Полный текст (1 589 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فَقَالَ: امْضِ فِيهَا، فمضيت فِيهَا، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى وَصفه جمله.
فَقَالَ جَعْفَر: ضيق علينا مَا اتَّسع من مسامرة السهر، بجمل أجرب.
فَقَالَ الرشيد: اسْكُتْ، فَهِيَ الَّتِي سلبتك تَاج ملكك، وأزعجتك عَن قراراك، ثمَّ جعلت جلودها سياطا، تضرب بهَا أَنْت وقومك عِنْد الْغَضَب.
فَقَالَ جَعْفَر: الْحَمد لله، عوقبت من غير ذَنْب.
فَقَالَ الرشيد: أَخْطَأت فِي كلامك، لَو قلت: أستعين بِاللَّه؛ قلت صَوَابا، إِنَّمَا يحمد الله، تَعَالَى، على النعم، ويستعان على الشدائد.
ثمَّ قَالَ لي: إِنِّي لأجد مللا، وَهَذَا جَعْفَر، ضيف عندنَا، فسامره بَاقِي ليلتك، فَإِذا أَصبَحت؛ فَإِن وضاء الْخَادِم يلقاك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
قَالَ: ثمَّ قربت إِلَيْهِ النَّعْل، فَجعل الْخَادِم يصلح عقب النَّعْل فِي رجله، فَقَالَ: ارْفُقْ وَيحك، أحسبك قد عقرتني.
فَقَالَ: جَعْفَر: قَاتل الله الْعَجم، لَو كَانَت سندية؛ مَا احْتَاجَ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى هَذِه الكلفة.
فَقَالَ: هَذِه نَعْلي ونعل آبَائِي، مَا تدع نَفسك والتعرض لما تكره.
ثمَّ قَالَ لي جَعْفَر: لَوْلَا أَن الْمجْلس مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَا يجوز لي فِيهِ أَن آمُر بِمثل مَا أَمر بِهِ؛ لأمرت لَك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَلَكِنِّي آمُر لَك بِتِسْعَة وَعشْرين ألف دِرْهَم، فَإِذا أصبحتَ فاقبضها والزم الْبَاب.
قَالَ: فَمَا صليت من غَد الصُّبْح، إِلَّا وَفِي منزلي مَا أَمر لي بِهِ، فأيسرت ولزمتهما، وَزَالَ مَا كنت فِيهِ من الضّر، وأتى الإقبال، وَالنعْمَة والسلامة، وأفلحت، وَللَّه الْحَمد.
стр. 982
قصَّة حائك الْكَلَام
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: بَلغنِي عَن عَمْرو بن مسْعدَة، أَنه قَالَ: كنت مَعَ الْمَأْمُون عِنْد قومه من بِلَاد الرّوم، حَتَّى إِذا نزل الرقة؛ قَالَ لي: يَا عَمْرو، أما ترى الرخجي، قد احتوى على الأهواز، وَهِي سلى الْخبز، وَجَمِيع الْأَمْوَال قبله، وَقد طمع فِيهَا، وكتبي مُتَّصِلَة فِي حملهَا، وَهُوَ يتعلل، ويتربص بِنَا الدَّوَائِر.
فَقلت: أَنا أكفي أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا، وأنفذ من يضطره إِلَى حمل مَا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا يقنعني هَذَا.
قلت: فيأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بأَمْره.
قَالَ: تخرج إِلَيْهِ بِنَفْسِك، حَتَّى تصفده بالحديد، وتحمله إِلَيّ، بعد أَن تقبض جَمِيع مَا فِي يَده من أَمْوَالنَا، وَتنظر فِي ذَلِك، وترتب فِيهِ عمالا.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ دخلت.
فَقَالَ: مَا فعلت فِيمَا أَمرتك بِهِ؟ قلت: أَنا على ذَاك.
قَالَ: أُرِيد أَن تجيئني فِي غَد مودعا.
قلت: السّمع وَالطَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ جِئْت مودعا.
فَقَالَ: أُرِيد أَن تحلف لي، أَنَّك لَا تقيم بِبَغْدَاد إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، فاضطربت من ذَلِك، إِلَى أَن حظر عَليّ واستخلفني أَن لَا أقيم فِيهَا أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام، فَخرجت، وَأَنا مُضْطَرب مغموم.
стр. 983
وَقلت فِي نَفسِي: أَنا فِي مَوضِع الوزارة، وَقد جعلني مستحثا إِلَى عَامل، ومستخرجا، وَلَكِن أَمر الْخَلِيفَة لَا بُد من سَمَاعه، وامتثال مرسومه.
وسرت حَتَّى قدمت بَغْدَاد، وَلم أقِم بهَا إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وانحدرت مِنْهَا فِي زلال، أُرِيد الْبَصْرَة، وَجعل لي فِيهِ خيش، واستكثرت من الثَّلج لشدَّة الْحر.
فَلَمَّا صرت بَين جرجرايا وجبل؛ سَمِعت صائحا من الشاطئ، يَصِيح: يَا ملاح، فَرفعت سجف الزلَال، فَإِذا بشيخ كَبِير السن، حاسر الرَّأْس، حافي الْقَدَمَيْنِ، خلق الْقَمِيص.
فَقلت للغلام: أجبه، فَأَجَابَهُ.
стр. 984
فَقَالَ: أَنا شيخ كَبِير السن، على هَذِه الصُّورَة الَّتِي ترى، وَقد أحرقتني الشَّمْس، وكادت تتلفني، وَأَنا أُرِيد جبل، فاحملوني مَعكُمْ، فَإِن الله، ، يحسن أجر صَاحبكُم.
قَالَ: فشتمه الملاح، وانتهره.
فأدركتني عَلَيْهِ رقة، وَقلت للغلام: خُذْهُ مَعنا، فَقدم إِلَى الشط، وصحنا بِهِ، وحملناه.
فَلَمَّا صَار مَعنا فِي الزلَال وانحدرنا؛ تقدّمت، فَدفع إِلَيْهِ قَمِيص ومنديل، وَغسل وَجهه، واستراح، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَيتا عَاد إِلَى الدُّنْيَا.
وَحضر وَقت الْغَدَاء، فتذممت وَقلت للغلام: هاته يَأْكُل مَعنا.
فجَاء وَقعد على الطَّعَام، فَأكل أكل أديب نظيف، غير أَن الْجُوع قد أثر فِيهِ.
فَلَمَّا رفعت الْمَائِدَة؛ أردْت أَن يقوم وَيغسل يَده نَاحيَة، كَمَا يفعل الْعَامَّة، فِي مجَالِس الْخَاصَّة، فَلم يفعل، فغسلت يَدي.
وتذممت أَن آمُر بقيامه، فَقلت: قدمُوا لَهُ الطست، فَغسل يَده، وَأَرَدْت بعْدهَا أَن يقوم لأنام، فَلم يفعل.
فَقلت: يَا شيخ، أيش صناعتك؟ قَالَ: حائك، أصلحك الله.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا الحياكة عَلمته سوء الْأَدَب، فتناومت عَلَيْهِ، ومددت رجْلي.
فَقَالَ: قد سَأَلتنِي عَن صناعتي، فأجبتك، فَأَنت، أعزّك الله، مَا صناعتك؟
стр. 985
فأكبرت ذَلِك، وَقلت: أَنا جنيت على نَفسِي هَذِه الْجِنَايَة، وَلَا بُد من احْتِمَاله، أتراه، الأحمق، لَا يرى زلالي وغلماني ونعمتي، وَأَن مثلي لَا يُقَال لَهُ مثل هَذَا؟ ثمَّ قلت: أَنا كَاتب.
فَقَالَ: كَاتب كَامِل، أم كَاتب نَاقص؟ فَإِن الْكتاب خَمْسَة، فَمن أَيهمْ أَنْت؟ فورد عَليّ من قَول الحائك مورد عَظِيم، وَسمعت كلَاما أكبرته، وَكنت مُتكئا، فَجَلَست.
ثمَّ قلت لَهُ: فصّل الْخَمْسَة.
قَالَ: نعم، كَاتب خراج، يَقْتَضِي أَن يكون عَالما بِالشُّرُوطِ، والطسوق، والحساب، والمساحة، والبثوق، والفتوق، والرتوق.
وَكَاتب أَحْكَام، يحْتَاج أَن يكون عَالما بالحلال، وَالْحرَام، وَالِاخْتِلَاف، والاحتجاج، وَالْإِجْمَاع، وَالْأُصُول، وَالْفُرُوع.
