Полный текст (363 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومن قوله في مدح السلطان مسعود:
كفيلٌ بعَسّاَليْ فلاةٍ وغابةٍ ... إذا حَميَتْ حربٌ وطال احتدامُها
فَسُمْرٌ ومن ماء النُّحُورِ شرابُها ... وغُبْرٌ وأشلاءُ الملوكِ طعامُها
ومن قوله في الوزير الزينبي:
كأنّ كأساً خَندريسيَةً ... تَعْلَى بماء المُزْنَةِ الهامي
يُراوحُ المسك على شَرْبِها ... ما بينَ مُستافٍ وَرَثّاِم
صِينتْ عن اللغوِ. فأقرانُها ... رزانُ أعطافٍ وأحلامِ
كرامُ أخلاقِ الوزير التي ... خلُصْنَ من عابٍ ومن ذامِ
أخلاقُ طَلْقِ الوجهِ في جِدَهِ ... مستبشرٍ للهول بسّامِ
خِرقٌ. ندى راحتِهِ دائماً ... من العطايا ودمِ الهام
دُرُّ كلامي منه مستخرَجٌ ... إذْ هولجُّ الخِضْرِمِ الطّامي
ومن قوله فيه:
стр. 317
وأقْسِمُ ما يمّمتُ بالعزم وجْهَةً ... إلى أحد إّلا وكنتَ الميَمَّما
ولا راحَ جسمي ظاعناً عن مقامه ... بمجدكَ إلا كان قلبي مخيّما
وهل ساجدٌ بالصِّين إّلا لكعبة ال ... حِجاز إذا ما كان للهِ مُسلما؟
ومن قوله فيه:
إذا ما نظرتُ إلى وجهه ... شكرتُ الزمانَ ولم أذْمُمِ
وهان عليَّ افتقادُ الغِنى ... وما واجدُ المجدِ بالمُعدِمِ
وقوله في الحكمة:
لا تَضَعْ من عظيم قدرٍ وإنْ كن ... تَ مشاراً إليهِ بالتّعظيمِ
فالشَّريفُ الكريمُ ينقُضُ قدراً ... بالتّعَدّي على الشَّريف الكريمِ
وَلَعُ الخمرِ بالعقول رمى الخم ... رَ بتنجيسها وبالتحريمِ
وقوله:
وما يدفَعُ المقدورَ حزمٌ، وإنّما ... يؤّمنُك التعنيفُ من كلّ لائمِ
وقوله في الخمر والسكر، والاعتصام بها من الهم، والشكوى من العلم:
إذا جارَ هَمٌّ فاعتصِمْ بُمدامةٍ ... فإنَّ حُميّاها لمعتصمٍ تحمي
وإنْ قيل: مُغْرَىً بالخَلاعةِ عاكفٌ ... على الجهلِ، قل لا، بل هَزِيمٌ من الهَمِّ
وخلّ تكاليفَ الحياةِ لِنشْوَةٍ ... تريك الغنى المحسودَ في ساعةِ العُدْمِ
стр. 318
ومن كان علمُ النّفسِ ممّا يَسُرُّهُ ... فإنّي امرُؤٌ يا طالما ساءني علمي
ولم أرَ في الأشياء، والحظُّ شاهدٌ ... بما أدّعي، شيئاً أضرَّ من الفهمِ!
ومن قوله:
كم طيلسانٍ هزَمتُ حامَلهُ ... في يَلْمَقِي حينَ أشكلَ الكَلِمُ
والحربُ لا تنَفعُ الغمُودُ بها ... وإنّما تنفعُ الظُّبا الخُذُمُ
ومن قوله:
فقرُ الأبيَّ إلى إكرامِ موضعه ... أشدُّ من فقرِ ذي الإملاق والعَدَمِ
فقُمْ لراجيك من قبل النَّوال تَبِتْ ... بين التّواضعِ والإحسانِ في حَرَمِ
تحرُّكُ المُزْنِ عندَ السَّحِّ أكسبه ... جوامعَ الحمدٍ من قاصٍ ومن أممِ
وقوله:
يَلينُ في القول ويحنو على ... سامعه وَهْوَ له يقصِمُ
كشوكة العقربِ في شَكْلها ... لها حُنُوٌّ وَهْيَ لا تَرْحَمُ
النون وقوله، وقد لمس الزناد في ليلة باردة:
أنا والزِّنادُ ببردهِ وتصبّري ... سِيّانِ في الإخفاءِ والكِتمانِ
لكنّهُ بالقَدْح يُظِهرُ نارَهُ ... وسرائري أعيت على الإخوان
فإذا صَمَتُّ فَهّمةٌ لا ترتضي ... أن تشتكي إّلا إلى الرّحمان
стр. 319
وقوله من مدحه في شرف الدين البيهقي:
مُطمعي في مدحهم زينتهم: ... تلكم الزِّينةُ خضراءُ الدِّمَنْ
كلُّ حِلّ العِرْضِ مَحْميّ الثّرا ... لا ينالُ المجدَ ما عاش ولَنْ
طيّبَ الذّمَّ له حُبُّ الغِنى ... فاستمرّ العِرْضُ منه ومَزَنْ
صبّحوا المُدْنَ بها مبثوثةً ... فتكةً تبقى حديثاً في الزَّمَنْ
وخُراسانَ، فصوناً ضافياً، ... إنّها أرضُ عليّ بْنِ الحسنْ
مستريحُ الرِّفدِ، ما في جوده ... كَدَرُ المَطْلِ، ولا شَوْبُ المِنَنْ!
