Полный текст (1 115 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الآية: ٣٥] .
من الملاحظ في هذه المتعدّدات الانسيابيّةُ والتَّلاؤُمُ والتعانُقُ المتدرّج.
الإِسلام هو يقدِّمُه الظاهر أوّلاً، وهل هو أثر إيمانٍ أم لاَ؟ فيأتي التدقيق عن الإِيمان ثانياً، وبعدهما يُنْظَرُ إلَى التزام الطاعة المعبَّرِ عنه بالّقُنُوت، فالقانت هو المطيعُ الخاضع، فيأتي البحث عن الصّدْقِ في الطَّاعة، أي: عن سلامة النيّة في ابتغاء مرضاة الله، فالتوسُّع في أعْمالِ البرّ فوقَ فِعْلِ الواجبات وترك المحرّمات، ويأتي في مقدّمته الصّبر، فَخُشُوعُ الْقَلْب لذكر الله، فبذلُ الصَّدَقَاتِ فَوْقَ الزكاة والنَّفَقَةِ الواجبةِ، فالصومُ زيادةً على الصوم المفروض، فالمحافظةُ التامّة على الفروج، فالذّكْرُ الكَثِيرُ لله .
***
стр. 1017
البديعة المعنوية (٢٣) : المراوغة: بالمواربة، أو مجاراة ظاهر القول
المواربة: أن يقول المتكلّم قولاً يتضمَّن ما يُنْكَرُ عليه به، فإذا وُجِّه له الإِنكار استحضر بحذقه وجهاً من الوجوه يتخلّص به، إمّا بحمل الكلمة على معانيها، أو بتحريفها، أو بتصحيفها، أو نحو ذلك. والمواربة في اللغة: المخادعة والمخاتلة.
كقول اليهود عند السَّلام: السّام عليكم، يُوهِمُون أنّهم يقولون: السّلام عليكم، وهم يقصدون: الموت، لأن السّام الموت.
وحين أمرهم الله على لسان نبيٍّ من أنبيائهم أن يدخلوا باب القرية سُجَّداً ويَقُولوا: حطَّة، بمعنى: اللَّهُمَّ احْطُط عنَّا خطيئاتنا، حَرَّفوا الكلمة وواربوا فيها، وقَصَدُوا معنى غير الذي طُلِبَ منهم.
***
المجاراة: هي مسايرة المخاطب بحسب ظاهر كلامه، والتغاضي عن مراده منه، والبناء على ظاهر كلامه كأنّه هو مقصودُه الحقيقي.
ومن أمثله المجاراة حَمْلُ كلام الكافرين الذي طلبوا فيه من رسُلهم استعجالَ العذاب الّذي أنذروهم به، لا على معنى أنّهم يريدون إنزال العذاب بهم، ولكنَّهُمْ يُعَبِّرون بهذا الاستعجال عن تكذيبهمْ رُسُلَ رَبّهم، وأنَّهم ليسوا صادقين فيما
стр. 1018
يُخْبرونَهُم به من أنَّ الله يُنْذِرُهم بعذابه إذا أصرُّوا على تكذيبهم وكفرهم ومعاداتهم لرسُل ربّهم والّذين آمنوا معهم.
ومنه قول الله في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) خطاباً لرسوله:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ [الآيات: ٥٣ - ٥٤] .
***
стр. 1019
البديعة المعنوية (٢٤) : النزاهة
النزاهة: هي خلوص ألفاظ الهجاء والذّم من الفحش.
قيل لأبي عمرو بن العلاء: ما هو أحْسَنُ الهجاء؟
قال: هو الذي إذا أنْشَدَتْه العذراء في خِدْرِها لا يَقْبُح عليها.
أمثلة:
المثال الأول: ما جاء في سورة (المسد/ ١١١ مصحف/ ٦ نزول) من ذمّ أبي لهب وامرأته.
المثال الثاني: ما جاء في سورة (القلم/ ٦٨ مصحف/ ٢ نزول) من ذمٍّ للوليد بن المغيرة بصيغة عامّة، بقول الله تعالى:
﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين * سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ [الآيات: ١٠ - ١٦] .
يُلاحَظُ أنَّ هذا الهجاء خالٍ من أيّ كلام فيه فُحْشٌ.
المثال الثالث: قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) بشأن الذين يُدْعَوْنَ إلى الله ورسوله ليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَيُعْرِضُون حينَ لا يكون لهم الحقُّ في الخصومة:
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أولائك هُمُ الظالمون﴾ [الآية: ٥٠] .
وهكذا سائر ما جاء في القرآن من ذمٍّ وهَجاءٍ يتحلّى بهذه النزاهة.
стр. 1020
البديعة المعنوية (٢٥) : نفي الشيء بصيغةٍ تشعر بإثباته، أو نفي الشيء بإيجابه
وهو أن يكون ظاهر الكلام يفيد إثبات الشيء إلاَّ أنّ باطانه يفيد نفيه مطلقاً.
والغرض تأكيد النفي.
قال ابن رشيق في تعريفه: أن يكون الكلامُ ظاهره إيجابَ الشيء وباطنُه نفيَه، بأنْ يُنْفَى ما هو من سببه، كنَفْي وصفه، وهُو المنفيُّ في الباطن. وقال غيره: أن يُنْفَى الشيءُ مُقَيّداً والمرادُ نفيُهُ مطلقاً.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (المدثر/ ٧٤ مصحف/ ٤ نزول) بشأن الكفرة المكذّبين بيَوْم الدين، حين يُلاقونَ عذابهم يومئذٍ:
﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ [الآية: ٤٨] .
أي: ليْسَ لَهُمْ شافعون يومئذٍ ولو كان لهم شافعون لَمَا نَفَعَتْهُمْ شَفَاعَتُهُمْ.
ودلّ على أنّهم لا يجدون يومئذٍ شافعين يَشْفَعُون لهم قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) مخبراً عمّا يقولون يؤمئذٍ:
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الآية: ١٨] .
стр. 1021
المثال الثاني: قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) :
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [الآية: ١٨] .
أي: لَوَ فُرِضَ وُجودُ شفيع لهم لَمْ يَكُنْ مُطَاعاً، فذكر احتمال وجود شفيعٍ غير مُطاع يؤكّد عدم وجود شفيع لهم، إذْ فائدة الشفيع الاستجابة لشفاعته، لكن إذا عُلِمَ ابتداءً أنّ شفاعتَهُ مَرْفوضَةٌ فإنّه لا يُعْتَبَرُ شفيعاً أصْلاً، ولا يُسْمَحُ لَهُ بأَنْ يكون شفيعاً.
المثال الثالث: قول الله في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) :
﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [الآية: ١١٧] .
إنَّ اتّخاذ إلهٍ مع الله لا يُمْكِنُ أن يَدُلَّ عليه برهان، فلا يوجَدُ إله غير الله يوصَفُ بأنّ إلهيَّتَهُ ذَاتُ برهان.
فقيد لا برهان به يُؤكِّدُ ضِمْناً عدم وجود شريك لله في إلهيتّه.
أقول: في هذا تكريم للفكر الإِنسانيّ أَنْ يبحث كلَّ أُصُول الإِيمان، وقضاياه الكبرى بالبراهين العقليّة، ولا يأخُذَها بمجرّد التسليم للخبر، فمن استطاع أن يأتي برهانٍ على أنّ لله شريكاً في رُبُوبيّتِهِ، أو في إلهيّته، فإنَّ الله يعطيه العُذْر في أن يُؤْمِنَ بما توصّل إليه بالدّليل البرهاني.
على أن في التعبير معنى التحدّي بأن يأتي المشركون ببرهان يثبتون به ما يعتقدونه من شركٍ، وهذا التحدّي يتضمَّن تأكيد نفي وجود برهان يُثْبت ادّعاءهم، وبالتالي يؤكّد نفي وجود أيّ شريك لله .
стр. 1022
المثال الرابع: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) :
﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الآية: ٢١] .
