← Адаб

Адаб · id 12821

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء العراق جـ 1

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يرفّعهنَ الآل فَوْضى كأنما ... أغار على أطرافهنّ سَرُوق إذا حَثْحث الحادي بهنُّ أطَغنَهُ ... جوافل أدنى سيرهِنَّ عنيِق كأنّ توالي الظُّعْن والآل دونَها ... سَفِينٌ بمُسْتَنّ الفُراتِ غريق إذا أفلت شمس الأصيل بدت لنا ... شموسٌ لها فوق الحُدوج شُروق تسير بها الأظعانُ أَنّى تيمّمَتْ ... قواصدَ لا يشقى بهنّ رفيق أجيراننا إِنّ القلوبَ لديكمُ ... فهل للجُسوم نحوَكُنّ طريق لئن جمعتكم نيّةٌ يمنيّةٌ ... وفرّقكم وحش الفِجاج عميق فودّي على الأَيّام ما تعلمونه ... وعهدي على طول المَزار وثيق ولي عبراتٌ لا تضنّ بمائها ... تديّمُ في أجراعكم وتريق فإِن يروها دمعي وإِلاّ سقيتُها ... دماً ما له إلا الغرام مُريق يقولون بعض الصّبر عنهم ومنْ لنا ... بأنْ يتساوى مُوثَقٌ وطليق

стр. 107

ولكنَّ حُبّاً أنتمُ بَدءُ غرسه ... رَطيبٌ على مَحْل الزّمان وَرِيقُ ألم تعلمي يا ضرَّة البدرِ أنَّني ... جديرٌ بفعل الصّالحات خليق عفيف محاني الرّبوتين وما لنا ... سوى ذلك الستر الرقيق رفيق ينوب عن الوحي الكفاح وكأسنا ... دموعٌ ومشمولُ الرُّضاب رحيق إذا خفّت الأحلام وَقّرَ حَبْوَتي ... نِجارٌ وسيع الدّوَحتَيْنِ عريق تجاذِبُني طُرقَ العَلاء بهِمَّةٍ ... لها فوق مرسي النّيِّريْنِ سُموق ولكنَّ لي في باطن النّفس حاجةً ... تَنِمُّ عليها زفرةٌ وشهيق أُجمّع أسباب المعالي تعلُّلاً ... وأُعجِزُ في ألفاظها وأفوق وأَنظِم ما لا تنظم العرْبُ مثلَهُ ... وأَيّ لسان بالمُقال ذَليق ودخلت يوماً إليه ببغداد قبل نكبته بسنة، في صفر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، فأنشدني قصيدة عملها على وزن قصيدة مِهيار التي أولها: بكَر العارِضُ تحدوه النُّعامى ... فسُقِيتِ الغيث يا دار أَماما

стр. 108

وسألني أن أعمل قصيدة على وزنها ورويّها، وهي: أخلَفَ الغيثُ مواعيدَ الخُزامى ... فقفِ الأنضاءَ تستسقي الغَماما وخُذِ اليَمْنَةَ من أَعلى الحِمى ... تَلْقَ بالْغَوْر حَميماً وجِماما وأبحني ساعةً من عُمُري ... أملأ الدّار شَكاةً وسلاما أصف الأشواق في تلك الرُّبا ... وأعاطي التُّرْب سَوْفاً والتئاما فَلعلّي أنْ تداوي حُرَقي ... غفلة الغَيران أو أرضي النَّدامى أيُّ حلمٍ خفّ في حُبِّهمُ ... وعقولٍ رفضت فيه الملاما ودموعٍ كلّما كَفْكَفَها ... زاجرُ العَذْلِ أَبَت إِلاّ انسجاما يا وُلاة الغَدْر ما دِينُكُمُ ... أحرامٌ فيه أن تقضوا ذِماما قد رضينا إنْ رضيتم بالأذى ... وعزيزٌ بعزيزٍ أن يُضاما خَطَرتْ لي يا زميلي سَحَراً ... نسمةٌ أحسبها ريح أُماما خطرت والعينُ تقري طيفَها ... والكرى يمزجُ للرَّكْب المُداما ومنها:

стр. 109

فارجع الطَرْفَ وقل لي في خَفَا ... أهِضاباً ما تراها أم خِياما ما صنيعي بِمَهاةٍ كُلمَّا ... زوَّدَتْني رشفة زدت أُواما أهُيامٌ أم لَظَى في كبِدي ... لفحت حتى انثنى الظَّلمُ ضِرام ليس إِلا فرط وجدي بهمُ ... ظَعَنَ العاذل عنّي أم أقاما أنا من أسْرِ الهَوى في رِبقَةٍ ... حكمت للحرّ فيها أن يساما وطني حيث أناخَتْ عيسُكم ... ومقامي حيثما اخترتم مقاما كل خِلٍ يجتني لذَّتهُ ... وأنا الجاني أراكا وبَشاما أَنِسَتْ بي وحش أَوطانكُمُ ... فرعى اللهُ ظباءً ونَعاما كلَما آنسَ قلبي وحشةً ... ملأت سمعي رُغاءُ وبُغاما وأبيتُمْ ليَ إِلاّ نفرةً ... وأبى حبْلَكُمُ إلا انصراما يا زماني ولكم أَدعو به ... ومن الضِّلَّة أن أدعو الرِّماما

