Полный текст (1 115 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
سأل السائِلونَ عَنْ سَبَبِ الظاهرة الكونيَّةِ في الأهلة، لماذا يَبْدأ الهلالُ كالحاجب في أوّل الشهر، ويتزايَدُ يَوْماً فَيَوْماً، حتَّى يكون الْقمَرُ بدراً، وبعد ذلك يتناقص حتى يكون في آخر الشهر مثلما بدأ في أوَّله؟
ولمّا كانت هذه الظاهرة إحدى أنظمة الكون يمكن بالبحث العلمي أن يكتشفها الناس مستقبلاً، وليس بيانُها من الأغراضِ الدينيّةِ الأساسيّة الَّتِي بعث اللهُ الرُّسُل لبيانِها، جاءَ الجوابُ مبيّناً وظيفة الأهلة المرتبطةَ ببعض قضايا الدين، وهي تحديد مواقيتِ الشهور، الّتي يحتاجها الناس لعباداتهم، ومعاملاتِهم، وتواريخهم، وتكاليفهم، المرتبطة بالأشهر القمرية، كالصيامِ، وأشهرِ العِدَّةُ، ومُرُورِ الحول لأداء الزكاة، وغيرِ ذلك، وخصّ اللهُ منها الحجَ اهتماماً بتحديد وقته، إذ دخل فيه التحريف الجاهليُّ بالنِّسيء الذي كانُوا يصنعونه.
أمّا الظواهر الكونية القائمة على أسباب غير منظورة فكثيرة جدّاً، والناس لا يستطيعون إحصاءها، وفتح أبواب السؤال عنها والإِجابة عَليْها. يُحَوِّلُ مُهِمَّة الرسول من رسالة دينيّة إلى رسالة عالِمٍ من علماء أنظمة الله في كونه.
***
(٣) النوع الثالث
الإِظهارُ في مقام الإِضمار، والإِضمار في مقام الإِظهار
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر: الإِظْهَارُ في مقام الإِضْمارِ، وبالعكس، فهو قسمان:
القسم الأول: الإِظهارُ في مقام الإِضمار.
قد يكون استخدام الضمير في الكلام هو المتبادر الذي يقتضيه ظاهر الأسلوب المعتاد، لكن قد يوجد داعٍ بلاغي يستدعي استخدام الاسم الظاهر بدل استخدام الضمير، ومن الأغراض البلاغيّة لهذا ما يلي:
стр. 492
الغرض الأول: الإِشعار بكمال العناية بما اسْتُخْدِمَ للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، من أجل اختصاصه بحكم غريبٍ مثلاً، ومنه:
قول أحمد بن يحيى الراوندي:
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقاً
هَذَا الَّذِي تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائِرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النَّحْرِيرَ زِنْدِيقَا
فجاء اسم الإشارة "هذا" في مقام الضمير "هو" لتوجيه العناية تفكّراً في حكمة اللهِ بتقدير أرْزاق العباد، وإدراك أنّ الأرزاق قد تقتضي حكمة الله بأن تأتي وافرةً للجاهل، وتأتِيَ غير وافرة للعالم العاقل.
الغرض الثاني: التهكّم باستخدام اسم الإِشارة، ويُمْكن أن أُمَثِّل له بقولي:
قَالَ لِلأَعْمَى وَقَدْ أَزْعَجَهُ ... مِنْهُ إِنْكَارُ بُزُوغِ الْقَمَرِ
أَيُهَا الْجَاحِدُ هَذَا نُورُهُ ... سَاطِعٌ عَبْرَ غُصُونِ الشَّجَرِ
كان مُقْتَضَى الظاهر أن يقول له:
نُورُهُ يَخْتَرِقُ الأُفْقَ لَنَا ... فَنَراهُ مِنْ خِلالِ الشَّجَرِ
لكِنَّهُ أراد التهكم به لجحوده ما يراه المبصرون وهو أعْمَى، فاستخدم اسم الإِشارة، لإِشعاره بأنه لو كان يُبْصِر لرآه.
ومنه فيما أرى باستخدام الاسم المظهر، قولُ الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) خطاباً للكافرين:
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ... ﴾ [الآية: ١٩] .
أي: إن تطلبوا الفتح فقد جَاءَكَمُ الفتح، وكان مقتضى الظاهر أن يكتفى بالضمير فيقال: "إن تستفتحوا فقد جاءكم" ولكن جيء بالاسم المظهر للتهكم بهم، لأنّ الفتح وهو النصر الذي جاءهم كان عليهم ولصالح المسلمين..
стр. 493
الغرض الثالث: إظهار بلاهة المقصود بالخطاب، وأنّه لا يفهم إلاَّ بالإِشارة الحسيّة، فلا يكفيه الضمير لمعرفة المراد، كأن تقول لمن تُرِيد وصفه بالبلادة، وهو يتحدَّثُ عن كتابٍ بيده اشتراه وهو مبتهج بشرائه له: أرِني هذا الكتاب الذي اشتريته.
لقد كان مقتضى الظاهر أن تقول له: أَرِنِيهِ، إلاَّ أنّك أردت إشعاره بالبلادة، وأنّه ليس أهلاً لاقتناء الكتب.
الغرض الرابع: إظهار فطانة المتكلّم أو المخاطب، حتّى كأنّ الأمْرَ الفكريّ غير المحسوس هو بالنسبة إليه يشبه الأمور الحسيّة، ومنه قول الشاعر:
تَعَالَلْتِ كَيْ أَشْجَى وَمَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدين قَتْلِي قَدْ ظَفِرْتِ بِذَلِِكِ
أي: ادّعَيْتِ العلّة كَيْ أَحْزَنَ مِنْ أجْلِكِ وَأَنْتِ سَلِيمة، أتُريدينَ قتلي بما تفعلين.
إنْ كنت تريدين قتلي فقد ظفرتِ بذلِكِ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول لها: قد ظفرتِ به.
الغرض الخامس: زيادةُ تمكين ما اسْتُخْدِمَ للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، ومنه قوله الله في سورة (الصّمد/ ١١٢ مصحف/ ٢٢ نزول) :
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الآيات: ١ - ٢] .
كان مقتضى الظاهر أن يكون التعبير: "هُو الصّمد" لكنّ بلاغة القرآن جاء فيها استعمال الاسم العلم الظاهر بدل الضمير، لتوكيد وتمكين إسناد الصفات في السورة إلى الله .
الغرض السادس: الاستعطاف بإعلان الخضوع، بغية استدرار الرحمة والشفقة، ومنه قول العبد الذي يستدر رحمة ربّه:
стр. 494
إلَهِي عَبْدُكَ الْعَاصِي أَتَاكَا ... مُقِرّاً بالذُّنوب وَقَدْ دَعَاكَ
كان مقتضى الظاهر أن يقول: "أنا العاصي أتَيتُكَ" لكنّه أراد أن يستعطف ربّه ويظهر كمال خضوعه له، فذكر الاسم الظاهر بدل ذكر الضمير.
الغرض السابع: إدخال الروعة والمهابة في نفس المخاطب، ومنه قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) خطاباً للرسول ﷺ :
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ [الآية: ١٥٩] .
إنّ مُقْتَضَى الظّاهر يستدعي أن يقال: "فتوكَّلْ عليه إنَّه يحبُّ المتوكلين".
لكن وُضع الاسم المظهر وهو لفظة الجلالة "الله" موضع الضمير لإِدخال الروعة والمهابة، نظراً إلى أن لفظ الجلالة يجمع كُلَّ صفات كمال الله ، باعتباره اسماً علماً للذات العليّة، وما هو اسم علم للذّات يكون جامعاً لكلّ صفات الكمال.
الغرض الثامن: التعجيب واستثارة الإِنكار، ومنه قول الله في سورة (ص/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) :
﴿ص والقرآن ذِي الذكر * بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ * وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هاذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [الآيات: ١ - ٤] .
جاء في هذا النصّ: ﴿وَقَالَ الكافرون﴾ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أنْ يُقَال: "وَقَالُوا" باستخدام الضمير، ولكن وُضِع الاسم المظهَرُ "الكافرون" مقام الضمير للتعجيب من فظاعة مقالتهم، واستثارة النكير عليهم، والإِشعار بأنّهم أهل تمرّدٍ وعناد، كافرون بالحقّ، ساترون لأدلّته وبراهينِه الواضحة.
***
стр. 495
القسم الثاني: الإِضمار في مقام الإِظهار.
ويلاحظ هذا القسم في موضعين:
الموضع الأول: ضمير الشأن أو القصّة، وهو ضمير الغائب الذي يقع قبل الجملة، ويسَمَّى ضمير الشأن إذا كان مذكّراً، وضمير القصة إذا كان مؤنَّثاً، ويعود كلُّ منهما إلى ما في الذهن من شأنٍ أو قصة، وذلك هو مضمون الجملة التي بعده.
وضمير الشأن أو القصة لا يحتاج إلى ظاهر يعود عليه، ولا يفسَّرُ إلاَّ بجملة.
ويُستعملُ ضمير الشأن أو القصة في مقام الاسم الظاهر في الأمر الذي يُرادُ فيه التعظيم والتفخيم، أو التهويل، أو الاستهجان، أو نحو ذلك.
