Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أعِنّي على بلوايَ فالعمر غَمرة ... يعاين أهوال الرَّدى من يخوضُها
شَجاني انضمامي والخطوبُ كثيرةٌ ... إلى خطّةٍ يؤذي الأُسودَ بعوضُها
تساوي لديها غَثُّها وسمينها ... وأودي بها منحوضُها ونحيضها
التحيض: الكثير اللحم، والمنحوض: الّذي أُخذ لحمه.
ولي عند تحقيق المعاني أدَّلة ... تزيَّف في وقت النُّضار نقوضها
حُظوظي على عِلاّتِها وشَتاتِها ... كأبياتِ شِعرٍ ما يصحّ عَروضُها
جوامِدُ لكنْ نار عزمي تُذيبها ... جوامحُ لكنْ طول صبري يروضها
ستشرق في أوج الصعود سُعودها ... وإنْ زاد إظلامَ الحظوظ حضيضها
بجودٍ أمير المؤمنين وسَيبه ... تَفيضُ على أرض الأماني فُيوضُها
إمام البرايا خيرها مُستضيئها ... غزير الأيادي جَمُّها مُستفيضها
تفيض لترويض الرجاء مياهه ... وللنُجح يُرجَى عِدُّها ونضيضها
стр. 72
جزيل العطايا وافر الفضل وارِف ال ... ظِلاّل طويل المأثرات عريضها
تبدّل بالأموال آمال وَفدِه ... فكم فاقةٍ منّا بوجد يعيضها
ويفتح من مُدّاحه باللُّها اللها ... وقد حال من دون القريض جَريضها
إذا اقترحت منّا القرائح مُدحَه ... تسابق من شوقٍ إليه قريضها
مُواليه مشكور المساعي نَجيحها ... وشانيه مردود المباغي دَحُوضها
أتتنا وفود المكرمات بجوده ... ووافى إلينا قَضُّها وقضيضها
إذا ظمئت آمالنا وردت له ... بحار لهىً يروي العطاش فضيضها
من الأسرة الغُرّ الّتي بولائها ... أفاض المبرّات الغزار مفيضها
مكرّمة أعراضها ومهانةٌ ... لإظهار عزّ الأولياء عُروضها
стр. 73
موالاتهم في الله عن صدق نيّة ... غسولٌ لأدران الذنوب رحوضها
هُم الكاشفو الغمّاء في كلّ لزبةٍ ... عدا بنيوب النّائبات عضوضها
أضاء بهم شرق البلاد وغربها ... وحيزت لهم أطوالها وعروضها
ومن عجب صلّت لقبلة بأسهم ... رؤوس أعادٍ من ظُباهم محيضها
تدلُّ على الرُّعب الّذي في قلوبها ... مفاصل للأَعداء شاجٍ نقيضها
وما هامرٌ هامٍ من الودق إن بكى ... تبسَّم مرهوم الرّياض أريضها
تأرّج واديها وطاب نسيمها ... وغرّد شاديها وغنّى غريضها
بأغزر من جود الإِمام الّذي به ... إذا شكت الآمال يشفي مريضها
حباني على ضَنّ الزّمان بثروةٍ ... جلا زُبدها في عيشتي ومخيضها
جناح رجائي رِيشَ والنّاس منهمُ ... رجائيَ محصوص الخوافي مَهيضها
стр. 74
إليك أميرَ المؤمنين أحثّها ... نياقاً تردّى بالهُزال نغوضها
طلائع آمالٍ رَذايا مطالبٍ ... تداعت بتعريق النُّحول نحوضها
حوامل آرابٍ حوامل نُجحها ... إذا عقمت ميلادها ونفوضها
لئن عافت الأقدار عن قصد بابكم ... وعارضني عند المسير عروضها
فإِنّي أنَّى كنت في ظلّ طاعةٍ ... لغير هداكم ما تقام فروضها
سأطلب ريّي في ورود بحاركم ... وأهجر قوماً أظمأتني بروضها
стр. 75
باب في ذكر محاسن الوزراء والكتاب
للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم
الوزير ظهير الدين
أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، من أهل روذراوَر.
مولده بقلعة كِنكِوَر سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. وزر للإمام المقتفي، بعد عزل عميد الدولة أبي منصور بن جَهير، سنة ستّ وسبعين وأربع مئة. وعزل سنة أربع وثمانين يوم الخميس تاسع عشر صفر. ولما قرأ التوقيع بعزله وانصرف، كان يُنشد:
تولاّها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق
стр. 76
فخرج إلى الجامع ماشياً يوم الجمعة من داره، وانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، وكان ذلك سبباً لإلزامه بيته. ثم أخرج إلى روذراور، وهي موطنه قديماً، فأقام هناك مدّة، ثم خرج إلى الحجّ وسافر إلى مكّة في موسم سنة سبع وثمانين، فخرج العرب على الرُّفقة بقرب الرَّبَذَة، فلم يسلم من الحجيج سواه. وجاور بعد الحجّ بمدينة الرّسول صلوات الله عليه إلى أن تُوفّي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين، ودفن بالبَقيع عند القبّة الّتي فيها قبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ .
