← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فَتَىً كُنْتُ أرْتَابُ في شَأنِهِ ... وأَحْسَبُهُ مَاكِراً فَاسِقاً فلَمّا تَقَصَّيْتُ أَسْرَارَهُ ... رَأَيْتُ بِهِ وَرِعاً صَادِقاً الأسلوب الثالث: التجريد باستخدام "الباء" الجارّة الداخلة على المنتزَع: ومنه قول الشاعر: وَشَوْهَاءَ تَعْدُو بي إلَى صَارِخِ الْوَغَى ... بِمُسْتَلْئِمِ مِثْلِ الْفَنِيقِ الْمُرَحَّلِ وشَوْهَاء: أي: ورُبّ فَرَسٍ شَوْهَاءَ قبيحة المنظر لِسَعَةِ أشداقها، وهذا مما يستحْسنُ في الخيل المعدَّة للحرب. تَعْدُو بي: أي تُسْرِعُ بي. إلى صَارخ الوغى: أي: إلى الصّارخ الذي يَصْرُخ داعياً إلى الحرب. بمُسْتَلْئِمٍ: الْمُسْتَلْئِم هو لابس لأمَةِ الحرب، أي: عدّة الحرب وسلاحها، ويقصد نفسه، إذ هو الْمُسْتَلْئِمُ، والفرسُ تَعْدُو به، وهذا على سبيل التجريد، والباء هنا داخلة على المنتزَعِ لا على المنتزَعِ منه. مِثْلِ الْفَنِيق: الْفَنِيقُ هو الْفَحْلُ المكرَّم عند أهله، شبّه نفسه به. الْمُرَحَّلُ: هُو البعيرُ الذي وُضِعَ عليه رَحْلُه وأرْسِلَ مُنْدَفِعاً في رِحْلَتِه. الأسلوبُ الرابع: التجريد باستخدام حرف الجرّ "فِي" داخلاً على المنتزع منه. ومن أمثلته قولُ الله في سورة (فُصِّلَتْ/ ٤١ مصحف/ ٦١ نزول) : ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله النار لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الآية: ٢٨] . إنّ جهنَّمَ هي دَارُ الْخُلْدِ يوم الدّين لأعداء الله، ولكن جاء على طريقة التجريد، إذِ انْتُزِعَ من جَهَنَّمَ دَارٌ وجُعلَتْ داراً لهم، بأسلوب استخدام "في" الجارّةِ

стр. 982

الظرفية دَاخلَةً على المنتزَعِ منه. الأسلوب الخامس: التجريد باستخدام العطف على الْمُنْتَزَعِ منه، مثل مرَرْتُ بالرَّجُلِ الكريم، والنّسَمَةِ المباركة، والعالم التقي. ففي هذا المثال عَطْفُ: النسمة المباركة، وعطف العالم التقيّ، على الرَّجُل الكريم، وهذا العطف يشعر بأنه عطفُ تغايُر، مع أنّ المعطوفين هما الرَّجُلُ الكريم نفسه، ولكن على طريقة التجريد، فكأنَّهُمَا شخصان مغايران له. الأسلوب السادس: التجريد باستخدام الكناية، ومن الأمثلة على هذا قول الأعْشَى: يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِيَّ وَلاَ ... يَشْرَبُ كَأْساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلاَ يريد أنّ ممدوحه لا يشرب كأساً بكفِّ بخيل، إنّما يشربُ بكف كريم، وبما أنّ هذا الممودح جوادٌ كريم فهو لا يشرب غالباً إلاَّ بكف نفسه، فقد جرّدَ الأعشى من مدوحه شخصاً كريماً ورأى أنه لا يشْرَبُ إلاَّ بكفّه. الأسلوب السابع: التجريد دون استخدام لفظ يَدُلُّ عليه، ومن الأمثلة على هذا قولُ مَسْلَمَةَ الحنفيّ: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ أي: تحوي هذه الغزوة الغنائم التي يَنَالُ منها ظافراً، أو يَموتُ هو فيها، فعبّر عن نفسه بقوله: "أو يَمُوتُ كريم" على طريقة التجريد، لِيُثْنِيَ على نَفْسِهِ بصفة الكريم. الأسلوب الثامن: التجريد عن طريق مخاطبة الإِنسان نفسه، ومنه قول "الأعشى": وَدِّعْ هُرَيرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ... وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّها الرَّجُلُ

стр. 983

ومنه قول الْبُوصيري في بُرْدَته يخاطب نفسه على طريقة التجريد: أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ ... مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بدَمِ ومنه قول المتنبّي يخاطب نفسه على طريق التجريد: لاَ خَيْلَ عِنْدَك تُهْدِيهَا وَلاَ مَالُ ... فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ ومن التجريد فرع سمَّوهُ "عِتَابَ الْمَرْءِ نَفْسَه" وضَربُوا له أمثلةً منها: أن يقول النادم نحو: "يا ليتني" أو "يَا حَسْرتا على فرَّطْتُ في جنْب الله" وهما مما جاء في القرآن. ***

стр. 984

البديعة المعنوية (١٦) : المزاوجة يقال لغة: زاوج بين الشيئين، إذَا قَرَنَ بينهما. والمزاوجة في الاصطلاح هنا: تَرْتِيبُ فِعْلٍ واحد ذي تَعَلُّقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلى شَرْطٍ وَجَزَائِهِ، لكنّه إذْ يُرَتَّبُ على الشرط يكون مقروناً بأحدهما، وإذْ يُرتّبُ على الجزاء يكون مقروناً بالآخر منهما. أمثلة: المثال الأول: قول البحتري يشكو هجْرَ سُعاد له: إِذَا مَا نَهَى النَّاهِي فَلَجَّ بيَ الْهَوَى ... أصَاخَتْ إلَى الْوَاشِي فَلَجّ بهَا الْهَجْرُ أي: إذَا نَهانِي الناهي عن حُبِّها فَلَجَّ (أي: تَمادَى) بِيَ الْهَوَى أصاخَتْ هي إلى الواشي (أي: اسْتَمَعَتْ إليه) فَلجّ بهَا الهَجْر. لقد زاوَجَ بَيْنَ نَهْيِ الناهي له عن حُبِّها الواقع في كلامه شرطاً، وبين إصاخَتِها للواشي به، الواقع في كلامه جزاءً، في أنْ رَتّبَ عليهما لَجَاجاً، لكنّ اللّجَاجَ الأول هو لَجَاجُ هواه بها، واللَّجَاجَ الآخر هو لَجَاجُها بهجره. وهذا فنُّ بديع. المثال الثاني: قول البحتريّ أيضاً من قصيدة يَمْدَحُ بها المتوكّل على الله، وفيها يَصِفُ فُرْسَانَ حَرْبٍ ثائرة للأخذ بالثأر من ذوي قُرْبَاها: إِذَا احْتَرَبَتْ يَوْماً فَفَاضَتْ دِمَاؤُهَا ... تَذَكَّرَتِ الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُها

стр. 985

إذا احْتَربَتْ: أي: حَارَبَ بعضُها بعضاً. لقد زاوج بين الاحتراب الواقع في كلامه شرطاً، وبين تذكُّر الْقُرْبَى الواقع في كلامه جزاءً، في أَنْ رَتَّبَ علَى كلٍّ مِنْهُما فَيْضاً، لكنّ الفيض المرَتَّب على الاحتراب هو فيض دماء، أمّا الفَيْضُ المرتّب على تذكّر القربَى فهو فيضُ دمُوَع. ***

стр. 986

البديعة المعنوية (١٧) : المشاكلة المشَاكَلة في اللغة المشابهة والمماثلة. والمشاكلة في الاصطلاح هنا: ذكْرُ الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. أمثلة: المثال الأول: قول "عمرو بن كلْثُوم": ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلينَا سَمَّى تأديبَ الجاهل على جَهْلِهِ جَهْلاً من باب المشاكلة، مع أنّ التأديب والعقاب ليسا من الْجَهْل. والمرادُ من الجهل هنا السّفَهُ والغضَبُ المنافي للحلْم وما ينتُجِ عنه من أعمال غَيْرِ حميدة. المثال الثاني: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ [الآية: ١٩٤] . إنّ مقابلة الاعتداء بمثله لا يُسَمَّى في الأصل اعتداءً، ولكنْ سوَّغ هذا الإِطلاق داعي المشاكلة، ولِيُعْطيَ اللَّفْظُ معنى المماثلة في تطبيق العُقُوبَةِ دون زيادة، لأنّ معنى كلمة "اعتدى" في الأصل تجاوز حُدُود الحقّ، ومن العدل أن يُقَابَلَ التجاوز مماثل له.