لقَدْ كان اليهود يَقْتُلُونَ النبيّين بغير حَقٍّ، ولا يُمْكِنُ أن يكون قَتْلُ النبيين بحقٍّ، لكنّ إثباتَ هذا القيد يُؤَكّد مَبْلَغَ جُرْمِهِمْ.
***
стр. 1023
البديعة المعنوية (٢٦) : الافتنان
هو الإِتيان في الكلام الواحد بفنّيْنِ مختلفين أو أكثر من فنون القول، كالمدح والهجاء، والفخر والتحدّي، والتهنئة والتعزية، والمدح والعتاب.
أمثلة:
المثال الأول: قول المتنبّي يعاتب سيف الدولة ويمدحه من قصيدة:
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إلاَّ في مُعَامَلَتي ... فِيكَ الخِصَامُ وأنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ
وقول فيها:
أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صَادِقَةً ... أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
فقد جمع في هذا البيت بَيْن الثناء عليه بصِدْقِ الفِراسة، وتَحْذِيرِه من التَّورُّط في حُسْنِ الظّن بالمرائين المخادعين.
المثال الثاني: قول الله في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) بشأن المرور على الصراط القائم على متن جهنّم:
﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً﴾ [الآيات: ٧١ - ٧٢] .
يلاحظ في هذا النص أنه جمع بين تَهْنِئَةٍ للمتّقين بالنجاة وإخزاءٍ للظالمين بالقعود في دار العذاب.
المثال الثالث: قولي صانعاً مثلاً يجمع بَيْنَ الحُزْنِ والفرح والثناء:
كَادَتْ تُفَارِقُنَا أَنْفَاسُنَا أَسَفاً ... لمَّا غَدَا خَيْرُ مَنْ يَحْمِي الحِمَى سَلَفَا
لَمْ تَرْقَ أَدْمُعُنَا مِنْ حُزْنِ أَكْبُدِنَا ... عَلَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا نَجْلَهُ خَلَفَا
стр. 1024
البديعة المعنوية (٢٧) : حُسْن المراجعة
هي أن يحكي المتكلّم مراجعةً في القول بينه وبين محاورٍ له بأوجز عبارة، وأعْدَلِ سَبْك، وأعذب ألفاظ.
أقول: لا داعي لتقييد المراجعة بأن تكون بين المتكلم وبين مُحَاوِرٍ له، فلو حكى مراجعةً بين شخصين أو بين خصمين على الوجه الذي جاء في التعريف بيانه لكانت عملاً بديعاً يدخل في حُسْن المراجعة.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [الآية: ١٢٤] .
حوار مصوغ بأوجز عبارة، وأعدل سَبْكِ، وأعذب ألفاظ.
المثال الثاني: قول الله في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) في قصة موسى وهارون ﵉:
﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي
стр. 1025
مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى * فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ والسلام على مَنِ اتبع الهدى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى * قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى * قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى * قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [الآيات: ٤٢ - ٥٢] .
***
стр. 1026
البديعة المعنوية (٢٨) : التنكيت
هو أن يقصد المتكلّم إلى كلمة أو كلامٍ بالذكر دون غيره ممّا يسُدُّ مَسَدَّه، لأجل نُكْتَةٍ في المذكور تُرَجِّحُ مجيئه على سواه.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) :
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ [الآية: ٤٩] .
الشِّعْرَى: نجم يقالُ له الشِّعْرَى الْعَبُور، وهو نجم نَيّرٌ يَطْلُع عنْدَ شدّة الحرّ، ولشِعْرَى العَبُور أخْتٌ يُقالُ لها: الشِّعْرَى الغُمَيْصَاء، قالوا: وهما أخْتا نَجْم سُهَيْل.
والشّعْرَى الْعَبُور عبَدَها رجُلٌ ظهر في العَرَب يُعْرَفُ بابن أبي كَبْشة، ودَعا خَلْقاً من العرب إلى عبادتها، فخصَّ الله في هذه الآية من سورة (النجم) الشّعْرَى بالذّكر دون غيرها من النجوم، مع أنّه جلّ وعلا رَبُّ كُلّ النجوم وربُّ كُلّ شيء، لأنّ هذا الرجُل قد ظهر في العرب ودعا الناس إلى عبادتها، فمن أجل هذه النكتة خُصَّت الشِّعْرَى بالذكر.
المثال الثاني: قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) أيضاً:
﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ [الآيات: ٢١ - ٢٢] .
стр. 1027
الْقِسْمة الضِّيزَى: هي القِسْمَةُ الجائرة.
ونلاحظ أنّ اختيار كلمة "ضِيزَى" في هذا الموضع دون الكلمات التي تُؤدّي معناها له نُكْتَتَان: معنوية، ولفظيّة.
* أما المعنويّة فهي الإِشعار بقباحة التعامل مع الرّبّ الخالق بقسمة جائرة، يختار المشركون فيها لأنفسهم الذكور ويختارون فيها لربّهم الإِناث، عن طريق استخدام لفظ يدلُّ بحروفه على قباحة مُسَمَّاه.
* وأمّا اللفظية فهي مراعاة رؤوس الآي، في الآيات قبلها، وفي الآيات بَعْدَها.
***
стр. 1028
البديعة المعنوية (٢٩) : الإِرداف
شبيه بالتنكيت إلاَّ أنّ الإِرداف يُتْرَكُ فيه اللّفظُ الذي يُدَلُّ به عادة على المعنى، ويُسْتَخْدَمُ تعبيرٌ غيره لتحقيق أغراضٍ فكريَّة ومعاني لا تُؤَدَّى بالتعبير المتروك.
* ومن أمثلة الإِرْداف ما جاء في قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) :
﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] .
قالوا: إن عبارة: ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ اختيرت بإحكام بدل أن يُقالَ: وهلَكَ من قضى الله إهلاكَهُمْ، ونجا من قضى الله نجاتهم.
وحصل العدول عن التعبير المتروك، واخْتِيرَ رَدِيفٌ لَهُ يُؤَدّي المقصودَ منه مع أغراض أخرى، منها: الإِيجاز في العبارة، والتنبيهُ على أنْ هلاك الهالك ونجاة الناجي كانَ بأمْرِ آمرٍ أمْرُهُ تكْوين، إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له: كن فيكون، وكان بقضاء مَنْ لا رادّ لقضائه، ومنها توازن الفقرات في الآية.
وإن عبارة: ﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ اختيرت بإحكام بَدَل أن يقال: وجَلَستْ على الجودي. أو واسْتَقَرَّتْ على الجودي. لما في التعبير بالاستواء من الإِشعار بأنّها اسْتَقَرّت على جبل الجودي استقرارَ تَمَكُّنٍ لا زيغ فيه ولا مَيْلَ إلى جهة الأمام، إو إلى جهة الخلف، أو إلى اليمين، أو إلى الشمال، فالاسْتقرار المستوي لا تفيدُه عبارةٌ أُخرى كما تفيده عبارة: ﴿واسْتَوَت﴾ .
* وذكروا من أمثلته قول الله في سورة (ص/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) بشأن أهل جنات عَدْن:
стр. 1029
﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ﴾ [الآية: ٥٢] .
أتراب: أي: على سِنٍّ واحدة، وهنَّ الحور العين.
جاء التعبير بعبارة ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ للكناية بها عن أنَّهُنَّ غفيفات، وقد عُدِلَ عن عبارة "عفيفات" إلى عبارة أُخْرى تؤدّي معناها لإِضافةِ معنىً آخر لا تؤدّيه العبارة المتروكة، وذلك لأنّ العبارة المختارة تدُلُّ على أنَّهُنَّ مع عِفَّتهنَّ لا تَطْمَحُ أَعْيُنُهُنَّ إلى غير أزواجِهِنَّ، ولا يَشْتَهين غَيْرَهُمْ.
وهذا المعنى لا تَدُلُّ عليه عبارة "عفيفات" فالعفَّةُ التطبيقيّة قد تكون مصحوبة بتطلُّعٍ وتَشَهٍّ.
