Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
فَقَالَت: اغلي زيتا، وأكوي بِهِ يَدي.
فَفعلت ذَلِك، وكويتها، وشددتها، وَقلت لَهَا: الْآن خبريني مَا دهاك، فامتنعت.
فَقلت: وَالله، إِن لم تحدثيني؛ لأكشفن أَمرك لأَبِيك.
فَقَالَت: إِنَّه وَقع فِي نَفسِي، مُنْذُ سِنِين، أَن أنبش الْقُبُور، فتقدمت إِلَى هَذِه الْجَارِيَة، فاشترت لي جلد مَاعِز بِشعرِهِ، واستعملت لي كفا من حَدِيد.
فَكنت إِذا أعتم اللَّيْل، أفتح الْبَاب، وآمرها أَن تنام فِي الدهليز، وَلَا تغلق الْبَاب، وألبس الْجلد، والكف الْحَدِيد، وأمشي على أَربع، فَلَا يشك الَّذِي يراني من فَوق سطح أَو غَيره، أنني كلب.
ثمَّ أخرج إِلَى الْمقْبرَة، وَقد عرفت من النَّهَار، خبر من يَمُوت من رُؤَسَاء الْبَلَد، وَأَيْنَ دفن، فأقصد قَبره، فأنبشه، وآخذ الأكفان، وأدخلها معي فِي الْجلد، وأمشي مشيتي، وأعود وَالْبَاب غير منغلق، فَأدْخل، وأغلقه، وأنزع تِلْكَ الْآلَة، فأدفعها إِلَى الْجَارِيَة، مَعَ مَا قد أخذت من الأكفان، فتخبئه فِي بَيت لَا تعلمُونَ بِهِ.
وَقد اجْتمع عِنْدِي نَحْو ثَلَاث مائَة كفن، أَو مَا يُقَارب هَذَا الْمِقْدَار، لَا أَدْرِي مَا أصنع بهَا، إِلَّا أَنِّي كنت أجد لهَذَا الْخُرُوج وَالْفِعْل لَذَّة لَا سَبَب لَهَا أَكثر من إصابتي بِهَذِهِ المحنة.
فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة؛ سلط عَليّ رجل أحس بِي، كَأَنَّهُ كَانَ حارسا لذَلِك الْقَبْر، فَقُمْت لأضرب وَجهه بالكف الْحَدِيد؛ ليشتغل عني، وأعدو، فداخلني
стр. 1052
بِالسَّيْفِ؛ ليضربني، فتوقيت الضَّرْبَة بيميني، فأبان كفي.
فَقلت لَهَا: أظهري أَن قد خرج فِي كفك خراج، وتعاللي، فَإِن الَّذِي بك من الصفار، يصدق قَوْلك.
فَإِذا مَضَت أَيَّام؛ قلت لأَبِيك: إِذا لم تقطع يدك، خبث جَمِيع جسدك، وَتَلفت، فَيَأْذَن فِي قطعهَا، فنظهر أَنا قد قَطعْنَاهَا، ويشيع الْخَبَر، حِينَئِذٍ، بِهَذَا، ويستتر أَمرك.
فعملنا على هَذَا، بعد أَن استتبتها، فتابت، وَحلفت بِاللَّه الْعَظِيم، لَا عَادَتْ تفعل شَيْئا من ذَلِك.
وَكنت قد حظر لي أَن أبيع هَذِه الْجَارِيَة إِلَى سفار، يغربها عَن هَذِه الْبَلَد الَّتِي نَحن فِيهَا، وأراعي مبيت الصبية، وأبيتها إِلَى جَانِبي، ففضحتنا ونفسك.
فَقَالَ القَاضِي للصبية: مَا تَقُولِينَ؟ فَقَالَت: صدقت أُمِّي، وَوَاللَّه، لَا عدت أبدا، وَأَنا تائبة إِلَى الله، تَعَالَى.
فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: هَذَا صَاحبك الَّذِي قطع يدك، فَكَادَتْ تتْلف جزعا.
ثمَّ قَالَ لي: يَا فَتى، من أَيْن أَنْت؟ قلت: من الْعرَاق.
قَالَ: فَفِيمَ وَردت؟ قلت: أطلب الرزق.
قَالَ: قد جَاءَك حَلَالا طيبا، نَحن قوم مياسير، وَللَّه علينا نعْمَة وَستر، فَلَا تنقص النِّعْمَة، وَلَا تهتك السّتْر، أَنا أزَوجك بِابْنَتي هَذِه، وأغنيك بِمَالي عَن النَّاس، وَتَكون مَعنا فِي دَارنَا.
فَقلت: نعم.
فَرفع الطَّعَام، ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد، وَالنَّاس مجتمعون ينتظرونه، فَخَطب،
стр. 1053
وزوجني، وَقَامَ، فَرجع، وأقعدني فِي الدَّار.
وَوَقعت الصبية فِي نَفسِي، حَتَّى كدت أَمُوت عشقا لَهَا، فافترعتها، وأقامت معي شهورا، وَهِي نافرة مني، وَأَنا أؤانسها، وأبكي حسرة على يَدهَا، وأعتذر إِلَيْهَا، وَهِي تظهر قبُول عُذْري، وَأَن الَّذِي بهَا غما على يَدهَا، وَهِي تزداد حنقا عَليّ.
إِلَى أَن نمت لَيْلَة، واستثقلت فِي نومي، فأحسست بثقل على صَدْرِي، فانتبهت جزعا، فَإِذا زَوْجَتي باركة على صَدْرِي، وركبتاها على يَدي، مستوثقة مِنْهُمَا، وَفِي يَدهَا سكين، وَقد أهوت لتذبحني، فاضطربت.
ورمت الْخَلَاص، فَتعذر، وخشيت أَن تبادرني، فَسكت، وَقلت لَهَا: كلميني، واعملي مَا شِئْت.
فَقَالَت لي: قل.
فَقلت: مَا يَدْعُوك إِلَى هَذَا؟ قَالَت: أظننت أَنَّك قد قطعت يَدي، وهتكتني، وَتَزَوَّجنِي مثلك، وتنجو سالما؟ وَالله لَا كَانَ هَذَا.
فَقلت: أما الذّبْح، فقد فاتك؛ وَلَكِنَّك تتمكنين من جراحات توقعينها بِي، وَلَا تأمنين أَن أفلت، فأذبحك، وأهرب، أَو أكشف هَذَا عَلَيْك، ثمَّ أسلمك إِلَى السُّلْطَان، فتنكشف جنايتك الأولى وَالثَّانيَِة، ويتبرأ مِنْك أَبوك وَأهْلك، وتقتلين.
فَقَالَت: افْعَل مَا شِئْت، لَا بُد من ذبحك، وَقد استوحش الْآن كل منا من صَاحبه.
فَنَظَرت، فَإِذا الْخَلَاص مِنْهَا بعيد، وَلَا بُد من أَن تجرح موضعا من بدني، فَيكون فِيهِ تلفي.
стр. 1054
فَقلت: لَيْسَ إِلَّا الْعَمَل فِي حِيلَة، فَقلت لَهَا: أوغير هَذَا؟ .
قَالَت: قل.
قلت: أطلقك السَّاعَة، وتفرجين عني، وَأخرج غَدا عَن الْبَلَد، فَلَا أَرَاك، وَلَا تريني أبدا، وَلَا يكْشف لَك حَدِيث فِي بلدك، وَلَا تفتضحي، وتزوجين بِمن شِئْت، فقد شاع أَن يدك قطعت بخراج خبثها، وتربحين السّتْر.
قَالَت: لَا أفعل، حَتَّى تحلف لي أَنَّك لَا تقيم فِي الْبَلَد، وَلَا تفضحني أبدا، وتعجل لي الطَّلَاق.
فطلقتها، وَحلفت لَهَا بالأيمان الْمُغَلَّظَة أَنِّي أخرج، وَلَا أفضحها، فَقَامَتْ عَن صَدْرِي تعدو؛ خوفًا من أَن أَقبض عَلَيْهَا، حَتَّى رمت الموسى من يَدهَا، بِحَيْثُ لَا أَدْرِي أَيْن هُوَ، وعادت.
وَأخذت تظهر أَن الَّذِي فعلته بِي مزاحا، وَأخذت تلاعبني، فَقلت: إِلَيْك عني، فقد حرمت عَليّ، وَلَا تحل لي ملامستك، وَفِي غَد أخرج عَنْك.
فَقَالَت: الْآن علمت صدقك، وَوَاللَّه، لَئِن لم تفعل؛ لَا نجوت من يَدي، وَقَامَت فجاءتني بصرة، وَقَالَت: هَذِه مائَة دِينَار، خُذْهَا نَفَقَة لَك، واكتب رقْعَة بطلاقي، واخرج غَدا.
فَأخذت الدَّنَانِير، وَخرجت من سحرة ذَلِك الْيَوْم، بعد أَن كتبت إِلَى أَبِيهَا، أنني قد طَلقتهَا ثَلَاثًا، وأنني خرجت حَيَاء مِنْهُ.
وَلم ألتق مَعَهم إِلَى الْآن.
стр. 1055
لَا جَزَاك الله من طَارق خيرا
حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب، الْمَعْرُوف وَالِده بـ: أبي اللَّيْث الهمذاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بديع الْعقيلِيّ، قَالَ: رَأَيْت فَتى من بني عقيل، فِي ظَهره كُله شَرط كَشَرط الْحجام، إِلَّا أَنَّهَا أكبر، فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك.