وكان عصره أحسن العصور، وأيامه أنضر الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع، سهلاً في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم. ذكره ابن الهمذاني في الذيل وقال: (كانت أيامه أوفى الأيام
стр. 77
سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمناً، وأشملها رخصاً، وأكملها صحةً، لم يغادرها بؤس، ولم تشبها مخافة. وقام للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام، ما أعادت سالف الأيام.
وكان أحسن الناس خطاً ولفظاً.
وله شعر حسن، وذكر أنه لم يقل بعد الوزارة غير هذه القطعة في الزهد:
قد آن بعد ظلام الشَّيب إبصاري ... للشّيب صبحٌ يناجيني بإِسفار
стр. 78
ليلُ الشّباب قصيرٌ فاسْرِ مُبتكراً ... إِنّ الصّباحَ قصارى المُدْلِجِ السّاري
كم اغتراريَ بالدُّنيا وزُخْرُفِها ... أبني بِناها على جُرْفٍ لها هارِ
وكم كذوبٍ بعهدٍ لا وفاءَ له ... تعّلم الغَدرَ منها كلُّ غدْارٍ
دارٌ مآثمها تبقَى ولذّتُها ... تفنى ألا قُبِّحت هاتيك من دارٍ
فما انتفاعي بأوطارٍ مضت سَلَفاً ... قضيتُها وكأنْ لمْ أقضِ أوطاري
فليت إذ صَفِرتْ ممّا كسبْتُ يدي ... لم تعتَلِقْ مِن خطاياها بأوزارِ
ليس السَّعيدُ الّذي دُنياهُ تسعدهُ ... إنَّ السّعيدَ الّذي ينجو من النّارِ
أصبحت من سيئآتي خائفاً وَجِلاً ... واللهُ يعلم إعلاني وإسراري
إذا تعاظَمَني ذنبي وآيسَني ... رجوتُ عفوَ عظيمِ العفوِ غفّارِ
وقرأت في المذيل تأريخ أبي سعد السمعاني: سمعتُ أبا علي أحمد بن سعيد العجلي يقول: قلت للوزير أبي شجاع: أردت أن أقرأ عليك ديوان شعرك. فقال: لا، ولكن أنشدك أبياتاً من شعري. وأنشدني لنفسه:
ليس المقادير طوعاً لامرئ أبداً ... وإنّما المرء طوعٌ للمقاديرِ
فلا تكن إن أتت باليُسْر ذا أشَرٍ ... ولا يَؤُوساً إذا جاءت بتَعسيرِ
стр. 79
وكن قنوعاً بما يأتي الزَّمانُ به ... فيما يَنوبُك من صفوٍ وتكديرٍ
فما اجتهادُ الفتى يوماً بنافعه ... وإنّما هو إبلاءُ المعاذير
وأورد السَّمعانيّ في المذيّل: أنشدني المُباركُ بن مَسْعود الغَسَّال له:
ما كان بالإِحسان أوْلاكُم ... لو زرتُمُ من كان يهواكُمُ
أحبابَ قلبي ما لكم والجفا ... ومَنْ بهذا الهَجر أغراكمُ
ما ضركُمْ لو عُدتُمُ مُدْنَفاً ... مُمرّضاً من بعض قتلاكمُ
أنكرتمونا مُذْ عهدناكمُ ... وخُنْتُمونا مذ حَفِظْناكمُ
لا نظرتْ عيني سوى شخصِكمْ ... ولا أطاع القلب إلاّكمُ
جُزتمْ وخُنْتمْ وتحاملْتُم ... على المُعَنّى في قضاياكمُ
ما كان أغناني عن المُشتكى ... إلى نجوم الليل لولاكمُ
سَلُوا حُداةَ العيس هل وردت ماءً سوى دمعي مطاياكمُ
أو فاسألوا طَيْفَكمُ هل رأى ... طَرْفي غَفا من بَعْدِ مَسْراكمُ
أحاول النَّوم عسى أنّني ... في مُستَلَذّ النَّوم ألقاكمُ
يا ظَبَيات الإِنس في ناظري ... وُرودُكم والقلب مرعاكمُ
стр. 80
خونوا وُجوروا وانصفوا واعدلوا ... في كلّ حالٍ لا عدِمْناكمُ
ما آن أنْ تَقضُوا غَرِيماً لكم ... يخشاكمُ أن يتقاضاكم
ونقلت ببغداد من مجموع له:
وإِنّي لأُبْدي من هواك تَجَلُّداً ... وفي القلبِ منّي لوعةٌ وغليلُ
فلا تَحسَبي أنّي سَلوت فربّما ... تُرى صِحّةٌ بالمرء وهو عليلُ
وله:
أيذهب جُلُّ العُمْرِ بيني وبينكمْ ... بغير لقاءٍ إنَّ ذا لَشَدِيدُ
فإِن يسمح الدَّهْر الخؤون بوصلكم ... على فاقتي إني إذَنْ لَسعِيدُ
وله، نقلتهُ من مجموع آخر:
وأسلمني الباكون إلا حمامة ... مطوَّقة قد صانعت ما أصانِعُ
إذا نحن أنفَدْنا الدُّموعَ عَشيّةً ... فموعدُنا قَرْنٌ من الشَّمس طالع