* وذكروا من أمثلة الإِرداف قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) :
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى﴾ [الآية: ٣١] .
جاء في الجملة الأولى: ﴿لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ فاختير فيها التعبير بعبارة: ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ دون عبارة: بالسُّوأى. مع ما في هذه العبارة من مقابلةٍ عَكْسِيَّة لعبارة ﴿بالحسن﴾ في الجملة الثانية يتحقق بها الطباق، لتأدية معاني لا تؤدّى بعبارة: بالسوأى، أو بالسّيئة، ومن هذه المعاني: أنَّ الجزاء على السيئة يكون بمِثْلِها تماماً، وهذا المعنى تؤدّيه عبارة ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ أداءً وافياً، أمّا عبارة: بالسُّوأَى، فهي غير صالحة، لأن لفظ السُّوأى مؤنَّثُ أسْوء، والله لا يجزي على السَّيئة بالأسُوَءِ منها. وأمّا عبارة: بالسيئة، فهي عبارة عامّة لا تَدُلُّ على المماثلة، إذ قد تكون سيئة الجزاء أكثر من سيّئة العمل، وهذا أمْرٌ غير مُراد. مع ما في عبارة: ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ من البُعْدِ عن نسبة فعْلِ السيئة إلى الله ولو كانت على سبيل الجزاء.
стр. 1030
البديعة المعنوية (٣٠) : الإِبداع
وهو أن يشتمل الكلام على عدّة ضروبٍ من البديع.
ومن أمثلته قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) :
﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] .
ذكر ابن أبي الإِصْبع أنّ في هذه الآية قُرابَةَ عشرين ضرباً من ضروب البديع فذكر منها: الطباق، وحُسْنَ النَّسق، وحُسْنَ التعليل، وصحّة التقسيم، والتسهيم "=الإِرصاد"، والإِرداف.
وذكر الإِيجاز، والمجاز، والاستعارة، إلى غير ذلك.
***
стр. 1031
" علم البديع" الفصل الثاني: البدائع المشتملة على محسنات جمالية لفظية
стр. 1032
البديعة اللفظية (١) : "الجناس "
الجناس ويسمّى أيضاً "التجنيس"
الجِنَاسُ في اللّغة: المشاكلة، والاتحاد في الجنس، يقال لغة: جانَسهُ، إذا شاكله، وإذا اشترك معه في جِنْسه، وجنسُ الشيء أصله الذي اشْتُقَّ منه، وتَفَرَّع عنه، واتَّحدَ معَه في صفاته العظمى التي تُقومِّ ذاته.
والجناسُ في الاصطلاح هنا: أن يتشابه اللَّفْظانِ في النُّطْقِ ويَخْتَلِفَا في المعنى.
وهو فنٌّ بديعٌ في اختيار الألفاظ التي تُوهِمُ في البدْءِ التكرير، لكنّها تفاجئ بالتأسيس واختلافِ المعنى.
ويُشْترط فيه أن لا يكون متكلّفاً، ولا مُسْتكرهاً استكراهاً، وأن يكون مستعذَباً عند ذوي الحسِّ الأدبي المرهف، وقد نَفَر من تصنُّعه وتكلُّفِه كِبَارُ الأدباء والنُّقَاد.
قال: "ابنِ حِجَّة الحموي" في كتابه: "خزانة الأدب": "أمّا الجناسُ فإنَّه غَيْرُ مذْهبي ومَذْهَبِ مَنْ نسجْتُ على مِنْوالِهِ مِنْ أهْلِ الأدب".
وقال "ابن رشيق" في كتابه: "العمدة": "التجنيس من أنواع الفراغ، وقلّةِ الفائدة، وممّا لاَ يُشَكُّ في تَكلُّفِه، وقد أكثر منه السَّاقَةُ المتعقِّبُونَ في نَظْمِهم ونَثْرِهم، حتّى بَرَدَ وَرَكَّ".
стр. 1033
يعني بالساقة الّذين لم يصِلُوا إلى أن يكونوا فُرْسانَ أدب في نَثْرٍ أو شِعْر، وأرى أنّه يَذُمُّ الجناس المتكلَّف المَمْجُوج.
وقال "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" في كتابه "أسرار البلاغة": "أمّا التجنيس فإنَّكَ لا تَسْتَحْسِنُ تجانُسَ اللَّفظتَيْن إلاَّ إذا كان مَوْقعُ مَعْنَيَيْهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يَكُنْ مَرْمَى الجامع بينهما مَرْمىً بعيداً، أَتُراك استَضْعَفْتَ تجنيس أبي تمام في قوله:
ذهَبَتْ بِمَذْهَبِهِ السَّمَاحَةُ فَالْتَوَتْ ... فِيهِ الظُّنُونُ: أَمَذْهَبٌ أَمْ مُذْهَبٌ
واستحسنْتَ قول القائل:
"حَتَّى نَجَا مِنْ خَوْفِهِ وَمَا نَجا"
وقولَ المُحْدَث:
نَاظِرَاهُ فِيمَا جَنَى نَاظِرَاهُ ... أَوْ دَعَانِي أَمُتْ بِمَا أَوْدعَاني
لأمْرٍ يرجع إلى اللّفظ؟ أمْ لأنَّكَ رَأيْتَ الفائدة ضَعُفَتْ عنْدَ الأوّل، وقويتْ في الثاني؟ ورأيْتُك لم يَزِدْك بمَذْهَبٍ ومُذْهَبٍ على أن أسْمَعَك حُروفاً مكرَّرة، تروم لها فائدةً فلا تَجدُها إلاَّ مجهولة مُنْكرة، ورأيْتَ الآخَرَ قَدْ أعاد عَلَيْكَ اللّفظة، كأنَّهُ يخدَعُك عن الفائدة وقد أعطاها، ويُوهِمُك كأنَّهُ لم يَزِدْكَ وَقَدْ أحْسَنَ الزيادة ووفّاها، فبهذه السّريرة صار التجنيس - وخصوصاً المستوفى منه المتّفِقَ في الصورة - من حَلْي الشعر، ومذكوراً في أقسام البديع.
стр. 1034
فقد تبيَّن لَكَ أنّ ما يُعْطي التجنيس من الفضيلة أمْرٌ لم يَتمَّ إلاّ بنُصْرَةِ المعنى، إذْ لو كان باللّفظ وحده لَمَا كان فيه مُسْتَحَسَن، وَلمَا وُجِدَ فِيه إلاَّ مَعِيبٌ مُسْتَهْجَن، ولذلِكَ ذُمَّ الإِكْثَارُ مِنْهِ والْوُلُوعُ به، وذلك أنَّ المعاني لا تدين في كلّ موضِعٍ لما يَجْذِبُها التجنيس إليه ... ".
وهكذا أعطى "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" الجناسَ قيمته، فلم يَبْخَسْهُ حقَّهُ، ولم يَغْلُ فيه.
وقد اعتنى علماء البديع بتقسيم الجناس إلى أنواع، اعتماداً على استقراء الأمثلة، والنظر الفكري في احتمالات التقسيم، إلاَّ أنهم أسرفوا في وضع أسماء لكلّ فرع من فروع أنواعه، وهو أمْرٌ يُرْهِق محلّل النّصوص، ويصْرفه عن تذوُّق الجمال الأدبي، ليهْتَمَّ بالتحليل الآلي، وتذكُّرِ الاسم الخاصّ بكلّ فرع من هذه الفروع، وإنّي أوردها لا لأكلّف الدارس حفظَها وتطبيقها على ما يشرحه من الأمثلة في دراساته الأدبيّة، متذكّراً ما وُضِعَ لكلّ فرع منها من اسم خاصٍّ به، ولكن ليكتشف مدى الدقّة التي كانت لدى علمائنا الأقدمين، فيما قدّموه من دراسات تفصيليّة، وليكون لديه تصوّرٌ عامّ يَسّتَفيدُ منه لدى دراساته للنصوص الأدبيّة.