فَقَالَ: إِنِّي كنت هويت ابْنة عَم لي، وخطبتها، فَقَالُوا لي: إِنَّا لَا نُزَوِّجك إِيَّاهَا، إِلَّا بعد أَن تجْعَل الشبكة صَدَاقهَا، وَهِي فرس سَابِقَة كَانَت لبَعض بني بكر بن كلاب.
فتزوجتها على ذَلِك، وَخرجت أحتال فِي أَن أسل الْفرس؛ لأتمكن من الدُّخُول بابنة عمي.
قَالَ: فَأتيت الْحَيّ الَّذِي فِيهِ الْفرس، بِصُورَة مجتاز، فَمَا زلت أداخلهم، وَمرَّة أجيء إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ الرجل صَاحب الْفرس، كَأَنِّي سَائل، إِلَى أَن عرفت مربط الْفرس من الخباء، وَرَأَيْت لَهَا مهرَة.
فاحتلت حَتَّى دخلت الْبَيْت من كَسره، وحصلت خلف النضد تَحت عهن، كَانُوا نفشوه ليغزل، فَلَمَّا جن اللَّيْل؛ وافى صَاحب الْبَيْت، وَقد صنعت لَهُ الْمَرْأَة عشَاء، فَجَلَسَا يأكلان، وَقد استحكمت الظلمَة، وَلَا
стр. 1056
مِصْبَاح لَهُم، وَكنت ساغبا، فأخرجت يَدي، وأهويت إِلَى الْقَصعَة، وأكلت مَعَهُمَا.
فأحس الرجل بيَدي، فأنكرها، وَقبض عَلَيْهَا، فقبضت على يَد الْمَرْأَة بيَدي الْأُخْرَى.
فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: مَا لَك ويدي؟ فَظن أَنه قَابض على يَد الْمَرْأَة، فخلى يَدي، فخليت يَد الْمَرْأَة.
وأكلنا، ثمَّ أنْكرت الْمَرْأَة يَدي، وقبضت عَلَيْهَا، فقبضت على يَد الرجل، فَقَالَ لَهَا: مَا لَك ويدي؟ فخلت عَن يَدي، وخليت عَن يَده.
وانقضى الطَّعَام، واستلقى الرجل، ونام، فَلَمَّا استثقل، وَأَنا مراصدهم، وَالْفرس مُقَيّد، ومفتاح قيد الْفرس تَحت رَأس الْمَرْأَة.
فَوَافى عبد لَهُ أسود، فنبذ حَصَاة، فانتبهت الْمَرْأَة، وَقَامَت إِلَيْهِ، وَتركت الْمِفْتَاح فِي مَكَانَهُ، وَخرجت من الخباء إِلَى ظهر الْبَيْت ورمقتها بعيني، فَإِذا العَبْد قد علاها.
فَلَمَّا حصلا فِي شَأْنهمَا؛ دببت، فَأخذت الْمِفْتَاح، وَفتحت القفل، وَكَانَ معي لجام مَصْنُوع من شعر، فأوجرته الْفرس، وركبتها، وَخرجت عَلَيْهَا من الخباء.
فَقَامَتْ الْمَرْأَة من تَحت الْأسود، وَدخلت الخباء، ثمَّ صاحت، وذعر الْحَيّ، فصاحوا، وأحسوا بِي، وركبوا فِي طلبي، وَأَنا أكد الْفرس، وَخَلْفِي خلق مِنْهُم.
فَأَصْبَحت، وَلست أرى إِلَّا فَارِسًا وَاحِدًا بِرُمْح، فلحقني وَقد طلعت الشَّمْس، فَأخذ يطعنني، فَلَا تصل طعنته إِلَى أَكثر مِمَّا رَأَيْت من ظَهْري، لَا فرسه تلْحق بِي فتتمكن طعنته مني، وَلَا فرسي تبعدني إِلَى حَيْثُ لَا يمسني الرمْح.
حَتَّى وافيت إِلَى نهر جَار، فَصحت بالفرس، فوثبته، وَصَاح الْفَارِس
стр. 1057
بفرسه، فَلم تثب.
فَلَمَّا رَأَيْت عجزها عَن العبور، نزلت عَن فرسي لأستريح، وأريحها، فصاح بِي الرجل.
فَقلت: مَا لَك؟ فَقَالَ: يَا هَذَا، أَنا صَاحب الْفرس الَّتِي تَحْتك، وَهَذِه ابْنَتهَا، فَإِذا أَخَذتهَا، فَلَا تخدعن عَنْهَا، فَإِنَّهَا تَسَاوِي عشر ديات، وَعشر ديات، وَعشر ديات، وَمَا طلبت عَلَيْهَا شَيْئا قطّ إِلَّا لحقته، وَلَا طلبني أحد، وَأَنا عَلَيْهَا، إِلَّا فته، وَإِنَّمَا سميت الشبكة؛ لِأَنَّهَا لم ترد شَيْئا قطّ إِلَّا أَدْرَكته فَكَانَت كالشبكة فِي التَّعَلُّق بِهِ.
فَقلت لَهُ: أما إِذْ نصحتني، فوَاللَّه لأنصحنك، وَلَا أكذبك، إِنَّه كَانَ من أَمْرِي البارحة، كَيْت وَكَيْت، حَتَّى قصصت عَلَيْهِ قصَّة امْرَأَته، وَالْعَبْد، وحيلتي فِي الْفرس.
فَأَطْرَقَ سَاعَة، ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ، وَقَالَ: مَا لَك، لَا جَزَاك الله من طَارق خيرا، أخذت قعدتي، وَقتلت عَبدِي، وَطلقت ابْنة عمي.
стр. 1058
من زرع الْإِثْم حصد الدمار
وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد بن الحفا، قَالَ: حَدثنِي رجل من أهل الْجند، قَالَ: خرجت من بعض بلدان الشَّام، وَأَنا على دَابَّة لي، وَمَعِي خرج لي، فِيهِ ثِيَاب ودراهم.
فَلَمَّا سرت عدَّة فراسخ؛ لَحِقَنِي الْمسَاء، وَإِذا بدير عَظِيم، فِيهِ رَاهِب فِي صومعة.
فَنزل واستقبلني، وسألني الْمبيت عِنْده، وَأَن يضيفني، فَفعلت.
فَلَمَّا دخلت الدَّيْر؛ لم أجد فِيهِ غَيره، فَأخذ دَابَّتي، وَطرح لَهَا شَعِيرًا، وعزل رحلي فِي بَيت، وَجَاءَنِي بِمَاء حَار، وَكَانَ الزَّمَان شَدِيد الْبرد، وأوقد بَين يديّ نَارا، وَجَاءَنِي بِطَعَام طيب، من أَطْعِمَة الرهبان، فَأكلت، وبنبيذ فَشَرِبت.
وَمَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، فَأَرَدْت النّوم، فَقلت: أَدخل المستراح، قبل أَن أَنَام، فَسَأَلته عَنهُ، فدلني على طَرِيقه، وَكُنَّا فِي غرفَة.
فَلَمَّا صرت على بَاب المستراح، إِذا بَارِية مطروحة، فَلَمَّا صَارَت رجلاي
стр. 1059
عَلَيْهَا نزلت، فَإِذا أَنا فِي الصَّحرَاء، وَإِذا البارية قد كَانَت مطروحة على غير تسقيف.
وَكَانَ الثَّلج يسْقط فِي تِلْكَ اللَّيْلَة سقوطا عَظِيما، فَصحت، وقدرت أَن الَّذِي اسْتمرّ عَليّ من غير علمه، فَمَا كلمني.
فَقُمْت وَقد تجرح بدني، إِلَّا أَنِّي سَالم، فَجئْت، واستظللت بطاق بَاب الدَّيْر من الثَّلج.
فَمَا وقفت حينا حَتَّى رَأَيْت فِيهِ برابخ من فَوق رَأْسِي، وَقد جَاءَتْنِي مِنْهَا حِجَارَة، لَو تمكنت من دماغي لطحنته.
فَخرجت أعدو، وَصحت بِهِ، فشتمني، فَعلمت أَن ذَلِك من حيلته؛ طَمَعا فِي رحلي.
فَلَمَّا خرجت؛ وَقع الثَّلج عَليّ، فَعلمت أَنِّي تَالِف إِن دَامَ ذَلِك عَليّ، فولد لي الْفِكر أَن طلبت حجرا فِيهِ ثَلَاثُونَ رطلا وَأكْثر، فَوَضَعته على عَاتِقي تَارَة، وعَلى قفاي تَارَة، وَأَقْبَلت أعدو فِي الصَّحرَاء أشواطا، حَتَّى إِذا تعبت، وحميت وَجرى عرقي؛ طرحت الْحجر، وَجَلَست أستريح خلف الدَّيْر، من حَيْثُ يَقع لي أَن الراهب لَا يراني.
فَإِذا أحسست بِأَن الْبرد قد بَدَأَ يأخذني؛ تناولت الْحجر، وسعيت من الدَّيْر، وَلم أزل على هَذَا إِلَى الْغَدَاة.
فَلَمَّا كَانَ قبيل طُلُوع الشَّمْس، وَأَنا خلف الدَّيْر؛ إِذْ سَمِعت حَرَكَة بَابه، فتخفيت.