إذا لم يكن إلا صدودٌ وجفوةٌ ... فما أنا فيما بين هذين صانع
أبيتُ بليلٍ ليس فيه راحِمٌ ... ولا مُسْعدٌ إِلاّ الحَمام السّواجع
стр. 81
ونقلت من ذيل التأريخ لابن الهمَذاني: أنه سئل الوزير أبو شجاع إجازة أبيات كثيرٍ التي منها:
إذا قيل هذا بيتُ عزة قادني ... إليه الهوى واستعجلتني البوادر
فقال:
ألا ليتَ شعري والعِدا يُوعدونني ... أيعذُرني إنْ زرْتُ عَزَّةَ عاذر
أمر على أبيات عزّة خائفاً ... عِداها فجنْبي عنهُمُ متزاوِرُ
ألا إنّ بيتاً لا أزورُ فِناءَهُ ... لأشهَى من البيت الّذي أنا زائرُ
إذا حضر الواشونَ أبديت سَلْوةً ... وفي القلب من حُبِّيكِ داءٌ مخامرُ
стр. 82
تعاللتِ عنّي كي تخوني مودَتي ... وتلك التي يا عَزِّ كنتُ أحاذِرُ
تقولين لم أضْمِرْ بقلبي خيانةً ... دَعِيني فما للنّاس إلاّ الظَّواهرُ
وله في نظام الملك لمّا قصده إلى أَصفهان، وكتب بذلك إلى بغداد:
مَن مبلغٌ ساكني الزوراء مَأْلكةً ... أنّي بمنزل عزٍّ صِينَ من هُون
حيث اشتريتُ غلاء العِزّ مرتخصاً ... بصفقةٍ لم أكن فيها بمغبون
فاليوم أيقنت أنَّ الدَّهْرَ سالمني ... وأن أيدي العدا قد قصّرت دُوني
لا زال ركن قوام الدّين مُستَلَمَاً ... مُشَيّداً بالمعالي غير مَعْيُون
стр. 83
يفيض في النّاس فضلاً ينعشون به ... والله يُعطيه أجراً غيرَ ممنون
وله فيه:
أترى الزْمانَ يجور في أحكامه ... والدَّهْر ينصُرني بعدل قوامه
كلاّ فجارُ أبي عليّ في الحِمى ... من عِزّهِ والخصبُ من إنعامه
متبوِّئاً للعزّ في سلطانه ... متهنّئاً بالأمن في أيّامه
من مبلغٌ أهل العراق وفيهمُ ... مَن لو ذُكرتْ له بكى بسجامه
أني نزلتُ بدار أكرم طائع ... لإلهه ونبيّه وإمامه
هيهات أخشى الدّهر بعد تحرٌُّمي ... بجواره وذمامه وطعامه
ذاك امروٌ يخشى الإِله ويتَّقي ... متحرّجاً في حلّه وحَرامه
فسل اللّياليَ إن جهلت حديثه ... تخبر بطول سجوده وقيامه
فليهن سلطان البلاد سُعودُه ... فالله يكلأ ملكه بنظامه
وإني أذكر من فضائله مما ذكره ابن الهمذاني لمعاً، وهو أنه ظهر منه من
стр. 84
التلبس بالدين وإظهاره، وإعزاز أهله والرأفة بهم، والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر به عدل العمرين وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئاً من القرن ويقرأ في المصحف ما تيسر، وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه وإقطاعه، ويتصدق سراً.
وعرض عليه رقعةٌ فيها: إن في الدار الفلانية بدرب القيار امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع، فاستدعى صاحباً له وقال له: مر واكسهم، وأشبعهم. وخلعَ أثوابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم. ولم يزل يرعد إلى أن عاد صاحبه إليه وأخبره بذلك. فلا جرم أن الله
стр. 85
تعالى ختم له بالخير، كما قال الله تعالى: والعاقبة للمتقين.
ومن أشعاره في أمير المؤمنين المقتدي، وأثبتها لكونها في الخليفة:
بقيتَ أمير المؤمنين مخَلّداً ... تُطِلّ بأسبابِ العَلاءِ على النّجم
وتفديك أرواح المَوالي على الرِّضا ... وتفديك أرواح الأعادي على الرّغمْ
فقرٌ بذخر الدِّين عَيْناً وصِنْوِهِ ... أبي جعفر يا معدِن الجود والحَكْم
إذا الدَّهْرُ لم يثلمْ عُلاكَ فإِنّه ... جدير بأن يلقى أماناً من الذمّ
فلا زلت في الإقبال ما ذرّ شارق ... وما درّ في أرضٍ حَيا الدِّيَم السُّجْم
الوزير عميد الدولة
أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن جهير
كان ذا شهامة وصرامة، وحصافة وفصاحة، وحماسة وسماحة. له من الوقار والهيبة ما لم يعرف في غير الطود الأشم، والبحر الخضم.