ولهذا الضمير أربعة أحوال:
(١) أنْ يكون بارزاً متّصلاً، في باب "إنَّ" مثل قول الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لمقالة يوسف ﵇ لإِخوته:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ [الآية: ٩٠] .
أي: إنّ الشأنَ العظيم الّذِي يَعْظُمُ لدى أُولي الألباب هو "مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر ... ".
(٢) أن يكون بارزاً مُنْفَصلاً، إذا كان عامله معنويّاً، أي: إذَا كان مبتدأً، مثل قول الله :
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الآية: ١] .
أي: قل: الشأنُ العظيم الجليل الذي يجب أن يَهْتَمَّ بِه كُلُّ ذي فكر اللهُ أَحَدٌ ... .
стр. 496
(٣) أن يكون مستتراً، ويكون مستتراً في باب "كاد"، مثل قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) :
﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ... ﴾ [الآية: ١١٧] .
أي: من بعد مَا كادَ شأنُهُم المستنكر يَزِيغ قلوبُ فريق منهم، فضمير الشأن هنا مستتر، ولكن بقيَتْ دلالته.
(٤) أن يكون واجب الحذف، ويجب حذفه مع "أَنْ" المفتوحة المخففة من الثقيلة، مثل قول الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) :
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الآية: ١٠] .
أي: وآخر دُعَاءِ أهل الجنّةِ في الجنّة أنَّ شأَنَهُمُ المحمود أن يَحْمُدوا رَبَّهم قائلين: الْحَمْدُ للهِ رَبّ العالمين.
فضمير الشأن هنا محذوف وجوباً، ولا يجوز في العربية إظهاره.
والغرض من وضع ضمير الشأن موضع الاسم الظاهر التعظيم والتفخيم، أو التهويل، أو الاستهجان، أو نحو ذلك كما سبق، وهذا من خصائصه في أصل الوضع اللّغوي واستعمالات العرب له.
الموضع الثاني: الضمير في باب "نِعْمَ وبِئْسَ وَمَا جَرَى مجراهما" وهي أفعالٌ لإِنشاء المدح أو الذّمّ على سبيل المبالغة، وفاعل هذه الأفعال قد يكون اسماً ظاهراً، وقد يكون ضميراً مُسْتَتِراً وجُوباً مُمَيّزاً بكلمة "مَا" بمعنى شيْءٍ أو كلمةِ "مَنْ" بمعنى شخص، أو بنكرَةٍ عَامَّةٍ.
والغرض من الضمير المستتر في هذا الباب الإِبْهامُ به أوّلاً للتشويق واستثارة النفس، ويأتي التّمييز فيزيلُ بعض الإِبهام ويزيد تشويقاً لمعرفة المخصوص بالمدح
стр. 497
أو الذّم، وهذا من خصائص هذا الضمير في أصل الوضع اللّغويّ واستعمالات العرب له، ومن الأمثلة ما يلي:
* قول الله في وسورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ ... ﴾ [الآية: ٢٧١] .
أصلها: فنِعْمَ مَا، أي: فنعم هو شيئاً.
* وقولُ الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) بشأن كثير من اليهود:
﴿وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم والعدوان وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الآية: ٦٢] .
أي: لَبِئْسَ هو شيئاً قبيحاً كانوا يعملونه.
***
(٤) النوع الرابع
التَّعبير عن المستقبل بلفظ الماضي
من الخروج عن مقتضى الظاهر التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، والغرض من هذا التعبير الدلالة على تحقق الوقوع، وهو كثير في القرآن المجيد.
ومن روائعه ما كان على سبيل اقتطاع أحداث المستقبل التي سيتحقّق وقوعها حتماً، وتقديمها في صورة أحداثٍ تمَّ وقوعُها.
ومن الأمثلة قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أولائك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي
стр. 498
هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [الآيات: ٤٢ - ٤٤] .
فجاء في هذه الآيات وطائفة من الآيات بَعْدَها في السورة تَقْدِيمُ صُوَر من أحْداثِ المستقبل التي ستكون بِصِيَغِ أفعالٍ من أفعالِ الماضي، كأَنَّها أُمُورٌ قَدْ وقعت فعلاً ومضت للدّلالة على تحقُّقِ وقُوعها في المستقبل، ولإِعطاء الأحداث المستقبليَّة صُوَرَ قِصَص تَمَّ حُدُوثُها، فهي تُقَدَّم بتَصْوِيرٍ فَنِّيٍّ مطابق للواقِع.
ومعلومٌ لدى كلِّ ذَوَّاق للتَّصْويرِ الفَنِّي في القصَصِ أنَّ ما كانَ منها أكثر مطابقةً للواقع كان أكْثَرَ تأثِيراً في النفوس، واستثارةً للمشاعر.
***
(٥) النوع الخامس
التَّغْليب
التَّغْليب: إعطاء أحد المتصاحِبَيْن في اللّفظ، أو المتشاكِلَيْنِ المتشابِهَيْنِ فِي بَعْضِ الصفات، أو المتجاورين أو نحو ذلك حُكْمَ الآخَر.
ومن فوائده الإِيجاز في العبارة، مع فوائد بلاغية تُلاحَظُ في مُخْتَلِفِ الأَمثلة.
ويكون التغليب في أمور كثيرة، منها: تغليبُ المذكّر على المؤنّث، وتغليب الكثير على القليل، وتغليب المعنى على اللفظ، وتغليب المخاطب على الغائب، وتغليب أحد المتناسبين أو المتشابَهيْن أو المتجاوريْنِ على الآخر، وتغليب العقلاء على غيرهم، إلى غير ذلك من أمور.
الأمثلة:
* ذكر الله في القرآن الذين آمنوا والّذين كفروا في نصوص كثيرة،
стр. 499
ويدخل المؤمنات في الذين آمنوا، والكافرات في الّذين كفروا، لأنّ الاقتصار في اللفظ على المذكورين قد كان على سبيل التغليب.
* قول الله في سورة (صَ/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) :
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ [الآيات: ٧١ - ٧٤] .
جاء في هذا النّصّ وأشباهه ذِكْرُ الملائكة دُونَ ذِكْرِ مَنْ كَانَ معهم من الجنّ عَلى سبيل تغليب الكثير على القليل، فالذينَ كانوا مع الملائكة من الجنّ داخلون في عموم الامر بالسجود لآدم، دلَّ على هذا استثناء إبليس، فقد كان من الجن ففسق عن أمر ربه، ولو لم يكن الجنُّ الذين كانوا مع الملائكة مأمورين بالسجود لما استثناهُ اللهُ من عُمُومِ المأمورين به إذْ لم يَسْجُدْ.
* قول الله في سورة (الأحقاف/ ٤٦ مصحف/ ٦٦ نزول) حكاية لمقالة هود ﵇ لقومه:
﴿ولاكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ [الآية: ٢٣] .
كان مقتضى الظاهر أن يكون النص: قَوْماً يَجْهَلُون، بياء الغائب مراعاة للَفْظِ ﴿قَوْماً﴾ لكنْ جاء في النصّ تغليبُ المعنَى، فَهُوَ يُخاطبهم بقوله: ﴿أَرَاكُمْ﴾ فناسَبَ هذا المعنى أن يقول لهم ﴿تَجْهَلُونَ﴾ .
والغرض البلاغيُّ من هذا التغليب موجهتُهم بوصفهم بالجهالة، إذْ وصَلُوا إلى طَوْرِ العناد الشديد والتحدّي بأن يأتيهم بالإِهلاك الذي كان يُنْذِرُهُمْ به.
* ما جاء في قوله الله في سورة (طه/ ٢٠مصحف/ ٤٥ نزول) خطاباً لموسى ﵇، وهو في المناجاة بجانب الطّور، ولم يكن معه أخوه:
﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [الآيات: ٤٢ - ٤٤] .
стр. 500
ففي هذا النصّ تغليب المخاطب وهو موسى ﵇ بأسلوب الخطاب على الغائب وهو هارون ﵇، والغرض البلاغيّ اعتبار الغائب كأنه حاضِرٌ يتلقَّى الخطاب.
* إطلاق لفظ ﴿العالمين﴾ [الآية: ٢] في القرآن في سورة (الفاتحة) وفي بعض النصوص الأخرى على كلّ ما سوى الله، تغليباً للعقلاء على غيرهم.
* قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة ... ﴾ [الآية: ٢٧] .
أي: كما أخرجَ أَباكم وأمّكم، فقد جاء ذكرهما بعبارة ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ على سبيل التغليب، لما بينهما من علاقة، وغُلِّبَ الذكر على الأنثى.
ومنه ما هو معروف في استعمال الناس من إطلاق لفظ القمرين على الشمس والقمر.
***
(٦) النوع السادس
وضع الخبر موضع الإِنشاء ووضع الإِنشاء موضع الخبر
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر وضع الخبر موضع الإِنشاء، ووضع الإِنشاء موضع الخبر، لأغراض بلاغيّة متعدّدة.
