Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لك وجهٌ مشوهٌ ... أسود قدّ من رحى
وكان وجهه منكراً. وأنشدني أبو المفاخر محمد بن أبي الشرف محفوط بن العلاء بن أسعد بن إسرائيل الجرباذقاني قال: أنشدني سديد الدولة لنفسه:
إن قدَّم الصاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
فالله لم يدعُ إلى بيته ... غير المياسير من النّاس
قال: فلما رجعت إلى أصفهان أنشدتهما لوالدي، فقال: لما قال: إن قدم الصاحب، كان الأحسن أن يقول: وأخر، أو يغير لفظه قدم، والأولى أن يقول:
إن آثر الصاحب ذا ثروة ... وعافَ ذا فقر وإِفلاس
فيكون قد جمع بين صناعتين: التطبيق، لأن آثر: اختار، وعاف: كره. والتجنيس بين آثر وثروة. وقوله: فالله لم يدع إلى بيته قاصر عن جواب الشرط، فالفاء وحده لا يصلح جواباً، فالأولى والأحسن أن يقول:
إن آثر الصّاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
لا غَزوَ فالربُّ إلى بيته ... دعا المياسيرَ من النّاس
وله في بعض الوزراء:
إنَّ زماناً قد صرتَ فيه ... مرشّحاً للوزارتين
قد أسخنَ الله كلَّ عين ... فيه ولكنْ لا مِثل عيني
وله:
стр. 142
الآن وما روضه العمر ندي ... لا تخل من الكؤوس والرّاح يدي
في باقي العمر فز بعيش رغدٍ ... عن الدّنيا إذا مضَتْ لم تَعُدِ
ثقة الدولة ابن الدُّرَيني
المعروف بابن الإبري، أبو الحسن علي بن محمد من بغداد. كان من أركان دولة المقتفي ﵁. مجموع الكرم والفضل والورع والدين، لم يزل متعصباً لأصحاب الشافعي ﵁.
وبنى ببغداد مدرسة لهم وسلمها إلى شيخنا شرف الدين يوسف الدمشقي
стр. 143
وأقمت بها ثلاث سنين للتفقه، وهي المدرسة المعروفة بالثقتية على الشط تحت دار الخلافة. وكان جاهه على نفع ذوي الحاجات موقوفاً، وما له في وجوه البر والخيرات مصروفاً.
توفي في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
له اليد الطولى في العربية، والنظم، والترسل. أنشدني له بعض الأفاضل ببغداد أبياتاً قد صدر بها كتاباً:
وإِنّي إِذا الظّلامُ رواقَهُ ... وساوَرَ طرْفي فيه هَمٌّ مؤرِّقُ
أُجاذِب أَطراف الحنين نُوَيْقةً ... تَحِنُّ إلى رملِ الحِمى وتُحَمْلِقُ
وتشتاق سَعْدانَ الحِمى ومناخها ... ولكنّني منها إلى الرَّملِ أشوقُ
стр. 144
وله:
قالوا أبيّاتك ماذا بها ... أَعْطَى كأنّ الشِّعر لم يُرضِهِ
فقلت: أعطاني بها حُلَّةً ... أخلق من شِعْري ومن عِرضهِ
وكلُّ مدحٍ هكذا أجْرُهُ ... يَقْدِر بانيه على نَقْضِهِ
وله من الخمريّات:
إذا ما حساها في الدُّجُنّة شاربٌ ... ظننّاه بالبدر المُنيرِ تَلَثَّما
وكم ليلةٍ لم يَبْدُ منهنَّ كوكبٌ ... أقمنا حَبابَ الكأس فيهنَّ أنجُما
стр. 145
جماعة أفاضل أماثل من بيت رئيس الرؤساء
آل الرفيل بني المظفر
كان جدهم وزير القائم بأمر الله، وقصته في نصر الدولة مع البساسيري مشهورة، وله مآثر في ذلك مأثورة.
стр. 146
الأجلّ أبو محمد الحسن
ابن الأجل أبي نصر محمد ابن الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسن ابن المسلمة. وجدت له في مجموع من مدائح عميد الدولة ابن جهير:
تذكَر والذِّكرى تهيجُ البلابِلا ... بوادي الغضا من آل نُعْمٍ منازِلا
عفتها الرّياح الجاريات جنائباً ... تهُبُّ بها طوراً وطوراَ شمائلا
ومنها:
أصاحِ تبصّرْ هل ترى لمح بارقٍ ... يُضيء قُصوراً باللِّوى ومعاقلا
إذا ما استطار في الغمام ظننته ... أكفّ كُماةٍ ينتضون مناصلا
يناسبه قلبي خفوقاً ولوعتي ... ضِراماً غداةَ الحَيُّ غَلّسَ راحلا
ومنها في التخلص:
سقى الله دهراً ضَمَّ شملي وشملكم ... جميعاً وأيّاماً مضيْنَ قلائلا
стр. 147
حويت بها جُلّ الأَماني كما حوى ... نَصِيرُ أميرِ المؤمنين الفضائلا
وله في وصف البخيل المستبشر، والكريم العابس:
لا تَمْدَحن طَلقَ المُحَيّا باسِماً ... لا خيرَ يُرْجَى عنده لمؤّمل
إِنَّ السماء إذا اكفهرَّ سحابُها ... كان البشير بصوبٍ غَيْثٍ مُسبِلِ
وله:
لنا برمٌ ذكيّ النشّر يغني ... عن الكافور أو عَرْف الكِباءِ
إذا ما السّلك أبرزه نَظيماً ... حكى للحُسن أزرار الفِراء
وله في اللّيمو:
يا رُبَّ ليموَةٍ حيّا بها قمرٌ ... حُلْوُ المقبَّل أَلمى بارد الشَّنَبِ
كأنّها كُرَةٌ من فضّة خُرِطَتْ ... واستودعوها غلافاً صيغ من ذهب
وله في النّارنج:
أنظر إلى النّارنج يَجْ ... لُوه من الصُّبح وَضَحْ
من حمرةٍ في خضرةٍ ... كأنَّها قوس قُزَحْ
وله في الباقلاء الأخضر:
وخضرآءَ مُحقوقِفٌ ظَهْرُها ... تضمُّ لآلئ لم تثقبِ
стр. 148
وتحمل في رأسها شوكة ... أشبّهها إبرة العقرب
وله:
لم يبق شيءٌ في الأنام يسرّني ... إلاّ صروف الدّهر بالبُخَلاء
أحياؤهم موتى وأموات النَّدى ال ... أجواد بالمعروف كالأَحياء
وله:
أما رأيتَ الأفْقَ لمّا غَدا ... هِلاله مُلتقِمَ الزُّهْرَهْ
كعاشِقِ قَبّلَ معشوقهُ ... فاستقبلَتْ من فمه دُرّهْ
أثير الدين
أبو جعفر عبد الله بن عميد الدين أبي شجاع المظفر بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، ابن عم الوزير عضد الدين.