стр. 86
ورد مع فخر الدولة أبيه بغداد في أيام القائم بأمر الله سنة أربع وخمسين وولي أبوه الوزارة، وكان بميافارقين يخدم بني مروان، ثم كاتب أمير المؤمنين وبذل بذولاً، وأخرج إليه نقيب النقباء طراد الزينبي فقرر معه ما أراد تقريره. ثم خرج
стр. 87
معه كأنه مودع له، وتم إلى بغداد. وتولى وزارة القائم، وبقي فيها إلى آخر عهد القائم، ومعه ولداه: أبو منصور، وأبو القاسم زعيم الرؤساء.
فلقب هذا عميد الدولة، وكان ينوب عن والده. فلما عزل أبوه في أيام المقتدي بعد ما وزر له سنين سنة إحدى وسبعين، خرج عميد الدولة إلى نظام الملك واسترضاه، وعاد إلى بغداد وتولى الوزارة مكان أبيه.
وخرج أبوه عن السلطان ملكشاه لفتح ديار بكر ومحاربة ابن مروان في ميافارقين، وكان فتحها على يده.
стр. 88
وبقي في وزارة المقتدي إلى أن عزل وتولى الوزير أبو شجاع، ثم وزر للمقتدي بالله بعد عزل أبي شجاع ثانياً. ووزر بعد وفاته للمستظهر بالله، وعزل مرة وأعيد إلى الوزارة، وعزل في سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وعاش
стр. 89
بعد ذلك.
وله مقطعات حسنة، فمنها له وأورده السمعاني في الذيل:
يقول صديق باللسان مُخاتِر ... كما قيل في الأمثال عَنقاء مُغرِبُ
فأمّا إذا ما رمتَ شخصاً معيّناً ... من النّاس موجوداً فذلك مُتْعِبُ
وله:
إلى متى أنت في حِلٍّ وتَرْحالِ ... تبغي العُلى والمعالي مَهُرها غالِ
يا طالب المجد دون المجد مَلْحَمةٌ ... في طَيّها بالنّفس والمالِ
ولليالي صروف فلّما انجذَبَتْ ... إلى مُرادِ امريءٍ يسعى لآمالِ
ذكر فصل في عميد الدّولة ذكَرَهُ ابن الهمذانيّ في تأريخه، قال:
стр. 90
إنتشر عنه الوقار والهيبة والعِفّة وجودة الرّأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء، وَوزَر لاثنين منهم. وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جَمّة مع استِزادة النّاس له. وكان نظام المُلك يصفه دائماً بالأوصاف العظيمة، ويشاهده بعين الكافي الشهم، ويأخذ رأيه في أهمّ الأمور، ويقدّمه على الكُفاة والصّدور. ولم يكن يعابُ بأشدّ من الكِبْر الزائد، وأن كلماته كانت محفوظة مع ضَنّه بها. ومن كلّمَه بكلمةٍ قامت عنده مقام بلوغ الأمل. فمن جُملة ذلك ما قال لوَلَد الشّيخ الإمام أبي نَصر ابن الصبّاغ:
стр. 91
اشتغل وادأب، وإلا كنت صباغاً بغير أب.
لم يكن له من الشعر ما يثبت إلا الأبيات التي أوردتها.
سديد الملك
أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق بن عمر العارض في الأيام الجلالية
هو والد حسام الدين أبي الخطاب، وسأورده في فضلاء أصفهان وصدورها. وإنما أوردت سديد الملك هاهنا، لكونه وزر للمستظهر عشرة أشهر. ولي في رمضان سنة خمس وتسعين، وعزل في رجب سنة ست وتسعين وأربع مئة، وعاد محترماً إلى أصفهان.
стр. 92
ذكر ابن الهمذاني في التأريخ: أنه لما استدعي إلى بين يدي الخليفة حين أفيضت عليه خلع الوزارة، غلبه الحصر، فقال: تاج الرؤساء نسيب بن الموصلايا للخليفة: المفضل بن عبد الرزاق يخدم، ويقول كما قال الله تعالى: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك) .
أنشدت له بيتين بأصفهان، وهما:
قلْ للوزير وكلّهم جذلان ... لا تشمَتوا فوراءَه الحدثان
المَلك بعد أبي عليّ لعبةٌ ... يلهو بها النِّسوان والصّبيان
الوزير جلال الدين
أبو علي الحسن بن صدقة
وزير المسترشد بالله أمير المؤمنين. ناب في دولته. كبير القدر، خطير
стр. 93
الأمر، ذو الأصالة والجلالة والبسالة، والصدق في المقالة، والفضل الكثير، والكرم الغزير.