أولاً: فمن أغراض وضع الخبر موضع الإِنشاء مايلي: الغرض الأوّل: التفاؤل بتَحَقُّق المطلوب، كالدُّعاء بصيغة الخبر، تفاؤلاً بالاستجابة، ومنه ما يلي:
* قول الرسول ﷺ : "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا".
стр. 501
غَفَر: فعل ماضٍ، فالصيغةُ خبر، وقد وُضِع موضع الإِنشاء، إذ المعنى: اللَّهُمّ اغْفِرْ، والغرض التفاؤل باستجابة الدعاء.
ومنه قول الشاعر:
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ ... لاَ تَرَكَ اللهُ لَهُ وَاضِحَهْ
كُلُّهُمْ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... مَا اللَّيْلَةَ بالْبَارِحَهْ
الواضحة: الأسنان الّتي تبدو عند الضحك.
ما أشبه اللّيلة بالبارحة: مثل يُضْرَبُ لِتَشَابُهِ الأُمُور.
لقد كان مقتضى الظاهر أنْ يدعو عليه بمثل: "اللَّهُمَّ كسِّرْ أسنانه" بصيغة الإِنشاء، لكن جاء بصيغة الخبر تفاؤلاً بأن يُسْتَجَابَ دُعاؤه.
الغرض الثاني: التأدُّب بالابتعاد عن صيغة الأمر، احتراماً لِمَنْ يُوجَّهُ له الطَّلَب، كأن يقول رافعُ خطابِ طلبٍ للأمير أو الرئيس: "يتكرَّمُ الأَمِيرُ بِأَنْ يطّلِعَ على خطابي، ويَنْظُرَ في طَلَبِي".
الغرض الثالث: التنبيه على أنّ المطلوب يسير سهل، قد توافرت أسبابه، كأن يقول القائد لجنده في بدء المعركة: "أنتم تحُسُّونَهُمْ حَسّاً، تَقْتُلُونَ ذوي البأسِ منهم، وتُطَاردُونَ الفارّين، وتأسِرونَ سَائِرَهم".
أي: افعلوا كذا وكذا.
الغرض الرابع: إظهار الرغبة في حصول المطلوب، كأن تكتُبَ رسالة لقريب أو صديق غائب، تقول فيها: "جَمَعَ اللهُ شَمْلَنَا، ووصَلَ ما انقطع من حبالنا، وأمْتَعَنا بأيَّامِ أُنْسِ وصَفَاء، كما كُنَّا قَبْلَ زَمَانِ الْبُعْدِ والْغُرْبَة".
الغرض الخامس: التنبيهُ على لزوم سُرْعة امتثال الأمر التكليفي، وأنه ينبغي
стр. 502
ألاَّ يَمُرَّ زَمَنٌ إلاَّ والمطلوب متحقِّقُ الوقوع، ومنه قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً لبني إسرائيل:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [الآية: ٨٤] .
أي: لاَ تَسْفِكُوا دِماءَكُمْ، ولا تخرجُوا أنفسكم من دياركم، فجاء التكليف بصغية الخبر وبعبارة الفعل المضارع للإِشعار بلزوم فورية الامتثال.
الغرض السادس: حمل المخاطب على الفعل بألطف أسلوب، كأن تقول لتلميذك الحريص على أنه لا يكذّبك فيما تخبر عنه من أحداث المستقبل.
"تلميذي حُسَين يخطُبُ غداً يوم الجمعة عنّي في المسجد الجامع بموضوع كذا ... ".
إلى غير ذلك من أغراض قد تتفتَّق عنها أذهان البلغاء الأذكياء.
ثانياً: ومن أغراض وضع الإِنشاء موض الخبر ما يلي:
الغرض الأول: إظهار العناية والاهتمام بالشيء، ومنه قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الآية: ٢٩] .
كان مقتضى الظاهر أن يُقَال: وبإقامَةِ وُجُوهِكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وبدُعَائِكم مُخْلِصين له الدِّين، عطفاً على لفظ ﴿بالقسط﴾ وبأسلوب الخبر، لكن خُولِف هذا الظاهر فجاء التعبير بأسلوب الإِنشاء في صيغة الأمر التكليفي، إشعاراً بالاهتمام بالمطلوب في أمر التكليف.
الغرض الثاني: التفريق في أسلوب الكلام بين المتقارنين في العبارة للإِشعار
стр. 503
بالفرق بينهما، وبأنهما لا يحسُن الحديث عنهما بتعبيرين متثماثلَيْن، ولو في الصيغة الكلاميّة، ومن الأمثلة قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) في حكاية قول هودٍ ﵇ لقومه:
﴿قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ٥٤] .
كان مقتضى الظاهر أن يقول لهم: إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَأَشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكون.
لكن جاء التعبير على خلاف مقتضى الظاهر هذا، لئلا يكون التحدّث عنهم وهم كفرة مشركون بعبارة مُشابهة للعبارة الّتِي جاء فيها إشْهَادُ الله عزّ جلّ.
الغرض الثالث: الإِشعار بأنّ ما هو مُقَرَّرٌ حصولُهُ هو أمْرٌ مرغوبٌ فيه للمتحدّث، فكأنّه مطلوبٌ له، ومن أمثلته قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح:
"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
كان مقتضى الظاهر يستدعي أن يقول: فإنّه سيَتَبَوَّأُ مَقْعدَهُ من النار، بأسلوب الخبر، لكن عدل الرسول عن ذلك وجاء بأسلوب الإِنشاء "فَلْيَتَبَوَّأْ" للإِشعار بأنّ هذا التَّبُّوءَ أمر يَطْلُبُه الرسول ﷺ ويدعو ربّه به.
إلى غير ذلك من أغراض بلاغيّة قد تتفتَّق عنها أذهان البلغاء الأذكياء.
***
(٧) النوع السابع
الانتقال من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر الانتقال في تتابع الجمل من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس.
стр. 504
ولهذا الانتقال أغراض بلاغيّةٌ يقصدها البلغاء، ويكتشف متدبّر النصوص الرفيعة أغراضاً نفيسة تُقْصد بهذا الانتقال.
* فمن الانتقال من الماضي إلى المضارع فالماضي قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) :
﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور﴾ [الآية: ٩] .
كان مقتضى الظّاهر بَعْدَ فعل ﴿أَرْسَلَ﴾ الماضي أن يُعْطَفَ عليه بفعل ماضٍ فيقال: "فأثارت" لكن عُدِلَ عن هذا الظاهر إلى: ﴿فَتُثِيرُ﴾ بالمضارع بُغْيَة تقديم صُورَةِ السَّحابِ المثار كأنّه حدَثٌ يجري مع تلاوة النَّصّ، وهذا أسلوب فَنِّيٌّ بديعٌ، فيه إحضارٌ للمشاهد الماضية في صُوَر المشاهد الحاضرة الجارية، ذاتِ الأحداث المتجدّدة، إذ الفعل المضارع يفيد مع الحدوث الحاضر ظاهرة التجدّد والتتابع.
يضافُ إلى هذا الغرض التنويعُ في أسلوب التعبير الذي يستثير الانتباه ويستدعيه بقوة.
ونلاحظ في هذه الآية العود إلى الفعل الماضي بقوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ - فَأَحْيَيْنَا﴾ للتأكد على أنَّ الغرض من التعبير بعبارة: ﴿فَتُثِيرُ﴾ تَصْوِيرُ حَدَثٍ مضَى بصُورَةٍ حدثٍ يجري في الحاضر.
* ومن الانتقال من المضارع إلى الماضي قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في وصق بعْضِ أحداث يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [الآية: ٨٧] .
داخِرِين: أي: أذِلاَّء صاغرين خاضعين.
стр. 505
كان مقتضى الظاهر يستدعي أن يُقال: ﴿فَفَزِعَ﴾ بالفِعْل المضارع عطفاً على فعل ﴿يُنفَخُ﴾ لكن عُدِلَ عن هذا الظاهر لتقديم الأحداثِ الّتي ستأتي في المستقبل في صورة أحداثٍ قَدْ وقَعَتْ وَمَضَتْ.
ومع ما في هذا الأسلوب من تنويعٍ يَسْتَثير الانْتِبَاهَ، فهو يتضمَّن تأكيد أنّ هذا الأمْرَ الّذي سيحدث مستقبلاً هو بقوة الأمر الذي وقع في الماضي، إذْ مجيئُهُ في المستقبل حتميٌّ، وحتميَّةُ وقوعه في المستقبل تَسْمَحُ بالتحدُّثِ عَنْهُ بصيغة الفعل الماضي، كما يقول الماهر بالرَّمْي إذا أطْلَقَ قذيفةً مُسَدَّدَةً إلى الْهَدَفِ بدقَّةٍ تَامَّة: "لَقَدْ أصَابَتِ الهدفَ" مع أنَّها ما زالَتْ تَسِيرُ في الجوّ لم تَصِلْ بَعْدُ إلى الْهَدَف.
وهذا فنٌّ بديع من فنونِ الإِبداع البيانيّ البليغ، ولكنّ استخدامه يحتاج قدرة بيانيّةً رفيعةً، تمكّن المتكلّم من اختيار المواضع الملائمةِ لاستخدامه.