وَكَاتب مَعُونَة، يحْتَاج أَن يكون عَالما بِالْقصاصِ، وَالْحُدُود، والجراحات، والمراتبات، والسياسات.
وَكَاتب جَيش، يحْتَاج أَن يكون عَالما بحلى الرِّجَال، وشيات الدَّوَابّ، ومداراة الْأَوْلِيَاء، وَشَيْء من الْعلم بِالنّسَبِ والحساب.
وَكَاتب رسائل، يحْتَاج إِلَى أَن يكون عَالما بالصدور، والفصول، والإطالة، والإيجاز، وَحسن البلاغة، والخط.
стр. 986
قَالَ: فَقلت: أَنا كَاتب رسائل.
قَالَ: فأسألك عَن بَعْضهَا.
قلت: سل.
قَالَ: أصلحك الله، لَو أَن رجلا من إخوانك تزوجت أمه، فَأَرَدْت أَن تكاتبه مهنئا، فَمَاذَا كنت تكْتب إِلَيْهِ؟ ففكرت فِي الْحَال، فَلم يخْطر ببالي شَيْء، فَقلت: اعفني.
قَالَ: قد فعلت، وَلَكِنَّك، لست بكاتب رسائل.
قلت: أَنا كَاتب خراج.
قلت: لَا بَأْس، لَو أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ ولاك نَاحيَة وأمرك فِيهَا بِالْعَدْلِ والإنصاف، وتقضي حق السُّلْطَان، فتظلم إِلَيْك بَعضهم من مساحك، وأحضرتهم للنَّظَر بَينهم وَبَين رعيتك، فَحلف المساح بِاللَّه الْعَظِيم، لقد أنصفوا، وَمَا ظلمُوا، وَحلف الرّعية بِاللَّه الْعَظِيم، أَنهم قد جاروا وظلموا، وَقَالُوا لَك: قف مَعنا على مَا مسحوه، وَأنْظر من الصَّادِق من الْكَاذِب، فَخرجت لتقف عَلَيْهِ، فوقفوا على قراح شكله: قَاتل قثا، كَيفَ كنت تمسحه؟ فَقلت: كنت آخذ طوله على انعواجه، وآخذ عرضه، ثمَّ أضربه فِي مثله.
قَالَ: إِن شكل قَاتل قثا، يكون رأساه محددان، وَفِي تحديده تقويس.
قلت: فآخذ الْوسط فأضربه بالعمود.
قَالَ: إِذا ينثني عَلَيْك العمود، فأسكتني.
فَقلت: أَنا لست كَاتب خراج.
قَالَ: فَإِذا مَاذَا؟ قلت: أَنا كَاتب قاضٍ.
قَالَ: لَا تبال، أَفَرَأَيْت لَو أَن رجلا توفّي، وَخلف امْرَأتَيْنِ حاملتين، إِحْدَاهمَا
стр. 987
حرَّة وَالْأُخْرَى سَرِيَّة، وَولدت السّريَّة غُلَاما، والحرة جَارِيَة، فعمدت الْحرَّة إِلَى ولد السّريَّة فَأَخَذته، وَتركت بدله الْجَارِيَة، فاختصما فِي ذَلِك، كَيفَ الحكم بَينهمَا؟ قلت: لَا أَدْرِي.
قَالَ: فلست كَاتب قَاض.
قلت: أَنا كَاتب جَيش.
قَالَ: لَا بَأْس، أَرَأَيْت، لَو أَن رجلَيْنِ جَاءَا إِلَيْك لتحليهما، وكل وَاحِد مِنْهُمَا، اسْمه وَاسم أَبِيه كاسم الآخر وَاسم أَبِيه، إِلَّا أَن أَحدهمَا مشقوق الشّفة الْعليا، وَالْآخر مشقوق الشّفة السُّفْلى كَيفَ كنت تحليهما؟ قلت: أَقُول فلَان الأعلم، وَفُلَان الأعلم.
قَالَ: إِن رزقيهما مُخْتَلِفَانِ، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يَجِيء فِي دَعْوَة الآخر.
قلت: لَا أَدْرِي.
قَالَ: فلست بكاتب جَيش.
قلت: أَنا كَاتب مَعُونَة.
قَالَ: لَا تبال، لَو أَن رجلَيْنِ رفعا إِلَيْك، شج أَحدهمَا شجة مُوضحَة، وشج الآخر صَاحبه شجة مأمومة، كَيفَ تفصل بَينهمَا؟ قلت: لَا أَدْرِي.
قَالَ: إِذن، لست كَاتب مَعُونَة، فاطلب لنَفسك، أَيهَا الرجل، شغلا غير هَذَا.
قَالَ: فقصرت إِلَى نَفسِي وغاظني، فَقلت: قد سَأَلت عَن هَذِه الْأُمُور،
стр. 988
وَيجوز أَن لَا يكون عنْدك جوابها، كَمَا لم يكن عِنْدِي، فَإِن كنت عَالما بِالْجَوَابِ، فَقل.
فَقَالَ: نعم، أما الَّذِي تزوجت أمه؛ فتكتب إِلَيْهِ: أما بعد، فَإِن الْأُمُور، تجْرِي من عِنْد الله، بِغَيْر محبَّة عباده، وَلَا اختيارهم، بل هُوَ، تَعَالَى، يخْتَار لَهُم مَا أحب، وَقد بَلغنِي تَزْوِيج الوالدة، خار الله لَك فِي قبضهَا، فَإِن الْقَبْر أكْرم الْأزْوَاج، وأستر للعيوب، وَالسَّلَام.
وَأما قراح قَاتل قثا؛ فيمسح العمود، حَتَّى إِذا صَار عددا فِي يدك، ضَربته فِي مثله، وَمثل ثلثه، فَمَا خرج فَهُوَ مساحته.
وَأما الْجَارِيَة والغلام؛ فيوزن اللبنان، فَأَيّهمَا أخف، فالجارية لَهُ.
وَأما المرتزقان المتوافقان فِي الاسمين؛ فَإِن كَانَ الشق فِي الشّفة الْعليا؛ كتبت فلَان الأعلم، وَإِذا كَانَ فِي الشّفة السُّفْلى؛ كتبت فلَان الْأَفْلَح.
وَأما أَصْحَاب الشجتين؛ فَلصَاحِب الْمُوَضّحَة ثلث الدِّيَة، وَلِصَاحِب المأمومة نصف الدِّيَة.
قَالَ: فَلَمَّا أجَاب فِي هَذِه الْمسَائِل؛ تعجبت مِنْهُ، وامتحنته فِي أَشْيَاء غَيرهَا كَثِيرَة، فَوَجَدته ماهرا فِي جَمِيعهَا، حاذقا، بليغا.
فَقلت: أَلَسْت زعمت أَنَّك حائك؟ فَقَالَ: أَنا، أصلحك الله، حائك كَلَام، وَلست بحائك نساجة، ثمَّ أنشأ يَقُول:
مَا مر بؤس وَلَا نعيم ... إِلَّا ولي فيهمَا نصيب
نَوَائِب الدَّهْر أدبتني ... وَإِنَّمَا يوعظ الأديب
قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كَذَاك عَيْش الْفَتى ضروب
стр. 989
قلت: فَمَا سَبَب الَّذِي بك من سوء الْحَال؟ قَالَ: أَنا راجل كَاتب، دَامَت عطلتي، وَكَثُرت عيلتي، وتواصلت محنتي، وَقلت حيلتي، فَخرجت أطلب تَصرفا، فَقطع عَليّ الطَّرِيق، فَتركت كَمَا ترى، فمشيت على وَجْهي، فَلَمَّا لَاحَ لي الزلَال؛ استغثت بك.
قلت: فَإِنِّي قد خرجت إِلَى تصرف جليل، أحتاج فِيهِ إِلَى جمَاعَة مثلك، وَقد أمرت لَك بخلعة حَسَنَة، تصلح لمثلك، وَخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، تصلح بهَا أَمرك، وتنفذ مِنْهَا إِلَى عِيَالك، وتتقوى نَفسك بباقيها، وَتصير معي إِلَى عَمَلي، فأوليك أَجله، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى.
فَقَالَ: أحسن الله جزاءك، إِذن تجدني بِحَيْثُ يَسُرك، وَلَا أقوم مقَام معذر إِن شَاءَ الله.
فَأمرت بتقبيضه مَا رسمت لَهُ، فَقَبضهُ، وَانْحَدَرَ إِلَى الأهواز معي، فَجَعَلته المناظر للرخجي، والمحاسب لَهُ بحضرتي، والمستخرج لما عَلَيْهِ، فَقَامَ بذلك أحسن قيام وأوفاه.
