب: "طيباتكم " شبابكم وقوتكم من قول العرب: ذهب
أطيباه.
العجيب: عن عمر ﵁ أنه قال: أنا أعلم بالعيش لو
شئت لجعلت أكباداً وأسنمة وَصِلاءً وصِناباً وصَلائق ولكن أستبقي حسناتي.
لأن الله وصف فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) ، وعن عمر
أيضاً، أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدم شيئاً حلواً، فامتنع وقال رأيت
الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) فقال الرجل: اقرأ يا
أمير المؤمنين ما قبلها (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولست منهم، فأكل
وسره ما سمع. الصلاء: الشواء، والصناب: الصِباغ، والصلائق الرقاق
العريض من الخبز.
قوله: (بِالْأَحْقَافِ) .
جمع حِقْف، وهو ما استطال وأعوج من الرمل العظيم، ابن عباس: واد بين عُمان ومهرة. الضحاك: جبل بالشام. وقيل، منزل بين عُمان وحضرموت.
الغريب: عن علي ﵁ خير واد بين الناس: واد بمكة
وواد نزل به آدم بأرض هند، وشر واد بين الناس: وادي الأحقاف، وواد
بحضرموت يدعى برهوت.
العجيب: ابن المبارك: بالأحقاف حقباً بعد حقب، وهذا بعيد، فإنه
يجعل "الفاء" بدلًا من "الباء"، وذكر هو أيضاً في تفسيره: ويقال هو دكان
باليمن فقام عليه فأنذر قومه.
стр. 992
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ
قوله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ) .
أي السحاب، وقيل: ما وعدوا به، أي العذاب.
الغريب: إضمار من غير ذكر سبق.
قوله: (مُمْطِرُنَا) أي ممطراً بالإضافة نكرة.
قوله: (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ)
هي الدَّبُور، لقوله ﵇: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ) .
قوله: (لَا تَرَى إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ) . (١)
أي لو حضرت لم تر، وقيل: هو كقولك: أيها الرجل وكلكم ذلك
الرجل وقرىء (لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ" - بالرفع -.
العجيب: لا ترى - بالتاء - إلامسكنهم. وهذا بعيد، لأن التقدير لا
يرى شيء، كما تقول: ما جاءني إلا هند، ولا تقول: ما جاءتني إلا هند.
لأن التقدير ما جاءني أحد إلا هند.
وقوله: (فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ) .
"مَا" بمعنى الذي و "إن" للنفي.
الغريب: "إن" صلة وزيادة.
العجيب: (إن) للشرط، أي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر. حكاه
الماوردي.
قوله: (قُرْبَانًا آلِهَةً) .
"قُرْبَانًا" مفعول "اتخذوا" "آلِهَةً" بدل منه.
стр. 993
الغريب: فيه تقديم وتأخير، أي اتخذوا آلِهَةً قربانا.
العجيب: مصدر، وقيل: مفعول له.
قوله: (فما أغنى عنهم سمعهم) ، "مَا" للنفي.
الغريب: "مَا" للاستفهام، ودخول "مِن" في قوله "من شيء" يقوي النفي.
قوله: (وحاق بهم) نزل بهم.
العجيب: قول من قال: أرادَ (حق) ، فقلبت: إحدى القافين ألفا، فإنه بعيد.
قوله: (نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) .
ابن عباس: كانوا تسعة من جن نَصيبين. وقيل: من أهل نينوى.
عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل. زر بن حبيش: كانوا سبعة فيهم
زوبعة.
الغريب: مجاهد: كانوا سبعة، ثلاثة من نجران، وأربعة من
نَصيبين، وعد أسماءهم: شاصر، وناصر، وحس، ومس، والأزد، وأبنان، والأحقم. وقيل: كانوا سبعين من بني أقليش، وفيهم زوبعة.
ومن الغريب: روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الجن على ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصخف يحلون ويظعنون ".
وعن ابن مسعود: أنه رأى رجالاً من
стр. 994
الزلط طوالا شمطاناً سودا، فقال هم أشبه شيء بالجن الذين قرأ عليهم
النبي ﵇ وروي أنهم خاطبوا النبي ﷺ فسألوه أشياء منها أنهم قالوا: يا رسول الله، إن الأرض التي بيننا وبينك محل لا تنبت عودا.
فأعطاهم روثة وعظماً، وقال: لكم بالروثة كل تربة تمرون بها خراباً مثلها يوم كانت مخصبة، ولكم بكل عظم مررتم به مثله يوم كان عليه اللحم، ثم نهى النبي ﵇ أن يستنجى بعظم أو روث.
قوله: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)
أي بعثهم رسول الله ﷺ إلى سائر الجن، فكانوا رسل رسول الله ﷺ ، ولم يبعث الله نبياً إلى
الثقلين إلا محمداً ﵇.
