Полный текст (363 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بنو المطلب
الأجل رضي الدين
هبة الله بن محمد بن الوزير ابن المطلب، من بيت السؤدد والفضل.
أدواته في الأدب كاملة تامة، ذو نوادر للخاصة والعامة.
له الخط الرائق، والفضل الفائق. إذا كتب أغضى ابن مقلة مقلته حياء، وأغلق ابن البواب بابه خجلاً. وإذا ترسل فاسترسل كان لفظ عبد الحميد، للفظه عبداً
стр. 177
غير حميد، لكن له لوثة ما تكاد تصحي سماء فضله بسحابها، ولا تبرز شمس أدبه من حجابها.
قصر حظه عن خطه، فصار موجباً لخموله وحطه. وحيث نسخت آي الفضل في عصرنا فلم تقم سوقه، اقتنع بأن يكون ناسخاً لما رأى عهد الأدب منسوخاً، وعقده مفسوخاً.
ورأيت أهل الأدب الأكابر ينبزونه بالجرذ، ويتطايبون معه به، وهو كثيراً ما يذكره فيما ينظمه تعريضاً، وربما صرح به.
ونثره في غاية الحلاوة، واستشهاداته واقعة موقعها، وأبياته مضحكة.
أنشدني لنفسه:
فديت من في وجهها سنَّةٌ ... أشهى إلى القلب من الفرض
تنسى عهوداً سلفت بيننا ... كأنما قد أكلت قرضي
هذه إشارة إلى أن أكل الطعام الذي قرضه الفأر، يورث النسيان على ما يقال.
وأنشدني لنفسه في الهجو:
ألا قبّح الله هذي الوجوه ... وبدَّلها غيرها أوجها
فلا أفقها مُؤذِنٌ بالندى ... ولا بالعُلى مؤذِنٌ أوجها
وأنشدني لنفسه في الهزل:
بنفسي كلُوُمٌ من هواك أليمةٌ ... وأخفي الذي بي في الهوى وأكايمُ
ولي في الرّضا والسخط عندك، فاعلمي ... سفيعان:. . . قائمٌ، ودراهمُ!
стр. 178
وأنشدني لنفسه في ابن دينار، كاتب منثر الوزير في محرم سنة إحدى وستين، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في منثركم كاتبٌ ... يزيد في ظلميَ إفراطا
مضيع للمال لكنه ... أضحى على شؤمي محتاطا
ظنّ أباه من عطاياك لي ... فليس يعطينيَ قيراطا
وأنشدني لنفسه في الأديب مفلح أيضاً حيث مطله وكان هو عامل المنثر يخاطب حاجب الوزير:
قل لابن تركان حليف الندى: ... جواهري في النظم لم تثَقب
والقول يا مولاي لو رُمْتَهُ ... عند وزير العصر لم يصعب
مولاي يا من برُّه عاجل ... ليس بمجنوب ولا متعب
مفلحُ عُرقوب ولكنني ... أطمع في برّك من أشعب
стр. 179
يقول مَن لقَّبنا هازئاً: ... هذا جَسدَىً ممتنع المطلب
واعجباً من جرذٍ شاعرٍ ... يُحال بالبرّ على ثعلب!
وأنشدني له أيضاً في نائب الوزير بسبب إحالته على المنثر، وكان قد دافعه:
يا سيدي والطَّالب الغالب ... قد وقع اللَّصُّ على النائب
ولست أهجو مفلحاً بعدها ... قد صحَّ أنَّ الذنب للنائب
وأنشدني لنفسه في ابن تركان:
يا ابن تركان لن يدومَ سِوى الل ... هـ بعلمي، وكلُّ هَمّ يزولُ
كلُّ حيّ، وإن تمادى به العم ... رُ طويلاً، إلى الممات يؤول
وأنشدني لنفسه في بعض الوزراء:
يا سيد الوزرآء، عبدكَ لم يزل ... يرجو العلوَّ لظلّك الممدود
فعلام ذِيدَ، وللعفاة مناهِلٌ ... من حوضك المتُلاطِم المَوْرود؟
نَثَلَ الكنائنَ للنّضال ذِياده ... عنكم فأصمى عِرضَ كلِّ حسود
وغدا يهذ من المديح قصائداً ... تزهى إلى إحسان كلِّ قصيد
وبكلِّ عافية يروح ويغتدي ... منْ ربّه لكن بغير ثريد
وأنشدني في ذم الغيم لنفسه:
ما أقبح الغيم ولو أنَّهُ ... يُمطرنا دُرّاً وياقوتا!
فكيف والآفاق مغبرةٌّ ... شوهاء لا ماءً ولا قوتا؟
стр. 180
وأنشدني لنفسه في واسط، ويذكر مخالطة النسيم روائح السحاه، وفيه نوع تحميض:
لله واسط! ما أشهى المقام بها ... إلى فؤادي وأحلاه إذا ذكرا!
لا عيب فيها ولله الكمال سوى ... أنَّ النسيم بها يفسو إذا خّطرا
وأنشدني لنفسه:
نَفْضُ التُراب عقوقٌ عن مناكبنا ... لأنَّه نَسَبُ الآباء في القِدَمِ
وأنشدني لنفسه في امرأة له بذلت نفسها لغيره، وتمنعت عليه، وقد لبست على ابنها نقاب سواد:
قلتُ لها إذ أقبلتْ ... في حُلّة كالسبج
ومنظرٍ يسبي العقو ... ل لحظه بالغنج
تضايقي تضايقي ... لا بدَّ أنْ تنفرجي!
أبو سعد محمد بن علي بن عبد المطلب
كان في عهد الوزير ابن المطلب، وزير الامام المستظهر رضي الله عنه
стр. 181
متصرفا. وكان هجاماً على الهجاء وثلب الكبراء.
له:
عُزلتُ وما خُنْت فيما ولي ... تُ وغيري يَخون ولا يُعزّلُ
فهذا يدلُّ على أنَّ مَن ... يوّلي ويعزل لا يعِقل
وله في الهجو السخيف:
. . . حتى يسيل فوه ... ويدّعي أَنَّه. . .