وكان صديق عمي العزيز رحمة الله عليهما، وهما كالأخوين، وكنفس واحدة لا نفسين، بل كانا في الدولتين شمسين.
أنشدني له محمود الكاتب المعروف بالمولد البغدادي بالشام، وذكر أنه رآه يكتب بخطه إلى المواقف المسترشدية هذه الأبيات يوم جلوسه في الوزارة ثانية بعد النكبة:
стр. 94
بدأتَ بنُعْمى ثمّ واليتَ فِعلَها ... وتابعتَها في حالة البعد والقرب
ولم تُخْلِني من حُسْن رأيك إن سطا ... بيّ الدّهر واسودّتْ به أَوْجُه الخَطْب
فأقررتَ عَينَ الأولياء بأوْبتي ... وأرغمتَ حُسّادي وأوطأتَهم عقبي
فلا زلتَ في عّزٍ يدوم ونعمةٍ ... يقصّر عنها مُنتهى السَّبْعةِ الشُّهْب
وتُنْسَب إليه هذه الرّباعِيّة:
آتيك غداً ولو حَماكِ الأهل ... لا أرجع عنك أو يتِمَّ الوصل
آتيك ولو سُلَّ عليَّ النَّصْل ... السّيف أو الفراق كلٌّ قَتْل
الوزير عون الدين أبو المظفر
يحيى بن هبيرة
نسبه من شيبان بموجب ما أثبته عنه: يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط
стр. 95
ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان. أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مديحهم إياه.
وكان غزير العلم، ذا هيأة، ... ذا هيبة، مفوهاً، مهيباً.
وزر للمقتفي وللمستنجد، وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمس مئة، وهو وزير الإمام المستنجد. وكانت مدة وزارته للإمامين إلى حين وفاته ست عشرة سنة وشهرين وتسعة أيام.
وكان يتبرك بيوم الأربعاء، ويقول: هؤلاء المنجمون يتطيرون من التربيعات، وأنا وليت يوم الأربعاء رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وكان مقرباً لأولي الفضل والدين.
стр. 96
وصنف تصنيفاً في شرح الصحاح وسماه الإفصاح، وبذل على حفظه ونسخه أمواله، حتى كان في زمانه لا يشتغل إلا به.
ورزق من الشعر والشعراء ما لم يرزق أحد، وأجاز عليه.
سمعت صاحب الخبر ابن المهدي يقول يوماً له: ق جمعت من القصائد التي مدحت بها ما يزيد على مئتي ألف بيت، وكان كل سنة يحمل منها مجلداً، فلما توفي الوزير، وبيعت كتبه، اشترى الشريف ابن المهدي ما كان جمعه من خزانة الوزير، وسمعت أنها أخذت منه وغسلت.
ومدائحي فيه كثيرة.
وله شعر حسن، فما أروي له أبيات هنأ بها الخليفة بالعيد:
стр. 97
بك العيدُ يُزْهَى بل بك الدّين يفخرُ ... وأنت الّذي من كلِّ ما فيك أكثرُ
فدٌمْ للأَماني مثلَما أنت حيث قد ... بلغت إلى ما لم يكن عنه مظهر
أفرضٌ على أن ليس في النّاس ناطقٌ ... من الفضل إلا ما به أنت أخبر
وله:
يا غايةَ الحُسْن هذا غاية الكَمَدِ ... ومُنتهى البدْر هذا منتهى جَلَدي
إن كان حسنك لا يُفضي إلى أمدٍ ... فإِنّ وجديَ لا يُفْضي إلى أمدِ
وله:
ركبت بحار الحبّ جهلاً بقدرها ... وتلك بحار لا يُقَفَّى غَريقُها
فسرنا على ريح تدُلُّ عليكُمُ ... فبانت قليلاً ثمَّ غاب طريقها
إليكم بكم أرجو النّجاة فما أرى ... لنفسيَ منها سائقاً فيسوقها
وله:
تمسكْ بتقوى الله فالمرء لا يبقى ... وَكلُّ امرئٍ ما قَدَّمت يدهُ يلقى
ولا تظلِمَنَّ النّاسَ ما في يديهِمُ ... ولا تذكُرنْ إفْكاً ولا تحسُدَنْ خلقا
стр. 98
ولا تقربن فعل الحرام فإنّما ... لذاذته تفنى وأنت به تشقى
وعاشِرْ إذا عاشرتَ ذا الدّين تنتفِعْ ... بدربتهِ واحذر معاشرة الحَمقى
ودارِ على الإِطلاق كُلاً ولا تَكُنْ ... أخا عجلٍ في الأمر واستعمل الرِّفقا
وخالِفْ حُظوظ النّاس فيما يرونه ال ... أماني ولا تَستَعْرِ فَنَّ لها الصّدقا
تَعَوَّد فِعال الخير جمعاً فكلّما ... تَعَوَّده الإِنسان صار له خُلْقا
ولده عز الدين محمد كان كبير الشان رفيعَ المكان. ناب عن والده مدة وزارته، وكان روض الدولة به في ريعان نضارته.