стр. 110

لست عندي بالّذي أَعتِبُه ... كيف عتبي زَمَناً يأبى الكِراما أنا حِرزٌ لك من ذمِّ الورى ... فأتِ ما شئِت حلالاً وحراما لو بغيري حمَلت أيّامهُ ... لَتَمنّت أنها أمست عُقاما أطمعَ الدَّهرَ بنوه إِذْ رأوا ... أكْبَرَ النِّعْمة ظِّلاً وحُطاما فأقرّوه على غفلته ... أخملَ الأبرار أمْ أعلى اللئاما كلُّ شخصٍ تقتضيه دولةٌ ... ترفع النّفسَ وتستَدْعي التّماما وهو لا ينفكُّ حرباً لامرئٍ ... يطلب الذِّروةَ منه والسَّناما أنا مَن قد رَضيَ النَّاسُ وقد ... أتعبَ النّفسَ فتى أرضى الأَناما لا أسوم الدّهرَ إِلاّ صالحاً ... يشتكي الدّهر ولا أشكو الأَثاما كلّما قرَب منّي مُعرضاً ... لم يَزِدْه شَرَفي إِلاّ احتكاما فهو لا يسألني إِلا الرّضى ... ولغيري شَدّ ما أعطى زماما فعملت قصيدة، أولها: خطرتْ تحمل من سَلْمى سلاما ... فانثنى يشكر إِنعاما النُّعامى مُغرمٌ هاجت جواه نَسْمةٌ ... يا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما نفحةٌ أذكَت بقلبي لَفْحةً ... كلمَّا هبّت له زادتْ ضِراما

стр. 111

عاتبت سلمى سُحَيْراً أم ترى ... غازلت بالرّوض أَنفاس الخُزامى يا لأوطارِي فقد أنشرها ... نشرها من بعد ما كانت رِماما ذكَرت ريحُ الصّبا رَوْح الصِّبا ... وزماناً كنتُ بل كانَ غلاما ونَديماً ليَ لم أندَمْ به ... يا رعاه الله من بين النّدامى ألْهمَ الدَّوْحَ التّثنِّي بثّه ... شَجْوَهُ بل علّم النَّوْحَ الحَماما قال ما أطيبَ أَيّامَ الصِّبا ... قلت ما أَطيَبَهُ لو كان داما كان وعداً بالأماني مُزْنَهُ ... كلَّما استسقيتُهُ عاد جَهاما وهضيم الكَشْحِ في حبِّي له ... لم يَزدْني كاشحي إِلاّ اهتضاما كَرُمَ العاشِقُ منه مثلَما ... لؤُمَ العاذِلُ فيه حين لاما بقَوامٍ علّم الهزّ القنا ... ولِحاظٍ تُودِعُ السُّكرَ المُداما أتراه إِذْ تثنَّى ورنا ... سمهريّاً هزّ أَمْ سَلّ حُساما

стр. 112

خدّه يجرحه لحظ الورى ... فلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما ويريك الخطّ منه دائراً ... هالةَ البدر إذا حطَّ اللّثاما وكثيب الرَّمل قد أخجله ... وقضيب البان رِدفاً وقَواما أنا منه ومن العُذّال في ... نَصَبٍ أشكو مَلالا وملاما لم تكن تلك وقد لاحَظْنَني ... لحظاتٍ إنّما كانت سهاما تركت في غَمَراتِ مُهْجَتي ... غمرات ملكت منها الزِّماما مهجة أَرخصَها سَوْمُ الهوى ... وتسامى عزّةً من أنْ تساما ومقامي بعد توديعهِمُ ... بالحِمى ما خِلتُهُ إلا حِماما عَدِمَ الإِصباح ليلي بعدَكُمْ ... أسفروا لي مرّةً تجلو الظّلاما بِتّ عن طيفِكُمُ مُستخبِراً ... من غرامي بكُمُ من كان ناما وغرامي رُمْتُ أن أكتمه ... فأبى الدّمعُ لأَسراري اكتتاما ولماذا ظمِئتْ نحوَكُمُ ... مقلةٌ إنسانُها في الدّمع عاما يا رفيقيَّ ارفقا بي فالهوى ... عُنْفُهُ يكفي المحِبَّ المُستهاما

стр. 113

أنْجِداني فبنجْدٍ أَرَبي ... حين غيري شام بالغَوْر الشَّآما وانشُرا عنديّ أخبار الحِمى ... فبأَخبار الحِمى قلبيَ هاما ناظري من دمعتي في شُغُلٍ ... فانظُرا عنّيَ هاتيك الخِياما سار قلبي يوم ساروا وانْثَنَوْا ... نحوَ نجدٍ وأقاموا فأقاما عَلِّلاني بأحاديثهِمُ ... فأحاديثهُمُ تَشفي الأُواما هذهِ أَطلالُهُم تشكو الظَّما ... فدعا الأدمُعَ تنهلَ انسجاما وقِفا نستَسقِ جَدْوَى ظَفَرٍ ... فهو من بَخَّلَ بالجود الغَماما ومنها: فهو الغيثُ إذا بَثَّ اللُّها ... وهو اللّيْث إذا فَلَّ اللُّهاما لم يزِدْ أَعداءه يومَ الوَغى ... والقنا إِلا انحطاطاً وانحِطاما إجتلَى من مَشرِق المجدِ السَّنا ... وامتطى من بازِل المُلْك السّناما وأَضاءَتْ بِسَنا سُنّتِهِ ... ظُلَمُ الظّلم لأيّام الأيامى أَوْلَدَتْ أنعُمُهُ عُقْمَ المُنى ... وشفى من يأسِنا الدّاءَ العُقاما كرمٌ يُحيي وبأسٌ مهلِكٌ ... وهما ما صَحِبا إِلاّ هُماما

стр. 114

ومنها: أنت عذْرُ الدَّهْر يا واحدَهُ ... ولقد أعظم لولاه اجتراما ببنيه ملكاً أو سُوقةً ... ملأ الأرضَ طغاةً وطَغاما ليس بِدْعاً سَقَمي من صِحَتي ... القنا حُطِّم من حيث استقاما وإذا المرءُ تشكّى خطّةً ... كانت الصِحّة للنّفس سَقاما ومنها: صُغتها منظومةً في مدحِكُمْ ... فتَلاها الدُّرُّ فَذَّاً وتُؤاما جمعت لفظاً ومعنىً شائقاً ... بَعُدا في الحُسن مرمىً ومراما هِيَ راحٌ كيف حَلّتْ عَجَباً ... وهي سِحرٌ كيف ما كانت حراما فاغتنمها إنّما أوفى الورى ... مَنْ يَرى من مِثْليَ الحمدَ اغتناما ونظم ابن الخُراساني أيضاً على وزنها وجماعة من الشّعراء اقْتُرِح ذلك

