Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
درس فِي الْمُرُوءَة وَالْكَرم
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (الوزراء) : حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن الْوَلِيد، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن عِيسَى القمي، وَكَانَ ضَامِنا لأعمال الْخراج والضياع بِبَلَدِهِ، فَبَقيت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار.
وألح الْمَأْمُون فِي مُطَالبَته، حَتَّى قَالَ لعَلي بن صَالح، حَاجِبه: طَالبه بِالْمَالِ، وأنظره ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن أحضر المَال قبل انْقِضَائِهَا، وَإِلَّا فَاضْرِبْهُ بالسياط، حَتَّى يُؤَدِّيهَا أَو يتْلف.
وَكَانَت بَين عَليّ بن عِيسَى وغسان بن عباد عَدَاوَة، فَانْصَرف عَليّ بن عِيسَى من دَار الْمَأْمُون آيسًا من نَفسه، لَا يقدر على شَيْء من المَال.
فَقَالَ لَهُ كَاتبه: لَو عرجت على غَسَّان، وأخبرته بخبرك، لرجوت أَن
стр. 1087
يعينك على أَمرك.
فَقَالَ: على مَا بيني وَبَينه؟ قَالَ: نعم، فَإِن الرجل أريحي كريم.
قَالَ: فَحَملته حَاله على قبُول ذَلِك، فَدخل إِلَى غَسَّان، فَقَامَ إِلَيْهِ، وتلقاه بجميل، ووفاه حَقه.
فَقَالَ لَهُ: إِن الْحَال الَّذِي بيني وَبَيْنك، لَا يُوجب مَا أبديته من تكرمتي.
فَقَالَ: ذَاك حَيْثُ تقع المنافسة عَلَيْهِ والمضايقة فِيهِ، وَالَّذِي بيني وَبَيْنك بِحَالهِ، ولدخول دَاري حُرْمَة توجب لَك عَليّ بُلُوغ مَا ترجوه، فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها، فَقص كَاتبه عَلَيْهِ قصَّته.
فَقَالَ غَسَّان: أَرْجُو أَن يَكْفِيهِ الله تَعَالَى وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا.
فَمضى عَليّ بن عِيسَى، آيسًا من نَفسه، كاسف البال، نَادِما على قَصده، وَقَالَ لكَاتبه لما انْصَرف: مَا أفدتني بِقصد غَسَّان إِلَّا تعجل المهانة والذل.
وتشاغل فِي طَرِيقه بلقاء بعض إخوانه، وَعَاد إِلَى دَاره، فَوجدَ على بَابه بغالًا عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ ألف دِينَار، مَعَ رَسُول غَسَّان بن عباد، فأبلغه سَلَامه، وعرفه غمه بِمَا دفع إِلَيْهِ، وَسلم إِلَيْهِ المَال، وَتقدم إِلَيْهِ بِحُضُور دَار الْمَأْمُون من غَد ذَلِك الْيَوْم.
فبكر عَليّ بن عِيسَى، فَوجدَ غَسَّان بن عباد قد سبقه إِلَيْهَا، فَلَمَّا وصل النَّاس إِلَى الْمَأْمُون، مثل غَسَّان بن عباد بَين الصفين، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لعَلي بن عِيسَى حُرْمَة وخدمة، وسالف أصل، ولأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ سالف إِحْسَان، وَقد لحقه من الخسران فِي ضَمَانه مَا قد تعارفه النَّاس، وَقد جرى عَلَيْهِ من جدة الْمُطَالبَة، وشدتها، والوعيد بِضَرْب السِّيَاط إِلَى أَن يتْلف، مَا حيره، وقطعه
стр. 1088
عَن الاحتيال فِيمَا عَلَيْهِ من المَال، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يجريني على حسن عَادَته فِي كرمه، ويشفعني فِي بعض مَا عَلَيْهِ، ويضعه عَنهُ، فعل.
قَالَ: فَلم يزل بِهِ بِهَذَا وَنَحْوه، حَتَّى حطه النّصْف، وَاقْتصر مِنْهُ على عشْرين ألف دِينَار.
قَالَ غَسَّان: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجدد عَلَيْهِ الضَّمَان، ويشرفه بخلع.
فَأَجَابَهُ الْمَأْمُون إِلَى ذَلِك.
قَالَ: فَيَأْذَن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن أحمل الدواة إِلَيْهِ، ليوقع بذلك، وَيبقى شرف حملهَا عَليّ وعَلى عَقبي.
قَالَ: افْعَل.
فَفعل، وَخرج عَليّ بن عِيسَى، والتوقيع مَعَه بذلك، وَعَلِيهِ الْخلْع.
فَلَمَّا وصل إِلَى منزله، رد الْعشْرين ألف دِينَار، إِلَى غَسَّان، وشكره.
فَردهَا غَسَّان، وَقَالَ: إِنِّي لم أستحطها لنَفْسي، وَإِنَّمَا أَحْبَبْت توفيرها عَلَيْك، واستحططتها لَك، وَلَيْسَ، وَالله، يعود شَيْء من المَال إِلَى ملكي أبدا.
وَعرف عَليّ بن عِيسَى، مَا فعله مَعَه غَسَّان، فَلم يزل يَخْدمه إِلَى آخر الْعُمر.
стр. 1089
الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة
وجدت فِي بعض كتبي بِغَيْر إِسْنَاد.
حضر الشّعبِيّ، عِنْد مُصعب بن الزبير، وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة، وَقد أُتِي بِقوم، فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، فَأخذُوا ليقتلوا.
فَقَالَ لَهُ الشّعبِيّ: أَيهَا الْأَمِير، إِن أول من اتخذ السجْن كَانَ حكيمًا، وَأَنت على الْعقُوبَة، أقدر مِنْك على نَزعهَا.
فَأمر مُصعب بِحَبْس الْقَوْم، ثمَّ نظر فِي أَمرهم بعدن فَوَجَدَهُمْ برَاء، فَأَطْلَقَهُمْ.
стр. 1090
مَا صحب السُّلْطَان أَخبث من عمر بن فرج الرخجي
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، حُكيَ عَن أبي عبد الله أَحْمد ابْن أبي داؤد، أَنه قَالَ: مَا صحب السُّلْطَان أرجل، وَلَا أَخبث من عمر بن فرج الرخجي، غضب عَلَيْهِ المعتصم يَوْمًا وهم بقتْله، وَأمر بإحضاره، فَجَاءُوا بِهِ وَقد نزف دَمه.
فَقَالَ المعتصم: السَّيْف، يَا غُلَام، فَجعلت ركبتا عمر تصطكان.
فَقلت: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يسْأَله عَن ذَنبه، فَلَعَلَّهُ أَن يخرج مِنْهُ بِعُذْر.
فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الفاعلة، أَمرتك فِي ولد أبي طَالب أَن تتعرف خبر مَنَازِلهمْ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك؟ قَالَ عمر: إِنَّمَا فعلت ذَلِك لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن وَاحِد مِنْهُم أَن أهل قُم يكاتبونه،
стр. 1091
فَأَرَدْت أَن أعلم مَا فِي الْكتب الْوَارِدَة عَلَيْهِ.
وَجعل عمر فِي خلال ذَلِك يلمس الْبسَاط الَّذِي كَانَ تَحت المعتصم، فَزَاد ذَلِك فِي غَضَبه.