***
أنواع الجناس وفروعها:
/ قسَّم علماء البديع الجناس إلى ستة أنواع ذوات فروع:
/ النوع الأول: "الجناس التام":
/ وهو ما اتفق فيه اللَّفظان في أربعة أمور:
(١) في نوع الحروف.
(٢) وفي هيئتها (أي: في حركاتها وسكناتها) .
(٣) وفي عَدَدِها.
стр. 1035
(٤) وفي ترتيبها.
مثل: "يَحْيَا" فعلاً مضارعاً مصدره الحياة، و"يَحْيَى" اسماً علماً لإِنسان، ومثل: "جَنَى" بمعنى ارتكب جناية، و"جَنَى" بمعنى قطف ثمرة من شجرتها.
واشتقّوا من هذا النوع الأوّل خمسة فروع، وهي ما يلي:
الفرع الأول: "المماثل" وهو الجناس التام الذي يكون اللّفظان المتشابهان فيه من نوع واحد من أنواع الكلام، كاسمين، أو فعلين، ومن أمثلته ما يلي:
(١) قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ... ﴾ [الآية: ٥٥] .
المراد من لفظ "الساعة" ساعَةُ البعثَ إلى يوم الحساب والجزاء، والمراد من لفظة "ساعة" أنهم ما لبثوا في البرزخ بين الموت والبعث غير مدة زمنية من أزمان النهار واللّيل المقسّم إلى (٢٤) ساعة أو نحوها.
(٢) وقول أبي تمّام يصف فُرْسَانَ ممدوحيه:
إِذَا الْخَيْلُ جَابَتْ قَسْطَلَ الْحَرْبِ صَدَّعُوا ... صُدُورَ الْعَوَالي في صُدُور الكَتَائِبِ
جَابَتْ قَسْطَل الحرب: أي: اخترقت وقَطَعَتْ غُبار موقعه الحرب من وسطه.
صَدَّعُوا: أي: كَسَّروا. صُدُورَ العوالي: أي: المتقدّم من الرماح مما هو قريبٌ من السِّنان، فالعالية: هي النِّصْفُ الذي يَلي السّنان من قناة الرّمح، وجمعها العوالي. وصُدُور الكتَائب: هي صدور أفراد الجيش المحارب.
صُدور وصُدُور: اسمان.
(٣) قول أبي نواس يمدح عبّاسَ بن فضل الأنصاري الذي ولي قضاء الموصل في عهد الرشيد، ويمدح الفضل بن الربيع بن يونس وزير الرشيد، ثم وزير الأمين، ويمدح الربيع بن يونس، وزير المنصور العباسي، في بيت واحد:
стр. 1036
عَبَّاسُ عَبَّاسٌ إِذَا احْتَدَمَ الوغَى ... والْفَضْلُ فَضْلٌ، والرَّبيعُ رَبيعُ
الفرع الثاني: "الْمُسْتَوْفَى" وهو الجناس التامّ الذي يكون اللّفظان المتشابهان فيه من نوعين مختلفين من أنواع الكلام، كأن يكون أحدهما اسماً والآخر فعلاً، ومن أمثلته ما يلي:
(١) قول أبي تمّام:
مَا مَاتَ مِنْ كَرَمِ الزَّمَانِ فإنَّهُ ... يَحْيَا لَدَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله
(٢) قولي صانعاً مثلاً:
يَزِيدُ لَهُ أيَادٍ لاَ تُبَارَى ... ويَسْبِقُ مَنْ رَجَاهُ لِمَا يُرِيدُ
"يَزِيدُ" عطاؤُهُ مَا جِئْتَ تَرْجُو ... نَدَاهُ بِكُلِّ آوِنَةٍ يَزِيدُ
"يَزيدُ" الأول اسم علم. و"يزيد" الثاني فعل مضارع.
الفرع الثالث: "المتشابه" وهو الجناس التام الذي يكون أَحَدُ اللَّفْظَين المتشابيهن فيه مركّبَاً من كلمتين فأكثر مع اتفاقهما في الخطّ، ومن أمثلته ما يلي:
(١) قول أبي الفتح الْبُسْتِي:
إِذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذَا هِبَة ... فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذَاهِبَة
"ذا هبة" الأول: أي: صاحب هِبَةٍ. والثانية اسم فاعل من الذّهاب.
(٢) قول القاضي الفاضل:
عَضَّنا الدَّهْرُ بِنَابِهْ ... لَيْتَ مَا حَلَّ بِنَا بِهْ
لا يُوَالي الدَّهْر إلاَّ ... خَامِلاً لَيْسَ بِنَابِهْ
"بنابِه" الأول: أي: بسِنَّهِ المعروف بالنَّاب. و"بِنا به" الثاني" الباء حرف جرّ و"نا" ضمير، و"به" حرف وضمير متصل يعود عل الدهر. و"بنابه" الثالث، الباء حرف جر، و"نابه" أي ذي شَرَفٍ وشُهْرَة.
стр. 1037
(٣) قول بعض البلغاء: "يَا مَغْرُورُ أَمْسِكْ، وقِسْ يَوْمَكَ بِأمْسِكَ".
الفرع الرابع: "المفروق" وهو الجناس التامّ الذي يكون أحدُ اللّفظَينْ المتشابهين فيه مركّباً من كلمتين فأكثر مع اختلافهما في الخطّ، ومن أمثلته ما يلي:
(١) قول أبي الفتح البستي:
كُلُكُمْ قَدْ أَخَذَ الْجَا ... مَ وَلاَ جَامَ لنا
مَا الَّذِي ضَرَّ مُدِير الْجَا ... مِ لَوْ جَامَلَنا
الجام: إناء للشراب من فضَّةٍ أو نحوها.
ولاَ جَامَ لنا: أي ليس لنا هذا الإِناء.
لو جَامَلَنا: أي: لو عامَلَنا بالجميل.
(٢) قول أحدهم:
لاَ تَعْرِضَنَّ عَلَى الرُّوَاةِ قَصِيدَةً ... مَا لَمْ تُبَالِغْ قَبْلُ فِي تَهْذِيبَها
فَمَتَى عَرَضْتَ الشِّعْرَ غَيْرَ مُهَذَّبٍ ... عَدُّوهُ مِنْكَ وَسَاوِساً تَهْذِي بها
"تهْذِي بها" الثاني من الْهَذَيان. والأول من التهذيب.
الفرع الخامس: "المَرْفُوّ" وهو الجناس التّام الذي يكون أَحَدُ اللّفظين المتشابِهَيْن فيه مركَّباً من كلمة وبعض كلمة أخرى، ومن أمثلته ما يلي:
(١) قول الحريري:
والْمَكْرُ مَهْمَا اسْتَطَعْتَ لاَ تَأْتِهِ ... لِتَقْتَنِي السُّؤدُدَ والمَكْرُمَة
(٢) وقوله أيضاً:
فَلاَ تَلْهُ عَنْ تَذْكَارِ ذَنْبِكَ وابْكِهِ ... بِدَمْعٍ يُحَاكِي الْمُزْن حَالَ مَصَابِهِ
وَمَثِّلْ لِعَيْنَيْكَ الْحِمَامَ وَوَقْعَهُ ... وَرَوْعَةَ مَلْقَاهُ وَمَطْعَمَ صَابِهِ
стр. 1038
حَالَ مَصَابِه: أي: حَال انصبابه، تقول: صَابَ المطر، إذا انصبّ. الحِمَام: الموت.
ومَطْعَمَ صَابِه: أي: مَطْعَمَ شجرتِهِ المُرَّة، الصَّابُ: شَجَرٌ مُرٌّ لَهُ عُصَارَةٌ بيضاءُ كاللَّبَن بالغة المرارة، إذا أصابت العَيْنَ أتْلَفَتْهَا.
(٣) ومنه قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) :
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [الآية: ١٠٩] .
***
النوع الثاني: "الجناس المحرّف":
وهو ما اختلف فيه اللّفظان في هيئة الحروف، واتفقا في نوعها وعددها وترتيبها.