ومن قوله:
ما ضاق قوليَ عنشيء أحاوِلُهُ ... إّلا بشكر الذّي أوليتَ من حَسَنِ
فإن حَصرْتُ فقلبي أفوهٌ ذَرِبٌ ... وفي الضّمائر ما يُغني عن الَّلسَنِ
وقوله من قصيدة في الوزير الزينبي:
أطعتُ النُّهى في نَجدتي وبياني ... فأصبح سيفي مُغْمَداً ولساني
وداريتُ حّتى قيل جبناً، وربّما ... غدا حازمٌ في أمره كجبانِ
стр. 320
سجيّةُ مُنهِي النّفسِ عذراً وناهضٍ ... بأعباء صَرْفِ الدّهرِ والحدثانِ
يُبيحُ الليالي والرِّجال تهاممي ... وفاءً، ومَنْ لي عندهم بأمانِ؟
إذا أصبحت منّى سجايا مهذَّبٍ ... غدا أملي ذا وَقْفةٍ وحِرانِ
ويا رُبَّ عهدٍ حال من دون حفظه ... أذىً وردىً في الملتقى خَصِمانِ
أمان نفاق الحيّ بعد انتصاره ... فلم تلفِ منهم صادقاً بمكانِ
جَشِمتُ خِطارَ الموتِ دونَ وفائه ... أو الفقر، والحالانِ مستويانِ
وصبرٍ تكادُ الشُّمُّ من حَمْل بعضِهِ ... تكونُ وِهاداً وَهْيَ ذاتُ قِنانِ
نصَبْتُ له من رغبة الحمدِ كاهلاً ... نَهُوضاً بعِبءِ المجدِ ليس بِوانِ
وإنّي وأبناءَ العِراقِ أولي الغنى ... لَمُجْتَمِعا معنىً ومفترقانِ
أسايرُهم أبهى حُليّاً وزينةً ... ونَرْجِعُ والحالانِ مختلفانِ
إلى صَفِراتٍ من نعيمٍ، خِماصُها ... تُكاثِرُ من نَعْمائهمْ بِبِطانِ
تُطارِدُ حاجاتي إليهم أبِيَّتِي ... وتعلو غِناهم هّمتي بتغانِ
إذا عَطفتني نحوَهُمْ ألمعيّةٌ ... وفهمٌ، لَوَانِي جورُهُمْ وثناني
стр. 321
يَوَدّون فضلي ما كتمتُ مآربي ... فإنْ بحتُ ماتَ الوُدُّ بالشنآنِ
ويُصغَى له ما لم يكن ذا لُبانةٍ ... فإن كان لم تَنْصِت له أذُنانِ
ولولا الوزيرُ الزَّينبيُّ، رحَلْتُها ... تناهبُ تَرْبَ البِيدِ بالوَخَدانِ
تُباري نَعامَ القفرِ بُعداً عن الأذى ... وتَطوي عُقابَ الجوِّ بالطَّيَرانِ
ولكنّها شُدَّت من البأسِ والنَّدى ... بأروعَ صَفْوِ العُنْصُرَيْنِ هِجانِ
يأبيضَ من عُليا قُرَيْشٍ مُؤَمَّلٍ ... بيومٍ نوالٍ أو بيومِ طعانِ
بمشركِ نفسي بالذي هو واجدٌ ... ولو ساعدتني حالةٌ لكفانِي
ومنها في صفة الجيش:
وجونٍ من النَّقْعِ المثارِ، دِلاصُهُ ... ولمعُ الظُّبا برقانِ يأتلفان
كثيفٍ يُعيدُ الجوَّ أرضاً صليبةً ... لها الجيشُ داجٍ بالطِّرادِ وبانِ
تشابَهَ فيه وحشُهُ وجيادُهُ ... فسيّانِ فَرْطُ الرَّكْضِ والعَسلانِ
وزاحَمَتِ الجُرْدُ المَذاكي ركابهُ ... وكلُّ زمامٍ عابثٌ بِعنانِ
يَظَلُّ كُماةٌ في الدُّرُوع، كأنّما ... تخُب السَّعالي تحتَهُمْ بِرِعانِ
مساعيرُ لا يستكرهون منّيةً ... إذا صَرَّحَتْ في المأزِقِ المُتداني
стр. 322
أوانسُ بالحربِ العَوانِ نفوسُهُمْ ... كأنّ رضاعاً بينهم بلِبانِ
أعاروا نسيمَ اليومِ حَرَّ ذُ حُولِهم ... فأخصرهُ الرَّمضاءُ في الجَوَلانِ
وطارت بهم نحوَ اللقاءِ عزيمةٌ ... تعَّلمَ منها السَّبْقَ كُلُّ حِصانِ
كشفتَ برأيٍ ذي صوابٍ ونجدةٍ ... إليك بحَمْلِ المجدِ يصطحبانِ
وقوله فيه:
يجلّي العظيمةً من غير فخرٍ ... ويُعطي الجزيلةَ من غيرِ مِنَّهْ
ويُغلِظُ في الملتقى للكُماةِ ... وفيه لدى السِلَّمِ لُطفٌ وحَنَّهْ
ويتّخذُ الحمدَ فرضاً عليه ... إذا ما رأوه بنوا المجدِ سُنَّهْ
له في الرَّغائبِ بذلٌ وجودٌ ... وبالعِرض والجارِ بَخلٌ وضِنَّهْ
إذا ما المَحامدُ رامَ الرّجالُ ... كرائَمها، كان أولى بِهنَّهْ
من المطعمينَ ضُيوفَ الشِّتاء ... بِسودِ الّليالي غرابِيَبهُنَّهْ
يحوزون فخرَ النَّدى والوغَى ... إذا أطلقوا ما لهَم والأعِنَّهْ
تَوَدُّ عزائمَ هذا الوزي ... رِ ومعروفَهُ سُحْبُنا والأسِنَّهْ
ويغدوا لنا بأسُهُ والنَّدىَ ... من الجور والفقر حصناً وجُنَّهْ
стр. 323
وسمع أن القاضي الرشيد بمصر دخل على الأفضل، وبين يديه دواة من البلور وحليتها من المرجان، فقال:
ألِيَن لداوودَ الحديدُ كرامةً ... يُقَدِّرُ منه السَّرْدَ كيفَ يُريدُ
ولان لك المَرْجانُ وهو حِجارة ... ومقْطَعُهُ صعبُ المرامِ شديدُ
فقال هو:
صِيغتْ دَواتُك من يوميك، فاشتبهت ... على العيونِ ببِلّوْرٍ ومَرْجانِ
فيومُ سَلْمك مبيضٌّ بصفو نَدىً ... ويومُ حربك قانٍ بالدم القاني
стр. 324
وقوله:
تبدّلَ مُرْهَفُ العزَماتِ حزماً ... وتختلفُ السَّجايا بالزّمانِ
وكنتُ أجِيلُها مُتَمَطِّراتٍ ... فها أنا لا أفَرِّطُ في العِنانِ
وقوله في الحكمة:
لا تَلْطُفَنَّ بذي لؤمٍ فتُطغيَهُ ... واغْلُظْ له يأتِ مِطْواعاً ومِذْعانا
إنّ الحديدَ تُلينُ النّارُ شِدّتَهُ ... ولو صببتَ عليهِ الماءَ ما لانا
وقوله:
تظُنُّ خطوبُ الّدهرِ أنّي بكَرِّها ... أحاذِرُ حربَ الخَطْبِ وهي زَبُونُ
ولم تدرِ أنَّ الماءَ تَحْميِهِ نارُهُ ... ويُطْفِئُها بالطّبع وَهْوَ سَخِينُ
وقوله:
إنْ شاركَ الأدْوانُ أهلَ العُلى ... والمجدِ في تسميةٍ باللِّسانْ
فما على أهلِ العُلى سبّةٌ ... إنّ بَخُورَ العُودِ بعضُ الدُّخانْ
صاحِبْ أخا الشّرّ لتسطو به ... يوماً على بعض شِرارِ الزَّمانْ
والرّمحُ لا يُرْهَبُ أنبوبُهُ ... إّلا إذا رُكِّبَ فيهِ السِّنانْ
إصبِرْ على الشدّة نحوَ العلى ... فكلُّ قاصٍ عندَ ذي الصّبرِ دانْ
ما لقي الضّامِرُ من جوعه ... حوى له السّبقَ بيومِ الرِّهانْ
أشْجُعْ وُجدْ تَحْظَ بفخرَيْهِما ... فكلُّ ما قدَّرهُ اللهُ كانْ
стр. 325
لو نفَعَ البخلُ وذُلُّ الفتى ... ما افتقر الكَزُّ ومات الجبانْ
وقوله:
إنّي وبغدادَ كالمظلوم من قمرٍ ... حسن وليس وراءَ الحسنِ إحسانُ
أغْنِي بمدحي ولا أغْنَى بمَكْرُمَة ... كمِخْيَطِ السّلْكِ يكسو وهو عُرْيانُ
ونفذ إليه بعض الأكابر المانعين حقه دواة يسأله تسويدها بمداد، فكتب معها:
رأيتُ حُوبا كبيراً غيرَ مغتفَرٍ ... تسويدَها وهي لا تجري بإحسانِ
وسمع بعض الصوفية ينشد:
مَرَضُ الحبِّ شِفائي أبدا ... كلّما أكربني أطربني
فقال:
فبقائي في فَنائي فيكُمُ ... وسروري منكُمُ في حَزَني
واشتريتم بوصالٍ مُهجتي ... ومن العدل أداءُ الثَّمَنِ
حسنُ ظنّي فيكُمُ، إن خفتكم ... دُونَ أعمالي جميعاً، جُنَني
وإذا البلوى أفادت قُرْبَكُمْ ... فمن النُّعْمَى دَوامُ المِحَنِ
الهاء وقوله في الوزير الزينبي:
بلفظةٍ منك يَشْفي داءَ مُعضِلةٍ ... أعيا على فصحاء النّاس شافيها
عممتَ بالخير أرضَ اللهِ قاطبةً ... فظلَّ حاضرهُا يُثْنِي وباديها
стр. 326
تلقى عليّاً على ما فيه من شرف ... مسترسلَ المجدِ لا كبراً ولا تِيها
وكم مثالبِ أيّامٍ مقدّمةٍ ... غدوتَ بالطَّوْل والإحسانِ تُنْسِيها
سهلُ القياد لراجيه وآمله ... وفي الأعادي عزيزُ النّفس آبيها
وراءُ حُجْبِ العلى طودٌ أخو شرفٍ ... أرجو نَداهُ، فإذا كاراً وتنبيها!
الياء وقوله في أمير المؤمنين الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد ابن المقتفي بن المستظهر لما بويع بالخلافة في ربيع الآخر سنة ست وستين
стр. 327
وخمس مئة، وهي أبيات يسيرة أعطاه بها ثلاث مئة دينار وخلعة وداراً، وأقطعه بها ضيعة كبيرة:
سألنا اللهَ أنْ نُعْطي إماماً ... نعيشُ به، فأعطانا نبيّا!!
بلغنا فوقَ ما كنّا نُرَجِّي ... هنيّاً، يا بني الدّنيا، هنيّا
وقد كشف الظَّلامُ بمستضيء ... غدا بالنّاس كلِّهمُ حَفيّا
وقوله من قصيدة نظمها في ريعان عمره، في سنة عشرين وخمس مئة:
أرادت جِواراً بالعِراق، فلم تُطِقْ ... هَواناً، فراحت تستفزّ المَواميا
كأنَّ نَعاما صِيح في أخرياته ... جوافلها لمّا مَرَرْنَ هوافيا
المراد بالصياح هاهنا الطرد والغارة، فإنه لما كان من أبين الطرد عبر عنه بالصياح.
стр. 328
تَجيشُ صدورُ الأرْحَبِيّاتِ غضبةً ... فما يَدَّرِعْنّ الليلَ إّلا رَواغيا
وما كِدن يعرفن النِّفارَ عن الدُّنى ... ركابيَ لولا ما رأت من إبائيا
تقيّلن أخلاقَ ابنِ عزمٍ مشّمرٍ ... على لهولِ لا يخشى الخطوبَ العواديا
يكفكفُ غَرْبَ القولِ عن ذي سفاهةٍ ... ويُوسعُ حسنَ الإطّراحِ الأعاديا
لَئِنْ جحَدَتْ بغدادُ حقّي من العلى ... فلا البحرُ مغموراً ولا الصبحُ خافيا
تركتُ بني آدابِها غيرَ حافلٍ ... رَدَايا سُرَىً يستشبحون مكانيا
إذا طار بي قولٌ إلى ما أرِيدُهُ ... كَبَتْ بهِمُ أقوالُهُمْ من ورائِيا
وسِرْبٍ كغِزْلانِ الصَّرِيمِ نوافرٍ ... عن الفحش يَستشرِفْنَ نحو عَواطِيا
إذا ما اعتجرنَ الليلَ كتمانَ زورةٍ ... إليَّ، غدا جَرْسٌ من الحَلْي واشيا
تعفّي فضول الرَّيطِ سحباً على الخُطا ... ويُخفي قَتشيبُ العبقريِّ التَّناجيا
стр. 329
تضوعُ الصَّبا من غير فضِّ لَطِميةٍ ... إذا مِسْنَ ما بين البيوت تهاديا
شموسُ وجوهٍ في البراقع طلقةٌ ... تُفِلُّ من الوَحفِ الأثيثِ لياليا
سنَحْنَ وللكاسُ العُقاريّ هدرةٌ ... تُعيدُ حليمَ الحيّ صَبْوانَ لاهيا
فأعرضت كي لا أسترَقّ لصبوةٍ ... وأغضيتُ كما لا أغيرُ المعاليا