وَقَالَ: يَا ابْن الفاعلة، مَا شغلك مَا أَنْت فِيهِ عَن لمس الْبسَاط، كَأَنَّك غير مكترث بِمَا أريده بك؟ فَقَالَ: لَا وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن العَبْد يعْنى من أَمر سَيّده، بِكُل شَيْء، على جَمِيع الْأَحْوَال، فَإِنِّي استخشنت هَذَا الْبسَاط، وَلَيْسَ هُوَ من بسط الْخلَافَة.
فَقَالَ لَهُ: وَيلك، هَذَا الْبسَاط ذكر مُحَمَّد بن عبد الْملك أَنه قَامَ علينا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
فَقَالَ: يَا سَيِّدي عِنْدِي خير مِنْهُ قِيمَته سبع مائَة دِينَار.
قَالَ: فَذهب عَن المعتصم، وَالله، ذَلِك الْفَوْر الَّذِي كَانَ بِهِ، وَسكن غَضَبه.
قَالَ: وَجه السَّاعَة من يحضرهُ.
فجَاء ببساط قد قَامَ عَلَيْهِ، فِيمَا أَظن، بِأَكْثَرَ من خَمْسَة آلَاف دِينَار، وَاسْتَحْسنهُ المعتصم، واستلانه.
وَقَالَ: هَذَا، وَالله، أحسن من بساطنا، وأرخص، وَقد أخذناه مِنْك بِمَا قَامَ عَلَيْك.
وَوَاللَّه مَا برح ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى نادمه، وخلع عَلَيْهِ.
стр. 1092
مُصعب بن الزبير يعْفُو عَن أحد أسراه ويجعله من ندمائه
وقرأت فِي بعض الْكتب: أَن مُصعب بن الزبير، أَخذ رجلا من أَصْحَاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد، فَأمر يضْرب عُنُقه.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، مَا أقبح بك أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة، ووجهك هَذَا الْجَمِيل الَّذِي يستضاء بِهِ، فأتعلق بك، ثمَّ أَقُول: يَا رب، سل مصعبًا فيمَ قتلني؟ فَقَالَ لَهُ مُصعب: قد عَفَوْت عَنْك.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير اجْعَل مَا وهبت لي من حَياتِي فِي خفض عَيْش، فَإِنَّهُ لَا عَيْش لفقير.
فَقَالَ: ردوا عَلَيْهِ عطاءه، وَأَعْطوهُ مائَة ألف دِرْهَم.
стр. 1093
قَالَ: أشهد الله، أَنِّي قد جعلت نصفهَا لِابْنِ قيس الرقيات.
قَالَ: لم؟ قَالَ لقَوْله:
إنّما مُصعب شهَاب من الله ... تجلّت عَن وَجهه الظلماء
ملكه ملك رَحْمَة لَيْسَ فِيهِ ... جبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء
يتّقي الله فِي الْأُمُور وَقد أَفْلح ... من كَانَ همّه الاتّقاء
فَضَحِك مُصعب، وَقَالَ: أرى فِيك للصنيعة موضعا، وَجعله من ندمائه، وَأحسن صلته.
стр. 1094
عمَارَة بن حَمْزَة فِي كرمه وكبريائه
وَحكي أَنه قيل للفضل بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، قد أفسدت جودك بكبرك، فَقَالَ: وَالله مَا لي حِيلَة فِي النُّزُوع عَنهُ، وَمَا كَانَ سَبَب حُصُوله فِي إِلَّا أنني حملت نَفسِي عَلَيْهِ، لما رَأَيْت من عمَارَة بن حَمْزَة، فتشبهت بِهِ، فَصَارَ طبعا، وَلَا أقدر على الإقلاع عَنهُ.
وَذَلِكَ إِن أبي كَانَ يضمن فَارس من الْمهْدي، فَحلت عَلَيْهِ ألف ألف دِرْهَم.
وَكَانَ الْمهْدي قد سَاءَ رَأْيه فِيهِ، فحرك ذَلِك مَا كَانَ فِي نَفسه، وَأمر أَبَا عون عبد الْملك بن يزِيد، أَن يَأْخُذ أبي، فيطالبه بِالْمَالِ، فَإِن غربت الشَّمْس فِي يَوْمه ذَاك، وَلم يصحح جَمِيعه، أَو بَقِي دِرْهَم مِنْهُ، أَتَاهُ بِرَأْسِهِ من غير أَن يَسْتَأْذِنهُ أَو يُرَاجِعهُ.
قَالَ: فَأَخذه أَبُو عون، فاستدعاني، وَقَالَ: يَا بني، قد ترى مَا نَحن فِيهِ، فَلَا تدعوا فِي مَنَازِلكُمْ شَيْئا إِلَّا أحضرتموه.
стр. 1095
قَالَ: فجمعنا كل مَا فِي مَنَازلنَا، من صَامت وَغَيره، فَلم يبلغ عشر المَال.
فَقَالَ: يَا بني، إِن كَانَت لنا حِيلَة فِي الْحَيَاة، فَمن قبل عمَارَة بن حَمْزَة، وَإِلَّا فَأَنا مقتول العشية، فألقه، وأذكر لَهُ الصُّورَة.
فمضيت إِلَى بَابه، فاستؤذن لي عَلَيْهِ.
فَدخلت، وَهُوَ مُضْطَجع قد غاص فِي فرش لَهُ، مَا يكَاد يبين إِلَّا وَجهه، فوَاللَّه مَا تحرّك، وسلمت، فَأَوْمأ إِلَيّ بِالْجُلُوسِ، فَجَلَست بَعيدا مِنْهُ، فَلم يعرني الطّرف.
فَانْكَسَرت نَفسِي، وَقلت: أَي خير عِنْد من هَذَا لقاؤه، وَهَذَا عنون أمره، فَأَمْسَكت لَا أَتكَلّم، مفكرًا فِي الْكَلَام، أَو الْقيام، فَقَالَ: اذكر حَاجَة إِن كنت أتيت لَهَا.
فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فوَاللَّه مَا أجابني بِحرف، أَكثر من قَوْله: امْضِ، فَإِن الله يَكْفِيك.
فَقُمْت متحيرًا، أجر رجْلي، لَا أَشك فِي أَنه قد آيسني، وَقلت: إِن عدت إِلَى أبي بِهَذَا الْجَواب مَاتَ غمًا قبل ضرب الْعُنُق.
فتوقفت سَاعَة، لَا أَدْرِي مَا أصنع، ثمَّ قلت: على كل حَال، أمضي إِلَيْهِ فأونسه، فَإِن كَانَت لَهُ حِيلَة أُخْرَى شرعنا فِيهَا قبل انصرام النَّهَار.
فَجئْت، فَوجدت على الْبَاب بغالًا كَثِيرَة محملة.
فَقلت لمن مَعهَا: من أَنْتُم؟ قَالُوا: أنفذنا عمَارَة إِلَيْكُم بِمَال على هَذِه البغال.
فَدخلت، فَعرفت أبي بِمَا جرى لي، وأخذنا المَال فصححناه، وَمَا صليت الْعَصْر حَتَّى عرف الْمهْدي الصُّورَة، وَأَفْرج عَن أبي وَكَانَ ذَلِك سَبَب رِضَاهُ عَنهُ، وَصَلَاح نِيَّته لَهُ.