ثلاثة حبّبت إليه ... التيه، والعجبُ، والسّقوط
تراه في الدَّست مثل ميت ... ذرّ على وجهه الحنوط
وأنشدني مجد الدين ابن المطلب بدمشق لأبي سعد ابن المطلب:
تنانيركم للنَّمْل فيها مدارجُ ... وفي قِدركم للعنكبوت مناسِجُ
وعندكم للضَّيف يومَ يزوركمُ ... حَوالاتُ سوءٍ كلها وسَفائج
إذا سهل الإذن العسير ورفعت ... ستورك فانظرني بما أنا خارج
وسّيانٍ بيت العنكبوت وجوسق ... منيف إذا لم تقض فيه حوائج
стр. 182
بهاء الدين كافي الدولة ابن حمدون الكاتب
كان عارض العسكر المقتفوي. ثم صار صاحب ديوان الزمام المستنجدي. وهو كلف باقتناء الحمد، وابتناء المجد. وفيه فضل ونبل، وله على أهل الأدب ظل. وألف كتاباً كبيراً سماه التذكرة، وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة، فوقف الإمام المستنجد على حكايات ذكرها نقلاً من التواريخ نوهم في الدولة غضاضة، ويعتقد للتعرض بالقدح فيها غراضة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس. وذلك في أوائل سنة اثنتين وستين وخمس مئة.
وأنشدني لنفسه في مروحة الخيش ملغزاً:
ومرسلة معقولة دون قصدها ... مقيدة تجري حبيس طليقها
تُمرّ خفيف الريح وهي مقيمة ... وتسري وقد سُدّتْ عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثة ... وقد ضربت إلى النبيط عروقها
стр. 183
إذا صدق النَّوْءُ السِمّاكيّ أمحلت ... وتمطرُ والجوزاء ذاكٍ حريقها
تحيتها إحدى الطبائعِ، إنّها ... لذلك كانت كلّ روح صديقها
وقال:
وحاشا معاليك أنْ يُستزادَ ... وحاشا نَوالُك أن يقتضى
ولكنّما أستزيد الحظوظَ ... وإنْ أمرتني النهى بالرّضى
وقال:
يا خفيف الرأس والعقلِ معاً ... وثقيلَ الرُّوح أيضاً والبدنْ
تدّعي أنّك مثلي طيّبٌ ... طيب أنت ولكنْ باللبن!
أبو المظفر ابن السببي
الملقب عز الدولة، من أهل بغداد وأعيانها. كان شاباً ظريفاً، متودداً لطيفاً، ذا كياسة، ورياسة ونفاسة، ملء الفضائل، حلو الشمائل، حسن البهجة، لسن اللهجة.
стр. 184
أناب ابن البلدي في وزارته بوزر دمه، وتوصل في قطع يده وقدمه، وذلك في آخر سنة خمس وستين وخمس مئة. ولم يمض شهران حتى انقضت أيام المستنجد، وفتك بالوزير المتبلد، ولم يتم ثأره، حتى ظهرت في تبديل الدولة آثاره.
ومن نظمه السلس، وهو أرق من النفس، ويغنى به:
يا ناجِياً من عذاب قلبي ... وسالماً من رسِيس وَجْدي
لا تتقرب إلى ثيابي ... فإنَّ داء الغرام يعدي
تزعم أنَّ الفؤاد عندي ... لو كنت عندي لكان عندي
قد غّير الدهر كلّ شيء ... سوى جفاكم وحسن عهدي
وله:
أعيذكمُ من لوعتي وشجوني ... ونار أسى بين الضلوع دَفينِ
وبَرَّح جوى لم يُبق منّي بقيةً ... سوى حركاتٍ تارةً وسكونِ
سهرنا بنعمانٍ ونمتم ببابلٍ ... فيا لعيونٍ ما وفت لعيون!
أكاذب سمعي عن أحاديث غدركم ... وأعرفها عن صحّةٍ ويقين
ألا مخبرٌ عنّي قلوباً أبيةً ... يقول لها: كم ذي القساوة؟ ليِني!
стр. 185
الأجل سعد الدين
أبو عبد الله الحسين بن شبيب الطيبي. ولد بالطيب، وسكن بغداد، وخص بأمير المؤمنين المستنجد، وولاه إشراف المخزن، وأحله محل أمينه المؤتمن، وخف على قلبه، وجن بحبه، وصار له بمنزلة النديم السمير، وحصل من أثرته بالمقام الأثير. وكان يداعبه ويصحف عليه في خطابه، ويستدعي منه تصحيف جوابه، فمن ذلك أنه أقبل يوماً، فقال له الخليفة: ابن شتيت؟ فقال في الحال: عندك، يعني ابن شبيب، فقال هو: عبدك.
وله نظم رائق، بالإحسان لائق. واتفق له هذا البيت في المستنجد من قصيدة:
أصبحت لبَّ بني العبّاس كلّهم ... إنْ عُدّدَتْ بحروف الجُمَّل الخلفا
والمستنجد: هو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولب: اثنان وثلاثون بحساب الجمل.
واتفق للقاضي أبي بكر الأرجاني في المسترشد، وكان التاسع والعشرون من
стр. 186
خلفاء بني العباس، وقد عدهم في قصيدة وقال:
خلائف نظموا في سِلك دهرهم ... ونورَ وجهك منهم في المتون سرى
عشرون تتبعها منهم ثمانيةٌ ... كاتوا المنازِلَ والمسترِشدُ القمرا
ابن شبيب، حلو التشبيب، ورقيق النسيب. وله أشعار تخجل الدر منظوماً، والوشي مرقوماً، والروض ناظراً، والبدر زاهراً.
ومن جملة شعره السائر، ولفظه الساحر، قصيدة له يستطرد فيها بمؤذن يعرف بعباس، جهر الصوت، كان يصل صوته إلى أقاصي المحال ببغداد وقت الصباح:
وشى بالصبح عبّاس ... وثوب الليل أدراس
ومنها:
وقد مجّ فم الأبري ... ق مما قهقه الكاس
ويقول في آخرها:
فما أطيب ليلَ الوص ... ل لو يخرس عباس!