ذو المكان المكين، والفضل المبين، والحلم الرصين، والعلم المتين، المستكمل أدوات الكتابة: من حسن الخط والعبارة، والتصرف في اليراعة والبراعة.
هو ابن العميد الثاني نسباً وأدباً، واحد العصر فضلاً وحسباً، ابتلي بالاعتقال
стр. 149
في الدولة المستنجدية، واستضاءت أمانيه بالأيّام المستضية. وما أجمعه لشتات المعالي، وأبدعه لأبيات المعاني، وأسلكه لجدد السلامة، وأمكنه لقيادة الجودة والنفاسة! اعتناؤه بالنثر أكثر، واشتغاله بالترسل أشهر، فهو الأثير الأثير فلكه في مطالع النجوم، الكبير دركه لمجامع العلوم، المأثور أثره في المنثور والمنظوم، فرند خاطره العضب الغرار ذو أثر، ومدعو صناعاته في زمانه غير كثر.
اتفق اجتماعي معه في التوكيل بالديوان العزيز. ومما أنشدنيه لنفسه في عشرة محرم سنة إحدى وستين وخمس مئة في القمري:
وورقاء تندب فوق الغصون ... على نفسها خوفَ قنّاصها
وأشجى بكاها على نخلة ... تذكّرها كرب أقفاصها
وأنشدني لنفسه في المسك:
ما أنسَ لا أنسَ مسكاً كان يمسك لي ... بطيبه رمقاً في الحبس كان بقي
يهدي نسيمَ جنان الخلْد لي وأنا ... في النّار أشكو إليه شدّة الحرق
فلو قدرت أجازيه وهبت له ... سواد عيني وفضلَ الطِّيب من خلقي
وأنشدني لنفسه في الفرس:
стр. 150
وأدهم كالليل لما بدا ... مسيرَهُ والصبح قد أقبلا
ودَعه الصبح بتقبيلةٍ ... ما بين عينيه وقد طوّلا
والبرق إذْ خَجَّله عَدْوه ... حَجَّلَ منه كل ما أَقبلا
وأنشدني لنفسه في السوط:
أنا سوط كالرعد لكن بلا صو ... تٍ أسوق السحاب من حيث تجري
قبضتني يد كبحرٍ فمن أب ... صر قبلي بحراً يسيرُ ببرّ
فقلت له: ألمعت في هذا ببيتي الشهاب بن الصيفي، اللذين أنشدنيهما لنفسه:
لِمْ لا أَتيه على الرماح إذا ... فخرت وتحسدني الظُّبى البُتْر
واليّ سوق الريح حالمةً ... طوداً أشمّ وقابضي بحر
فإنه وصف الفرس، والراكب وكفه، والمقرعة في هذا البيت، ولا يلحق شأوه أحد في معناه.
فقال: الذي قلت، غير هذا المعنى.
وأنشدني أثير الدين ابن رئيس الرؤساء لنفسه في السكين:
стр. 151
وذات حدّ يكلُّ السيف وهي إذا ... دانت على قِمم الأقلام لم تحم
تخافها الأسْدُ في الآجام ضاريةً ... فكيف تقوى بها الأقلام في الأُجُم
لكنّها إنْ برت روس اليراع مشت ... فوق الطّروس بلا ساق ولا قدم
وكلّمتك على القرطاس كاتبةً ... لا من كلام لِسانٍ ناطق وفم
وهذه آية الأقلام أظهرها ... موسى حديد كموسى جاء في الأمم
وأنشدني في التفاح لنفسه:
وتفّاحٍ أتى من خ ... دَ قاتلتي وقد جَنَت
فقلت لها لقد أهدي ... تِ ما قد جلّ عن صفتي
بعثت به شهود دمي ... وحمرته ببينتي
وأنشدني لنفسه في الأترج:
أمسيت أرحم أترّجاً وأحسبه ... لصفرة فيه من بعض المساكين
عجبت منه فما أدري أصفرته ... من فرقة الغصن أو خوف السكاكين
فقلت له: قد التفتّ في هذا البيت إلى بيت الغزي:
كالشمع يبكي ولا يدري أعَبرته ... من صحبة النار أو من فرقة العسل
ثم قلت: ولكن، لي بيتان في الأترج، وهما:
стр. 152
وأترّجة صفراء لم أدر لونها ... أمن فَرْق السكين أم من فرق السكن
بحقِّ علتها صفرة بعد خضرة ... فمن شجر بانت وصارت إلى شجنْ
فعجب من ذلك، وقال: متى نظمها فلم تخطئ المعنى؟ وأنشدني أيضاً لنفسه في الشمعة:
وشمعة في الظلام تؤنسني ... والنار فيها وفيّ تأتلق
تشبهني في الدجى وأفضُلُها ... إنّيَ طولَ النهار أحترق
وأنشدني لنفسه في الديوان، عند حضوري معه في الاعتقال، في تاسع عشر رجب سنة ستين وخمس ومئة:
إنّي لأعشق من تملا محاسنه ... أذني ولم تَر عيني وجهه الحسنا
والعشق بالقلب إمّا العين تصدقه ... وصف الحبيب وإما تصدق الأذنا
وأنشدني لنفسه ما يكتب على مروحة:
أحسن ما روّح بي شادن ... يداه تحكي اللؤلؤ الرطْبا
يروّح الجسم بترويحه ... وحسنه قد روّح القلبا
وأنشدني لنفسه في الدفتر:
خير ما جالس اللبيب كتابٌ ... لا قرين فيه ريا ونفاق
وهو مثل الرّياض حقاً كما أَو ... راقه بينه لها أوراق
وأنشدني لنفسه:
قلت شعراً قالوا بغير عروض ... ناقص والعروض بالميزان
قلت إنّي لصّ القوافي وديوا ... نيَ من شعر كلّ ذي ديوان
стр. 153
أَسرق الشعر لا بوزنٍ وما يس ... رق إلاّ حرف بلا ميزان
وأنشدني لنفسه:
وصَيْت بي من كان أخ ... ذ عطاي مُنْية قلبِه
والذَّنب للأيّام في ... عكس الرّجاء وقلبه
كالمرء يأكل رزقه ... في الصّيد من يد كلبه
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
أنعت كلباً أهله من كدّه ... وكُلّ صيدٍ عندهم من عنده
وله في مرثية ابن التلميذ الطبيب، وكانت وفاته سنة ستين:
أودى أبو الحسن الطبيب، فمن ترى ... يبقى ليوم فضيلة مشهود
قد قلت لما أن نعوه وأَمطروا ... حمر الدُّموع على الثّياب السُّودِ
стр. 154
فُقِد الطَبيب فليس توجد صحة ال ... موجود منّا بعد ذا المفقودِ
مرض الصحيح أسىً عليه وبعده ... هلك المريض بطبّ كلّ بليدِ
فكأَنّما الأرواح من أنفاسه ... كانت تدبُّ بأعظم وجلودِ
قد كان يصطاد القلوب ببشره ... وبلطفه ويلين كلّ شديد
وإذا انتحت ألفاظه لبلاغة ... ركب القريب فنال كلّ بعيد
فالنّاس مأتمهم عليه واحد ... من شامتٍ ومؤالف وحسودِ
وأنشدني لنفسه في كتاب صنّفه الوزير في شرح الصحاح، وهو:
كسرتَ الصحاح بتفسيرها ... وأصبحت تضربها في الكسور
أكنت دليلا عليها لنا ... وهل كان أعمى دليل البصير
وما كنت تقصد تهذيبها ... ولكن لتهذي بها في الصدور
وأنشدني له:
يا علّة الفالج لا تتركي ... مَنْ صحَّة العالم في سقمه
وأنشدني له في الحبس:
أفادني السجن منه عقلاً ... لعقله سُمتي اعتقالا
لكنَّه شفَّني بغم ... غادرني بالضنى خيالا
يضيء للعقل كلّ شيء ... إذ صرتُ من دقتي هلالا
стр. 155
وله فيه:
إن حاول الدهر إخفائي فإنَّ له ... في حبسيَ الآن سراً سوف يبديه
أعدَّني للعُلى ذخراً ومن ذَخرتْ ... يداه في الدهر شيئاً فهو يخفيه
وله في استهداء تقويم:
تفاءلت بالتَّقويم حين طلبته ... لعلَّ به تقويم ما اختلَّ من حالي
وللفأل في بعض الأمور إصابة ... وقد يحكم التقويم أيضاً بإقبالي
فأنعِمْ به حتى يقولوا تطوَّلَتْ ... يداه بما نالت من الفَلك العالي
وله في يهودي كان كاتباً بالعين وشفائي، وصرف:
خدمت بالعين وقد فرّقوا ... بينكما يا سخنة العين
العين لا تسخو بإنسانها ... لو كنته ما زلت بالعين
وأنشدني في الغزل له:
تجري دموعيَ شوقاً إنْ نظرت إلى ... بدر السماء وبدرُ الأرض قد غابا
ما أطيبَ العيشَ لو كانا معاً طلعا ... وأجملَ الصبرَ لو كانا معاً غابا
وجدي بكم فوق ما قد كنت أعهده ... لم ينقص البعد من وجدي ولا عابا
يكفيكُمُ سهري في وقت نومكُمُ ... ومُرُّ عيشي إذا ما عيشكم طابا
وله في الزهد ومناجاة الله قبل خروجه:
يا أكرم الأكرمين يا مَنْ ... يطمع في جوده العبيدُ
ليس عجيباً خلاص مثلي ... مِنْ سجنِ مَنْ بأسه شديدُ
هل هو إلا عبدٌ لمولى ... له جميع الورى عبيدُ
يا مُخرج الأعظُم البوالي ... عَجِّلْ خروجي كما أريدُ
стр. 156
فكلّ ما قد كرهت منّي ... قد تبت منه فما أعودُ
قد بان في شدّتي صديقي ... وبان لي المبغض الحسود
وكان هذا لِلوصل أهلا ... وذاك أهلا له الصّدود
وقد أفادتنيَ الليالي ... تجارباً مثلها يفيد
وأنشدني له إلى جهة أم أمير المؤمنين المستنجد بالله أبياتاً كان التوقيع عليها سبب الإفراج:
يا من لها شرف كفا ... طمة وعائشة ومريمْ
وعطاؤها كالغيث لا ... بل جودها أندى وأكرم
والخير من بركاتها ... وجودها الله يعلمْ
لا فخر مثل فخارها ... فيمن تأخر أو تقدّمْ
ولها أمير المؤمني ... ن خليفة مولى محكّمْ
مثل النبيّ محمد ... في الناس ممدوح معظّمْ
إن كان يوسف حسنُهُ ... في مصر أعجبَ من تَقدّمْ
فالحسن في كلّ البلا ... د ليوسف هذا مسَلَّمْ
فبحقّه قسماً تذكر بالسعيد عساه يرحَمْ
وله من أبيات يصف بها مرثية بعضهم:
رَثيتَ مَن ذكره يغثي ... فاصبرْ على القيء يا سميع
فإنّه كالمدام مُرٌّ ... والفيء من شربها ذريعُ
стр. 157
لكنْ لها نشوة الحميّا ... في آخر الأمر يا خليع
وله في النثر في صديق له زاره في محبسه، ثم انقطع عنه: إن استدعينا حضورك أيدك الله، عرضناك للعناء، وإن تاركناك أعناك على البعد والجفاء. والأولى بك أن ترد أمر ترددك إلى هوى مودتك، فإنه ينشطك على المواصلة والطلب، وتتهم مشورة الرأي في مقام الخطار، فإنه يثبطك عن التعب أو العطب. فإن فرسان الوغى، وأهل الصبابة والهوى، لو لم ينزلوا من قلل عقولهم قليلاً، لم يجدلوا قتيلاً، ولا وجدوا إلى قضاء وطر سبيلاً. وقد زرع أيده الله زرعاً ما يقوم بسقيه، غير سعيه؛ ولا ينشيه، إلا تردده وتمشيه. فإن راعاه رعاه، وإن جنى عليه بجفاه حُرمَ جناه.
(وله إلى ابن عمه شهاب الدين، وقد رزق ولداً: عرفت أطال الله بقاك مقدم القادم الميمونة غرته، المأمولة رؤيته، الطالع في سماء مجده هلالاً، الناطقة شواهده بأنه يصير بدراً يملأ العيون جمالاً وكمالاً، فتضاعف تصيبي من المسرة به والاستبشار، ووددت أن تمتد يدي عند الورود به إلى النثار، وشكرت الله على هذه الموهبة النفيسة التي زاد بها عدد هذا البيت فتزينوا بجمالها، وترشحوا للتكثير بها وبأمثالها، والخالق المصور بفضل حكمته يجعله على فطرة الحكمة وعلى الهمة مولوداً، وفي مهاد السيادة والزيادة ممهوداً، وفي الخير والصلاح ناشياً، وإلى رتب النهى والعلى كل يوم صاعداً راقياً، وأن يجعله لبيباً نجيباً، وإلى كل القلوب قريباً حبيباً، ويتبعه بأخوة بدور، يقرون الأعين ويشرحون الصدور، ويملأون الأفنية والدور والمجالس والصدور، ليقوى بهم أزره، ويبقى إلى آخر الدهر صيته وذكره، ويرزق الاستمتاع بهذا الولد السار البار، وبما سيتلوه من الأولاد الصغار والكبار، موقى فيهم كل ما يخافه ويحذره، ملقي منهم
стр. 158
جميع ما يختاره ويؤثره، ولا بَرِحَ يستظلّ ويظللهم، بظل جدهم الصاحب الكبير جامع شمله في العز وشملهم، ليكونوا لقول الأول مستحقين:
سعوا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وجادوا وهم في المهود
ونالوا بِجِدِّهمُ جَدّهمْ ... فإنّ الجدودَ عُلا للجدود
وله رسالة عَمِلها لبعض أصدقائه إلى بعض الكتّاب:
أعزّ الله دعوة مستهام ... بذكرك في الصباح وفي المساء
دعاك على النوى بلسان شوق ... دُعا الظمآن من عطش بماء
يصعّد فيك أنفاساً ضعافاً ... فلو هبّت لطار إلى اللقاء
وما تقوى على ذا البعد نفسي ... ولا نفس بأرض أو سماء
كتب خادم المجلس السامي هذه الخدمة، عن خاطر مملوء بالمحبة وناظر مردود عن النظر بعده إلى أحد من هذه الأمة، ولسان، مملوء ببث الأشواق والأشجان، فائض عن جنان رحب، وبيان سكب. وذا كان الصاحب المخدوم محبباً إلى أنفس مواليه، والخادم المشتاق بليغاً لسناً فيما يخاطب به أو ينشيه، تدفقت ينابيع الكلم من خلال خطابه وكتابه، وارتفعت عوارض التهم عن أوصاف ذاته بالمحبوب وغرامه، وصارت عبارات المحبين من أهل الهوى، وإشارات الممتحنين بالأشواق على طول البعد والنوى، مسلوكة على طريقته، مسبوكة على جسم لطيمته، مرددة من منطقة، مرقعة بخرق خرقه.