فَلَمَّا كَانَ بعد شَهْرَيْن، ورد لنا من فَارس مَال عَظِيم كثير، فَقَالَ لي أبي:
стр. 1096
خُذ هَذَا المَال، وامض بِهِ إِلَى عمَارَة، واشكره، ورده عَلَيْهِ.
فَحملت المَال على بغال، ومضيت بِهِ إِلَى بَابه.
فوقفت، حَتَّى استؤذن لي، فَدخلت، وَهُوَ على فرشه، فَمَا زادني على مَا عاملني بِهِ أَولا، وَلَا نقصني.
فشكرته عَن أبي، ودعوت لَهُ، وعرفته إحضاري المَال، وَسَأَلته الْأَمر بِقَبْضِهِ.
فَقَالَ لي: أَكنت قسطارًا لأَبِيك، أقْرضهُ، وأرتجع مِنْهُ؟ فَقلت: لَا، وَلَكِن أحييته، وحقنت دَمه، ومننت عَلَيْهِ، وَمَا أحب أَن يتغنمك، فَلَمَّا حصل لَهُ المَال، أنفذه.
فَقَالَ: أما إِذْ رده أَبوك، فقد وهبته لَك، خُذْهُ وَانْصَرف.
فَقُمْت، وَقد أَعْطَانِي مَا لم يُعْط أحد أحدا.
فَجئْت إِلَى أبي فعرفته مَا جرى، فَقَالَ: لَا وَالله، يَا بني، مَا تطيب لَك بِهِ نَفسِي كُله وَلَكِن خُذ مِنْهُ مِائَتي ألف دِرْهَم، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِي أول مَال جَاءَنِي كثيرا مجتمعًا، وَهِي أصل نعمتي.
فتعلمت من عمَارَة الْجُود وَالْكبر مَعًا، فصارا لي طبعا.
стр. 1097
الهائم الراوية يقتل أسودًا مصابًا بداء الْكَلْب
وحَدثني الهائم الراوية، قَالَ: كنت أَسِير من الشَّام، أُرِيد الْعرَاق، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى قَرْيَة فِي بعض الطَّرِيق، لَقِيَنِي خراساني مَعَه مخلاة.
فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ فَقلت: بَغْدَاد.
فَقَالَ: أَنا رفيقك، فاصطحبنا وسرنا إِلَى قَرْيَة خراب على شاطئ الْفُرَات فِي بَريَّة الشَّام.
فَرَأَيْنَا على بَاب الْقرْيَة رجلا أسود، مُنكر الْخلقَة، عُريَانا، لَا يواريه شَيْء أَلْبَتَّة، فَعدا مجفلًا عَنَّا.
فَدَخَلْنَا الْقرْيَة، وَجَلَسْنَا فِي دَار خراب على شاطئ الْفُرَات، وأخرجنا زادًا كَانَ مَعنا، وأقبلنا نَأْكُل.
فَرَأَيْنَا الْحِجَارَة تجيئنا متداركة، حَتَّى خفنا أَن نهلك بهَا، وَمَا تمالكنا أَن نقوم إِلَّا بِجهْد.
стр. 1098
وتأملنا أمرنَا، فَرَأَيْنَا الْأسود يرجمنا، فطلبناه، وطلبنا.
فَلَمَّا تداخلنا، رام الْأسود أَن يقبض عَليّ، فزغت مِنْهُ، فَقبض على الْخُرَاسَانِي، وَكَانَ الْخُرَاسَانِي أيدًا، فَمَا زَالا يتعاركان سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ انكب الْأسود على كتف الْخُرَاسَانِي فعضه.
فصاح الْخُرَاسَانِي: يَا بغدادي أدركني، فقد قتلني.
فدنوت من خلف الْأسود فقبضت على خصيتيه، ولكمتها لكمات شَدِيدَة فَخر مغشيًا عَلَيْهِ، وَقَامَ الْخُرَاسَانِي، فَجَلَسَ على صَدره، وخنقه بِيَدِهِ حَتَّى تلف.
وسرنا، والخراساني يَصِيح من ألم العضة، حَتَّى انتهينا إِلَى حِيَال قَرْيَة عامرة.
فصحنا بملاح، فَقدم زورقه لنعبر إِلَى الْقرْيَة، فَطرح الْخُرَاسَانِي نَفسه على الشط كالتالف.
فشجعته، وَقلت لَهُ: مَالك؟ وَأي شَيْء قدر عضة؟ فَقَالَ: وَيحك انْظُر إِلَيْهَا، فَنَظَرت إِلَيْهَا، فَإِذا هِيَ قد أخذت كتفه كلهَا، واسودت، واحمر بدنه كُله.
فَحَملته أَنا والملاح، حَتَّى حصلناه فِي الزورق، وعبرنا، فَلَمَّا صرنا بِقرب الشط، تلف، فأخرجناه مَيتا.
فَاجْتمع أهل الْقرْيَة وسألوا عَن شَأْنه، فحدثتهم الحَدِيث.
стр. 1099
فَقَالُوا: قد فتحتم فتحا، وَقد سلمك الله أَنْت، وأراحنا من ذَلِك العَبْد هَذَا عبد آل فلَان، أَصَابَهُ دَاء الْكَلْب وتغرب فِي تِلْكَ الخرابات، وَقد قتل خلقا بالعض.
قَالَ: وتبادر قوم مِنْهُم يُرِيدُونَ الْموضع للأسود، وسرت أَنا فِي طريقي، وحمدت الله تَعَالَى على سلامتي من الْأسود.
стр. 1100
أَبُو جَعْفَر بن شيرزاد
كَانَ لداره أَرْبَعَة عشر بَابا حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن شيرزاد، قَالَ: حَدثنِي خَالِي، وَابْن عَم أبي، أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن شيرزاد، قَالَ: لما سعي عَليّ عِنْد بجكم، حَتَّى صرفني عَن كتبته، ونكبني، وألزمني
стр. 1101
بِمِائَتي ألف دِينَار، فأديت أَكْثَرهَا من غير أَن أبيع شَيْئا من أملاكي الظَّاهِرَة.
فَلَمَّا قاربت وفاءها، استحضرني أَحْمد بن عَليّ الْكُوفِي كَاتبه وَكَانَت لَهُ مُرُوءَة، وَأخذ يخاطبني بِكَلَام طَوِيل، هُوَ تقدمة واعتذار لشَيْء يُرِيد أَن يخاطبني بِهِ.
فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي مَا تُرِيدُ؟ وَمَا بك حَاجَة إِلَى التَّسَبُّب، فَإِنِّي بمودتك واثق.
فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل، يَعْنِي بجكم، قد رَجَعَ عَلَيْك فِي صلحك، وطمع فِيك، وطالبني أَن آخذ مِنْك مِائَتي ألف دِينَار أُخْرَى، وَوَاللَّه، مَا هَذَا عَن رَأْيِي، وَلَا لي فِيهِ مدْخل، وَلَا هُوَ من فعلي وَلَو قدرت على إِزَالَته عَنْك لفَعَلت.