стр. 987

المثال الثالث: قول "ابن الرَّقَعْمَق" مُتَظَرِّفاً: قَالُوا: اقْتَرْحْ شَيْئاً نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا فطلبَ طَبْخَ جُبَّةٍ وقميص على سبيل المشاكلة لطلبهم أن يطبخوا له شيئاً يأكله، ودلّ بهذا على أنّه بحاجة إلى ما يَلْبَسُه. ويتسرّع بعض البلاغيين وغيرُهُمْ فيُمَثِّلُونَ بأمثلة قرآنية على المشاكلة، وهي لدى التحليل اللّغوي والرجوع إلى أصول المعاني لا يصحّ اعتبارها من المشاكلة، كألفاظ المكر، والكيد، والسيئة.

стр. 988

البديعة المعنوية (١٨) : العكس المعنوي ويسمّى: التبديل العكس المعنوي: هو أن يُؤْتَى بأجزاء تالي الكلام على عكس ما جاء في أجزاء مُقدَّمِه. ويحْسُنُ هذا الفنُّ البديعيُّ حين يكونُ كلٌّ من مُقدّم الكلام وتاليه الذي هو عكْسُه مؤدِّيَيْن من المعاني ما يُقْصَدُ لدى البلغاء، كقولهم: كلام الأمير أميرُ الكلام. وللعكْس صُوَرٌ، منها ما يلي: (١) العكس بَيْنَ طَرَفَيْ جُمْلَةٍ واحدة، مثل: كَلاَمُ الأمِيرِ أَمِيرُ الكلام. (٢) العكس بين مُتَعَلَّقَيْ فِعْلَيْنِ في جملتين، مثل: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِن الميّتِ ويُخْرِجُ الْميّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [الروم: ١٩] . (٣) العكْسُ بَيْنَ لَفْظَيْنِ في طَرَفَيْ جُمْلَتَيْنِ، مثل قول الأب لمعلّم ولَدِه الذّي أنْجَحَهُ في الامتحان بغير حق، فصار الولد يَسْقُطُ بعد ذلك في الامتحانات، أنْجَحْتَهُ بغير حقٍّ فَسَقَطَ، ولو أسقطته بحَقٍّ لَنَجَحَ. أمثلة: المثال الأول: قولُهم: عَادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْعَادات. كلُّ من مقدّم الكلام وتاليه الذي هو عكسه في هذا التعبير ذو معنىً مقصود، والمعنيان متكاملان في موضوعهما.

стр. 989

المثال الثاني: قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) : ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل ... ﴾ [الآية: ١٣] . كلُّ من مُقَدَّم الكلام وتاليه الذي هو عكسه ذو معنىً مقصود، والمعنيان متكاملان في موضوعهما. المثال الثالث: قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) : ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾ [الآية: ٥٢] . جاء في هذه الآية العكس البديع في عبارة ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الآية: ٥٢] . المثال الرابع: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ... ﴾ [الآية: ١٨٧] . المقدّم: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ . وعكسه التالي: ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ . المثال الخامس: قول الله في سورة (الممتحنة/ ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول) ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ... ﴾ [الآية: ١٠] . المقدّم: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ . وعكسه التالي: ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ .

стр. 990

المعنى: ليس للكافر حقٌّ في أن يستمتع بامرأة مؤمنة في حكم الإِسلام، أي: ليس للمؤمنة أن تمكّنَهُ من الاستمتاع بها بزواج جديد، ولا بحقّ زواجٍ سابق، وليس للمجتمع الإِسلامي أن يمكّنه من الزواج بها، أو من بقاء زواجه منها إذا أسلمت وبقي هو على كفره. وكذلك ليس للمؤمنة حقّ في أن تستمتع بزوج كافر في حكم الإِسلام، وعلى الدولة الإِسلامية أنْ تُفَرّق بينهما إذا أسلمت هي وبقي هو على كفره. ونظير ما جاء في هذا النصّ ما جاء في قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) : ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ... ﴾ [الآية: ٥] . أي: يَحلُّ لَكُمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ من طعامِكُمْ، إذْ ليس هذا الحكم مُوجّهاً لأهل الكتاب الذين لا يؤمنونَ بالقرآن ولا بالإِسلام، إنما هو موجّه للمؤمنين. ***

стр. 991

البديعة المعنوية (١٩) : الرّجوع الرّجوع: فنٌّ في مجرَى الكلام يَرْجِع فيه المتكلم إلى كلامه السابق فينقُضُه ويُبْطِله، لداعٍ بلاغي، كالتحسّر، والتحزّن، ودفع توهّمٍ قد يسبق إلى الذهن، واستدراكٍ بقيدٍ، وبيانٍ للمراد من الكلام السابق وغير ذلك. أمثلة: المثال الأول: قول "زُهَيْر بن أبي سُلْمَى": قِفْ بالدِّيَارِ الَّتي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ ... بَلَى وَغَيَّرَها الأَرْوَاحُ والدِّيَمُ لَمْ يَعْفُها: أي: لم يَمْحُ آثارها. الأرْواح: أي: الرّياح، يقال لغة: ريح وجمعها رِيَاح وأَرْواح وأرْيَاح، والريح: الهواء إذا تحرّك. الدِّيَمُ: جمع "الديمة" وهي المطر الذي يدوم زَمَانُه طويلاً. نظر زهير إلى ديار مَنْ يُحِبُّ فتواردتْ عليه الذكريات، فتَمَثَّلَتْ صورتُها في نفسه كأنَّها مُشَاهَدَةٌ بعَيْنيه، فوصَفَ الدّيارَ بقوله: "لم يَعْفُهَا الْقِدَمُ" وما لَبِثَ طَوِيلاً حتَّى انجلَتْ تصوُّراتُه النفسيّة، وشاهد الواقع، فلم يَرَ في الدّيار أثراً، فقال: "بَلَى، وغَيَّرَها الأرواح والدّيم". أي إنّه أراد أن يُعَبِّر عن حالَتِه التي تعرَّض لها في النظرة الأولى ثم في