стр. 115

عليهم ولم يبلغ أحد منا شأو مهيار في بيتي قصيدته اللذين هما في رقة الصبا ورونق الصبا، وهما: حَمِّلوا ريح الصبّا نَشْرَكُمُ ... قبلَ أنْ تحملَ شِيحاً وثُماما وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذِنْتم لجُفُوني أن تناما ولمهيار: أروض الوادي أم أبيض الغسق؟ ولشرف الدين بن الوزير ابن هبيرة على وزنها: أَسلمني إلى الغَرام والأرَقْ ... طيفٌ متى شاء على النّأي طرقْ يخبِطُ جَفْني بأباطيل المُنى ... ويَسْحَر العين ببشرٍ ومَلَقْ ما وردتْ أحلامه من مُقلتي ... فصَدَرت إِلاّ برِيِّ وشَرَقْ ولا انثنت عن كبِدي ركابُهُ ... بخبرٍ إلا الزّفير والقلق ضمانة من حبّ ليلى عَلِقت ... بمهجة خاليةٍ من العَلَق

стр. 116

أحسبها ثاويةً قد تَخِذَت ... في كلّ شِعْبٍ من هوى النّفس نفقْ إليك يا خِلْوَ الهوى عن عَذَلي ... ما وَجْدُ سالٍ عنْهُمُ كمن عشِق دعانيَ الحبُّ فمِلْتُ معه ... وذو الغرام مصحب فمنطلق يا راكب اللّيل على ناجِيةٍ ... قد خلطت وَخْدَ الذمِّيل بالعَنَق يَؤُمّ نَجْداً والعَقيقُ همُّهُ ... مُسترشداً ينفض أخلاق الطرق عرج على بانات سلع فبها ... ما شئت من مُصطَبحٍ ومُغْتبقْ دارٌ لليلى روّضتْ بقربها ... تلك البِطاح واكتست ذاك العَبَقْ فابلغ سلامي إن وجدتَ أذناً ... واعيةً أو عطفَةً ممّن أبق

стр. 117

آهٍ لسُقْمٍ كلِفَ الآسي به ... وولعٍ حَمّلني ما لم أطِقْ وجسدٍ أنْحَلَه ذكرهُمُ ... ومضجع ينبو إذا النّجمُ خَفَق يا جُلَساءَ الوَصْلِ هل دَوْحُ الحِمى ... كعهدنا ريّان مُخضرّ الورق وهل مجاري ذلك الشِّعْب عَفَتْ ... آثارُها أم روّضت تلك الطّرق وهل ظباؤكن في أرجائه ... تشب فيه مرحاً وتستبق هَيْهات ما تسأل إِلاّ زفرةً ... جائلةً بين الضّلوع والحدق سَقْياً للأيّامٍ أَطعْنَ أَمَلي ... حتّى علِقتُ من زماني بِسَبَق وليلة ما فطّن الواشي بها ... شهدِتُ وصل صُبْحها قبل الشَّفق وخَلَوات بين هاتيك الرُّبا ... وقُبلة أصبْتُها على فرق تسألني لمياء ماذا غرست ... أَشواقُها في كبدي من الحُرق

стр. 118

أيُّ قلوبٍ لم تُقطّع أسفاً ... لبعدكم وأَي دمعٍ لم يُرَقْ ما لي وللدّهر أَعنْ رَويّةٍ ... يجحدني فضْليَ أم ذاك خُلُقْ يا للزّمان كيف ضاع نَقْدُه ... لأهله من جاهلٍ أو مُستَحق وكيف أمستْ فُرُطات صَرْفِهِ ... إلى أولي الفضل دِراكاً تستبق عارٌ عليك يا زمانُ ما أرى ... ذا العلم عارٍ والجهول مُنتَطِق ما شرُفتْ نفس امرئٍ بأدبٍ ... إلا وعُدّ فيك من إحدى السُّوَق ويحَ الرّجال رفِعت آدابهم ... فالفضل فرعٌ عندهم على الحمُق واستحوذَ الجهلُ على قلوبهمْ ... حتّى لقد صار البغيض من نطَق وعاد مَن كان يُعدّ عالماً ... يبيع في سوق الكساد ما نَفَق صبراً على عتب اللّيالي إنّها ... ما أصْحبت مَجبولةٌ على الخرَق الأكرم أبو العباس السديد بن عبد الواحد بن محمد ابن هبيرة حكي: أن شرف الدين أبا البدر ابن الوزير عون الدين نظر إلى القمر في بعض

стр. 119

الليالي، وهو يدخل تحت السحاب تارة وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليأخذ كل منكم في هذا المعنى شعراً. فقال الأديب مفلح: كأنْما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا خريدةٌ من بني هلالٍ ... لاثَتْ على وجهها نِقابا وقال شرف الدين: إذا تطلّع بدرُ التّمِّ من فُرَجٍ ... بين السَّحاب وغارَتْ حولَهُ الشُّهُبُ تخاله من رثيثٍ في مُلاءَته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب وقال الأكرم: فكأنّ هذا البدر حيث تُظلّه ... سحبٌ فيخفى تارةً ويؤوبُ حسناءُ تبدو من خِلالِ سُجوفها ... طوراً فتنظر نحوها فتغيبُ الأجل فخر الدين أبو جعفر مكي بن محمد بن هبيرة أخو الوزير عون الدين توفي في زمان أخيه. أنشدت له قوله يرثي أخاه أبا الفرج:

стр. 120

أما عن سبيلٍ للمنيّةِ مَذْهَبُ ... ولا عن طِلاب الموت ويحكَ مَهْرَبُ فكن مستعِدّاً للمَنُون فإِنّها ... إذا هجمت طاش الشُّجاع المُجَرِّبُ تفكّرتُ في الدّنيا فلم أر لذّةً ... تدوم ولا مستحسَناً ليس يُسلبُ ولا آملاً إِلاّ ويرجع خائباً ... ولا سالماً في النّاس إلاّ ويعْطَبُ تُرى فجعت مثلي خليلاً وصاحباً ... وقرّة عينٍ كان يُرجى ويُرهب ومنها: أبا الفرج المسلوب من كلِّ ناظرٍ ... تعتِّبتَ عَن هَجْري وما كنتَ تعتِب عجبتُ لمن خلّفت كيف قراره ... وإنَّ بقائي بعد موتك أعجب فيا ابن الهُبَيْريّ الّذي ليس دونه ... أرى اليوم خّلاً في البَرِيَّة يصحَبُ لئن غبت عن عينيَّ في التُّربِ قسوةً ... وكلُّ نفيس في التُّراب يغيِّبُ فها كبِدي حرَّى تذوبُ ومهجتي ... تبيت على جمر الأَسى تنقلّبُ فلا لذّ لي من بعد موتكَ مطْعَمٌ ... ولا طاب لي من بعد فقدك مَشْرَبُ

стр. 121

أمين الدولة أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا كاتب الإنشاء بدار الخلافة. كتب لثلاثة من الخلفاء: القائم والمقتدي، والمستظهر ﵃ خمساً وستين سنة. وكان ابتداء خدمته لدار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وتوفي ثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين بعد أن أضر، وكان يملي على ابن أخته الأجل أبي نصر، ولم يبطل إلى أن مات. وكان نصرانياً فأسلم في أيام المقتدي على يده ووزارة أبي شجاع، ولم يزل موقراً موفور الخدمة، ينوب عن الوزارة المقتدية والمستظهرية،

стр. 122

حتى قال عميد الدولة للمستظهر عنه وابن أخته: هما يمينا الدولة وأميناها. وكان لا يُبرم دونهما أمر. وكان كثير الصدقة والصلة، ذكر عنه أنه فرق في يوم من أيام الغلاء ثلاثين ألف رطل خبزاً. كان بليغ الإنشاء سديد الآراء؛ رسائله تعبر عن غزارة فضله، ووفور علمه، وكان نثره أحسن من نظمه، لتمرنه عليه، وانقطاعه إليه. على أن له مقطعات مستعذبة أراها أحلى من الأرْي، وأزين من الحلي، وهي في أسلوب شعر الكتاب بعيدة من التكلف في الصنعة، أرق معنى من الدمعة، وأعذب لفظاً من كلمة كريم مستبشر الطلعة. فمن تلك القطع الموشية، المؤنسة غير الوحشية قوله: يا هِنْدُ رقّي لفتىً مُدنَفٍ ... يحسن فيه طَلَبُ الأَجرِ يرعى نجوم اللّيل حتّى يرى ... حلّ عُراها بيدِ الفجرِ ضاق نطاق الصّبر عن قلبه ... عند اتّساع الخَرق في الهَجْرِ قد راقتني هذه الأبيات لرقّتها، وحلاوة الاستعارة في معناها مع دقتها، ولقد ساعده التوفيق، في هذا التطبيق، وما كل شاعر يخلص من هذا المضيق، هكذا شعر الكتاب يجمع إلى اللطافة طرافة، وإلى الحلاوة طلاوة.

стр. 123

وله أيضاً: وكأسٍ كساها الحسن ثوبَ مَلاحةٍ ... فحازت ضِياءً مشرقاً يشبه الشمْسا أضاءت على كفّ المُدير وما درى ... وقد دجت الظّلماءُ أصبح أَو أمسى وله: أقول للائمي في حُبِّ ليلى ... وقد ساوى نهارٌ منك ليلا أَقِلَّ فما أقلّتْ قطُّ أرضٌ ... مُحبّاً جرّ في الهِجران ذَيْلا ولو ممّن أحبُّ مَلأت عيناً ... لكنت إلى هواه أشدّ ميلا وله في المستظهر بالله: يا حبّذا ظبيٌ نشا ... يضمنه هذا الرَّشا ظبيٌ شعاع نوره ... أَهدى إلى العين العَشا تمايلتْ أعطافه ... من غير سكرٍ فانتشى لمّا ارتوى من حسنه ... زاد القلوبَ عطشا تمايلتْ أعطافه ... من غير سكرٍ فانتشى لمّا ارتوى من حسنه ... زاد القلوبَ عطشا فإِنْ لوى عنانه ... إلى النَّوَى وأَوَحشا وشاء أنْ يغدر بي ... لقول نمّامٍ وشى لُذْتُ بظلّ مالكٍ ... رُقى المّعالي مذ نّشا مُستظْهِرٍ بالله دا ... مَ مُنعِماً ومُنعِشا وعاش ما عاقب ضَؤْ ... ء الصُّبح ظلماء العِشا

стр. 124

يأخذ لي بالثّار من ... عُدْوانهِ كما يشا وأنشدني الشيخ الإمام الأفضل عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن المُوصَلايا لنفسه: يا خليليّ خلّياني ووجدي ... فملام العَذول ما ليس يُجْدي ودعاني فقد دعاني إلى الحك ... م غَريم الغَرام للدّين عندي فعساه يرِقُّ إذ ملك الرقّ ... بنقدٍ من وصَلْه أَو بوعد ثمّ من ذا يُجيرُ منه إذا جا ... رَ ومن ذا على تَعدّيه يعدي أنا أستحلي هذا النوع من التجنيس وأستعذبه، ويحسبه زلال الماء قلبي في الرقة والصفاء فيشربه ويتشربه. وأنشدني الشيخ أبو منصور بن أحمد الجواليقي، ولي منه إجازة، قال: أنشدنا العلاء بن الحسن بن وهب الكاتب لنفسه:

стр. 125

أحنّ إلى روض التصابي وأرتاحُ ... وأمْتَحُ من حَوْض التّصافي وأمتاحُ وأشتاق رِيماً كلّما رُمْتُ صَيده ... تَصُدُّ يدي عنه سيوفٌ وأرماح غزالٌ إذا ما لاح أو فاح نَشْرُه ... تعذَّبُ أرواحٌ وتعذُبُ أرواح بنفسي وإن عَزّتْ وأهلي أهلّة ... لها غُرَرٌ في الحسن تبدو وأَوضاح فتتّضحُ الأعذار فيهم إذا بَدوا ... وتفتضِح اللاحون فيهم إذا لاحوا وكرخيَّةِ عَذْراء يُعْذِر حبُّها ... ومن زندِها في الدّهر تقدح أقداح إذا جُليت في الكأس والليلُ ما انجلى ... تقابل إصباح لديك ومِصباح يطوف بها ساقٍ لسُوق جمالهِ ... نَفاق لإِفساد الهوى فيه إصلاح به عُجْمَةٌ في اللفظ تُغري بوصله ... وإن كان منه بالقطيعة إفصاح وغُرَّتُهُ صبحٌ وطُرَّته دُجىً ... ومبسِمُه دُرٌّ وريقته راح أباح دمي مذ بُحْتُ في الحبّ باسمه ... وبالشّجْو من قبلي المحبّون قد باحوا وأوعدني بالسُّوء ظُلماً ولم يكن ... لإِشكال ما يفضي إلى الضّيم إيضاح

стр. 126

وكيف أخاف الضّيمَ أو احذر الرّدى ... وعوني على الأيّام أَبْلَجُ وضّاح وظلّ نظام الملك للكَسر جابرٌ ... وللضُّرّ منّاعٌ وللنّفع مَنّاح وله، نقلته من مجموع: وإنّي لصَبٌّ بالصِّبا مُذْ غدا لها ... هبوبٌ بهاتيك الخِيام تَجول ومن عجبٍ أنْ أَبتغي من نسيمها ... شِفاء عليلٍ والنّسيم عليلُ وقرأت في كتاب الذيل لابن الهمذاني المؤرخ، أنه عمل قصيدة في نظام الملك، وأنفذها على يد الشيخ الإمام فخر العلماء أبي بكر بن فورك الشافعي ﵁ إلى المعسكر بتبريز، فمثل بين يدي نظام الملك، وقال: إن كاتب الإمام قد أصحبني عروساً آثر أن تُجلى بهذا المجلس

стр. 127

السامي، فأنشدها منشد هناك بمحضر من الأئمة والزُّهاد والأدباء والكتاب، فما فيهم إلا من طرب، وكتب بعضهم إليه متمثلاً بهذا البيت: وتقسم النّاسُ المسرَةَ بينهم ... قسماً فكان أجلّهم حظّاً أنا والقصيدة هي هذه: أثِرْها في أزمّتها تَهادى ... وغادِ بها الثنايا والوهادا وأنْجدها إذا ضَعُفَتْ بعزم ... يُذِلُّ لها التهائِمَ والنّجادا عساها أن تبلّغ بي محلاّ ... عهدتُ به مع المحلِ العهادا وَتُنزلني على نصبي بربع ... يوّطئ لي النّدى فيه المهادا وتعلقني من الأنجاد إِمّا ... حللتُ بهم جميعاً أو فرادى بأثقلهم إذا وزنوا حصاةً ... وأثقبهم إذا قدحوا زنادا وأسرعهم إلى العليا جواباً ... وأَسبقهم إلى النُّعمى جوادا وأصنعهم لمتبع مُراداً ... وأمرعهم لمنتجع مَرادا وأخشنهم على الأعداء مسّاً ... وألينهم لذي طلب قِيادا وأضفاهم على اللهوفِ ظِلاً ... وأَوفاهم من المعروف زادا هنالك لن ترى المقصود إلا ... غياث الدولة الملكَ الجوادا

стр. 128

أغرُّ إذا اجتبي لبناء مجد ... على فلك العلى أَرسى وشادا وإنْ أمَّ العُفاة ذَراهُ لَبَّى ... نَداهُ نِداهمُ عفواً وجادا ومدَّ إلى مطالب سائليه ... يداً ألِفت إلى الكرم امتدادا وردَّ مقاصدَ الآمالِ بيضَا ... وقد لبست على الجود الحدادا تخيَّر ذِروة العليا محلاّ ... وطيبَ الذكر في الدُّنيا عَتادا وصيَّر ما حوتْ كفاه نهباً ... لوفد الحمد قصداً واعتمادا ولم تترُك مكارمه عليه ... طريفاً في يديه ولا تِلادا ولما أن تفرَّد بالمعالي ... وأدرك من مداها من أَرادا وأمطى كاهل الباغي نَداه ... من الإِحسان ما أَعيا وَآدا أفادَ معالِمَ الحمد انتظاماً ... وزادَ غنائمَ المجد انتضادا وحرّم أن ترى الأيام فيها ... لغير نظام علياه اطّرادا وقاوَمَ صولة العدوان عَدلٌ ... أقامَ به من الحقِّ العمادا وخصَّ مواقف التقوى بفعل ... أمات الغيّ واستحيا الرشادا نَحا فيه صلاحاً لم تُخالط ... مشارِبهُ قذى ومحا فسادا أيا من لم يَفدْ أحد عليه ... بحسن رجائه إلا أفادا ويا من كلما ازدحمت عليه ... مطايا الخائفين حمى وذادا ويا من كلما شكت الليالي ... إليه الجدبَ والسنةَ الجمادا