قَالَ: فَأخذت أَحْلف لَهُ أَنِّي لَا أهتدي إِلَيْهَا، وَلَا إِلَى عشرهَا، وَأَن النكبة قد استنفدت مَالِي، وَلم يبْق لي شَيْء، إِلَّا دَاري، وضيعتي، وَأَنا أسميهما، وَلَا أكتم شَيْئا مِنْهُمَا، وَأخرج لَهُ عَنْهُمَا، ليهب لي روحي.
قَالَ: فطال الْخطاب بَيْننَا، فَلَمَّا قَامَ فِي نَفسه صدقي، فكر طَويلا.
ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل أعجمي، وَعِنْده أَن وَرَاءَك أَضْعَاف هَذَا المَال، وَأَن فِيك من الْفضل مَا يصلح لقلب دولته عَلَيْهِ، وَأَنت، وَالله، مَعَه فِي طَرِيق الْقَتْل، إِلَّا أَن يَكْفِيك الله ، وَوَاللَّه، مَا أحب أَن يجْرِي مثل هَذَا
стр. 1102
على يَدي، وَلَا فِي أيامي، فيلزمني عاره إِلَى الْأَبَد، وأجسره على قتل كِتَابه، فدبر خلاصك.
فتحيرت، ثمَّ سكنت، وَقلت لَهُ: تُعْطِينِي مِيثَاقك، وتحلف لي أَن سرك فِي محبَّة خلاصي كعلانيتك، حَتَّى أَقُول لَك مَا عِنْدِي؟ فَفعل.
فَحَلَفت لَهُ أَنِّي قد صدقته، وأنني لَا أمتنع مِمَّا يجريه عَليّ من بعد هَذَا الْيَمين، وَلَو شَاءَ مني أَن أفتح دواتي، وأكتب بَين يَدَيْهِ.
وَقلت لَهُ: أَنْت وقتك مقبل، ووقتي مُدبر، وَأَنت فارغ الْقلب، وَأَنا ذاهل بالمحنة، فدبر أَمْرِي الْآن كَيفَ شِئْت، فَإِنَّهُ ينفتح لَك بِهَاتَيْنِ الخلتين، مَا قد استبهم عَليّ.
قَالَ: ففكر، ثمَّ قَالَ: أَنا إِن آيست هَذَا الرجل من مَالك، لم آمنهُ على دمك، وَإِن أطمعته فِي مَالك، وَلَيْسَ لَك مَا تعلله بِهِ، أدَّت بك الْمُطَالبَة إِلَى التّلف، وَلَكِن الصَّوَاب عِنْدِي أَن أطمعه فِي ضيعتك، وأصف لَهُ جلالتها فأشتريها لَهُ مِنْك، وَأَقُول لَهُ: إِن ضيَاع السوَاد الخراجية، قد أجمع شُيُوخ الْكتاب بالحضرة، قَدِيما وحديثًا، على أَن كل مَا كَانَ مِنْهُ غَلَّته دِرْهَم، فَقيمته أَرْبَعَة دَرَاهِم، وَأَبُو جَعْفَر يَقُول: إِن غلَّة الضَّيْعَة، بعد الْخراج، خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار، وَإنَّهُ يضمنهَا بذلك، حَاصِلا، خَالِصا، بعد الْخراج والمؤن، وَيُقِيم بذلك كفلاء، فاشترها مِنْهُ بِمِائَتي ألف دِينَار كملًا، وَيحصل لعقبك ملك جليل، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُؤَدِّي بَاقِي المصادرة الأولى، وَتصير ضَامِنا للضيعة، فأدفعها إِلَيْك، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَأَنا أحتال بحيلة فِي أَن
стр. 1103
يكون الْكتاب عِنْدِي، فَلَا أسلمه إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ حَادِثَة تحدث، وَترجع إِلَيْك ضيعتك، وَتَكون بالعاجل قد تخلصت، وَسلم دمك أَربع سِنِين.
قَالَ: فَعلمت أَنه قد نصحني، وآثر خلاصي، وأجبت.
فَدخل إِلَى بجكم، وَلم يزل مَعَه فِي محادثات، إِلَى أَن تقرر الْأَمر على مَا قاولني عَلَيْهِ، وأحضر الشُّهُود، وَكتب عَليّ الْكتاب بالابتياع، وَالْكتاب بِالْإِجَارَة.
وَقَالَ لي: ألوجه أَن تقيم كفلاء بِبَقِيَّة المصادرة الأولى، فقد استأذنته فِي صرفك إِلَى مَنْزِلك، وَإِذا انصرفت، فانضم، وَلَا يراك أحد، وَكن متحذرًا، وَلَا تظهر أَنَّك مستتر، فتغريه بك.
قَالَ: فشكرته، وأقمت الكفلاء بِالْمَالِ، إِلَى أَيَّام مَعْلُومَة، فصرفني.
فعدت إِلَى دَاري، وَكنت متحذرًا، أَجْلِس فِي كل يَوْم، فَيدْخل إِلَيّ بعض النَّاس، بِمِقْدَار مَا يعلم أَنِّي بداري، فَإِذا كَانَ نصف النَّهَار، خرجت إِلَى منَازِل إخْوَانِي، وأقمت يَوْمًا عِنْد هَذَا، وَيَوْما عِنْد الآخر، وراعيت أَخْبَار دَاري، أتوقع أَن يجيئها من يكبسها، فَأَكُون بِحَيْثُ لَا يعرف خبري، فأنجو.
فطال ذَلِك، والسلامة مستمرة، وَانْحَدَرَ بجكم إِلَى وَاسِط، فأنست بِالْجُلُوسِ والاستقرار فِي دَاري.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، ضَاقَ صَدْرِي ضيقا لَا أعرف سَببه، وَاسْتَوْحَشْت، وفكرت فِي أَمْرِي، وَقلت: إِن كبست على غَفلَة، فَمَاذَا أصنع؟ قَالَ: وَكَانَ لداري أَرْبَعَة عشر بَابا، إِلَى أَرْبَعَة عشر سكَّة، وشارعًا، وزقاقًا نَافِذا، وَمِنْهَا عدَّة أَبْوَاب لَا يعرف جِيرَانهَا أَنَّهَا تُفْضِي إِلَى دَاري، وأكثرها عَلَيْهِ الْأَبْوَاب الْحَدِيد.
стр. 1104
قَالَ: فتراءى لي، أَن أرْسلت إِلَى غلماني الْمُقَاتلَة، وَكَانُوا مُتَفَرّقين عني، قد صرفتهم لِئَلَّا يصير لي حَدِيث، فجاءوني، وَاجْتمعَ مِنْهُم، وَمن أَوْلَادهم، نَحْو ثلث مائَة غُلَام.
فَقلت لَهُم: إِذا كَانَ اللَّيْلَة فاحضروا جَمِيعًا بسلاحكم، وبيتوا عِنْدِي لَيْلًا، وَأقِيمُوا نَهَارا، إِلَى أَن أدبر أَمْرِي.
قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِك، وفرقتهم فِي الْحجر المقاربة للمجلس الَّذِي كنت أَجْلِس فِيهِ، وَقلت: إِن كبست، فشاغلوا عني من يطلبني، لأنجو.
قَالَ: وَكنت أدبر كَيفَ أعمل فِي قلب الدولة، أَو استصلاح بجكم، فَلم يَقع لي الرَّأْي، وَلَا أجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا.