وله قصيدة في الإمام المستنجد أولها:
إذا حلّ تشرينُ فاحلل أوانا ... فإنّ لكلّ سرورٍ أوانا
стр. 187
وله من قصيدة في الإمام المستضيء:
سرى، والدّجى تصبي غدائره الجُونُ، ... نسيمٌ على سرَ الأحبّة مأمونُ
وما استيقظ الواشون إلا بنشره ... فقالوُا، وما قالُوه وَهْمٌ ومظنونُ
وبحر الهوى طامي الغوارب مزبدٌ ... مخيف، وفُلكي بالصّبابات مشحونُ
إذا جاد فالبحرانِ جرعة شاربٍ ... وإن زاد فالسبعُ الأقاليم ماعونُ
ومنها:
فأنقذ مِصراً من يَدَيْ كلّ كافرٍ ... لنعماه، لا عقل لَدَيْهِ ولا دينُ
إذا ما أراد الله إهباطَ دولةٍ ... تبيذقَ منها في الدُّسوتِ الفرازينُ
ولمّا مضى فِرْعَوْنُها فَرّ عَوْنُها ... وأدركها موسى الكليمُ وهارونُ
وَقد بقيت في نفس يَعقوبَ حاجة ... إلى سيفك الماضي هي الغرب والصينُ
قسوتم ولِنتم غِلظةً وتعطّفاً ... وفي جانب اللهِ القساوةُ واللينُ
وله من قصيدة فيه:
فمن ذا يبلغ أهل الغرام ... بهذا العجيب الذي قد بَدَرْ؟
فإنّيَ قد رَقَّ لي من قسا ... فمن شاء سرّ ومَنْ شاء برّ
وما بعد ذلك من غايةٍ ... إذا شهد القلب غاب النظر
стр. 188
وله يهنيء الإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، ويذكر الخلع التي أفاضها على أرباب دولته، ومتقدمي جنده وخاصته، ووجوه الناس من رعيته. وكان رسم له في أيام والده المستنجد أن ينظم أبياتاً على وزن أبيات ابن الحجاج التي أولها:
يا دار يا دار الوزير النّاصح
أمسى بخير في حماه وأنْعمي ... ما دام يبقى في الصبّاح الصّالح
وفي هذه الأبيات صوت يعرف بالصباح الصالح. فتأخر عملها إلى حين تولى الخلافة، فقال يمدحه على الوزن والروي:
بكر الغمام لها بدمع سافح ... طرباً إلى نغم الحمام الصّادح
وتنّبهَ النّوّار في جَنباتها ... سحراً لدغدغة النسيم المازح
بالغ في وصف النسيم باللطف بتشبيهه بالمازح، وتشبيه مروره المنبه بالدغدغة، فأحسن في الاستعارة.
وافترّ ثغرُ الأقحوانة ضاحكاً ... لمّا حَبته يَدُ السحابِ الدّالح
стр. 189
ووشى بها ووشت به أنوارها ... يا حّبذا نَفس الكتوم البائح
وتسلسلت رُقْشُ الجداول، وانثنت ... تستنُّ بين أراكها المتناوح
تجري وتجري الريحُ بين غصونها ... فتميل من راح وطيبِ روائح
فإذا أعير بديعه من روضها ... طُرَفاً، أقام بها، فليس ببارح
خَلعَ الربيع على الرُّبا لما انتشى ... وَشْياً، وضمخها بمسك نافح
خِلع الإمام المستضيء، فإنّها ... عظمت وجلّت عن بلاغة شارح
سفرت لنا من طيبها أيّامه ... عن وجه معشوق الدلال مسامح
عاد الزّمان به إلى رَيْعانه ... بعد ارتداد مَفارق ومَسايح
رُفِعت لنا عنه السجوُف، فلاح لي ... كالبدر سُلَّ عن السحاب الرائح
فتبادروا لَثمَ الصعيد، وبايعوا ... طَوْعاً لمجتهدٍ تقيّ صالح
يا صاحب الدعوى العريضة، إنّه ... صبٌّ إلى ضوء الصباح الصابح
ما بعدها لمؤّملٍ من غايةٍ ... هذا أمير المؤمنين، فصافح!
هذا الذي عادت بُسنّة عدله ... سُنَنُ النبيّ إلى الطريق الواضح
فخراً، بني العبّاس، إنَّ لبيتكم ... شَرَفاً يُنيفُ على السّمِاك الرامح
ماذا يقول الجاحدون لفضلكم؟ ... علت المجرَّةُ عن عُواء النّابح!
стр. 190
وبفضلكم نطق الكتاب مفصّلاً ... أفكيفَ يبلغه فصاحة مادح؟
يا سعد أخبية الذين تحمَّلوا ... سَعد السعود خِلاف سَعد الذابح
يشير إلى والده المستنجد، ويقول: إن زمان هذا السخي الرحيم السهل الجانب، خير من زمان أبيه الحازم، الشديد السطوة، الصعب الشكيمة.
جاءتك تخِطبكَ الخلافة كفوها ... فاستجلها عَفواً بغير مشايح
وأفِضْ على عَطش البرايا رحمةً ... سَيباً كَمنهلّ الغمام السافح
وانْشر رِداءَ العدل في أقطارِها ... تَنجُ البغاث من اختطاف الجارح
واستدِركِ الأرماقَ منك بنظرةٍ ... تخلصْ بها من كلّ خَطبٍ فادح
ولقد تجّهمها الزمان، فأَحْيِها ... عدلاً يقرّبُ بالبعيد النازح
وقال يمدحه قبل إفضاء الخلافة إليه:
أوحى فِراقُ المُنجدِ ... فالصّبرُ غير مُنجدِ
قالوا: غَداً فِراقُهمْ ... فجاء قبل الموعدِ
بُحتُ بما ألقاه لمّ ... ازاد عن تجلّدي
وَشَفّني طول الضنى ... حتى تلاشى جسدي
لولا الأنينُ لخفي ... تُ عن عيون الحُسَّد
стр. 191
يا صاحبيَّ، استمعا ... ما لم يَدُرْ في خَلدِ
ألفُ مريضٍ عُللوا ... رُمانةً في بَلد
فما تُرى بناظرٍ ... ولا تُنالُ بيدِ
عَزَّ الذي تبغي، فقد ... عزَّ وجودُ المسعد
سقى حُمولَ الظاعن ... ين كلُّ جَوْنٍ مُرْعِدِ
ولا عَدَتْهم روضةٌ ... أزهارُها كالعسجدِ
نرجسها مُركّب ... في قُضب الزُّمرَدِ
كأنما مرّ بها ال ... مولى أبو محمد
وجادَها بَنانُه ... بسائح مُطّردِ
يلبس إنْ جمّشه الر ... يح صُنوفَ الزَّرَدِ
فتارة صَفيحةً ... وتارة كالمبرَدِ
سَرَى إلينا جُودُهُ ... من غير ضَرْبِ مَوْعدِ
وشمتُ من أخلاقه ... شَمائلَ التفرُّدِ
ودَلَّ حسن بِشرهِ ... على كريم المحِتدِ
للِه منه ساعةٌ ... مسعودةٌ في مولدي!