***
(٨) النوع الثامن
تجاهل العارف
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر "تجاهُل العارف" إذْ الأمور التي تجري على طبيعتها بالتِّلْقائيّة أن يتكلّم العارف بالأمر على وفق معرفته له، ولكن قد تدعوه بلاغيّة إلى التظاهر بالشّكّ أو الجهل.
ومن الدواعي البلاغية لهذا: "المدح - الذَّمّ - التعجّب - التوبيخ".
أمثلة:
* قول الشاعر:
أَلَمْعُ بَرْقٍ جَرَى أَمْ ضَوْءُ مِصْبَاحِ ... أَمِ ابْتِسَامَتُهَا بِالْمَنْظَرِ الضَّاحِي
стр. 506
المنظر الضاحي هو المنظر البارز الواضح.
يريد الشاعر أن يصف ابتسامة مالكةِ هواه بأنها ابتسامة مضيئة، فأراد تأكيد هذه الفكرة بطرح تشكيك حول ثلاثَةِ أُمُورٍ باعِثاتِ ضوء، وهي: "لَمْعُ البرق - ضوء مصباح - بَرِيقُ ثَغْرِها" وهو عارفٌ غير جاهل، فبريق ثغرها هو الذي أثار مشاعره، فأراد أن يُثْنِيَ عليه بطرح اختلاطه في تصوّره بالأشياء والنظائر، مع تأكيد أن ابتسامتها ذات بريق.
* قول البوصيري:
أَمِنْ تَذَكُّر جِيرَانٍ بذي سَلَمِ ... مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ ... وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ في الظَّلْمَاءِ مِنْ إضَمِ
يُريدُ تأكيد بُكَائِه المختلطِ بالدّمّ، بطرح تشكيكه في الأسباب الداعية إلى ذلك، أَهِيَ التذكر، أم الريح الّتي هبَّتْ من أرض محبوبه، أم البرق الذي أومض من جِهَتِها، وهو عارف بأن السبب هو التذكُّر.
* قول المتنبّي:
مَالِي أُكَتِّمَ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسِدي ... وتَدَّعِي حُبَّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الأُمَمُ
بَرَى جَسَدِي: أي: أنْحَلَهُ وَأَضْنَاهُ.
قال العكبري في شرح هذا البيت: يقول: لأَِيّ شيْءٍ أُخفِي حُبَّه؟ وغيري يُظْهِرُ أنَّه يُحِبُّه، وهُوَ بخلافِ مَا يُضْمِر، وَأَنَا مُضْمِرٌ مِنْ حُبّهِ مَا يَزيدُ مُضْمَرُهُ عَلَى ظَاهِره، ومَكْتُومُهُ عَلَى شَاهِدِهِ، والأُمَمُ تَشْرَكُنِي في ادّعاءِ ذَلِكَ، بقلُوبٍ غير خَالِصَة، ونَيَّاتٍ غَيْر صَادِقَةٍ، فَيَنْحَلُ جِسْمِي بِقِدَمِي في صِدْقِ وُدِّهِ، وَتَأَخُّرِي فِيمَا يَخُصُّنِي من فَضْلِه".
إنّه على طريقة تجاهل العارف قال: "مَالِي أُكَتِّمُ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسَدِي" لتأكيد حُبِّه له بتساؤله عن سبب تكتُّمِه بهذا الحب.
***
стр. 507
(٩) النوع التاسع
القلب
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر "الْقَلْبُ" ويكون القلْب بإجراء التبادل بين جزئين من أجزاء الجملة لغرضٍ بلاغيّ يستحسنُه الفطناء، وَيُلْحَقُ به القلب في التشبيه.
وأُمثّل للقلب في التشبيه بقولي صانعاً مثلاً:
تَدَاوَلَ الإِلْمَاحَ بَدْرُ الدُّجَى ... كَوَجْهِ هِنْدٍ مِنْ وَرَاءِ الشَّبَكْ
والْوَرْدَةُ الْحَسْناءُ فِي غُصْنِهَا * وَجْنَتُهَا مَدَّتْ إليْنَا الشَّرَكْ*
واستعمل القلب في التشبيه يتضمّن ادّعاء أنّ الصفات في المشبّه أفضل منها في المشبه به، فيأتي القلب أبلغ إذا كان التشبيه دقيقاً متقناً مختاراً ببراعة.
* ومن القلب قول الشاعر: "يكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ".
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: تَكُونُ مِزَاجَ الْعَسلِ والماءِ، إلاَّ أن الشَاعرَ أجرى القلب بين جزئين جملته.
* ومن القلب قول الشاعر يصف ناقته.
فَلَّمَا أَنْ جَرَى سِمَنٌ عَلَيْهَا ... كَمَا طَيَّنْتَ بِالْفَدَنِ السِّيَاعَا
الفَدَن: القصر.
السِّياع: الطين المخلوط بالتبن يُطَيّن به البناء.
وحسَّنَ هذا القلبَ إذْ كان الغرض منه الإِشعارَ بأنّ الطين كان أكثر من القصر، حتَّى كأنَّ القصر هو الذي كان طيناً للطين.
стр. 508
ملاحظات:
الأولى: حين لا يتضمّن القلب غرضاً مقبولاً لدى البلغاء والأدباء يكون سَمِجاً مرفوضاً، كقول عُرْوَةم بن الْوَرْد.
"فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالي".
إنّ ما يتبادر إلى الذهن هو أنه يؤثر نفسه، ولا يفدي محبوبه بنفسه وماله.
الثانية: أرى أنّ من القلب أن يُوجّه الأب مثلاً لابنه تكليفاً بعمل بصورة مقلوبة، فيقول له مثلاً: "أعطني نقوداً لأذهبَ إلى السّوق وأشتري لك فاكهة"، أي: خذ منّي النقود وأحضر الفاكهة من السّوق.
الثالثة: وأرى أنّ من القلب أنْ يلاحظ البليغ أنّ عند غيره كلاماً يتلجلَجُ في صدره، ويريد أن يقوله له، إلاَّ أنّه يكتمه خجلاً، أو خوفاً، أو تأدُّباً، أو غير ذلك، فيقول عنه، لكنَّه يخاطبُه به، كأن يقول لزائره الذي يُكثر من زيارته، وفي نفسه أن يوجّه له عتاباً على أنّه لا يقابله بالمِثْلْ، في شعر صنعتُه مثلاً لهذا:
مَالِي أزُورُكَ في شَوْقٍ وَفِي حَدَبٍ ... وَأَنْتَ تَهْجُرُنِيْ في الْفِكْرِ والنُّزُلِ
مَا هَكَذا يَصْنَعُ الأَحْبَابُ مَا صَدَقَتْ ... حِبَالُ وِدِّهم فِي الْقَوْلِ والْعَمَلِ
أي: من حَقِّكَ أَنْ تقولَ لي هذا الكلام.
***
стр. 509
" علم المعاني" الباب الثالث: القصر
стр. 510
(١) تعريف القصر
القصر: يأتي في اللّغة بمعنى التّخصيص، يقال لغة: قَصَرَ الشَّيْءَ على كذا، إذا خصّصه به، ولم يجاوز به إلى غيره. ويُقالُ: قَصَر غلَّةَ بستانه على عياله، إذا جعلها خاصّةً لهم، وقَصَر الشيءَ على نفسه، إذا خصَّ نفسَه به، فلم يجعل لغيره منه شيئاً.
ويأتي الْقَصْر أيضاً بمعنى الحبْسِ، يُقال لغة: قَصَر نفسه على عبادة رَبّه، إذا حَبَسها على القيام بعبادة ربّه، وقَصَر جُنْدَهُ على ممارسة التدريب العسكريّ في القلعة، إذا حَبَسَهُمْ وألزَمَهُمْ بذلك فيها.
والقصر في اصطلاح علماء البلاغة: تخصيص شيءٍ بشيءٍ بعبارة كلاميّةٍ تدلُّ عليه.
ويقال في تعريفه أيضاً: جعْلُ شيءٍ مقصوراً على شيءٍ آخر بواحدٍ من طُرُقٍ مخصوصة من طُرُق القول المفيد للقصر.
والمقصور عنه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون جميع ما سوى المقصور عليه، ويسمَّى عند البلاغيين "قصراً حقيقيّاً" مثل: "لا إلاه إلاَّ الله" أي: لا يُوجَدُ في الوجود كُلّه معبودٌ بحقٍ سوى الله .
وهذا "القَصْر الحقيقيّ" إذا كان مضمونه مطابقاً للواقع سمّوه "حقيقيّاً تَحْقيقيّاً" أي: صادقاً مطابقاً للواقع.
стр. 511
وإذا كان غير مطابق للواقع، وإنما ذُكر عَلَى سبيل المبالغة والادّعاء المجازيّ، سمَّوْهُ "حقيقيّاً ادّعائيّاً" أو مجازيّاً" مثل قولهم: لا سيف إلاَّ ذو الفقار.