وَكنت أوصيت بوابي، أَن يغلق بَابي الْمَعْلُوم للنَّاس، وَلَا يَفْتَحهُ لأحد من خلق الله، إِلَّا بأَمْري.
وأجلست غُلَاما كَانَ يحجبني فِي أَيَّام الدولة، وَمَعَهُ عشرُون غُلَاما بسلاح خلف الْبَاب، وأمرته أَن لَا يفتح لأحد.
فَمَا مضى لهَذَا إِلَّا يَوْمَانِ أَو ثَلَاثَة، حَتَّى جَاءَنِي حاجبي، وَقَالَ: قد دق الْبَاب.
فَقلت: من الطارق؟ فَقَالَ: أَنا غُلَام مُحَمَّد بن ينَال الترجمان، وَهُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب بِالْبَابِ، يستأذنان على سيدنَا بِالدُّخُولِ.
стр. 1105
فَقلت فِي نَفسِي: بلية وَالله.
وَأمرت الغلمان، فَاجْتمعُوا بأسرهم، متسلحين، فِي بَيت لَهُ قبَّة كَبِيرَة، كنت جَالِسا فِي أحد أروقته، وأمرتهم أَن لَا ينبسوا بِكَلِمَة.
وَقلت للحاجب: اصْعَدْ إِلَى السَّطْح، فَانْظُر مَا ترى، وَأَخْبرنِي بِهِ، فَفعل.
وَعَاد، فَقَالَ: رَأَيْت الشَّارِع مملوءًا بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال، وَقد أحاطوا بِالدَّار من جنبات كَثِيرَة، وَلما رأوني أراقبهم تنحيت.
فصاح بِي الترجمان، قَائِلا: كلمني، وَمَا عَلَيْك بَأْس.
فأخرجت رَأْسِي، فَقَالَ: وَيحك، مَا جِئْنَا لمكروه، وَمَا جِئْنَا إِلَّا لبشارة، فَعرف سيدنَا بذلك.
فَقلت: لَيْسَ هُوَ فِي الدَّار، وَلَكِن أراسله، ثمَّ أخبر الْأَمِير أيده الله، فِي غَد، برَسُول إِلَى دَاره.
فَقَالَ: أَنا هَاهُنَا وَاقِف سَاعَة، إِلَى أَن يرى رَأْيه.
ففكرت، وَقلت: هَذِه حِيلَة للقبض عَليّ، لَا شكّ فِي ذَلِك.
ثمَّ رجعت، فَقلت: يجوز أَن يكون بجكم، قد تغير على الْكُوفِي، وَلَا يجد لخدمته غَيْرِي، واعترضني الطمع، وَكَاد أَن يفْسد رَأْيِي.
ثمَّ قلت للغلمان: إِن قلت لكم اخْرُجُوا، فضعوا على أبي بكر النَّقِيب، والترجمان أَيْدِيكُم، فاخرجوا وخذوا رأسيهما، وَلَا تستأذنوا الْبَتَّةَ، فَأَجَابُوا.
فَقلت: احْذَرُوا أَن تخالفوا فَأهْلك.
فَقَالُوا: نعم.
ثمَّ قلت للحاجب: اطلع السَّطْح، وَقل لَهُ: إِنِّي على حَال من اختلال الْفرش وَالْكِسْوَة، لَا أحب مَعَه دُخُول أحد إِلَيّ، فَإِن رضيت أَن تدخل أَنْت وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَإِلَّا فَأَنا أصلح أَمْرِي وأجيء إِلَى دَارك اللَّيْلَة.
стр. 1106
قَالَ: فَعَاد الْغُلَام، وَقَالَ: كَلمته، فَقَالَ: رَضِينَا بذلك.
فَقلت: يَا فلَان، اخْرُج، وَاحْذَرْ أَن يفتح الْبَاب كُله فَتدخل الْجَمَاعَة، وَأرى أَن تَقول لَهُ، أَن يتباعد عَن الْبَاب إِلَى الشَّارِع قَلِيلا، وَينزل، ويقصده هُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَاجعَل فِي الدهليز نفسين يمسكان الْبَاب من نقاوة الغلمان.
فَقَالَ: نعم.
ثمَّ قُمْت بنفسي، فأغلقت بَاب حَدِيد كَانَ بَين صحن الدَّار والدهليز، وَجعلت خَلفه جمَاعَة غلْمَان بِالسِّلَاحِ.
وَقلت: قل لَهما أَن يدخلا، وَافْتَحْ من الْبَاب الَّذِي على الشَّارِع قَلِيلا فَإِن ازْدحم النَّاس، وتكاثروا، فَهِيَ حِيلَة، فَدَعْهُمْ يدْخلُونَ، وَصَحَّ: مَا هَذَا؟ فَأعْلم أَنَّهَا حِيلَة، فَأخْرج من بعض الْأَبْوَاب، أما هم فيفضون إِلَى هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مقفل، ووراءه الغلمان.
وَإِن حضرا وحيدين، فَقل لَهما: الشَّرْط أَن أقفل الْبَاب من وَرَاء ظهريكما بَيْنكُمَا وَبَين أصحابكما، ثمَّ افْتَحْ الْبَاب الَّذِي يَلِي الشَّارِع، حَتَّى يدخلَانِ، ثمَّ اقفله، وارم مفاتيحه من تَحت الْبَاب الثَّانِي إِلَيْنَا إِلَى الصحن، ودق هَذَا الْبَاب، فَإِنِّي وَاقِف وَرَاءه، لأتقدم بفتحه، فيدخلان.
فَفعل الْحَاجِب ذَلِك، وَحصل أَبُو بكر النَّقِيب والترجمان فِي الدهليز وحيدين.
فَلَمَّا سَمِعت صَوت قفل الْبَاب الْخَارِجِي، وَأَنا عِنْد الْبَاب الداخلي، ودق الْحَاجِب الْبَاب الثَّانِي، وَرمى بالمفتاح، عدت إِلَى مجلسي، فَجَلَست فِيهِ، ونحيت من كنت أقمته وَرَاء الْبَاب الثَّانِي بِالسِّلَاحِ، وأعدت عَلَيْهِم الْوَصِيَّة بِقَتْلِهِمَا إِن صحت: يَا غلْمَان اخْرُجُوا.
стр. 1107
ثمَّ تقدّمت إِلَى غُلَام لي كَانَ وَاقِفًا بِلَا سلَاح، أَن يفتح الْبَاب، ويدخلهما، فَفعل ذَلِك.
وألقيت نَفسِي على الْفراش كَأَنِّي عليل، ودخلا، فَلم أوفهما الْحق، وأخفيت كَلَامي، كَمَا يفعل العليل.
فَقَالَا: أيش خبرك؟ فَقلت: أَنا مُنْذُ أَيَّام عليل، وارتعت بحضوركما.
فَأخذ الترجمان يحلف أَنه مَا حضر إِلَّا ليردني إِلَى منزلتي، واستكتابي لبجكم، فشكرته على ذَلِك.
وَقلت: أَنا تائب من التَّصَرُّف، وَلَا أصلح لَهُ.