قبّلتُ ظهرَ كفه ... فيها بغير عَددِ
وافترّ لي حين بدا ... ثغرُ الزمان الأغيد
стр. 192
وردّني إلى الشبا ... ب والنَّعيم الأرْغد
ودَبَّ من ألفاظه ... سكر الصِبّا في جسديِ
فمن عجيب ما جرى ... أنّيَ لم أعَرْبدِ
يقول: إنه في بعض خرجات المستنجد بالله إلى الصيد، أدناني من خدمته، وأعطاني يده فقبلتها، ولطف بي، وحادثني ساعة.
يا من أُرَجِّيه على الدهرِ لِيوْمي وغَدي
ومن أفَدّيهِ ببذْ ... ل النفس لا بالصَّفَد
أصغ إلى شعري الذّي ... يبقى بقاء المُسَندِ
بكم عُرِفْتُ والسهى ... مُعَرَّفٌ بالفَرْقَدِ
دام عليكم ظَّل مَوْ ... لانا الامام الأمْجَدِ
العالم الحَبر الملي ... ك لقائم المُستنجِدِ
ناب عن الله وعن ... شَرْع النَّبيّ أحمد
به حَمِدْنا زمناً ... من قبله لم يُحمَدِ
فخُلّدِت أيّامه ... في صَفو عيشٍ رَغَدِ
ولسعد الدين بن شبيب من قصيدة في المستنجد:
مستنجدٌ باللهِ مالكها ... أمسى لأِفلاك العْلى قُطْبا
إنْ عدَّد الخلفاء حاسبنا ... ألفيته لجميعهم لُبّا
стр. 193
لأن المستنجد كان الثاني والثلاثين من خلفاء بني العباس، ولب: في حساب الجمل اثنان وثلاثون.
وأعاد المعنى في نظم آخر، فلطف:
أنت الإمام الذي يحكي بعيرته ... من نابَ بعد رسول الله أو خَلفا
أصبحتَ لبَ بني العباس كلّهم ... إنْ عُدّدِت بحروف الجُمَّل الخلفا
الأمير السيد عزّ الدين
أبو الحسن علي بن المرتضى العلوي. مولده ومنشؤه بغداد، ووالداه من أصفهان.
كان في خدمة الخاتون زوجة المقتفي. وتفقه ولده هذا وبرع على مذهب أبي حنيفة،
стр. 194
ووجد الكرامة الكثيرة من الخليفة، وأهل للرتب الشريفة، والمناصب النيفة، فلم يمل إلا إلى العلم ونشره، ولم يرغب إلا في الفقه المؤذن برفع قدره.
وله إلمام بنظم أبيات من الشعر، تدل على إبرازه بالبر. وهو مدرس جامع السلطان بمدينة السلام، مشتمل على الإفادة مشمول بالإكرام.
أنشدت له في سنة سبعين بالشام:
لا تحزَنَنَّ لذاهبٍ ... أبداً، ولا تجزَعْ لآِتِ
واغنَمْ لنفسك حظّها ... في البينِ من قبل الفواتِ
وقوله:
صُن حاضِرَ الوقتِ عن تضييعه ثقةً ... ألاّ بقاءَ لمخلوقٍ على الدَّوْم
وهَبْكَ أنَّك باقٍ بعده أبداً ... فلن يعودَ إلينا عينُ ذا اليوم
الأجل صفي الدين
أبو القاسم عبد الله بن زعيم الدين صاحب المخزن يحيى بن جعفر. شاب شؤبوت خاطره دفوق، وشبا قريحته ذلوق. مشبوب الذكاء، محبوب اللقاء، مجبول من
стр. 195
الكرم والحياء، متأدب متهذب، متحبب إلى الناس، متجنب للالتباس. وهو البحر ابن الجعفر، والليث ابن القسور.
وله شعر يقطر منه ماء السلاسة، وينشر به عرف الرياسة. وله في مدح الإمام المستضيء بأمر الله يهنيه بالخلافة، في سنة ست وستين وخمس مئة:
يا إماماً أولى الغنى ... كلَّ راج ومُجتَدِ
وكريماً أمواُلهُ ... للعطايا بمرصد
ومُطِلاً على السِمّا ... ك بمجدٍ مُوطَّدِ
ومَناراً به إذا ... أظلم الخطبُ نهتدي
كم وكم كفَّ عَدْلُهُ ... كفَّ طاغٍ ومُعتدِ
وبك اخضرّ ما ذَوَى ... من سَماح وسُؤدَدِ
فَابْقَ واسْلَمْ ودُمْ كذا ... أبدَ الدَّهْر واخْلُدِ
وارْقَ ما شِئْتَ آمِناً ... دَرَجَ العزّ وازْدَدِ
تُخلِق الدهرَ لابِساً ... ثوبَ سَعْد مُجَّددِ
بعلاءٍ مُجّمعٍ ... وثراءٍ مُبَدَّدِ
وانتصارٍ على العِدى ... واقتدارٍ مؤيَّدِ
يا مُعيني على الزّما ... نِ وكهفي ومُسْعِدي
أنا عبدٌ جَلا ندا ... كَ صَدا حظّيَ الصَّدِي
بك مدحي قد اغتدى ... كالجُمانِ المُنَضَّدِ
في معاليك حقّق ال ... لّهُ ظَنّي ومَوْعِدي
كنتُ أرجو لك الخِلا ... فَة، فأسْعَدْ بها اسْعَدِ!