العجيب: ثابت: قال: جاء أناس إلى عبد الله بن مسعود، قالوا: كنا
في سفر، فرأينا حية مقتولة، فواريناها، فلما ولينا، جاء ناس فقالوا: أيكم
دفن عمراً، قلنا: ومن عمرو، قالوا: الحية التي دفنتم بمكان كذا، فإنه كان من النفر الذين استمعوا القرآن من النبي ﵇، وكان بين حيين من الجن قتال، فقتل.
قال القفال: والذي في ظاهر الكتاب، أن الله صرف نفراً من الجن
يستمعون القرآن، وليس في شيء من ذلك أنهم خاطبوه ولا خاطبهم هو.
وإنما فيه أنهم استمعوا القرآن، فآمنوا ورجعوا إلى قومهم، فاعلموهم
وأنذروهم.
قوله: (مِنْ بَعْدِ مُوسَى) .
قل: كانوا هوداً، ولهذا قال: مِنْ بَعْدِ مُوسَى.
стр. 995
قوله: (بِقَادِرٍ) .
دخل الباء خبر "أن"، لمكان النفي في أول الكلام.
الغريب: " الباء" زائدة.
العجيب: دخل التعجب كقوله (أَبْصِرْ بِهِ) ، وهذا خطأ من قائله.
قوله: (بَلَاغٌ) .
أي ذلك بَلَاغٌ.
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن التقدير، ولا تستعجل لهم
بَلَاغٌ، فَبَلَاغٌ ابتداء، ولهم خبره والذي بينهما اعتراض، ويروى عن أبي حاتم
على "وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ" - والله أعلم.
стр. 996
سورة محمد
قوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا) .
بدأ بذكر الكفار، لأنها نزلت فيهم. ابن عباس: نزلت في
المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا، فصرح باسم الكافرين في
السورة عشر مرات.
قوله: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
يجوز أن يكون متعدياً ومصدره الصد، ويجوز أن يكون لازماً
ومصدره الصدود.
قوله: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) .
كفرها لهم وسترها عليهم.
الغريب: راعى مطابقة اللفظ في قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا. . . كَفَّرَ عَنْهُمْ) .
قوله: (بالهم) حالهم وشأنهم، وقيل: البال، القلب، من
قولهم: ما خطر هذا ببالي.
الغريب: البال، لا يثنى ولا يجمع.
стр. 997
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) .
" ذلك" مبتدأ، والجار والمجرور خبره، ومثله في السورة: (ذلك
بأنهم كرهوا) (ذلك بأن الله مولى الذين) (ذلك بِأنهم اتبعُوا) ، (ذلك بأنهم قالوا) .
قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ)
محله نصب صفة للمصدر، أي يضرب ضرباً كذلك، والمعنى يبين أمثال حسناتهم وسيئاتهم.
قوله: (ذَلِكَ وَلَوْ)
خبر، والمبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك، وقيل: نصب، أي افعلوا
بهم ذلك.
قوله: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) .
خصها بالذكر، لأن مضروب الرقبة لا يعيش، وهو نصب على
المصدر، أي اضربوا ضرب الرقاب.
الغريب: هذا تعليم القتل.
العجيب - هو كناية عن القتل بالسلاح.
وقوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)
هما مصدران، أي إما أن تمنوا عليهم منا، وإما أن تفادوهم فداء، فإن جعلته مصدر فادى فهو مكسور ممدود لا غير، وإن جعلته مصدر فديت، جاز فيه الكسر والفتح بالمد.
وجاز فيه الفتح بالقصر.
стр. 998
قوله. (تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)
قيل: هذا مثل، أي حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، وقيل: حتى تضع الحرب أوزار الحرب وقد فسره
الأعشى بالرماح والخيل والدروع والسيوف.
الغريب: مجاهد وسعيد، حتى يخرج عيسى بن مريم. قال أبو هريرة روى أن النبي ﵇ قال: " يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكما عدلاً، يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها، وحتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر أو مَدَرٍ.
يعز عزيزا أو يذل ذليلاً، وتسير قريشا الإمارة" أي ينزعها عنهم ".
الغريب: الفراء، حتى تضع حربكم أوزار كفرهم بالإسلام، أي
آثامهم.
العجيب: الحرب جمع حارب، أي تضعوا أوزار الحرب.
قوله: (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) .
كرر، لأن الأول: سبب النعيم، والثاني: نفس النعيم.
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن التكرار للماضي والمستقل.
فإن الأول وأصلح، والثاني ويصلح.
العجيب: بالهم القلب كما سبق. والمعنى ويصلح قلوبهم بإخراج
الغل منها.