ومنها:
وما المرْزِماتُ يَعتسْفنَ تنُوفَةً ... بَواغمَ من حرّ الفراقِ صواديا
يكادُ الصَّدى يهفو بهنّ محلِّقا ... إلى كلّ وردٍ لو أمِنَّ المَثانيا
براهُنُّ دْمانُ الرَّسِيمِ من السُّرى ... فجئن كأعوادِ القِسيِّ حوانيا
عشَّيةَ لا أنساعُهنَّ جواذباً ... لهنّ، ولا أقرانُهنّ ثوانيا
إذا ضاقتِ الأهْبُ الفسيحةُ بالجوى ... نشَقْنَ نسيماً أو تسّمعنَ حاديا
بأوجدَ منه للعلى، غير أنَّهُ ... إذا ما ونت لم يُلْفهِ السّيرُ وانيا
ومنها في صفة الحية:
وما مُطرِقٌ بالرّملِ يُخفي اهتزازُهُ ... رُواءً كعقدِ الخَيزرانة خافيا
стр. 330
يُلَعِّنُ مرهوباً، كأنَّ اعتصابَهُ ... حَبابُ مَخِيضٍ لاطَمَ الوَطْبَ رَاغيا
يؤّلنُ عُصلا لا بُنُهنَّ هنيةً ... ضعافاً، ولا أطرافهنَّ نوابيا
تَجَنَّبُهُ الرُّفْشُ القواتنُ خيفة ... ويَطويهٍ معتلُّ النّسيمِ تفاديا
إذا اعتسّ شَرّابُ الهمومِ لقوته ... تَوَدَّعَ خُمصاناً وأصبح طاويا
بأنفذَ من أقلامه في عدوّه ... إذا رقَشَتْ فوقَ الطُّرُوسِ الدّواهيا
ومنها:
بواسطَ أيْدٍ لا تزال جرئية ... تُحاربُ أحداثاً وتُولي أياديا
تعافُ الهِرَقليّاتِ حتّى كأنّما ... تنارشُ من لمس النُّضارِ الأفاعيا
стр. 331
خزائُنُهمْ أيدي العُفاةِ، لأنّهم ... رأوها على مرّ الزّمان البواقيا
وقوله في الوزير الزينبي:
شموسُ المواضي إن بَغْيتَ الأمانيا ... وظلُّ العوالي إن أردتَ المعاليا
وَعدِّ عن الأرضِ التّي لنعيمها ... سواك، ولو أدركته كنت عانيا
لحى اللهُ مجهودَ الفؤادِ من الأذى ... إذا هو لم يستخلص العَزْمَ شافيا
فما أحرز الآمالَ مثلُ مهاجِرٍ ... إليها، وفات النُّجحُ من بات ثاويا
عَصيتُ إبائي إذْ أطعتُ مَطامعي ... ولو كنتُ شهماً ما أطعت إبائيا
وما زلتِ مقْلاقَ الوَضِينِ إلى السُّرى ... جرئياً كصدر الهِنْدُوانيّ ماضيا
يسابقُ همّي بالخطوب رواحلي ... إلى نازح يُضحي عليهنّ دانيا
إلى أن تحاماني الظَّلوُمُ، وأذعنت ... لفضلي نفوسٌ لا تَوَدُّ القوافيا
وها أنا عند اليوم أرضى بخُدعةٍ ... وأقنَعُ أن أدْعَى لبيباً مُداريا
ومنها في وصف البرد والجدب والقر:
إذا أخمدَ النّيرانَ رَيْعانُ زعزعِ ... يُعيدُ ذكيَّ الجمرِ قَرّانَ شاتيا
стр. 332
وخَرَّ على الأحفاض كلُّ معمَّدٍ ... أطال الرَّواسي في الثّرى والأواخيا
وجعجعَ قُرُّ الليلِ من فَرْطٍ صِرّه ... شِدادَ الصّفايا والعِشارَ المَواليا
وزاولَ راعي الذَّوْدِ عهداً، فلم يُطقْ ... وفاءً، ولم يبرَحْ أميناً ووافيا
ومالت إلى الصّرمِ العزيبِ جوافلٌ ... يرَيْنَ اللِّقاحَ الجَمَّ للذُّعرِ قاصِيا
على حينِ غبراءُ المطالع أزمةٌ ... تَعيدُ غنيّ الحيّ خُمصانَ عافيا
تساوى بها نِينانُ لُجٍّ وكُنَّسٌ ... بوجرةَ يَرْأَمْنَ الظِّباءَ الجوازيا
فأضحت وكثبان الصَّريمِ وعالجٍ ... من المحل قد شاكَهْنَ نِهْياً وواديا
قَرَى شرفُ الدين الغِنى، وأبت له ... مَعاذِرُهُ أن يحتبسنَ الطّواهيا
وقوله في الحكمة:
يَزيدُ في عزّ الفتى ذُلُّةُ ... حيناً وإن كان له آبيا
стр. 333
كسابق قصّر عن غايةٍ ... فكان بالسَّوْطِ لها حاويا
ولما بويع للإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، قال فيه:
أقول، وقد تولّى الأمرَ حَبْرٌ ... وليٌّ لم يزَلْ بَرّاً تقيّا
وقد كشف الظلامُ بمستضيءٍ ... غدا بالنّاس كلِّهِمُ حَفِيّا
وفاض الجودُ والمعروفُ حتّى ... حسبتُهما عُباباً أو أتّيا
سألنا اللهَ يُعطينا إماماً ... نُسَرُّ به، فأعطانا نبيّا!؟
بلَغْنا فوقَ ما كنّا نُرَجِّي ... هَنِيّاً، يا بني الدُّنيا، هَنيّا
ومن المراثي قوله من قصيدة في مرثية ملك العرب دبيس بن صدقة:
هَبْنِي كتمتُ لواعجَ البُرَحاءِ ... فمنِ المكتِّمُ عَبرتي وبكائي؟
لاتهً عن قلقي، فإنّ تصبُّري ... فيما ألَمَّ مُباينٌ لوفائي
كيف التّصبُّرُ، والهمومُ أسنّةٌ ... يَخْطِرْنَ بينَ حَيازِمي وحشائي؟
كيف التّصبُّرُ، والرَّزِيّةُ بالذّي ... جلّتْ رزّيتُهُ عن الأرزاءِ؟
بِمُطارِدِ الأيّامِ في آماله ... كطِراده في مأزِق الهيجاء
والماليء الدُّنيا بذكر مناقبٍ ... صُرِّفْنَ بينَ السير والإرساءِ
بفتى النَّدَى والبأسِ والمُرضي العلى ... في يوم مَكْرُمةٍ ويوم لِقاءِ
стр. 334
بأبي الأغرِّ، وأيَّ كنيةِ ماجدِ ... فقَدَ الزّمانُ، وأيَّ خِدْنِ علاءِ!
