Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
لما قدم للْقَتْل تماسك فَلَمَّا عُفيَ عَنهُ بَكَى
وجدت فِي بعض الْكتب: أَنه لما حصل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي قَبْضَة الْمَأْمُون؛ لم يشك هُوَ وَغَيره فِي أَنه مقتول، فَأطَال حَبسه فِي مطمورة، بأسوإ حَال وأقبحها.
قَالَ إِبْرَاهِيم: فأيست من نَفسِي، ووطنتها على الْقَتْل، وتعزيت عَن الْحَيَاة، حَتَّى صرت أتمني الْقَتْل؛ للراحة من الْعَذَاب، وَمَا أؤمله فِي الْآخِرَة، من حُصُول الثَّوَاب.
فَبينا أَنا كَذَلِك؛ إِذْ دخل عَليّ أَحْمد بن أبي خَالِد مبادرا، فَقَالَ: اعهد، فقد أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بِضَرْب عُنُقك.
فَقلت: أَعْطِنِي دَوَاة وقرطاسا، فَكتبت وَصِيَّة، ذكرت فِيهَا كلما احتجت إِلَيْهِ، وأسندتها إِلَى الْمَأْمُون، وشكلة والدتي، وتوضأت، فتطوعت رَكْعَات، وَمضى أَحْمد.
وفرغت من الصَّلَاة، وَجَلَست أتوقع الْقَتْل، فَعَاد إِلَيّ أَحْمد بعد ساعتين،
стр. 1017
فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ، يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أَنا أَحْمد الله، جلت عَظمته، الَّذِي وفقني لصلة رَحِمك، والصفح عَنْك، وَقد أمّنك، ورد عَلَيْك نِعْمَتك، وَجَمِيع ضياعك وأملاكك، فَانْصَرف إِلَى دَارك.
قَالَ: فَبَدَأت أَدْعُو لِلْمَأْمُونِ، وَغلب الْبكاء عَليّ والانتحاب، وَهُوَ يطالبني بِالْجَوَابِ، وَأَنا غير مُتَمَكن مِنْهُ.
فَقَالَ لي أَحْمد: لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، أَخْبَرتك أَنِّي أمرت بِضَرْب عُنُقك، فَلم تجزع، وَلم تبك، ثمَّ أَخْبَرتك بتفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك، وصفحه عَنْك، فَلم تتمالك من الْبكاء.
فَقلت لَهُ: أما السُّكُوت عِنْد الْخَبَر الأول؛ فلأني لم أتوسم، مُنْذُ ظفر بِي، أَن أسلم من الْقَتْل، فَلَمَّا ورد عَليّ مَا لم أَشك فِيهِ؛ لم أجزع لَهُ، وَلم أبك.
وَأما بُكَائِي عِنْد الْخَبَر الثَّانِي، فوَاللَّه الْعَظِيم، شَأْنه مَا هُوَ عَن سرُور بِالْحَيَاةِ، وَلَا لرجوع النِّعْمَة، وَمَا بُكَائِي إِلَّا لما كَانَ مني فِي قطيعة رحم من عِنْده، بعد استحقاقي مِنْهُ الْقَتْل، مثل هَذَا الصفح الَّذِي لم يسمع فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، بِأَن أحدا أَتَى بِمثلِهِ، فقد حَاز أَمِير الْمُؤمنِينَ الثَّوَاب من الله، تَعَالَى، فِي صلَة رَحمَه، وبؤت أَنا بالإثم فِي قطيعة رحمي، وَقد أظهر إحسانه إساءتي، وحلمه جهلي، وفضله نقصي، وجوابي هُوَ مَا شاهدت وَسمعت.
فَرجع أَحْمد إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ، ثمَّ عَاد إِلَيّ بِمَال وخلع، ومركوب، فَانْصَرَفت إِلَى دَاري ونعمتي.
стр. 1018
قَالَ الْمَأْمُون لقد حبب إِلَيّ الْعَفو حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ
وَوجدت الْخَبَر على خلاف هَذِه الرِّوَايَة، فَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بـ: الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد النَّحْوِيّ، عَن الجاحظ، قَالَ: أرسل إِلَيّ ثُمَامَة، يَوْم حبس الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، فَحَضَرُوا، وَجِيء بإبراهيم.
قَالَ أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي عمي، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن عليل، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو الْأَنْبَارِي، من أنبار خُرَاسَان، قَالَ: لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم الْمهْدي؛ أحب أَن يوبخه على رُءُوس الأشهاد، فَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، وَجِيء بإبراهيم يرسف فِي قيوده، فَوقف على طرف الْبسَاط فِي طرف الإيوان، يحجل فِي قيوده.
فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَرَحْمَة الله، تَعَالَى، وَبَرَكَاته.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا سلم الله عَلَيْك، وَلَا كلأك، وَلَا حفظك، وَلَا رعاك.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: على رسلك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَقَد أَصبَحت ولي الثأر،
стр. 1019
وَالْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَقد أصبح ذَنبي فَوق كل ذَنْب، كَمَا أصبح عفوك فَوق كل عَفْو، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، فَإِن تعاقب فبحقك، وَإِن تعف فبفضلك، وَأَنت للعفو أقرب.
فَأَطْرَقَ الْمَأْمُون مَلِيًّا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: إِن هذَيْن أشارا عَليّ بقتلك؛ يَعْنِي: أَخَاهُ المعتصم، وَابْنه الْعَبَّاس، وَكَانَا يشيران عَلَيْهِ فِي مُعظم تَدْبِير الْخلَافَة والسياسة.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: لقد نصحا لَك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِيمَا أشارا عَلَيْك بِهِ، وَمَا غشاك، إِذْ كَانَ مني مَا كَانَ، وَلَكِن الله، ، عودك فِي الْعَفو عَادَة جريت عَلَيْهَا، دافعا مَا تخَاف بِمَا ترجو، فكفاك الله كل مَكْرُوه، وَدفع عَنْك كل مَحْذُور.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون، وَأَقْبل على ثُمَامَة، وَقَالَ: إِن من الْكَلَام مَا يفوق الدّرّ، ويغلب السحر، وَكَلَام عمي مِنْهُ، أَطْلقُوهُ، وفكوا عَن عمي حديده، وردوه إِلَيّ مكرما.
فَلَمَّا رد إِلَيْهِ؛ قَالَ: يَا عَم، صر إِلَيّ المنادمة، وارجع إِلَى الْأنس، فَلَنْ ترى مني أبدا إِلَّا مَا تحب، فَلَقَد حبب إِلَيّ الْعَفو، حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ، أما أَنه لَو علم النَّاس مَا لنا فِي الْعَفو من اللَّذَّة؛ لتقربوا إِلَيْنَا بِالذنُوبِ، لَا تَثْرِيب الْيَوْم عَلَيْك، يَا عَم، يغْفر الله لنا وَلَك، وَلَو لم يكن فِي حق نسبك مَا يبلغ الصفح عَن إساءتك، وَلَو لم يكن فِي حق قرابتك، مَا يسْتَحق الْعَفو عَن جرمك؛ لبلغت مَا أملت بِحسن تنصلك، ولطف توصلك، ثمَّ أَمر برد ضيَاعه وأمواله إِلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ بعث إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم درجا، فِيهِ هَذِه الأبيات:
стр. 1020
يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِ ... بعد الرَّسُول لآيس أَو طامع
وَالله يعلم مَا أَقُول فَإِنَّهَا ... جهد الألية من حنيف رَاكِع
قسما وَمَا أدلي إِلَيْهِ بِحجَّة ... إِلَّا التضرع من مقرّ خاشع
مَا إِن عصيتك والغواة تمد لي ... أَسبَابهَا إِلَّا بقلب طائع
حَتَّى إِذا علقت حبائل شقوتي ... بردي على حفر المهالك هائع
لم أدر أَن لمثل ذَنبي غافرا ... فأقمت أرقب أَي حتف صارعي
رد الْحَيَاة عَليّ بعد ذهابها ... عَفْو الإِمَام الْقَادِر المتواضع
أحياك من ولاك أطول مُدَّة ... وَرمى عَدوك فِي الوتين بقاطع
إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازها ... فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع
كم من يَد لَك لَا تُحَدِّثنِي بهَا ... نَفسِي إِذا آلت إِلَيّ مطامعي
أسديتها عفوا إِلَيّ هنيئة ... فَشَكَرت مصطنعا لأكرم صانع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع
وعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله ... عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع
إِلَّا الْعُلُوّ عَن الْعقُوبَة بعد مَا ... ظَفرت يداك بمستكين خاشع
قَالَ: فَبكى الْمَأْمُون، ثمَّ قَالَ: عَليّ بِهِ، فَخلع عَلَيْهِ، وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانَ ينادمه، لَا يُنكر مِنْهُ شَيْئا.