стр. 999
قوله: (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ)
ولكن أمركم بالحرب ليبلو بعضكم بعضا.
قوله: (عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) .
أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها، وقيل: عرفهم بوصفها لهم.
وقيل: عرفهم طريق الوصول إليها، من التعريف والعرفان، وقيل طيبها من
العَرْفِ.
العجيب: عرف الله أهل السماء أنها لهم، أي للمؤمنين.
قوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ) .
أي نبيه وأهل دينه، قتادة، حق على الله أن ينصر من نصره.
لقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) ، وأن يزيد مَن شكره، لقوله (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) ، وأن يَذكر مَن ذَكَره، لقوله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) ، وأن يوفي العهد، لقوله (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) .
قوله: (فَتَعْسًا لَهُمْ) .
أي تعسهم تعسا، وعطف عليه بالفعل، فقال: (وأضل) .
الغريب: تعسوا تعسا، لأن العرب تقول: تعَسه الله. بالفتح -
فتعِس - بالكسر -، ومثله: سَعَده الله فسعِد.
قوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) .
стр. 1000
استفهام، معناه) : الأمر، وقيل: معنى الخبر، أي ساروا فيها فهلا
اعتبروا بما رأوه فيها.
الغريب: هلا قرؤوا القرآن ليعرفوا حال من تقدمهم، (فينظروا) .
يجوز أن يكون عطفاً، فيكون مجزوماً، ويجوز أن يكون جواب الاستفهام.
فيكون منصوبا.
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) .
المبرد، الله مولى العبد من ثلاثة أوجه: الاختراع والتصرف بعد
الاختراع والنصرة، فهو مولى المؤمنين والكافرين من جهة الاختراع
والتصرف فيهم، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة.
قوله: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) .
"النار"، مبتدأ، "مثوى" خبره، "لهم" صفة الخبر.
الغريب: "لهم" الخبر، و "مثوى " حال.
قوله: (أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ) .
أي أخرجك أهل القرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه، وهو
مؤنث مقامه، فأنث الضمير، ثم قال: (أَهْلَكْنَاهُمْ) فعاد الضمير إلى
المضاف.
قوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) .
سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، فهو مبتدأ خبره محذوف.
وقيل: تقديره، مثل الجنة التي وعد المتقون جنة فيها أنهار. وفيه ضعف.
لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه وهي فعل. وقيل: خبر مبتدأ
стр. 1001
محذوف، و "مثل " بمعنى صفة، أي هذه صفة الجنة، وقيل: صفة
الجنة مبتدأ و (فيها أنهار) جملة هي خبر المبتدأ.
الغريب: "مثل" زائدة، أي الجنة التي وعد المتقون فيها كذا
وكذا.
العجيب: الكسائي، مثل أصحاب الجنة كمن هو خالد في النار.
قوله: (أنهار) جمع نهر.
العجيب: ابن بحر، الأنهار: عبارة عن كثرة هذه الأشياء وشقها
فيها.
قوله: (آنفاً) .
أي الساعة، من قولهم: استأنف الأمر، ولا يستعمل منه فعل بغير
زيادة، ووزنه فاعل، و " آنف" كل شيء ما تقدم منه.
قوله: (أَنْ تَأْتِيَهُمْ) .
إتيانها إياهم، فهو بدل من الساعة بدل الاشتمال.
فقد جاء أشراطها علاماتها.
الغريب: أشراطها: محمد ﵇
قوله: (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)
محل ذكراهم رفع بفعلها.
وقيل بالابتداء، و"أنى لهم" الخبر، كقوله: (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) .
وفي "جاءتهم" ضمير يعود إلى الذكرى. الأخفش: الضمير في "جاءتهم " يعود
إلى الساعة.
قوله: (فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) .
أولى لهم من الجزع، والثاني: العقاب أولى لهم من الرحمة، وهي كلمة
وعيد، وقيل: اسم علم للتهديد والوعيد على وزن أفعل، فلا ينصرف،
стр. 1002
و "لهم" الخبر، وقيل: هو فعل ماض، أي أولاهم الله المكروه. واللام
زائدة، كقوله: (رَدِفَ لَكُمْ) وعبر عنه أكثر المفسرين بقولهم معناه ولِيَكَ
شرٌّ فاحذره.
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أنه فَعْلَى من آل يؤول، كقوله:
(عقبى الدار) وبمعنى لكنه خص بالشر.
العجيب: هو أَفعَلُ من الويل، قدم اللام على العين. حكاه النقاش
في تفسيره.
ومن الغريب: عن ابن عباس،: "أولى" وعيد، والكلام به تام.
ثم قال لهم طاعة وقول معروف، أي للمؤمنين، حكاه الفراء. والجمهور
على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أمرنا طاعة، وقيل مبتدأ خبره محذوف
أي طاعة الله، وقول معروف أولى من الجزع.