الوجه الثاني: أن يكون المقصور عنه شيئاً خاصّاً يُرادُ بالْقَصْر بيانُ عَدَم صحَّةِ ما تصوَّرَهُ بشأنه أو ادَّعاهُ المقصودُ بالكلام، أو إزالة شكّه وتردّده، إذا الكلام كلُّه مُنْحَصِرٌ في دائرة خاصّة، ويسمَّى "قصراً إضافيّاً" أي: ليس قصراً حقيقيّاً عامّاً، وإنّما هو قَصْرٌ بالإِضافة إلى موضوع خاصٍّ يدور حول احتمالين أو أكثر من احتمالاتٍ محصورة بعَدَدٍ خاصّ، ويُسْتَدلُّ عليها بالقرائن.
مثل: ﴿وَمَا مَحمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ [آل عمران: ١٤٤] لقد جاء هذا البيان لتصحيح تصوُّر الَّذِين يتوهَّمُونَ أنّ محمداً رسولٌ لاَ يموتُ كما يموت سائر الناس.
فالموضوع الخاصّ الذي يدور الكلام حوله هو كون محمّدٍ رسولاً مبرَّءاً من أن يكون عرضةً للموت، فجاء النصّ مبيّناً قَصْرَهُ علَى كونه رسولاً فقط، والمقصورُ عنه أمْرٌ خاصٌّ هو كونه لا يموت، لا سائر الصفات غير صفة كونه رسولاً، إذْ له صفات كثيرة لا حصر لها، وهي لا تدخل في المقصور عنه.
إذن: فالقصر في هذا المثال هو من قبيل "القصر الإِضافي".
***
(٢) أقسام القصر بحسب أحوال المقصور والمقصور عليه
كُلٌّ من القصر الحقيقيّ والقصر الإِضافي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: قصر موصوف على صفةٍ دون غيرها.
ويكون قصراً حقيقاً، وقصراً إضافياً.
стр. 512
القسم الثاني: قصر صفةٍ على موصوفٍ دون غيره.
ويكون قصراً حقيقاً، وقصراً إضافياً.
وليس المقصود بالوصف في باب القصر النعتَ النحويَّ الذي يَتْبَعُ منعوتَه، بل هو كلُّ معنىً من المعاني يتّصف به موصوف ما، كالفعل يتصف به الفاعل باعتبار كونه فاعلاً، ويتصف به المفعول به باعتبار كونه مفعولاً به، كَالخبر يتَّصفُ به المبتدأ، وكالحال يتّصفُ به صاحبُ الحال، وكَفِعْلٍ مَا يتَّصفُ بكونه قد وقع في مكانٍ ما أو زمانٍ ما، وهكذا.
فقد يريد المتكلّم أن يَقْصُرَ مثلاً الفعلَ على الفاعل، أو على المفعول به، أو يقصر الخبر مثلاً على المبتدأ، أو الحال مثلاً على صاحب الحال، وهكذا.
وقد يريد المتكلّم أَنْ يقصر مثلاً الفاعل أو المفعول به على الفعل، أو المبتدأ مثلاً على الخبر، أو صاحب الحال على الحال، وهكذا.
الأمثلة: * حينما نقول: "لاَ إلاه إِلاَّ الله" فإنّنا نقصر وصف الإِلَهيّة الحق على موصوف هو الله وحده "هذا من قصر الصفة على الموصوف - وهو قصر حقيقي".
* وحينما نقول: "ما لإِبليس من عمل في الناس إلاَّ الوسوسة والإِغواء" فإنَّنا نقصر عمل إبليس في الناس على صفتي الوسوسة والإِغواء.
عمل إبليس في النّاس موصوف، والوسوسة والإِغواء صفة "هذا من قصر الموصوف على الصفة".
فإذا كان لا صفة لعلمه في الناس بحسب الواقع إلاَّ الوسوسة والإِغواء كان قصراً حقيقيّاً، وإذا كان لعمله صفات أخرى غير الوسوسة والإِغواء كان قصراً إضافيّاً.
стр. 513
* وحينما نقول: "ليس في كلام الله باطلٌ بل كُلًُّه حقٌّ" فإننا نقصر كلام الله في موضوع الحق والباطل على صفة كونه حقاً "هذا من قصر الموصوف على الصفة - وهو قصر إضافي".
* وحينما نقول: "علم قيام الساعة عند الله لا عند غيره" فإننا نقصر علم قيام الساعة على الله وننفيه عن غيره "هذا من قصر الصفة على الموصوف - وهو قصر حقيقيّ".
* وحينما نقول: "طاف الرسول ﷺ حول الكعبة راكباً ناقته لا ماشياً" فإننا نقصر طواف الرسول على حالة الركوب، دون المشي، "هذا من قصر الموصوف وهو الطواف على الصفة وهي كونه ركوباً_ وهو من القصر الإِضافي".
* وحينما نقول: "إنّما تُشْرِق الشَّمْسُ في النهار" فإننا نَقْصُر شروق الشمس على كونه في النهار دون اللّيل "هذا من قصر الموصوف وهو شروق الشمس على الصفة وهي كونه في زمن النهار - وهو من القصر الإِضافي لأن الشروق له صفات أخرى كثيرة غير كونه في النهار، لكنّ الموضوع المتحدَّث عنه خاص بزمن الشروق".
***
(٣) أركان الْقَصْر
ممّا سبق يتضح لدينا أنّ للقصر أربعة أركان:
الركن الأول: المقصور، صفةً كان أو موصوفاً.
الركن الثاني: المقصورُ عليه، صفةً كان أو موصوفاً.
الركن الثالث: المقصورُ عنه، وهو المنفيُّ المستَبْعَدُ بالْقَصر.
стр. 514
الركن الرابع: القولُ الْمَقصُورُ به.
(١) ففي كلمة التوحيد: "لاَ إلاه إِلاَّ الله" وهي من القصر الحقيقي بقصر صفةٍ على موصوف:
* المقصور: صفة الإلهية للمعبود بحقّ.
* المقصور عليه قصراً حقيقيّاً: الله الموصوف بأنَّه الإله بحقّ.
* المقصورُ عنه: كلُّ ما سوى الله .
* القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "لا.. إلاَّ.. ".
(٢) وفي عبارة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وهي من القصر الإِضافي بقصر موصوف على صفة:
* المقصور: "محمّد" الموصوف بأنه رسول.
* المقصور عليه قصراً إضافياً: صفة رسالته، المفهومة من "رسول".
* المقصور عنه قصراً إضافياً: صفة تبرُّئِه من أن يكون عرضةً للموت، لتصحيح تصوُّر متوهمي ذلك فيه، ظانين ظنّاً توهميّاً أنه لا يموت.
* القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "مَا ... إلاَّ ... ".
***
(٤) أقسام الْقَصْر بحسب أحوال من يوجّه له الكلام
من المعلوم أنّ الكلام يوجّه لمن يراد إعلامه بمضمونه وهو خالي الذّهن، أو يراد تصحيح تصوّره الذي هو مخطىء فيه بحسب اعتقاد مُوَجِّه القول، أو يُرادُ رَفْعُ شَكِّه وتردّده، ويستخلص من هذا أربعة أقسام في القصر:
стр. 515
القسم الأول: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهاً لخالي الذّهن، أو إعلاناً عن اعتقاد المتكلم، أو اعترافه بمضمون ما يقول، أو تعبيره عما في نفسه لمجرّد الاعلام به، وأُسمِّيهِ: "قصراً إعلامياً ابتدائياً".
وأشير إلى أنَّ البلاغيين لم يذكروا هذا القسم اكتفاءً بالمفاهيم العامّة المعروفة من توجيه الكلام.
القسم الثاني: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهاً لمن يُرادُ إعلامُه بخطأِ تصوُّرِهِ مُشَارَكةَ غيرِ المقصور عليه في المقصور.
ويُسمِّي البلاغيُّون هذا "قَصْرَ إفراد".
مثالُه: يعتقد المشرك أنّ الأربابَ التي يُؤْمِنُ بها تَخْلُق، كما أنَّ اللهَ يخلُق، فنقول لَهُ: "لاَ خَالِقَ إلاَّ الله".
هذا قصر حقيقيٌّ، من قصر الصفة على الموصوف، ويُرادُ منه إفراد الله بالخلْقِ، ونَفْيُ صفةِ الخلْقِ عن كلّ ما سواه ومن سواه من الشركاء، لتعريف الخالفِ بأنه مخطىء في تصوّره مشاركةَ غَيْرِ اللهِ للهِ في الخلْق، فهو "قَصْرُ إفراد".
القسم الثالث: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجّهاً لمن يُرادُ إعلامه بخطأ تصوُّره نسْبَةَ المقصور إلى غَيْر المقصور عليه.
ويُسَمِّي البلاغيون هذا "قَصْرَ قَلْب".
مثاله: يعتقد الملحد الذي يَجْحَدُ وجُود اللهِ ، وينْسُبُ أحداثَ الكون المتقنة العجيبة إلى التطوّر الذاتيّ، وإلى المصادفات، فنقول له: "لا مُحْدِثَ لأحداث الكون إلاَّ الله".