مثل: "الْبُرْد" بمعنى الكِسَاء، وهو كِسَاءٌ مُخَطَّط يُلْتحف به، و"الْبَرْد" بمعنى انخفاض درجة الحرارة، و"الْبَرَد" بمعنى الماء الجامد الذي ينزل من السّماء، إنّ حروف هذه الكلمات متفقة في نوعها وعددها وترتيبها، لكنّها مختلفة في هيئتها، فالباء مضمومة في الأولى ومفتوحة في الثانية مع سكون الراء، ومفتوحة في الثالثة مع فتح الراء.
ومثل: "الشِّرْك" بمعنى جعل شريك لله ، و"الشَّرَك" بفتح الشين والراء بمعنى الحبل الذي يضعه الصياد ويُخْفيه ليصيد به ما يترصّد من حيوان الوحش، كغزال، وتيْسٍ جبليّ.
ومن أمثلة الجناس المحرّف ما يلي:
(١) قولهم: "جُبَّةُ الْبُرْدِ جُنَّةُ الْبَرْد" فبين البُرْدِ والبَرْدِ جناسٌ مُحَرَّف.
стр. 1039
(٢) وقولهم: "الْبِدْعَةُ شَرَكُ الشِّرْك".
(٣) قول المعرّي:
والْحُسْنُ يَظْهَرُ فِي بَيْتَيْنِ رَوْنَقُهُ ... بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ بَيْتٍ مِنَ الشَّعَر
فبين الشِّعْرِ، والشَّعَر جناسٌ محرّف.
(٤) قولهم:
"لاَ تُنَالُ الْغُرَرَ إِلاَّ بِرُكُوبِ الْغَرَر"
الغُرَر: جَمْعُ أغَرّ، وهو الحَسَنُ من كُلّ شيء.
الْغَرَر: الخَطَر، والتعرّض لِلْهَلَكَة.
(٥) قول ابن الفارض:
هَلاَّ نَهَاكَ نُهَاكَ عَنْ لَوْمِ امْرِئٍ ... لَمْ يُلْفَ غَيْرَ مُنَعَّمٍ بِشَقَاءِ
نَهَاكَ: ضدّ أمَرَك. نُهَاك: النُّهَى: العقل، والمعنى: هلاَّ زجرك عقلك عن لوم امْرِئٍ ...
(٦) قول الحريري يصف هُيَامَ الجاهلِ بالدنيا:
مَا يَسْتَفِيقُ غَراماً ... بها وَفَرْطَ صبَابَة
ولَوْ دَرَى لَكَفَاهُ ... مما يَرُومُ صُبَابة
***
النوع الثالث: "الجناس الناقص":
وهو ما نقصت فيه حروف أحد اللفظين عن الآخر، مع اتفاق الباقي في النوع والهيئة والترتيب.
стр. 1040
مثل: "جَوَابٍ" و"جَوَانح". ومثل: "صالحٍ" و"صوالح". ومثل: "سابح" و"مَسَابح".
واشتقُّوا من هذا النوع الثالث أربعة فروع، وهي ما يلي:
الفرع الأول: "الْمَرْدُوف" وهو ما كان الحرف الأوّل هو الناقص في أحَدِهما، مثل: "مَسَاق" و"ساق". ومثل: "باح - ربَاح" و"جَاء - رَجَاء" ومنه قول الله في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) :
﴿والتفت الساق بالساق * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ [الآيات: ٢٩ - ٣٠] .
ومنه: ﴿كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَات﴾ [النحل: ٦٩] .
ومثل: "سَاءَ مَسَاءُ المُجْرِمِ إذْ ضَاءَ مَضَاءُ سَيْفِ الْجَلاَّد".
الفرع الثاني: "المكتَنف" وهو ما كان الحرف الناقص في وسط أحَدِهما، مثل: "حديقة مَطُوفَةٌ، وثِمَارُها مَقْطُوفة" - "السَّكْرَانَ بلَذَّاتِ دُنْيَاهُ هُوَ الْمَجْنُون، وهو لا يَصْحُو مَا لَمْ يَنْزِلْ بِه رَيْبُ الْمَنُوْن" - "مَنْ فَقَدَ بالسُّكْرِ عَقْلَهُ كُشِفَ سِتْرُهُ، واسْتُبِيحَ سِرُّهُ".
الفرع الثالث: "الْمُطَرَّف" وهو ما كان الحرف الناقص في آخرِ أَحَدِهما، مثل: "سَارٍ" و"سَارِق". و"عَارٍ" و"عَارِف". و"قاضٍ" و"قاضِم". و"جَوارٍ" و"جَوَارِح"، ومنه قول أبي تمّام:
يَمُدُّونَ مِنْ أَيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمٍ ... تَصُولُ بِأَسْيَافَ قَوَاضٍ قَوَاضِبِ
عَوَاصٍ: جَمْعُ "عاصِيَة" من: "عَصَاهُ" إذا ضرَبَهُ بالعصا فَهُوَ عَاصٍ، وهي عَاصِيَة.
عَوَاصِم: جمع "عاصِمة" وهي الحافظة الحامية.
قواضٍ: جمع "قاضية" من "قضى عليه" إذا قتله.
قواضِب: جمع "قاضِبَة" من "قَضَب" بمعنى "قطع" أي: قواطع.
стр. 1041
ومنه قول ابن الفارض:
أَشُكُو وَأَشْكُرُ فِعْلَهُ ... فَاعْجَبْ لشَاكٍ مِنْهُ شَاكِرْ
الفرع الرابع: "الُمُذَيَّل" وهو ما كان الناقص في آخر أحدهما أكثر من حرف، فيكون مقابله بمثابة ما له ذيل، مثل: "الْجَوى" و"الجوانج". و"الصَّفا" و"الصّفائح". و"القَنا" و"القنابل" ومنه قول الخنساء من قصيدة ترثي فيها أخاها صخراً:
إِن الْبُكَاءَ هُوَ الشِّفَا ... ءُ مِنَ الْجَوَى بَيْنَ الجَوَانِح
الجوَى: الحرقَةُ وشدّة الوجد. الجوانح: الأضلاع التي تحت الترائب ما يلي الصدر.
ومنه قول حسّان بن ثابت ﵁:
وَكْنَّا مَتَى يَغْزُ النَّبِيُّ قَبِيلَةً ... نَصِلْ جَانِبَيْهِ بالْقَنَا والْقَنَابِلِ
القنا: جمع "القَنَاة" وهي الرّمح. القنابل: جمع "الْقَنْبَلَة" وهي الطَّائفة من الناس، ومن الخيل.
ومنه: ﴿وانْظُرْ إلى إلهِك﴾ [طه: ٩٧] .
***
النوع الرابع: "الجناسُ الْمُضَارع":
وهو ما اختلف فيه اللّفظانِ المتشابهان في نوع حرف واحدٍ منهما مع تقاربهما في النطق، في الأول أو الوسط أو الآخر.
مثل: "الخيل" و"الخير". و"دامس" و"طَامِس". و"البرايا" و"البلايا". و"صالح" و"سَالح" ومنه قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) :
стр. 1042
﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [الآية: ٧٥] .
"تفرحون" و"تَمْرحُون" متشابهان باختلافٍ في حرف واحد هو "الفاء" في اللفظ الأول، و"الميم" في اللفظ الثاني، وهما حرفان متقاربان.
ومنه قول الله في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) :
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [الآيات: ٢٢ - ٢٣] .
ومنه ما روي عن النبي ﷺ :
"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نواصِيهَا الْخَيْرُ".
ومنه قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) :
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الآية: ٢٦] .
***
النوع الخامس: "الجناس اللاّحِق":
وهو ما اختلف فيه اللفظان المتشابهان في نوع حرف واحد منهما غَيْرِ مُتَقاربَيْنِ في النُّطْق، في الأوّل أو الوسط أو الآخر.