стр. 992

النظرات التي جاءت بعدها، فصَاغَ كلامه بأسلوب الادّعاء أوّلاً، ونقضِ الادّعاء ثانياً. المثال الثاني: قول الحماسي "ابْن الطَّثْرِيّة": ألَيْسَ قِلِيلاً نَظْرَةٌ إِنْ نَظَرْتُهَا ... إِلَيْكِ وَكلاَّ لَيْسَ مِنْكِ قَلِيلُ رأى الشاعر أوّلاً أنّ صاحبته إذا سمحت له بنظرة ينظرها إليها فإنّها لا تعطيه إلاَّ عطاءً قليلاً، فأطلق عبارته فقال: "ألَيْسَ قَلِيلاً نَظْرَةٌ إِنْ نَظَرْتُهَا إِلَيْكِ" ولكن تَنَبَّهَ عَقِبَهَا إلَى أنّ القليلَ مِنْهَا بالنسبةِ إلَيْهِ شَيْءٌ كثيرٌ يكَثِّرُه حبُّهُ لها وشوقُه إليها، فاستَدْرَك على نفسه، فنقضَ قولَهُ بأُسلوبِ زَجْرِ نفسه زَجْرِ نفسه على أوّل تفكيره وتعبيرِه فقال: "وَكَلاَّ لَيْسَ مِنْكِ قَليلُ". كلُّ هذهِ كانت خواطِرَ مارّةً في نفسه، فرأى بأُسْلوبِه الأَدَبيّ أن يُعَبِّر عنها كما هيَ، ويُدَوِّنَها في شِعْرِهِ. ويُشْبِهُ قولَ هذا الحماس قولُ القائل: قَلِيلٌ مِنْكَ يَكْفِيني ولَكِنْ ... قَلِيلُكَ لاَ يُقَالُ له قَلِيلُ ونظيره قولُ المتنبّي من قصِيدَةٍ يُمْدَحُ بها سَيْفَ الدولة: وَجُودُكَ بِالْمُقَامِ وَلَوْ قَلِيلاً ... فَمَا فِيمَا تَجُودُ بِهِ قَلِيلُ قال العكبري: "وهو منقول من قول "أشْجَع": وقُوفُكَ بالْمَطِيِّ وَلَوْ قَلِيلاً ... وَهَلْ فِيما تَجُودُ بِهِ قَلِيلُ وكَقَوْل "إسْحاقَ الموصلي": إِنَّ مَا قَلَّ مِنْكَ يَكْثُر عِنْدِي ... وكَثِيرٌ مِمَّنْ تُحِبُّ الْقَلِيلُ وكقول "إسحاق" أيضاً:

стр. 993

وحَسْبِي قَلِيلٌ مِنْ جَزِيلِ عَطَائِهِ ... وَهَلْ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلُ وكَقَوْل الآخر: وإنَّ قَلِيلاً مِنْكِ لَوْ تَبْذُلِينَهُ ... شِفَاءٌ، وقُلٌّ لَيْسَ مِنْكِ قَلِيلُ الْقُلُّ: الشَّيْء القليل. يُريد أن يقول: القُلُّ الذي لَيْسَ مِنْكِ هو القليل، أمّا مِنْكِ فَقُلُّكِ كثير. ***

стр. 994

البديعة المعنوية (٢٠) : المذهب الكلامي المذهب الكلامي: أن يأتي الأديب البليغ على صحّة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجّة عقليّة برهانيّة أو دُونَها. قالوا: هذه التسمية تُنْسَبُ إلى الجاحظ، والسبَبُ في إطلاق هذه التسميّة أنَّ عِلْمَ الكلام يَسْتَنِد في حُجَجه إلى الحجج العقلية، فإذا استخدم الأديبُ الحجج العقليّة في كلامه، فقد ذهب مذْهَبَ عُلَماءِ الكلام. أمثلة: المثال الأوّل: قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) : ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الآيات: ٢١ - ٢٢] . هُمْ يُنْشِرُونَ: أي: هُمْ أرْبَابٌ يُحْيُونَ الْمَوْتَى. لَوْ كَان فيهما: أي: في السماوات والأرض. ففي قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ حُجَّةٌ عقليّة، ممّا يحتَّجُّ بِه عُلَمَاءُ الكلام. والدليلُ فيه يُسمَّى عند عُلَمَاء المنطق، "قياساً استثنائيّاً" وهو من قسم الشرطيّة المتصلة، فهو قياس استثنائيٌّ متّصِل، له مقدّم وتالي كما يلي:

стр. 995

مقدم التالي * لو كان فيهما آلِهَةٌ إلاَّ الله لفَسَدَتا (هذه القضية الكبرى) * لكنّهما لم تَفْسُدا، كما هو مشاهد في الواقع. (هذه القضية الصغرى) . إذن: فَلَيْسَ فيهما آلِهَةٌ بِحَقٍّ إلاَّ الله (هذه النتيجة - وقدْ رُفِعَ فيهما المقدّم) . المثال الثاني: قول الله في سورة (الأنعام / ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) : ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [الآية: ٩١] . قال اليهود في دعواهُمُ الكاذبة ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ليتَسَنَّى لَهُمْ إِنْكارُ كوْن القرآن مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . فجاء في النصّ تعليمُ الرسول وكلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهم سؤالاً يَتَضَمَّنُ حُجَّةً بُرْهَانِيَّةً ضِدَّهُم، وهو: ﴿مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى﴾ وهو التوراة؟. إِنَّهُمْ يؤمنون بأنّ اللَّهَ أنْزَلَه، وكتُبُهُمْ شاهِدَةٌ بذلك، فإذا جَحَدُوا أن يكون منزَّلاً من عند الله فقد نَقَضُوا قَضِيَّةً كُبْرى من قضايا إيمانهم في دينهم، وإذا قالوا كما يعتقدون: أنزلَهُ اللَّهُ على موسى، فقد نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ . فالحجَّةُ البرهانيَّةُ دامِغَةٌ لهم. المثال الثالث: قولي من قصيدة بعنوان: "الصراع بَيْنْ الْحَقِّ والباطل": فَرِيقَانِ كُلٌّ لَهُ خِطَّةٌ ... تُدَنِّسُ في الأَرْضِ أَوْ تَغْسلُ نَقِيضَانِ مَا ائتَلَفَا طَرْفَةً ... وَجَمْعُ النَّقِيضَيْنِ لاَ يُعْقَلُ فمن القضايا العقليّة المنطقيّة أنّ النقيضَيْنِ لاَ يجتمعان في شيءٍ واحد، وإلى هذه الحقيقة أشار الله بقوله في سورة (الأحزاب/ ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول) :

стр. 996

﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ [الآية: ٤] . أي: فالقلب الواحد لا يقبل فكْرَتَيْنِ مُتَنَاقِضَتَيْن، والزوجات لا تكون أمُّهَات، والأدعياء لا يكونون أبناءً. المثال الرابع: قول "النابغة الذبياني" من قصيدة يعتذر فيها إلى "النُّعْمَان بن عَمْرو بن الْمُنْذِر" أحد ملوك آل غسّان في الجاهلية، كانت له حوران وعبر الأردن وتلك الأنحاء، وكان النابغة قد مدح آل جفنة بالشام، فسَاءَ ذلك النعمان: حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... ولَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرءِ مَطْلَبُ لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلّغْتَ عَنِّي خِيَانَةً ... لَمُبْلِغُكَ الْواشِي أَغَشُّ وأَكْذَبُ وَلَكنَّنِي كُنْتُ امْرَأً لِيَ جَانِبٌ ... مِنَ الأَرْض فِيه مُسْتَرَادٌ وَمَذْهَبُ مُلُوكٌ وإخْوَانٌ إِذَا مَا مَدَحْتُهُمْ ... أُحَكَّمُ في أَمْوَالِهِمْ وَأُقَرَّبُ كَفِعْلِكَ فِي قَوْمٍ أَرَاكَ اصْطَفَيْتَهُمْ ... فَلَمْ تَرَهُمْ فِي مَدْحِهِمْ لَكَ أذْنَبُوا رِيبَةً: أي شكاً. مُسْتَرَادٌ: مَكانٌ أَتَرَدَّدُ فيه لِطَلَبِ الرّزْق، يُقَال لغة: استرادَ الشيءَ، إذا طلَبَهُ مُقْبلاً مُدْبراً في مَكانِ الطَّمَع في الحصول عليه. يقول "النابغة" في اعتذاره "للنعمان": إنَّ لي مَصَالح في الأرض الَّتي أَخْتَلِفُ إليها، وأتردّدُ في أنحائها، ويُوجَدُ في هذه الأرض مُلُوك وإخوان، إذا أنَا مَدَحْتُهُمْ حَكَّمُوني في أموالهم وقرّبُوني إليهم، كَمَا تَفْعَلُ أنْتَ حِينَما يأتيكَ شُعَراءُ مِنْ غَيْرِ شُعرائِكَ الخُاصِّينَ بك، فيَمْدَحُونَكَ، فإنَّكَ تُكْرِمُهم، وتُجْزِلُ لهم العطايا، ولا تراهُمْ مُذْنبين، مع أنَّهم في الأصل شعراء لغيرك، فعاملين كما تعاملهم.