стр. 1021
إِذا رميت أصابني سهمي
قَالَ أَبُو الْفرج، وروى بعض هَذَا الْخَبَر، مُحَمَّد بن الْفضل الْهَاشِمِي، فَقَالَ فِيهِ: لما فرغ الْمَأْمُون من خطابه؛ دَفعه إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول، وَقَالَ لَهُ: هُوَ صديقك، فَخذه إِلَيْك.
فَقَالَ: مَا يُغني هَذَا عَنهُ، وأمير الْمُؤمنِينَ ساخط عَلَيْهِ، أما وَإِنِّي وَإِن كنت صديقا لَهُ، لَا أمتنع من قَول الْحق بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: قل، فَإنَّك غير مُتَّهم.
فَقَالَ: هُوَ يُرِيد التسلق إِلَى أَن تَعْفُو عَنهُ، فَإِن قتلته؛ فقد قتلت الْمُلُوك قبلك من كَانَ أقل جرما مِنْهُ، وَإِن عَفَوْت عَنهُ؛ عَفَوْت عَمَّن لم يعف قبلك أحد عَن مثله.
فَسكت الْمَأْمُون سَاعَة، ثمَّ تمثل بِهَذِهِ الأبيات:
فلئن عَفَوْت لأعفون جللا ... وَلَئِن سطوت لأوهنن عظمي
قومِي هموا قتلوا أميم أخي ... فَإِذا رميت يُصِيبنِي سهمي
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وروى أَبُو تَمام الطَّائِي، هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي اختياراته الَّتِي سَمَّاهَا: الحماسة، وَقدم الْبَيْت الثَّانِي على الأول.
رَجَعَ الحَدِيث إِلَى أبي الْفرج، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: خُذْهُ إِلَيْك مكرما، فَانْصَرف بِهِ، ثمَّ كتب إِلَى الْمَأْمُون
стр. 1022
قصيدته العينية، فَلَمَّا قَرَأَهَا رق لَهُ، وَأمر برده إِلَى مَنْزِلَته، ورد مَا قبض من أَمْوَاله وأملاكه.
стр. 1023
إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي يحْتَج لنَفسِهِ أَمَام الْمَأْمُون
وحَدثني عَليّ بن هِشَام، الْمَعْرُوف بـ: ابْن أبي قِيرَاط الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، الْمَعْرُوف بـ: زنجي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثوابة، قَالَ: سَمِعت مُوسَى بن عبد الْملك، يحدث عَن أَحْمد بن يُوسُف الْكَاتِب، قَالَ: كنت أشْرب مَعَ الْمَأْمُون، وأنادمه، وَأَنا أتقلد لَهُ ديوَان الْمشرق وديوان الرسائل، قبل وزارتي لَهُ، وَكنت كثيرا مَا أنادمه على الِانْفِرَاد، وَرُبمَا جمع بيني وَبَين اليزيدي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي.
فَلَمَّا رَضِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ونادمه؛ صَار لَا يكَاد يشرب مَعَ غَيره وغيري، ويقتصر على اسْتِمَاع الْغناء من وَرَاء الستارة، وَرُبمَا حضر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي.
стр. 1024
فَنحْن ذَات يَوْم على شرب، ومعنا إِسْحَاق، إِذْ غنى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فَقَالَ:
صونوا جيادكمُ واجلوا سلاحكمُ ... وشمروا إِنَّهَا أَيَّام من غلبا
فاستعاده الْمَأْمُون مرَارًا، وَبَان لي فِي وَجهه الغيظ وَالْغَضَب، والهم، وَزَوَال الطَّرب، وَلم يفْطن إِبْرَاهِيم.
وَترك الْمَأْمُون الْقدح الَّذِي كَانَ فِي يَده، ونهض، فظنناه يُرِيد الْوضُوء، ثمَّ غَابَ.
فَمَا شعرنَا إِلَّا وَقد استدعانا إِلَى مجْلِس آخر، فَإِذا هُوَ جَالس على سَرِير الْخلَافَة، بقلنسوة، وَثيَاب الهيبة، وَبَين يَدَيْهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي، وَجلة القواد.
стр. 1025
فاستدعى إِبْرَاهِيم بزيه، فَحَضَرَ بأخس صُورَة وأقبحها، وَعَلِيهِ ثِيَاب المنادمة، يَفْضَحهُ بذلك.
فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيم، مَا حملك على الْخُرُوج عَليّ، وَالْخطْبَة لنَفسك بالخلافة.
قَالَ أَحْمد بن يُوسُف: وَقد كنت لما أَبْطَأَ الْمَأْمُون عَن مجْلِس الشّرْب؛ تعرفت الصُّورَة، فَلَمَّا استدعاني؛ جِئْت وَقد لبست ثِيَاب الْعَمَل، نزعت ثِيَاب المنادمة.
فَلَمَّا سَأَلَ إِبْرَاهِيم عَن ذَلِك، فِي مثل ذَلِك الْمجْلس؛ علمت أَن الصَّوْت قد ذكره مَا كَانَ من إِبْرَاهِيم، وَلم أَشك فِي أَنه سيقتله.
فَأقبل عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بِوَجْه صفيق، وقلب ثَابت، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لست أَخْلو من أَن أكون عنْدك عَاقِلا، أَو جَاهِلا، فَإِن كنت جَاهِلا، فقد سقط عني اللوم، من الله، تَعَالَى، ثمَّ مِنْك، وَإِن كنت عَاقِلا؛ فَيحسن أَن تعلم أَنِّي قد علمت أَن مُحَمَّدًا أَخَاك مَعَ أَمْوَاله وذخائره، وأموال والدته، وَكَثْرَة ضياعها وصنائعها، والأعمال الَّتِي كَانَت فِي يَده وارتفاعها، ومحبة بني هَاشم لَهُ، لم يثبت لَك، وَهُوَ الْخَلِيفَة، وَأَنت أَمِير من أمرائه، فَكيف أثبت أَنا لَك؟ وَأَنا فِي قوم أَكثر رزق الرجل مِنْهُم ثَلَاثُونَ درهما فِي الشَّهْر، وَقد غلبني على بَغْدَاد ابْن أبي خَالِد الْعيار وَأَصْحَابه، يقطعون، ويضربون، ويحبسون، ويطلقون، وَوَاللَّه، جلّ شَأْنه، وَحقّ رَسُول الله، حق جدي الْعَبَّاس، مَا دخلت فِيمَا دخلت فِيهِ، إِلَّا لأبقي هَذَا الْأَمر عَلَيْك، وعَلى أهل بَيْتك، لما رَأَيْت الْفضل بن سهل قد حمله البطر والرفض على أَن أخرج الْخلَافَة عَنْك، فَأَرَدْت ضبط الْأَمر، إِلَى أَن تقدم فتتسلمه.
قَالَ: فَرَأَيْت الْمَأْمُون وَقد أَسْفر وَجهه، وَقَالَ: عَليّ بنافذ الْخَادِم، فأحضر.
стр. 1026
فَقَالَ لَهُ: رقْعَة سلمتها إِلَيْك بمرو، قبل رحيلي عَنْهَا، وأمرتك بحفظها، هَاتِهَا.
فَمضى، وَجَاء بسفط، ففتحه، وَأخرج مِنْهُ الرقعة، فَإِذا مَكْتُوب فِيهَا بِخَط الْمَأْمُون: لَئِن أَظْفرنِي الله، ، بإبراهيم بن الْمهْدي، لأسألنه بِحَضْرَة الْأَوْلِيَاء، والخاصة من أهل بَيْتِي وأجنادي، عَن السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوج عَليّ، فَإِن مَا ذكر أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك حفظ الْأَمر على أهل بَيْتِي؛ لما جرى فِي أَمر عَليّ بن مُوسَى؛ لأخلين سَبيله، ولأحسنن إِلَيْهِ، وَلَئِن ذكر غير ذَلِك من الْعذر، كَائِنا مَا كَانَ؛ لَأَضرِبَن عُنُقه.