فَإِذا بِالرَّاهِبِ قد خرج، وَجَاء إِلَى مَوضِع سقوطي، فَلَمَّا لم يرني دَار حول الدَّيْر يطلبني، وَيَقُول، وَأَنا أسمعهُ: ترى، مَا فعل الميشوم؟ أَظن أَنه قدر أَن
стр. 1060
بِالْقربِ مِنْهُ قَرْيَة، فَقَامَ يمشي إِلَيْهَا، كَيفَ أعمل؟ فَاتَنِي سلبه، وَأَقْبل يمشي يطْلب أثري.
قَالَ: فخالفته إِلَى بَاب الدَّيْر، وحصلت دَاخله، وَقد مَشى هُوَ من ذَلِك الْمَكَان يطلبني حول الدَّيْر، فحصلت أَنا خلف بَاب الدَّيْر، وَقد كَانَ فِي وسطي سكين، فوقفت خلف الْبَاب، فَطَافَ الراهب، وَلم يبعد.
فَلَمَّا لم يقف لي على خبر؛ عَاد وَدخل، فحين بَدَأَ ليرد الْبَاب، وَخفت أَن يراني؛ ثرت عَلَيْهِ، ووجأته بالسكين، فصرعته، وذبحته.
وأغلقت بَاب الدَّيْر، وصعدت إِلَى الغرفة، فاصطليت بِنَار موقودة هُنَاكَ، هُنَاكَ، ودفئت، وخلعت عني تِلْكَ الثِّيَاب، وَفتحت خرجي، فَلبِست مِنْهُ ثيابًا جافة، وَأخذت كسَاء الراهب، فَنمت فِيهِ، فَمَا أَفَقْت إِلَى قريب من الْعَصْر.
ثمَّ انْتَبَهت وَأَنا سَالم، غير مُنكر شَيْئا من نَفسِي، فطفت بالدير، حَتَّى وقفت على طَعَام، فَأكلت مِنْهُ، وسكنت نَفسِي.
وَوَقعت مَفَاتِيح بيُوت الْحصن فِي يَدي، فَأَقْبَلت أفتح بَيْتا بَيْتا، فَإِذا بِمَال عَظِيم من عين، وورق، وَثيَاب، وآلات، ورحال قوم، وأخراجهم.
وَإِذا تِلْكَ عَادَة الراهب كَانَت مَعَ كل من يجتاز بِهِ وحيدا، ويتمكن مِنْهُ، فَلم أدر كَيفَ أعمل فِي نقل المَال، وَمَا وجدته.
فَلَيْسَتْ ثِيَاب الراهب، وأقمت فِي مَوْضِعه أَيَّامًا، أتراءى لمن يجتاز بالموضع من بعيد، فَلَا يَشكونَ أنني هُوَ، وَإِذا قربوا مني لم أبرز بهم وَجْهي، إِلَى أَن خَفِي خبري.
ثمَّ نزعت تِلْكَ الثِّيَاب، ولبست من بعض ثِيَابِي، وَأخذت جواليق، فملأتها
стр. 1061
مَالا، وحملتها على الدَّابَّة، ومشيت، وسقتها إِلَى أقرب قَرْيَة، واكتريت فِيهَا منزلا، وَلم أزل أنقل إِلَيْهَا كلما وجدته، حَتَّى لم أدع شَيْئا لَهُ قدر إِلَّا حصلته فِي الْقرْيَة.
ثمَّ أَقمت بهَا إِلَى أَن اتّفقت لي قافلة، فَحملت على دَوَاب اشْتَرَيْتهَا، كل مَا كنت قد حصلت فِي الْمنزل.
وسرت فِي جملَة النَّاس بقافلة عَظِيمَة لنَفْسي، بغنيمة هائلة، حَتَّى قدمت بلدي، وَقد حصلت لي عشرات أُلُوف دَرَاهِم ودنانير، وسلمت من الْمَوْت.
стр. 1062
وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن العبقسي الشَّاعِر، قَالَ: كَانَ لأبي مَمْلُوك، يُسمى: مُقبلا، فأبق مِنْهُ، وَلم يعرف لَهُ خبر سِنِين كَثِيرَة، وَمَات أبي وتغربت عَن بلدي، وَوَقعت إِلَى نَصِيبين، وَأَنا حدث حِين اتَّصَلت لحيتي، وَأَنا مجتاز يَوْمًا فِي سوق نَصِيبين، وَعلي لِبَاس فاخر، وَفِي كمي منديل فِيهِ دَرَاهِم كَثِيرَة، حَتَّى رَأَيْت غلامنا مُقبلا.
فحين رَآنِي انكب على يَدي يقبلهَا، وَأظْهر سُرُورًا شَدِيدا بِي، وَأَقْبل يسألني عَن أبي وأهلنا، فأعرفه موت من مَاتَ، وَخبر من بَقِي.
ثمَّ قَالَ لي: يَا سَيِّدي، مَتى دخلت إِلَى هَهُنَا، وَفِي أَي شَيْء؟ فعرفته، فَأخذ يعْتَذر من هربه منا.
ثمَّ قَالَ: أَنا مستوطن هَهُنَا، وَأَنت مجتاز، فَلَو أَنْعَمت عَليّ وَجئْت فِي دَعْوَتِي، فَأَنا أحضر لَك نبيذا طيبا، وغناء حسنا.
فاغتررت بِهِ، بالصبا، ومضيت مَعَه، حَتَّى بلغ بِي إِلَى آخر الْبَلَد، إِلَى دور خراب، ثمَّ انْتهى إِلَى دَار عامرة، مغلقة الْبَاب، فدق، فَفتح لَهُ، فَدخل وَدخلت.
فحين حصلت فِي الدهليز؛ أغلق الْبَاب بِسُرْعَة، واستوثق مِنْهُ، فأنكرت
стр. 1063
ذَلِك، وَدخلت الدَّار، فَإِذا بِثَلَاثِينَ رجلا بِالسِّلَاحِ، وهم جُلُوس على بَارِية، فَلم أَشك فِي أَنهم لصوص، وأيقنت بِالشَّرِّ.
وبادرني أحدهم، فلطمني، وَقَالَ: انْزعْ ثِيَابك، فطرحت كل مَا كَانَ عَليّ، حَتَّى بقيت بسراويل، فحلوا الدَّرَاهِم الَّتِي كَانَت فِي منديلي، وأعطوا مُقبلا شَيْئا مِنْهَا، وَقَالُوا: امْضِ، فهات لنا بِهَذَا مَا نأكله ونشربه.
فَتقدم مقبل، وَسَار وَاحِدًا مِنْهُم، فَقَالَ لَهُ مجيبا: وَأي شَيْء يفوتنا من قَتله، امْضِ فَجِئْنَا بِمَا نأكله، فَإنَّا جِيَاع.
فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك كدت أَمُوت جزعا، فَقَالَ لَهُم الْغُلَام، مظْهرا للْكَلَام: مَا أمضي، أَو تقتلوه.
فَقلت لَهُم: يَا قوم، مَا ذَنبي حَتَّى أقتل، قد أَخَذْتُم مَا معي، ولستم ترثوني إِذا قتلتموني، وَلَا لي حَال عير مَا أخذتموه، فاللهَ اللهَ فيّ.
ثمَّ أَقبلت أستعطف مُقبلا، وَهُوَ لَا يجيبني، وَيَقُول لَهُم: إِنَّكُم إِن لم تقتلوه، حَتَّى يفلت؛ دلّ السُّلْطَان عَلَيْكُم، فتقتلون كلكُمْ.
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيّ أحدهم بِسيف مسلول، وسحبني من الْموضع الَّذِي كنت فِيهِ إِلَى البالوعة؛ ليذبحني.
وَكَانَ بقربي غُلَام أَمْرَد، فتعلقت بِهِ، وَقلت: يَا فَتى، ارْحَمْنِي، وأجرني، فَإِن سنك قريب من سني، واستدفع الْبلَاء من الله، تَعَالَى، بخلاصي.
فَوَثَبَ الْغُلَام، وَطرح نَفسه عَليّ، وَقَالَ: وَالله لَا يقتل وَأَنا حَيّ، وجرد سَيْفه.
وَقَامَ أستاذه بقيامه، وَقَالَ: لَا يقتل من أجاره غلامي.
стр. 1064
وَاخْتلفُوا، وَصَارَ مَعَ الْغُلَام جمَاعَة مِنْهُم، فانتزعوني، وجعلوني فِي زَاوِيَة من الْبَيْت الَّذِي كَانُوا فِيهِ، ووقفوا بيني وَبَين أَصْحَابهم.
فَقَالَ لَهُم رئيسهم: كفوا عَن الرجل إِلَى أَن نَنْظُر فِي أمره، وَشتم مُقبلا، وَقَالَ: تمض، فهات مَا نأكله قبل كل شَيْء، فَإنَّا جِيَاع، وَلَيْسَ يفوتنا قَتله، إِن اتفقنا عَلَيْهِ.
فَمضى مقبل، وجاءهم بمأكول كثير، وجلسوا يَأْكُلُون، وَترك جمَاعَة مِنْهُم الْأكل حراسة لي؛ لِئَلَّا يغتالني أحدهم إِذا تشاغلوا بِالْأَكْلِ.
فَلَمَّا أكلُوا؛ انْفَرد بعض من كَانَ يتعصب لي بحراستي، وَأكل من لم يكن أكل مِنْهُم.
ثمَّ أفضوا إِلَى الشَّرَاب، فَقَالَ لَهُم مقبل: الْآن قد أكلْتُم، وَترك هَذَا يُؤَدِّي إِلَى قتلكم، فدعوا الْخلاف فِي أمره، واقتلوه.