هذا قصرٌ حقيقيٌّ، من قصر الصفة التي هي إِحْداثُ أَحْداثِ الكون، على موصوف واحدٍ هو الله ، ويُرادُ منه قلْبُ تصوُّر من يُوَجَّهُ له الخطاب،
стр. 516
وتعريفُهُ بأنَّ ما يَنْسُبُه إلى التطوُّر الذّاتي وإلى المصادفات هو لله وحده، فهو "قَصْر قلْب".
القسم الرابع: أن يكون الكلام المشتملُ على القصر موجَّهاً لمن يُرادُ إزالَةُ تردُّدِه وشكِّهِ، هل المقصورُ منسوبٌ إلى المقصور عليه أوْ إلى غَيْره.
ويُسمِّي البلاغيّون هذا "قَصْرَ تعْيين".
مثاله: يسأل متردّد شاكٌّ: هل لفظ الكسوف يُسْتَعْمَل لاختفاء ونقصان ضوء الشمس أو نور القمر، فنقول له: "لا يُسْتَعْمَل لفظ الكسوف إلاَّ للشمس، أمّا ما يحدث للقمر فيُسَمَّى الْخُسُوف".
هذا قصرٌ إضافي، لأنّ كلمة "الكسوف" تُسْتَعْمَلُ لمعانٍ أخرى غير ما يحدث للشمس، ومنها تنكيس الطَّرْف، وهو من قصر الصفة على الموصوف. وُيرَادُ منه إزالة شكِّ وتردّد من يوجّه له القول بتعيين المقصور عليه، فهو "قصْرُ تعيين".
ملاحظة:
يرى البلاغيّون أنّ "قَصْرَ الإِفراد، وقَصْرَ الْقَلْبِ، وقَصْر التَّعْيِين" أقسامٌ للقصر الإِضافِيّ فقط، إلاَّ أنّي لست أرَى هذا، ففي الأمثلة الّتي أَوْرَدْتُها للأقسام، منها ما هو قصْرٌ حقيقيٌ، منها ما هُو قَصْرٌ إضافي.
فالأقسام الأربعة السابقة نستطيعُ أن نعتبرها أقساماً للقَصْر بوجْهٍ عَامّ، وحَالُ المقصود بتوجيه الكلام له هي التي تحدّد كون الْقَصْر قَصْرَ إعلامٍ ابتدائي، أو قَصْرَ إفراد، أو قصر قلب، أو قصر تعيين.
***
стр. 517
(٥) طُرُقُ القصر
يُسْتفادُ القصر بعدة طرق:
الطريق الأول: أن يكون بعبارة تدلُّ عليه بمادَّتها اللّغويَّة صراحةً، مثل: "دخولُ مكةَ مقصورٌ على المسلمين - غرفة القصر العليا خاصّةٌ بسيِّد القْصَر - سبق الفارس خالدٌ جميعَ الْمُتَسابقين - دخل الزوج إلى مخدع العروس وحده - سدُّ الصّين أعظم سَدٍّ في الأرْض وأطولُه - أبو حنيفة مُنْفَرِدٌ من بَيْنِ المجتهدين في باب الاعتماد على الرأي الثاقب".
***
الطريق الثاني: أَنْ يكون بدليلٍ خارجٍ عن النصّ، كدليل عقلي، أو دليل حِسِّي، أو دليل تجريبي، أو دليل من القرائن الذّهنيَّةِ أو الحاليّة، مثل:
"فلانٌ رئيسُ الجمهوريّة - اللهُ رَبُّ السّماوات والأرض وهو على كُلّّ شيءٍ قدير - تبثُّ الشَّمْس ضياءها على الأرض فَتُمِدُّها بالحرارة -.
لاَ يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأَذَى ... حتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوانِبِهِ الدَّمُ
أَرُوِني أُمَّةً بَلَغَتْ مُنَاهَا ... بَغَيْرِ الْعِلْمِ أَوْ حَدِّ الْيَمَانِيّ
لكِنَّ الْقَصْرَ بواحدٍ من هذين الطريقين لا يدخل في اهتمامات علماء البلاغة تفصيلاً وتقسيماً وشرحاً، إلاَّ أنّ القصر المستفاد بواحد منهما - فيما أرى - مشمولٌ بكلّ أحكام القصر وتفصيلاته من جهة المعنى، والسبب في أنَّ البلاغيين لم يوجّهوا لهما اهتماماتهم، أنّهما طريقان يتعذَّر حَصْر عناصرهما أو يَعْسُر.
واهتم البلاغيون بتحديد وشرح وتقسيم وتفصيل الطريقين الآتيين "الثالث والرابع" فهو القصر الاصطلاحي المدوّن عند علماء البلاغة، والذي وجهوا له عنايتهم وفيما يلي شرحهما:
***
стр. 518
الطريق الثالث: أن يكون القصر ببعص الأدوات التي تدلُّ عليه بالوضع اللّغوي، وهي: النفي والاستثناء - وكلمتا "إنَّما" و"أَنَّما" - والعطف بالحروف التالية: "لا - بل - لكن".
وفيما يلي الشرح:
أولاً: النفي والاستثناء، مثل: "لاَ إلاه إِلاَّ الله - مَا مِنْ إلَه إلاَّ الله - ومَا كان لنفس أن تموت إلاَّ بإذن الله - وَإِنْ مِنْ شيءٍ إلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُه - فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُم لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إلاَّ قَلِيلاً - وقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَة - قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لنا" ومثل إلاَّ في الاستثناء كلمة "غَيْر" ونحوها. ومثل النفي ما يدلُّ على معناهُ، كالاستفهام.
ويكون المقصور بالنفي والاستثناء هو ما قبل الاستثناء صفةً كان أو موصوفاً، أمّا المقصور عليه فهو ما بعد أداة الاستثناء.
النفي ... الْمَقْصُورُ ... ... ... ... أداة الاستثناء ... المقصور عليه
ما ... مُحَمَّدٌ (موصوف) ... ... ... إلاَّ ... ... رسول "صفة"
لا ... صاحب للرسول في الغار (صفة) إلاَّ ... ... أبو بكر الصديق "موصوف"
لن ... يُصِيبَنَا "أي: مُصِيب ما" ... ... إلاَ ... ... مَا كتب الله لنا "صفة"
وهو "موصوف" ... ... ... ... ... ... ... أي: صِفَةُ ما يُصِبَنَا أنَّه
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... مكتوبٌ لنا لا علينا
ثانياً: كَلِمتا "إنَّما" بكَسْر الهمزة، و"أنَّما" بفتح الهمزة، والمقصور بواحد منهما هو ما يلي الأداة، والمقصور عليه هو الذي يجيءُ بعده.
أمثلة:
قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ ... ﴾ [الآية: ١١١] .
أي: لا يكسبُهُ إلاَّ على نفسه، والمعنى أنّ المكسُوبَ من الإِثم "وهو هنا موصوف" مقصور على صفة واحدة هي كونه على نفس الكاسب.
стр. 519
فهو من قصر موصوف على صفة، أي: لا يضرّ به إلاَّ نفسه، وظاهرٌ أنَّه من قسم القصر الإِضافي، إذ الكلام يدور في دائرة الجزاء عند الله، أمّا في غير دائرة الجزاء الرّبّاني فقد يضرّ كاسب الإِثم به غيره من عباد الله ضرراً دنيويّاً.
* قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) خطاباً لرسوله:
﴿قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلاهكم إلاه وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [الآية: ١٠٨] .
في هذا النَّصّ قَصْران: أحدهما بأداة "إنَّما" بكسر الهمزة والآخر بأداة "أَنَّما" بفتح الهمزة.
وهذان القصران مساويان لقولنا: ما يُوحَى إليَّ إلاَّ أَنَّه ما إلهكم إله واحد.
فالْمَقْصُورُ بالأداة الأولى "إنَّما" هو الموحَى به، وهو هُنَا "موصوفٌ" والمقصورُ عَلَيْهِ مَضْمُونُ جُمْلَةِ "أَنَّمَا إلهكم إله واحداٌ" أي: وحدانية إلهكم، وهو هنا "صفة" أي: صفة الموحَى به كونُ مضْمُونِه هذه الحقيقة.
والمقصور بالأداة الثانية "أَنَّما" هو "إلهكم" وهو هنا "موصوف".
والمقصورُ عليه هو كونُه إلها واحداً، وكونه إلهاً واحداً صِفَةٌ.
فالمثالان من قصر مَوْصُوفٍ على صِفَةٍ، وظاهر أنهما من قبيل القصر الإِضافي، إذ الكلام مع المشركين يدور في دائرة التوحيد والشرك، ومن المعلوم أنَّ الله كان إبَّانَ نُزولَ النّصّ يُوحِي إلى رَسُولِهِ بياناتٍ ومعلومات أُخْرَى غير كون إلههم إلها واحداً.
* قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) خطاباً للذين آمنوا:
стр. 520
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين﴾ [الآية: ٩٢] .
أي: لاَ يَجِبُ عَلى رَسُولِنَا إلاَّ البلاغُ المبينُ.
المقصورُ بأداة "أَنَّما" هو الوجوبُ على الرسول، وهو هنا "صِفَةٌ" والمقصورُ عليه هو البلاغ المبين، وهو هنا "موصوف" فهو من قصر صفة على موصوف أي: صفةُ تكليف الرسول مقصورةٌ على موصوف هو تبليغهُ ما أَمَرَهُ الله بتبليغه بَلاَغاً مبيناً.