لا يدعي كلفي في الحب ذو كلف ... أنا الأمير على العشاق كلِّهم
ولولا أن شكل الزمان وشغل القلب الشاغل بالأهل والأوطان، يقيدان ذا الصبابة عن الخفوف، إلى من هو به صب مشغوف، والقدوم، على من يشتري يوم وصاله بالنوم وانضاء الركائب وعناء الجسوم، لكنت أجعل مقيلي دائماً لديه، ورحيلي وافداً من منزلي عليه، ومن حضرته إليه. وها أنا مذ الآن مجدّ في قصده، وآخذٌ أهب المسير
стр. 159
عند إقبال القر لتقر به عيناي، وأستريح به من شدة عناي، وأشتو عنده شتاء الأعرابي النازل على آل المهلب حين ذم زمانه وشكا محله، فما زال به إكرامهم وافتقادهم حتى حسبهم أهله. ووصل إلى الخادم تشريف حلله وجمله، فود لو اتبع إنفاذ تشريفه، باستنهاضه في بعض المآرب وتكليفه. ولقد تأمله عليه صدور العراق فما منهم إلا من شكر وبشر، وأثنى عليه خيراً وذكر.
وبعد، فلئن ألبس خادمه خلعة غدا ثوبها مبهجاً، وسيكون غداً منهجاً، فقد ألبس مجده حلة من الثناء والإطراء يبقى حديثها على الأيام طرياً أرجاً، والله لا يسلب كافة أوليائه، سابغ نعمه وآلائه في قرب أو بعد، وكسوة حر أو برد، والسلام) .
وكتب إلي، وهو في الاعتقال سنة إحدى وسبعين، زمان اشتغالي بحل أقليدس:
ماذا يضرّ العزيز يوماً ... إن زار في أسره الذليلا
لو كان يبدي إليّ مَيْلاً ... لكان يسعى إليّ مِيلا
يا ملهماً حلّ كّلِ شَكْلٍ ... يقيم في حلّه الدليلا
стр. 160
أقليدسي في الأسار شكل ... فابغ إلى حلّهِ سبيلا
فكتب جوابها قطعةً طويلة على وزنها.
وأنشدني لنفسه ممّا كتبه إلى صديق له يستزيره وهو في الحبس:
الحيُّ لِمْ يُهْجَرُ في حبسه ... والمَيْتُ لا يهجر في الترب
إن لم يكن لي فرج عاجل ... فعجّلوا لي فرج القرب
فأنتم الدّنيا إذا أقبلت ... عليّ كانت منية القلب
كمال الدين
أبو الفضل عبيد الله بن الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
شهم مهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفر، وقيل آل الرفيل. لما تولى أبوه الوزارة، صار أستاذ الدار، فغضت لهيبته الأبصار.
وبيني وبينه من المعرفة وله عند من العارفة ما يوجب علي عرفان قدره، والاعتراف بشكره.
وله شعر يروق ويفوق، ومنه قوله في بعض المماليك المستنجديه، وكان مليحاً:
وأهيف معسول الفكاهة واللمى ... مليح التثنّي والشمائل والقدّ
به ريَ عيني وهو ظامٍ إلى دمي ... وخدّي له وردٌ ومن خدّه وردي
ولي فيه مديح، ومن ذلك أنّه كتب إلى أخي من العراق يشكره على تكفله بأسبابنا، وتكلفه لآرابنا، فعملت فيه قصيدةً، وسيرتها إليه من الشام، مطلعها:
стр. 161
قضى عمره في الهجر شوقاً إلى الوصل ... وأبلاه من ذكرى الأحبّة ما يبلي
وكان خليّ القلب من لوعة الهوى ... فأصبح من بَرْح الصبابة في شغل
وأطريه اللاحي بذكر حبيبه ... فآلى عليه أن يَزِيد من العذل
وإنّ مرير العيش يحلو بذكركمْ ... وهل لمرير العيش غيريَ مُسْتَحْل
وصالكم الدنيا وهجركم الردى ... وقربكُمُ عزّي وبُعدكُمُ ذلّي
ومستحسنٌ حِفظ الوداد فراقبوا ... لأجل اقتناء الحمد نهديّ لا أجْلي
نَفى الصبر من قلب المتيّم حَبلُهُ ... وكيف ثبات القلب في مسكن الخبل
فقلبيَ بين الشوق والصبر واقفٌ ... على جَدَد بين الولاية والعزل
إذا ما بقاء المرء كان بوصلٍ مَنْ ... يحبَ فإن الهجر نوعٌ من القتل
وهل نافعي عذل ونصح على الهوى ... وعذليَ يُغري بي ونصحيَ لا يسلي
وما كنت مفتون الفؤاد وإنّما ... عليّ فتوني دلَه فاتنُ الدلّ
نحولي ممّن شدّ عَقْدَ نطاقه ... على ناحلٍ واهٍ من الخصر منحلّ
إذا رام للصدِّ القيامَ أبت له ... روادفه إِلاّ القيامَ على وصلي
كبدر تجلّى في هَزِيع من الدجى ... وغصنٍ تثنّى فوق حقف من الرمل
وناظره نشوانُ لا من سلافة ... سقيمٌ بلا سقمٍ كحيل بلا كحل
وأشهد أنّ الحسن ما خطّ خطّه ... بعارضه والسحر ما طَرفه يُملي
وما لحظه إلاّ عُقارٌ فإنّني ... وجدت هوى عينيه يذهب بالعقل
سقى الله بالزوراء عصر استقامتي ... لإنجازه الوعد المَصَون من المَطلْ
غداة نضوت الجد أبلى جديده ... ولا عيشَ إلا هزّ عِطْفي إلى الهزل