стр. 129

أمال إلى بني الآمال عِطفاً ... إذا أبدا لمكرمة أعادا وخلّى الجودَ يخلو بالأماني ... يحكِّمها ويعطيها المرادا أجِلْ طرفَ انقيادك في محبّ ... إذا كدر الهوى أصفى الودادا رأى طيّ الضلوع على ولاء ... لمجدك لم يجد فيه ازديادا وغالى فيه إذ أرخصت فيه ... نوالاً منك راوَحَه وغادى ووافى نشرَ أنعمكم لديه ... وَوالى في محبتكم وَعادى وآلى لا انثنى يهدي إليكم ... ثناء ما ارتوى فلم مِدادا وأصدق في الوفا قولاً وفعلا ... وأَوثق فيه عقداً واعتقادا ومنها: ولو لم أبدِ ما أشكو إليه ... لفاتحني بأنعمه وبادا فعش ما غردت في الأيك ورق ... وماء ما جرى في العود عادا فِدى لك من ببذل العِرض منه ... عن المال المصون لديه فادى

стр. 130

وكلُّ يدٍ لواهي العقد ضمّت ... على بخل أنامله الجِعادا فما يُثنى عليه إذنْ بخير ... ولا يَثني لمكرمة وسادا ولم يَرِ زنده في الرشد يوماً ... ولم يَرَ في مقاصده سدادا ولا عدِمت أوامرُكم نَفاذاً ... ولا عرفت عوارفكم نفادا تاج الرؤساء أبو نصر ابن أخت ابن الموصلايا وهو هبة الله ابن صاحب الخبر، الحسن بن علي. رباه خاله، وكتب بين يديه في ديوان الإنشاء في الأيام القائمية والمقتدية والمستظهرية. أسلم مع خاله على يد الإمام المقتدي. وكان لما أضرّ خاله، يكتب عنه ما جرت به العادة من الإنهاءات، فلما توفي خاله، رد ديوان الإنشاء إليه في الأيام المتسظهرية. وخرج في الرسالة إلى السلاطين مراراً وعاد من الرسالة إلى بركيارق - بعد موته - إلى بغداد. وتوفي حادي عشر جمادى

стр. 131

الأولى، سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، وله سبعون سنة. وبين موته وموت خاله سنة إلا عشرة أيام. وكان لا يقاربه أحد في الإنشاء والعبارة. ولم يكتب كتاباً قطّ فرجع فيه إلى مبيضة. وجدت من شعره في الألغاز مقطعات مستحسنة، فمنها قوله: ومنكوح إذا ملَكته كفّ ... وليس يكون في هذا مراء له عين تجللها ضياء ... فإِن كحلت فبالميل العماءُ يظلُّ طليقه للوصل هَوْناً ... وللحاشي بزورته احتماء وقد أوضحتُهُ وأبنتُ عنه ... ففسّرهُ فقد بَرح الخفاء هذا اللغز في الخاتم. وقوله: ومَيتة فيها حَراك إذا ... قامت على منبرها خاطبهْ ساعية في غير منفوعِها ... فهي إذن عاملة ناصبهْ إن وُطئت تحملُ من وَقتها ... حتى ترى مجذوبة جاذبهْ تَعرى من اللبس وفي جيدها ... قلائد تُلفى بها كاسبهْ تمدُّ غرثاها بريّ إذا ... أَضحت بروق للحيا كاذبةْ هذه دالية الماء، وما دامت ملقاة فهي كالميتة. فإذا قامت على حائطها الذي شبهه بالمنبر، صارت ذات حركة، وهي ساعية في نفع غيرها. وإذا وطئت بالأرجل، تحمل من

стр. 132

وقتها، أو تحمل من يطؤها. وقلائدها الحبال التي كفّتها بها معلقة. وغرثاها: جياعها، أي النّبات. ولو تهيأ له أن يقول عطاشها لكان أحسن. على أنّ الشعر جيد السبك، حسن الاستعارة، مليح العبارة، صائب المعنى. الأجل أبو الحسن ابن رضوان كان يلقب بنظام الدورة. كان كاتباً في ديوان الإنشاء في الدولة المستظهرية بعد نسيب ابن الموصلايا، وعاش إلى قريب من آخر أيامها. قرأت له في الكتاب الذي ألفه الشيخ أبو المعالي الكتبي في الألغاز هذه الأبيات في اللغز: وقائلةٍ هلمَّ بغير لفظ ... ولا لغة تبين من اللغات ترى عذباتها يَخفقنَ حيناً ... كما خفق اللواء على القناة محلّتها سواد القلب ترعى ... جناباً منه ليس بذي نبات هي النار، ومن عادة العرب أن توقدها ليلاً للضيف والضال، فكأنها تقول: هلم بلسان الحال. وخفق عذباتها: لهبها. وقوله: محلتها سواد القلب؛ لأن القلب معدن نار الهوى، ومنبع الحرارة من البدن أيضاً. وليس بين صفات هذا اللغز تناسب، لأن

стр. 133

بين نار القِرى ونار القلب بوناً بعيداً، فقد أخطأ فيه. ويجوز أن يكون قد ألغز كل واحدة من النارين، فإنه كما تدعو نار القرى الضيف تدعو نار الهوى النفس، لكن بالبيت الثاني أبعد، فليس لنار الهوى لهب تشبه عذباتها بخوافق الألوية. تاج الرؤساء ابن الأَصباغي الكاتب كتب بديوان الزمام في بعض الأيام المستظهرية، وناب عن ديوان الزمام في أيام المقتدي. وله تصنيف في علم الكتابة. وجماعة الحساب وكتاب العراق يكتبون الحساب على طريقته. وأسلم في صفر سنة أربع وثمانين وأربع مئة قبل إسلام ابني الموصلايا بيوم حيث خرج التوقيع الشريف بإلزام أهل الذمة