فَوَثَبَ من يُرِيد قَتْلِي، وثب الْغُلَام، وَمن مَعَه؛ للدَّفْع عني، وَطَالَ الْكَلَام بَينهم، وَأَنا فِي الزاوية، وَقد اجْتمع عَليّ من يمْنَع من قَتْلِي، فصرت بَينهم وَبَين الْحَائِط، إِلَى أَن جرد بَعضهم السيوف على بعض.
فَقَالَ لَهُم رئيسهم: هَذَا الَّذِي أَنْتُم فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى تلفكم، وَقد رَأَيْت رَأيا فَلَا تخالفوه.
فَقَالُوا: إِنَّا بِأَمْرك.
فَقَالَ: أغمدوا السِّلَاح، واصطلحوا، وَنَشْرَب إِلَى وَقت نُرِيد أَن نخرج من هَذِه الدَّار، ثمَّ نكتفه، ونسد فَاه، وندعه فِي الدَّار، وننصرف،
стр. 1065
فَإِنَّهُ لَا يتَمَكَّن من الْخُرُوج وَرَاءَنَا، وَلَا الصياح علينا.
وَإِلَى أَن نصبح من غَد، نَكُون قد قَطعنَا مفازة، وَلَا يجرح بَعْضكُم بَعْضًا، وَلَا تتفرق كلمتكم.
فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وجلسوا يشربون.
وَجَاء الْغُلَام ليشْرب مَعَهم، فَقلت لَهُ: اللهَ اللهَ فيّ، تمّمْ مَا عملت من الْجَمِيل، وَلَا تشرب مَعَهم، واحرسني؛ لِئَلَّا يثب عَليّ وَاحِد مِنْهُم على غَفلَة، فيضربني ضَرْبَة يكون فِيهَا تلف نَفسِي، ثمَّ لَا تتمكن أَنْت من ردهَا، وَلَا يَنْفَعنِي أَن تقتل قاتلي.
فرحمني، وَقَالَ: أفعل، ثمَّ قَالَ لأستاذه: أحب أَن تتْرك شربك اللَّيْلَة، فتفعل كَمَا أفعل.
فجاءا جَمِيعًا فَجَلَسَا قدامي، وَأَنا فِي الزاوية، أتوقع الْمَوْت سَاعَة بساعة، إِلَى أَن مضى من اللَّيْل قِطْعَة.
وَقَامَ الْقَوْم فتحزموا، ولبسوا ثِيَابهمْ، وَخَرجُوا، وَبَقِي الْغُلَام وأستاذه.
فَقَالَا لي: يَا فَتى، قد علمت أننا قد خلصنا دمك، فَلَا تكافئنا بقبيح، وهوذا نخرج، وَلَا نستحسن أَن نكتفك، فاحذر أَن تصيح.
فَأخذت أقبل أَيْدِيهِمَا وأرجلهما، وَأَقُول: أَنْتُمَا أحييتماني بعد الله، تَعَالَى، فَكيف أكافئكما بالقبيح؟ فَقَالَا: قُم مَعنا، فَقُمْت، ففتشنا الدَّار، حَتَّى علمنَا أَنه لم يختبئ فِيهَا أحد يُرِيد قَتْلِي.
ثمَّ قَالَا لي: قد أمنت، فَإِذا خرجنَا فاستوثق من الْبَاب ونم وَرَاءه، فَلَيْسَ يكون إِلَّا خيرا، وخرجا.
فاستوثقت من غلق الْبَاب، ثمَّ جزعت جزعا عَظِيما، وَلم أَشك أَنه يخرج عَليّ
стр. 1066
من تَحت الأَرْض مِنْهُم من يقتلني، وَزَاد عَليّ الْفَزع، فَأَقْبَلت أَمْشِي فِي الدَّار، وأدعو، وأسبح، إِلَى أَن كدت أتلف إعياء.
وأنست باستمرار الْوَقْت على السَّلامَة، وحملتني عَيْني، فَنمت، فَلم أحس إِلَّا بالشمس وحرارتها، على وَجْهي، من بَاب الْبَيْت.
فَقُمْت، وَخرجت أَمْشِي وَأَنا عُرْيَان بسروايلي، إِلَى أَن حصلت فِي الْموضع الَّذِي كنت أسْكنهُ.
وَمَا حدثت أحدا بِهَذَا الحَدِيث مُدَّة، لبَقيَّة الْفَزع الَّذِي داخلني مِنْهُم فِي قلبِي.
ثمَّ بعد انْقِضَاء سنة، أَو قريب مِنْهَا، كنت يَوْمًا عِنْد صَاحب الشرطة بنصيبين؛ لصداقة كَانَت بَينه وَبَين أبي، فَمَا لبث أَن حضر من عرفه عثور الطوف على جمَاعَة من اللُّصُوص، بقرية سَمَّاهَا، من قرى نَصِيبين، وَقَبضه على سَبْعَة نفر مِنْهُم، وفوت البَاقِينَ، فَأمر بإحضارهم.
فَوَقع بَصرِي مِنْهُم على ذَلِك الْغُلَام الَّذِي أجارني ذَلِك الْيَوْم، وعَلى أستاذه، ثمَّ على مقبل.
فحين رَأَيْتهمْ أخذتني رعدة تبينت فِي، وَأخذ مقبل، من بَينهم، مثل مَا أَخَذَنِي.
فَقَالَ لي صَاحب الشرطة: مَا لَك؟ فَقلت: إِن حَدِيثي طَوِيل، وَلَعَلَّ الله، تَعَالَى، أَرَادَ بحضوري هَذَا الْمجْلس، سَعَادَة نفر، وشقاوة نفر.
فَقَالَ: هَات.
فأقتصصت عَلَيْهِ قصتي مَعَ الْقَوْم إِلَى آخرهَا، فتعجب، وَقَالَ: هلا شرحتها لي فِيمَا قبل، حَتَّى كنت أطلبهم، وأنتصف لَك مِنْهُم.
стр. 1067
فَقلت: إِن الْفَزع الَّذِي كَانَ فِي قلبِي مِنْهُم لم يبسط لساني بِهِ.
فَقَالَ: من الَّذِي كَانَ مَعَك من هَؤُلَاءِ؟ فَقلت: هَذَا الْغُلَام، وأستاذه، وَوَاحِد من البَاقِينَ، فَأمر بِحل كتافهم، وتمييزهم من بَين أَصْحَابهم.
ودعا بمقبل، فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على مَا فعلت بِابْن مَوْلَاك؟ فَقَالَ: سوء الأَصْل، وخبث الْعرق.
فَقَالَ: لَا جرم تقَابل بفعلك، وَأمر بِهِ فَضرب عُنُقه، وأعناق أَصْحَابه البَاقِينَ.
ودعا بالغلام، وأستاذه، وصاحبهما، وَقَالَ لَهما: لقد أحسنتما فِي فعلكما ودفعكما عَن هَذَا الْفَتى، فَالله يجزيكما عَن فعلكما الْخَيْر، فتوبا إِلَى الله من فعلكما، وانصرفا فِي صُحْبَة الله مَعَ صاحبكما، وَلَا تعودا إِلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ من التلصص، فقد مننت عَلَيْكُمَا لحسن صنيعكما بِهَذَا الْفَتى، فَإِن ظَفرت بكما ثَانِيًا؛ ألحقتكما بأصحابكما.
فتابا وصاحبهما، وشكروا لَهُ، ودعوا، وَانْصَرفُوا.
وشكرته أَنا أَيْضا على مَا فعل، وحمدت الله على توفيقي لقَضَاء حق من أجارني، والانتقام مِمَّن ظَلَمَنِي.
ثمَّ صَار ذَلِك الْغُلَام وأستاذه من أصدقائي، وَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إِلَيّ، ويقولان: قد أَقبلنَا على حرفنا فِي السُّوق، وَتَركنَا التلصص.
стр. 1068
الجناذية والبانوانية فِي الْهِنْد
وَحكى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: رَأَيْت بِالْهِنْدِ قوما، يُقَال لَهُم: الجناذية، يَأْكُلُون الْميتَة، يَتَقَذَّرهُمْ جَمِيع أهل الْهِنْد، وَعِنْدهم أَنهم إِن لامسوهم تنجسوا.
قَالَ: فهم يَمْشُونَ وَفِي أَعْنَاقهم طبول يطبلون بهَا؛ ليسمع أصواتها النَّاس، فيتنحون عَن طريقهم، فَإِن لم يَتَنَحَّ الرجل عِنْد سَماع الطبل؛ فَلَا شَيْء على الجناذي، وَإِن لم يضْرب الجناذي الطبل، حَتَّى يلاصق جسده جَسَد غَيره؛ قَتله الَّذِي لصق جسده، فَلَا يعدى عَلَيْهِ؛ لِأَن هَذَا هُوَ شرطهم وسنتهم.
قَالَ: وَلَا يشرب أحد مَاء هَؤُلَاءِ الجناذية، وَلَا يَأْكُلُون من طعامهم، وَلَا يخالطهم، فهم ينزلون فِي ظَاهر الْبَلَد، منفردين نَاحيَة، وهم أرمى النَّاس، ومعاشهم من الصَّيْد.
وَهُنَاكَ قوم، يُقَال لَهُم: البانوانية، يجرونَ مجْرى المستقفين هَهُنَا، وَالسُّلْطَان يطلبهم كَمَا يطْلب اللُّصُوص والعيارين، فَإِذا عرفهم، وظفر بهم؛ قَتلهمْ.
стр. 1069
وهم يصطادون النَّاس، وَلَا يعْرفُونَ غير ذَلِك.