стр. 162
أنادمُ غرّاً من أفاضل أهلها ... كراماً وكلٌّ حلية الزمن العطل
وإخوان صدق للصداقة بيننا ... صفاء صدور طهّروها من الغِلّ
ندارس آي العقل من سورة الهوى ... ونفهم معنى العلم من صورة الجهل
وها أنا قد أصبحت بالشام شائماً ... سنا بارق من غير وبل ولا طلّ
يؤهَلني للبعد من كلّ حظوةِ ... ويحرمني اللذات بعدي من الأهل
ولا صاحب عندي أحاول نصره ... بتخفيف ما يعروه من فادح الثفل
وإنّي أرى عين الخصاصة ثروتي ... إذا عجزت عن سدها خَلّة الخِلّ
أُلايِنُ حسادي الأشدّاء رِقبةً ... لهم وأعاني الصعب بالخُلُق السهل
وأبقي مداراة اللئيم لعلّه ... يبيت ولا يطوي الضمير على دغل
سوى السوء لا تجدي مداراة حاسدي ... كما يستفاد السّمّ من صلة الصّلّ
ومن نقص دهري قصد فضلي بصرفه ... ليرخص منه ما من الحقّ أن يغلي
وإنّي من العلياء في الكنف الّذي ... به حظُّ فضلي كلّما انحطّ يستعلي
وماذا بأرض الشام أبغي تعسّفاً ... ولا ناقتي فيها ترام ولا رحلي
ولي حرمٌ منه الأفاضلُ في حمىً ... من الصون بالمعروف بالبذل في حِلّ
ومن جملة المديح:
أبي الفضل فيه أن يكون كماله ... لغير كمال الدين أعني أبا الفضل
رحيب النوادي والندى واسع الذرا ... رفيع الذُّرا عالي السنا وافر الظِّلِّ
نداه حيا المعروف قد شمل الورى ... عموماً وغيث الخصب شرّد بالمحل
стр. 163
إذا خفيت سُبْلُ الكرام فإنّه ... كريم المساعي بينهم واضح السبل
وفي الجدب إن جادت سماهُ سماحة ... بدا زَهَرُ الإسعاف في الأمل العقل
تساوى له الإعلان والسرّ في العلى ... فخلوته ملء المهابة كالحفلِ
فتى السنّ إلاّ أنّ للملك قوةً ... بما هو يستهديه من رأيه الكهل
من القوم أمّا المال منهم فعرضة ال ... سماح وأمّا العِرض منهم فللبخل
أَضاء زمان المستضيئ إمامِنا ... بآرائه الميمونة العَقد والحلّ
فمن رأيه ما يطلع السعد من سنا ... ومن عزمه ما يطبع النصر من نصل
ومنها في صفة الروض:
وما روضة غناء مرهوبة الثرى ... مُضَوَّعة الأسحار طيّبة الفصل
شمائلها طابت وطاب شمالها ... سقتها شَمُولاً عند مجتمع الشمل
تردّد أنفاس النسيم عليلة ... عليها فيشفي مرُّها كلَّ معتلّ
تهبّ الصبا فيها بِليلٍ بَليلةً ... على زهَر من عبرة الطلّ مبتلّ
لها من ثغور الأقحوان تبسّم ... وتنظر عن أحداق نرجسها النُّجْل
كأنّ نُعاماها تبلّغ نحونا ... تحايا قرأناها على ألسن الرسل
تؤرّج أرجاء الرضا كأنما ... تجامل في حمل التحية عن جُمْل
مرجعةٌ فوق الغصون حمامُها ... فنونَ هدِيلٍ بين أفنانها الهُدل
تنوح بها الورقاء شجواً كأنّها ... مفجّعة بين الحمائم بالثكل
مطوّقة أبلت سوادَ حِدادِها ... ففي الجيد باق منه طوق له كُحْلي
стр. 164
بأحسن من أَخلاقك الزُهْر بهجة ... وأذكى وأزكى من سجيتك الرسل
ومنها:
إليك سرت منّي مطايا مدائح ... من الشكر والإحماد مُوقرةَ الحمل
سوائر في الآفاق وهي مطيفة ... ببابك دون الخلق مخلوفة العُقْل
تهذّب معناها بصقليَ لفظها ... كما بان إثر المشرفيّ لدى الصقل
وإن يجل شعري في مديحك رونقاً ... وحسنأً فإنّ الشهد من نِحَل النَّخل
سلمت ولا لاقت عداك سلامةً ... ورهطك في كُثر وشانيك في قُلّ
ودمت ولا زالت بسطوك ديمة ال ... وبال على الأعداء دائمة الوبل
ودرّت لك النعمى على كلّ آمل ... بقيت بقاء الذرّ والحرث والنسل
أخوه:
عماد الدين
أبو نصر علي بن الوزير عضد الدين أبي الفرج محمد بن عبد الله بن المظفر رئيس الرؤساء. شاب يتوقد ذكاء، ويتوقر حياء، ويتوقى لله اتقاء، ويتوقل في ذروة المجد ارتقاءً، ويتوقع لحظوة الجد احتظاءً، مرتدٍ بالتقوى، ومسدٍ للجدوى، ومتحلّ بمحاسن الأخلاق، ومتجلّ بأنوار الفضائل في الآفاق. قد خلّى الدنيا
стр. 165
وتحلى بالدين وسلك طريق أهل اليقين، وملك التوفيق من الله رب العالمين، فأصبحت وزارة والده بسيرته حالية عالية، وبقيمة فضله غالية، وبديمة إفضاله هامية.
وله نظم أرق من النسيم السحرين وأدق من المعنى السحري، وأعطر من العنبر الشحري، وله عندي فوائد، ولي فيه مديح وقصائد.