فَقَالَ: قد أَمرنِي الْأَمِير بمخاطبتك فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ، إِلَى وَاسِط، لتقرير هَذَا الْأَمر، وَلَا يجوز أَن أكتب إِلَيْهِ بِمثل هَذَا عَنْك، وَلَكِن إِذا كنت زاهدًا فِي الْحَقِيقَة، فَاخْرُج إِلَيْهِ، وأحدث بخدمته عهدا، واستعفه، فَإِنَّهُ لَا يجبرك.
فَقلت: هَل كاتبني بِشَيْء توصله إِلَيّ.
فَقَالَ: لَا، وَلكنه اقْتصر على مَا كتب بِهِ إِلَيّ، لعلمه بمودتي لَك، وَلِئَلَّا يفشو الْخَبَر.
فَقلت: تقفني على كِتَابه إِلَيْك.
فَقَالَ: لم أحملهُ معي.
فَعلمت أَنه قد كُوتِبَ بِالْقَبْضِ عَليّ، وَأَنه يتَوَصَّل بالحيلة لتحصيلي.
فَقلت: أَنا عليل كَمَا ترى، وَلَا فضل فِي للسَّفر، وَلَكِن تجيب الْأَمِير أَطَالَ الله بَقَاءَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، وَأَنِّي أخرج بعد أُسْبُوع، إِذا استقللت قَلِيلا.
فَقَالَ: يقبح هَذَا، وَالْوَجْه أَن تخرج.
فَقلت: لَا أقدر.
стр. 1108
فراجعني، وراجعته، إِلَى أَن قَالَ: لَا بُد من خُرُوجك.
فَقلت: إِنِّي لَا أخرج.
فَقَالَ: تخرج طَائِعا أَو كَارِهًا.
فَجَلَست، وَظهر فِي أثر الاحتداد مَعَ الْقُدْرَة، وَقلت: إِنِّي لَا أخرج، وَلَا كَرَامَة لَك، فاجهد جهدك، وَذَهَبت لأصيح بالغلمان.
وَكَانَ أَبُو بكر النَّقِيب خبيثًا، فَقَالَ: أسأَل سيدنَا بِاللَّه الْعَظِيم أَن لَا يتَكَلَّم بِحرف، ويدعني وَهَذَا الْأَمر.
ثمَّ أَخذ بيد الترجمان وقاما إِلَى نَاحيَة فِي الْمجْلس بعيدَة، لَا أسمع مَا يجْرِي بَينهمَا، فأطالا السرَار، ثمَّ جَاءَا إِلَيّ.
فَأخذ أَبُو بكر يعْتَذر إِلَيّ مِمَّا جرى، ويخاطبني باللين، وَيَقُول: فَبعد كم يخرج سيدنَا؟ حَتَّى نقتنع بوعده، وننصرف.
فَقلت: بعد عشرَة أَيَّام.
فَقَالَ: قد رَضِينَا.
فَأخذ الترجمان ينزق عَليّ فِي الْكَلَام، وَأَبُو بكر يغمزه، ويرفق بِهِ.
فَلَمَّا بلغا إِلَى قريب من الدهليز، رَجَعَ أَبُو بكر، وجر الترجمان، مَعَه وَقَالَ: هَذَا لَيْسَ يعرفك حق معرفتك، وَعِنْده أَنه يقدر يَسْتَوْفِي عَلَيْك الْحجَّة، فبالله إِلَّا مَا عَرفته مَا كَانَ فِي نَفسك أَن تعمله بِنَا، لَو اسْتَوْفَيْنَا عَلَيْك الْمُطَالبَة، لِئَلَّا أقع فِي مَكْرُوه مَعَه وَمَعَ الْأَمِير.
فَقلت فِي نَفسِي: أَنا أُرِيد الْهَرَب السَّاعَة، فَمَا معنى مساترتي لَهما مَا أردْت أَن أَفعلهُ، وَلم لَا أظهره ليَكُون أهيب فِي نفوسهما؟ فَقلت للغلام الَّذِي كَانَ وَاقِفًا على رَأْسِي بِلَا سلَاح: امْضِ إِلَى أَصْحَابنَا،
стр. 1109
وَقل لَهُم أَن يخرجُوا، وَلَا يعملوا مَا كنت قلت لَهُم.
فَمضى الْغُلَام، وَفتح الْبَاب عَلَيْهِم، وَقَالَ: اخْرُجُوا، وَلَا تحدثُوا على الْقَوْم حَادِثَة، فَخرج الْقَوْم بِالسِّلَاحِ.
فَقلت: هَؤُلَاءِ أعددتهم لدفعكما عَن نَفسِي، إِن رمتما قسري على مَا لَا أوثره.
قَالَ: فَمَاتَ الترجمان فِي جلده، واصفر وتحير.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أَنْت تظن أَنَّك بِالْجَبَلِ، وَلَيْسَ تعلم بَين يَدي من أَنْت الْآن؟ عرفت أَن الرَّأْي كَانَ فِي يَدي، لَا فِي يدك؟ وَالله، لَو زِدْت فِي الْمَعْنى، لخرج هَؤُلَاءِ فَأخذُوا رَأسك ورأسي.
فَقلت: معَاذ الله، وَلَكِن كَانُوا يمنعوكما من أذاي.
ثمَّ قلت للغلمان: كونُوا مَعَهُمَا، إِلَى أَن يخرجَا، وتغلقوا الْأَبْوَاب خلفهمَا، فَفَعَلُوا.
وَقمت فِي الْحَال فَلبِست خفًا وإزارًا على صُورَة النِّسَاء، واستصحبت جمَاعَة من عَجَائِز دَاري، وَخرجت مَعَهُنَّ من بَاب من تِلْكَ الْأَبْوَاب الْخفية، متحيرًا، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد.
فقصدت عدَّة مَوَاضِع، كلما قصدت موضعا، علمت أَنه لَا يحملني، فأتجاوزه، إِلَى أَن كدني الْمَشْي، وَقربت من الرصافة، فَعَن لي أَن أقصد خَالَة المقتدر، وأطرح نَفسِي عَلَيْهَا.
فصرفت جَمِيع من كَانَ معي، إِلَّا وَاحِدَة، وقصدت دَار الْخَالَة، وَدخلت دهليزها.
стр. 1110
فَقَامَ إِلَيّ الْخَادِم، وَقَالَ: من أَقُول؟ فَقَالَت الْعَجُوز: امْرَأَة لَا تحب أَن تسمي نَفسهَا، فَدخل وَإِذا بالخالة قد خرجت إِلَى الدهليز.
فَقَالَت لَهَا الامرأة: يَا ستي، تأمرين الْخَادِم بالانصراف، فَأَمَرته، فَانْصَرف.
فَكشفت وَجْهي، وَقلت: يَا ستي، الله، الله فِي دمي، اشتريني، فَقَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، مَا الْخَبَر؟ فَقلت: أدخليني، أحَدثك.
فَقَالَت: كن مَكَانك، فَإِنِّي قد علمت أَنَّك مَا جئتني إِلَّا مستترًا.
ثمَّ دخلت، فأبطأت، حَتَّى قلت: قد كرهت دخولي، وستخرج إِلَيّ من يصرفني، وتعتذر، وهممت بالانصراف.
وَإِذا بهَا قد خرجت، ثمَّ قَالَت: أرعبتك بالانتظار، وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا عَن احْتِيَاط لَك، فَادْخُلْ.