وعظمت حَاله معي، وعادت نعْمَته إِلَى أحسن مَا كَانَت عَلَيْهِ.
стр. 990
أَنا أَبوك
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد بَلغنِي
حَدِيث لعَمْرو بن مسْعدَة فِي زلاله، بِخِلَاف هَذَا، حَدثنِي بِهِ عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الحفا العبقسي، وَهُوَ يذكر أَن أَهله أقرباء لبني مَارِيَة، الَّذين كَانُوا تناء الصراة وَأهل النعم بهَا، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت شُيُوخنَا بالصراة، وأهلنا، يتحدثون: أَن عَمْرو بن مسْعدَة، كَانَ مصعدا من وَاسِط إِلَى بَغْدَاد، فِي حر شَدِيد، وَهُوَ جَالس فِي زلال، فناداه رجل: يَا صَاحب الزلَال، بِنِعْمَة الله عَلَيْك إِلَّا نظرت إِلَيّ.
قَالَ: فكشف سجف الزلَال، فَإِذا بشيخ ضَعِيف حاسر الرَّأْس.
فَقَالَ لَهُ: قد ترى مَا أَنا عَلَيْهِ، وَلست أجد من يحملني، فابتغ الْأجر فِي، وَتقدم إِلَى ملاحيك يطرحوني بَين مجاديفهم، إِلَى أَن أصل بَلَدا يطرحوني فِيهِ.
قَالَ عَمْرو بن مسْعدَة: فرحمته، وَقلت: خذوه، فَأَخَذُوهُ، فَغشيَ عَلَيْهِ، وَكَاد يَمُوت لما لحقه من الْمَشْي فِي الشَّمْس.
فَلَمَّا أَفَاق؛ قلت لَهُ: يَا شيخ، مَا حالك، وَمَا قصتك؟ فَقَالَ: قصَّة طَوِيلَة.
стр. 991
فسكنته وطرحت عَلَيْهِ قَمِيصًا ومنديلا، وَأمرت لَهُ بِدَرَاهِم وشمشك، فشكرني.
فَقلت: لَا بُد أَن تُحَدِّثنِي بحديثك.
فَقَالَ: أَنا رجل كَانَت لله، ، عَليّ نعْمَة جليلة، وَكنت صيرفيا، فابتعت جَارِيَة بِخمْس مائَة دِينَار، فعشقتها عشقا عَظِيما، وَكنت لَا أقدر أَن أفارقها سَاعَة وَاحِدَة، فَإِذا خرجت إِلَى الدّكان؛ أَخَذَنِي كالجنون والهيمان، حَتَّى أَعُود فأجلس مَعهَا يومي كُله.
فدام ذَلِك حَتَّى تعطل دكاني، وتعطل كسبي، وَأَقْبَلت أنْفق من رَأس المَال، حَتَّى لم يبْق مِنْهُ قَلِيل وَلَا كثير، وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أُطِيق أَن أفارقها.
فحبلت الْجَارِيَة، وَأَقْبَلت أنقض دَاري، وأبيع نقضهَا، حَتَّى فرغت من ذَلِك، فَلم تبْق لي حِيلَة.
فضربها الطلق، فَقَالَت: يَا هَذَا، هوذا أَمُوت، فاحتل فِيمَا تبْتَاع بِهِ عسلا، ودقيقا، وشيرجا، وَلَحْمًا، وَإِلَّا مت.
فَبَكَيْت، وحزنت، وَخرجت على وَجْهي، وَجئْت لأغرق نَفسِي فِي دجلة، فَذكرت حلاوة النَّفس، وَخَوف الْعقَاب فِي الْآخِرَة، فامتنعت.
ثمَّ خرجت هائما على وَجْهي إِلَى النهروان، وَمَا زلت أَمْشِي من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة، حَتَّى بلغت خُرَاسَان، فاصدفت بهَا من عرفني، وتصرفت فِي ضيَاعه، وَرَزَقَنِي الله، ، مَالا عَظِيما، فأثريت، واتسعت حَالي، وَمَكَثت
стр. 992
سِنِين، لَا أعرف خبر منزلي، فَلم أَشك أَن الْجَارِيَة قد مَاتَت.
وتراخت السنون حَتَّى حصل لي مَا قِيمَته عشرُون ألف دِينَار.
فَقلت: قد صَارَت لي نعْمَة، فَلَو رجعت إِلَى وطني.
فابتعت بِالْمَالِ كُله، مَتَاعا من خُرَاسَان، وَأَقْبَلت أُرِيد الْعرَاق، من طَرِيق فَارس والأهواز.
فَلَمَّا حصل بَينهمَا؛ خرج على الْقَافِلَة لصوص، فَأخذُوا جَمِيع مَا فِيهَا، ونجوت بثيابي، وعدت فَقِيرا.
وَدخلت الأهواز، فَبَقيت بهَا متحيرا، حَتَّى كشف خبري لبَعض أَهلهَا مِمَّن أعرفهُ، فَأَعْطَانِي مَا تحملت بِهِ إِلَى وَاسِط.
ونفدت نفقتي، فمشيت إِلَى هَذَا الْموضع، وَقد كدت أتلف، فاستغثت بك، ولي مُنْذُ فَارَقت بَغْدَاد، ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة.
فعجبت من ذَلِك، وَقلت لَهُ: اذْهَبْ، فاعرف خبر أهلك، وصر إِلَيّ، فَإِنِّي أتقدم بتصريفك فِيمَا يصلح لمثلك، فَشكر، ودعا، ودخلنا بَغْدَاد.
وَمَضَت على ذَلِك مُدَّة طَوِيلَة، أنسيته فِيهَا، فَبينا أَنا يَوْمًا، قد ركبت، أُرِيد دَار الْمَأْمُون، وَإِذا بالشيخ على بَابي، رَاكِبًا بغلا فارها، بمركب محلى ثقيل، وَغُلَام أسود بَين يَدَيْهِ، وَثيَاب حَسَنَة.
فَلَمَّا رَأَيْته رَحبَتْ بِهِ، وَقلت: مَا الْخَبَر؟ فَقَالَ: طَوِيل، وهأنا آتِي إِلَيْك فِي غَد، وأحدثك بالْخبر.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ جَاءَنِي، فَقلت لَهُ: عرفني خبرك، فقد سررت بسلامتك، وبظاهر حالك.
فَقَالَ: إِنِّي صعدت من زلالك، فقصدت دَاري، فَوجدت حائطها الَّذِي يَلِي الطَّرِيق كَمَا خلفته، غير أَن بَاب الدَّار كَانَ مجلوا نظيفا، وَعَلِيهِ دكاكين وبواب وبغال مَعَ شاكرية.
стр. 993
فَقلت: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، مَاتَت جاريتي، وَملك الدَّار بعض الْجِيرَان، فَبَاعَهَا من رجل من أَصْحَاب السُّلْطَان.
ثمَّ تقدم ﵎ إِلَى بقال كنت أعرفهُ فِي الْمحلة، فَوجدت فِي دكانه غُلَاما حَدثا.
فَقلت لَهُ: من تكون من فلَان الْبَقَّال؟ فَقَالَ: أَنا ابْنه.
فَقلت: وَمَتى مَاتَ؟ قَالَ: مُنْذُ عشْرين سنة.
قلت: لمن هَذِه الدَّار؟ قَالَ لِابْنِ داية أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهُوَ الْآن صَاحب بَيت مَاله.
قلت: بِمن يعرف؟ قَالَ: بِابْن فلَان الصَّيْرَفِي، فأسماني.
قلت: فَهَذِهِ الدَّار من بَاعهَا إِلَيْهِ.
قَالَ: هَذِه دَار أَبِيه.
قلت: وَأَبوهُ يعِيش؟ قَالَ: لَا.
قلت: أتعرف من حَدِيثهمْ شَيْئا؟ قَالَ: نعم، حَدثنِي أبي، أَن وَالِد هَذَا الرجل كَانَ صيرفيا جَلِيلًا، فافتقر، وَأَن أم هَذَا الرجل ضربهَا الطلق، فَخرج أَبوهُ يطْلب لَهَا شَيْئا، ففقد، وَهلك.
وَقَالَ أبي: جَاءَنِي رَسُول أم هَذَا، يطْلب لَهَا شَيْئا، وَهِي تستغيث بِي، فَقُمْت لَهَا بحوائج الْولادَة، وَدفعت لَهَا عشرَة دَرَاهِم، فَمَا أنفقتها حَتَّى قيل: قد ولد لأمير الْمُؤمنِينَ الرشيد مَوْلُود ذكر، وَقد عرض عَلَيْهِ جَمِيع الدايات، فَلم يقبل ثديهن، وَقد طلب لَهُ الْحَرَائِر، فجاءوه بِغَيْر وَاحِدَة، فَمَا أَخذ ثدي وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وهم فِي طلب مرضع.