стр. 134

الغيار، وكان من بركات ذلك إسلامهم. أنشدني الشيخ الإمام عبد الرحيم بن الأخوة الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن الأصباغي الكاتب لنفسه: عقرتهم معقورَةٌ لو سالمتْ ... شرّابها ما سُميتْ بعُقار ذكرت طوائلها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار لانت لهم حتى انتشوا وتمكنتْ ... منهم فصاحت فيهمُ بالثار وله في اللغز: مقامر مذ كان لم يُقمَر ... كأنما يعلب بالسُدّر يعشَقُه الناس على جورِه ... والجور ممقوت على الأكثر شبابه المرموق في شيبه ... وشيبه مذ كان لم يخطر يدلُّ في البيع ولكنّه ... يميل أحياناً مع المشتري حديثُه مع أنه صامت ... يَهيج مِن شِقشِقة السمَّر هو القمر، وإنما قال مقامر لأنه رأى اسمه فعلاً، وهو قمر دائماً ولا يكون مقموراً. ولعب السدر معروف عند المقامرين، وهو معشوق الناس. وجوره: علوه عن

стр. 135

منالهم. وشبابه: إبداره. وشيبه: نقصانه. والمنجّمون يذكرون أنّ له ميلاً مع المشتري. وحديثه: طلوعه ودوام ضوئه. والسمر: جمع سامر. وله في اللغز أيضاً: ما حائم في كلام العُجم والعَربِ ... وما له في ورُودِ الماء من أَرَب مَجْدولُ طيّ الحشا يهتزُّ من هَيَفٍ ... ومن نُحولٍ ومن شُربٍ ومن طرب يبكي فيذري دموعاً ماؤها سَرِبٌ ... في السُّكْر لا من جوى بادٍ ولا حَرَب إذا انتدى وابتدا بالشُّرب بادَرَه ... في آخر الدْور ذَرْعُ القيء والذَّرَب تسري به اللّيلَ والإِصباحَ يعملةٌ ... ذَفُوفَة السّير في نقلٍ وفي خبب تجري مع الرّيح لا تشكو الكَلالَ ولا ... تحيص عن صوبها حَيْصَ الوجِي اللغِب هذا وراكبُها يعتاقُ نهضته ... تقاعس بني عَقد الرّأس والذَّنَب فما يجوز بسمعي قدُّ قامته ... طولاً ولا عُرُضاً في الميل والنكب إذا امتطى عَنْسه جدَّ النّشاط به ... وإن تَرجَّل عنها باءَ بالعَطب ينقضُّ عنه إذا ما انقضّ منصلتاً ... في السّير مثل رجوم الجِنّ بالشُّهُب

стр. 136

يناضل الغيث من جودٍ ومن كرمٍ ... حتّى يكادَ يرُدُّ الماء في السُّحُب وقد تركت له وصفاً تجيبَ به ... والخِلّ يغني أخاه النَّدْب عن تعب هذا اللُّغز في دولاب الماء. والحائم: العطشان يطلب الماء وقوله: انتدى وابتدا من التجنيس المصحف. وقوله: بادره في آخر الدّورِ ذَرْع القيْ. في نهاية حُسن الاستعارة، والعبارة كناية عن صّب الماء الذي ملأ كوزَه منه. واليعملة: هي الماء الّذي تدريه. والذفوفة: السريعة. والخبب: ضرب من السّير. والحَيص: الميل وطلب الهرب. وقوله: راكبها، الهاء راجعة إلى اليعملة. والراكب: الدولاب. والعنس: الناقة، وهي هاهنا الماء. وإذا امتطاه جد به نشاط الحركة؛ وإن نزل عنه الماء عطب. والمنصلت: العاري. وقوله: يناضل الغيث، أي يراميه ونضاله: صب الماء. فأجاب بعض أصدقائه: جاءت صفاتُك تَبغي كشف مُضمرها ... يا واحدَ الدّهر فَرْدَ العلم والأَدبِ حلّيتَه أدهماً لِلّيل صبغته ... أَقبَّ نَهْداً عجيب النقل والخَبب كأنّه إذ جرى في شَوطه عَنَقاً ... إيّاه والفَلك الدّوار في قُطب

стр. 137

تراه يهوي إذا جَدّ المسير به ... يظَلُّ في صَعَدٍ طَوْراً وفي صَبَب يقول طارَ ولا غَرْوٌ وجُملته ... ترى جناحاً بلا ريشٍ ولا زغَبِ مُسخرَّاً في طريقٍ لا انقضاءَ له ... لا يشتكي من وجَىً فيه ولا تعَبِ يسقي وللغير جَدْواه ومسكبُه ... فيا له أبداً من عاملٍ نصِب إن أَنْ أبدى سُروراً قلبُ صاحبه ... وإن بكى قرّت العينان من طرب قال صديقنا أبو المعالي الكتبيّ في كتاب الألغاز: هذه الأبيات أجود سبكاً، وأسلس حوكاً. وقوله: مسخراً في طريق لا انقضاء له، مأخوذ من قولهم: سير السواني لا ينقطع. والسواني: هي الدالية. وفي دعاء بعض الحكماء: اللهم! ارفعني إليك بخط مستقيم؛ فإن المستديرَ لا طرفَ له.

стр. 138

أبو طاهر ابن الأصباغي أخو تاج الرؤساء أبي غالب كان يخدم عفيفَا القائمي، وانصرف عن خدمته، فبلغه أنه تهدده، وكان عفيف قد بنى داراً وأنفق على سقفها في التذهيب أكثر من خمسة آلاف دينار، فعمل هذه الأبيات. وذكر ابن الهمذاني في تأريخه أنه عملها تاج الرؤساء أبو غالب فيه: تنوّق وزوّق واذهب السّقف والعُمرا ... فإِن تمّ فاكتب تحت زُنَّاره سطرا علوٌّ وإقبال ومجد مؤثَّلٌ ... لصاحبه حقُاً ومالكهِ الدَّهْرا لمن عنده في الدّار وجه مقدَر ... على مثل هذا الوجه والأوجه الأخرى وهذا دعاء أنت منه مُبرّأ ... وكان أمير المؤمنين به أحرى فتطير منها عفيف، ومات بعد شهر، وأخذ المقتدي السقف، فكأن الله أنطق ما في الغيب على لسانه. الأجل سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري، منشئ ديوان الخلافة، من