قَالَ أَحْمد بن يُوسُف: وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ كَاتب غَيْرِي، فَدَفعهَا إِلَيّ، وَقَالَ: يَا أَحْمد، ادفعها إِلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ: يَا عَم، خُذ براءتك من أَحْمد، وعد إِلَى مجلسك الَّذِي خلفتك فِيهِ.
قَالَ: فَسلمت الرقعة إِلَيْهِ، وعدنا إِلَى مَجْلِسنَا وموضعنا، فَطرح إِبْرَاهِيم نَفسه مغشيا عَلَيْهِ.
فَمَا شعرنَا إِلَّا والمأمون قد رَجَعَ بِثِيَاب بذلته، فقمنا وَجَلَسْنَا مَجْلِسنَا، وَقَالَ: ارْجعُوا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وأتممنا يَوْمنَا ذَلِك مَعَه.
стр. 1027
الْمَأْمُون ينصب صَاحب خبر على إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
قَالَ أَبُو الْفرج، وَفِي خبر عمي، عَن الْحسن بن عليل، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْأَشْعَرِيّ، عَن أبي دَاوُد، قَالَ: إِن الْمَأْمُون، تقدم إِلَى مُحَمَّد بن دَاوُد، لما أطلق إِبْرَاهِيم، وَأمره أَن يمْنَع إِبْرَاهِيم من دَاري الْخَاصَّة والعامة، ووكل رجلا من قبله، يَثِق بِهِ؛ ليعرفه أخباره، وَمَا يتَكَلَّم بِهِ.
فَكتب إِلَيْهِ المتَوَكل يَوْمًا: إِن إِبْرَاهِيم، لما بلغه مَنعه من دَاري الْخَاصَّة والعامة، تمثل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
يَا سرحة المَاء قد سدت موارده ... أما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود
لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِ ... مشرد عَن طَرِيق المَاء مطرود
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُون بَكَى، وَأمر بإحضاره من وقته مكرما، وإجلاسه فِي مرتبته، فَصَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّد، فبشره، وَأمره بالركوب، فَركب.
فَلَمَّا دخل على الْمَأْمُون؛ قبل الْبسَاط، وَأَنْشَأَ يَقُول:
الْبر بِي مِنْك وطا الْعذر عنْدك لي ... فِيمَا أتيت فَلم تعذل وَلم تلم
وَقَامَ علمك بِي فاحتج عِنْدِي لي ... مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم
стр. 1028
تَعْفُو بِعدْل وتسطو إِن سطوت بِهِ ... فَلَا عدمناك من عاف ومنتقم
فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، يَا عَم، آمنا مطمئنا، فلست ترى مني مَا تكره، إِلَّا أَن تحدث حَدثا، وَأَرْجُو أَن لَا يكون مِنْك ذَلِك، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى.
стр. 1029
مَا بَقَاء جلدَة تنازعها ملكان
وجدت فِي بعض الْكتب: أَن كسْرَى أبرويز، ركب يَوْمًا فرسه الشبديز، فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ، فجذب عنانه، فَانْقَطع.
فَاسْتَحْضر صَاحب السُّرُوج، وَقَالَ: يكون عنان مثلي ضَعِيفا يَنْقَطِع؟ اضربوا عُنُقه.
فَقَالَ: أَيهَا الْملك، اسْمَع، وانصف.
قَالَ: قل.
قَالَ: مَا بَقَاء جلدَة يتنازعها ملكان، ملك النَّاس، وَملك الدَّوَابّ.
فَقَالَ كسْرَى: زه، زه، أطْلقُوا عَنهُ، وَأَعْطوهُ اثنى عشر ألف دِرْهَم.
стр. 1030
أنظر كَيفَ كَانَت عَاقِبَة الظَّالِمين
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (الوزراء) ، عَن مُحَمَّد بن يزِيد، قَالَ: أَمرنِي عمر بن عبد الْعَزِيز بِإِخْرَاج قوم من السجْن، فأخرجتهم، وَتركت يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، فحقد عَليّ، وَنذر دمي.
فَإِنِّي بإفريقية، إِذْ قيل: قدم يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، صارفا لمُحَمد بن يزِيد، مولى الْأَنْصَار، من قبل يزِيد بن عبد الْملك، وَكَانَ ذَلِك بعد وَفَاة عمر بن عبد الْعَزِيز، فهربت مِنْهُ، وَعلم بمكاني، فطلبني، فظفر بِي.
فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ؛ قَالَ: لطالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك.
فَقلت: وَأَنا، وَالله، لطالما سَأَلت الله، ، أَن يعيذني مِنْك.
فَقَالَ يزِيد: مَا أَعَاذَك الله مني، وَالله لأَقْتُلَنك، وَلَو سابقني ملك الْمَوْت إِلَى قبض روحك؛ لسبقته.
ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع، فَأتي بهما، وَأمر بِي، فأقمت فِي النطع، وكتفت، وَشد رَأْسِي، وَقَامَ ورائي رجل بِسيف منتضى، يُرِيد أَن يضْرب عنقِي، وأقيمت الصَّلَاة.
فَقَالَ: أمهلوه، حَتَّى أُصَلِّي، وَخرج إِلَى الصَّلَاة.
стр. 1031
فَلَمَّا سجد؛ أَخَذته السيوف، فَقتل، وَدخل إِلَيّ من حل كتافي ورأسي، وخلى سبيلي، فَانْصَرَفت سالما.
стр. 1032
أَمر الرشيد بأسيرين فقطعا عضوا عضوا ثمَّ مَاتَ
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (الوزراء) ، قَالَ: لما سَار الرشيد إِلَى طوس، واشتدت علته؛ اتَّصل خَبره بالأمين، فَوجه ببكر بن الْمُعْتَمِر، وَدفع إِلَيْهِ كتبا إِلَى الْفضل بن الرّبيع، وَإِسْمَاعِيل بن صبيح، وَغَيرهمَا، يَأْمُرهُم بالقفول إِلَى بَغْدَاد، إِن حدثت الْحَادِثَة بالرشيد، وَالِاحْتِيَاط على مَا فِي الخزائن، وَحمله.
وَقد كَانَ الرشيد جدد الشَّهَادَة لِلْمَأْمُونِ بِجَمِيعِ مَا فِي عسكره، من مَال،
стр. 1033
وأثاث، وخرثي، وكراع، وَغير ذَلِك.
فَلَمَّا ورد بكر بن الْمُعْتَمِر على الرشيد؛ أوصل كتبا ظَاهِرَة كَانَت مَعَه، بعيادة الرشيد.
وَكَانَت الْكتب الْبَاطِنَة، قد اتَّصل خَبَرهَا بالرشيد، فأحضر بكرا، وطالبه بالكتب الْبَاطِنَة، فجحدها.
قَالَ: فَذكر عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت مَعَ الرشيد بطوس، لما ثقل فِي علته، وَقد ورد بكر بن الْمُعْتَمِر، والمأمون حِينَئِذٍ بمرو، وَقد ظفر الرشيد بأخي رَافع بن اللَّيْث، فأحضر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَمَعَهُ قرَابَة لَهُ.
فَخلع الرشيد على بكر، وَصَرفه إِلَى منزله، ثمَّ أَمر بإحضاره، ومطالبته بالكتب الْبَاطِنَة، فجحدها، فَأمر بحبسه.
ثمَّ جلس الرشيد جُلُوسًا عَاما، فِي مضرب خَز أسود، استدارته أَربع مائَة ذِرَاع، فِي أَرْكَانه أَربع قباب، مغشاة بخز أسود، وَهُوَ جَالس فِي فازة خَز أسود، فِي وسط المضرب، والعمد كلهَا سود، وَقد جعل مَكَان الْحَدِيد فضَّة، والأوتاد
стр. 1034
والحبال كلهَا سود، وَعَلِيهِ جُبَّة خَز سَوْدَاء، وتحتها فَرْوَة فنك، قد استشعره؛ لما هُوَ فِيهِ من شدَّة الْبرد وَالْعلَّة، وفوقها دراعة خَز أسود، مبطنة بفنك، وقلنسوة طَوِيلَة، وعمامة خَز سَوْدَاء، وَهُوَ عليل لما بِهِ، وَخلف الرشيد خَادِم يمسِكهُ؛ لِئَلَّا يمِيل بِبدنِهِ، وَالْفضل بن الرّبيع جَالس بَين يَدَيْهِ.