стр. 997

الشاعر هنا يَقِيسُ حالَتَهُ على حالة شعراء آخرين، فعلوا مثله، ولم يعتبرهم النعمان مذنبين، وهذا الاستدلال المنطقيُّ في الشعر وارد على مذهب علماء الكلام في تقديم الحجج العقليّة، على أنّ النابغة جاهليٌّ جاء قبل عُلَماء الكلام بقرون، لكنّه ساق في شعره دليلاً عقليّاً.

стр. 998

البديعة المعنوية (٢١) : المُبَالغة المبالغة في اللّغة: الاجتهاد في الشيء إلى حدّ الاستقصاء والوصول به إلى غايته، وتأتي بمعنى المغالاة، وهي الزيادة بالشيء عن حدّه الذي هو له في الحقيقة، يقال لغة: بالغَ في الأمر مُبالغةً وبلاغاً، إذا اجتهد فيه واستقصى، وإذا غالى فيه أيضاً. والمبالغة اصطلاحاً هنا: أن يدّعي المتكلّم لوصفٍ ما أنَّه بلغ في الشدّة أو الضعف حدّاً مستبعداً أو مستحيلاً. الآراء حول قبولها أو عدمه: * يرى بعض المتشدّدين رَفْضَها مطلقاً، لخروجها عن منهج الحقّ والصّدق. * ويرى المترخّصُون قبولها مطلقاً، في التعبيرات الأدبيَّة، بدعوى أنّ أعذب الشعر أكْذَبُه. * أمّا جمهور العلماء والأدباء فقد توسَّطُوا في الأمْر، فقبلوا من المبالغة ما كان منها حسناً جميلاً جارياً مجرَى الاعتدال الذي لا يراه الناس مستنكراً ولا مُسْتَهْجَناً، أو قائماً على التصوير الخيالي في سياق من الكلام يَسْمَحُ بذلك، بشرط أن لا يكون في المبالغة إيهامٌ بأنّ المتكلّم يُقَرّرُ حقيقةً واقعة بكلّ عناصرها، بل يُدْرِكُ المتلقِّي أنَّ الكلام مَسُوقٌ على سبيل المبالغة، فيأخذ منها المعنَى المعتادَ في الكثرة مع زيادةٍ مقبولة.

стр. 999

أقسام المبالغة: قسّم علماء البديع المبالغة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: "التبليغ" وهي المبالغة الممكنة عقلاً وعادةً. القسم الثاني: "الإِغراق" وهي المبالغة الممكنة عقلاً لا عادةً. القسم الثالث: "الغُلوّ" وهي المبالغة غير الممكنة لا في العادة ولا في العقل. أمثلة: المثال الأول: قول امرئ القيس، يصفُ فرسه بالقدرة على العدو الشديد، والمتابعة في الطِّراد، والصّبر على التردّد السّريع مُدَّةً طويلة بين طريدتَيْن، دون أَنْ يَتَصَبَّبَ عرقاً: فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ ... دِرَاكاً فَلَمْ يَنْضَحْ بمَاءٍ فَيُغْسَلِ فَعَادَى عِدَاءً: أي: وَالَى مُطَاردَتَهُ لِصَيْدَيْنِ، يُتابِعُ كُلاًّ مِنَ الطَّرِيدَتَيْن. والْعِدَاءُ: الشَّوْط الواحِدُ من الْعَدْو. بَيْنَ ثَورٍ وَنَعْجَةٍ: أي: بين ثور من بقر الوحش، وبقَرَةٍ وحشيّة. النَّعْجَةُ الأنْثَى مِنَ الضأن، والبقرة الوحشيّة، وهي المرادَةُ هُنَا. دِرَاكاً: أي: مُلاَحقَةً، يقالُ: دَارَكَ الطريدة من الصَّيْدِ مُدارَكةً وَدِراكاً، إذا لَحِقَهَا. فَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءِ فَيُغْسَلِ: أي: فلم يتصَبَّبْ عَرَقاً، كما يحدُثُ لغيره من الخيول. هذه المبالغة يمكن أن نعتبرها من القسم الأول "التبليغ" لأنَّها ممكنة في العقل والواقع.

стр. 1000

أمّا قوله في وصفه: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ فمن غير الممكن أن يكون في كرِّهِ إلَى الجهة الّتِي يُقْبلُ عَلَيْها فارّاً عنها، فهي مبالغةٌ من القسم الثالث "الغلوّ" لكنَّها مع ذلك مبالغةٌ مقبولة، لأنّ امْرأ القيس يُصوِّر مَشاعِرَهُ، ويُعَبِّر عمّا يَتَمَثَّلُ في خيَالِ الْمُشَاهِدِ حينَ يرى سُرْعَتَهُ الفائقة الّتِي يختَلِطُ فيها الكرّ والفرّ، حتى كأنّه يَكِرُّ ويَفِرُّ معاً، وهذا ما يُسَمَّى عند الأدباء المعاصرين "الصِّدْقَ الْفَنِّي". المثال الثاني: قول "المتنبّي" يصف فرسه: وَأَصْرَعُ أَيَّ الْوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِه ... وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِينَ أَرْكَبُ يقول: إذا طَرَدْتُ بفرسِي وَحْشاً أَيَّ وَحْشٍ بَلَغَهُ فتمكَّنْتُ منه، فصَرَعْتُه، وأَنْزِلُ عنه بعد ذلك، فأَجدُه مثْلَهُ حينَ أَرْكَبُه، أي: لم يَلْحَقْهُ التّعَبُ وَلَمْ يَكِلَّ، لقُوَّتِهِ وعِزَّةِ نفسه. قال العكبري: كقول ابن المعتزّ: تَخَالَ آخِرَهُ في الشَّدِّ أوَّلَه ... وَفِيهِ عَدْوٌ وَرَاءَ السَّبْقِ مَذْخُورُ أقول: المبالغة في هذين البيتين من قسم "التبليغ". المثال الثالث: قول "الحماسي": رَهَنْتُ يَدِي بالْعَجْزِ عَنْ شُكْرِ برِّه ... وَمَا فَوْقَ شُكْرِي للشكُور مَزِيدُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَطَاعُ اسْتَطَعْتُهُ ... ولَكِنَّ مَالاً يُسْتَطَاعُ شَدِيدُ بالَغَ فادّعَى أنَّه قَدَّمَ غَايَةَ ما يَسْتَطِيعُ مِنْ شُكْر، وإِنْ كان ما قدّمَهُ لا يُسَاوِي مَا نَالَ من ممدوحه من برّ.