العجيب: (طاعة) صفة للسورة، أي أنزلت سورة ذات طاعة وقول
معروف، فحذف المضاف. حكاه الزجاج.
قوله: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ)
أي صار الأمر معروفا عليه، وجواب "إذا"
أي فكانوا ومعنى "عَزَمَ الْأَمْرُ" فرض الجهاد وجد الأمر.
قوله: (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي لكان الصدق خيراً لهم.
قولهم: (عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا) .
"عسى" فعل لا يتصرف.
الغريب: روى ابن الإعرابي: عَسِيَ يَعْسَى فهو عَسِى، وبه قرأ
نافع: عسِيتُم - بكسر السين -.
قوله: (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) شرط جوابه ما دل
стр. 1003
عليه الكلام، أي إن: توليتم عسيتم أن تفسدوا، و "أن تفسدوا" نصب
وخبر "عسيتم" عند الجمهور، والذي ظهر لي في باب عسى: أن تكون أن
مع ما بعده بدلاً عن اسم عسى بدليل عسى أن يقوم زيد فلا يحتاج إلى
مفعول، وقولهم: عسى العزيز أبونا يريد أن يكون أبانا.
وقوله: (توليتم) ، قيل: من التولي، وهو الإِعراض، وقيل: من
التولية.
قوله: (أَقْفَالُهَا) .
أضاف إلى القلوب، أي أقفال تليق بها من الختم والغشاوة والرَين
كما قال: (زلزالها) .
قوله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) .
قيل: هو كلام تام فقطع عن الجانبين، فخبر إن مضمر، أي أهل
النار، والفعل الثاني لله ، والجمهور: على أن (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) جملة فيها خبر إن.
العجيب: "أملى لهم" من فعل الشيطان أيضاً، أي طوّل لهم الأمل.
فاغتروا به.
قوله: (لَأَرَيْنَاكَهُمْ) .
اللام جواب " لو "، قوله: (فَلَعَرَفْتَهُمْ) تكرار لها وزيادة، وقوله:
(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) لام القسم، وكذلك (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) .
ومعنى (لَحْنِ الْقَوْلِ) فحوى كلامهم ومتضمنُه.
الغريب: لحن القول كذبه. لم يتكلم بعد نزول الآية منافق عند
رسول الله ﷺ إلا عرفه.
стр. 1004
قوله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) .
الأولى نهي، والثاني: يجوز أن تكون نهياً، أي لا تدعوا الكفار إلى
الصلح، ويجوز أن يكون جواباً للنهي بالواو، ومحله نصب.
قوله: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)
الواو للحال، وقيل: استئناف.
قوله: (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) .
أي عن داعي نفسه وبخل نفسه.
الغريب: (عن) بمعنى على، أي يبخل على نفسه بالثواب.
قوله: (قَوْمًا غَيْرَكُمْ)
قيل: أهل اليمن، وقيل: العجم.
فقد روي أن النبي ﷺ سئل عن الذين يستبدلهم الله بهم، وكان سلمان إلى جنبهِ - فضرب فخذه، وقال: "هذا وقومه " يعني العجم.
الغريب: القوم المستبدل بهم، الملائكة. ورده الزجاج وقال:
القوم لا يقع على الملائكة. وفي خبر آخر أنه قال ﵇:
" والذي نفسي بيده لو كان الدين منوطاً بالثريا لتناولته رجال من أهل فارس، ثم قال: " ابشروا يا بني فَرَوخ " - والله أعلم -.
стр. 1005
سورة الفتح
قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .
الجمهور: على أنه فتح الحديبية، والحديبية بئر سمي المكان
بها وكان قد فاض ماؤها، فتمضمض فيها رسول الله ﷺ فجاش بالرواء
حتى ضرب الناس عليه بعطن. ابن عباس: فتح خيبر.
الغريب: مجاهد، فتح مكة، وعده الله ذلك.
العجيب: ابن بحر، (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا) معناه، أعلمناك فيما
أنزلنا عليك من القرآن وأمرناك به من الدين أمراً مبينا، وقد يعبر عن العلم
بالفتح. وقيل: الفتح والفتاح، القاضي.
قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) .
عن ابن عباس، أن اليهود شمتوا بالنبي ﷺ والمسلمين لما نزلت (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) .
فاشتد ذلك على النبي ﵊، فنزلت ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) .
стр. 1006
فقال رجل: هنيئاً يا نبي الله قد بين الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا.
فأنزل الله (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ) .
ابن الأنباري: يجتمع لك المغفرة مع الفتح، فيتم النعمة عليك.