فَقَالَ للفضل: مر بكرا بإحضار مَا مَعَه من الْكتب السّريَّة.
فأنكرها، وَقَالَ: مَا كَانَ معي إِلَّا الْكتب الَّتِي أوصلتها.
فَقَالَ للفضل: توعده، وأعلمه أَنه إِن لم يمتثل؛ قتلته، فَأَقَامَ بكر على الْإِنْكَار.
فَقَالَ الرشيد، بِصَوْت خَفِي: قنبوه، فجيء ببكر، وَجِيء بالقنب، وقنب من فرقه إِلَى قدمه.
قَالَ بكر: فأيقنت بِالْقَتْلِ، ويئست من نَفسِي، وَعلمت على الْإِقْرَار.
فَأَنا على ذَلِك، وَإِذا قد أحضر هَارُون أَخا رَافع، وقرابته الَّذِي كَانَ مَعَه.
стр. 1035
فَقَالَ الرشيد: أيتوهم رَافع أَنه يفلت مني، وَالله، لَو كَانَ مَعَه عدد نُجُوم السَّمَاء؛ لالتقطتهم وَاحِدًا بعد وَاحِد، حَتَّى أقتلهم عَن آخِرهم.
فَقَالَ الرجل: اللهَ، اللهَ، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فيّ، فَإِن الله، تَعَالَى، يعلم، وَأهل خُرَاسَان، أَنِّي بَرِيء من أخي مُنْذُ عشْرين سنة، ملازم منزلي ومسجدي، فَاتق الله فيّ، وَفِي هَذَا الرجل.
فَقَالَ لَهُ قرَابَته: قطع الله لسَانك، أَنا، وَالله، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَدْعُو الله بِالشَّهَادَةِ، فَلَمَّا رزقتها على يَدي شَرّ خلقه؛ أخذتَ فِي الِاعْتِذَار.
قَالَ: فاغتاظ الرشيد، وَقَالَ: عَليّ بجزارين.
فَقَالَ لَهُ قرَابَة رَافع: افْعَل مَا شِئْت، فَإنَّا نرجو من الله، تَعَالَى، أَن يرزقنا الشَّهَادَة، ونقف نَحن وَأَنت، بَين يَدي الله، ، فِي أقرب مُدَّة، فتعلم كَيفَ يكون حالك.
فنحيا، وَأمر بهما، فقطعا عضوا، عضوا، فوَاللَّه، مَا فرغ مِنْهُمَا، حَتَّى توفّي الرشيد.
قَالَ بكر: وَأَنا أتوقع الْقَتْل بعدهمَا، حَتَّى أَتَانِي غُلَام لأبي الْعَتَاهِيَة، قد بعث بِهِ مَوْلَاهُ، وَكتب فِي رَاحَته شَيْئا أرانيه، فَإِذا هَذِه الأبيات:
هِيَ الْأَيَّام والغير ... وَأمر الله منتظر
أتيئس أَن ترى فرجا ... فَأَيْنَ الله وَالْقدر؟
стр. 1036
قَالَ: فوثقت بِاللَّه، وقويت نَفسِي، ثمَّ سَمِعت وَاعِيَة لَا أفهم مَعْنَاهَا، وَإِذا الْفضل بن الرّبيع قد أقبل إِلَيّ.
فَقَالَ: خلوا أَبَا حَامِد.
فَقلت: لَيْسَ هَذَا وَقت تكنيتي، فحللت، ودعا لي بخلع، فخلعت عَليّ.
ثمَّ قَالَ: أعظم الله أجرك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأخذ بيَدي، وأدخلني بَيْتا، فَإِذا الرشيد مسجى فِيهِ، فَكشفت عَن وَجهه، فَلَمَّا رَأَيْته مَيتا؛ سكنت.
فَقَالَ: هيه، هَات الْكتب الْبَاطِنَة الَّتِي مَعَك.
قَالَ: فأحضرت صندوقا للمطبخ قد نقبت قوائمه، وَجعلت الْكتب فِيهَا، وَجعلت الْجلد فَوْقهَا، فَأمرت بشق الْجلد، وَكسر القوائم، وسلمت الْكتب إِلَى أَصْحَابهَا، وَأخذت الْأَجْوِبَة، وانصرفت.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد أَتَى أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، لأبي الْعَتَاهِيَة، من غير أَن يذكر الْقِصَّة، وَزَاد بَين الْبَيْت الأول وَالْبَيْت الثَّانِي بَيْتا، وَهُوَ:
فَلَا تجزع وَإِن عظم ... الْبلَاء ومسّك الضَّرَر
وَذكر أَبُو بكر الصولي هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه الْمُسَمّى بـ: كتاب (الأوراق) ، الدَّاخِل فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته، بعد مَا سمعته مِنْهُ، فَقَالَ: حَدثنِي عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا، عَن بكر بن الْمُعْتَمِر، وَذكر نَحْو ذَلِك، إِلَّا شعر أبي الْعَتَاهِيَة، فَإِنَّهُ مَا ذكره، وَقَالَ: إِن مضرب الرشيد أسود كُله، لَهُ شرف، كَأَنَّهُ جبل أسود، وَلم يقل أَن الرشيد فِي قبَّة خَز، قَالَ: والرشيد فِي فازة خَز سَوْدَاء، وعَلى سَرِيره دست خَز أسود، وَعَلِيهِ جُبَّة
стр. 1037
سَوْدَاء، تحتهَا فنك، وَقد لبسهَا بِلَا قَمِيص، وَهُوَ مُسْتَند إِلَى مُسْند الدست.
قَالَ: فَخرج إِلَيّ الْفضل، فحلني، وَسلم عَليّ، وَكَانَ لي صديقا.
وَقَالَ لي: أَيْن كتبك على الْحَقِيقَة؟ فَقلت: مَا معي كتب.
فَقَالَ: إِنَّه قد مَاتَ، وَكَأَنَّهُ رَآنِي لم أصدق ذَلِك، فَأخذ بيَدي، حَتَّى وقفني عَلَيْهِ، وَهُوَ ميت.
فَقلت: مَا أعجب هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّه تحامل لَك وللرجلين، فَجَلَسَ وَهُوَ لَا يُطيق، وَقد خرق فِي السرير خرق ينجو مِنْهُ، وَتَحْت فرَاشه الْأسود جاورس، والخدم قعُود خلف السرير، يسندون أَطْرَاف جنبه، وَلَوْلَا مكانهم مَا ثَبت جَالِسا، فَلَمَّا كلم الرجلَيْن، وَرفع صَوته وحرد؛ غشي عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ ذبالة أَضَاءَت، ثمَّ طفئت.
стр. 1038
من سُقُوط الْخَاتم من الْيَد إِلَى عودته إِلَيْهَا سَبْعُونَ فرجا
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الخطمي، قَالَ: كنت أصحب مُحَمَّد بن ينَال الترجمان، وَكَانَ بجكم بواسط، وَمضى يُريدهُ، فانحدر بِي مَعَه إِلَى وَاسِط، لما انحدر بجكم إِلَيْهَا.
فاستخلف بجكم الترجمان بواسط، وَمضى يُرِيد قتال البريديين.
فَلَمَّا صَار بنهر جور؛ كتب إِلَى الترجمان: إِنَّه قد صَحَّ عِنْدِي، أَن رجلا من التُّجَّار المقيمين فِي معسكرنا بواسط، يُقَال لَهُ: أَبُو أَحْمد بن غيلَان الخزاز السُّوسِي، يُكَاتب البريديين بخبرنا، وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَقَتله.
فَقَبضهُ الترجمان، وَقَيده وحبسه، وعرفه مَا ورد فِي كتاب بجكم.
وَكَانَ للتاجر حُرْمَة مَعَ ابْن ينَال وكيدة، فورد عَلَيْهِ غم شَدِيد من أَن يقتل رجلا لَهُ، بِهِ عناية وَحُرْمَة.
فَقَالَ لَهُ: أَنا أعرض نَفسِي لبجكم، وأؤخر قَتلك، وأكاتبه أسأله أَن يقْتَصر على أَخذ مَالك، وَيَعْفُو عَن دمك، فَلَعَلَّهُ أَن يفعل.
стр. 1039
قَالَ: وَدخلت على الرجل فِي حَبسه، وَأخذت أطيب قلبه، وأعرفه أَن الْكتاب قد بعثته إِلَى بجكم فِي أمره.