стр. 994
فأرشدت الَّذِي طلب الداية إِلَى أم هَذَا، فَحملت إِلَى دَار الرشيد، فحين وضع فَم الصَّبِي على ثديها، قبله، فأرضعته، وَكَانَ الصَّبِي الْمَأْمُون، وَصَارَت عِنْدهم فِي حَال جليلة، وَوصل إِلَيْهَا مِنْهُم خير كثير.
ثمَّ خرج الْمَأْمُون إِلَى خُرَاسَان، وَخرجت هَذِه الْمَرْأَة وَابْنهَا هَذَا مَعهَا، وَلم نَعْرِف أخبارهم إِلَّا مُنْذُ قريب، لما عَاد الْمَأْمُون، وعادت حَاشِيَته، رَأينَا هَذَا قد صَار رجلا، وَلم أكن رَأَيْته قبل قطّ، وَقد كَانَ أبي مَاتَ.
فَقَالُوا: هَذَا ابْن فلَان الصَّيْرَفِي، وَابْن داية الْخَلِيفَة الْمَأْمُون، فَبنى هَذِه الدَّار وسواها.
فَقلت: فعندك علم من أمه أَهِي حَيَّة، أم ميتَة؟ قَالَ: هِيَ حَيَّة، تمْضِي إِلَى دَار الْخَلِيفَة أَيَّامًا، وَتَكون عِنْد ابْنهَا أَيَّامًا هُنَا.
فحمدت الله، تَعَالَى، على هَذِه الْحَال، وَجئْت، حَتَّى دخلت الدَّار مَعَ النَّاس، فَرَأَيْت الصحن فِي نِهَايَة الْعِمَارَة وَالْحسن، وَفِيه مجْلِس كَبِير مفروش بفرش فاخرة، وَفِي صَدره رجل شَاب بَين يَدَيْهِ كتاب وجهابذة، وحساب يَسْتَوْفِيه عَلَيْهِم، وَفِي صفاف الدَّار وَبَعض مجالسها جهابذة، بَين أَيْديهم الْأَمْوَال والتخوت والشواهين، يقبضون ويقبضون.
وبصرت بالفتى، فَرَأَيْت شبهي فِيهِ، فَعلمت أَنه ابْني، فَجَلَست فِي غمار النَّاس، إِلَى أَن لم يبْق فِي الْمجْلس غَيْرِي، فَأقبل عَليّ.
فَقَالَ: يَا شيخ، هَل من حَاجَة تَقُولهَا؟ فَقلت: نعم، وَلكنه أَمر لَا يجوز أَن يسمعهُ غَيْرك.
стр. 995
فَأَوْمأ إِلَى غلْمَان كَانُوا قيَاما حوله، وَقَالَ: قل، أعزّك الله.
قلت: أَنا أَبوك.
فَلَمَّا سمع ذَلِك تغير وَجهه، ثمَّ وثب مسرعا، وَتَرَكَنِي مَكَاني.
فَلم أشعر إِلَّا بخادم جَاءَنِي، فَقَالَ: قُم يَا سَيِّدي، فَقُمْت أَسِير مَعَه، حَتَّى بلغت ستارة مَنْصُوبَة، فِي دَار لَطِيفَة، وكرسي بَين يَديهَا، والفتى جَالس على كرْسِي آخر.
فَقَالَ: اجْلِسْ، أَيهَا الشَّيْخ.
فَجَلَست على الْكُرْسِيّ، وَدخل الْخَادِم، فَإِذا بحركة خلف الستارة.
فَقلت: أَظُنك تُرِيدُ أَن تختبر صدق مَا قلت لَك من جِهَة فُلَانَة، وَذكرت اسْم جاريتي، أمه.
قَالَ: فَإِذا بالستارة قد كشفت، وَالْجَارِيَة قد خرجت إِلَيّ، فَوَقَعت عَليّ تقبلني وتبكي، وَتقول: مولَايَ، وَالله.
قَالَ: فَرَأَيْت الْفَتى، قد تشوش، وبهت، وتحير.
فَقلت لِلْجَارِيَةِ: وَيحك، مَا خبرك؟ فَقَالَت: دع خبري، فَفِي مشاهدتك مِمَّا تفضل الله، ، بذلك كِفَايَة، إِلَى أَن أخْبرك، فَقل مَا كَانَ من خبرك أَنْت؟ فقصصت عَلَيْهَا خبري، مُنْذُ يَوْم خروجي من عِنْدهَا، إِلَى يومي ذَاك، وقصت هِيَ عَليّ قصَّتهَا، مثل مَا قَالَ ابْن الْبَقَّال، وأعجب، وأشرح، وكل ذَلِك بمرأى من الْفَتى ومسمع، فَلَمَّا استوفى الحَدِيث؛ خرج وَتَرَكَنِي فِي مَكَاني.
قَالَ: وَإِذا أَنا بخادم، قَالَ: يَا مولَايَ، يَسْأَلك ولدك أَن تخرج إِلَيْهِ.
قَالَ: فَخرجت إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي من بعيد؛ قَامَ قَائِما على رجلَيْهِ، وَقَالَ: معذرة إِلَى الله، وَإِلَيْك يَا أَبَة، من تقصيري فِي حَقك، فَإِنَّهُ فجأني من أَمرك، مَا لم أَظن أَنه يكون، والآن فَهَذِهِ النِّعْمَة لَك، وَأَنا ولدك، وأمير الْمُؤمنِينَ مُجْتَهد بِي
стр. 996
مُنْذُ دهر، أَن أدع هَذِه الجهبذة، وأتوفر على خدمته فِي الدَّار، فَلَا أفعل؛ طلبا للتمسك بصنعتي، والآن، فَأَنا أسأله أَن يرد إِلَيْك عَمَلي، وأخدمه أَنا فِي غَيرهَا، فَقُمْ عَاجلا، وَأصْلح أَمرك.
فَأخذت إِلَى الْحمام ونظفت، وجاءوني بخلعة، فألبستها، وَخرجت إِلَى حجرَة والدته، فَجَلَست فِيهَا.
ثمَّ أدخلني على أَمِير الْمُؤمنِينَ، وحدثته بحديثي، وخلع عَليّ، ورد إِلَيّ الْعَمَل الَّذِي كَانَ إِلَى وَلَدي، وأجرى عَليّ من الرزق، فِي كل شهر كَذَا، وقلد ابْني أعمالا هِيَ من أجل عمله، وأضعف لَهُ أرزاقه، وَأمره بِلُزُوم حَضرته فِي أَشْيَاء اسْتَعْملهُ فِيهَا من خَاص أمره.
فَجئْت لأشكرك على مَا عاملتني بِهِ من الْجَمِيل، وأعرفك بتجدد النِّعْمَة.
قَالَ عَمْرو بن مسْعدَة: فَلَمَّا أسمى الْفَتى؛ علمت أَنه ابْن داية الْمَأْمُون، كَمَا قَالَ.
стр. 997
سقط عَلَيْهِ حَائِط ونهض سالما
حَدثنِي عمر بن عبد الْملك بن الْحسن بن يُوسُف السَّقطِي، وَكَانَ خليفتي على الْقَضَاء بحران ونواح من ديار مُضر، ثمَّ خلفني على قِطْعَة من سقِِي الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْخطاب مُحَمَّد بن أَحْمد بن زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ، الشَّاهِد بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: غلست يَوْمًا، أُرِيد مَسْجِد الزياديين، بشارع المربد، لوعد كَانَ عَليّ فِيهِ، وَكَانَت الرّيح قَوِيَّة، وَإِذا بَين يَدي بأذرع رجل يمشي.
فَلَمَّا بلغنَا دَار ريَاح؛ قلعت الرّيح ستْرَة آجر وجص على رَأسه حَائِط، فرمت بهَا على ذَلِك الرجل، فَلم أَشك فِي هَلَاكه، وَارْتَفَعت غبرة عَظِيمَة أفزعتني، فَرَجَعت.
فَلَمَّا سكنت؛ عدت أسلك الطَّرِيق، حَتَّى إِذا دست بعض الستْرَة، لم أجد الرجل، فعجبت.
وتممت طريقي، حَتَّى دخلت مَسْجِد الزياديين، فَرَأَيْت أهل الْمَسْجِد مُجْتَمعين، فحدثتهم بِمَا رَأَيْت فِي طريقي، وشاكرا لله، ، على سلامتي.
فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا أَبَا الْخطاب، أَنا الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ الستْرَة، وَذَلِكَ أَنِّي قصدت هَذَا الْمَسْجِد لمثل مَا وعدت لَهُ، فَلَمَّا سَقَطت الستْرَة لم أحس
стр. 998
بِضَرَر لَحِقَنِي، وَوجدت نَفسِي قَائِما سالما، فحمدت الله، تَعَالَى، وتحيرت، ووقفت حَتَّى انجلت الغبرة، فتأملت الصُّورَة، فَإِذا فِي الستْرَة مَوضِع بَاب كَبِير، وَقد سقط بَاقِي الستْرَة حواليّ، وَسَائِر جَسَدِي فِي مَوضِع ذَلِك الْبَاب، فَخرجت مِنْهُ إِلَى هَهُنَا.
стр. 999
نَفَاهُ الواثق وَأَعَادَهُ المتَوَكل
وَوجدت بِخَط جحظة: حَدثنِي عبيد الله بن عملا البازيار، نديم المتَوَكل، قَالَ: لما نفاني الواثق من سر من رأى إِلَى الْبَحْر؛ من أجل خدمتي لجَعْفَر؛ لحقتني إِضَافَة شَدِيدَة، وغموم مُتَّصِلَة، واستبعدت الْفرج.
فَكنت أبكر فِي كل يَوْم بباشق على يَدي إِلَى الصَّحرَاء، فأرجع بالدراجة والدراجتين، فَيكون ذَلِك قوتي لإضاقتي.
فَدخلت يَوْم جُمُعَة إِلَى الْجَامِع؛ لأصلي قَرِيبا من الْمِنْبَر، وَلَيْسَ معي خبر، فَإِذا الْخَطِيب يخْطب: اللَّهُمَّ أصلح عَبدك وخليفتك عبد الله جَعْفَر الإِمَام المتَوَكل على الله، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فداخل قلبِي من السرُور حَال، لم أدر مَعَه فِي أَي مَكَان أَنا.
قَالَ: وَسَقَطت مغشيا عَليّ، فَظن النَّاس أَنِّي قد صرعت، فأخرجوني، فمشيت إِلَى الْموضع الَّذِي أسْكنهُ، فَإِذا البُرُد على بَابي، يطلبونني.
فركبت مَعَهم إِلَى المتَوَكل، فَكَانَ من أَمْرِي مَعَه مَا كَانَ، وَزَادَنِي على الْغنى دَرَجَات عَظِيمَة، وعدت إِلَى حَالي من الْيَسَار.
стр. 1000
البحتري يهنئ الْفَتْح بنجاته من الْغَرق
وَحدثت: أَن الْفَتْح بن خاقَان، اجتاز على بعض القناطر، وَهُوَ يتصيد، وَقد انْقَطع من عسكره، فانخسفت القنطرة من تَحْتَهُ، فغرق.
فَرَآهُ أكار، وَهُوَ لَا بعرفه، فَطرح نَفسه وَرَاءه، وخلصه، وَقد كَاد أَن يتْلف، ولحقه أَصْحَابه، فَأمر للأكار بِمَال عَظِيم، وَصدق بِمثلِهِ.
فَدخل إِلَيْهِ البحتري، فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا:
مَتى لَاحَ أَو بدا طل قفر ... جرى مستهل لَا بكي وَلَا نزر
وفيهَا يَقُول:
لقد كَانَ يَوْم النَّهر يَوْم عَظِيمَة ... أطلت ونعماء جرى بهما النَّهر
أجزت عَلَيْهِ عابرا فتشاعبت ... أواذيه لما أَن طما فَوْقه الْبَحْر
стр. 1001
وزالت أواخي الجسر وانهدمت بِهِ ... قَوَاعِده الْعُظْمَى وَمَا ظلم الجسر
تحمل حلما مثل قدس وهمة ... كرضوى وَقدرا لَيْسَ يعدله قدر
فَمَا كَانَ ذَاك الهول إِلَّا غيابة ... بدا طالعا من تَحت ظلمتها الْبَدْر
فَإِن ننس نعمى الله فِيك فحظنا ... أضعنا وَإِن نشكر فقد وَجب الشُّكْر
فَقَالَ لَهُ الْفَتْح: النَّاس يهنئونا بنثر، وَأَنت بنظم، وبراحة، وَأَنت بتعب، وأجزل صلته.
стр. 1002
الْبَاب الثَّامِن
فِيمَن أشفى على أَن يقتل فَكَانَ الْخَلَاص من الْقَتْل إِلَيْهِ أعجل
بَدَأَ الْهَادِي خِلَافَته بتنحية الرّبيع عَن الوزارة واستيزار إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي
ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب (الوزراء) : أَن إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي الْأَعْوَر الْكَاتِب، صَاحب طاق الْحَرَّانِي بِبَغْدَاد، كَانَ خَاصّا بالمهدي.
قَالَ: وَإِن الْمهْدي أنفذ مُوسَى ابْنه إِلَى جرجان، وأنفذ مَعَه إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي، فَخص إِبْرَاهِيم بمُوسَى، ولطف مَوْضِعه مِنْهُ.
فاتصل بالمهدي عَنهُ أَشْيَاء تزيد فِيهَا عَلَيْهِ أعداؤه وكثروا، فَكتب الْمهْدي إِلَى مُوسَى فِي حمله إِلَيْهِ، فضن بِهِ، ودافع عَنهُ.
стр. 1003
فَكتب إِلَيْهِ الْمهْدي: إِن لم تحمله؛ خلعتك من الْعَهْد، وأسقطت منزلتك.
فَلم يجد مُوسَى من حمله بدا، وَحمله مَعَ بعض خدمه، مرفها، مكرما، وَقَالَ للخادم: إِذا دَنَوْت من مَحل الْمهْدي، فقيد إِبْرَاهِيم، واحمله فِي محمل، بِغَيْر وطاء وَلَا غطاء، وَألبسهُ جُبَّة صوف، وَأدْخلهُ بِهَذِهِ الصُّورَة، فامتثل الْخَادِم مَا أَمر بِهِ فِي ذَلِك.
وَاتفقَ أَنه ورد إِلَى الْعَسْكَر، وَالْمهْدِي يُرِيد الرّكُوب إِلَى الصَّيْد، وَهُوَ، إِذْ ذَاك، بالروذبار، فَبَصر بالموكب، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: خَادِم لمُوسَى، وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي.
فَقَالَ: وَمَا حَاجَتي إِلَى الصَّيْد، وَهل صيد أطيب من صيد إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي؟ قَالَ: فأدنيت مِنْهُ، وَهُوَ عَليّ ظهر فرسه.
فَقَالَ: إِبْرَاهِيم؟ قلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: لَا لبيْك، وَالله لأَقْتُلَنك، ثمَّ وَالله لأَقْتُلَنك، ثمَّ وَالله لأَقْتُلَنك، امْضِ، يَا خَادِم، بِهِ إِلَى المضرب.
فَحملت، وَقد يئست من الْفرج، وَمن نَفسِي، فَفَزِعت إِلَى الله، تَعَالَى، بِالدُّعَاءِ والابتهال.
стр. 1004
وَانْصَرف الْمهْدي، فَأكل اللوزينج المسموم الْمَشْهُور خَبره، فَمَاتَ من وقته، وتخلصت.
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، بعد هَذَا، أَن الْهَادِي لما بلغه موت الْمهْدي؛ نجا من جرجان إِلَى بَغْدَاد، على دَوَاب الْبَرِيد وَمَا سمع بخليفة ركل دَوَاب الْبَرِيد غَيره، فَدخل بَغْدَاد وَالربيع مولى الْمَنْصُور على الوزارة، كَمَا كَانَ يتقلدها للمهدي، فَصَرفهُ وقلد إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي.
стр. 1005
لما اعتقل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي حَبسه الْمَأْمُون عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء) : لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم بن الْمهْدي؛ حَبسه عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد، وَلم يزل فِي أزجه.
فَحكى يُوسُف بن إِبْرَاهِيم، مولى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، قَالَ: لما وَجه
стр. 1006
الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد؛ ليحبسه عِنْده؛ دخل إِبْرَاهِيم إِلَى أَحْمد.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: الْحَمد لله الَّذِي من عَليّ بمصيري إِلَيْك، وحصولي فِي دَارك وَتَحْت يدك، وَلم يبتلني بغيرك.