وهذا القصر هو من قبيل القصر الإِضافي، إذ الكلام حول مسؤولية الرسول ﷺ تجاه قومه في موضوع رسالته، ولا يدخل في هذه الدائرة الخاصة ما يجب على الرسول من واجبات أخرى تجاه ربِّه وتجاه أصحاب الحقوق، وواجبات أخرى غير ذلك.
* ونقول في قصر الموصوف على الصف: "إنّما اللهُ إله واحد" وهو قصر إضافي.
ونقول في قصر الصفة على الموصوف: "إنما الإله الله" وهو قصر حقيقي.
ثالثاً: العطف بالحروف التالية: "لا - بَلْ - لكن".
(١) أمَّا كلمة "لا" العاطفة فَيُعطَفُ بها لإِخراج المعطوف ممّا دخل فيه المعطوف عليه، مثل: أكَلْتُ بصَلاً لا عَسَلاً، ولبستُ خزّاً لاَ بزّاً، وللعطف بها ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المعطوف بها مفرداً، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بإيجاب أو أمْرٍ أو نداء.
الثالث: أن لا يَصْدُقَ أحد معطوفيها على الآخر، وهذا الشرط بدهي.
والعطف بكلمة "لا" يفيد الْقَصْر، وكلٌّ من المقصور والمقصور عليه يأتيان
стр. 521
قبل أداة العطف، وكلٌّ منهما قد يكون هو المعطوف عليه، أمّا المعطوف بها فهو مقصور عنه، ففي قولنا: حامل راية المسلمين في فتح خيبر عليٌّ لا غَيْرُه.
عليٌّ: هو المقصور عليه، وهو موصوف هنا.
حَمْلُ الراية في فتح خيبر: هو المقصور، وهو صفة هنا.
غَيْرُ علي: هو المقصور عنه.
والقصر في هذا المثال حقيقي، من قصر الصفة على الموصوف.
وفي قولنا: مالك بن أنس فقيه مجتهد لا شاعر.
مالك بن أنس: هو المقصور، وهو موصوف هنا.
فقيه مجتهد: هو المقصور عليه، وهو صفة هنا.
شاعر: هو المقصور عنه.
والقصر في هذا المثال قصر إضافي، وهو من قصر الموصوف على الصفة.
(٢) وأمّا كلمة"بل" العاطفة، ومعناها الإِضرابُ عن الأول، والإِثبات للثاني، وللعطف بها شرطان.
الأول: أن يكون المعطوف بها مفرداً، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بإيجابٍ أو أمْرٍ أو نهْيٍ أو نَفْي.
* فإن وقعت بعد كلام مثبت خبراً كان أو أمراً، كانت للإِضراب والعدول عن شيءٍ إلى آخر.
* وإن وقعت بعد نفْيٍ أو نَهْيٍ كانت للاستدراك بمنزلة "لكِنْ".
والعطف بكلمة "بل" يفيد القصر، والمقصور عليه بها
стр. 522
هو ما بعدها، المعطوف بها، ففي قولنا: "لا تأكل دُهْناً حيوانيّاً بل دهناً نباتيّاً".
стр. 523
دهْناً نباتيّاً: هو المقصور عليه، وهو المعطوف بكلمة "بل".
دُهْنَا حَيَوانيّاً: هو المقصور عنه. وهو المعطوف عليه.
الأكْل المفهوم من "لا تأكل": هو المقصور.
أي: ليكن أَكْلُكَ بالنسبة إلى الأدهان مقصوراً على الدهن النباتي، ومبتعداً عن الدهن الحيواني.
وهذا قصر إضافيٌّ من قصر الصفة على الموصوف، إذ الموصوف هنا مطلق "الدُّهن" والصفة كونه دهناً نباتيّاً، والوصيةُ توجّه أن يكون المأكول من الأدهان الدّهن النباتي.
وفي قولنا: "المرجان حيوانٌ بَحْرِيٌّ بل نبات بحري".
نبات بحري: هو المقصور عليه، وهو "صفة".
المرجان: هو المقصور، وهو "موصوف".
حيوان بحري: هو المقصور عنه، وهو "صفة".
القصر في هذا المثال قصر إضافي، من قصر الموصوف على الصفة، إذ لا تقتصر صفات المرجان على كونه نباتاً بحريّاً.
(٣) وأمّا كلمة "لكِنْ" العاطفة، فهي للاستدراك بعد النفي، وللعطف بها ثلاثة شروط:
الأوّل: أن يكون المعطوف بها مفرداً، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بنفي أو نهي.
الثالث: أن لا تقترن بالواو.
والعطف بكلمة "لكن" يفيد القصر، وحالها كحال "بل" فالمقصور عليه بها هو ما بعدها المعطوف بها، ويصلح هنا مثال: "لا تأكُلْ دُهْناً حيَوانيّاً لكن دُهْناً نباتيّاً" بوضع كلمة "لكِنْ" بدل كلمة "بل" ويكون الشرح هناك هو الشرح هنا.
وفي قولنا: "مَا طلعَ الْفَجْرُ الصّادقُ لَكِنِ الفجر الكاذب".
الفجر الكاذب: هو المقصورُ عليه، وهو "موصوف".
الفجر الصادق: هو المقصورُ عنه.
الطلوع الخاص: هو المقصور، وهو "صفة".
القصر في هذا المثال قصر إضافي من قصر الصفة على الموصوف، إذ لا يقتصر الطلوع على الفجر.
***
الطريق الرابع: أن يكون القصر بدلالات في الكلام تفهم من:
(١) تقديم ما حقُّهُ التأخير في الجملة.
(٢) إضافة ضمير الفصل.
(٣) تعريف طرفي الإِسناد في الجملة.
والشرح فيما يلي:
أولاً: تقديم ما حقُّهُ التأخير في الجملة.
سبق في مبحث "التقديم والتأخير" بيان مراتب عناصر الجملة في اللّسان العربي، وأنّ تقديم ما حقُّه التأخير يكون لأغراضٍ ودواعي بلاغيّةٍ معنوية، أو جماليّة لفظيّة، وبلغت الدواعي البلاغيّة لتقديم المسند إليه على المسند "اثني عشر داعياً" وبلغت دواعي تقديم المسند إذا كان الأصل في التأخير في الجملة "أربعة دواعي خاصة" مع دواعي أخرى يمكن أن تستفاد من تقديم المسند إليه، وبلغت دواعي تقديم متعلقات الفعل عن مراتبها. "ثمانية دواعي" وقد سبق شرحها وعرض أمثلتها.
стр. 524
وهنا في باب القصر نبَّهَ البلاغيون على أنّ تقديم ما حقّه التأخير في الجملة قد يُفِيدُ القصر في بعض صُوره، ومن ذلك ما يلي:
(١) تقديم المعمول على عامله.
(٢) تقديم المسند إليه إذا كان حقُّه في الجملة التأخير.
(٣) تقديم المسند إذا كان حقُّه في الجملة التأخير.
* أمّا تقديم المعمول على عامله فجمهور البلاغيين على أنّه يفيد القصر، سواءٌ أكان مفعولاً، أم ظرفاً، أم مجروراً بحرف جرّ، والمقصور عليه هو المقدّم.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (الفاتحة/ ١ مصحف/ ٥ نزول) :
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الآية: ٥] .
إيَّاكَ: الأولى مفعول به لفعل ﴿نَعْبُد﴾
وإيّاكَ: الثانية مفعول به لفعل ﴿نَسْتَعِين﴾ ، والأصل في المفعول به أن يكون متأخيراً عن عامله.
قالوا: دلّ هذا التقديم على تخصيص الله بالعبادة والاستعانة، فالمعنى: لا نَعْبُد إلاَّ إيّاك، ولا نستعين إلاَّ بك.
والقصر هنا من قصر الصفة على الموصوف، وهو قصر حقيقي.
المثال الثاني:
قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) خطاباً للّذينَ آمنوا:
стр. 525
﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [الآية: ١٥٩] .
إلى الله: معمول لفعل ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لأنّه معلِّقٌ به، والأصل فيه أن يكون متأخّراً عن عامله.
قيل: معناه لإَلَى الله تُحْشَرُونَ لا إلى غيرِه، أي: ليحاسبكم ويجازيكم، ومعلوم أنّ الحشر يوم القيامة يكون لله وحْدَه، فهو وحده الذي يحاسِبُ عباده ويجازيهم يوم الدين.
مع ما في هذا التقديم من داعٍ جمالي رُوعي فيه تناسُق رؤؤس الآيات.
ولا مانع من اجتماع عدَّة دواعي بلاغيَّةٍ لظاهر واحدة.
المثال الثالث:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ﴾ [الآية: ١٤٣] .
يُلاحظُ في هذا النّصّ أنَّ الصِّلَةَ في العبارة الأولى: ﴿شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ أُخّرَتْ عن عاملها، لأنّ المراد مجرّد إثبات شهادة المسلمين على الناس دون تخصيصهم بهذه الشهادة، إذْ قَدْ يَشْهَدُ عليهم عيسَى ﵇ الذي بشَّرُهمْ بخاتم المرسلين، وسَيَشْهَدُ عليهم عند نزوله.