مثل: "تَقْهر" و"تَنْهَر" فالقاف والنون غير متقاربين في النطق. ومثل: "تَلاَقٍ" و"تَلاَفٍ" فالقاف والفاء غير متقاربين، ومثل: "هُمَزَة" و"لُمَزَة".
* ومن هذا النوع قول الله في سورة (الضحى/ ٩٣ مصحف/ ١١ نزول) :
﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الآيات: ٩ - ١٠] .
* وقول الله في سورة (الهمزة/ ١٠٤ مصحف/ ٣٢ نزول) :
﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الآية: ١] .
стр. 1043
* وقول البحتري:
أَلِمَا فَاتِ مِنْ تَلاَقٍ تَلاَف؟ ... أَمْ لِشَاكٍ من الصَّبَابَةِ شَافِ؟
***
النوع السادس: "الجناس المزدوج" ويُسَمَّى "المكرر" و"المردَّد" وهو أن يلي أحد المتجانسين الآخر، ومنه ما يلي:
(١) قول الله تعالى في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) حكاية لما قال الهدهد لسليمان ﵇:
﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [الآية: ٢٢] .
(٢) وقولهم: "مَنْ جَدَّ وَجَد" - "من قرعَ باباً ولَجَّ وَلَجَ".
***
النوع السابع: "جناسُ القلب".
وهو ما اختلف فيه ترتيب حُروف اللَّفظَيْن، واتّفقَا في النَّوْع والْعَدَدِ والهيئَة.
مثل: "حَتْف" و"فَتْح". ومثل: "عَوْرَة" و"رَوْعة".
واشتقوا من هذا النوع ثلاثة فروع:
الفرع الأول: "قَلْبُ الْكُلّ" وهو أن تكون حروف كلٍّ مِنْهُما على عَكْسِ حروف الآخر، مثل: "فتح" و"حتف".
ومن أمثلة هذا الفرع قول الأحنف بن قيس:
حُسَامُكَ فِيه لِلأَحْبَابِ فَتْحٌ ... ورُمْحُكَ فِيهِ للأَعَدَاءِ حَتْفُ
ومثل: "ورَبَّكَ فكَبّر".
الفرع الثاني: "قَلْبُ البعض" وهو أن يكون بَعْضُ حروفِ أحَدِهما على عكْسِ بعضِ حروف الآخر منهما، مثل: "عَوْرات" و"رَوْعات" ومنه قول الرسول ﷺ في بعض أدعيته:
стр. 1044
"اللَّهُمَّ اسْتُرُ عَوْراتِنَا وَآمِنْ رَوْعاتِنَا".
الرَّوْعة: المرّة من الرَّوْع، وهو الخوف.
ومنه قول بعضهم: "رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أمْسَكَ مَا بَيْن فَكَّيْهِ وأطْلَقَ مَا بَيْنَ كَفَّيْهِ".
أي: أمسك لسانه وحفظه، وجَادَ بماله.
الفرع الثالث: "المقلوبُ المجنّح" وهو أن يكون أحد اللَّفظين من "جناس القلب" في أوّل البيت من الشعر، أو الفقرة من النثر، والآخر في آخر البيت، أو في آخر الفقرة.
* ومنه قولُ ابن نُبَاتة:
سَاقٍ يُرِيني قَلْبُهُ قَسْوَةً ... وَكُلُّ سَاقٍ قَلْبُهُ قَاسٍ
أي: وكلّ لفظ "سَاق" إذا قلبته بعكس حروفه فهو "قاس".
* قولي صانعاً مثلاً:
جَانٍ عَلَيْنَا فِي الهَوَى ظَالِمٌ ... هَلْ هُوَ مِنْ نَارِ الْهَوَى نَاجِ
قَالَ: فَهَلْ يَلْزَمُنِي وَصْلُكُمْ؟ ... قُلْتُ: وحَقُّ الجَارِ واللاَّجي؟
فَجَارُ ذِي الْحُسْنِ ومَنْ عنْدَهُ ... فَيْضُ عَطَاءٍ طَامِعٌ رَاجِ
***
النوع الثامن: "الجناسُ المصحَّف" ويسمى "جناس الخطّ".
*وهو أن يتشابه اللفظان في الكتابة مع اختلافٍ في نقَط الحروف، مثل: "يَسْقي" و"يشفي".
ومنه قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لقول إبراهيم ﵇ لقومه:
﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الآيات: ٧٩ - ٨٠] .
стр. 1045
ما يُلْحقُ بالجناس:
يُلحقُ بالجناس ما يُسمَّى "الجناس المطلق" وهو قسمان:
القسم الأول: "المتلاقيان في الاشتقاق".
وهو أن يجمع بين اللَّفظين الاشتقاق، مثل قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم ... ﴾ [الآية: ٤٣] .
لفظ "أَقِم" ولفظ "القيّم" مشتقان من مادة لغوية واحدة ومنه: "تأخّر كليمُ الله في رحلة الميعاد أيّاماً قليلة فعَجِلَ بَنُو إسرائيل إلى عبادة العِجْل".
القسم الثاني: "المتلاقيان فيما يشبه الاشتقاق".
وهو أن يجمع بين اللَّفْظين ما يشبه الاشتقاق، مثل قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكايةً لما قال لوطٌ ﵇ لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الآية: ١٦٨] .
فعل "قال" مشتقٌّ من "القول" وكلمة "القالين" جمع "القالي" وهو المبغض والهاجر، من "قَلاَهُ قِلىً" إذا أبغضه وهجره، ولكن جمع بينهما ما يشبه الاشتقاق، فقد اشتركا في القاف والألف واللاّم، وإن كانَا مِنْ مادّتين مختلفتين.
ومنه: ﴿وجَنى الجنتيْن دَان﴾ [الرحمن: ٥٤]- ﴿ليُريَهُ كيْفَ يُواري﴾ [المائدة: ٣١] ﴿وإِنْ يُرِدْكَ بخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لَهُ﴾ [يونس: ١٠٧]- ﴿أثاقلتُم إلى الأَرْض أرَضيتُمْ بالحياة الدُّنيا﴾ [التوبة: ٣٨]- ﴿وَإِذَا أنْعَمْنَا على الإِنْسَان أعْرَضَ ونأَى بجانِبِه، وإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .
***
стр. 1046
أمثلة مختلفة من أقسام الجناس وفروعها
(١) قال شاعر في رثاء ولده يحيى:
وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيَحْيَا فَلَمْ يَكُنْ ... إِلى رَدِّ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ سَبِيلُ
(٢) وقال الشاعر:
قالَ لِي والدَّلاَلُ يَعْطِفُ مِنْهُ ... قَامَةً كالْقَضِيب ذَاتَ لَيَانَهْ
هَلْ عَرَفْتَ الهَوَى فَقُلْتُ وهل أُنْـ ... ـكِرُ دَعْوَاهُ قال: فاحْمِلْ هوَانَهْ
(٣) قول هَارون لأخيه موسى عليهما سلام الله كما حكى الله :
﴿خَشِيتُ أن تَقُولَ فرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيل﴾ [طه: ٩٤] .
(٤) قول أبي العلاء المعري:
لَمْ نَلْقَ غَيْرَكَ إِنْسَاناً يُلاَذُ به ... فَلاَ بَرِحْتَ لِعَيْنِ الدَّهْرِ إِنْسَانَا
(٥) قول أبي الفتح الْبُسْتِي:
فَهِمْتُ كِتَابَكَ يَا سَيِّدِي ... فَهِمْتُ وَلاَ عَجَبٌ أَنْ أَهِيمَا
(٦) قول ابن جُبَيْر الأندلسي:
فَيَا رَاكِبَ الْوَجنَاءِ هَلْ أَنْتَ عَالِمٌ ... فِداؤُكَ نَفْسِي كَيْفَ تِلْكَ الْمَعَالِمُ
(٧) قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ... ﴾ [الآية: ٨٣] .