مَنْ طالما شَجُعَ الرَّدَى، فأعاده ... من بأسه والرَّأي في الجبناءِ
وتجمعّتْ غِيَرُ الزّمانِ، فردَّها ... مفلولةً بأسنّة الآراءِ
وتضايقات خُطَطٌ به، فأباحها ... خُدَعاً قضَيْنَ لِمَخْلصٍ ونَجاءِ
طرَقَ النَّعيُّ، فلم يكن لي مسمعٌ ... يُصغي إلى المكروهة الرَّوْعاءِ
وطفِقتُ أتَّهِمُ الحديثَ كغيره ... من سائر الأخبارِ والأنباءِ
فإذا الرَّدَى قد أمكنته غِرَّةٌ ... من قِرنه، فجرى بلا إِبقاءِ
لا طعمَ بعدَ أبي الأغرِّ لحالةٍ ... وإنِ اكتست من رونق وبهاءِ
صُرِعت لمصرعه المقاصدُ والمُنَى ... فالنّاسُ كلُّهُمُ بغير رجاءِ
ترك الجنودَ بضيعةٍ من بعده ... يمشونَ للأرزاق في عَشواءِ
ما زال يُعطيهم، ومن لم يُعطِهِ ... فرَضَ العطاءَ له على الأعداءِ
فَلْتَبْكِهِ البِيضُ الصَّوارمُ والقنا ... والسّابقاتُ لَواحِقُ الأمطاءِ
وَلْيَبْكِهِ اليومُ العصيبُ من الوغى ... ينزو بكلّ كتيبةٍ حَمساءِ
وَلْيَبْكِهِ رَأْدُ الصّباحِ أعادَهُ ... بِطراده كالليلةِ الليلاءِ
стр. 335
وَلْيَبْكِهِ اللطفُ الذّي لم تُؤْتَهُ ... خمرٌ، ولم يُرْزَقْهُ صفوُ الماءِ
وتألّفُ القلبِ الشديد بمنطقٍ ... أغنى مُؤمِّلَهُ عنِ الإِعطاءِ
ومنها:
للهِ مَنْ ودّعتُ يومَ مَراغةٍ ... والدّمعُ منحدرٌ بغير رِياءِ
أسفاً على بُعدِ المَزارِ، وكيف لي ... ببعيدِ دارٍ كافلٍ ببقاءِ؟
أعددتُهُ لشدائدي، فأصابني ... من فقده بالشّدّة الصَّمّاءِ
هجَرَ الجيوشَ، وحلَّ بين كتائبٍ ... مستسلمينَ لحادثٍ وقضاءِ
سَدِكاً برَمْسٍ لا يَرِيمُ، وطالما ... نَحَلت سوابقُهُ من الإنضاءِ
ومنها في صفة الموتى:
في معشرٍ أغضوا على جورِ الرَّدى ... بالرُّغم منهم أيَّما إِغضاءِ
رقدوا على غير الكرى، وتوسّدوا ... بعدَ الرِّحالِ نَمارِقَ الدَّهناءِ
وتضّمخوا دفُعَ َالصَّديدِ، وطالما ... رثِموا بكلّ لَطِيمةٍ ذَفْراءِ
قد شوَّهَ الحسنَ الِبلى بوجوههم ... وأسالَ كلّ كَحيلةٍ نجلاءِ
النّومُ بَعدَك للجفون محرّمٌ ... إّلا الغِشاشَ وعاِلطَ الإِغفاءِ
ولقد شفى نفسي، وهوّنَ وَجدَها ... حِلفُ العُلى وبقيّةُ الكرماءِ
стр. 336
مَنْ كلّما نظرت إليه عيوننا ... عدّتك في الباقين والأحياءِ
ومنها:
أنا منكُمُ، فارْعَوْا عهودَ موَدَّتي ... ولكم كريمُ مدائحي وثنائي
أوجبتَ حقّاً في أبٍ لم يَقضِهِ ... وجزاءَهُ أرجو من الأبناءِ
وقوله في مرثية جلال الدين محمد بن أنوشروان الوزير:
وكنتُ إذا ناديتُهُ لِمُسلّمةٍ ... أتاني جريئاً مُلغياً للعواقبِ
إذا اسطاع نصراً، شدَّ شِدَّةَ ضيغمٍ ... وإّلا فباكٍ لي بكاءَ الحبائبِ
يهونُ عليه وَهْنُهُ بصِيانتي ... وبِذْلتُهُ ماعزّ قدري وجانبي
ولم أدرِ أنّ الموتَ إثْرَ محّمدٍ ... يُساوِقُ أعناقَ الصَّبا والجنائبِ
وإنَّ رجائي في مساعيه ضِلَّةٌ ... ولم يبقَ منه غيرُ موقفِ راكبِ
وممّا شجاني فقدُهُ وهو يانعٌ ... نضيرٌ كغصنِ البانةِ المتلاعبِ
وأنَّ الليالي لم تُطعه لِبغيةٍ ... ولم يروَ من ماء المُنى والمَطالبِ
فوا أسفا والصَّبُّ تُحرقُهُ النَّوى ... لِمُختَرمٍ كالبدرِ بينَ الكواكبِ!
فقَدْتُك فقدَ الصّادياتِ طليحةً ... على العِشْرِ والتَّأويبِ، عذبَ المشاربِ
стр. 337
بَراهُنَّ إدْمانُ الرَّسيمِ، وهُدِّمتْ ... من الوَجدِ أشرافُ الذُّرا والغواربِ
فلمّا رَجَوْنَ الماءَ حيثُ عَهِدْنَهُ ... أنَخْنَ بجَعْجاعٍ من القفرِ عازبِ
فأصبحن يفحَصْن العَزازَ تلدُّداً ... وقد حالَ خَطْبٌ بين وِرْدٍ وشاربِ
وأقسِمُ إنّ الموردَ العذْبَ دُون ما ... فقَدْتُ، ووجدي فوق وجدِ الركائبِ
لك اللهُ، أمّا الصّبرُ فهو مُبايني ... عليك، وأمّا الحزنُ فهو مُصاحبي
وليس إلى سُلوان وُدِّك مذهبٌ ... ولا شَعَفي، إنْ حالَ موتٌ، بذاهبِ
ومنها:
فلا يُبْعِدَنْك اللهُ، يا خيرَ حاضرِ ... أعانَ على الجُلَّى ويا خيرَ غائبِ
سأبكيك ماسحّ الغَمامُ، وغرَّدَ ال ... حَمامُ، وما أجّتْ ظِباءُ السَّباسبِ
وقوله في مرثية نوشروان الوزير:
стр. 338
بَقيتَ، ولا زّلتْ بك النّعلُ، إنّني ... فقدتُ اصطباري عندَ فقدِ ابنِ خالدِ
فتىً عاشَ محمودَ المساعي ممدَّحاً ... ومات نقيَّ العِرضِ جَمَّ المحامدِ
وقوله يرثي أخاه:
دَعُوا دمعي بيوم البَيْنِ يجري ... فقد ذَهب الأسى بجميل صبري
وكيف تصُّبري وأخي رَهِينٌ ... بأرض الشّام في ظلماءِ قبرِ
بِحارةِ غُربةٍ من أرض حِمْصٍ ... لقد غدَرَ الزّمانُ وأيَّ غدرِ
أعنه أسامُ سُلواناً وصبراً؟ ... سأنُدُبهُ ولا خنساءَ صَخْرِ!