فَأخْرج خَاتمًا كَانَ فِي يَده، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن، من سُقُوط هَذَا الْخَاتم من يَدي، إِلَى عودته إِلَيْهَا، سَبْعُونَ فرجا.
فَمَا انْقَضى الْيَوْم، حَتَّى ورد الْخَبَر بقتل بجكم، وَأَفْرج الترجمان عَن الرجل، وتخلص سالما، وعاش بعد ذَلِك ثَلَاث سِنِين، وَأكْثر.
стр. 1040
هاجه الْحَسَد وَقَتله الطمع
حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن سعيد بن عَليّ زَوْبَعَة النصيبي الْمُتَكَلّم، قَالَ: قَالَ جمَاعَة من أهل نَصِيبين، إِنَّه كَانَ بهَا أَخَوان، ورثا عَن أَبِيهِمَا مَالا عَظِيما جَلِيلًا، فاقتسماه، فأسرع أَحدهمَا فِي حِصَّته حَتَّى لم يبْق مَعَه شَيْء، وَاحْتَاجَ إِلَى مَا فِي أَيدي النَّاس، وثمر الآخر حِصَّته، فزادت.
وَعرض لَهُ سفر فِي تِجَارَته، فَجَاءَهُ أَخُوهُ الْفَقِير، وَقَالَ: يَا أخي، إِنَّك تحْتَاج إِلَى أَن تستأجر غُلَاما فِي سفرك، وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أخدم النَّاس، فَاجْعَلْنِي بدل غُلَام تستأجره، فَيكون ذَلِك أصون لي وَلَك.
فَلم يشك الْأَخ أَن أَخَاهُ قد تأدب، وَأَن هَذَا أول إقباله، وآثر أَن يصون
стр. 1041
أَخَاهُ، ورق عَلَيْهِ، فَأَخذه مَعَه.
وَكَانَ للْأَخ الْغَنِيّ حمَار فاره يركبه، وَقد اسْتَأْجر بغالا لأحماله، فأركب أَخَاهُ أَحدهَا، وَركب هُوَ أَحدهَا، وأركب المكاري الْحمار، وَسَارُوا.
فَلَمَّا اسْتمرّ بهم السّفر؛ حصلوا فِي جبل فِي الطَّرِيق، وَفِيه كَهْف فِيهِ عين مَاء، فَقَالَ الْأَخ الْفَقِير للْأَخ الْغَنِيّ: لَو نزلنَا هَهُنَا، وَأَرِحْنَا دوابنا، وسقيناها من هَذَا المَاء، وأكلنا، ثمَّ ركبنَا؛ لَكَانَ أروح لنا.
فَقَالَ: افْعَل.
فَنزل التَّاجِر على بَاب الْكَهْف الَّذِي فِي الْجَبَل، وَأدْخل مَتَاعه إِلَيْهِ، وَبسط السفرة، وَأخذ أَخُوهُ الْفَقِير، والمكاري الدَّوَابّ، ومضيا ليسقياها.
وانتظر التَّاجِر أَخَاهُ، فاحتبس طَويلا، ثمَّ جَاءَ وَحده، وَشد الدَّوَابّ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: يَا أخي، مَا قعادك، وَأَنا أنتظرك تَأْكُل معي؟ فَقَالَ: حَتَّى سقيت الدَّوَابّ.
فَقَالَ: وَأَيْنَ المكاري؟ فَقَالَ: قد نَام فِي الْجَبَل.
فَقَالَ: تعال، حَتَّى نَأْكُل.
فَتَركه وَمضى، ثمَّ عَاد، وَبِيَدِهِ حِجَارَة يَرْمِي بهَا أَخُوهُ، وَيَقُول لَهُ: أستكتف، يَابْنَ الفاعلة.
فَقَالَ لَهُ: وَيحك، مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيد قَتلك، يَابْنَ الفاعلة، أخذت مَال أبي، فَجَعَلته تِجَارَة لَك، وجعلتني غلامك.
قَالَ: ورفسه، وألقاه على ظَهره، ثمَّ أوثقه كتافا، وأثخنه ضربا بِالْحِجَارَةِ وشجاجا، وَصَاح الرجل، فَلم يجبهُ أحد.
стр. 1042
وبرك أَخُوهُ الْفَقِير على صَدره، وَكَانَ فِي وَسطه سكين عَظِيمَة، فِي قرَاب لَهَا، فرام استخراجها من القراب ليذبحه بهَا، فتعسرت عَلَيْهِ، فَقَامَ عَن صدر أَخِيه، وأعلا يَده الْيُسْرَى، وفيهَا السكين فِي قرابها، وجذبها بِيَدِهِ الْيَمين، وَقد صَار القراب مَعَ حلقه، فَخرجت السكين بحمية الجذبة، فذبحته، فَوَقع يخور فِي دَمه، ونزف إِلَى أَن مَاتَ، وجفت يَده على السكين بعد مَوته، وَهِي فِيهَا.
وَحصل على تِلْكَ الصُّورَة، وَأَخُوهُ الْغَنِيّ مشدود، لَا يقدر على الْحَرَكَة، والسفرة منشورة، وَالطَّعَام عَلَيْهَا، وَالدَّوَاب مشدودة.
فَأَقَامَ على تِلْكَ الصُّورَة بَقِيَّة يَوْمه، وَلَيْلَته، وَقطعَة من غده.
فاجتازت قافلة على المحجة، وَكَانَ بَينهَا وَبَين الْكَهْف بعد، فأحست البغال بالدواب المجتازة، فصهلت، ونهق الْحمار، وجذب الرسن، وجذبت البغال أرسانها، فأفلتت، وَغَارَتْ تطلب الدَّوَابّ.
فَلَمَّا رأى أهل الْقَافِلَة دوابا غائرة؛ ظنُّوا أَنَّهَا لقوم قد أسرهم اللُّصُوص، وَكَانُوا فِي مَنْعَة، فتسارعوا إِلَى البغال.
فَلَمَّا قصدوها؛ رجعت تطلب موضعهَا.
وتبعها قوم من أهل الْقَافِلَة، حَتَّى انْتَهوا إِلَى التَّاجِر، وشاهدوه مكتوفا، والسفرة منشورة، وَالْأَخ مذبوحا، وَبِيَدِهِ السكين، فشاهدوا عجبا.
واستنطقوا الرجل، فَأَوْمأ إِلَيْهِم أَن لَا قدرَة لَهُ على الْكَلَام، فحلوا كِتَافِهِ، وسقوه مَاء، وَأَقَامُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن أَفَاق، وَقدر على الْكَلَام، فَأخْبرهُم الْخَبَر.
فطلبوا المكاري، فوجدوه غريقا فِي المَاء، قد غرقه الْأَخ الْفَقِير.
فحملوا أثقال التَّاجِر على بغاله، وأركبوه على حِمَاره، وسيروه مَعَهم إِلَى الْمنزل الآخر.
стр. 1043
الْبَغي مرتعه وخيم
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن عَليّ النصيبي، هَذَا، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن عَليّ الصفار، شيخ كَانَ جارا لنا بنصيبين، قَالَ: خرجت من نَصِيبين بِسيف نَفِيس، كنت ورثته من أبي، أقصد بِهِ الْعَبَّاس بن عَمْرو السّلمِيّ، أَمِير ديار ربيعَة، وَهُوَ بِرَأْس عين، لأهديه إِلَيْهِ، وأستجديه بذلك.
فصحبني فِي الطَّرِيق شيخ من الْأَعْرَاب، فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي، فأنست بِهِ، وحدثته الحَدِيث، وَكُنَّا قربنا من رَأس عين، ودخلناها، وافترقنا.
وَصَارَ يجيئني ويراعيني، وَيظْهر لي أَنه يسلم عَليّ، وَأَنه يبرني بِالْقَصْدِ، ويسألني عَن حَالي.
فَأَخْبَرته أَن الْأَمِير قبل هديتي، وأجازني بِأَلف دِرْهَم وَثيَاب، وَأَنِّي أُرِيد الْخُرُوج فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم؛ خرجت عَن الْبَلَد، رَاكِبًا حمارا، فَلَمَّا أصحرت؛ إِذا بالشيخ على دويبة لَهُ ضَعِيفَة، مُتَقَلِّدًا سَيْفا.
فَلَمَّا رَأَيْته استربت بِهِ، وأنكرته، وَرَأَيْت الشَّرّ فِي عَيْنَيْهِ.