فَدخلت فَإِذا دارها الأولى، على عظمها، فارغة، مَا فِيهَا أحد.
فسلكت بِي، وبالمرأة الْعَجُوز، إِلَى مَوضِع من الدَّار، فَدخلت إِلَى حجرَة، فأقفلتها بِيَدِهَا، ومشت بَين أَيْدِينَا، حَتَّى انْتَهَت بِنَا إِلَى سرداب، فأنزلتنا فِيهِ، ومشينا فِيهِ طَويلا، وَهِي بَين أَيْدِينَا، حَتَّى صعدت مِنْهُ إِلَى دَرَجَة طَوِيلَة، أفضت بِنَا إِلَى دَار فِي نِهَايَة الْحسن والسرو، وفيهَا من الْفرش، والآلات، كل شَيْء حسن.
وَقَالَت: إِنَّمَا احْتبست عَنْك، حَتَّى أصلحت لَك هَذِه الدَّار، وأخليت الأولى، حَتَّى لَا يراك الَّذين كَانُوا فِيهَا، فَيعرف خبرك، فعرفني قصتك.
فَذَكرتهَا لَهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا.
فَقَالَت: اجْلِسْ هَاهُنَا مَا شِئْت، فوَاللَّه، إِنَّك تسرني بذلك، فاحفظ
стр. 1111
نَفسك من أَن ينتشر خبرك من جهتك، فَلَيْسَ معي من جهتي من يدْخل عَلَيْك أَو يخرج مِنْك، فتهلك نَفسك، وتهلكني، فَإنَّك تعلم أَن هَذَا الرجل ظَالِم جَاهِل، لَا يعرف حق مثلي.
فَقلت: مَا معي غير هَذِه الْعَجُوز، وَلست أدعها تخرج.
فَقَالَت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب.
فأقمت عِنْدهَا مُدَّة، فَكَانَت تجيئني كل يَوْم، وتعرفني أَخْبَار الدُّنْيَا، وتحادثني سَاعَة، وتنصرف، وَتحمل إِلَيّ كل شَيْء فاخر، من الْمَأْكُول، والمشروب، والبخور، وَأَخْدَم بِمَا لم أخدم بِمثلِهِ فِي أَيَّام دَوْلَتِي.
فَلَمَّا كَانَ فِي غَدَاة يَوْم بعد حصولي عِنْدهَا، قَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، أَنْت وَحدك، وَلَيْسَ يصلح أَن يخدمك كل أحد، وَقد حملت إِلَيْك هَذِه الْجَارِيَة، وأومأت إِلَى وصيفة كَانَت مَعهَا، فِي نِهَايَة الْحسن وَالْجمال، فاستخدمها، وَإِنَّهَا تَقول مقَام فراشة، وَقد أَهْدَيْتهَا لَك، وَإِن احتجت إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الرِّجَال، صلحت لذَلِك أَيْضا.
فَقبلت ذَلِك، وشكرتها، ودعوت لَهَا.
وتأملت الْجَارِيَة، فَإِذا هِيَ تغني أحسن غناء وأطيبه، فَكَانَ عيشي مَعهَا أطيب من عيشي أَيَّام الدولة.
وَمضى على استتاري نَحْو شَهْرَيْن، لَا يخرج من عِنْدِي أحد، وَلَا يدْخل إِلَيّ غير الْجَارِيَة.
فَقلت لَهَا يَوْمًا: قد تطلعت نَفسِي إِلَى معرفَة الْأَخْبَار، وإنفاذ هَذِه الْعَجُوز إِلَى من تتعرف ذَلِك مِنْهُ.
فَقَالَت: افْعَل، واحتفظ جهدك.
فَكتبت مَعَ الْعَجُوز كتابا إِلَى وَكيل لي أَثِق بِهِ، آمره أَن يتعرف لي الْأَخْبَار،
стр. 1112
وَيكْتب إِلَيّ بهَا مَعَ الْعَجُوز.
ورسمت لَهُ أَن ينفذ طيورًا مَعَ غُلَام أسميته لَهُ وَكنت بِهِ واثقًا من دون سَائِر غلماني، ويأمره بالْمقَام بواسط، وَالْمُكَاتبَة على الطُّيُور فِي كل يَوْم بالأخبار، وَأَن يكْتب عني إِلَى جمَاعَة بواسط، كنت أَثِق بهم، بِأَن يمدوا الْغُلَام بالأخبار.
ورسمت للعجوز أَن لَا تعرف الْوَكِيل موضعي، لِئَلَّا يظْهر شَيْء من الْأَمر، وَيَقَع الْوَكِيل، وَيُطَالب بِي، فَيدل عَليّ.
فَعَاد الْجَواب إِلَيّ، بِمَا عِنْده من الْأَخْبَار، وَأَنه لَا يَنْقَضِي يَوْمه، حَتَّى ينفذ الْغُلَام والطيور.
فأمهلته عشرَة أَيَّام، ثمَّ رددت الْعَجُوز، فأنفذ لي على يَدهَا، كتبا وَردت على الطُّيُور، فقرأتها، وَمضى على ذَلِك مُدَّة.
فَأَصْبَحت يَوْمًا وَأَنا على نِهَايَة النشاط، وَالسُّرُور، والانبساط، من غير سَبَب أعرفهُ، فَقلت للعجوز: امْضِي إِلَى فلَان، واعرفي هَل ورد عَلَيْهِ كتاب من وَاسِط؟ فمضت الْعَجُوز إِلَى الْوَكِيل، فَهِيَ عِنْده، إِذْ سقط عَلَيْهِ طَائِر بِكِتَاب، فَحله، وَسلمهُ إِلَيْهَا، من غير أَن يقف عَلَيْهِ.
فجاءتني بِهِ، فَإِذا هُوَ من الْغُلَام الْمُرَتّب بواسط، بتاريخ يَوْمه، وَأَكْثَره رطب، كتب فِي الْحَال يذكر فِيهِ وُرُود الْأَخْبَار إِلَى وَاسِط، بقتل الأكراد لبجكم، وَأَن النَّاس قد اختلطوا وماجوا.
стр. 1113
فَقبلت الأَرْض شكرا لله ، وكتبت فِي الْحَال إِلَى الْكُوفِي رقْعَة أشكره فِيهَا على جميله، وأعرفه أَنِّي مَا طويت خبري عَنهُ إِلَى الْآن، إِلَّا إشفاقًا عَلَيْهِ من أَن يسْأَل عني، فَيكون مَتى حلف أَنه لَا يعرف خبري، صَادِقا، وَأَن أقل حُقُوق مَا عاملني بِهِ، أَن أعرفهُ مَا يجب أَن يتحرز مِنْهُ، وَذكرت لَهُ مَا ورد من الْخَبَر، وأشرت عَلَيْهِ بالاستتار.
وأنفذت رقعتي إِلَيْهِ بذلك، طي رقعتي إِلَى الْوَكِيل، وأمرته أَن يمْضِي بهَا فِي الْوَقْت إِلَيْهِ.
وَقلت للعجوز: إِذا مضى الْوَكِيل فارجعي أَنْت، وَلَا تقعدي فِي دَار الْوَكِيل.
فَعَادَت، وعرفتني أَن الْوَكِيل توجه إِلَى الْكُوفِي.