وَالْوَاحد مِنْهُم يتبع التُّجَّار الَّذين يطرءون إِلَيْهِم من الْمُسلمين والذمة، فَإِذا رأى الْوَاحِد مِنْهُم الْوَاحِد من التُّجَّار فِي طَرِيق خَال؛ قبض عَلَيْهِ، فَلَا يُمكن لأحد من النَّاس أَن يخلصه؛ لعلمهم أَنه إِذا اسْتَغَاثَ، أَو نطق، قَتله الْهِنْدِيّ، وَقتل نَفسه فِي الْحَال، لَا يُبَالِي بذلك؛ لاعتقادهم الْمَشْهُور فِي أَمر الْقَتْل، ويراهم النَّاس قد أخلوا الرجل، فَلَا يتعرضون لتخليصه؛ لِئَلَّا يقْتله.
وَيَقُول لَهُم الرجل الْمَأْخُوذ: اللهَ اللهَ، إِن عارضتموه، فَلَا يُمكن لسلطان، وَلَا غَيره، انْتِزَاعه مِنْهُم فِي تِلْكَ الْحَال؛ لِئَلَّا يعجل بقتْله.
قَالَ: فَأخْبر رجل بِالْهِنْدِ، أَن رجلا من البانوانية قبض فِي طَرِيق سَفَره، على رجل لقِيه من التُّجَّار.
فَقَالَ لَهُ: اشْتَرِ نَفسك مني، فتوافقا على أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْهُ بِأَلف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ التَّاجِر: تعلم أَنِّي خرجت وَلَا شَيْء معي، وَمَالِي فِي الْبَلَد، فَتَصِير معي إِلَى دَاري فَإِنَّهَا قريبَة؛ لأؤدي لَك ذَلِك.
فَأَجَابَهُ، وَقبض عَلَيْهِ بِيَدِهِ، فَلم يزل يمشي مَعَه، فاجتازا فِي طريقهما فِي سكَّة مِنْهَا، فسلكا فِيهَا.
فحين حصلا فِيهَا، فكر التَّاجِر فِي حِيلَة للخلاص، وَكَانَ قد عرف مَذْهَب أهل الْهِنْد فِي الجناذية، فَلم يزل يمشي مَعَه حَتَّى رَأيا بَابا مَفْتُوحًا من دور الجناذية، فجذب يَده جذبة شَدِيدَة من البانواني، وسعى، فَدخل دَار الجناذي.
فَقَالَ لَهُ: مَا لَك؟ قَالَ: أَنا مستجير بك من يَد بانواني، قد صادني فهربت مِنْهُ.
стр. 1070
فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، فاجلس.
فصاح البانواني، يَا جناذي، اخْرُج إِلَيّ، وهم لَا يدْخلُونَ بيُوت الجناذية أصلا؛ لاستقذراهم إيَّاهُم.
قَالَ: فَخرج، فَوقف، وَبَينهمَا عرض الطَّرِيق لَا يجوز أَن يدنو أحد من صَاحبه.
فَقَالَ البانواني: أَعْطِنِي صَاحِبي.
فَقَالَ لَهُ الجناذي: قد استجار بِي، فتهبه لي.
قَالَ: لَا أفعل، هَذَا رِزْقِي، وَإِن لم تعطنيه؛ لم نَدع من الجناذية وَاحِدًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ.
فطال بَينهمَا الْكَلَام، إِلَّا أَن قَالَ لَهُ الجناذي: أسلمه إِلَيْك فِي الصَّحرَاء، فَامْضِ واسبقني إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ.
قَالَ: فَمضى البانواني، وَدخل الجناذي إِلَى الرجل، فَقَالَ لَهُ: أخرج معي السَّاعَة، وَلَا بَأْس عَلَيْك، وَأخذ الجناذي قوسه وَخَمْسَة سِهَام، قَالَ: وسهامهم من قصب.
فعلق الْمُسلم بكم الجناذي، ولصق بِهِ؛ علما مِنْهُ بِأَن البانواني لَا يدنو مِنْهُ.
فَلَمَّا صَارُوا فِي الصَّحرَاء؛ قَالَ لَهُ الجناذي: تهبه لي، وأجتهد بِهِ، فَلم يفعل.
قَالَ: فَإِنِّي لَا أسلمه إِلَيْك، حَتَّى لَا يبْقى معي شَيْء من السِّلَاح.
قَالَ: فشأنك، ففوق نَحوه سَهْما، فحين أطلقهُ؛ تَلقاهُ البانواني بحربي كَانَ مَعَه، وَالْحَرْبِيّ آلَة من السِّلَاح عِنْدهم مَعْرُوفَة، فَاعْترضَ السهْم بِهِ، فَقَطعه نِصْفَيْنِ، وَسلم مِنْهُ.
فتحير الجناذي، فَلم يزل يرميه بنشابة بعد أُخْرَى، إِلَى أَن ذهب النشاب،
стр. 1071
وَلم يبْق مَعَه إِلَّا اثْنَتَانِ.
فضعفت نفس التَّاجِر، وأيقن بِالْهَلَاكِ، وَقَالَ للجناذي: اللهَ اللهَ فِي دمي.
فَقَالَ لَهُ الجناذي: لَا تخف، سأريك من رميي مَا يتحدث بِهِ، انْظُر إِلَى هَذَا الطَّائِر الَّذِي يطير فِي السَّمَاء، فَإِنِّي أرميه، فأصرعه على رَأسك، ثمَّ أرميك فَلَا أخطئك.
قَالَ: فَرفع البانواني رَأسه، ينظر إِلَى الطَّائِر، فَرَمَاهُ الجناذي، فَأصَاب فُؤَاده، فَخر صَرِيعًا، وَمَات.
فَقَالَ للتاجر: ارْجع الْآن آمنا.
فَرجع إِلَى دَاره، فَأَقَامَ عِنْده إِلَى أَن اجتازت بهم صُحْبَة، فَمضى التَّاجِر مَعهَا، فوصل إِلَى مأمنه.
стр. 1072
عصبت عَيناهُ وَمد عُنُقه وَرفع السَّيْف على رَأسه ثمَّ نجا من الْقَتْل
حَدثنِي الْحسن بن مُحَمَّد الحناني، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم نصر الْمَعْرُوف بالمايني الَّذِي كَانَ يتقلد السِّكْر بِبَغْدَاد فِي أَيَّام عضد الدولة وتاج الْملَّة، ﵁.
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ: وَأَنا أعرف هَذَا الرجل، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن، وَمَا اتّفق لي أَن أسأله عَن هَذَا الْخَبَر.
قَالَ: كَانَ عضد الدولة، ﵀، وَهُوَ صبي بَالغ، صَار من أَصْبَهَان إِلَى فَارس، استدعاه عَمه عماد الدولة عَليّ بن بويه لينقل إِلَيْهِ ولَايَة عَهده، ويستخلفه عَلَيْهَا من بعده، فسرت مَعَه، وَأَنا مَعَه إِذْ ذَاك أحجبه.
فَلَمَّا صَار بسمارم، منزل من الطَّرِيق، أَمرنِي أَن أصير إِلَى كركير وَالِي سمارم من قبل أَبِيه ركن الدولة، ﵀، وأطالبه بِأَن ينفذ إِلَى حَضرته اثْنَي عشر رجلا من الأكراد، كَانُوا محبسين فِي يَد كركير، وَكَانَ خبرهم قد بلغ عضد الدولة، فأرادهم.
стр. 1073
فَامْتنعَ كركير من إنفاذهم، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قطاع الطَّرِيق، قد قطعُوا وَقتلُوا، وَلَا أسلمهم إِلَّا بِأَمْر يرد عَليّ من ركن الدولة، فَجئْت إِلَيْهِ وعرفته.
فمضيت، فَأَقَامَ الرجل على الِامْتِنَاع من تسليمهم، فعدت إِلَى عضد الدولة فَأَخْبَرته.
فاغتاظ من ذَلِك، وَأَمرَنِي أَن أكسر الْحَبْس، وأجيئه بالأكراد، فامتثلت أمره، وأحضرتهم المضرب، وأعلمته.
فَأمرنِي أَن أمضي أَنا وحاجب آخر من حجابه، سَمَّاهُ، لنقتلهم.
فحملناهم إِلَى مَوضِع، وأمرنا، فَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة.
وَقدم الرَّابِع فَرَمَاهُ ذَلِك الْحَاجِب بخشت، كَانَ فِي يَده، فنبا عَنهُ، وَلم يعْمل فِيهِ، فَتقدم بشد عَيْنَيْهِ، وَشرب رقبته بِالسَّيْفِ، فشددت عَيْنَيْهِ بمنديل خاز، حضرهم فِي الْحَال.
فَلَمَّا رفع السياف يَده ليحطها على المضرب؛ استرخى المنديل فَوَقع على المضرب فغطاه.
فَقَالَ السياف: ارْفَعُوا المنديل.
فأومأت بِطرف عَصا كَانَت فِي يَدي، على رسم الْحجاب، لأزيل المنديل، فيتمكن السياف من الضَّرْبَة، فَإِذا رَسُول عضد الدولة يسْعَى وَيَقُول: لَا تقتلُوا الْقَوْم.
فتوقفنا، ومضيت إِلَى حَضرته، وعرفته صُورَة من قتل وَمن بَقِي، وَمَا اتّفق
стр. 1074
فِي أَمر الرجل، فتعجب من أمره.