стр. 1001

هذه المبالغة من قسم "التبليغ" أيضاً. المثال الرابع: قول "ابن نُباتَة السعدي" في سيف الدولة: لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئَاً أُؤَمِّلُهُ ... تَرَكْتَنِي أصْحَبُ الدُّنْيا بِلاَ أَمَلِ هذه المبالغة ممكنة عقلاً، لكنّها مستبعدة واقعاً بحسب العادة، فهي "إغراق". المثال الخامس: قول المتغزّل: خَطَرَاتُ النَّسِيمِ تَجْرَحُ خَدَّيـ ... ـهِ ولَمْسُ الْحَرِيرِ يُدْمِي بَنَانَهُ هذه المبالغة من قسم "الإِغراق". المثال السادس: قول "عَمْرو بْنِ الأَيْهَم التَّغْلِبي": وَنُكْرِمُ جَارَنَا مَا دَامَ فِينَا ... ونُتْبِعُهُ الْكَرَامَةَ حَيْثُ مَالاَ هذه المبالغة من قسم "الإغراق". المثال السابع: قول ابن الرّومي يذمّ بخيلاً ببخله: لَوْ أنَّ قَصْرَكَ يَا ابْنَ يُوسُفَ مُمْتَلٍ ... إِبَراً يَضِيقُ بِهَا فِنَاءُ الْمَنْزِلِ وَأَتَاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيرُكَ إِبْرَةً ... لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصِهِ لَمْ تَفْعَلِ هذه المبالغة من قسم "الغلوّ". ومثلُهُ قولُ ابن الرومي أيضاً يَصِفُ بخيلاً: فَتَىً عَلَى خُبْزِهِ وَنَائِلِهِ ... أَشْفَقُ مِنْ وَالِدٍ عَلَى وَلَدِهْ رَغِيفُهُ مِنْهُ حِينَ تَسْأَلُهُ ... مَكَانَ رُوحِ الْجَبَانِ مِنْ جَسَدِهْ المثال الثامن: قول "أبي نواس" من قصيدةٍ يمدح بها الرّشيد:

стр. 1002

وأَخَفْتَ أَهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى إنَّهُ ... لَتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ هذه المبالغة من "الغلوّ". قالوا: إنّ "العتابي" لقي أبا نواس فقال له: أما اسْتَحْيَيْتَ من الله بقولك: "وأخَفْتَ أهلَ الشّرْك". فقال له "أبو نواس": وأنت ما استحييت من الله بقولك: مَا زِلْتُ في غمَرَاتِ الْمَوْتِ مُطَّرَحاً ... يَضِيقُ عَنِّي وَسِيعُ الرّأي مِنْ حِيَلي فَلَمْ تَزَلْ دَائِباً تَسْعَى بِلُطْفِكَ لِي ... حتَّى اخْتَلَسْتَ حَيَاتِي مِنْ يَدَيْ أَجَلِي المثال التاسع: قول البحتري في مدْح أمير المؤمنين "المتوكّل على الله": فَلَوَ أنَّ مُشْتَاقاً تَكَلَّفَ فَوْقَ مَا ... فِي وُسْعِهِ لَسَعَى إِلَيْكَ الْمنْبَرُ هذه المبالغة من "الغلوّ" المقبول. المثال العاشر: قول "المتنبّي" في صباه في المكتب: أَبْلَى الْهَوَى أسَفاً يَوْمَ النَّوَى بَدَني ... وفَرَّقَ الْهَجْرُ بَيْنَ الْجفْنِ وَالْوَسَنِ رُوحٌ تَرَدَّدُ في مِثْل الْخِلاَلِ إِذا ... أَطَارَتِ الرّيحُ عَنْهُ الثَّوْبَ لَمْ يَبِنِ كَفَى بِجِسْمِي نُحُولاً أَنَّنِي رَجُلٌ ... لَوْلاَ مُخَاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي الأسف: الحزن. والوسَنُ: النوم. في المبالغة هنا "غُلُوّ" مقبول. والأمثلة من شعر الشعراء على أقسام المبالغة كثيرة. المقبول من قسم "الغلوّ". قال البلاغيّون: والمقبول من قسم "الغلوّ" عدّة صُور، منها: (١) أن يدخل عليه مَا يُقَرِّبُهُ إلى الصحة، كقول الله في سورة

стр. 1003

(النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) في وصف زيت شجرة الزيتون التي ليست شرقيّة ولا غربية: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ... ﴾ [الآية: ٣٥] . فعبارة: ﴿يكاد﴾ قرّبَتْ فِكْرَةَ إضاءَة الزّيتِ بِبَرِيقه الشدّيدِ من الصحّة، وجعلت المبالغة مقبولة. (٢) أن يُقَدَّمَ في صُورَةٍ جميلة تخيُّليّة، كقول القاضي الأرجاني يصف اللَّيْلَ بالطّول على طريقة التخيُّل: يُخَيَّلُ لي أَنْ سُمِّرَ الشُّهْبُ في الدُّجَى ... وشُدَّتْ بأَهْدَابِي إلَيْهِنَّ أجْفَانِي (٣) أنْ يكُونَ تعبيراً عن حالة الشعور النفسيّ، فيما يُسمَّى بالصدق الفني، كقول امْرِئ القيس في وصف فرسه: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ (٤) أن يُسَاقَ مَساقَ الْهَزْل، كقول الهازل الْخَلِيع: أَسْكَرُ بالأَمْسِ إِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشُّرْ ... بِ غَداً. إِنَّ ذَا مِنَ الْعَجَبِ المبالغة بالصيغة: وذكر الباحثون في بدائع القرآن المبالغة بصيغةٍ أو لفظٍ من ألفاظ المبالغة السّماعية أو القياسية. وصيغ المبالغة هي: (١) فَعْلاَن: مثل: رحمن.

стр. 1004

(٢) فَعِيل: مثل: رَحيم. (٣) فَعَّال: مثل: توَّاب - غَفَّار - قَهَّار. (٤) فَعُول: مثل غَفُور - شَكُور - وَدُود. (٥) فَعِل: مثل: حَذِر - أَشِر - فَرِح. (٦) فُعَال: مثل: عُجَاب. (٧) فُعَّال: مثل: كُبَّار. (٨) فُعَل: مثل: لُبَد. (٩) فُعْلَى: مثل: عُلْيَا - حُسْنَى - شُورَى - سُوأَى. وتوجد صيغ أخرى، مثل: رحموت، ورهبوت، مما هو سماعي. ودار نقاش حول استعمال صيغ المبالغة أو صافاً وأسماءً لله : * فزعم بعضهم أنّها مستعملة بجانب الله على سبيل المجاز، إذ هي موضوعة للمبالغة، ولا مبالغة فيها حين يوصف الله بها. * وقال بعضهم المبالغة فيها بحسب تعدّد المفعولات التي تفوق تصوّرات الخلائق. أقول: هذا النقاش الذي دار حول هذا الموضوع سببه الفكرة الّتي سبقت إلى تصوّر الناس حول الصّيغ التي أسماها علماء العربية اصطلاحاً صِيَغَ مبالغة، مع العلم بأنّ العرب قد استعملوا هذه الصِّيغ ولو يقولوا: إنّها صيغ مبالغة، بمعنى أنّها تدلّ دواماً على ما هو زائد على الواقع والحقيقة حتى ترد الإِشكالات الّتي أوردها المستشكلون حول صفات الله . وباستطاعتنا أن نقول: إنّ هذه الصيغ موضوعة في الأصل للدلالة على كمال الصفة، وهذا الكمال لا يوجد في الناس، أو للدلالة على الكثرة والوفرة في أجزاء

стр. 1005

الصفة، دون أن يكون ذلك على سبيل المبالغة بمعنى الزيادة على الحقيقة والواقع دواماً، فإذا أطلقت على غير مستحقّ الكمال فيها كان هذا الإِطلاق على سبيل المبالغة، وإذا أطلقت على مستحقّ الكمال أو الكثرة فيها فهو إطلاق على وجه الحقيقة ولا مبالغة فيه، فما يسمَّى بصيغ المبالغة إذا أطلقت على الله فهي مطلقة بحسب وضعها اللُّغوي، ولا مبالغة فيها، وبهذا ينحلّ الإِشكال من أساسَه، وسببُ الإِشكال التقيّد بتعريفات اصطلاحيّة جاءت على ألسنة علماء اللّغة، دون الرجوع إلى التبصّر بأصل الاستعمالات العربية، وتحرير المراد من الاصطلاح. ***

стр. 1006

البديعة المعنوية (٢٢) : حول التتابع في المفردات والجمل يتناول الكلام هنا الاختيارات البديعة التالية: (١) الاطّراد. (٢) الترتيب. (٣) الترقّي والتدلّي. (٤) حُسْنُ النَّسَق. (٥) التعديد - أو "حُسْنُ التعديد". نظر علماء البديع إلى عناصر جمالية معنوية تتعلّق بتتابع المفردات والجمل في الكلام الواحد، فوضعُوا لما اكتشفوه منها أسماءً. أوّلاً - الاطّراد: قالوا: من البديع أن يذكر المتكلّم آباءَ من يَتَحَدَّثُ عنه متسلسلة على وفق الترتيب الطبيعيّ الذي هُوَلَهُمْ، في سلسلة نَسَبِهم، بدءاً من الجدّ الأعلى وتنازلاً إلى الأب المباشر، أو بالعكس، إذا كان له غرضٌ بذكرهم، وسمّوا هذا "الاطّراد" وهذه التسمية ملائمة للمعنى اللّغوي للكلمة، فالاطّراد في اللّغة: التتابُع والتسلسل، يُقَالُ: اطَّرَدَ النَّهْرُ، إذا تتابع جَرَيانُ مائة، واطَّرَدَ الكلامُ أو الحديثُ، إذا جرَى مجرى واحداً متَّسِقاً.