وحبس عند موت أبيه إلى يوم ولاية المستضيئ بأمر الله، فأخرج المحبوسين وما
стр. 99
خرج، فعرف أنه درج.
وله شعر كثير، وقلما نظم شيئاً إلا وعرضه علي، أو سيره إلي. لكنني فقدته كما فقدته، ولو وجدته أوردته.
ولده أبو البدر ظفر لقبه شرف الدين كان جذوة نار لذكائه، وحدة خاطره، وجودة قريحته. يشتعل ذكاءً، ويتوقد فطنةً. وهو محب للفضل والتحلي به.
стр. 100
وله شعر يروق، وعبارة تشوق. امتحن بالحبس في أيام والده سنين بقلعة تكريت، ثم تخلص. ولما توفي الوزير، رقي عنه إلى الإمام أنه عازم على الخروج من بغداد مختفياً، فقبض وحبس.
وقد أثبت له قصائد أنشدنيها لنفسه، نظمها على أسلوبه الرائق مجرياً مهر خاطره الماهر في مضمار مهيار، أرق من صفو العقار. فمن ذلك، وأنشدنيه لنفسه في مدح الإمام المستنجد بالله:
طُلَّ دمٌ بالعِتاب مطلوبٌ ... وطاح دمعٌ في الرَّبع مسكوبُ
وذلَّ قلبٌ أمسى الغرامُ به ... وهو بأيدي الغُواة مَنْهُوب
لا أنف للعِرق يستثير له ... ولا سليم الصُّدود مَطْبوب
يركب في طاعة الهوى خَطَراً ... تُضرَمُ من دُونِه الأنابيب
стр. 101
إذا ادْلَهمَّ الدُّجى أضاء له ... من زَفَرات الضُّلوع أُلْهُوبُ
لا موعدٌ مُطْمِعٌ ولا أملٌ ... ولا لِقاءٌ في العمر محسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىً ... أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي ... حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىً ... أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غَادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي ... حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
ما بعد دمعي دمعٌ يُراقُ ولا ... فوقَ عذابي لدَيْك تَعْذيبُ
لم يبق للنّاصحين من أَملٍ ... فيِّ ولا للعُذَّال تأنيب
وضاق صدر البيداء عن رحلي ... وحُلِّئَت تحتيَ المصاعيب
ألا سقى الله أرض كاظِمةٍ ... صوْبَ حياً قَطْرُهُ شآبيب
وخصَّ داراً أمسى الوصال بها ... وهو أَمينُ الأكنافِ مَرْهوب
رحابُها حيث سِرُّنا خَمَر ... وحيث إعلانُنا أهاضيب
يا حَرَجات الظِّلال أَين أَحبّا ... ؤك والعاقِرونَ والنِّيَبُ
وأين تلك القِباب مُشْرعَةً ... تمنَعُها غِلْمَةٌ يعاسيب
стр. 102
تؤمّها العاشقون عن وَلَهٍ ... فهي لأشُواقهمْ محاريب
فالآن لي في رِباعِها عِبَرٌ ... ومن أقاصيصها تَجاريب
فمن ثراها عليَّ أرْدِيَةٌ ... ومن دموعي لها جَلابيب
كم عند دَوحِ الغَضى لذي عَلَقٍ ... قلبٌ بأيدي الحِمام مَغْصوب
إذا رَكِبْنَ الأغصان صِحْنَ بنا ... فكلُّ عقلٍ في الرَّكْبِ مسلوب
يا خابِط الليل غيرَ مُتَّئدٍ ... رفقاً فثوب الظّلام غِرْبيب
ما لك لا تألف الرّفيقَ ويُدْ ... نِيك إلى فضل زاده الذّيب
ضمّكما الاتّفاق في قَرَنٍ ... فأنتما صاحبٌ ومصحوب
ومنها:
ما ليّ لا أمدحُ الشَّبابُ ولي ... من نوره شارةً وتَطريب
إذا تمايلت في مُلاءته ... فحبّذا راغِبٌ ومرغوب
أصنعُ ما شئتُ في حمايته ... وهو إلى الغانيات محبوب
وكيف لا أُوسعَ المشيبَ قِلىً ... وهو بماء العيون مخضوب
أيْامه ذِلةٌ ومَبْخَلَةٌ ... ولونه نفرةٌ وتثريب
стр. 103
يلومني النّاس أن رأوا كلمي ... ليس لها في المديح أسلوب