وَأمر بِهِ، فأحضرته إِلَيْهِ، وكشف عَن مَوضِع الخشت حَتَّى رَآهُ، وَكَانَ فِي كتفه، فَإِذا هُوَ قد انتفخ واخضر، وَلم يدْخل فِي لَحْمه، فازداد تعجبه، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، وَأَن يخلع عَلَيْهِ وعَلى الْجَمَاعَة، فَفعل ذَلِك بهم.
стр. 1075
عباد الْمُؤَنَّث يربح الرِّهَان ويحيي نفسا ميتَة
حَدثنِي عُثْمَان بن مُحَمَّد السّلمِيّ، الْمَعْرُوف بـ: أبي الْقَاسِم الْأَصْفَر، غُلَام أبي الْحسن بن عبد السَّلَام الْهَاشِمِي الْبَصْرِيّ، قَالَ: كَانَ عندنَا بالمربد، رجل من خول مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، يدعى بـ: عباد، وَكَانَ مؤنثا، وَكَانَ يحمل السِّلَاح.
فَاجْتمع يَوْمًا مَعَ قوم من الخول على شراب لَهُم، فتجاذبوا حَدِيث الشجَاعَة، فعابوه بِمَا فِيهِ من التَّأْنِيث، فخاطرهم فِي شَيْء يعمله، مِمَّا يفرضون عَلَيْهِ، يبين بِهِ عَن شجاعته.
فَقَالُوا: تخرج السَّاعَة بِغَيْر سلَاح إِلَى صهاريج الْحجَّاج، فَتدخل مِنْهَا فِي الصهريج الْفُلَانِيّ، وتسمر فِي أرضه هَذَا الوتد، وتعود.
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ، مؤلف هَذَا الْكتاب: وَهَذِه الصهاريج على أَكثر من فَرسَخ من الْبَصْرَة، فِي الْبَريَّة، وَقد شاهدتها، وَهِي موحشة الْمَكَان، خَالِيَة، يجْتَمع فِيهَا المَاء، كَانَ الْحجَّاج قد عَملهَا مَادَّة لشرب أهل الْمَوْسِم والقوافل، وَمن يرد من الْمُسَافِرين.
نرْجِع إِلَى الْخَبَر.
قَالَ فَأَخْبرنِي عباد، قَالَ: خرجت، وَلَيْسَ معي إِلَّا وتد ومطرقة، حَتَّى بلغت الصهريج الَّذِي خاطرت عَلَيْهِ، وَكَانَ أعظمهم، وأوحشها.
стр. 1076
فدخلته، وَكَانَ جافا، وَجَلَست فَضربت الوتد بالمطرقة فِي أرضه، فطن الصهريج، وَسمعت صلصلة شَدِيدَة، وَصَوت سلسلة.
فَقطعت الدق، فَانْقَطع الصَّوْت، وأعدت الدق، فَعَاد الصَّوْت، وَظَهَرت حَرَكَة مَعَه، وَأَنا ثَابت الْقلب، أتأمل وَلَا أرى شَيْئا من الظلمَة.
إِلَى أَن أحسست بالحركة وَالصَّوْت قد قربا مني، فتأملت، فَإِذا بشخص لطيف، لَا يشبه قدر خلقَة الْإِنْسَان، فاستوحشت.
وثبتُّ نَفسِي، وَأَنا أدق، والشخص يقرب مني، حَتَّى وَثَبت، وألقيت نَفسِي عَلَيْهِ، واستوثقت مِنْهُ.
فَإِذا هُوَ قرد فِي عُنُقه سلسلة، فَظَنَنْت أَنه قد أفلت من قراد، أَو من قافلة فسحبته، فلَان فِي يَدي، وَأنس بِي، فَأَخَذته على يَدي وساعدي، وَجئْت أُرِيد بَاب الصهريج.
فَلَمَّا بلغته سَمِعت كلَاما، فَخَشِيت أَن يكون بعض من يطلبني فِي العصبية هُنَاكَ، فوقفت أستمع.
فَإِذا كَلَام امْرَأَة مَعَ رجل، وَهِي تَقول لَهُ: يَا فلَان، وَيحك، أتقتلني؟ أتذبحني؟ أتبلغ بِي الْمَوْت؟ اتَّقِ الله فيّ.
وَهُوَ يَقُول: الذَّنب كُله لَك، وَأَنت أَذِنت لَهُم فِي أَن يزوجوك، وَلَو أَبيت؛ مَا قدر أَبوك أَن يزوجك، وَإِنَّمَا فعلته مللا بِي، وَأَنا تَالِف، وَأَنت تتنعمين، وَالله لأذبحنك، أستكتفي يَا ابْنة الفاعلة الصانعة.
قَالَ: فَنَظَرت، فَإِذا ظَهره إِلَى بَاب الصهريج، فَصحت عَلَيْهِ صَيْحَة عَظِيمَة،
стр. 1077
وَضربت قَفاهُ بالقرد، فَفَزعَ القرد على نَفسه، فَقبض على عنق الرجل، وَتمكن من ظَهره.
فورد على الرجل مَا حيره، وأفزعه، وَذهب بعقله، فَخر مغشيا عَلَيْهِ، وَوَقع السَّيْف من يَده، فَأَخَذته، وَرَأَيْت الْجحْفَة مطروحة، فأخذتها.
وقصدت الرجل، فَثَابَ إِلَيْهِ عقله، وَرمى بالقرد عَن ظَهره، وسعى هَارِبا.
فقصدت الْمَرْأَة، وحللت كتافها، وَقلت لَهَا: مَا قصتك؟ قَالَت: أَنا بنت فلَان، وَذكرت رجلا من أهل المربد، وَهَذَا ابْن عمي، وَكَانَ يعشقني، فخطبني من أبي، فَامْتنعَ من تَزْوِيجه بِي، وزوجني من رجل غَرِيب، وَدخل بِي من شهور.
فَلَمَّا كَانَ أمس؛ خرجت أَنا وَجَمَاعَة من نسَاء الْجِيرَان، نَنْظُر إِلَى الصَّحرَاء، وَقت الْعَصْر.
وبلغه خبرنَا، فكبسنا بالصحراء، وَمَعَهُ عدَّة رجال بِالسِّلَاحِ، فَأخذ كل رجل امْرَأَة، وَانْفَرَدَ بهَا، وحملني هَذَا إِلَى هَذَا الصهريج، ففجر بِي طول اللَّيْل، فَلَمَّا كَانَ الْآن عزم على قَتْلِي، فأغاثني الله بك، وَمَا أعرف للنسوة الْبَاقِيَات خَبرا.
فَقلت: امشي، لَا بَأْس عَلَيْك.
فمشت بَين يَدي إِلَى أَن دخلت الْبَصْرَة، فدققت بَاب والدها.
فَقَالَ: من بِالْبَابِ؟ فكلمته، فَفتح لَهَا، فَدخلت الدَّار.
وعدت إِلَى أَصْحَابِي، فحدثتهم بِالْحَدِيثِ، وأريتهم القرد، وَخَرجْنَا من الْغَد، فَرَأَوْا الوتد، وَجئْت بهم إِلَى بَاب دَار الْمَرْأَة، فأريتهم إِيَّاه، وَأخذت خطري.
стр. 1078
إِسْحَاق المصعبي تحركه رقاع أَصْحَاب الأرباع بِبَغْدَاد
حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن داسة الْبَصْرِيّ ﵀، قَالَ: حَدثنِي أَبُو يحيى بن مكرم، القَاضِي الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ فِي جواري، رجل يعرف بِأبي عُبَيْدَة، حسن الْأَدَب، كثير الرِّوَايَة للْأَخْبَار، وَكَانَ قَدِيما ينادم إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي، فَحَدثني: أَن إِسْحَاق استدعاه ذَات لَيْلَة، فِي نصف اللَّيْل.
قَالَ: فهالني ذَلِك، وأفزعني، لما كنت أعرفهُ مِنْهُ، من زعارة الْأَخْلَاق، وَشدَّة الْإِسْرَاع إِلَى الْقَتْل، وَخفت أَن يكون قد نقم عَليّ شَيْئا فِي الْعشْرَة، أَو بلغ عني بَاطِلا، فأحفظه، فيسرع إِلَى قَتْلِي، قبل كشف حَالي.
فَخرجت طَائِر الْعقل، حَتَّى أتيت دَاره، فأدخلت إِلَى بعض دور الْحرم، فَاشْتَدَّ جزعي، وَذهب عَليّ أَمْرِي.
فانتهي بِي إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حجرَة لَطِيفَة، فَسمِعت فِي دهليزها بكاء امْرَأَة ونحيبها، وَدخلت، فَإِذا هُوَ جَالس على كرْسِي، وَبِيَدِهِ سيف مسلول، وَهُوَ مطرق، فأيقنت بِالْقَتْلِ.
فَسلمت، ووقفت، فَرفع رَأسه وَقَالَ: اجْلِسْ أَبَا عُبَيْدَة، فسكن روعي، وَجَلَست.
فَرمى إِلَيّ رِقَاعًا كَانَت بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ: اقْرَأ هَذِه
стр. 1079
فَقَرَأت جَمِيعهَا، فَإِذا رقاع أَصْحَاب الشَّرْط فِي الأرباع، يُخبرهُ كل وَاحِد مِنْهُم بِخَبَر يَوْمه، وَمَا جرى فِي عمله، وَفِي جَمِيعهَا ذكر كبسات وَقعت على نسَاء وجدن على فَسَاد، من بَنَات الوزراء، والأمراء، والأجلاء، الَّذين بادوا، أَو ذهبت مَرَاتِبهمْ، ويستأذنون فِي أمرهن.