стр. 1007

ومخالفة الاطّراد هذا لاَ تَحْسُن إلاَّ لنكتَةٍ بلاغية يُريد المتكلم بها الإِشارة إليها. فالاطّراد يُلائم السّلسلة الفكريّة الطبيعيّة لدى المتلَقِّي. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لما قال يوسف ﵇ لصاحبيه في السّجن: ﴿ ... إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ * واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [الآيات: ٣٧ - ٣٨] . بَدَأَ يُوسُفُ ﵇ بِذِكْرِ جَدِّهِ العالي إبراهيم أوّلاً، لأنّه الأوَّلُ من آبائِهِ الأقربين الّذينَ حَمَلُوا الملّةَ الّتي يدعو صاحِبَيْهِ في السَّجْن لاتِّبَاعِهَا، فذكر بعده ابْنَ إبراهيم المباشر إسْحاق، فذكَرَ يعقوبَ بن إسْحاق، ويعقوبُ هو الأَبُ المباشر ليوسفَ ﵈. المثال الثاني: قول الرسول ﷺ حينَ سُئِلَ عن أكْرم الناس: "الكريم ابْن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". المثال الثالث: قول الشاعر: إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ ... بعُتَيْبَة بْنِ الحَارِثِ بنِ شِهَابِ ثَلَلْتَ عرُوشَهُم: أي: أذهبت سلطانهم، ويُقَالُ: ثَلَّ الدارَ إذا هَدَمَها. المثال الرابع: قول "دُريد بن الصِّمة": قَتَلْنَا بِعَبْدِ اللَّهِ خَيْرَ لِدَاتِهِ ... ذُؤَابَ بْنَ أسْماءَ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَارِبِ لِدَاتِه: نظرائِه في السّن، لِدَةُ الإِنسان مَنْ وُلِدَ مَعَهُ في وقت واحد. ***

стр. 1008

ثانياً - الترتيب: وقالوا: من البديع إذا أراد المتكلّم أن يَذْكُر أوصافاً متعدّدة لموصوف بها واحد، أن يذكرها على وفق ترتيبها الطبيعيّ، دون إخلال، ما لم يَدْعُ داعٍ بلاغيٌّ آخر يَحْرِصُ المتكلّم أن يشير إليه بمخالفة الترتيب الطبيعي، وسمّوا ذكر الأوصاف المتعدّدة متتابعةً على وفق ترتيبها الطبيعيّ "ترتيباً". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) : ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ٦٧] . جاء في الآية ذِكْرُ أطْوَارِ خلْقِ الإِنسان وفق ترتيبها الطبيعي، وهو أمرٌ مستحسنٌ بديع. المثال الثاني: قول الله في سورة (الشمس/ ٩١ مصحف/ ٢٦ نزول) : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبعث أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الآيات: ١١ - ١٥] . جاء ترتيب الأحداث في هذا النصّ وفق ترتيبها في الواقع الذي حدَثَ، وهو أمرٌ مستحسن بديع. المثال الثالث: قول الله في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) : ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي

стр. 1009

النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الآية: ١٧] . جار الترتيب في هذه الآيَة وفق ترتيب الأحداث في الواقع وهو أمْرٌ مستحسنٌ بديع. *** ثالثاً: الترقّي والتدلّي: وقالوا: من البديع لدى ذكر المتعدّدات من جنس أو نوع أو صنف واحد، إذا كان بينها تفاضل في الدَّرَجات أو المراتب، أن تُذْكر إمَّا من الأدنى إلى الأعلى ترقّياً، أو من الأعلى إلى الأدنى تدلّياً، ما لم يدْعُ داعٍ بلاغي آخر يحرص المتكلّم أن يشير إليه بمخالفة هذا النظام، كمراعاة رؤوس الآي، وكالتنويع في نصوص متعدّدة. ووضعوا للالتزام بهذا النظام عنوان: "الترقّي والتَّدَلّي". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) بشأن معبودات المشركين من الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾ [الآية: ١٩٥] . جاء في هذه الآية الْبَدْءُ بالأَدْنَى لغرض الترقّي، إذ الْيَدُ أشرفُ من الرّجل، والْعَيْنُ أشرفُ من الْيَدِ، والسَّمْعُ أشرفُ من الْبَصَر، فالأعمى يستغني بالسَّمْع لتحصيل المعارف الكثيرة، لكن الأصَمَّ البصير دونه في ذلك. المثال الثاني: قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :

стр. 1010

﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الآية: ٤٥] . جاء في هذه الآية الْبَدْءُ بالأعلَى الأدَلِّ على قُدْرَةِ الرَّبّ الخالق، وهو المشي على البطن دون أرجل، فَالأدنَى وهو المشْيُ على رجلين، فالأدنَى وهو المشيُ على أرْبَع، لغرض الأَخْذِ بنظام التدلّي. *** رابعاً - حُسْنُ النّسَق: وقالوا: من البديع في الجمل المتتالية الّتي جاء بعضُها معطوفاً على بعضٍ أن تكون فيما بينها متلاحمة تلاحماً سليماً مستحسناً، وأن تكون كلُّ واحدة منها قابلةً لأن تستقلَّ بنفسها لو أُفْرِدَتْ وسَمَّوا هذا "حُسْنَ النَّسَق". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) في عرض لوحة من قصة نوح ﵇ وقومه: ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] . إنَّ جُمَل هذه الآية معطوفٌ بعضها على بعضٍ بواو عطف النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة. * فقد جاء فيه البدء بالأهمّ، الذي هو انحسار الماء عن الأرض، المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة، الذين يترقَّبُونَ الْخلاصَ من سِجْنِها. * وبعده جاء. بيان انقطاع مدَد الماء من السماء، الذي يتوقف عليه كمال المطلوب.

стр. 1011

* وبعدهما جاء الإِخبار بذهاب الماء بعد الأَمْر بِالبَلْعِ والإِقلاع. * وبعد ذلك جاء بيان انقضاء الأمر كلّه الّذي من أجله حدَثَ الطوفان العظيم، وهو هلاك الكافرين ونجاة نوح والذين آمنوا معه. * وبعد ذلك جاء بيان استواء السفينة على جبل الجودي، الذي وقع فعلاً بعد أن قُضِي الأمر. * وأخيراً جاء الختم بإعلان طَرْدِ الكافرين بعبارة: [وقِيلَ: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمين] للإِشارة إلى أنّ مَنْ أُبْعِدَ من الرَّحْمَةِ هُمُ الكافرونَ فقط. المثال الثاني: قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ [الآية: ١٤٢] . جُمَلٌ ثَلاَثٌ قالها موسى لأخيه هارون تتضَمَّن مَرْسوم تعيين من ثلاث موادّ متلاحمة متفاصلة: المادة الأُولى: اخْلُفْنِي في قَوْمي. المادة الثانية: وأصْلِحْ: (أي: في إدارتك وخلافَتِكَ لي) . المادة الثالثة: وَلاَ تَتبعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين (أي: مَهْما كانت كثرتهم، فاحْزِمْ أمْرَك ولا تتَّبِعْهُمْ مدارياً لهم) . أقول: ويمكن أن نُدْخِلَ تحت عنوان "حُسْنِ النَّسَق" ما يتضمّن مراعاة حالة أنفس المتلَقِّين، لدى ملاحظة المشهد الذي يعرضه المتكلّم في الصورة الكلاميّة. فمن حسن النَّسَق أنْ تكون الصورة الكلاميّة مطابقة لواقع حال المتلَقِّي لدى