قَالَ إِبْرَاهِيم: فقطب أَحْمد، وَبسر فِي وَجْهي، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم، لقد حسن ظَنك بِي، إِذْ تتوهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَمرنِي بِضَرْب عُنُقك، أَنِّي أَتعدى ذَلِك إِلَى غير مَا أَمرنِي بِهِ فِيك.
قَالَ: فَأَرَدْت عَيْني فِي مَجْلِسه، فتبينت فِيمَن حضر من أهل خُرَاسَان إنكارا لقَوْله.
فَقلت: صدقت، يَابْنَ أبي خَالِد، إِن قتلتني بِأَمْر أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ كنت غير ملوم، وَكَذَلِكَ لَو أَمرنِي بالشق عَن قَلْبك وكبدك؛ فعلت ذَلِك، وَكنت غير ملوم.
وَلم أَحْمد رَبِّي، وَإِن كَانَ حَمده وَاجِبا فِي كل حَال، لحسن ظَنِّي بك، ولكنني علمت أَن لأمير الْمُؤمنِينَ خَزَنَة سيوف، وخزنة أَقْلَام، وَأَنه مَتى أَرَادَ قتل إِنْسَان؛ دَفعه إِلَى خَزَنَة السيوف، وَمَتى أَرَادَ مناظرته؛ دَفعه إِلَى خَزَنَة الأقلام.
فحمدت الله، تَعَالَى، على مَا من بِهِ عَليّ، من إحلاله إيَّايَ، مَحل من يساءل، لَا مَحل من يعاجل.
قَالَ: فَرَأَيْت وُجُوه كل من حوله قد أشرقت وأسفرت، وأعجبوا بِمَا كَانَ مني.
فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: النَّاس يَتَكَلَّمُونَ على قدر أنفسهم وآبائهم، وكلامك على قدر الْمهْدي وَقدر نَفسك، وكلامي على قدر خلقي وَقدر يزِيد الْأَحول، وَأَنا أستقبلك مِمَّا سبق مني فأقلني، أقَال الله عثرتك، وَسَهل أَمرك، وَعجل خلاصك.
стр. 1007
فَقلت: قد أقَال الله عثرتك.
قَالَ: وَمَا مَضَت لي فِي دَاره خَمْسُونَ لَيْلَة، حَتَّى سَار إِلَيّ فِي نصف اللَّيْل، فَأَخْرجنِي، وَألقى عَليّ درعا، وَظَاهر بدراعة، وحملني على دَابَّة، وَهُوَ يرْكض إِلَى الْجَانِب الغربي، فوقفني بَين الجسر والخلد.
فَوَقع فِي نَفسِي أَن إلقاءه عَليّ الدرْع، إِنَّمَا هُوَ لإيراده إيَّايَ على سَكرَان، فَأَرَادَ أَن يقيني بادرته، وَعلمت أَنه أَرَادَ أَنه إِذا ورد عَليّ أَمر، أَن أتماوت.
فخلفني مَعَ أَصْحَابه، وَمضى يرْكض، ثمَّ عَاد إِلَيّ.
ثمَّ قَالَ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: يَا فَاسق، ألم يكن لَك فِي السَّابِق الْقَدِيم من فعلك كِفَايَة تحولك عَمَّا كَانَ مِنْك فِي هَذِه اللَّيْلَة، الَّتِي وثب فِيهَا عَليّ ابْن عَائِشَة وَابْن الأفريقي، وَمن يتابعهما، وأضرابهم، حَتَّى اضطروني إِلَى أَن ركبت إِلَى المطبق لمحاربتهم، حَتَّى أَظْفرنِي الله، جلّ وَعز، بهم، فقتلتهم، وَأَنا ملحقك بهم، فاحتجّ لنَفسك، إِن كَانَت لَك حجَّة، وَإِلَّا فَإنَّك لَاحق بهم.
فَعلمت أَن الرسَالَة مِمَّن غلب عَلَيْهِ النَّبِيذ، وَأَنِّي أحتاج إِلَى إغضابه، حَتَّى يغلب غَضَبه السكر.
فَقلت: يَا أَبَا الْعَبَّاس، دمي فِي عُنُقك، فَاتق الله.
وَلَا تقتلني.
стр. 1008
فَقَالَ لي: يَا هَذَا، مَا الَّذِي يتهيأ لي أَن أعمل، وَهل يمكنني دفع شَيْء يَأْمُرنِي بِهِ؟ فَقلت: لَا، وَإِنِّي أُرِيد أَن أحقن دمي، بِأَن تُؤدِّي عني مَا تسمعه مني، وَإِنَّمَا تقتلني، إِذا أَجَبْته بِجَوَاب، فأديت عني غَيره، تَقْديرا مِنْك، أَنه أصلح وأدعى إِلَى سلامتي، فَلَا يتلَقَّى قَوْلك بِالْقبُولِ، فأد قولي كَمَا أَقُول.
فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: عَليّ عهد الله، أَن أؤدي مَا تَقول.
قَالَ: فَقلت: تَقول لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت تعقل، فَأَنت تعلم أَنِّي أَعقل، فَمَا أَشك أَنه سيستعيد مِنْك هَذَا القَوْل، فأعده.
وَتقول لَهُ: يَقُول لَك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، استترت مِنْك، وَأَنت خَارج عَن الْبَلَد، وَأَنا نَافِذ الْأَمر فِيهِ، وَمَعِي عَالم من النَّاس، وأثب بك فِي مدينتك، ومدينة آبَائِك، وَأَنا أَسِير فِي سرب ابْن أبي خَالِد، مَعَ نفر محبسين، مثقلين بالحديد؟ هَذَا مَا لَا يقبله عَاقل.
فَأدى أَحْمد رسَالَته إِلَى الْمَأْمُون، فَقَالَ: صدق، فاردده إِلَى مَوْضِعه.
فركض أَحْمد إِلَيّ، وَهُوَ يُنَادي: سَلامَة سَلامَة، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، وَانْصَرف إِلَى منزله.
قَالَ ابْن عَبدُوس: فَأَقَامَ فِيهِ، إِلَى أَن انْصَرف الْمَأْمُون؛ لنكاح بوران، فأشخصه مَعَه إِلَى فَم الصُّلْح، وَسَأَلته بوران بنت الْحسن بن سهل، فَرضِي عَنهُ.
стр. 1009
جِيءَ بإبراهيم بن الْمهْدي وَهُوَ مذنب وَخرج وَهُوَ مثاب
وحَدثني أَبُو الْعَلَاء الدَّلال الْبَصْرِيّ، بهَا، قَالَ: حَدثنِي أَبُو نصر بن أبي دؤاد، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد الْمَأْمُون، وَقد جَاءُوهُ بإبراهيم بن الْمهْدي، وَفِي عُنُقه ساجور، وَفِي رجله قيدان، فَوقف بَين يَدي الْمَأْمُون.
فَقَالَ لَهُ: هيه، يَا إِبْرَاهِيم، إِنِّي استشرت فِي أَمرك، فأشير عَليّ بقتلك، فَرَأَيْت ذَنْبك يقصر عَن وَاجِب حق عمومتك.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبيت أَن تَأْخُذ حَقك إِلَّا من حَيْثُ عودك الله، تَعَالَى، وَهُوَ الْعَفو عَن قدرَة.
فَقَالَ الْمَأْمُون: مَاتَ، وَالله، الحقد، عِنْد هَذَا الْعذر، يَا غُلَام، لَا يتَخَلَّف أحد من أهل المملكة عَن الرّكُوب بَين يَدَيْهِ عشر بدر، وَعشرَة تخوت ثِيَاب.
قَالَ: مَا رَأَيْت إنْسَانا جِيءَ بِهِ وَهُوَ مذنب، فَخرج وَهُوَ مثاب، وَأهل المملكة بَين يَدَيْهِ، إِلَّا هُوَ.
стр. 1010
قبض على إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَهُوَ بزِي امْرَأَة
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي الحنطبي: أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، لما طَال استتاره من الْمَأْمُون؛ ضَاقَ صَدره، فَخرج لَيْلَة من مَوضِع كَانَ فِيهِ مستخفيا، يُرِيد موضعا آخر، فِي زِيّ امْرَأَة، وَكَانَ عَطِرا.
فَعرض لَهُ حارس، فَلَمَّا شم مِنْهُ رَائِحَة الطّيب؛ ارتاب بِهِ، فَكَلمهُ، فَلم يجب، فَعلم أَنه رجل، فضبطه.