فَقلت: مَا تصنع هَهُنَا؟
стр. 1044
فَقَالَ: قد قضيت حوائجي، وَأُرِيد الرُّجُوع، وصحبتك عِنْدِي آثر من صُحْبَة غَيْرك.
فَقلت: على اسْم الله.
وَمَا زلت متحرزا مِنْهُ، وَهُوَ يجْتَهد أَن أدنو مِنْهُ وأوانسه، فَلَا أفعل، وَكلما دنا مني؛ بَعدت عَنهُ، إِلَى أَن سرنا شَيْئا كثيرا، وَلَيْسَ مَعنا ثَالِث.
فقصر عني، فحثثت الْحمار؛ لأفوته، فَمَا أحسست إِلَّا بركضه، فَالْتَفت، فَإِذا هُوَ قد جرد سَيْفه، وقصدني، فرميت بنفسي عَن الْحمار، وعدوت.
فَلَمَّا خَافَ أَن أفوته؛ صَاح: يَا أَبَا الْقَاسِم، إِنَّمَا مزحت مَعَك، فقف، فَلم ألتفت إِلَيْهِ، وَزَاد فِي التحريك.
وَظهر لي ناووس فطلبته، وَقد كَاد الْأَعرَابِي يلْحق بِي، فَدخلت الناووس، ووقفت وَرَاء بَابه.
قَالَ: وَمن صِفَات تِلْكَ النواويس أَنَّهَا مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ، وَبَاب كل ناووس حجر وَاحِد عَظِيم، قد نقر، وحفف، وملس، فَلَا تستمكن الْيَد مِنْهُ، وَله فِي وَجهه حَلقَة، وَلَيْسَ للباب من دَاخل شَيْء تتَعَلَّق الْيَد بِهِ، وَإِنَّمَا يدْفع من خَارجه، فَيفتح، فَيدْخل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج مِنْهُ، وجذبت الْحلقَة، انغلق الْبَاب، وَتمكن هَذَا من وَرَائه، فَلم يُمكن فَتحه من دَاخل أصلا.
قَالَ: فحين دخلت الناووس؛ وقفت خلف بَابه، وَجَاء الْأَعرَابِي، فَشد الدَّابَّة فِي حَلقَة الْبَاب، وَدخل يُرِيدنِي، مخترطا سَيْفه، والناووس مظلم، فَلم يرني، وَمَشى إِلَى صدر الناووس، فَخرجت أَنا من خلف الْبَاب، وجذبته، ونفرت الدَّابَّة، فجذبته معي، حَتَّى صَار الْبَاب مردوما ومحكما
стр. 1045
وحصّلْتُ الْحلقَة فِي رزة هُنَاكَ، وحللت الدَّابَّة، وركبتها.
فجَاء الْأَعرَابِي، إِلَى بَاب الناووس، فَرَأى الْمَوْت عيَانًا، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم، اتَّقِ الله فِي أَمْرِي، فإنني أتلف.
فَقلت: تتْلف أَنْت أَهْون عَليّ من أَن أتلف أَنا.
قَالَ: فَأَخْرجنِي، وَأَنا أُعْطِيك أَمَانًا، واستوثق مني بالأيمان، أَن لَا أعرض لَك بِسوء أبدا، وَاذْكُر الْحُرْمَة الَّتِي بَيْننَا.
فَقلت: لم ترعها أَنْت، وأيمانك فاجرة، لَا أَثِق بهَا فِي تلف نَفسِي.
فَأخذ يُكَرر الْكَلَام، فَقلت لَهُ: لَا تهذ، دع عَنْك هَذَا الْكَلَام، واقعد مَكَانك، هوذا، أَنا رَاكب دابتك، وأجنب حماري، والوعد بعد أَيَّام بَيْننَا هُنَا، فَلَا تَبْرَح عَليّ حَتَّى أجيء، وَإِذا احتجت إِلَى طَعَام، فَعَلَيْك بجيف العلوج، فَنعم الطَّعَام لَك.
وَأخذت ألهو بِهِ فِي مثل هَذَا القَوْل، وَأخذ يبكي ويستغيث، وَيَقُول: قتلتني، وَالله.
فَقلت: إِلَى لعنة الله، وَركبت دَابَّته، وجنبت حماري.
وَوجدت على دَابَّته خرجا فِيهِ ثِيَاب يسيرَة، وَجئْت إِلَى نَصِيبين، فَبِعْت الثِّيَاب، وَكَانَت دَابَّته شهباء، فصبغتها دهماء وبعتها؛ لِئَلَّا يعرف صَاحبهَا فأطالب بِالرجلِ، وَاتفقَ أَنه اشْتَرَاهَا رجل من المجتازين، وكفيت أمره، وانكتمت الْقِصَّة.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَكثر من سنة؛ عرض لي الْخُرُوج إِلَى رَأس عين، فَخرجت فِي
стр. 1046
تِلْكَ الطَّرِيق، فَلَمَّا لَاحَ لي الناووس؛ ذكرت الشَّيْخ.
فَقلت: أعدل إِلَى الناووس، وَأنْظر مَا صَار إِلَيْهِ أمره، فَجئْت إِلَيْهِ، فَإِذا بَابه كَمَا تركته.
ففتحته، وَدخلت، فَإِذا بالأعرابي قد صَار رمة، فحمدت الله، تَعَالَى، على السَّلامَة.
ثمَّ حركته برجلي، وَقلت لَهُ على سَبِيل الْعَبَث: مَا خبرك، يَا فلَان؟ فَإِذا بِصَوْت شَيْء يتخشخش، ففتشته، فَإِذا هميان، فَأَخَذته، وَأخذت سَيْفه، وَخرجت، وَفتحت الْهِمْيَان، فَإِذا فِيهِ خمس مائَة دِرْهَم، وبعت السَّيْف بعد ذَلِك بجملة دَرَاهِم.
стр. 1047
أَبُو الْمُغيرَة الشَّاعِر يروي خَبرا مُلَفقًا
حَدثنِي أَبُو الْمُغيرَة مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن يُوسُف الشَّاعِر الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُوسَى عِيسَى بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنِي صديق لي، قَالَ: كنت قَاصِدا الرملة وحدي، وَمَا كنت دَخَلتهَا قطّ.
فانتهيت إِلَيْهَا وَقد نَام النَّاس، وَدخل اللَّيْل، فعدلت إِلَى الْجَبانَة، وَدخلت بعض القباب الَّتِي على الْقُبُور، فطرحت درقة، كَانَت معي، واتكأت عَلَيْهَا، وعانقت سَيفي، واضطجعت أُرِيد النّوم؛ لأدخل الْبَلَد نَهَارا.
قَالَ: فاستوحشت من الْموضع وأرقت، فَلَمَّا طَال أرقي؛ أحسست بحركة.
فَقلت: لصوص يجتازون، وَمَتى تصديت لَهُم؛ لم آمنهم، ولعلهم أَن يَكُونُوا جمَاعَة، فانخزلت بمكاني، وَلم أتحرك.
وأخرجت رَأْسِي من بعض أَبْوَاب الْقبَّة، على تخوف شَدِيد مني، فَرَأَيْت دَابَّة كالذئب تمشي، فَإِذا بِهِ قد قصد قبَّة بحيالي، وَمَا زَالَ يتلفت طَويلا،
стр. 1048
ويدور حواليها، ثمَّ دَخلهَا.
فارتبت بِهِ، وَأنْكرت أمره، وتطلعت نَفسِي إِلَى علم مَا هُوَ فِيهِ.
فَدخل الْقبَّة، وَخرج غير مطيل، ثمَّ جعل يتبصر، ثمَّ دخل وَخرج بِسُرْعَة، ثمَّ دخل وعيني إِلَيْهِ، فَضرب بِيَدِهِ إِلَى قبر فِي الْقبَّة، يبعثره.
فَقلت: نباش لَا شكّ فِيهِ، وتأملته يحْفر بِيَدِهِ، فَعلمت أَن فِيهَا آلَة حَدِيد يحْفر بهَا.
فتركته إِلَى أَن اطْمَأَن وَأطَال، وحفر شَيْئا كثيرا، ثمَّ أخذت سَيفي ودرقتي، ومشيت على أَطْرَاف أناملي، حَتَّى دخلت الْقبَّة، فأحس بِي، فَقَامَ إِلَيّ بقامة إِنْسَان، وَأَوْمَأَ إِلَيّ ليلطمني بكفه، فَضربت يَده بِالسَّيْفِ، فأبنتها وطارت.