فإنْ عجَزَتْ عن النَّدْبِ القوافي ... بعثتُ الدّمعَ نظماً غيرَ نثرِ
فقَدْتُ أخي، وكان أخي ظهيري ... على الحدثانِ، سمّاعاً لأمري
فقَدْتُ مُهَنَّداً عَضْباً جُرازاً ... يَقُدُّ بكلّ رائعةٍ ويَفْرِي
стр. 339
إذا ما شِمتهُ لقِراعِ خطبٍ ... جلا الغَمّاءَ عن وجهي وصدري
ومنها:
أنا الباكي إذا فارقتُ خِلاًّ ... فكيف أخي وخالصتي وأزْري
وقوله يرثي بعض أمراء الأكراد، واسمه المظفر، وكان أصيب في حرب:
أقولُ، ودمعي مستهلٌّ: ودِدْتُني ... نُعِيتُ، ولم أسمع نعيّ المظفَّرِ
كأنّ شبا مرورةٍ فارسيّةٍ ... أصاب فؤادي من حديث المخبِّرِ
فبِتُّ قَتيلَ الهمِّ والحزنِ بعدَهُ ... وباتَ قَتيلَ الذّابلِ المُتأطِّرِ
نَعَوْا فارسَ الخيلِ لمغيرة بالضُّحى ... ومختلسَ لأرواحِ تحت السَّنَوَّرِ
فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍ ... ولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ
ولكن سَموحاً بالوداد وبالنَّدى ... ومبتسماً في الحادث المتنمِّرِ
سَقَى ابنَ أبي الهيجاء صائبُ مُزْنَةٍ ... كفيضِ يديهِ الهاطل المتحدّرِ
بكَيْتُ عليه حيثُ لم يدرِكِ المنى ... ولم يروَ من ماء الحياة المكدّرِ
وهوّنَ وجدي أنّه مات مِيتة ال ... كِرامِ صريعاً بينَ مجدٍ ومفخرِ
كأنّ دمَ النَّجلاءِ تحتَ بُرُوِدِه ... لَطِيمةُ مِسكٍ في إهابٍ غضنفرِ
стр. 340
وقوله في مرثية الأمير عنتر بن أبي العسكر، والثناء على أخيه مهلهل:
أسى وسرورٌ، ناصرٌ ومخذِّلُ ... أتاحهما لي عنترٌ والمهلهلُ
فماضٍ بكت عيني لفقدِ كمالِهِ ... وباقٍ لِما فيه من المجد أجزلُ
ومنها:
سقى عنتراً، والدّمعُ لولا جِوارُهُ ... أحقُّ به، هامٍ من المُزْنِ مُسْبلُ
قضى نَحْبَهُ جمَّ الثّناء كأنّما ... يشَبُّ على النّادي بذكراهُ مَنْدَلُ
ومنها:
لِيَبْكِ عليه معركٌ وكتيبةٌ ... ويندُبْهُ نادٍ ذو سَراةٍ ومحفلُ
стр. 341
ومنها:
ولو أننّي أنصفت في حكمٍ وُدِّهِ ... لَبِتُّ وكُلّي في مَراثيهِ مِقْوَلُ
وقال في مرثية ولد الخليفة المسترشد بالله:
نبأ عادَ له الصّبحُ دُجَىً ... وذُعافاً رَيّقُ الماءِ الزُّلالِ
جَلَّ أن يبكى دموعاً، فجرت ... أعينُ الحيّ بمحمّرٍ مُذالِ
وأنثنت من حَزَنِ الدّهرِ به ... غُرَرُ الآمالِ سُوداً كالليالي
وعلا عن نُدبةٍ من بشر ... فرثاه المجدُ مفهومَ المقالِ
ومنها:
قسماً، لولا الإمامُ المجتبى ... باقياً لم يُلْفَ قلبٌ لك سالِ
ما ظننت الموتَ يُمضِي بأسَهُ ... وسُطاه في بحورٍ وجبالِ
لا ولا خِلْتُ الثّرى من طوقه ... أن يجِنَّ البدرَ من بَعدِ كمالِ
إنْ عصى موتٌ فقد صرّفتَهُ ... آمراً أو ناهياً في كلّ حالِ
أو خَلَتْ منك قصورٌ أوحِشَتْ ... فجنانُ الخُلدِ ليست بخوالِ
توارى منك شخصٌ بالياً ... فالمساعي الغُرُّ ليست بِبَوالِ
شَرُفتْ نفسُك عن دار الفَنا ... لنعيم الخلدِ من غير زوالِ
حيثُ لا ترضى بزُلْفَى مَلكٍ ... ولك الجارُ المليكُ المتعالي
стр. 342
وقوله في مرثية الأمير أبي الحسن بن المستظهر، وكان موته في دولة المسترشد أخيه:
أمّا إذا سلِم الإمامُ الأعظمُ ... وسليلهُ، دقَّ الجليلُ المُعْظَمُ
عزَّ العزاءُ وهان حين بَقِيتُما ... فالمجدُ باكٍ طَرفُهُ متبسِّمُ
وبقاءُ شمسِ الصُّبحِ يُحدثُ سلوةً ... فينا إذا بدرٌ هوى أو أنجمُ
للهِ ثاوٍ في التُّراب، وطالما ... زُهيَ النَّديُّ به وتاه المُعدِمُ
ومطعَّنٌ بشَبا الحِمامِ، وطالما ... رَوِيَ الحُسامُ بكفّه واللَّهْذَمُ
وممنَّعُ الأقوالِ يَحْصَرُ بعدما ... نطقَ البليغةَ والفصيحُ يجمجمُ
كفّتْ يداه عن النَّدَى من بعدِما ... حسَدَ الغمامُ بَنانَهُ والخِضرِمُ
стр. 343
ونبت عزائمُهُ وكان مَضاؤها ... في الخطب يَرْهَبُهُ الطريرُ المِخْذَمُ
وأجَنَّ غُرَّتَهُ الثّرى من بعِدما ... عاد الصبَّاحَ بها البَهيمُ المُظلِمُ
نُهدي الصَّلاةَ له، ونُكبِرُ قدرَهُ ... ومَحَلّهُ من أن يقال تَرحُّمُ
ومنها:
لهفي عليه، لا بَوادِرُ نصرِهِ ... تحمي الصّريخَ، ولا المكارمُ تُثْجِمُ!