فَقَالَ لَهُ: خُذ خَاتمِي، فثمنه ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم وخلني، فَأبى، وعلق بِهِ، وَحمله إِلَى صَاحب الشرطة، فَأتى بِهِ الْمَأْمُون.
فَلَمَّا أَدخل دَاره، وَعرف خَبره؛ أَمر بِأَن يدْخل إِلَيْهِ، إِذا دعِي، على الْحَال الَّتِي أَخذ عَلَيْهَا.
ثمَّ جلس مَجْلِسا عَاما، وَقَامَ خطيب بِحَضْرَة الْمَأْمُون، يخْطب بفضله، وَمَا رزقه الله، جلت عَظمته، من الظفر بإبراهيم.
стр. 1011
وَأدْخل إِبْرَاهِيم بزيه، فَسلم على الْمَأْمُون، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن ولي الثأر محكّم فِي الْقصاص، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَمن تناولته يَد الاغترار، بِمَا مد لَهُ من أَسبَاب الرَّجَاء، لم يَأْمَن عَادِية الدَّهْر، وَلست أَخْلو عنْدك من أَن أكون عَاقِلا، أَو جَاهِلا، فَإِن كنت جَاهِلا فقد سقط عني اللوم من الله، تَعَالَى، وَإِن كنت عَاقِلا، فَيجب أَن تعلم أَن الله، ، قد جعلك فَوق كل ذِي عَفْو، كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دوني، فَإِن تؤاخذ؛ فبحقك، وَإِن تعف؛ فبفضلك، ثمَّ قَالَ:
ذَنبي إِلَيْك عَظِيم ... وَأَنت أعظم مِنْهُ
فَخذ بحقك أَو لَا ... فاصفح بِحِلْمِك عَنهُ
إِن لم أكن فِي فعالي ... من الْكِرَام فكنه
وَقَالَ:
أذنبت ذَنبا عَظِيما ... وَأَنت للعفو أهل
فَإِن عَفَوْت فمَنّ ... وَإِن جزيت فَعدل
قَالَ: فرق لَهُ الْمَأْمُون، وَأَقْبل على أَخِيه أبي إِسْحَاق وَابْنه الْعَبَّاس والقواد،
стр. 1012
وَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِي أمره؟ فَقَالَ بَعضهم: يضْرب عُنُقه.
وَقَالَ الْبَعْض: تقطع أَطْرَافه، وَيتْرك إِلَى أَن يَمُوت، وكل أَشَارَ بقتْله، وَإِن اخْتلفُوا فِي القتلة.
فَقَالَ الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: مَا تَقول أَنْت، يَا أَحْمد؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن قَتله؛ وجدت مثلك قد قتل مثله، وَإِن عَفَوْت عَنهُ؛ لم تَجِد مثلك قد عَفا عَن مثله، فَأَي أحب إِلَيْك؛ أَن تفعل فعلا تَجِد لَك فِيهِ شَرِيكا، أَو أَن تنفرد بِالْفَضْلِ؟ فَأَطْرَقَ الْمَأْمُون طَويلا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: أعد عَليّ مَا قلت، يَا أَحْمد، فَأَعَادَ.
فَقَالَ الْمَأْمُون: بل ننفرد بِالْفَضْلِ، وَلَا رَأْي لنا فِي الشّركَة.
فكشف إِبْرَاهِيم المقنعة عَن رَأسه، وَكبر تَكْبِيرَة عالية، وَقَالَ: عَفا، وَالله، أَمِير الْمُؤمنِينَ عني، بِصَوْت كَاد الإيوان أَن يتزعزع مِنْهُ، وَكَانَ طَويلا، آدم، جعد الشّعْر، جَهورِي الصَّوْت.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا بَأْس عَلَيْك، يَا عَم، وَأمر بحبسه فِي دَار أَحْمد بن أبي خَالِد.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهر؛ أحضرهُ الْمَأْمُون، وَقَالَ لَهُ: اعتذر عَن ذَنْبك.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ذَنبي أجل من أَن أتفوه مَعَه بِعُذْر، وعفو أَمِير الْمُؤمنِينَ أعظم من أَن أنطق مَعَه بشكر، وَلَكِنِّي أَقُول:
стр. 1013
تفديك نَفسِي أَن تضيق بِصَالح ... وَالْعَفو مِنْك بِفضل جود وَاسع
إِن الَّذِي خلق المكارم حازها ... فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع
ملئت قُلُوب النَّاس مِنْك مهابة ... وتظل تكلؤهم بقلب خاشع
فعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله ... عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين وَالِدَة بقلب جازع
رد الْحَيَاة إِلَيّ بعد ذهابها ... كرم المليك الْعَادِل المتواضع
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا تَثْرِيب عَلَيْك، يَا عَم، قد عَفَوْت عَنْك، فاستأنف الطَّاعَة متحرزا من الظنة، يصف عيشك، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ورد عَلَيْهِ مَاله وضياعه، فَقَالَ إِبْرَاهِيم يشكره فِي ذَلِك:
رددتَ مَالِي وَلم تبخل عَليّ بِهِ ... وَقبل ردك مَالِي قد حقنت دمي
فأبتُ عَنْك وَقد خولتني نعما ... هما الحياتان من موت وَمن عدم
فَلَو بذلتُ دمي أبغي رضاك بِهِ ... وَالْمَال حَتَّى أسل النَّعْل من قدمي
مَا كَانَ ذَاك سوى عاريّة رجعت ... إِلَيْك لَو لم تعرها كنت لم تُلَمِ
وَقَامَ علمك بِي فاحتج عنْدك لي ... مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم
فَإِن جحدتك مَا أوليت من نعم ... إِنِّي لباللؤم أولى مِنْك بِالْكَرمِ
فَقَالَ الْمَأْمُون: إِن من الْكَلَام كلَاما كالدر، وَهَذَا مِنْهُ، وَأمر لإِبْرَاهِيم بخلع وَمَال، قيل: إِنَّه ألف ألف دِرْهَم.
وَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيم، إِن أَبَا إِسْحَاق وَأَبا عِيسَى أشارا عَليّ بقتلك.
стр. 1014
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: مَا الَّذِي قلت لَهما، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: قلت لَهما: إِن قرَابَته قريبَة، ورحمه ماسة، وَقد بدأنا بِأَمْر، وَيَنْبَغِي أَن نستتمه، فَإِن نكث فَالله مغير مَا بِهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيم: قد نصحا لَك، وَلَكِنَّك أَبيت إِلَّا مَا أَنْت أَهله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدفعت مَا خفت، بِمَا رَجَوْت.
فَقَالَ الْمَأْمُون: قد مَاتَ حقدي بحياة عذرك، وَقد عَفَوْت عَنْك، وَأعظم من عفوي عَنْك أنني لم أجرعك مرَارَة امتنان الشافعين.
стр. 1015
إِن من أعظم المحنة أَن تسبق أُميَّة هاشما إِلَى مكرمَة
وحَدثني أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، وَمُحَمّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد النَّحْوِيّ؛ يعنيان: أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد، قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن مَرْوَان، قَالَ: لما دخل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي على الْمَأْمُون وَقد ظفر بِهِ؛ كَلمه بِكَلَام كَانَ سعيد بن الْعَاصِ كلم بِهِ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فِي سخطَة سخطها عَلَيْهِ، واستعطفه بِهِ، وَكَانَ الْمَأْمُون يحفظ الْكَلَام.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: هَيْهَات يَا إِبْرَاهِيم، هَذَا كَلَام قد سَبَقَك بِهِ، فَحل بني الْعَاصِ وقارحهم سعيد بن الْعَاصِ، خَاطب بِهِ مُعَاوِيَة.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: وَأَنت إِن عَفَوْت عني؛ فقد سَبَقَك، فَحل بني حَرْب، وقارحهم إِلَى الْعَفو، وَلم تكن حَالي فِي ذَلِك، أبعد من حَال سعيد عِنْد مُعَاوِيَة، فَإنَّك أشرف مِنْهُ، وَأَنا أشرف من سعيد، وَأَنا أقرب إِلَيْك من سعيد إِلَى مُعَاوِيَة، وَإِن من أعظم المحنة أَن تسبق أُميَّة هاشما إِلَى مكرمَة.
فَقَالَ لَهُ: صدقت، يَا عَم، وَقد عَفَوْت عَنْك.
стр. 1016
لما قدم للْقَتْل تماسك فَلَمَّا عُفيَ عَنهُ بَكَى
وجدت فِي بعض الْكتب: أَنه لما حصل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي قَبْضَة الْمَأْمُون؛ لم يشك هُوَ وَغَيره فِي أَنه مقتول، فَأطَال حَبسه فِي مطمورة، بأسوإ حَال وأقبحها.