ومن شعره السائر، في البادي والحاضر، ويغنى به:
قف باللّوى إن تناءت الدارُ ... فعند تلك الأوطان أوطارُ
وشِمْ لها بارِقَ السحاب فإنْ ... ضَنَّ فماءُ الجفون مدرار
أحبابنا أزمعوا الرّحيل وما ... أظنّ أنّي أعيش إنْ ساروا
راحوا بقلبي وخَلَّفوا جسداً ... جارَ عليه السَّقام مذ جاروا
أحِبّ نجداً إن انجدوا وإذا ... غاروا فعندي للغور إيثار
لا عُذْر لي في الحياة بعدهُمُ ... النْار في حبّهمْ ولا العار
وبيني وبين هذا الوزير عضد الدين خلوص وداد، وخصوص اتحاد. ولما
стр. 166
وصلت إلى الشام، وأحوجني التلبس بأشغال المملكة إلى المقام، كتبت إليه قصيدة أتشوقه فيها وأمدحه بها، وذلك عقيب وزارة أبيه، وزهده وتأبيه، أولها:
لائم للمِحبّ غير ملائمْ ... هام قلبي وقلبُهُ غير هائمْ
لم يزل واجداً عليَّ لأنّي ... بتُّ للوجْد واجداً وهو عادم
أغتدي للهوى سليباً سليماً ... وهو سال منم الصَّبابة سالمْ
ناصحي غير عالم بالَّذي بي ... ومن الغَبْن ناصح غير عالمْ
خَلِّ يا خِلُّ في الهوى عذل صبّ ... واجد من لواذع العذلِ واجم
لا ترع بالملام مَنْ ليسَ يخْشى ... في سبيل الغَرام لومة لائم
لا تظنْ الهوى مفارقَ قلبي ... فهو وصفٌ كما علمتَ ملائم
لفؤادي ضمانةٌ وغرامٌ ... أتْلَفاه بلا ضمين وغارم
نار وجدي دخانها في شحوبي ... وفؤادي صالٍ ووجهيَ ساهم
قد كتمت الهوى وباح به الدَّم ... ع فسرّي ما بين مُفش وكاتم
من لِصَبّ رمته مُقلةٌ رئمٍ ... حبّه من ضميره غير رائم
لجفون البيض الصوارم بيضٌ ... لم تزَلْ في الجفون وهي صوارم
وبوادي العُّذَيْب أُدْم ظباء ... فاتكات لحاظها بالضراغم
وبنفسي ظامي الوشاح على عذ ... ب لماه قلبي المُعذّب حائم
стр. 167
فحِمى العشق آهلُ الربع منه ... وحِمى الصبر عنه عافي المعالم
ساحر طرفهُ وساجٍ وإنّي ... لتمنّيه ساهِرُ الطّرف ساجم
قرّبَ الطيفُ وصلَهُ وهو ناءٍ ... وأتاني مستيقظاً وهو نائم
أنصفاني رأيتُما قطُّ مظلو ... ماً قضى نحبَه على حبّ ظالم
حبّذا والحبيب في الوصل منّي ... راغبٌ والحسود بالكره راغم
وسقى الله عيشنا المتقضّي ... ورعى الله عهدّنا المُتقادم
حين عصْرُ الصِّبا كحاليَ حالٍ ... وهو في مَرّه كأحلام حالم
فليالي العراق بيضٌ من البي ... ض غوانٍ من الغَواني غَوانِمْ
وزماني مساعِدٌ ورفيقي ... في الهوى مُسعدٌ ودهري مسالم
ومنادي المنى مُجاوبه الاس ... عافُ والسؤل للنجاح منادم
ومن الأكرمين كلُّ نديمٍ ... لستُ من قربه مدى الدهر نادم
ما فقدنا السرور إلاّ هِدانا ... كلُّ هادٍ لما بنى الهمُّ هادِم
وبذاك الجَناب أوطان أوطا ... ري كما أنَّها مغاني المغانم
ومَراد المُراد بالعُرف زاهٍ ... ومَراح المِراح بالعَرف فاغم
стр. 168
ومبيتي ما بين كأسٍ وثغر ... راشفاً منهما متى شئتُ لائم
ورد خّدٍ نَدٍ وغُصن قوامٍ ... ذا جنيٌّ غضٌّ وذلك ناعم
فأنا اليوم بالشَآم وحيدٌ ... لِسَنا البارِق العراقيّ شائم
لا وَدودٌ على وفائي مُقيمٌ ... لا وفيٌّ بشرط وُدّيَ قائم
أبداً بين هِمَّتي وزماني ... في اقتراحي وفي اطّراحي ملاحم
عَظُمت هِمّتي وها أنا أستصْ ... غرُ في المطلب العظيم العظائم
ما نجا من مطاعِن العجز راضٍ ... بِمَلاهٍ من عَيشه ومطاعم
مبتَغي قلبيَ المُشوق ببغدا ... دَ وجسمي نائي المَحلّ بجاسِم
ليتَ شعري متى يُبشّر عنّي ... أصدقائي فيها بنيّ قادمْ
ما لشَمْلي بها سوى أمر مولا ... ي عماد الدّين الممّلك ناظمْ
ومنها في تقريظه:
واحد العصر ثالث الشمس والبد ... ر وثاني الحيا بغير مُزاحم
إنْ يكن مانِحَ المراحم بالجو ... دِ فبالبأس مانِعٌ للمحارم
شَيّدَ المجدَ وهو في المهد شدّت ... بتمام العلى عليه التّمائم
وهو بالحزم مُدركٌ كلَّ سؤلٍ ... ولَعمْري كم حازماً رام حازِم
نُطْقُ قسٍّ ورأي قيسٍ وإقد ... مُ عليّ وجود كَعْب وحاتِم
وندىً فرّق الخزائن مقتا ... داً إلى المُعدِم الغِنى بالخزائم
بشّر البِشر منه كلِّ مُرجٍّ ... دِيمة الخير بالنِّجاح الدائم
стр. 169
طالعةٌ طلقةٌ وباعٌ طويل ... ويدٌ بسْطَةٌ وثغرٌ باسم
وعطايا غُزْر وغُرُّ أيادٍ ... وسجايا زُهرٌ وبيضُ عزائم
كفلت كفّه بنُجْح الأماني ... ونُشور الآمالِ وهي رمائم
فله في التُّقى مآثر نزّهْ ... ن سجاياه عن جميع المآثم
ومنها:
ما رياضٌ فاحتْ لطائف نفا ... س صَباها لطائِفٌ ولطائم
أَظهرَتْ سِرَّ نشرِها فكأنْ قد ... مشت الريح بينها بالنّمائم
وَشْي نوارها المفوّفُ أسدى ... وأنارت فيه أكفُّ الغمائم
كقدودٍ تعلَّقتْها قلوبٌ ... ذات شجو غصونها والحمائم
فَبِشَدْو الغِناءِ للوُرقِ أعرا ... سٌ وبالنوح للحَمام مآتم
من سجايا بني المُظْفّر أبهى ... ومساعيهمُ الحِسان الكرائم
ما استقامت إلاّ بهم سُنَّةُ الشر ... ع ودين الهدى ودولةُ هاشم
واستوت في خضارِم الرأي فلك ال ... ملك منهم على مَراسي المراسم
أحسنوا العفو والتجاوزَ حتّى ... مَهّدوا حرمةً لأهلِ الجَرائم
كم بكت أعين اللّيالي فعادتْ ... وهِيَ اليوم ضاحكات المباسمْ
وبشمس الورى عليّ أبي نَصْ ... رٍ تجلّى عنّا ظلام المظالم
ذو نوالٍ لكلّ عاف معاف ... ولسقم الرّجا مداوٍ مداوم
ففدا كم بني المظفّرِ عاصٍ ... لم يطع أمره من الأمر عاصم
стр. 170
من محاسُنّه المحاسن بالش ... رّ وما زال للمساوي مُساوم
كم رديءِ رَدٍ وساعٍ كمينٍ ... في سعيرٍ وجاحدٍ فيَّ جاحم
ومنها:
يا ابن من حكمه على الخَلْق طرّاً ... وعلى ماله مرجّيه حاكم
أنا راقٍ في هُضْب علياك مدحاً ... ولطرز الثناء بالنظم راقم
غير قاصٍ عن قاصدٍ لك عُرفاً ... لفقار افتقاره هو قاصم
لم يَزلْ فائزاً بصدق الأماني ... كلُّ راجٍ لظنّه فيك راجم
بالمُوالين قوّة للموالي ... والخوافي بها نهوض القَوادم
وكان يُنعت قبل وزارة والده بشهاب الدين.