فثوى بموحشة الكسُوُرِ، شقاؤُها ... بسِوى نعيمِ مَعادِهِ لا يُنْجِمُ
ومنها:
في زُمرةٍ قطعوا الأحبّةَ عَنوةً ... وحدا ببيِنِهمُ القضاءُ المُبْرَمُ
رحلوا على غير الرِّكاب، وعرَّسُوا ... بمُعَرَّسٍ ثاويهِ لا يترمرمُ
متجاورينَ، كأنّهم لتهاجُرٍ ... متباعدون، فُمْنِجُدونَ ومُتْهِمُ
مُنِعُوا عن الشّكوى، فلا آبيهمُ ... آبٍ، ولا مِنطيُقُهمْ يتكّلمُ
стр. 344
أغضَوْا على جور المَنُونِ، وطالما ... أغضى لِلَحْظِهِمُ الخميسُ المعلِمُ
وتوسّدوا عمدَ التّرابِ، ولم يزل ... مُلْقَى نِعالِهِمُ الدِّمَقْسُ المُعْلَمُ
ركضت حروُبهُمُ لهم فتمنّعوا ... ومشى الحِمامُ إليهمُ فاستسلموا
من كلّ أغلبَ، لو تصوّرَ موُتهُ ... في مَنْسِرٍ أرداه منه تقحُّمُ
ما ينفَعُ الأسوانَ طولُ بكائِهِ ... واللهُ يفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ
حُمَّ القضاءُ، فكالدّنيّ ممجّدٌ ... عندَ المَماتِ، وكالجبانِ مُصَمِّمُ
يا حامليه، تكثَّرُوا ما اسطعتُمُ، ... فالشَّلْوُ طودٌ، والفريدُ عرمرمُ
وتوسّعوا في الأرضِ شَقَّ ضريحه ... ما شئتُمُ، فالطَّودُ طَودٌ أيهمُ
ومنها:
لا يُحْزِنِ اللهُ الإمامَ، فإنّه ... ليَجِلُّ عن حَزَن النّفوس ويعظُمُ
ومنها:
ولقد عجِبتُ من المنيّة، إذ غدا ... منها مطيعٌ ما أردت ومُجرِمُ
стр. 345
تَعصيك في الصِّنوِ الشّقيق سفاهةً ... وتطيعُ أمرَك والقَنا يتحطّمُ
فإذا سلِمتَ فكلُّ بؤسٍ نعمةٌ ... وإذا بَقِيتَ فكلُّ غُرْمٍ مَغْنَمُ
وقوله من مرثية الإمام المقتفي لأمر الله:
الخطبُ أكبرُ في النّفوسِ وأعظمُ ... من أن تُراقَ له الدّموعُ أوِ الدَّمُ
عزَّ العَزاءُ، فكلُّ جَلْدٍ عاجزٌ ... عما ألمَّ، وكلُّ أفوهَ مُفْخَمُ
سبق الغمامَ بنُدْبَةٍ وبعَبْرَةٍ ... فبدا لنا منها الرَّعُودُ المُثْجِمُ
كان قبل وفاته بأيام جاء مطر جود، ورعد مجلب، وأفرطا حتى انزعج الناس.
ولو أنّ شمسَ الصُّبحِ راقبتِ العلى ... لتغيّبتْ، فالصُّبحُ داجٍ مُظلِمُ
ولَكُوِّرت حزناً لفقد خليفةٍ ... شهِدَ السِّنانُ ببأسه والمِخذَمُ
ومنها:
غدَرَ الحِمامُ وكان من أنصاره ... يَهْديِهِ عنه مُهَنَّدٌ أو لَهْذَمُ
ومنها:
стр. 346
لو كان خصُمك غيرَ محتومِ الرَّدَى ... كسف الغزالةَ مستثارٌ أقتمُ
ومنها:
لكنّهُ المقدورُ لا متّأخّرٌ ... عنه إذا وافَى، ولا متقدّمُ
يبكي نَداك المعتفون عشيّةَ ... والعامُ يُخْلِفُ نَوْؤُهُ والأنجمُ
ومنها:
للهِ ما ضمَّ الضَّريحُ، فإنّه ... طَوْدٌ أشمٌّ وذو عُبابٍ خِضْرِمُ
أغضى الجفونَ ولم يكن عن حادثٍ ... يُغضِي، ولا عن ناجمٍ يتلوَّمُ
وثوى وكان يبُثُّ شكوى سيرِهِ ... وسُراهُ حافرُ طِرْفِةِ والمَنْسِمُ
لا يَرْكَنَنَّ إلى الحياة مُمَتَّعٌ ... فالبُعْدُ دانٍ، والمدى مُتَصَرِّمُ
ووراءَ آمالِ الرِّجالِ منّيةٌ ... يعدو بفارسها حَثيثٌ مِرْجَمُ
ولم أر شيئاً من أهاجيه، فإنه نزه ديوانه منها. وكانت تنسب هذه الأبيات الثلاثة إليه، وهي:
стр. 347
كلُّ الذّنوبِ لبلدتي مغفورة ... إلا اللّذَيْنِ تعاظما أن يُغْفَرا
كونُ الجَواليقيّ فيها ذاكراً ... نحواً، وكونُ المغربيّ مُعبِّرا
فأسيرُ لُكْنَتِهِ يُمِلُّ فصاحةً ... وجَهُولُ يقظتِه يُحيلُ على الكرى
فلما سمعها، تنمر، وما آثر أن تذكر، كرماً في جبلته، وفطنة في فطرته، ومروءة في غريزته، ونزاهة في شيمته.
وكل شعره متناسب مختار، متناسق مشتار ممتار. ولقد خليت كثيراً من الحسن، هرباً من الإكثار، وطلباً للاختصار.
وله رسائل ومكاتبات معدول بها عن الفن المعتاد، والأسلوب المعروف. وهي
стр. 348
كثيرة. وسأورد منها نبذاً يستدل بها على الباقيات.
فمن ذلك مكاتبة إلى بعضهم: تأجيل فرض الخدمة ضامن ضررين يكسفان أنوار الولاء، وإن كان يباري الجونة عند ظهيرة القاع: أحدهما عار من سوء الأدب سابغ، والثاني تأجج نار الشوق الغانية بطبعها عن الاحتطاب لها. وبينهما وثوق بالكرم لا يعبث في صحته وحصينته عابث، وسبب الإرجاء من قبيل المشافهة، فإنها ظهر حمول للجهالات، والله تعالى يحفظ حشاشة المعالي، بطول بقاء المجلس العالي.