стр. 139

بيت السؤدد والكرم والفضل، وهو شيخ الدولة، كتب لخمسة من الخلفاء، وتوفي في الأيام الزاهرة المستنجدية سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وولي ولده مكانه. وكان ﵀ غزير الفضل، رائق الخط واللفظ، ولمكان فضله لم يخل ديوان من شعر أهل العصر من مدحه، لا سيما الغزي، والأرجاني. ولو جمع ما فيه من شعر الأرجاني، لكان ديواناً بنفسه. فاضل مفضال، ومنشئ منشئ بالحقيقة لأبكار الأفكار، عارف بنقد الشعر وجهابذته، فكل ما زيف على محك انتقاده، أذن الدهر بكساده. وكل إبريز خلص على سبكه، ولم يبهرج على محكه، وأجازه صيرفي نقده، ولم يصمه برده، نفق وراج، وصار درة على كل تاج.

стр. 140

وترددت إليه ببغداد، وما كان يتعاطى الشعر تغنياً عنه، وكنت أهابه وأكبره من أن أستنشده، لكنني أثبت من شعره البيتين والثلاثة على حسب ما أنشدتها. فمن ذلك رباعياته الخالبة للِخلب، السالبة للب، فمنهما: يا قلب إلاَم لا يُفيدُ النّصح ... دَعْ مزحْك كم هوىً جناه المزح ما جارحة منك خلاها جرح ... ما تشعر بالخُمار حتىّ تصحو ومنها: الدَّهر يعوقني عن الإِلمام ... مَعَ ما أنّي إلى التَّصابي ظام لا تأخذني بما جنت أيّامي ... ما ذنب السَّهم حين يخطي الرّامي ومنها: يا ريح تحملي من المهجور ... شكواه إلى المُعَسكر المنصور قولي لمعذّبي شَبيه الحور ... ما أنت عن الجواب بالمعذور وأنشدني مجد العرب العامري الشاعر بأصفهان، لسديد الدولة في ابن أفلح الشاعر: يا فتى أفلح وإنْ ... لم يكنْ قطُّ أفلحا

стр. 141

لك وجهٌ مشوهٌ ... أسود قدّ من رحى وكان وجهه منكراً. وأنشدني أبو المفاخر محمد بن أبي الشرف محفوط بن العلاء بن أسعد بن إسرائيل الجرباذقاني قال: أنشدني سديد الدولة لنفسه: إن قدَّم الصاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس فالله لم يدعُ إلى بيته ... غير المياسير من النّاس قال: فلما رجعت إلى أصفهان أنشدتهما لوالدي، فقال: لما قال: إن قدم الصاحب، كان الأحسن أن يقول: وأخر، أو يغير لفظه قدم، والأولى أن يقول: إن آثر الصاحب ذا ثروة ... وعافَ ذا فقر وإِفلاس فيكون قد جمع بين صناعتين: التطبيق، لأن آثر: اختار، وعاف: كره. والتجنيس بين آثر وثروة. وقوله: فالله لم يدع إلى بيته قاصر عن جواب الشرط، فالفاء وحده لا يصلح جواباً، فالأولى والأحسن أن يقول: إن آثر الصّاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس لا غَزوَ فالربُّ إلى بيته ... دعا المياسيرَ من النّاس وله في بعض الوزراء: إنَّ زماناً قد صرتَ فيه ... مرشّحاً للوزارتين قد أسخنَ الله كلَّ عين ... فيه ولكنْ لا مِثل عيني وله:

стр. 142

الآن وما روضه العمر ندي ... لا تخل من الكؤوس والرّاح يدي في باقي العمر فز بعيش رغدٍ ... عن الدّنيا إذا مضَتْ لم تَعُدِ ثقة الدولة ابن الدُّرَيني المعروف بابن الإبري، أبو الحسن علي بن محمد من بغداد. كان من أركان دولة المقتفي ﵁. مجموع الكرم والفضل والورع والدين، لم يزل متعصباً لأصحاب الشافعي ﵁. وبنى ببغداد مدرسة لهم وسلمها إلى شيخنا شرف الدين يوسف الدمشقي

стр. 143

وأقمت بها ثلاث سنين للتفقه، وهي المدرسة المعروفة بالثقتية على الشط تحت دار الخلافة. وكان جاهه على نفع ذوي الحاجات موقوفاً، وما له في وجوه البر والخيرات مصروفاً. توفي في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة. له اليد الطولى في العربية، والنظم، والترسل. أنشدني له بعض الأفاضل ببغداد أبياتاً قد صدر بها كتاباً: وإِنّي إِذا الظّلامُ رواقَهُ ... وساوَرَ طرْفي فيه هَمٌّ مؤرِّقُ أُجاذِب أَطراف الحنين نُوَيْقةً ... تَحِنُّ إلى رملِ الحِمى وتُحَمْلِقُ وتشتاق سَعْدانَ الحِمى ومناخها ... ولكنّني منها إلى الرَّملِ أشوقُ

стр. 144

وله: قالوا أبيّاتك ماذا بها ... أَعْطَى كأنّ الشِّعر لم يُرضِهِ فقلت: أعطاني بها حُلَّةً ... أخلق من شِعْري ومن عِرضهِ وكلُّ مدحٍ هكذا أجْرُهُ ... يَقْدِر بانيه على نَقْضِهِ وله من الخمريّات: إذا ما حساها في الدُّجُنّة شاربٌ ... ظننّاه بالبدر المُنيرِ تَلَثَّما وكم ليلةٍ لم يَبْدُ منهنَّ كوكبٌ ... أقمنا حَبابَ الكأس فيهنَّ أنجُما

стр. 145

جماعة أفاضل أماثل من بيت رئيس الرؤساء آل الرفيل بني المظفر كان جدهم وزير القائم بأمر الله، وقصته في نصر الدولة مع البساسيري مشهورة، وله مآثر في ذلك مأثورة.
следующие страницы →