ولما اعتقلت بالديوان ببغداد، كتبت إليه قصيدة طويلة:
لو كنتَ تعلم منتهى بُرحَائه ... حابَيْتَ إبقاءً على حَوْبائه
ولكنت تترك في الغرام ملامه ... كيلا يزيد اللّوْم في إغرائه
لا تنكِرنْ ضحكي أريك تجُّلداً ... ضحك الحَيا بالبرق عين بكائه
ما كنت أعلم دمع عيني مفشياً ... سراً لهم أشفقت من إفشائه
حتى جرى في الخدّ منّي أسطراً ... فعرفت أنَّ الشوق من إملائه
стр. 171
ما كان أعذب بالعذيّب لدى الصّبا ... عيشاً أمنت فناءه بفنائه
إذ كاسمه ماء العذيب وأهله ... في العزّ تحسدهم نجوم سمائه
والحيّ شمس الأفق تخبأ وجهها ... منه حياءً من شموس خبائه
أيام لم أبصر جميلاً فيهم ... إلاّ وفاء إلى جميل وفائه
ومقرطق ألفيت قلبي آبقاً ... منّي له فالقلب قلب قبائه
قلق الوشاح محبُّه قلق الحشا ... فكلاهما ظامٍ إلى أحشائه
ويشدُّ عَقْد نِطاقه في خصْره ... حذراً عليه لضعفه ووهائه
بدرٌ فؤادي في محبّة وجهه ... بدريّه المعدود من شهدائه
إشراق غرِّة وجهه في صدغه ... يبدي لك الإصباح في أمسائه
منشور إقطاع القلوب عذاره ... فالحسن جند وهو من أمرائه
وله الشباب الغضّ أبدع كاتب ... إذ خطّه المرقوم من إنشائه
في عارضيه سواد أبصار الورى ... قد شفّ من ماء الصّبا لصفائه
والصُّدغ منه لعارضيه معارض ... وسواد ذاك الخطّ من أفيائه
стр. 172
رَمق المحبّ ولم يدعْ رَمقاً له ... هلا أخذت زمامه لذمائه
أعدى سقام اللّحظ منه محبّه ... يا محنتي منه ومن أعدائه
وسقام مقلته زيادة حسنها ... وأراه في جسمي زيادة دائه
يا صاحبيّ الصاحيين من الهوى ... قد طال عهدكما بكأس طلائه
لا تطمعا في أن أفيق فإننّي ... يا صاحبيَّ سكرت منم صهبائه
لا تسمعاني فيه ما أنا كارهٌ ... إنّ المحب يصدُّ عن نصحائه
ولقد أصمّ عن الكلام تغافلاً ... لأُنزّه الأسماع عن فحشائه
أروي حديث الحادثات وخطبُها ... لي يخطب الأهوال من أهوائه
يخفي الزمان سناي في إظلامه ... إخفاء ألْثغ سينه في ثائه
لما مضيت له براني صَرْفه ... مثل اليراع فبرْيه لمضائه
حتَّام أرضي الضّيم من أدوانه ... وإلى متى أغضي على أقذائه
إحفظ لسانك أن يطول فإنّما ... قصر اللّسان يكُفُّ من غلوائه
والشمْع قطع لسانه من طوله ... وحياته سببٌ إلى إردائه
ومقاسمٌ في ثروتي لمّا رأى ... عدمي غدا مستأثراً بثرائه
стр. 173
قوَّمت في زمن الشدائد غصنه ... فاعوج إذْ هبّت رُخاء رَخائه
ونفعته لمّا تناهى ضرّه ... فأعضته السّراء من ضرّائه
قلبي من الإشفاق محترقٌ له ... كالشمع وهو يعيش في أضوائه
متناومٌ عنّي إذا ناديته ... ولطالما استيقظت عند ندائه
إنْ أستزده يزد كراه وزائدٌ ... تحريك مهد الطفل في إغفائه
ولئن جفاني الدهر في أحداثه ... فلأصبرن على فظيع جفائه
فالله يفعل ما يشاء بخلقه ... وجميع ما يجري لنا بقضائه
فاستعد من ريب الزمان بصاحب ... تعدي فضائله على عدوائه
واشك الزمان إلى شهاب الدّين كي ... يبدي رياض الخصب في شهبائه
ونداه ناد فإنّ أندية المنى ... مخضرّة الأكناف من أندائه
وهو الشهاب حقيقةً فالفضل من ... أنواره والطول من أنوائه
كالشمس في آرائه كالغيث في ... آلائه كالصبح في لألائه
لله راحته ففيها راحةٌ ... لمؤمّليه ومرتجي نعمائه
فعداته يفنون من إعطابه ... وعفاته يحيون من إعطائه
يغضي حياءً والمهابة كلّها ... في أنفس الأعداء من إغضائه
ويغضُّ عيناً للوقار ونوره ... لتغضّ عين الشمس دون لقائه
стр. 174
إنْ كان ما غثت معاني مدحه ... منّي فما رنت حبال حِبائه
ومنها في الاستنجاد على الإمام المستنجد:
أبني المظفر ما يزال مظفّراً ... راجيكمُ أيداً بنيل رجائه
وإذا عرا خطب ملمٌّ مؤلمٌ ... داويتُمُ بالجود من أدوائه
يا من علا يحكي أباه وجدّه ... زان العلاء بجدّه وإبائه
يعني الزمان بمن عنيت بأمره ... حاشاك تترك عانياً بعنائه
فانصر أبا نصرٍ على زَمَنٍ أبى ... نصري لفضل أنت من أبنائه
واشفعْ تشفّع وعده بنجازه ... أنّى يخيب وأنت من شفعائه
ذكرْ بحالي الصاحبَ المولى الّذي ... يقوي أمير المؤمنين برائه
وقل استجار كريم بيتٍ بي وذو ال ... بيت الكريم يجد في إحيائه
والمستجير بنا مجارٌ لم يَزلْ ... ولو أنّ هذا الدهر من أعدائه
شافِهْ أميرَ المؤمنين بحاله ... فأرى شفاهك موجبٌ لشفائه
وبعده البيتان اللذان سبق ذكرهما وهما:
قل للإمام علام حبس وليّكم ... أولوا جميلكم جميل ولائه
أوليس إذْ حبس الغمام ولِيَّه ... خلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنها:
لولاك كان رويُّ شعري ظامئاً ... لا يطمع الراوون في إروائه
стр. 175
والفضل بين بنيه أوْكدُ نسبةً ... فَأغث كريماً أنت من نسبائه
وإنما ذكرت شعري فيه، إعراباً عن فضله ونبله، وتسييراً للمثل في ذكر سيرة مثله.