أمّا في العبارة الثانية: ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ فقد قُدِّمَت الصلة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على عاملها ﴿شَهِيداً﴾ لأنَّ المراد تخصيص الرسول بشهادته عليهم، إذْ هو المبلّغ عن الله دين الله لمن بلّغَهُمْ بَعْدَ بعثته، ولا أحَدَ غيرُهُ بلَّغَ هذا الدين عن الله.
стр. 526
المثال الرابع:
قول المتنبي يمدح بَدْر بْنَ عمّار:
بِرَجَاءٍ جُودِكَ يُطْرَدُ الْفَقْرُ ... وَبَأَنْ تُعَادَى يَنْفَدُ الْعُمْرُ
قدّم الصلة (برجاء جودك) على عاملها (يُطْرَد) والصلة (بأنْ تُعَادَى) على عاملها (يَنْفَدُ) لأنه أراد على سبيل المبالغة والادّعاء أنْ يخُصَّ برَجاءِ جوده طردَ الفقر، دون رجاء جود غيره، وأنّ يَخُصَّ بِمُعَاداته نفاد عمر من يعادِيه من الناسِ، دون معاداة غيره من الناس.
فالقصر هنا ادعائي مجازي، وإضافي غير حقيقي.
المقصور (وهو صفة) ... المقصور عليه (وهو موصوف) ... المقصور عنه
طرد الفقر ... ... ... رجاء جوده ... ... ... ... ... ... رجاء غيره من الناس
نفاد العمر ... ... ... معاداته ... ... ... ... ... ... معاداة غيره من الناس
المثال الخامس: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) في معرض الحديث عن كُفَّار اليهود:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب ... ﴾ [الآية: ٨٥] .
في هذا النص قُدِّمَ الظَّرفُ ﴿يَوْمَ القيامة﴾ على عامله ﴿يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ لإِفادَة قصر الرَّدّ إلى أشدّ العذاب على كونه يقع يوم القيام، وهو قصر حقيقي.
* وأمَّا تقديم المسنَدِ إليه إذا كان حقُّه في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر في بعض أحواله، وقد يفيد مجرّد التقوية والتأكيد، ودلالة القصر يساعد عليها سِبَاق الكلام وسياقه، وقرائن الحال، والمقصور عليه هو المقدّم.
فمن إفادة تقديم المسند إليه القصر - على ما أبان الشيخ عبد القاهر الجرجاني الإِمامُ في البلاغيّات - ما يلي:
стр. 527
الأول: أن يكون المسند إليه معرفةً والمسنَدُ فعلاً مثبتاً، كأنْ تقول: "أنا قمت - أنا سعيت في حاجتك".
فإذا كان القصر قصر "إفراد" جاء التأكيد بنحو: "أنا قمتُ وحْدِي - أنا سعيْتُ في حاجَتِكَ وحْدِي".
وإذا كان قصر "قلب" جاء التأكيد بنحو: "أنا قُمْتُ دون غيري - أنا سيعتُ في حاجَتِكَ لا غيري" وكذلك إذا كان القصر قَصْرَ تعيين.
ومنه ما جاء في قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في عرض قصّة هَدِيَّة ملكه سبأ لسليمان ﵇، قالت:
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون * فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [الآيات: ٣٥ - ٣٦] .
جاء في هذا النصّ تقديم المسند إ ليه: ﴿أَنتُمْ﴾ على الْمُسْنَد: ﴿تَفْرَحُونَ﴾ مع تقديم المعمول ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ على عامله ﴿تَفْرَحُونَ﴾ .
وَالشاهد هنا تقديم المسند إليه المفيد مع القرائن التي اشتمل عليها النّص القصر الإِضافي، والمعنى أنّ الفرح بالهديّة مقصورٌ عليكم، لا يتعدّى إليّ، فأنا لست بها فَرِحاً، فَمَا آتاني اللهُ خيرٌ ممَّا آتاكم.
ومنه ما جاء في قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) لرسوله بشأن المنافقين:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... ﴾ [الآية: ١٠١] .
قُدِّم في هذا النصّ المسند إليه ﴿نَحْنُ﴾ على الْمُسْنَدِ ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾ لإِفادة قَصْرِ الْعِلْمِ بِهِمْ على الله، وظاهر أنّ القصر هنا هو من قبيل القصر الإِضافي، إذْ قد
стр. 528
تَعْلَمُهُمُ الملائكة أيضاً، ولكن جاء القصر في مقابلة نفي العلم بهم عن الرسول، ولعلّ ذلك قد كان قبل أن يُعْلِمَهُ الله بهم، أو أن بعض المنافقين لم يُعْلِمِ الله رسوله بهم.
الثاني: أن يكون الْمُسْنَدُ منْفيّاً، كأن تقول لمن تخاطبه: "أنْتَ لاَ تَكْذب" فهذه العبارة أبلغ من أن تقول له: "لا تكذبُ أنت" وهذا التقديم قد يفيد القصر بمساعدة القرائن.
ومنه قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٢١٦] .
ففي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ يُلاَحَظُ قَصْرُ عَدَمِ الْعِلْم على المخاطبين في النَّصّ، وساعد على هذه الدلالة قوله تعالى قبله ﴿والله يَعْلَمُ﴾ .
الثالث: أن يكون المسند إليه نكرةً مثبتاً، كأن تقول: "رجُلٌ جاءني".
فقد يفيد تقديم المسند إليه في هذه الحالة القصر بمساعدة القرائن من الحال أو من المقال.
فإذا كنت في معرض تساؤل متسائل هل الذي جاءك من الرجال أو من النساء؟ كان قولك: "رجلٌ جاءني" مفيداً أنّه ليس امرأة.
وإذا كنت في معرض تساؤل متساءل هل جاءك رجلٌ أو أكثر؟ كان قولك: "رجلٌ جاءني" مفيداً أنّه رجل واحد لا أكثر.
الرابع: أن يأتي قبلَ المسند إليه حَرْفُ نفي، كأن تقول: "ما أنا قلتُ هذا القول" أي: أنام لم أقُلْه مع أنّ غيري قاله فتدَلُّ بعبارتك على قَصْرِ النفي على نَفْسِك، مع إثبات القول لغيرك.
стр. 529
أقول: وفي كلّ ذلك لا بُدَّ من مساعدة القرائن، إذْ ليس القول نصّاً في الدلالة.
* وأمّا تقديم المسند إذا كان حقُّهُ في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو المقدّم.
ويمكن أن أمثّل له بقولي صانعاً مثلاً، خطاباً للكفّار:
لَنْ تَهْزِمُوا إِيمَانَنَا بِسِلاَحِكُمْ ... جُبَنَاءُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الكُفَّارُ
فجاء في هذا الكلام تقديم "جُبَناء" وهو مسنَدٌ حقُّه في الجملة الاسميّة التأخير، تأخير "أنتم" وهو مسند إليه وحقُّه هنا التقديم لإِفادة القصر بمساعدة قرينة المقال السابق، وقرينة حال الاستبسال، والمعنى أنتم وحدكم الجبناء بكفركم، أمّا نحن فشجعان بإيماننا وتوكّلنا على ربّنا.
***
ثانياً - إضافة ضمير الفصل إلى الجملة:
ضمير الفصل: هو ضمير منفصل مرفُوعٌ يُؤْتَى به فاصلاً بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر، ويفيدُ تقوية الإِسناد وتوكيده، وقَدْ يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو ما دل عليه ضمير الفصل.
والأصل أنّه لا محلّ له من الإِعراب، وقد يؤتَّى به على أَنَّهُ مبتدأ وما بعده خبرٌ له، وتكونُ الجملة منه ومن خبره هي الخبرَ لما قبلهما.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن المنافقين:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إِنَّهُمْ هُمُ
стр. 530
المفسدون ولاكن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولاكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٣] .
لقد جيء بضمير الفصل مرَّتين في هذا النص: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون - ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ .
ونلاحظ أنّه مع تقوية الإِسناد وتوكيده في الجملتين فقد أفاد ضمير الفصل بمساعدة القرائن القصر، والمعنى: هُمُ المفسدونَ وهُمُ السَّفَهاء، لا المؤمنون الذين يتَّهِمُهُم المنافقون بإفسادِ وحْدَةِ جماعة قومهم بدينهم الجديد، وبالسّفاهة في عقولهم، أي: بِالطيشِ ونقصان العقل.
المثال الثاني:
قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) في عرض سؤال الله عيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلاهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] وفي أجوبته ﵇ قال لربّه:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] .
جاء في هذا النصّ ضمير الفصل في حكاية قول عيسَى ﵇:
﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقيب عليهم وحدك دوني، إذْ تَوَفَّيْتَنِي أَجَلِي بينهم، ورفعْتَنِي بعيداً عنهم، فليس لي رقابَةٌ عليهم.
المثال الثالث:
قول الله في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ [الآية: ٥٨] .
следующие страницы →