стр. 196
وله أيضاً فيه على وزنين وقافيتين:
جُودُ الإمام المستضيء غمامة للمجتدي ... تروى بها آمالُهُ
مُنحَ الوَرى منه بأبْلجَ في الشّدائد مُنجد ... معدومةٌ أمثالُهُ
إنّ الخليفةَ بالخليفة في المكارِم تقتدي ... فدليلها أفعالُهُ
وبجُودهِ الخَيْران منها في النّوائب يهتدي ... فسراجُها أفضالُهُ
وَردَ الرّجاء به على أحْلى مراشف مَوْرِدِ ... مُعْذَوْذبٍ سَلساُلهُ
قال السماح، وقد حبا: أكرمْ به من مُرِفد ... مبذولة أموالُهُ
أحيا مناقبَ جَدِهّ العبّاس عمّ محّمد ... فبذاك تمَّ جَلاُلهُ
خَجِل الحَيا بسخائه متبرّعاً بندى يَدِ ... متتابع تَهْطاُلهُ
جُود السّحاب بمائة والمستضيءُ بعَسْجَدِ ... فاعتاقَه إخْجاُلهُ
دان الزمان لفخره ولماله من مَحْتِدِ ... وعنت له أقياُلهُ
وأمدَّه الرحمان منه بناصر وبمسْعِدِ ... وأطاعه إقبالُهُ
وأجاب فيه دُعاءَ قِنٍّ مخلص متعّبدِ ... نطقت بذلك حالُهُ
وقال أيضاً يمدحه ويهنئه بالخلافة:
قد أمَّنَ الله ما كنّا نُحاذِرُهُ ... بعدل مولى زكت منه عناصرُهُ
خليفةٌ عمّ أهل الأرض قاطبة ... جوداً، وطبّقت الدنيا مآثرُهُ
واستبشرَ الدَّهْرُ لما صار مالِكهُ ... تَمْضي عليه بما يَهْوى أوامرُهُ
стр. 197
أجرى إلى العدل من سيل بمنحدرٍ ... فيا له بحرَ جُودٍ عَبَّ زاخرُهُ
ينهْنِهُ العلمُ منه غَرْبَ بادِرَة ... وجُودُهُ باقتنا الحمد آمِرُهُ
فاللهُ من غِير الأيّام كالِئُهُ ... بلطفه وعلى الأعداء ناصِرُهُ
سمعاً إمامَ الهدى من عبد نعمتكم ... عبد صفت لكمُ منه سرائرُهُ
ما زال يأمُلُ هذا اليوم مبتهلاً ... فحينَ وافى وَفى بالنَّذْرِ ناذرُهُ
بسطت آمالَهُ من بعد ما قبضت ... فطار بالنُّجْح في مَسعاه طائرُهُ
ولاؤكم يا بني العبّاس جُنَّتُهٌ ... وحُبّكمْ أخلصت فيه ضمائرُهُ
غرستموه فأضحى مُخِلصاً لكمُ ... تجيد في شكر نُعماكم خواطرُهُ
يا ابن الخلائف، دْم واسلم، وكن أملي ... بك هتدى في ظلام الليل حائرُهُ
قد أحكمَ الله عَقْداً أنت عاقده ... وعِز ملكك قد شُدَّتْ مرائرُهُ
وقال يمدحه:
عَدْل الإمام المستضيء الحَسَنْ ... أجارَ من جَوْر صُروفِ الزَّمَنْ
كم من عيونٍ في الورى أُسهرتْ ... بالجَوْر قد أهدى إليها الوَسَنْ
وطالما رُوّع قلبُ العُلى ... فالآن قد قرَّبه واطْمَأنّْ
وأصبحت دولتُهُ روضةً ... زاهرةً تُذِهبُ عنّا الحَزَنْ
وطوَّقَ الأعناقَ معروفُهُ ... فينا بأطواق اللُّهى والمِنَنْ
ولو رأى إفضالَهُ حاتِمٌ ... هامَ به من دَهَش وافتنْ
стр. 198
قد أوضحت سيرته بالنَّدَى ... لكلّ سارٍ في المعالي سَنَنْ
فما هَفا المذنب إلا عفا ... ولا شَكا الإمحالَ إلاّ هَتَنْ
قُلْ لإمام العصر: يا ذا الذّي ... حلَّ من الفخر الذُّرى والقُننْ
خِلافةٌ بالنصر قُلِدّتْها ... أنت حقيقٌ بحلاها قَمِنْ
دعا عبدٍ مخلصٍ يستوي ... في حبّكم إسرارُهُ والعلَنْ
وَلاؤكم أضحى له جُنّةً ... من كلّ ما لا يُتَّقي بالجَنَنْ
جرت أياديكم وآلاؤكم ... منه كمجرى دمه في البَدَنْ
لِسانُهُ منذ بدا ناطقاً ... لُزَّ مع الشكر لكم في قَرَنْ
يقول: إنْ لم أُلْفُ مُسْتَهَتراً ... بشكر ما أوليتموه، فَمنْ؟
فدُمْ رفيع القدر ذا قدرةٍ ... ما هتفت قُمرّيةٌ في فَنَنْ
وأنشدت له، وذكر لي شمس الدين بن نزار أنها للعالمة جوهرة بنت الدوامي، وهي ببغداد من المعروفات الحسان:
هبَّ النسيم بحاجرٍ ... فتنّبهتْ أشواقُهُ
ووَشتْ بما حوت الضلو ... عُ من الجوى آماقُهُ
ناديتُ والبيَنُ المش ... تُّ غدت تُزَمُّ نِياقُهُ
стр. 199
يا مُشِبهَ الشّمس المني ... رة في الضُّحى إشراقُهُ
الصّبّ فيك مُعَذَّبٌ ... مُضنَي الحَشى مُشتاقُهُ
والقلب في أسر الهوى ... ما تنقضي أعلاُقهُ
إرْحَمْ معنّىً في الهوى ... ما إنْ يحّل وَثاقُهُ
أمسى لَديِغَ هواكمُ ... ووِصالُكمْ تِرْياقُهُ
стр. 200
باب في محاسن الشعراء
الحيص بيص
وأفضلهم الأمير الهمام شهاب الدين أبو الفوارس، سعد بن محمد بن الصيفي التميمي، من ولد أكثم بن الصيفي. ذو الجزالة، والبسالة والأصالة. جزل الشعر فحله، قد علا محله، وغلا فضله، وأطاعه وعر الكلام وسيله.
قرأت عليه ديوانه، واغتنمت زمانه، وشكرت إحسانه.
فمن كلامه المنثور في خطبة ديوانه، يفضل الشعر على النثر، قوله: وحسب الشعر فخراً أن الإنسان يسمع المعنى نثراً فلا يهز له عطفا، ولا يهيج له طرباً. فإذا حول نظماً فرح الحزين، وحرك الرزين، وكرم البخيل، ووقر الإجفيل.