стр. 1012

إدراكه المشهد في الواقع، ومن الأمثلة على هذا قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) : ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الآيات: ١٧ - ٢٠] . أْقُلُ هُنَا ما سَبَقَ أن كتبتُه في كتابي: "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع"، إذْ أعالج في هذا النصّ من جوانبه الأدبيّة فنّيَّةَ تَرْتِيب جُمَله فقط. قد يهدف ترتيب الجمل القرآنيّة إلى عَرْضِ لَوْحَةٍ فَنِّيَّةٍ مِنْ لَوْحَاتِ مَا خَلَق اللَّهُ في كونه، حتَّى كأَنَّها رسْمٌ قَدْ رُوعيَتْ فيه كلُّ الشّروط الفنّيّة الْتي تُراعَى في الرّسُوم والصُّورِ الرفيعة، فتَبْدُو الصورةُ مثالاً مطابقاً لحركة تَتَابُعِ المشْهَد في نَفْسِ المشاهد. تصَوَّرْ أَنَّكَ جالِسٌ في باديَةٍ في خَيْمَةٍ، كَوَاحدٍ من عُرْبانِ البادية، وَأمَامَكَ سَهْلٌ مُمْتَدٌّ، وبعْدَه سِلْسِلة جبالٍ متتابعة، ومرَّتْ قافلةُ جمالٍ في هذا السهل بينَكَ وبيْنَ الجبال. فكيف تتنقَّلُ نَفْسُك في هذا المشهد، بعْدَ هذا الحدَثِ المتحرّك المثير، وهو قافِلةُ الجمال؟. لقد تَمثَّلْتُ هذه الصورة، فَوجَدْتُ أَنَّنِي أتَنقَّلُ في متابَعَتِهَا مُرَكّزاً علَى بُؤْرَةِ المشهد مرحلةً فمرحلةً على الوجه التالي: اللّقْطَةُ الأولى: صورة قافلة الجمال السائرة، إذْ كانت أوّل لافتٍ لنظري، بسبب الحركة، وغرابَةِ المشهد، ورغبة النفس في متابَعةِ مُشاهدته قَبْلَ أن يغيبَ عن النظر، فكانَتْ في حِسِّي هي بُؤْرَة المشْهَد البارزة، وما سواها كانَ أرضيَّةً لها. اللقطة الثانية: صورةُ السَّمَاءِ مِنْ جهة الأفق الْبَعِيدِ ورَاءَ القافلة، إذْ شَبِعَتْ نَفْسِي من مُتَابعةِ التركيز على قافلة الجمال، فتركْتُها، وجَعلْتُها أرضيَّة الصورة،

стр. 1013

وانتقَلْتُ للتأمُّل في السّماء، فكانت السماء في حسِّي هي بُؤرَة المشهد البارزة، وتَوجَّهَ بصَري للتَّرْكيزِ على السماء، بحثاً وتأمُّلاً، حتَّى إذا شَبِعْتُ من ذلك ظهَرَتْ فِي شُعُورِي لقطةٌ أخرى. اللقطة الثالثة: هي صورة الجبال المتتابعة، إذْ أَخَذَتْ تَبْرُزُ في حِسِّي، فتكونُ بُؤْرَةَ المشهد، وتوجّه بصري للتركيز على الجبال بحثاً وتأمُّلاً فيها. وأدركْتُ أنّ من طبيعة النفوس لدى مُشَاهَدةِ مشهد متعدّد العناصر، أن تبدأ بالمتحرّك لأنّه أكثر إثارةً، ثُمّ تنتقل إلى أعْلَى المشهد، ثمّ تتدلّى شيئاً فشيئاً حتّى أدناه. ولمّا شَبِعْتُ من التأمُّلِ في الجبال ظهرت في شُعوري اللّقطة الَّتي وراءها. اللقطة الرابعة: هي صورة الأرض المنبسطة الممتدّة أمامي كأنّها السَّطْحُ، أخَذَتْ تَبْرُزُ في حِسّي، فتكونُ بُؤْرَةَ المشهد، وتوجّه بصري للتركيز على الأرض بحثاً وتأمُّلاً فيها. عندئذٍ عَلِمْتُ الحكمة التي دعَتْ إلى ترتيب الجمل القرآنية، من سورة (الغاشية) في الآيات من (١٧ - ٢٠) وما فيها من تصوير كلاميّ مُتَابعٍ لحركة النَّفْس لدى مُشاهَدَةِ مثلِ هذه اللّوحة التي عرضها النصّ. وقُلْتُ في نفسي: إنّها بهذا الترتيب تقدّمُ لوحةً فنّيَّة، تُطابقُ ما يَحْدُثُ لِمُشَاهدٍ واقعٍ في مثل هذا المشهد. إنّ العليم الحكيم الخبير يقدّم هذه اللّوحة الفنيَّة، ليلفت نَظَر الْمُشاهِدِ من خلالها إلى إدراكِ طائفةٍ من صفاتِ الخالق ﷻ ، الّتي تدلُّ عليها آياتُ هذا المشهد البديع، ومنها أنَّه عليم حكيم قدير بديع السماوات والأرض، قد أتْقَنَ كلَّ شيءٍ صُنْعاً. ***

стр. 1014

خامساً - التعديد أو (حُسْنُ التعديد) : وقالوا: من البديع في الألفاظ المفردة المتتالية أن يؤتى بها على سياق واحد، دون أن يكون بينها ما يَشِذُّ ويَنْبُو عن الذوق الأدبيّ الرّفيع، في دلالتها وفي ألفاظها، وأكثر ما يوجد هذا في الصفات المتتاليات. وسمّوا إيقاعَها على سياق واحد متلائم: "التعديد" والأحسن أن يُسمَّى "حُسْنَ التعديد". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (الحشر/ ٥٩ مصحف/ ١٠١ نزول) : ﴿هُوَ الله الذي لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ٢٣] . فجاء البَدْءُ بذكر اسم "الْمَلِك" إذ هُو مَالِكُ كُلِّ شيء وذو السلطان على كلّ شيء، والبدءُ به هو الملائم في السّياق بعد بيان اسمه (الله) ويبان أنّه لا إله بحقٍّ إلاَّ هو، وجاء بعد "الْمَلِك" اسمان من أسماء الله الحسنى متلائمان يتطلَّبهما السياق وهُمَا "القدُّوس" و"السّلاَم" فمعنى القدّوس: الْمُنزَّه عن صفات النقص الّتي لا تليق بالرَّبّ الخالق المعبود. ومعنى السّلاَم: ذو السلامة من كلّ نقص في ذاته وصفاته وأفعاله، فهما متلائمان، وبعد التنزيه يستدعي السياق إثبات صفات الكمال له، وأوَّلُها شُمُولُ علمه كُلَّ شيء، وأنّه يعْلَمُ كلّ شيء علماً يقينيّاً لا يُخَالطه أدنى شَكّ، والاسم الملائم لهذا "المؤمن" وبعد شمول علمه كلَّ شيء يستَدْعي الفكر إثبات هَيْمَنَتِه بقدرته وسلطانه على كُلِّ ما سواه مما هو خالق له، وممّا سيخلقه، فجاء الاسم الملائم وهو "المهيمن" ومن هيمنته بقدرته وسلطانه، أنْ يكون قويّاً ذا قوّة غالبة، لا يستطيع معارضٌ أن يعارضها، فجاء الاسم الملائم