قَالَ إِبْرَاهِيم: فأيست من نَفسِي، ووطنتها على الْقَتْل، وتعزيت عَن الْحَيَاة، حَتَّى صرت أتمني الْقَتْل؛ للراحة من الْعَذَاب، وَمَا أؤمله فِي الْآخِرَة، من حُصُول الثَّوَاب.
فَبينا أَنا كَذَلِك؛ إِذْ دخل عَليّ أَحْمد بن أبي خَالِد مبادرا، فَقَالَ: اعهد، فقد أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بِضَرْب عُنُقك.
فَقلت: أَعْطِنِي دَوَاة وقرطاسا، فَكتبت وَصِيَّة، ذكرت فِيهَا كلما احتجت إِلَيْهِ، وأسندتها إِلَى الْمَأْمُون، وشكلة والدتي، وتوضأت، فتطوعت رَكْعَات، وَمضى أَحْمد.
وفرغت من الصَّلَاة، وَجَلَست أتوقع الْقَتْل، فَعَاد إِلَيّ أَحْمد بعد ساعتين،
стр. 1017
فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ، يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أَنا أَحْمد الله، جلت عَظمته، الَّذِي وفقني لصلة رَحِمك، والصفح عَنْك، وَقد أمّنك، ورد عَلَيْك نِعْمَتك، وَجَمِيع ضياعك وأملاكك، فَانْصَرف إِلَى دَارك.
قَالَ: فَبَدَأت أَدْعُو لِلْمَأْمُونِ، وَغلب الْبكاء عَليّ والانتحاب، وَهُوَ يطالبني بِالْجَوَابِ، وَأَنا غير مُتَمَكن مِنْهُ.
فَقَالَ لي أَحْمد: لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، أَخْبَرتك أَنِّي أمرت بِضَرْب عُنُقك، فَلم تجزع، وَلم تبك، ثمَّ أَخْبَرتك بتفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك، وصفحه عَنْك، فَلم تتمالك من الْبكاء.
فَقلت لَهُ: أما السُّكُوت عِنْد الْخَبَر الأول؛ فلأني لم أتوسم، مُنْذُ ظفر بِي، أَن أسلم من الْقَتْل، فَلَمَّا ورد عَليّ مَا لم أَشك فِيهِ؛ لم أجزع لَهُ، وَلم أبك.
وَأما بُكَائِي عِنْد الْخَبَر الثَّانِي، فوَاللَّه الْعَظِيم، شَأْنه مَا هُوَ عَن سرُور بِالْحَيَاةِ، وَلَا لرجوع النِّعْمَة، وَمَا بُكَائِي إِلَّا لما كَانَ مني فِي قطيعة رحم من عِنْده، بعد استحقاقي مِنْهُ الْقَتْل، مثل هَذَا الصفح الَّذِي لم يسمع فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، بِأَن أحدا أَتَى بِمثلِهِ، فقد حَاز أَمِير الْمُؤمنِينَ الثَّوَاب من الله، تَعَالَى، فِي صلَة رَحمَه، وبؤت أَنا بالإثم فِي قطيعة رحمي، وَقد أظهر إحسانه إساءتي، وحلمه جهلي، وفضله نقصي، وجوابي هُوَ مَا شاهدت وَسمعت.
فَرجع أَحْمد إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ، ثمَّ عَاد إِلَيّ بِمَال وخلع، ومركوب، فَانْصَرَفت إِلَى دَاري ونعمتي.
стр. 1018
قَالَ الْمَأْمُون لقد حبب إِلَيّ الْعَفو حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ
وَوجدت الْخَبَر على خلاف هَذِه الرِّوَايَة، فَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بـ: الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد النَّحْوِيّ، عَن الجاحظ، قَالَ: أرسل إِلَيّ ثُمَامَة، يَوْم حبس الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، فَحَضَرُوا، وَجِيء بإبراهيم.
قَالَ أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي عمي، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن عليل، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو الْأَنْبَارِي، من أنبار خُرَاسَان، قَالَ: لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم الْمهْدي؛ أحب أَن يوبخه على رُءُوس الأشهاد، فَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، وَجِيء بإبراهيم يرسف فِي قيوده، فَوقف على طرف الْبسَاط فِي طرف الإيوان، يحجل فِي قيوده.
فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَرَحْمَة الله، تَعَالَى، وَبَرَكَاته.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا سلم الله عَلَيْك، وَلَا كلأك، وَلَا حفظك، وَلَا رعاك.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: على رسلك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَقَد أَصبَحت ولي الثأر،
стр. 1019
وَالْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَقد أصبح ذَنبي فَوق كل ذَنْب، كَمَا أصبح عفوك فَوق كل عَفْو، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، فَإِن تعاقب فبحقك، وَإِن تعف فبفضلك، وَأَنت للعفو أقرب.
فَأَطْرَقَ الْمَأْمُون مَلِيًّا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: إِن هذَيْن أشارا عَليّ بقتلك؛ يَعْنِي: أَخَاهُ المعتصم، وَابْنه الْعَبَّاس، وَكَانَا يشيران عَلَيْهِ فِي مُعظم تَدْبِير الْخلَافَة والسياسة.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: لقد نصحا لَك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِيمَا أشارا عَلَيْك بِهِ، وَمَا غشاك، إِذْ كَانَ مني مَا كَانَ، وَلَكِن الله، ، عودك فِي الْعَفو عَادَة جريت عَلَيْهَا، دافعا مَا تخَاف بِمَا ترجو، فكفاك الله كل مَكْرُوه، وَدفع عَنْك كل مَحْذُور.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون، وَأَقْبل على ثُمَامَة، وَقَالَ: إِن من الْكَلَام مَا يفوق الدّرّ، ويغلب السحر، وَكَلَام عمي مِنْهُ، أَطْلقُوهُ، وفكوا عَن عمي حديده، وردوه إِلَيّ مكرما.
فَلَمَّا رد إِلَيْهِ؛ قَالَ: يَا عَم، صر إِلَيّ المنادمة، وارجع إِلَى الْأنس، فَلَنْ ترى مني أبدا إِلَّا مَا تحب، فَلَقَد حبب إِلَيّ الْعَفو، حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ، أما أَنه لَو علم النَّاس مَا لنا فِي الْعَفو من اللَّذَّة؛ لتقربوا إِلَيْنَا بِالذنُوبِ، لَا تَثْرِيب الْيَوْم عَلَيْك، يَا عَم، يغْفر الله لنا وَلَك، وَلَو لم يكن فِي حق نسبك مَا يبلغ الصفح عَن إساءتك، وَلَو لم يكن فِي حق قرابتك، مَا يسْتَحق الْعَفو عَن جرمك؛ لبلغت مَا أملت بِحسن تنصلك، ولطف توصلك، ثمَّ أَمر برد ضيَاعه وأمواله إِلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ بعث إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم درجا، فِيهِ هَذِه الأبيات:
стр. 1020
يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِ ... بعد الرَّسُول لآيس أَو طامع
وَالله يعلم مَا أَقُول فَإِنَّهَا ... جهد الألية من حنيف رَاكِع
قسما وَمَا أدلي إِلَيْهِ بِحجَّة ... إِلَّا التضرع من مقرّ خاشع
مَا إِن عصيتك والغواة تمد لي ... أَسبَابهَا إِلَّا بقلب طائع
حَتَّى إِذا علقت حبائل شقوتي ... بردي على حفر المهالك هائع
لم أدر أَن لمثل ذَنبي غافرا ... فأقمت أرقب أَي حتف صارعي
رد الْحَيَاة عَليّ بعد ذهابها ... عَفْو الإِمَام الْقَادِر المتواضع
أحياك من ولاك أطول مُدَّة ... وَرمى عَدوك فِي الوتين بقاطع
إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازها ... فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع
كم من يَد لَك لَا تُحَدِّثنِي بهَا ... نَفسِي إِذا آلت إِلَيّ مطامعي
أسديتها عفوا إِلَيّ هنيئة ... فَشَكَرت مصطنعا لأكرم صانع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع
وعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله ... عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع
إِلَّا الْعُلُوّ عَن الْعقُوبَة بعد مَا ... ظَفرت يداك بمستكين خاشع
قَالَ: فَبكى الْمَأْمُون، ثمَّ قَالَ: عَليّ بِهِ، فَخلع عَلَيْهِ، وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانَ ينادمه، لَا يُنكر مِنْهُ شَيْئا.
следующие страницы →