فَقَالَ: أوه، قتلتني، لعنك الله.
وَعدا من بَين يَدي، وعدوت خَلفه، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة، حَتَّى دخل الْبَلَد، وَأَنا وَرَاءه، وَلست ألحقهُ، إِلَّا أَنه بِحَيْثُ يَقع بَصرِي عَلَيْهِ.
إِلَى أَن اجتاز بِي طرقا كَثِيرَة، وَأَنا فِي خلال ذَلِك أعلم الطَّرِيق لِئَلَّا أضلّ، حَتَّى جَاءَ إِلَى بَاب، فَدفعهُ وَدخل وأغلقه، وَأَنا أسمع.
فعلّمت الْبَاب، وَرجعت أقفو الْأَثر والعلامات الَّتِي علمتها فِي طريقي، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الْقبَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا النباش.
وطلبتا الْكَفّ فَوَجَدتهَا، فأخرجتها إِلَى الْقَمَر، فَبعد جهد انتزعت الْكَفّ المقطوعة من الْآلَة الْحَدِيد، وَإِذا هِيَ كف كَالْكَفِّ، وَقد أَدخل أَصَابِعه فِي الْأَصَابِع، وَإِذا هِيَ كف فِيهَا نقش حناء، وخاتمان من الذَّهَب، فَعلمت أَنَّهَا امْرَأَة.
стр. 1049
فحين علمت أَنَّهَا امْرَأَة؛ اغتممت، وتأملت الْكَفّ، فَإِذا هِيَ أحسن كف فِي الدُّنْيَا؛ نعومة، ورطوبة، وَسمنًا، وملاحة.
فمسحت الدَّم عَنْهَا، ونمت فِي الْقبَّة الَّتِي كنت فِيهَا، وَدخلت الْبَلَد من الْغَد، أطلب العلامات الَّتِي علمتها، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الْبَاب.
فَسَأَلت: لمن الدَّار؟ فَقَالُوا: لقَاضِي الْبَلَد.
وَاجْتمعَ عَلَيْهَا خلق كثير، وَخرج مِنْهَا شيخ بهي، فصلى الْغَدَاة بِالنَّاسِ، وَجلسَ فِي الْمِحْرَاب، فازداد عجبي من الْأَمر.
فَقلت لبَعض الْحَاضِرين: بِمن يعرف هَذَا القَاضِي؟ فَقَالَ: بفلان.
وأطلت الْجُلُوس والْحَدِيث فِي مَعْنَاهُ، حَتَّى عرفت أَن لَهُ ابْنة عاتقا، وَزَوْجَة، فَلم أَشك فِي أَن النباشة ابْنَته.
فتقدمت إِلَيْهِ، وَقلت: بيني وَبَين القَاضِي، أعزه الله، حَدِيث لَا يصلح إِلَّا على خلْوَة.
فَقَامَ إِلَى دَاخل الْمَسْجِد، وخلا بِي، وَقَالَ: قل.
فأخرجت الْكَفّ، وَقلت: أتعرف هَذِه؟ فتأملها طَويلا، وَقَالَ: أما الْكَفّ فَلَا، وَأما الخاتمان، فَمن خَوَاتِيم ابْنة لي عاتق، فَمَا الْخَبَر؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة بأسرها، فَقَالَ: قُم معي.
فَأَدْخلنِي إِلَى دَاره، وأغلق الْبَاب، واستدعى طبقًا وَطَعَامًا، فأحضر.
стр. 1050
واستدعى امْرَأَته، فَقَالَ لَهَا الْخَادِم: اخْرُجِي.
فَقَالَت: قل لَهُ: كَيفَ أخرج ومعك رجل غَرِيب، فَخرج الْخَادِم، وأعلمه بِمَا قَالَت.
فَقَالَ: لَا بُد من خُرُوجهَا تَأْكُل مَعنا، فَهُنَا من لَا أحتشمه.
فتأبت عَلَيْهِ، فَحلف بِالطَّلَاق لتخْرجن لَهُ، فَخرجت باكية، وَجَلَست مَعنا.
فَقَالَ لَهَا: أَخْرِجِي ابْنَتك.
فَقَالَت: يَا هَذَا، أوقد جننت؟ مَا الَّذِي حل بك، قد فضحتني وَأَنا امْرَأَة كَبِيرَة، فَكيف تهتك صبية عاتقا؟ فَحلف بِالطَّلَاق لتخرجنها، فَخرجت.
فَقَالَ: كلي مَعنا، فَرَأَيْت صبية كالدينار، مَا نظرت مقلتاي أحسن مِنْهَا، إِلَّا أَن لَوْنهَا قد اصفر جدا، وَهِي مَرِيضَة.
فَعلمت أَن ذَلِك لنزف الدَّم من يَدهَا، فَأَقْبَلت تَأْكُل بشمالها، ويمينها مخبوءة.
فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: أَخْرِجِي يدك الْيُمْنَى.
فَقَالَت أمهَا: قد خرج بهَا خراج، هِيَ مشدودة، فَحلف لتخرجنها.
فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: يَا رجل، اسْتُرْ على نَفسك وابنتك، فوَاللَّه، وَحلفت لَهُ بأيمان كَثِيرَة، مَا اطَّلَعت لهَذِهِ الصبية على سوء قطّ إِلَّا البارحة، فَإِنَّهَا جَاءَتْنِي بعد نصف اللَّيْل، فأيقظتني، وَقَالَت: يَا أُمِّي، الحقيني، وَإِلَّا تلفت.
فَقلت: مَا لَك؟ فَقَالَت: إِنَّه قد قطعت يَدي، وهوذا أنزف الدَّم، والساعة أَمُوت، فعالجيني، وأخرجت يَدهَا مَقْطُوعَة، فلطمت.
فَقَالَت: يَا أُمَّاهُ، لَا تفضحيني ونفسك بالصياح عِنْد أبي وَالْجِيرَان، وعالجيني.
فَقلت: لَا أَدْرِي بِمَ أعالجك.
стр. 1051
فَقَالَت: اغلي زيتا، وأكوي بِهِ يَدي.
فَفعلت ذَلِك، وكويتها، وشددتها، وَقلت لَهَا: الْآن خبريني مَا دهاك، فامتنعت.
فَقلت: وَالله، إِن لم تحدثيني؛ لأكشفن أَمرك لأَبِيك.
فَقَالَت: إِنَّه وَقع فِي نَفسِي، مُنْذُ سِنِين، أَن أنبش الْقُبُور، فتقدمت إِلَى هَذِه الْجَارِيَة، فاشترت لي جلد مَاعِز بِشعرِهِ، واستعملت لي كفا من حَدِيد.
فَكنت إِذا أعتم اللَّيْل، أفتح الْبَاب، وآمرها أَن تنام فِي الدهليز، وَلَا تغلق الْبَاب، وألبس الْجلد، والكف الْحَدِيد، وأمشي على أَربع، فَلَا يشك الَّذِي يراني من فَوق سطح أَو غَيره، أنني كلب.
ثمَّ أخرج إِلَى الْمقْبرَة، وَقد عرفت من النَّهَار، خبر من يَمُوت من رُؤَسَاء الْبَلَد، وَأَيْنَ دفن، فأقصد قَبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، وأدخلها معي فِي الْجلد، وأمشي مشيتي، وأعود وَالْبَاب غير منغلق، فَأدْخل، وأغلقه، وأنزع تِلْكَ الْآلَة، فأدفعها إِلَى الْجَارِيَة، مَعَ مَا قد أخذت من الأكفان، فتخبئه فِي بَيت لَا تعلمُونَ بِهِ.
وَقد اجْتمع عِنْدِي نَحْو ثَلَاث مائَة كفن، أَو مَا يُقَارب هَذَا الْمِقْدَار، لَا أَدْرِي مَا أصنع بهَا، إِلَّا أَنِّي كنت أجد لهَذَا الْخُرُوج وَالْفِعْل لَذَّة لَا سَبَب لَهَا أَكثر من إصابتي بِهَذِهِ المحنة.
فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة؛ سلط عَليّ رجل أحس بِي، كَأَنَّهُ كَانَ حارسا لذَلِك الْقَبْر، فَقُمْت لأضرب وَجهه بالكف الْحَدِيد؛ ليشتغل عني، وأعدو، فداخلني
стр. 1052
بِالسَّيْفِ؛ ليضربني، فتوقيت الضَّرْبَة بيميني، فأبان كفي.