الغريب: متصل بمضمر تقديره، فتحنا لك مجاهدتك وقتالك ليغفر
لك، سهل لام القسم، وقد سبق. وقيل: المغفرة سبب الفتح، أي
لمغفرتنا لك فتحنا لك، كما تقول: أكرمك لفضلك.
العجيب: هو متصل بقوله: (واستغفر لذنبك. . . ليغفر لك) ، وقيل:
هو من قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) .
ثم قال: (وَاسْتَغْفِرْهُ) ، كذلك ما هنا: "إنا فتحنا لك واستغفر ليغفر لك الله" أي إذا جاء الفتح واستغفر كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قوله: (دَائِرَةُ السَّوْءِ) .
بالضم، مصدر، وقد يجعل اسماً، ويجمع على أسواء، والسوء -
بالفتح - النعت، وإضافته من باب قولهم مسجد الجامع.
قوله: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ)
كل لفظة من هذه تنبىء عن الأخريين، لكن الإطناب في الإبعاد أبلغ.
قوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) .
الجمهور، على أن الضميرين الأولين يعودان إلى النبي ﵇، والثالث، يعود إلى الله سبحانه، ومعنى التعزير والتوقير: التعظيم.
العجيب: الثلاثة تعود إلى النبي ﵇، ومعنى تسبحوه
стр. 1007
تصلوا معه، وقرىء بالياء، وهو الوجه، وبالتاء ويحتاج إلى إضمار، لأنه
لا يقال لتؤمنوا بالله ورسوله وهو الرسول، والإضمار قل لهم إنا أرسلناك
شاهداً لتؤمنوا. قاله أبو علي:
قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) .
أي قوة الله ونصرُ الله وملك الله ونعمة الله.
الغريب: عقد الله في هذه البيعة فوق أيدبهم.
العجيب: يريد اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد السفلى
المَعْطِيَّة.
قوله: (أن لَن ينقلبَ) .
أراد أن الأمر والشأن، فحذف وخفف، وليست بالمخففة وإن
كانت تلي الظن أحيانا، لأنها لا تدخل على "لن".
قوله: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) .
هو عطف على تُقاتِلون، عند الكسائي. وقيل: هو استئناف، أي
أوهم يسلمون.
الغريب: لما حذف " أن " ارتفع الفعل.
العجيب: فى مصحف أبي، أي يسلموا، فحذف النون، أي إلا أن
يسلموا، وحتى يسلموا.
قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)
стр. 1008
هي سمرةَ.
الغريب: سدرة، وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، وكانوا
ألفاً وثلاثمائة.
الغريب: الشعبي، هذه البيعة كانت بيعة الأنصار ليلة العقبة.
قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) .
أي بعد اليوم، والتقدير أخذ مغانم لأن الوعد يقع على الأحداث.
قوله: (وأخرى) . عطف عليها.
قوله: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) .
والهدي نصب بالعطف على الضحمير في (صدوكم) .
و (مَعْكُوفًا) ، نصب عليها.
وقوله: (أَنْ يَبْلُغَ) أي عن أن يبلغ، ومحله نصب أو خفض.
وقيل: كراهة أن يبلغ.
الغريب: بدل من الهدي، أي وصدوا بلوغ الهدي محله.
قوله: (ولولا رجال مؤمنون) رفع بالابتداء، و (نساء مؤمنات)
عطف عليه، والخبر محذوف على القياس المطرد.
قوله: (لم تعلموهم) صفة صفة للقبيلتين حملا على المعنى وغلب التذكير، ويجوز
أن يكون التقدير: رجال مؤمنون لم تعلموهم ونساء مؤمنات لم تعلموهن.
فاقتصر على أجَلِّهما وأشرفهما - قوله: (أن تطؤهم) أي توقعوا بهم، ومن
قول الشاعر:
وَؤطِئتنا وَطْأً على حَنَقٍ. . . وَطء المُقَيَّدِ نسابتَ الهَرْمِ
стр. 1009
ومن قوله ﵇: " آخِرَ وَطْأَةٍ وَطَأَهَا اللَّهُ بِوَجٍّ. ".
واد بالطائف وكان آخر وقعات النبي ﵇ بها.
الغريب: أن تطؤهم بخيلكلم ورجلكم فتهلكوهم، ومحل "أن تطؤهم"
رفع بالبدل من قوله. (رجال ونساء) على ما سبق بدل الاشتمال.
الغريب: محله نصب بالبدل من " هم " في قوله: " تعلموهم ".
قوله: (فتصيبكم) عطف على تطؤهم.
الغريب: قال القفال: يجوز أن يكون جواباً للنفي، وهو "لم تعلموهم".
قوله: " بغير علم " مقدم في التقدير، أي تطؤهم بغير علم.