عمر:
تاج الدين
أبو علي الحسن بن عبد الله بن المظفر، أخو عضد الدين الوزير، الكريم المطلق، والحليم الموفق، والصاحب المصحب، والمغدي للكرام المقيت.
ولي في الوزير وفيه مدائح إن أثبتها أكثرت في الكتاب نظمي، وخرجت عما هو رسمي.
وتاج الدين هذا جواد بني المظفر، ورئيس بيت رئيس الرؤساء، وشيمته أصفى من زلال الماء، وقرائحه في نظم أبيات. غير أبيات. وأكثر ما رأيت ميله إلى اللغز والمعمى والأحاجي. وسأورد من ذلك ما أتذكره، وأنا على ما سلف منه في حقي من العارفة أعرف له وأشكره.
стр. 176
بنو المطلب
الأجل رضي الدين
هبة الله بن محمد بن الوزير ابن المطلب، من بيت السؤدد والفضل.
أدواته في الأدب كاملة تامة، ذو نوادر للخاصة والعامة.
له الخط الرائق، والفضل الفائق. إذا كتب أغضى ابن مقلة مقلته حياء، وأغلق ابن البواب بابه خجلاً. وإذا ترسل فاسترسل كان لفظ عبد الحميد، للفظه عبداً
стр. 177
غير حميد، لكن له لوثة ما تكاد تصحي سماء فضله بسحابها، ولا تبرز شمس أدبه من حجابها.
قصر حظه عن خطه، فصار موجباً لخموله وحطه. وحيث نسخت آي الفضل في عصرنا فلم تقم سوقه، اقتنع بأن يكون ناسخاً لما رأى عهد الأدب منسوخاً، وعقده مفسوخاً.
ورأيت أهل الأدب الأكابر ينبزونه بالجرذ، ويتطايبون معه به، وهو كثيراً ما يذكره فيما ينظمه تعريضاً، وربما صرح به.
ونثره في غاية الحلاوة، واستشهاداته واقعة موقعها، وأبياته مضحكة.
أنشدني لنفسه:
فديت من في وجهها سنَّةٌ ... أشهى إلى القلب من الفرض
تنسى عهوداً سلفت بيننا ... كأنما قد أكلت قرضي
هذه إشارة إلى أن أكل الطعام الذي قرضه الفأر، يورث النسيان على ما يقال.
وأنشدني لنفسه في الهجو:
ألا قبّح الله هذي الوجوه ... وبدَّلها غيرها أوجها
فلا أفقها مُؤذِنٌ بالندى ... ولا بالعُلى مؤذِنٌ أوجها
وأنشدني لنفسه في الهزل:
بنفسي كلُوُمٌ من هواك أليمةٌ ... وأخفي الذي بي في الهوى وأكايمُ
ولي في الرّضا والسخط عندك، فاعلمي ... سفيعان:. . . قائمٌ، ودراهمُ!
стр. 178
وأنشدني لنفسه في ابن دينار، كاتب منثر الوزير في محرم سنة إحدى وستين، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في منثركم كاتبٌ ... يزيد في ظلميَ إفراطا
مضيع للمال لكنه ... أضحى على شؤمي محتاطا
ظنّ أباه من عطاياك لي ... فليس يعطينيَ قيراطا
وأنشدني لنفسه في الأديب مفلح أيضاً حيث مطله وكان هو عامل المنثر يخاطب حاجب الوزير:
قل لابن تركان حليف الندى: ... جواهري في النظم لم تثَقب
والقول يا مولاي لو رُمْتَهُ ... عند وزير العصر لم يصعب
مولاي يا من برُّه عاجل ... ليس بمجنوب ولا متعب
مفلحُ عُرقوب ولكنني ... أطمع في برّك من أشعب
стр. 179
يقول مَن لقَّبنا هازئاً: ... هذا جَسدَىً ممتنع المطلب
واعجباً من جرذٍ شاعرٍ ... يُحال بالبرّ على ثعلب!
وأنشدني له أيضاً في نائب الوزير بسبب إحالته على المنثر، وكان قد دافعه:
يا سيدي والطَّالب الغالب ... قد وقع اللَّصُّ على النائب
ولست أهجو مفلحاً بعدها ... قد صحَّ أنَّ الذنب للنائب
وأنشدني لنفسه في ابن تركان:
يا ابن تركان لن يدومَ سِوى الل ... هـ بعلمي، وكلُّ هَمّ يزولُ
كلُّ حيّ، وإن تمادى به العم ... رُ طويلاً، إلى الممات يؤول
وأنشدني لنفسه في بعض الوزراء:
يا سيد الوزرآء، عبدكَ لم يزل ... يرجو العلوَّ لظلّك الممدود
فعلام ذِيدَ، وللعفاة مناهِلٌ ... من حوضك المتُلاطِم المَوْرود؟
نَثَلَ الكنائنَ للنّضال ذِياده ... عنكم فأصمى عِرضَ كلِّ حسود
وغدا يهذ من المديح قصائداً ... تزهى إلى إحسان كلِّ قصيد
وبكلِّ عافية يروح ويغتدي ... منْ ربّه لكن بغير ثريد
وأنشدني في ذم الغيم لنفسه:
ما أقبح الغيم ولو أنَّهُ ... يُمطرنا دُرّاً وياقوتا!
فكيف والآفاق مغبرةٌّ ... شوهاء لا ماءً ولا قوتا؟
стр. 180
وأنشدني لنفسه في واسط، ويذكر مخالطة النسيم روائح السحاه، وفيه نوع تحميض:
لله واسط! ما أشهى المقام بها ... إلى فؤادي وأحلاه إذا ذكرا!
لا عيب فيها ولله الكمال سوى ... أنَّ النسيم بها يفسو إذا خّطرا
وأنشدني لنفسه:
نَفْضُ التُراب عقوقٌ عن مناكبنا ... لأنَّه نَسَبُ الآباء في القِدَمِ
وأنشدني لنفسه في امرأة له بذلت نفسها لغيره، وتمنعت عليه، وقد لبست على ابنها نقاب سواد:
قلتُ لها إذ أقبلتْ ... في حُلّة كالسبج
ومنظرٍ يسبي العقو ... ل لحظه بالغنج
تضايقي تضايقي ... لا بدَّ أنْ تنفرجي!
أبو سعد محمد بن علي بن عبد المطلب
كان في عهد الوزير ابن المطلب، وزير الامام المستظهر رضي الله عنه
следующие страницы →