فَقلت: قد وقفت على هَذِه الرّقاع، فَمَا يَأْمُرنِي بِهِ الْأَمِير أعزه الله؟ فَقَالَ: وَيحك يَا أَبَا عُبَيْدَة، هَؤُلَاءِ النَّاس الَّذين ورد ذكر حَال بناتهم، كلهم كَانُوا أجل مني، أَو مثلي، وَقد أفْضى بهم الدَّهْر فِي حرمهم إِلَى مَا قد سَمِعت، وَقد وَقع لي أَن بَنَاتِي بعدِي، سيبلغن هَذَا الْمبلغ، وَقد جمعتهن، وَهن خمس، فِي هَذِه الْحُجْرَة، لأقتلهن السَّاعَة، وأستريح، ثمَّ أدركتني رقة البشرية، وَالْخَوْف من الله تَعَالَى، فَأَرَدْت أَن أشاورك فِي إِمْضَاء الرَّأْي، أَو شَيْء تُشِير بِهِ عَليّ فِيهِنَّ.
فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، إِن آبَاء هَؤُلَاءِ النِّسَاء اللواتي قَرَأت رقاع أَصْحَاب الْأَخْبَار بِمَا جرى عَلَيْهِنَّ، أخطأوا فِي تدبيرهن، لأَنهم خلفوا عَلَيْهِنَّ النعم، وَلم يحفظوهن بالأزواج، فخلون بِأَنْفُسِهِنَّ، ونعمهن، ففسدن، وَلَو كَانُوا جعلوهن فِي أَعْنَاق الْأَكفاء، مَا جرى مِنْهُنَّ هَذَا.
وَالَّذِي أرى أَن تستدعي فلَانا الْقَائِد، فَلهُ خَمْسَة بَنِينَ، كلهم جميل
стр. 1080
الْوَجْه، حسن اللّبْس والنشوة، فَتزَوج كل وَاحِدَة من بناتك، وَاحِدًا مِنْهُم، فتكفى الْعَار وَالنَّار، وَتَكون قد أخذت بِأَمْر الله ، والحزم، ويراك الله تَعَالَى قد أردْت طَاعَته فِي حفظهن، فيحفظك فِيهِنَّ.
فَقَالَ: امْضِ السَّاعَة إِلَيْهِ، فقرر مَعَه مَا يكون لنا فِيهِ الْمصلحَة، وافرغ لي مَعَه من هَذَا الْأَمر.
قَالَ: فمضيت إِلَى الرجل، وقررت الْأَمر مَعَه، وَأخذت الفتيان، وأباهم، وَجئْت إِلَى دَار إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وعقدت النِّكَاح لَهُم، على بَنَات إِسْحَاق، فِي خطْبَة وَاحِدَة، وَجعل إِسْحَاق بَين يَدي كل وَاحِد مِنْهُم، خَمْسَة آلَاف دِينَار عينا، وشيئًا كثيرا من الطّيب، وَالثيَاب، وَحمل كلا مِنْهُم على فرس بمركب ذهب، وَأَعْطَانِي كل وَاحِد من الْأزْوَاج مَالا مِمَّا دفع إِلَيْهِ، وَأمر لي إِسْحَاق بِخمْس مائَة دِينَار، وخلعة، وَطيب.
وأنفذ إِلَيّ أُمَّهَات الْبَنَات هَدَايَا وأموالًا جليلة، وشكرنني على تَخْلِيص بناتهن من الْقَتْل، وانقلبت تِلْكَ الْغُمَّة فَرحا.
فعدت إِلَى دَاري، وَمَعِي مَا قِيمَته ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَأكْثر.
стр. 1081
مَا خَابَ من اسْتَشَارَ
وَحكى مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كتاب الوزراء: أَن الْمَنْصُور لما حج، بعد تَقْلِيد الْمهْدي الْعَهْد، وتقديمه فِيهِ على عِيسَى بن مُوسَى، دفع عَمه عبد الله بن عَليّ، إِلَى عِيسَى بن مُوسَى، ليعتقله، وَأمره سرا بقتْله، وَكَانَ يُونُس بن أبي فَرْوَة يكْتب لعيسى بن مُوسَى.
فعزم عِيسَى على قتل عبد الله بن عَليّ، ثمَّ تعقب الرَّأْي، فَدَعَا بِيُونُس، فخبره بالْخبر، وشاوره.
فَقَالَ لَهُ يُونُس: نشدتك الله أَن لَا تفعل، فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يقْتله بك، ويقتلك بِهِ، لِأَنَّهُ أَمرك بقتْله سرا، ويجحدك ذَلِك فِي الْعَلَانِيَة، وَلَكِن استره حَيْثُ لَا يطلع عَلَيْهِ أحد، فَإِن طلبه مِنْك عَلَانيَة، دَفعته إِلَيْهِ، وَإِيَّاك أَن ترده إِلَيْهِ سرا أبدا، بعد أَن قد ظهر حُصُوله فِي يدك عَلَانيَة، فَفعل عِيسَى ذَلِك وَانْصَرف الْمَنْصُور من حجه، وَعِنْده أَن عِيسَى قد قتل عبد الله، فَدس إِلَى عمومته، من يُشِير عَلَيْهِم بمسألته فِي أخيهم عبد الله، فجاءوه يسألونه ذَلِك، فَدَعَا بِعِيسَى بن مُوسَى، وَسَأَلَهُ عَنهُ بحضرتهم.
فَدَنَا مِنْهُ عِيسَى بن مُوسَى، وَقَالَ لَهُ، فِيمَا بَينه وَبَينه: ألم تَأْمُرنِي بقتْله؟
стр. 1082
قَالَ: معَاذ الله، مَا أَمرتك بذلك، كذبت.
ثمَّ أقبل على عمومته، فَقَالَ: هَذَا قد أقرّ بقتل عبد الله، وَادّعى عَليّ أَنِّي أَمرته بذلك، وَقد كذب، فشأنكم بِهِ.
قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ليقتلوه، فَلَمَّا رأى صُورَة أمره، صدق أَبَا جَعْفَر، وأحضر عبد الله، فسلمه إِلَيْهِ بِمحضر من الْجَمَاعَة.
فَكَانَ عِيسَى يشْكر ليونس بن أبي فَرْوَة ذَلِك، مُدَّة عمره.
стр. 1083
مَنْصُور بن زِيَاد يجْحَد نعْمَة يحيى الْبَرْمَكِي
وَذكر فِي هَذَا الْكتاب: دَعَا الرشيد صَالحا صَاحب الْمصلى، حِين تنكر للبرامكة، فَقَالَ لَهُ: اخْرُج إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، فَقل لَهُ: قد صحت عَلَيْك عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، فاحملها إِلَيْنَا فِي هَذَا الْيَوْم، وَانْطَلق مَعَه، فَإِذا دَفعهَا إِلَيْك كَامِلَة قبل مغيب الشَّمْس، وَإِلَّا فاحمل رَأسه إِلَيّ، وَإِيَّاك ومراجعتي فِي شَيْء من أمره.
قَالَ صَالح: فَخرجت إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، وعرفته الْخَبَر.
فَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، ذهبت، وَالله، نَفسِي، ثمَّ حلف أَنه لَا يعرف مَوضِع ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، فَكيف عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ صَالح: فَخذ فِي عَمَلك.
فَقَالَ لَهُ: امْضِ بِي إِلَى منزلي، حَتَّى أوصِي، فَمضى مَعَه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل منزله، حَتَّى ارْتَفع الصياح من مَنَازِله وَحجر نِسَائِهِ، فأوصى، وَخرج وَمَا فِيهِ دم.
فَقَالَ لصالح: امْضِ بِنَا إِلَى أبي عَليّ يحيى بن خَالِد، لَعَلَّ الله أَن يأتينا بفرج من عِنْده، فَمضى مَعَه إِلَى يحيى وَهُوَ يبكي.
فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك؟ فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فقلق يحيى لأَمره، وأطرق مفكرًا، ثمَّ دَعَا بخازنه،
стр. 1084
فَقَالَ لَهُ: كم عنْدك من المَال؟ قَالَ: خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ: أحضرنيها، فأحضرها.
ثمَّ وَجه إِلَى الْفضل ابْنه، يَقُول لَهُ: إِنَّك أعلمتني، فدَاك أَبوك، أَن عنْدك ألفي ألف دِرْهَم، تُرِيدُ أَن تشتري بهَا ضَيْعَة، وَقد وجدت لَك ضَيْعَة يبْقى لَك ذكرهَا، وتحمد ثَمَرَتهَا، فَوجه إِلَيّ بِالْمَالِ، فَوجه بِهِ.
ثمَّ قَالَ للرسول: امْضِ إِلَى جَعْفَر، وَقل لَهُ: ابْعَثْ، فدَاك أَبوك، إِلَيّ ألف ألف دِرْهَم، لحق لزمني، فَوجه بهَا.
ثمَّ قَالَ لصالح: هَذِه ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم، ثمَّ أطرق إطراقةً، لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شَيْء.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَى خَادِم لَهُ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى دَنَانِير، فَقل لَهَا: وَجْهي إِلَيّ بِالْعقدِ الَّذِي كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لَك.