قوله: (ليدخل الله) قيل متصل بـ (كف أيديهم) .
الغريب: قال القفال: متصل بالمؤمن والمؤمنات.
وكلا القولين ضعيف، لأن "كف"، في صلة الذي، وقد حيل بينهما
، والمؤمنون والمؤمات قد وصفا، والصواب أن يقال متصل بفعل آخر
دل عليه " كف "، أو المؤمنون والمؤمنات.
وفي جواب "لولا" قولان، أحدهما: مضمر، أي لفتح عليكم مكة
والثاني، سد جواب "لو" وهو قوله: (لعذبنا) سد جواب لولا
قوله: (كلمة التقوى) .
لا إله إلا الله، وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل:
стр. 1010
(سمعنا وأطعنا) "، وقيل: الإخلاص. وقوله: (أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)
الضمير يعود إلى كلمة التقوى، وقيل: إلى مكة.
الغريب: قال المبرد: إن الذين كانوا قبلنا لا يكون لأحد أن يقول لا
إله إلا الله في اليوم والليلة إلا مرة واحدة، وكان قائلها يمد بها صوته حتى
ينقطع النفس، التماس بركتها وفضيلتها، وجعل الله لهذه الأمة متى شاء.
قال مجاهد: ثلاث لا يحجبن عن الله سبحانه، لا إله الا الله من
قلب مؤمن، ودعوة الوالدين، ودعوة المظلوم.
قوله: (بِالْحَقِّ) .
متصل بـ (صَدَقَ) ، أي بتحقيقه، ما أراه كما أراه.
الغريب: تم الكلام على الرؤية، و (بِالْحَقِّ) قسم، (لَتَدْخُلُنَّ)
جوابه.
قوله: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ)
بتحقيق لا تعليق كما جاء (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ" - (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) (ويرزقُ مَنْ يَشَاءُ) وأمثاله.
وقيل، هذا من قوله. (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، وقيل: هذا يجري مجرى تسبيح وليس باستثناء.
الغريب: الاستثناء من الجمع، فقد مات بعضهم وغاب بعضهم.
وقيل: الاستثناء من الأمن في قوله (آمِنِينَ) .
العجيب: " إن " بمعنى " إذ"، وهو بعيد.
قوله: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)
نصب على الحال، أي
стр. 1011
بعضكم محلقون وبعضكم مقصرون. والحَلْق يقع على جميع الرأس.
والتقصير على بعض الرأس. وقوله: (لا تخافون) جملة في محل نصب
على الحال أيضاً.
العجيب: مقصرين الصلاة من قوله: (أن تقصروا من الصلاة) .
قوله: (وكَفى بالله شهيداً) .
أي شهيداً بأنك نبي صادق.
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) .
ابتداء وخبر.
الغريب: تقديره شهيدا بأن محمدا رسول الله، فلما حذف
" الجار " و " إن " ارتفع بالابتداء والخبر. وقيل: " محمد " مبتدأ.
"رسول الله " صفته، أو عطف ببان، (وَالَّذِينَ مَعَهُ) عطف عليه.
(أَشِدَّاءُ) وما بعده الخبر.
الغريب: (وَالَّذِينَ مَعَهُ) فى محل جر عطفا على (بالله) .
والمعنى: حسبك الله ومن اتبعك، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون محله
رفعاً لأن الباء دخل على الفاعل وأشداء رفع أي هم أشداء، ويجوز على
هذا الوجه أشداء بالنصب فيكون حالاً من الضمير في الظرف.
العجيب: "والذين معه" مبتدأ خبره محذوف دل عليه "رسول الله"، أي
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ رسل الله، أي معه في الرسالة.
قوله: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)
وقيل: هو من قوله : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) ، وقيل: هو في قوله ﵇ " أمتي الغر المحجلون يوم القيامة من آثار الوضوء ". وقيل: هو
стр. 1012
من قوله ﵇: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه
بالنهار ".
الغريب: هو الخثسوع والسمت والحسن، وقيل أيضاً: ثرى الأرض
وندى الطهور، وقيل: هو ما يبين في حياة بعض المؤمنين.
العجيب: هذا مثل قول الشاعر:
فتور عينيك دليل على. . . أنك تشكو سهر البارحة
قوله: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ)
يجوز أن يكون عطفاً على الأول.
فيكون الأول والثاني مثلين لهم في التوراة والإنجيل، ويجوز أن يكون مبتدأ
كزرع وما بعده خبره، وهذا أظهر.
قوله: (فَآزَرَهُ) الفعل للزرع، أي قوي الزرع. (الشطأ) وهو
فراخ الزرع وقيل: فَأَزَرَهُ وأَزَرَ فَعَلَ وآزَرَ أفْعَلَ وهما بمعنى واحد.