стр. 1015

لهذا هو "العزيز" إذْ معناه القويّ الغالب، ومن عزّته أَنْ يكون إذا أراد شيئاً فعله بالْجَبْرِ، ضدّ أيّةِ قُوَّةٍ لها إرادةٌ معارضة، من خلقه الذين منحهم الإِرادات الحرَّة وسخَّرَ لَهُمْ في كونه بعض المسخّرات، والاسم الدالّ على هذا هو "الجبّار" ويُدْرِكُ الذهن أن من جَمَعَ الصفات السابقات لا بُدَّ أن يكون أكْبَر منْ كُلِّ كبيرٍ في الْوُجُود، وأن يكون عالماً بهذه الصفة من صفاته، فجاء الاسم الدَّالُّ على هذه الحقيقة "المتكَبِّر" أي: الْمُثْبِت لنفسه أنّه أكبر من كلّ كبير إثباتاً مؤكّداً. المثال الثاني: قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) في وصف المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم بأنّ لهم الجنّة يُقَاتِلُون في سبيل الله فيقتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ [الآية: ١١٢] . وبالتأمُّل نُلاحِظُ أَنَّ هذِهِ الصِّفَاتِ المذكورات لخيار المؤمنين متعانقاتٌ تَعَانُقاً متلائماً يَسْتَدْعي سابقُها تالِيَهَا لدى التحليل الذهني. فالتوبة هي المطلوب الأوّل من الصفات، لأنّها بمثابة تنظيف الدار قبل جلْبِ الأثاث إليها، وبعد التوبة تأتي العبادة، وأوّلُ عناصر العبادة الْحَمْد، فالسّياحة بمعنى إطلاق الفكر في آياتِ الله وآلائه فكثرة الركوع والسُّجُودِ في الصلوات لله ، فالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمحافظة على حدود الله عند كلّ عَمَلٍ لله فيه حُكْمٌ شَرْعِي ذو حَدٍّ من الحلال والحرام. وهكذا جاءت مفردات الصفات مُنْسَابَةً متلائمة على سياق واحد لا تنافر فيه ولا شذوذ. المثال الثالث: قول الله في سورة (الأحزاب/ ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول) :

стр. 1016

﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الآية: ٣٥] . من الملاحظ في هذه المتعدّدات الانسيابيّةُ والتَّلاؤُمُ والتعانُقُ المتدرّج. الإِسلام هو يقدِّمُه الظاهر أوّلاً، وهل هو أثر إيمانٍ أم لاَ؟ فيأتي التدقيق عن الإِيمان ثانياً، وبعدهما يُنْظَرُ إلَى التزام الطاعة المعبَّرِ عنه بالّقُنُوت، فالقانت هو المطيعُ الخاضع، فيأتي البحث عن الصّدْقِ في الطَّاعة، أي: عن سلامة النيّة في ابتغاء مرضاة الله، فالتوسُّع في أعْمالِ البرّ فوقَ فِعْلِ الواجبات وترك المحرّمات، ويأتي في مقدّمته الصّبر، فَخُشُوعُ الْقَلْب لذكر الله، فبذلُ الصَّدَقَاتِ فَوْقَ الزكاة والنَّفَقَةِ الواجبةِ، فالصومُ زيادةً على الصوم المفروض، فالمحافظةُ التامّة على الفروج، فالذّكْرُ الكَثِيرُ لله . ***

стр. 1017

البديعة المعنوية (٢٣) : المراوغة: بالمواربة، أو مجاراة ظاهر القول المواربة: أن يقول المتكلّم قولاً يتضمَّن ما يُنْكَرُ عليه به، فإذا وُجِّه له الإِنكار استحضر بحذقه وجهاً من الوجوه يتخلّص به، إمّا بحمل الكلمة على معانيها، أو بتحريفها، أو بتصحيفها، أو نحو ذلك. والمواربة في اللغة: المخادعة والمخاتلة. كقول اليهود عند السَّلام: السّام عليكم، يُوهِمُون أنّهم يقولون: السّلام عليكم، وهم يقصدون: الموت، لأن السّام الموت. وحين أمرهم الله على لسان نبيٍّ من أنبيائهم أن يدخلوا باب القرية سُجَّداً ويَقُولوا: حطَّة، بمعنى: اللَّهُمَّ احْطُط عنَّا خطيئاتنا، حَرَّفوا الكلمة وواربوا فيها، وقَصَدُوا معنى غير الذي طُلِبَ منهم. *** المجاراة: هي مسايرة المخاطب بحسب ظاهر كلامه، والتغاضي عن مراده منه، والبناء على ظاهر كلامه كأنّه هو مقصودُه الحقيقي. ومن أمثله المجاراة حَمْلُ كلام الكافرين الذي طلبوا فيه من رسُلهم استعجالَ العذاب الّذي أنذروهم به، لا على معنى أنّهم يريدون إنزال العذاب بهم، ولكنَّهُمْ يُعَبِّرون بهذا الاستعجال عن تكذيبهمْ رُسُلَ رَبّهم، وأنَّهم ليسوا صادقين فيما

стр. 1018

يُخْبرونَهُم به من أنَّ الله يُنْذِرُهم بعذابه إذا أصرُّوا على تكذيبهم وكفرهم ومعاداتهم لرسُل ربّهم والّذين آمنوا معهم. ومنه قول الله في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) خطاباً لرسوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ [الآيات: ٥٣ - ٥٤] . ***

стр. 1019

البديعة المعنوية (٢٤) : النزاهة النزاهة: هي خلوص ألفاظ الهجاء والذّم من الفحش. قيل لأبي عمرو بن العلاء: ما هو أحْسَنُ الهجاء؟ قال: هو الذي إذا أنْشَدَتْه العذراء في خِدْرِها لا يَقْبُح عليها. أمثلة: المثال الأول: ما جاء في سورة (المسد/ ١١١ مصحف/ ٦ نزول) من ذمّ أبي لهب وامرأته. المثال الثاني: ما جاء في سورة (القلم/ ٦٨ مصحف/ ٢ نزول) من ذمٍّ للوليد بن المغيرة بصيغة عامّة، بقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين * سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ [الآيات: ١٠ - ١٦] . يُلاحَظُ أنَّ هذا الهجاء خالٍ من أيّ كلام فيه فُحْشٌ. المثال الثالث: قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) بشأن الذين يُدْعَوْنَ إلى الله ورسوله ليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَيُعْرِضُون حينَ لا يكون لهم الحقُّ في الخصومة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أولائك هُمُ الظالمون﴾ [الآية: ٥٠] . وهكذا سائر ما جاء في القرآن من ذمٍّ وهَجاءٍ يتحلّى بهذه النزاهة.

стр. 1020

البديعة المعنوية (٢٥) : نفي الشيء بصيغةٍ تشعر بإثباته، أو نفي الشيء بإيجابه وهو أن يكون ظاهر الكلام يفيد إثبات الشيء إلاَّ أنّ باطانه يفيد نفيه مطلقاً. والغرض تأكيد النفي. قال ابن رشيق في تعريفه: أن يكون الكلامُ ظاهره إيجابَ الشيء وباطنُه نفيَه، بأنْ يُنْفَى ما هو من سببه، كنَفْي وصفه، وهُو المنفيُّ في الباطن. وقال غيره: أن يُنْفَى الشيءُ مُقَيّداً والمرادُ نفيُهُ مطلقاً. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (المدثر/ ٧٤ مصحف/ ٤ نزول) بشأن الكفرة المكذّبين بيَوْم الدين، حين يُلاقونَ عذابهم يومئذٍ: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ [الآية: ٤٨] . أي: ليْسَ لَهُمْ شافعون يومئذٍ ولو كان لهم شافعون لَمَا نَفَعَتْهُمْ شَفَاعَتُهُمْ. ودلّ على أنّهم لا يجدون يومئذٍ شافعين يَشْفَعُون لهم قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) مخبراً عمّا يقولون يؤمئذٍ: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الآية: ١٨] .
следующие страницы →