قد سلكتْ مذهباً تَدِين به ... تبراء لا حبة ولا حوب
بكاءُ ربعٍ أو وَصف غانية ... وضِدّها خالبٌ ومخلوب
وهل لعرض الزّمان غير فتى ... يمدحه تغمُر المحاريب
إمام حَقٍّ لنا بطاعته ... كلُّ منيع الجَناب مرهوب
تسنّم المُلْكَ وهو ذو ضلعٍ ... فلم تنل حُضْرَهُ السّلاهيب
وقام بالأمر بعد أن نغِلت ... فيه قلوبٌ وعزَّ مطلوب
فانتظم الأمر غير مُحْتفلٍ ... كذّب غرّ وغرَّ مكذوب
أفاض صِرْفاً ماءَ الظُّبا فغدا ... وهو بصرف النّجيع مقطوب
عوّد فرسانَهُ السُّرى فلهم ... في غَمَرات الظّلام تشبيب
لا يسألون النّجمَ ما خبرُ ال ... ليل ولا النّافضين ما رِيبوا
стр. 104
كأنّهم ما دَرَوْا على خَطَر ال ... شُّقّة أنَّ الصبَّاح مكتوب
من معشر أعْنَقَتْ بهم هممٌ ... حيث رِواق النُّجوم مضروب
لا يسألون الرّكبان عن غِرَة ال ... خصب ولا أَين سامت النّيب
إنْ رحلوا فالثّرى بهم رمض ... أو نزلوا فالثراء منصبوب
أو طلبوا فالفضاء ذو حَرَج ... أَو رَكِبوا فالقضاء مركوب
أو كلّفوا الدَّهْرَ غيرَ عادته ... أصحَبَ للأمر وهو مصحوب
وأنشدني لنفسه على وزن قصيدة الأبيوردي التي يقول فيها:
стр. 105
ترنْحَ من بَرْحِ الغَرام مَشُوقُ ... غداةَ نأت بالوائليّة نوقُ
قال هو:
أضاءت لنا بالأبرقَينِ بروق ... نواقل منها كاذبٌ وصدوق
يُذعْنَ لنا من أهل وَجْرةَ ريبةً ... يخِفُّ إليها السَّمع وهو فَروق
وما كلُّ مطويٍّ من السّرّ مُنكر ... ولا كلُّ منشور الحديث يروق
أبارق ذاك الشِّعب هل أَضمر النّوى ... تفرُّقهم أَو ضمَّهُنّ وَسيق
وهل حَرَجات الحَيّ بدّلن أدمعاً ... عن السُّحْب لم ترقع لهنّ خروق
لعَمْرُكَ ما البرقُ اليمانيُّ وامِقٌ ... ولا ذلك الشِّعبُ الرّحيب مَشوق
وهل تزع الأَشجانَ خفقة لامعٍ ... وقد علِقت بالجانحاتِ علوق
لحى الله يوماً بالثنِيّة أشرفتْ ... علينا بأقصى أرض وجْرَةَ نُوق
стр. 106
يرفّعهنَ الآل فَوْضى كأنما ... أغار على أطرافهنّ سَرُوق
إذا حَثْحث الحادي بهنُّ أطَغنَهُ ... جوافل أدنى سيرهِنَّ عنيِق
كأنّ توالي الظُّعْن والآل دونَها ... سَفِينٌ بمُسْتَنّ الفُراتِ غريق
إذا أفلت شمس الأصيل بدت لنا ... شموسٌ لها فوق الحُدوج شُروق
تسير بها الأظعانُ أَنّى تيمّمَتْ ... قواصدَ لا يشقى بهنّ رفيق
أجيراننا إِنّ القلوبَ لديكمُ ... فهل للجُسوم نحوَكُنّ طريق
لئن جمعتكم نيّةٌ يمنيّةٌ ... وفرّقكم وحش الفِجاج عميق
فودّي على الأَيّام ما تعلمونه ... وعهدي على طول المَزار وثيق
ولي عبراتٌ لا تضنّ بمائها ... تديّمُ في أجراعكم وتريق
فإِن يروها دمعي وإِلاّ سقيتُها ... دماً ما له إلا الغرام مُريق
يقولون بعض الصّبر عنهم ومنْ لنا ... بأنْ يتساوى مُوثَقٌ وطليق
стр. 107
ولكنَّ حُبّاً أنتمُ بَدءُ غرسه ... رَطيبٌ على مَحْل الزّمان وَرِيقُ
ألم تعلمي يا ضرَّة البدرِ أنَّني ... جديرٌ بفعل الصّالحات خليق
عفيف محاني الرّبوتين وما لنا ... سوى ذلك الستر الرقيق رفيق
ينوب عن الوحي الكفاح وكأسنا ... دموعٌ ومشمولُ الرُّضاب رحيق
إذا خفّت الأحلام وَقّرَ حَبْوَتي ... نِجارٌ وسيع الدّوَحتَيْنِ عريق
تجاذِبُني طُرقَ العَلاء بهِمَّةٍ ... لها فوق مرسي النّيِّريْنِ سُموق
ولكنَّ لي في باطن النّفس حاجةً ... تَنِمُّ عليها زفرةٌ وشهيق