فَقلت لَهَا: أظهري أَن قد خرج فِي كفك خراج، وتعاللي، فَإِن الَّذِي بك من الصفار، يصدق قَوْلك.
فَإِذا مَضَت أَيَّام؛ قلت لأَبِيك: إِذا لم تقطع يدك، خبث جَمِيع جسدك، وَتَلفت، فَيَأْذَن فِي قطعهَا، فنظهر أَنا قد قَطعْنَاهَا، ويشيع الْخَبَر، حِينَئِذٍ، بِهَذَا، ويستتر أَمرك.
فعملنا على هَذَا، بعد أَن استتبتها، فتابت، وَحلفت بِاللَّه الْعَظِيم، لَا عَادَتْ تفعل شَيْئا من ذَلِك.
وَكنت قد حظر لي أَن أبيع هَذِه الْجَارِيَة إِلَى سفار، يغربها عَن هَذِه الْبَلَد الَّتِي نَحن فِيهَا، وأراعي مبيت الصبية، وأبيتها إِلَى جَانِبي، ففضحتنا ونفسك.
فَقَالَ القَاضِي للصبية: مَا تَقُولِينَ؟ فَقَالَت: صدقت أُمِّي، وَوَاللَّه، لَا عدت أبدا، وَأَنا تائبة إِلَى الله، تَعَالَى.
فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: هَذَا صَاحبك الَّذِي قطع يدك، فَكَادَتْ تتْلف جزعا.
ثمَّ قَالَ لي: يَا فَتى، من أَيْن أَنْت؟ قلت: من الْعرَاق.
قَالَ: فَفِيمَ وَردت؟ قلت: أطلب الرزق.
قَالَ: قد جَاءَك حَلَالا طيبا، نَحن قوم مياسير، وَللَّه علينا نعْمَة وَستر، فَلَا تنقص النِّعْمَة، وَلَا تهتك السّتْر، أَنا أزَوجك بِابْنَتي هَذِه، وأغنيك بِمَالي عَن النَّاس، وَتَكون مَعنا فِي دَارنَا.
فَقلت: نعم.
فَرفع الطَّعَام، ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد، وَالنَّاس مجتمعون ينتظرونه، فَخَطب،
стр. 1053
وزوجني، وَقَامَ، فَرجع، وأقعدني فِي الدَّار.
وَوَقعت الصبية فِي نَفسِي، حَتَّى كدت أَمُوت عشقا لَهَا، فافترعتها، وأقامت معي شهورا، وَهِي نافرة مني، وَأَنا أؤانسها، وأبكي حسرة على يَدهَا، وأعتذر إِلَيْهَا، وَهِي تظهر قبُول عُذْري، وَأَن الَّذِي بهَا غما على يَدهَا، وَهِي تزداد حنقا عَليّ.
إِلَى أَن نمت لَيْلَة، واستثقلت فِي نومي، فأحسست بثقل على صَدْرِي، فانتبهت جزعا، فَإِذا زَوْجَتي باركة على صَدْرِي، وركبتاها على يَدي، مستوثقة مِنْهُمَا، وَفِي يَدهَا سكين، وَقد أهوت لتذبحني، فاضطربت.
ورمت الْخَلَاص، فَتعذر، وخشيت أَن تبادرني، فَسكت، وَقلت لَهَا: كلميني، واعملي مَا شِئْت.
فَقَالَت لي: قل.
فَقلت: مَا يَدْعُوك إِلَى هَذَا؟ قَالَت: أظننت أَنَّك قد قطعت يَدي، وهتكتني، وَتَزَوَّجنِي مثلك، وتنجو سالما؟ وَالله لَا كَانَ هَذَا.
فَقلت: أما الذّبْح، فقد فاتك؛ وَلَكِنَّك تتمكنين من جراحات توقعينها بِي، وَلَا تأمنين أَن أفلت، فأذبحك، وأهرب، أَو أكشف هَذَا عَلَيْك، ثمَّ أسلمك إِلَى السُّلْطَان، فتنكشف جنايتك الأولى وَالثَّانيَِة، ويتبرأ مِنْك أَبوك وَأهْلك، وتقتلين.
فَقَالَت: افْعَل مَا شِئْت، لَا بُد من ذبحك، وَقد استوحش الْآن كل منا من صَاحبه.
فَنَظَرت، فَإِذا الْخَلَاص مِنْهَا بعيد، وَلَا بُد من أَن تجرح موضعا من بدني، فَيكون فِيهِ تلفي.
стр. 1054
فَقلت: لَيْسَ إِلَّا الْعَمَل فِي حِيلَة، فَقلت لَهَا: أوغير هَذَا؟ .
قَالَت: قل.
قلت: أطلقك السَّاعَة، وتفرجين عني، وَأخرج غَدا عَن الْبَلَد، فَلَا أَرَاك، وَلَا تريني أبدا، وَلَا يكْشف لَك حَدِيث فِي بلدك، وَلَا تفتضحي، وتزوجين بِمن شِئْت، فقد شاع أَن يدك قطعت بخراج خبثها، وتربحين السّتْر.
قَالَت: لَا أفعل، حَتَّى تحلف لي أَنَّك لَا تقيم فِي الْبَلَد، وَلَا تفضحني أبدا، وتعجل لي الطَّلَاق.
فطلقتها، وَحلفت لَهَا بالأيمان الْمُغَلَّظَة أَنِّي أخرج، وَلَا أفضحها، فَقَامَتْ عَن صَدْرِي تعدو؛ خوفًا من أَن أَقبض عَلَيْهَا، حَتَّى رمت الموسى من يَدهَا، بِحَيْثُ لَا أَدْرِي أَيْن هُوَ، وعادت.
وَأخذت تظهر أَن الَّذِي فعلته بِي مزاحا، وَأخذت تلاعبني، فَقلت: إِلَيْك عني، فقد حرمت عَليّ، وَلَا تحل لي ملامستك، وَفِي غَد أخرج عَنْك.
فَقَالَت: الْآن علمت صدقك، وَوَاللَّه، لَئِن لم تفعل؛ لَا نجوت من يَدي، وَقَامَت فجاءتني بصرة، وَقَالَت: هَذِه مائَة دِينَار، خُذْهَا نَفَقَة لَك، واكتب رقْعَة بطلاقي، واخرج غَدا.
فَأخذت الدَّنَانِير، وَخرجت من سحرة ذَلِك الْيَوْم، بعد أَن كتبت إِلَى أَبِيهَا، أنني قد طَلقتهَا ثَلَاثًا، وأنني خرجت حَيَاء مِنْهُ.
وَلم ألتق مَعَهم إِلَى الْآن.
стр. 1055
لَا جَزَاك الله من طَارق خيرا
حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب، الْمَعْرُوف وَالِده بـ: أبي اللَّيْث الهمذاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بديع الْعقيلِيّ، قَالَ: رَأَيْت فَتى من بني عقيل، فِي ظَهره كُله شَرط كَشَرط الْحجام، إِلَّا أَنَّهَا أكبر، فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك.
فَقَالَ: إِنِّي كنت هويت ابْنة عَم لي، وخطبتها، فَقَالُوا لي: إِنَّا لَا نُزَوِّجك إِيَّاهَا، إِلَّا بعد أَن تجْعَل الشبكة صَدَاقهَا، وَهِي فرس سَابِقَة كَانَت لبَعض بني بكر بن كلاب.
فتزوجتها على ذَلِك، وَخرجت أحتال فِي أَن أسل الْفرس؛ لأتمكن من الدُّخُول بابنة عمي.
قَالَ: فَأتيت الْحَيّ الَّذِي فِيهِ الْفرس، بِصُورَة مجتاز، فَمَا زلت أداخلهم، وَمرَّة أجيء إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ الرجل صَاحب الْفرس، كَأَنِّي سَائل، إِلَى أَن عرفت مربط الْفرس من الخباء، وَرَأَيْت لَهَا مهرَة.
فاحتلت حَتَّى دخلت الْبَيْت من كَسره، وحصلت خلف النضد تَحت عهن، كَانُوا نفشوه ليغزل، فَلَمَّا جن اللَّيْل؛ وافى صَاحب الْبَيْت، وَقد صنعت لَهُ الْمَرْأَة عشَاء، فَجَلَسَا يأكلان، وَقد استحكمت الظلمَة، وَلَا
следующие страницы →