الغريب: الفعل للشطأ أي آزر الشطأ الزرع فصار في طوله ووزنه
فاعَلَ.
قوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) ، أي ضرب ذلك المثل ليغيظ الله
بمحمد ﵇ وأصحابه، الكفار.
العجيب: هذا الزرع ليغيظ باكرته الكفار، أي سائر الزراع الذين ليس
لهم مثل زرعه. والكافر الزارع. ومن العجيب: ذكر في بعض التفاسير:
(وَالَّذِينَ مَعَهُ) أبو بكر، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) عمر، (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)
عثمان، (رُكَّعًا سُجَّدًا) علي، (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) طلحة
والزبير، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح،
стр. 1013
فهؤلاء العشرة مثلهم في التوراة والإنجيل - والله أعلم -.
وقيل: العمل الصالح في قوله: (وعملوا الصالحات) في هذه الآية، حب الصحابة، - والله أعلم.
стр. 1014
سورة الحجرات
قوله : (يا أيها الذين آمنوا) .
بدأ السورة بنداء المؤمنين وأعاده في السورة خمس مرات ثم عمم في
السادسة فقال: (يا أيها الناس) .
قوله: (لَا تُقَدِّمُوا)
قرأ يعقوب: لَا تَقَدِّمُوا - بفتح التاء. قدَّم
وتقدم بمعنى عند بعضهم، وهما لازمان، والأكثرون على أن المفعول
محذوف في القراءة المعروفة.
الغريب: قدم وتقدم كلاهما معديان نحو علَّقته وتعلَّقته، وبيَّنته
وتبيَّنته، أي لَا تُقَدِّمُوا الفعل والقول والأمر.
قوله: (بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ذكر الله للتعظيم، والمراد بين يدي
رسوله. وقيل: معناه كتاب الله وسنة رسوله.
قوله: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) ، (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) .
تكرار، لأن جهر القول إعلاء الصوت ورفعه به، والجمهور على أن
المعنى لا تخاطبوه باسمه وكنيته، بل خاطبوه بالنبوة والرسالة.
стр. 1015
قوله: (كجهر) صفة مصدر، أي جهراً كجهر بعضكم لبعض
كراهة أن تحبط أعمالكم ولئلا تحبط.
قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ) .
"أُولَئِكَ" مبتدأ "الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ" خبره والجملة خبر إن وقيل: (الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ) " صفة لقوله: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ" خبره والجملة خبر "إن".
قوله: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ) .
ذهب بعض المفسرين في الآية إلى أن خبر الواحد العدل يجب العمل
به، لأن الله أمر بالتثبت والتبين في خبر الواحد الفاسق، ولو تثبتنا في خبر
العدل لسوينا بينهما، وذهب بعضهم إلى أن هذا المخبر - وهو الوليد بن
عقبة - كان ثقة، فصار فاسقاً بكذبه، فخبر الواحد متردد حتى يخبر آخر
بمثله.
الغريب: الوليد لم يقصد الكذب، لأنه ظن أن اجتماع بني المصطلق
عليه لا له، وذلك أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني المصطلق مصدقا.
وكان بينهما إحْنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه مستقبلين، فظن أن القوم هموا
بقتله فرجع، وقال: يا رسول الله إن القوم منعوا صدقاتهم وهموا بقتلي.
فأراد النبي ﵇ أن يذهب إليهم، فأنزل الله هذه الآية.
قوله: (وإنْ طائفتانِ) .
ارتفع بفعل مضمر دل عليه "اقتتلوا"، لأن "إن" الشرطية لا يليها
الاسم.
قوله: (افتتلوا) محمول على المعنى، كقوله، (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا)
، ثم عاد إلى التثنية فقال: (بينهما) .
قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
стр. 1016
ذكر بلفظ الجمع، ثم قال" بين أخويكم " فعاد إلى التثنية، لأن أقل
من يقع بينهما الخصومة اثنان. وقيل: بين سيدي القوم. وقرأ يعقوب:
أخواتكم. على الظاهر.
قوله: (قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) .
ذهب الجمهور إلى أن القوم اسم يقع على الرجال ولا يقع على النساء
بدليل العطف، وهو قوله: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) ، لأن المعطوف غير
المعطوف عليه، واشتقاقه من القيام، وهو القوام على النساء (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) .
الغريب: القوم جمع وواحده رجل، كالنساء واحدها امرأة.
وأنشدوا:
وما أدري وسوف إخالُ أدري. . . أقوم آل حصنٍ أَم نِساءُ
قوله: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) .
النبز: القذف، والنبز - بالفتح - الاسم، ولا يستعمل إلا في القبيح.
واللقب يستعمل في الحسن والقبيح.
قوله: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) أي اسم الفسوق.