стр. 201
وقرب من الأمل البعيد، وسن الغناء لغير الغريد. وكم أوجف بالجبان إلى مأقط الحرب العوان، فروى حد السيف والسنان، من دماء الشجعان. وكم أعاد جلمود اليد الصيخود، هاطل غمامة بالجود، فهمت لغير سائل وسحت على غير شائم. وكم ارتسن الجليد القرحان بحبل الصبابة والتهيام. وكم أحدث سلوة للمعمود وقد أعيت مداخله، وكلت لوامه وعواذله. وكم استل سخيمةً من ذي غمر عجز عن مداراته الحجا، وضعفت عن استرجاع وده الرقي. فما كان متصرفاً هذا التصرف في النفوس والأخلاق، فأكبر بشأنه، وأعظم بمكانه!.
ومنها يصف حاله: وقد علم عصري وبنوه، وزماني وأهلوه، أني ابتدرت شعفات الفضل غلاماً يفعةً، هاجراً إليه كل خفض ودعه، ففرعتها شامذ النطاق، مشمراً عن
стр. 202
ساق، أستلين عندها السيال والغرقد، وأستخشن وثير المضجع والمرقد، فانغمست في كبات العلوم جرياً، وعمت في جمتها ملياً، ونازلت خمس أبطالها مدرها هبرزياً، وشهدت معارك الجدال، مع فرسان المذاهب والأقوال، فعرقت الجباه، وألقمت الحجارة الأفواه. ثم جاشت بالشعر مراجلي، وأستمرت إليه أعناق رواحلي، وأذكرني ما غبر من مساعي أوائلي، فعطفت عليه عطف باغم فقيد، ذات طلاً فريد، بغارب بعيد، لا مرعى ولا مورود، فوجدته قد بعد للؤم الزمان، وبعد لفقد الإحسان. وأبت إلى القوة فيه، عن كتمان قوافيه، فما هو إلا أن فهت به قائلاً حتى كفر فضائلي بذكره، وغمر أريج علومي برياه ونشره، وطفق يطوي البلاد طي الربد المجلحة، يخلط البيد بالآكام، والحضيض باليفاع، حتى كان كما قلت:
стр. 203
سرى ذكر فضلي حيث لا الريح تهتدي ... طريقاً، ولا الطير المحلق واقع
وله ابتداءات حسنة مخترعة، ومخالص مستطرفة مبتدعة. فمن جملة ابتداءاته، وقد خلع على الوزير، فمدحه بقصيدة أولها يشير إلى الخلعة:
جعلت من الحدثان أحصن أدرع ... فلقد سنن على الكريم الأروع
ومن جملة مخالصه:
تزاحم أشجاني إذا ما ذكرتهم ... زحام المقاوي عند باب ابنِ مسلم
ومنها وقد وصف الحرب:
كأنّما دمُ أوداج الرجال به ... سيلٌ تَدافَعَ، أو جودُ ابنِ حمادِ
وله في عمي العزيز مدائح، ومن جملتها قطعة كتبها إليه بأصفهان في قحط:
أظنّ اعتقاد النسخ صحَّ دليُله ... فعاد إلى ترتيبِ أوصافِهِ الدَّهْرُ
عزيزٌ يَمير المعتفين، وسبعة ... شداد، وجيّ في مساغبها مصر
فمن شعره ما استخرجته من ديوانه على ترتيب الحروف في الافتخار والمديح:
стр. 204
الهمزة
قوله من قصيدة:
ترى الجار فينا غير شاكي خَصاصة ... إذا ضاق ذرع الحيّ بالنُّزَلاء
كأنّ القُرومَ الهادرات عشيّةً ... مراجلنُا في أزْمة وشتاء
سعيت فلم أترك قديماً، وإن أعش ... نسخت بفخري مفخر القدماء
ومنها:
بنفسيَ من جور الحوادث وعكة ... وعند قراع الدارعينَ شِفائي
أما في ملوك الخافَقْينِ ابنُ همّةٍ ... يكفّ بميسور الكفاف عَنائي؟
يصون نَداهُ ماء وجه أراقه ... طِلابَي للجدوى من البخلاء
وهيهات ذاك الآل أن ينقع الصدى ... وإن خاله الظّمآن مورد ماء
ومنها في التخلص إلى المدح:
إليكم، فإنّي سيّد القول، ما جرى ... لساني، وهذا سيّد الوزراء!
إذا ما بنى مجداً، وقلت قصيدة، ... علونا على السادات والفصحاء
ومنها:
وقور يشدّ الخطب حبوة حلمه ... إذا روعة حلّت حُبا الحلماء
بنانٌ ووجهٌ حين يُسأل حاجةً ... نَضُوحانِ ماءً من حَيا وحياء
стр. 205
ومنها في وصف القلم:
ومضطمر الجنبين يَخْطِر مائساً ... على لاحبٍ من طِرْسه وقوِاء
يذيب على الأطراس كلّ بليغة ... تذوب عليها أنفس العلماء
وله من قصيدة في مدح الإمام المسترشد بالله، أولها:
العزّ حيثُ البلدةُ الزوراءُ ... والمجد حيثُ القّبةُ البيضاءُ
فخر تسامى أن يزان بمدحه ... فالنطق عيّ والصُّمات ثناء
ومنها:
يقظان أبلج ينجلي بجبينه ... ودليله الاشكال والظلماء
فتوُّهمُ المتجادلين حقيقة ... منه، وليل المدلجين ضياء