أُجمّع أسباب المعالي تعلُّلاً ... وأُعجِزُ في ألفاظها وأفوق
وأَنظِم ما لا تنظم العرْبُ مثلَهُ ... وأَيّ لسان بالمُقال ذَليق
ودخلت يوماً إليه ببغداد قبل نكبته بسنة، في صفر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، فأنشدني قصيدة عملها على وزن قصيدة مِهيار التي أولها:
بكَر العارِضُ تحدوه النُّعامى ... فسُقِيتِ الغيث يا دار أَماما
стр. 108
وسألني أن أعمل قصيدة على وزنها ورويّها، وهي:
أخلَفَ الغيثُ مواعيدَ الخُزامى ... فقفِ الأنضاءَ تستسقي الغَماما
وخُذِ اليَمْنَةَ من أَعلى الحِمى ... تَلْقَ بالْغَوْر حَميماً وجِماما
وأبحني ساعةً من عُمُري ... أملأ الدّار شَكاةً وسلاما
أصف الأشواق في تلك الرُّبا ... وأعاطي التُّرْب سَوْفاً والتئاما
فَلعلّي أنْ تداوي حُرَقي ... غفلة الغَيران أو أرضي النَّدامى
أيُّ حلمٍ خفّ في حُبِّهمُ ... وعقولٍ رفضت فيه الملاما
ودموعٍ كلّما كَفْكَفَها ... زاجرُ العَذْلِ أَبَت إِلاّ انسجاما
يا وُلاة الغَدْر ما دِينُكُمُ ... أحرامٌ فيه أن تقضوا ذِماما
قد رضينا إنْ رضيتم بالأذى ... وعزيزٌ بعزيزٍ أن يُضاما
خَطَرتْ لي يا زميلي سَحَراً ... نسمةٌ أحسبها ريح أُماما
خطرت والعينُ تقري طيفَها ... والكرى يمزجُ للرَّكْب المُداما
ومنها:
стр. 109
فارجع الطَرْفَ وقل لي في خَفَا ... أهِضاباً ما تراها أم خِياما
ما صنيعي بِمَهاةٍ كُلمَّا ... زوَّدَتْني رشفة زدت أُواما
أهُيامٌ أم لَظَى في كبِدي ... لفحت حتى انثنى الظَّلمُ ضِرام
ليس إِلا فرط وجدي بهمُ ... ظَعَنَ العاذل عنّي أم أقاما
أنا من أسْرِ الهَوى في رِبقَةٍ ... حكمت للحرّ فيها أن يساما
وطني حيث أناخَتْ عيسُكم ... ومقامي حيثما اخترتم مقاما
كل خِلٍ يجتني لذَّتهُ ... وأنا الجاني أراكا وبَشاما
أَنِسَتْ بي وحش أَوطانكُمُ ... فرعى اللهُ ظباءً ونَعاما
كلَما آنسَ قلبي وحشةً ... ملأت سمعي رُغاءُ وبُغاما
وأبيتُمْ ليَ إِلاّ نفرةً ... وأبى حبْلَكُمُ إلا انصراما
يا زماني ولكم أَدعو به ... ومن الضِّلَّة أن أدعو الرِّماما
стр. 110
لست عندي بالّذي أَعتِبُه ... كيف عتبي زَمَناً يأبى الكِراما
أنا حِرزٌ لك من ذمِّ الورى ... فأتِ ما شئِت حلالاً وحراما
لو بغيري حمَلت أيّامهُ ... لَتَمنّت أنها أمست عُقاما
أطمعَ الدَّهرَ بنوه إِذْ رأوا ... أكْبَرَ النِّعْمة ظِّلاً وحُطاما
فأقرّوه على غفلته ... أخملَ الأبرار أمْ أعلى اللئاما
كلُّ شخصٍ تقتضيه دولةٌ ... ترفع النّفسَ وتستَدْعي التّماما
وهو لا ينفكُّ حرباً لامرئٍ ... يطلب الذِّروةَ منه والسَّناما
أنا مَن قد رَضيَ النَّاسُ وقد ... أتعبَ النّفسَ فتى أرضى الأَناما
لا أسوم الدّهرَ إِلاّ صالحاً ... يشتكي الدّهر ولا أشكو الأَثاما
كلّما قرَب منّي مُعرضاً ... لم يَزِدْه شَرَفي إِلاّ احتكاما
فهو لا يسألني إِلا الرّضى ... ولغيري شَدّ ما أعطى زماما
فعملت قصيدة، أولها:
خطرتْ تحمل من سَلْمى سلاما ... فانثنى يشكر إِنعاما النُّعامى
مُغرمٌ هاجت جواه نَسْمةٌ ... يا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما
نفحةٌ أذكَت بقلبي لَفْحةً ... كلمَّا هبّت له زادتْ ضِراما
следующие страницы →