قَالَ: فجَاء بِهِ فَإِذا بِعقد فِي عظم الذِّرَاع، فَقَالَ لصالح: اشْتريت هَذَا لأمير الْمُؤمنِينَ بِمِائَة وَعشْرين ألف دِينَار، فوهبه لدنانير، وَقد حسبته بألفي ألف دِرْهَم، وَهَذَا تَمام حَقك، فَانْصَرف، وخل عَن صاحبنا، فَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ.
قَالَ صَالح: فَأخذت ذَلِك، ورددت منصورًا معي، فَلَمَّا صرت بِالْبَابِ، أنشأ مَنْصُور يَقُول متمثلًا:
وَمَا بقيا عليّ تركتماني ... وَلَكِن خفتما صَرَدَ النبال
فَقَالَ صَالح: مَا على وَجه الأَرْض أنبل من هَذَا الَّذِي خرجنَا من عِنْده،
стр. 1085
وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى من الدَّهْر، وَلَا على وَجه الأَرْض أَخبث سريرة، وَلَا أكفر لنعمة، وَلَا أدنأ طبعا من هَذَا الَّذِي لَا يشْكر من أعطَاهُ، وَوزن عَنهُ هَذَا المَال الْعَظِيم.
قَالَ: وصرت إِلَى الرشيد، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وطويت عَنهُ مَا تمثل بِهِ مَنْصُور، خوفًا أَن يقْتله إِذا سمع ذَلِك.
فَقَالَ الرشيد: قد علمت أَنه إِن نجا فَإِنَّمَا ينجو بِأَهْل هَذَا الْبَيْت، أطلق الرجل، واقبض المَال، واردد العقد، فَإِنِّي لم أكن أهب هبة، وَترجع إِلَى مَالِي.
قَالَ صَالح: فَلم أطب نفسا إِلَّا بتعريف يحيى مَا قَالَه مَنْصُور، فَرَجَعت إِلَيْهِ وأطنبت فِي شكره، وَوصف مَا كَانَ مِنْهُ.
وَقلت لَهُ: وَلَكِنَّك أَنْعَمت على غير شَاكر قَابل أكْرم فعل، بألأم قَول.
قَالَ: فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ، فَجعل، وَالله، يطْلب لَهُ المعاذير، وَيَقُول: يَا أَبَا عَليّ إِن المنخوب الْقلب، رُبمَا سبقه لِسَانه، بِمَا لَيْسَ فِي ضَمِيره.
وَقد كَانَ الرجل فِي حَال عَظِيمَة.
فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي من أَي أمريك أعجب، من أَوله، أَو من آخِره، ولكنني أعلم أَن الدَّهْر لَا يخلف مثلك أبدا.
стр. 1086
درس فِي الْمُرُوءَة وَالْكَرم
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (الوزراء) : حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن الْوَلِيد، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن عِيسَى القمي، وَكَانَ ضَامِنا لأعمال الْخراج والضياع بِبَلَدِهِ، فَبَقيت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار.
وألح الْمَأْمُون فِي مُطَالبَته، حَتَّى قَالَ لعَلي بن صَالح، حَاجِبه: طَالبه بِالْمَالِ، وأنظره ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن أحضر المَال قبل انْقِضَائِهَا، وَإِلَّا فَاضْرِبْهُ بالسياط، حَتَّى يُؤَدِّيهَا أَو يتْلف.
وَكَانَت بَين عَليّ بن عِيسَى وغسان بن عباد عَدَاوَة، فَانْصَرف عَليّ بن عِيسَى من دَار الْمَأْمُون آيسًا من نَفسه، لَا يقدر على شَيْء من المَال.
فَقَالَ لَهُ كَاتبه: لَو عرجت على غَسَّان، وأخبرته بخبرك، لرجوت أَن
стр. 1087
يعينك على أَمرك.
فَقَالَ: على مَا بيني وَبَينه؟ قَالَ: نعم، فَإِن الرجل أريحي كريم.
قَالَ: فَحَملته حَاله على قبُول ذَلِك، فَدخل إِلَى غَسَّان، فَقَامَ إِلَيْهِ، وتلقاه بجميل، ووفاه حَقه.
فَقَالَ لَهُ: إِن الْحَال الَّذِي بيني وَبَيْنك، لَا يُوجب مَا أبديته من تكرمتي.
فَقَالَ: ذَاك حَيْثُ تقع المنافسة عَلَيْهِ والمضايقة فِيهِ، وَالَّذِي بيني وَبَيْنك بِحَالهِ، ولدخول دَاري حُرْمَة توجب لَك عَليّ بُلُوغ مَا ترجوه، فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها، فَقص كَاتبه عَلَيْهِ قصَّته.
فَقَالَ غَسَّان: أَرْجُو أَن يَكْفِيهِ الله تَعَالَى وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا.
فَمضى عَليّ بن عِيسَى، آيسًا من نَفسه، كاسف البال، نَادِما على قَصده، وَقَالَ لكَاتبه لما انْصَرف: مَا أفدتني بِقصد غَسَّان إِلَّا تعجل المهانة والذل.
وتشاغل فِي طَرِيقه بلقاء بعض إخوانه، وَعَاد إِلَى دَاره، فَوجدَ على بَابه بغالًا عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ ألف دِينَار، مَعَ رَسُول غَسَّان بن عباد، فأبلغه سَلَامه، وعرفه غمه بِمَا دفع إِلَيْهِ، وَسلم إِلَيْهِ المَال، وَتقدم إِلَيْهِ بِحُضُور دَار الْمَأْمُون من غَد ذَلِك الْيَوْم.
فبكر عَليّ بن عِيسَى، فَوجدَ غَسَّان بن عباد قد سبقه إِلَيْهَا، فَلَمَّا وصل النَّاس إِلَى الْمَأْمُون، مثل غَسَّان بن عباد بَين الصفين، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لعَلي بن عِيسَى حُرْمَة وخدمة، وسالف أصل، ولأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ سالف إِحْسَان، وَقد لحقه من الخسران فِي ضَمَانه مَا قد تعارفه النَّاس، وَقد جرى عَلَيْهِ من جدة الْمُطَالبَة، وشدتها، والوعيد بِضَرْب السِّيَاط إِلَى أَن يتْلف، مَا حيره، وقطعه
стр. 1088
عَن الاحتيال فِيمَا عَلَيْهِ من المَال، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يجريني على حسن عَادَته فِي كرمه، ويشفعني فِي بعض مَا عَلَيْهِ، ويضعه عَنهُ، فعل.
قَالَ: فَلم يزل بِهِ بِهَذَا وَنَحْوه، حَتَّى حطه النّصْف، وَاقْتصر مِنْهُ على عشْرين ألف دِينَار.
قَالَ غَسَّان: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجدد عَلَيْهِ الضَّمَان، ويشرفه بخلع.
فَأَجَابَهُ الْمَأْمُون إِلَى ذَلِك.
قَالَ: فَيَأْذَن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن أحمل الدواة إِلَيْهِ، ليوقع بذلك، وَيبقى شرف حملهَا عَليّ وعَلى عَقبي.
قَالَ: افْعَل.
فَفعل، وَخرج عَليّ بن عِيسَى، والتوقيع مَعَه بذلك، وَعَلِيهِ الْخلْع.
فَلَمَّا وصل إِلَى منزله، رد الْعشْرين ألف دِينَار، إِلَى غَسَّان، وشكره.
فَردهَا غَسَّان، وَقَالَ: إِنِّي لم أستحطها لنَفْسي، وَإِنَّمَا أَحْبَبْت توفيرها عَلَيْك، واستحططتها لَك، وَلَيْسَ، وَالله، يعود شَيْء من المَال إِلَى ملكي أبدا.
وَعرف عَليّ بن عِيسَى، مَا فعله مَعَه غَسَّان، فَلم يزل يَخْدمه إِلَى آخر الْعُمر.
стр. 1089
الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة
وجدت فِي بعض كتبي بِغَيْر إِسْنَاد.
حضر الشّعبِيّ، عِنْد مُصعب بن الزبير، وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة، وَقد أُتِي بِقوم، فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، فَأخذُوا ليقتلوا.
فَقَالَ لَهُ الشّعبِيّ: أَيهَا الْأَمِير، إِن أول من اتخذ السجْن كَانَ حكيمًا، وَأَنت على الْعقُوبَة، أقدر مِنْك على نَزعهَا.
فَأمر مُصعب بِحَبْس الْقَوْم، ثمَّ نظر فِي أَمرهم بعدن فَوَجَدَهُمْ برَاء، فَأَطْلَقَهُمْ.
стр. 1090
مَا صحب السُّلْطَان أَخبث من عمر بن فرج الرخجي
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، حُكيَ عَن أبي عبد الله أَحْمد ابْن أبي داؤد، أَنه قَالَ: مَا صحب السُّلْطَان أرجل، وَلَا أَخبث من عمر بن فرج الرخجي، غضب عَلَيْهِ المعتصم يَوْمًا وهم بقتْله، وَأمر بإحضاره، فَجَاءُوا بِهِ وَقد نزف دَمه.
فَقَالَ المعتصم: السَّيْف، يَا غُلَام، فَجعلت ركبتا عمر تصطكان.
فَقلت: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يسْأَله عَن ذَنبه، فَلَعَلَّهُ أَن يخرج مِنْهُ بِعُذْر.
فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الفاعلة، أَمرتك فِي ولد أبي طَالب أَن تتعرف خبر مَنَازِلهمْ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك؟ قَالَ عمر: إِنَّمَا فعلت ذَلِك لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن وَاحِد مِنْهُم أَن أهل قُم يكاتبونه،
следующие страницы →