غيث وليث يرعوى لبنانه ... بأس العدى واللَّزْبَة الغبراء
فلمحفظيه مَتألف ومَعاطب ... ولمعتفيه مكارم وعطاء
خمصان يقلى الزّادَ غير ممرض ... وله التقّية مطعم وغداء
نور أضاء الأفقَ ساطع لمعه ... فعلى الزّمان وأهِلِه لألاءُ
стр. 206
ومنها في صفة الجيش:
وعرمرمٍ كاليمّ هِيج بعاصف ... شَرِقت بفضل عبابه البيداءُ
نسخ الفلا والصبحَ رَكَضْ ُجياده ... فالأرض جوّ والصبّاح عِشاءُ
طردت فوارسه وما لاح العدى ... حرصاً، فكل كتيبة دفواء
تدنو له عُتُق القشاعم مثلما ... يحتفّ بالمتصدّق الفقراء
والخيل تقتحم الغبار كأنّها ... نبل الجَفير وقد أُجيد رِماء
تزجي سنابكها سحاباً قطره ... منها مسيح هاطل ودماء
ينقلن كلّ مُساور ذي همّة ... تجلى بحدّ حسامه الغَمّاء
حنّ الكمُاةُ إلى النّجيع ولونه ... فلذاك كلّ عصابة حمراء
وطمى أتِيُّ الحرب حتى ماؤه ... مهج الفوارس، والرؤوس غُثاء
أجرى أمير المؤمنين جِياده ... ظمأى، وعاد بهنّ وهي رواء
فبِطاء خيل الطّالبين سريعة ... وسراع خيل الهاربين بِطاء
стр. 207
رهباً لأِغلبَ، لا مفرَّ لهارب ... منه ولو أنّ النّجوم وقاء
وقوله من قطعة في مديح الوزير الزينبي:
إنّي خبرت علاه خُبْرَ مجرّبٍ ... فجعلت صفو قلائدى لثنائه
وتعلمتْ منّي الخواطر جوده ... فبدائهي في الحمد مثلُ عطائه
ولقد أغيب فتعتريني ظلمة ... في الحسّ يجلوها ضياء لقائه
ملآن من كرم، فإن فتّشته ... أبصرت خلو القلب من شَحْنائه
وقوله في ابن طغايرك:
لفخر الدين أخلاق كرام ... يضيق الحمد عنها والثناء
تنكُّرُها على الأعداء نار ... وعَطفَتُها على العافين ماءُ
إذا مرَّت على ليلٍ بهيمٍ ... تجّلله التّبلّج والضياءُ
وله من قطعة:
أظَللُّ مريضاً بالصَّدى دون وِرِدْكم ... وأشقى به والوارداتُ رِواءُ
وأحبِس أعناقَ المطيّ عن السُرى ... وللشوق ما بين الضلوع مَضاءُ
стр. 208
ولمّا دنت داري إليكم تعرّضت ... موانع قُرْبى عندَها عُدَواءُ
فللهِ دَرُّ القَيْل من آل أرْتَقٍ ... إذا ذُكِرَتْ أكرومَةٌ وحياءُ!
البآء وقوله في الافتخار:
خُذوا من ذِمامي عُدَّةً للعواقبِ ... فيا قربَ من بيني وبين المَطالب!
لَواني زماني بالمرام، ورَّبما ... تقاضيته بالمُرْهَفات القواضبِ
على حين ما ذُدْت الصِبّا عن صبابةٍ ... ذِيادَ المطايا عن عِذاب المَشاربِ
ورُضتُ بأَخلاق المشيب شبيبةً ... مُعاصيةً لا تستكين لجاذبِ
عقائلُ عزم لا تُباح لضارِعٍ ... وأسرار حزمٍ لا تُذاع للاعبِ
وللهِ مقذوفٌ بكلّ تَنُوفَةٍ ... رأى العز أحلى من وصال الكواعبِ
أغرَّ الأعادي أنّني بِتّ مُقْتِراً ... ورُبَّ خلّوٍ كان عونا لواثبِ؟
رُوَيدَ كُمُ، إنّي من المجدِ مُوسِرٌ ... وإن صَفِرتْ عما أفدتم حقائبي
هل المال إلا خادِمٌ شهوةَ الفتى ... وهل شهوة إّلا لِجَلْبِ المعاطِبِ
стр. 209
فلا تطلبنْ منه سوى سّدِ خَلَّةٍ ... فإن زاد شيئاً فليكنْ للمواهبِ
مَرِهت بإدْماني سُرى كلّ حادثٍ ... ولا كحلَ إّلا من غبار المواكبِ
فلا تصطلوها، إنّها دار مِيّةٌ ... مَواقدُها هامُ الملوكِ الأغالبِ
سأضرمها حمرا، ينزو شرارُها ... على جَنَباتِ القاع نَزْوَ الجنادبِ
بكلّ تميميّ كأنّ قميصَهُ ... يُلاثُ بغصن البانة المتعاقبِ
ومنها:
إذا كذب البرق اللموعُ لِشائمٍ ... فبرقُ ظُباها صادقٌ غيرُ كاذبِ
فوارسُ باتوا مُجمعين، فأصبحوا ... وآثار عقد الرأي عقد السبائبِ
إذا شَرَعوا الأرماحَ للطّعنِ خلْتَهُمْ ... بدوراً تجارى في طِلابِ كواكبِ
أسودٌ إذا شبّ الخميسُ ضِرامَهُ ... أسالوا نفوس الأسْدِ فوق الثّعالب
ومنها:
ورَكْب كأنَّ العيسَ أيّانَ ثوّروا ... تساوق أعناق الصَّبا والجَنائبِ
стр. 210
خِفاف على أكوارها، فكأنّهم ... من الوَبَرِ المأنوس عند الغَواربِ
هذه مبالغة في خفة الرجال على الرحال كأنهم بعض أوبار الأباعر.