(٨) قول النابغة في الرّثاء:
فَيَا لَكَ مِنْ حَزْمٍ وعَزْمٍ طَوَاهُما ... جَدِيدُ الرَّدَى بَيْنَ الصَّفَا والصَّفَائح
الصَّفَا: الحجارة العريضة الملساء، والواحدة منها صفاة.
الصَّفائح: جمْعُ صفيحة، وهي كلّ عريضٍ من حجارة أو لوح أو نحوهما، وتطلَقُ على السيف، لأنَّه حديدة عريضة.
стр. 1047
(٩) قول الحريري:
"لاَ أعْطِي زِمَامِي مَنْ يُخْفِرُ ذِمَامِي، وَلاَ أَغْرِسُ الأَيَادي فِي أرْضِ الأَعَادِي".
يُخْفِرُ: أيْ ينقضْ. ذِمَامِي: أي عَهْدِي. الأيادي: أي النّعَم.
(١٠) قول البحتري:
فقِفْ مُسْعِداً فِيهنَّ إِنْ كُنْتَ عَاذِراً ... وسِرْ مُبْعِداً عَنْهُنَّ إِن كُنْتَ عَاذِلاً
عاذلاً: أي: لائماً.
(١١) قول أبي تمّام:
بِيضُ الصَّفَائحِ لاَ سُودُ الصَّحائِفِ في ... مُتُونِهِنَّ جَلاَءُ الشَّكِّ والرِّيَبِ
الصَّفائح: يريد بها السّيوف. ومَتْنُ السيف حدُّه.
(١٢) قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) :
﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [الآية: ٧٥] .
(١٣) قول الشاعر:
إِلَى حَتْفِي سَعَى قَدَمِي ... أَرَى قَدَمِي أَرَاقَ دَمِي
فَمَا أَنْفَكُّ عَنْ نَدَمِي ... وَهَانَ دَمِي فَهَا نَدَمِي
***
خاتمة:
يحسُنُ تَرْكُ الجناس وإن تيسّرَ إذَا اقتضى معنىً مقصودٌ تَرْكَه وعَدَمَ الاحتفاء به، فمرعاةُ المعاني أولى من مراعاةِ الألفاظ.
* ومن الأمثلة الكاشفة ما جاء في قول الله في سورة (يوسف/ ٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لما قال إخوة يوسف ﵇ لأبيهم يعقوب ﵇:
стр. 1048
﴿قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [الآية: ١٧] .
كان من الممكن أن يقولوا: وما أنْتَ بمصدِّقٍ لنا وإنْ كنّا صادِقين، فيصنَعُوا جناساً.
لكنّ هذا الجناس يفوّتُ معنىً قَصَدُوا التعبير عنه، وهو أنَّ أباهم غَيْرُ مطمئن لمشاعرهم تُجاه أخيهم، إذْ هُو يعلمُ حسَدَهم له، فلو كانوا صادقين حقّاً وصَدَّقهم لما وصلَ تصديقه إلى درجةِ الإِيمان يُحْدِثُ في القلب الطَّمْأْنينة.
ومن الأمثلة الكاشفة أيضاً قول الله في سورة (الصَّافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) حكاية لمقالة "إلياس ﵇" لقومه بشأن إلهِهِم "بَعْل":
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾ [الآية: ١٢٥] .
كان من الممكن أن يُسْتَخْدَم في هذا التعبير الجناس، بأن يُقالَ: أَتَدْعُونَ بَعْلاً وتَدَعُونَ أَحْسَنَ الخالقين.
لكنّ استخدام هذا الجناس يُفَوّتُ معنىً مقصوداً، والدّلالة عليه أولى من الاحتفاء بمُحَسِّنٍ لفظي، وذلِكَ لأَن كلمة "تَدَعُون" تدلُّ على أنّ المتروكَ شيءٌ معتنىً به، بشهادة الاشتقاق، إذْ مادّة الكلمة ليست موضوعة لمطلَق التَّرْك، بل هو ترك مقرون بالاعتناء بحال المتروك، ومنه ترك الوديعة، ولذلك يُختار لها من هو مؤتَمَنٌ عليها، وتُودَعُ لتُسْتعادَ بعد حين.
والمخاطبون عُبَّادُ "بعل" غيْر مهتمّين ولا معتنين بالله ربِّ العالمين، أحْسَنِ الخالقين.
بخلاف عبارة: "تَذَرُونَ" فإنّ مادَّتَها موضوعة لمطلق الترك أو للترك مع إعراضٍ وإهمال وعدم اعتناءٍ بالمتروك مطلقاً.
стр. 1049
قال الراغب: يُقالُ: فلانٌ يَذَرُ الشيء، أي: يَقْذِفُه لقلّة الاعتداد به، ومنه "الوَذْرَة" وهي القطعة الصغيرة من اللّحم لا عظم فيها، لقِلّة الاعتداد بها.
ولمّا كان سياق النصّ يُناسبُه معنى: "وَتَذَرُونَ" دون "وتَدَعُونَ" كان الاختيار القرآني مُرَجَّحاً جانب المعنى على جانب المُحَسِّن اللّفظِيّ، إذْ حالُ المخاطبين من أهل الشرك والكُفر الذين كانوا يعبدون بعلاً حال المُدْبرِ المتولِّي الذي بلغ الغاية في تولّيه عن ربِّه وما جاء به الرسول.
***
стр. 1050
البديعة اللفظية (٢) : "السّجْع "
يقال لغة: سجَعَت الحمامَةُ أو النَّاقةُ سَجْعاً، إذا رَدَّدَتْ صَوْتَها عَلى طريقةٍ واحدة.
ويقال: سجَعَ المتكلّم في كلامه، إذا تكلّم بكلامٍ له فواصل كفواصل الشّعر مُقَفّىً غير موزون.
والسّجْعُ في البديع: هو تواطُؤُ الفاصلتين من النَّثر على حرف واحد، وهو في النثر كالقافية في الشعر.
وأفضل السجع ما كانت فِقَرَاتُه متساويات، مثل:
(١) قول الرسول ﷺ في دعائه المتضمِّنِ الحثَّ على الإِنفاق في الخير، والتحذيرَ من الإِمساك:
"اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَأَعْطِ مُمْسِكاً تلفاً".
(٢) وقول أعرابي ذهب السَّيلُ بابْنِه:
"اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْلَيْتَ، فَإِنَّكَ طَالَمَا قَدْ عَافَيْتَ".
يُقالُ لغة: بَلاَهُ وأبْلاَهُ، إذا اختبره، والمصائب من الأمور الّتي يختبر الله بها عباده كالنِّعم.
(٣) قولهم:
стр. 1051
"الحرُّ إذَا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَعَانَ كَفَى، وإِذَا قَدَرَ عَفَا".
وقد جاء في كلام الرسول ﷺ النَّهْيُ عن سَجْعِ الكُهَّان، إبعاداً عن التشبُّهِ بهم، وهُو غير السَّجْعِ الذي إذا كان تلقائياً غير متكلف ولا مُلْتزَمِ به في كلّ الكلام، كان من المحسِّنات اللفظيّة، وكان من البديع، لوروده في القرآن وفي أقوال الرسول ﷺ .
والأسْجَاعُ مبنيّةٌ على سكُونِ الأعجاز (أي: الأواخر) مثل:
"مَا أبْعَدَ مَا فَاتْ، وَمَا أقْرَبَ ما هُو آتْ".
والأصل في السّجع، أن يكون في النثر، لكنَّه قد يأتي داخل فِقَراتِ البيت من الشعر، فيزيدُه حُسْناً إِذَا كان مستوفياً شروطه الفنيّة غير متكلّف.
وتأدَّب بعض العلماء فخصّ ما هو ملاحظٌ في القرآن من سجع باسم "فواصل".
ويُطلق على الفِقَرَةِ المنتهية بالفاصلة: "سَجْعه" وجمعها "سجعَات" ويُطْلَق عليها "قَرينة" لمقارنَتها لأختها، وتجمع على "قرائن" ويُطْلَقُ عليها "فِقَرَة" وجمعُها "فقْراتُ" و"فِقَرَات" و"فِقَر".