قوله: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) .
الظن على أربعة أوجه:
مأمور به ومحظور ومندوب إليه، ومباح.
أما المأمور به: فحسن الظن بالله، وهو قوله ﵇: "إن
حسن الظن من الإيمان ".
وفي القرآن: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)
стр. 1017
والمحظور: ظن السوء، وهو قوله: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)
مقاتل: إنما يكون إثماً إذا تكلم بما ظنه، فإن لم يتكلم به فلا
يكون إثماً. والمندوب إليه: هو الحزم، قال ﵇: " الحزم سوء
الظن "
والمباح: قيل: ما يقع من الشك في القبلة والصوم والصلاة، فأمر
صاحبه بالبناء على غلبة الظن فيه، فلما انقسم هذا الانقسام قال الله سبحانه
(كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) ولم يقل اجتنبوا الظن مطلقاً، ثم قال (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) .
الغريب: قال الشيخ الإمام: يحتمل أن المعنى احترزوا من الكثير
ليحصل التحرز عن البعض.
قوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)
أي بل كرهتموه وعافته نفوسكم.
الغريب: كرهتم أكل لحمه ميتاً طبعا فاكرهوا غيبته عقلا، لأن داعي
العقل أولى بالاتباع من داعي الطبع، لأن داعي الطبع أعمى جاهل، وداعي
العقل بصير عالم وكلاهما في صفة الناصح.
العجيب: "الفاء" في "فَكَرِهْتُمُوهُ" متصل بمضمر هو جواب هذا
السؤال، لأن الجواب يقتضي أن يقال: لا، وقيل: معناه كرهتم أن يغتابوا
فلا تغتابوا، و "ميتاً" حال من الأخ.
الغريب: حال من اللحم.
قوله: (شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) .
الشعوب، جمع شَعب - بالفتح -، وعن الزبير بن بكار، قال:
стр. 1018
العرب على ست طبقات: شعب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ ثم
فصيلة، وكلها مشتق ومأخوذ من أعضاء وبدن الإنسان.
الغريب: الشعوب: بطون العجم، والقبائل: بطون العرب.
العجيب: الشعب أعظم من القبيلة والقبيلة، أعظم من العمارة.
والعمارة أعظم من البطن، وكذلك البطن والفخذ والفصيلة.
قوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
أي أرفعكم منزلة عنده أخوفكم. ومنه قوله ﵇: "الكرم التقوى".
قوله: (قُولُوا أَسْلَمْنَا) .
الإسلام على وجهين، أحدهما: شرعي، وهو بمعنى الإيمان.
والثاني: لغوي: بمعنى الاستسلام، وهو الانقياد والدخول في السلم.
وهو المراد في الآية.
قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ) أي ولم يدخل، وقيل: هو على
أصله، لأن لم للنفي ولما للنفي مع التوقع، أي ولم يدخل بعد.
قوله: (لَا يَأْلِتْكُمْ)
من أَلَتَ يَأْلِت إذا نقص. و (لَا يَلِتْكُمْ) من لاتَ يَلِيتُ بمعناه وقيل: لا يصرفكم.
الغريب: هو من ولت يلت، حكاه قطرب، وهو بمعنى صرفه، وفيه
لغات تذكر في الطور.
قوله: (أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) .
التعليم في الآية بمعنى الإعلام، فإن التعليم في الأصل إفادة العلم
على التدريج والمعالجة الشديدة.
стр. 1019
قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)
أي بأن أسلموا، وكذلك اللذان بعده.
قوله: (أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)
عبر عن الِإيمان بالإسلام، لأنهما واحد، ولو كانا غَيرَيين، ما كان للكلام وجه، والوصف بالإيمان عام لجميع أهل الكتب كاليهود والنصارى - والإسلام وصف خاص لأمة محمد ﵇، فصار كالاسم العلم لهم.
стр. 1020
سورة ق
قوله تعالى: (ق) .
ابن عباس: اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض، وخضرة
السماء منه، وقيل: اسم من أسماء الله، وقيل: القرآن. وقيل:
السورة، ولعلهم أرادوا أن القاف حرف من حروف هذه الأسماء وأن لا يدفعه سكون الفاء. وقيل: حرف من اسمه قادر وقاهر، كما قال:
قلنا لها قِفِي لنا قَالت قَاف. . . لا تَحسبي أنا نَسينا الإلحاف
وقيل: معناه قضى الأمر، كما قيل: في حم حم ما هو كائن.
العجيب: الماوردي: أراد قف يا محمد على أداء الرسالة والعمل
بالقُرَب.
(والقرآن المجيد) قسم، والمجيد، صفة القرآن، أي عظيم
الشأن.
الغريب: أكثر أي هذه السورة أواخرها موصوفة.