إذا أضمرتهم ليلة أظهرتهم ... صبيحتها بين المنى والمآرب
ومنها في طلب غرض:
وبي ظمأ لم أرضَ ناقع حرّهِ ... سواك، فهل في الكأس فضل لشارب؟
وله من قطعة إلى بعض الأمراء:
أبا عُمارَة، إنْ شطت منازلنا ... فَمِنْ معاليكَ إدناءٌ وتَقريبُ
كما يجوز ضياءُ الشمس مطلَعَها ... ويبعث العَرْفَ للمستنشق الطِيّبُ
أنت الأمير، ووجه الشمس ملتثمٌ، ... واليوم ليلٌ بركض الخيل غِرْبيبُ
أحِنّ شوقاً على نأي الدّيار بنا ... كما تَحِنُّ إلى حِيرانها النيّبُ
ولو ثنت عن وِداد الشيء غيبُته ... لما أضَرَّ لفَرط الشوق يَعقوبُ
وقوله في الافتخار من أخرى:
نَكِبّا صَمْتي، وخافا صَخَبي، ... لا ركبتُ الخيل إنْ لم أغضَبِ
стр. 211
وأحذرا آخرَ حِلْمي، إنّما ... لَهْذَمُ الذابل أقصى الأَكعُبِ
وأْذنا للقول من مَعْدِنه ... إنّ جدّض القول غير اللَّعِب
ومنها:
يا رُواةَ الِشّعر، لا تَرْوُوهُ لي ... فبغير الشعر شِيدَتْ رُتَبي
وَدَعُوهُ لضعافٍ عيُّهُمْ ... مانعٌ عنهم زُهَيْرَ المكسب
وَرَدُوا الفضل، وما بلّوا به ... مَسْمَعاً، والشّرب غير المشرب
ومنها:
لست بالقاعد عن مَكرُمَةٍ ... وأبو رَغْوان ذو المجد أبي
عَفّروا للسّلْم من أوُجهِكُمْ ... إنَّها خيلُ حكيم العَرَب
قبل يومٍ هامُهُ في صعدٍ ... حيثُ ما أبدانُه في صَبَبِ
يعسل الذئب إلى معركه ... شائم الأرزاق عند الثعلب
وله من قصيدة في وصف أبيات كتبت إليه:
صادرات ألفاظهنّ عذاب ... عن خلال مهذَّبات عِذابِ
стр. 212
كلّ روعاء لو تقلّدها الفا ... رس أغنت عن صارم قرضاب
أذكرتني أيام عصر التّصابي ... ومَراحي، وابن عهد التصابي؟
حين لا آمرٌ يطاع سوى الله ... و، ولا حاكم سوى الأحباب
وله يصف حصاناً لمظفر الدين يرنقش البازدار صاحب قزوين:
مظفّر الدين، إن فاق الرجال فقد ... فاق الجياد بيوم الطرد أشهُبهُ
تعلم السبقَ منه في مناقبه ... من فرط ما راح يُجريه ويَرْكَبُهُ
مصغٍ إلى هاجس من سرّ فارسه ... كأنه بضمير الركض يضربُهُ
يدنو عليه بَعِيدُ الأرض مرتكضاً ... كأنّ مربطه في الشّدّ سَبْسَبُهُ
يرنقش كسليمان بأشهبه ... إذا غدا ورُخاء الرّيح مركبُهُ
لما تعوّد في حربٍ خِضابَ دمٍ ... غدا لدى السّلْمِ بالحِنّاء يَخضِبُهُ
ومن قطعه:
تطيش الرزايا حوله وهو راسخ ... يزيد وقاراً من طروق النوائب
وكتب عند قصده الموصل في أيام أتابك غازي بن زنكي:
стр. 213
يَقَرُّ بعيني أن أُجّشمَها السُّرَي ... سِراعاً كظِلْمانِ المُرُوت السَّباسبِ
ِلأنظُرَ بالحَصْباء من سِيفِ دجلةٍ ... أغرَّ كنَصْلِ السَّيْفِ جمّ المَناقب
تنوّرتُ منه لمعةَ المجدِ يافعاً ... فما رِمْتُ حتّى طوَّحَتْ بالغَياهبِ
فجاء عماد الدّين وابن عماده ... طليق المحَيّا في قُطُوب النّوائبِ
يموتُ الرّدَى والمحل عندَ قبابه ... إذا سَلَّ سَيْفَيْ نَصْلهِ والرّغائب
وقوله من مديح في شرف الدين علي بن طراد الوزير الزينبي:
لَبِيق الغِنى لا ينُقصُ الفقرُ جودَهُ ... ولا يُمْتَرَى معروفه بالعواصب
مُريح غريب الحلم والخَطبُ طائش ... ومُغْري سَرايا صبرِه بالنّوائب
وحامل غُرْم الحيّ جلّ سراته ... مَريِرُ القُوى مستروحٌ للمتاعب
هو المرءُ، أقصى البأس منه لنَجْدة أل ... طريدِ، وأدنى مالِهِ للمواهب
стр. 214
وما زال مِطْعامَ العشيّ، وسيّد ال ... نَّدِيّ، مشاراً في الوغى والمواكب
وقوله فيه:
ما طاب شيء في الزّمان لسامعٍ ... أو ناشقٍ إلا وعرضُك أطيبُ
َكلاّ ولا بَعْدَ النَّدى عن شائمٍ ... مستمطر إلاّ وجودُك أقربُ
ضَنْك الجوانح بالهضيمة مخرج ... وإذا حلمت فإنَّ صَدْرَك سَبْسَبُ
قد أعتب الدّهرُ الخؤونُ لعاتب ... أوسعتَهُ صدراً ولم يك يُعْتِبُ
فسُطاك موتٌ لأعادي قاتلٌ ... ونَداك للعافِينَ غيثٌ صَيّبُ
ومن قوله فيه يصف الفضل:
أبعدت بالفضل عمّن قبله سَفَهاً ... وبِتُّ للفضل منه أيَّ مقتربِ
والفضُل كالصبح يَهْدِيَ مَنْ له نظرٌ ... ولا يَصيرُ به الأعمى إلى أرَب
وله قصيدة في مدح الأمير هندي الزهري، وكان موضعه الزاب:
أجَا وسَلْمَى أم بلاد الزّابِ؟ ... وأبو المُهَنَّدِ أم غضنفرُ غابِ؟
стр. 215
رفع المنارَ بنو زهيرٍ في العلى ... بالفارس المتغطرف الوهابِ
بأَغرَّ بسّامٍ كأنَّ بَنانَهُ ... في كل مكرمة قطارُ سَحابِ
بالمانع البذّال غير مدافَعٍ ... في بذلِ معروفٍ وعزِّ صحابِ
عمّت فواضُلهُ وعَمَّ ثناؤه ... فالحمد والإِحسان في إصقابِ
ومنها في صفة الجيش:
وإذا الفلاة تضايقت أرجاؤها ... يوم الِهياجِ بجَحْفَل غلاّبِ
وتمطّرتْ قُبُلُ العُيُونِ، كأنّها ... بالقاع تحت القوم مُعْطُ ذئابِ
ظمأى إلى ماء الجراح كأنما ... تجري مواردُها بخدع سَرابِ
تطوي نضير الثمد وهي سواغبٌ ... طلباً لرعيِ جماجمٍ ورِقابِ
وأحْلَوْ لَكَ اليومُ المضيئةُ شمسهُ ... فالظُّهرُ جُنْحٌ غيرُ ما مُنجابِ
فعلى الدروع غَلائلٌ من عِثْيَرٍ ... وعلى مِجَنِّ الشّمسِ فضلُ نقابِ
لاقيت فخر الدين يكشف نَقْعَها ... كشفَ الغَزالةِ مضمحلَّ ضَبابِ
следующие страницы →