أقسام السجع:
من الدقة في التقسيمات والتفصيلات لدى علمائنا الأقدمين تقسيمُهُمُ السّجع إلى عدّة أقسام هداهم إليها واقع الأمثلة التي نظروا في شرحها وتحليلها، مع النظر في الاحتمالات العقلية التي تتعرّض لها الْجُمَل المسجوعة في اللّسان العربي.
فقسَّمُوا السَّجْع إلى عدّة أقسامٍ، ووضعوا لها أسماء اصطلاحية وفيما يلي بيانُها.
стр. 1052
أوّلاً:
فمن جهة بناء كلمات السجعتين واتّفاقها في الوزن والحرف الأخير منها أو عدمه ظهرت لهم ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: "التَّرصِيع" ويقال فيه: "السَّجْعُ المرصَّع".
وهو أن تكون الألفاظ المتقابلة في السَّجْعَتَيْن متفقةً في أوزانها وفي أعْجَازِها، "أي: في الحرف الأخير من كلّ متقابلين فيها" مثل ما يلي:
(١) قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) :
﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الآيات: ٢٥ - ٢٦] .
فالتقابُلُ في كَلِمَاتِ الفقرتين يُلاحَظُ فيه الاتفاق في الأوزان وفي الحرف الأخير.
إنّ - إِلَيْنَا - إِيَابَهُمْ - ثم.
إنَّ - عَلَيْنَا - حِسَابَهُمْ.
أمّا كلمة "ثُمَّ" فهي بمثابة المشترك بين الفقرتين.
(٢) قول الحريري:
"فَهُوَ يَطْبَعُ الأَسْجَاعَ بِجَوَاهِرِ لَفْظِهْ، ويَقْرَعُ الأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهْ".
التقابل في كلمات هَاتين الفِقْرتَيْن تقابُلُ اتّفاقِ في الأوزان وفي الحرف الأخير:
فهو: يَطْبَعُ - الأَسْجَاعَ - بِجَواهِرِ - لَفْظِهْ.
و: يَقْرَع - الأَسْمَاعَ - بزَواجرِ - وَعْظِهْ.
ويُلاَحَظُ فيهما مع التَّرْصِيع، تصَنُّع الجناس الناقص.
القسم الثاني: "المتوازي" ويقال فيه: "السَّجْع المتوازي".
стр. 1053
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السّجعَتَيْن متَّفِقَتَيْن في الوزن وفي الحرف الأخير منهما، مع وجود اختلافٍ ما قبلهما في الأمرين، أو في أحدهما، مثل ما يلي:
(١) قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) في وصف الجنة:
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] .
كلمتا: "مَرْفوعَة" و"موضوعة" متفقان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ ما قبلهما وهما: "سُرُرٌ" و"أَكْوَابٌ" غير مُتَّفِقَتين فيهما.
(٢) قول أبي منصور الثعالبي:
"الْحِقْدُ صَدَأُ الْقُلُوبْ، واللَّجَاجُ سَبَبُ الْحُروبْ".
اللَّجَاج: التمادي في الخصومة.
كلمتا: "القلوب" و"الحروب" متفقتان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ كلمتي "صَدَأ" و"سَبَب" مختلفتان في الحرف الأخير، وإن اتفقتا في الوزن، وكلمتي "الحقد" و"اللّجاج" مختلفتان في الأمرين كليهما.
(٣) قول الحريري:
"ارْتِفَاعُ الأخْطَارْ باقْتِحَامِ الأَخْطَارْ"
الأخطارْ الأولى: المنازل الاجتماعية.
والأخْطَارُ الثانية: المهالك.
(٤) وقال أعرابي لرجُلٍ سألَ لَئيماً:
"نَزَلْتَ بِوَادٍ غَيْرِ مَمْطُورْ، وَفِنَاءٍ غَيْرِ مَعْمُورْ، وَرَجُلٍ غَيْرِ مَيْسُورْ، فَأَقْدِمْ بِنَدَمْ، أو ارْتَحِلْ بِعَدَمْ".
стр. 1054
(٥) وقال أعْرابيّ:
"بَاكَرَنَا وَسْمِيّ، ثُمَّ خَلَفَهُ ولِيّ، فالأَرْضُ كَأَنَّهَا وَشْيٌ مَنْشُورْ، عَلَيْهِ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورْ، ثُمَّ أَتَتْنَا غُيُومُ جَرَادْ، بِمَنَاجلِ حَصَادْ، فَجَرَدَتِ الْبِلاَدْ، وَأَهْلَكَتِ الْعِبَادْ، فَسْبُحانَ مَنْ يُهْلِكُ الْقَوِيَّ الأَكُولْ، بالضِّعيفِ الْمَأْكُولْ".
الوسْمِيُّ: مطر الربيع الأول.
الْوَلِيُّ: المطر يسقُط بَعْدَ المطر.
القسم الثالث: "المطرّف" ويقال فيه: "السَّجْعُ الْمُطَرَّف".
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السَّجْعتين مختلفتين في الوزن، متفقَتَيْن في الحرف الأخير، وعندئذٍ لا يُنْظَرُ إلى ما قبلهما في الاتفاق أو الاختلاف، مثل ما يلي:
(١) قول الله في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول) حكايةً لما قال نوحٌ ﵇ لقومه:
﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] .
كلمتا: "وَقَارا" و"أَطْوَارَا" مختلفتان في الوزن، متفقتان في الحرف الأخير.
(٢) قَوْلِ أحد البلغاء:
"الإِنْسَانُ بآدَابهْ لاَ بِزِيِّهِ وَثِيَابِهْ".
ثانياً:
والسّجع في الشعر قد يأتي على وجوه السّجع في النثر، إلاَّ أنّه يختصّ بقسميْن لا يوجدان في النثر، هما: التصريع، والتشطير:
* فالتصريع: يكون بجعل الْعَرُوض (وهي آخر المصراع الأوّل من البيت) مقفّاةً تقفية الضَّرْب (وهو آخر المصراع الثاني من البيت) ومنه أغلب أوائل القصائد، مثل:
стр. 1055
(١) قول امرئ القيس:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
صَرْمِي: أي: قطع وصالي.
وقوله:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
(٢) وقول أبي الطيّب المتنبّي:
مَغَانِي الشِّعْبِ طِيباً في الْمَغَانِي ... بِمَنْزِلةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَّمَانِ
* والتَّشْطِير: يكون بِجَعْلِ كلِّ شَطْرٍ مِنَ شطْرَي البيت مسجوعاً سجْعاً مخالفاً للسّجع في الشطر الآخر، مثل قول أبي تَمَّام:
تَدْبِيرُ مُعْتَصِمٍ: بِاللَّهِ مُنْتَقِمٍ ... لِلَّهِ مُرْتَغِبٍ. في اللَّهِ مُرْتَقِبِ
فالسَّجْعُ في الشطر الأول على حرف الميم، وفي الشطر الثاني على حرف الباء.
أمثلة على السّجع من الشعر:
(١) قول أبي تمّام يمدح أبا العباس "نَصْرَ بن بَسَّام":
سَأَحْمَدُ نَصْراً مَا حَيِيِتُ وإنَّنِي ... لأَعْلَمُ أَنْ قَدْ جَلَّ نَصْرٌ عَن الْحَمْدِ
تَجَلَّى بِهِ رُشْدِي وَأَثْرَتْ بِهِ يَدِي ... وَفَاضَ بِهِ ثَمْدِي وأَوْرَى بِهِ زَنْدِي
ثَمْدِي: الثَّمْدُ: الماء القليل.
أَوْرَى الزَّنْدُ: خَرَجَتْ نارُه، والزَّنْدُ هُوَ العودُ الأعْلَى الذي تقْدَحُ به النار.
(٢) وقول الخنساء:
حَامِي الحقيقةِ. مَحْمُودُ الْخَلِيقَةِ ... مَهْديُّ الطَّريقة. نَفَّاعٌ وضَرَّارُ
следующие страницы →