وكتب إلى النقيب الطاهر:
стр. 349
صال كريم الركابي بضبع سماها زوجة على ابنة كبيدة العلوية صيال الأشراف في أيام الإنصاف على ذمي ذي كبيرة من جرم. ولا قناعة من البأس المهيب بيسير العقاب حتى تملأ السياسة ضواحي الكرخ الفيح، ويعلم كمال الرأفة بأغراض الطائفة. وإن خلا الركاب الكريم، شد غلام من تميم، راضياً وفاخراً، مع سحب ذيل خيلائه على التيجان.
وله في الاقتضاء: أرى نطاسي الوصب المثبت ماطله بالدواء، والموت بدون هذا الإهمال شجاع، فهل من معزبة خبر؟ ظني أن السهاد، يخصم الرقاد، حتى يحوي لي مبتغاي.
стр. 350
وله: وعرقة عرق حداد المدى بأيدي سغاب الترك لأسؤق فتو الضائنة.
من أخرى: قضاء حوائج المرملين، لا يتساند إلى إكرام شفاعة ميزها التطول، بل إلى طبع يرى الإيجاف في الإحسان دبيبا.
أخرى: بلغني أن أنيسياناً يذود صغر شأنه عن تسميته، شتيم الرواء والسحناء، مشؤوم المرافقة والصحبة، يغتاب حتى ثدي أمه، أوسع شفعائي إليك لوماً على صغره في ناديك، وذله أن يصدفك عن عوارفك وأياديك. ولقد استوعر الخلف ما استهل، وأوجف إلى حتف نفسه فعجل. فإن كان مستنداً منك إلى جذم عناية، فأذن
стр. 351
بهجر، فأني مجازيه ولو كان دونه خرط القتاد. وإن لم يكن ذلك، فبمن أقدم؟ وعلى من تقحم؟ حذار أن تعتمد غير كتبه بإرسال الثمن الأوفى والقيمة العليا. فالقوافي ما سمعت، والقائل والباذل من علمت، والسلام.
من أخرى: رزحت حال، وقل أنصار، فمات أمل، وضاقت حيل، ولم يبق في سقاء الصبر بلل. ولقد حاولت أن أسطر صحائف شوق تنطق بحقيقة ذكر الوجد، فحاذرت بدار قلمي بشكوى حال تعنون المجد بالضراعة، وتوهم الخليل انتجاعاً.
أخرى: أرقدة عن رزقي، وأنا أرزح من نضو سفار عرقه تكرير العشر وطي المراحل؟ أفرط ضر، ونفد صبر، والرغد لا يعلم بالمسنت، والسلام.
أخرى: وأيم الله، لقد اخلولقت في الأندية الحاشدة من طول جدال كاتبكم، وهو
стр. 352
موجف إلى الفتنة، يأبى إلا المنع. وإني لقائلها شنعاء ولو جرت حتفاً. حذار، حذار من اشتياط أفوه إذا جنى الخامل عاتب الشهير. ولئن جن الليل دون بعث العساجد المستقرة، لتبعنن كتائب القول مشمعلة لا تخص مقالاً، ولا تستثني حمى، ولغيرهم مثل السوء، والسلام.
شفاعة إلى جمال الدين الوزير بالموصل: قد تبوج بارق مكارمكم، واستطار حتى أضاء لعين الأكمة، وأسمع راعده الأصم العازب. وأنتم سننتم إليكم هذه الأطماع، ومهدتم للعفاة المسائل، وشجعتم أقلام الشفعاء، فكل هجنة تحدث من متوسل به إليكم، فهم من جنايتها برءاء، والوارد بها كنتم أقلتم عثاره في أيام تشرفي بالخدمة، وأخرستم دونه بعض ضوضاء الخطوب، وأوردتموه من جودكم علاً بعد نهل. وقد
стр. 353
أرسل ولد مطالباً عندكم دين المكارم، ونعم الغريم أنتم، والسلام.
وله إلى الوزير ابن هبيرة في طلب قصيل: الكراع مع تعذر القصيل قد محصت جلوده، وتقارب خطوه، ودميت بالحكاك صفحاته، حتى عاد حديث الخباز عنده نافلة. وفيه: الجواد عطية الجواد، وهو نهد المراكل، مرتفع الكاهل، يفوق مرور العواصف ومروق المعابل. ومزاحمة المراكيب الكريمة مما أتيح لها من بلغة القصيل هجنة، والثمن الذي يتوصل به معدوم. على أنه مع وجود الثمن جد غال، والرأي في حل هذا الإشكال بروية صائبة من الكرم أعلى.
جواب مكاتبة بعض الأكابر:
أهلاً بها من شيم مكارم ما برح صوبها على غبراء فضلي المجدب لفقد حنو الأكرمين هامياً، والحمد لله حيث وجدت في زماني إنعاماً يكاثر
стр. 354
إخلاصي، ووداً يعصمني من وحشة غربتي ووحدتي، حتى أراني منه في مثل الخميس الجحفل يرهج الوادي بحوافر خيله، ويدلهم رونق الضحى من هبوات عثيرة. مللت السجايا العراقية، وبعلت بالهم، فطفقت أعوم في الفلوات النازحة عوم النينان في جمة الخضرم، وأحببت الخلوة حب مجلس الشرب الكرام طاب شاديه، وأنصف ساقيه. ولولا خدمة غيركم لصرت إلى ناديكم، ولئن شاء الله لأفعلن، والسلام.
وله شفاعة: إسلم يا فارس الكتيبة، وجواد السنة الجديبة، غمر الرداء، نضير النعماء، مجدوداً. أجل يا فكاك العناة، ومطعام العفاة. أنشط ابن جابر، من الخطب الجائر، مكتسباً عند الله ثوابه، وعندي شكره وثناءه، فثم أب
стр. 355
حدب، دمعه دافق سرب، أسرع من سهم إلى مرمى، ومنك إلى ابتدار المجد ببأس ونعمى.
إلى ابن شرف الدولة عند المطل بدراج طلب منه: أجواد هملاج، أم طائر دراج؟ لقد أوسعت الوعود وجعلت نفسك رمية العتاب، بل كرمت الأعراق المسيبية والشيم المعسولة السعدية عن التسويف وفاحش الإخلاف. إبعثه محموداً بعينه من غير تبديل، دائم الصياح، يلقط من بطون الراح، كأنه ناظم مجيد، ومطرب غريد، متى صدح كرر، يظن كل الزمان السحر.
في طلب حصان: إبعثوه خلاكم ذم جواداً سبوقاً، مشرفاً منيفاً، نهد المراكل، صريحاً، جياشاً، صهالاً، يفضل طلق الظليم وشد غزلان
следующие страницы →