فَلَمَّا كَانَ بَين العشاءين من ذَلِك الْيَوْم رَددتهَا إِلَى الْوَكِيل، وَقلت لَهَا: اطرقي بَابه، فَإِن كَانَ فِي بَيته، على حَال سَلامَة فادخلي، وَإِن بَان لَك أَنه معتقل، أَو أَن دَاره مُوكل بهَا، فانصرفي وَلَا تدخلي.
فَعَادَت إِلَيّ برقعة الْوَكِيل، وطيها رقْعَة من أبي عبد الله الْكُوفِي.
وَفِي رقْعَة الْوَكِيل: إِنَّه حِين أوصل الرقعة إِلَى الْكُوفِي، بَان لَهُ فِي وَجهه الِاضْطِرَاب، وَإنَّهُ مَا صلى الْعَصْر فِي ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى امْتَلَأَ الْبَلَد بِأَن الْكُوفِي قد استتر، وَأَن بجكم قد حدثت بِهِ حَادِثَة لَا نَدْرِي مَا هِيَ، وَقد عدت بعد الْعَصْر إِلَى دَار الْكُوفِي، فَوَجَدتهَا مغلقة، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أحد، وَإِنِّي قد أنفذت جَوَاب الْكُوفِي طي رقعتي.
وقرأت رقْعَة الْكُوفِي، فَإِذا هُوَ يشكرني، وَيَقُول: قد علمت أَن مثلك يَا سَيِّدي لَا يفتعل مثل هَذَا الْخَبَر، وَلَا يضيع مروءته، وَأَن مثله يجوز أَن يكون صَحِيحا، وَقد تشاغل الَّذين مَعَ الْأَمِير بالهرب، عَن أَن يكتبوا لي بالحادث، وَكتب بِهِ من رتبته أَنْت، كَمَا ذكرت فِي رقعتك، فَأوجب الرَّأْي أَن أستظهر لنَفْسي، فَإِن كَانَ الْخَبَر صَحِيحا، وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح، فَالرَّأْي معي، وَإِن
стр. 1114
كَانَ بَاطِلا، فَلَا يضرني ذَلِك عِنْد صَاحِبي إِن كَانَ حَيا، لِأَنَّهُ يتصورني جَبَانًا لَا غير، فَيكون أسلم فِي العاجل.
وَقد أنفذت إِلَيْك، يَا سَيِّدي، طي رقعتي هَذِه، الْكِتَابَيْنِ اللَّذين كتبتهما عَلَيْك فِي ضيعتك بالابتياع وَالْإِجَارَة، ابْتِغَاء إتْمَام مودتك، ولتعلم صدقي فِيمَا كنت توسطته، ونصحي فِيمَا عاملتك بِهِ، فَإِن كَانَ موت الرجل صَحِيحا، فقد رجعت إِلَيْك ضيعتك، وَإِن كَانَ بَاطِلا فَإِنَّهُ لَا يسألني عَنْهُمَا، وَلَا يذكرهما، وَإِن ذكرهمَا جحدت أَنِّي تسلمتهما، وقضيت حَقك بذلك، وأعدت نِعْمَتك عَلَيْك.
قَالَ: وَإِذا بالكتابين فِي طي الرقعة، فمزقتهما فِي الْحَال.
ولبست من عِنْد الْخَالَة، خفًا، وإزارًا، بعد أَن عرفتها الصُّورَة، وَخرجت مَعَ الْعَجُوز، وَجئْت إِلَى دَاري فدخلتها من بعض أَبْوَابهَا الْخفية.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، قوي الْخَبَر بقتل بجكم، ففتحت بَابي، وَفرج الله عني المحنة.
فَلَمَّا كَانَ الْعشَاء، أَتَانِي رَسُول الْخَالَة، وَمَعَهُ الْجَارِيَة، وَقَالَ: سيدتي تقرئك السَّلَام، وَتقول لَك: لم تدع جاريتك عندنَا؟ قَالَ: وَإِذا هِيَ قد حملت مَعهَا، كل مَا كَانَت قد أخدمتنيه من فرش، وَآله، وَغير ذَلِك، من أَشْيَاء كَثِيرَة جليلة الْمِقْدَار.
وَقَالَت: هَذَا جهاز الْجَارِيَة، وَأحب أَن تقبله مني.
فقبلته، ورددت الرَّسُول شاكرًا، وَقد من الله عَليّ بِالْعودِ إِلَى أحسن حَال.
стр. 1115
تَعْذِيب الْعمَّال المطالبين بضربهم بالمقارع وَوضع الْحِجَارَة على أكتافهم
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) ، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عَليّ بن بَيَان، قرَابَة ابْن بسطَام، قَالَ: قَالَ لي سُلَيْمَان بن سهل البرقي، وَكَانَ أستاذ أبي الْعَبَّاس بن بسطَام.
انصرفت من بعض الْأَعْمَال، فألفيت عمر بن فرج يتقلد الدِّيوَان، وَكَانَ فِي نَفسه عَليّ شَيْء، فأخفيت نَفسِي، وسترت أَصْحَابِي.
فطلبني، وأذكى الْعُيُون عَليّ، فَلم يصلوا إِلَيّ، فَأمر أَن يعْمل لي مُؤَامَرَة تشْتَمل على ثَلَاث مائَة ألف.
وَكَانَت بيني وَبَين نجاح بن سَلمَة مَوَدَّة، فَأَنا فِي عَشِيَّة من العشايا، فِي استتاري، إِذْ وَردت عَليّ رقْعَة نجاح يَأْمُرنِي بالمصير إِلَيْهِ.
فَلَمَّا صرت إِلَيْهِ، قَالَ لي: صر إِلَى عمر بن فرج، وَسلم عَلَيْهِ، وعرفه أَنِّي قد بعثت بك إِلَيْهِ.
قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، انْظُر مَا تَقول، فَإِنَّهُ قد نذر دمي، فَكيف أمضي إِلَيْهِ هَكَذَا؟
стр. 1116
فَقَالَ: نعم، اعْلَم أَنه قَالَ لي الْيَوْم، إِن فلسطين قد انغلقت علينا، وفسدت، مَعَ جلالتها، وَقد أكلهَا الْعمَّال، وَإنَّهُ فِي طلب من يَكْفِيهِ أمرهَا، ويحفظ مَالهَا، وَلَيْسَ يعرف من يُرْضِي كِفَايَته.
فَقلت لَهُ: إِن أردْت الْكِفَايَة، فَهَذَا سُلَيْمَان بن سهل، وَفِيه من الْكِفَايَة وَالْإِخْلَاص وَالْجد، مَا لَا يشك فِيهِ، فَلم عطلته، وأخفته؟ فَقَالَ: كَيفَ لي بِهِ؟ فَقلت: تؤمنه، وتزيل مَا عَلَيْهِ من الْمُطَالبَة، وتقلده فلسطين، فَإِنَّهُ يَكْفِيك، ويوفر عَلَيْك، ويجملك فِيمَا يتَصَرَّف لَك فِيهِ، وَأَنا أبْعث بِهِ إِلَيْك.
فَقَالَ: ابْعَثْ بِهِ إِلَيّ، وَهُوَ آمن.
فصر إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يعرض لَك إِلَّا بِمَا تحب.
فبكرت إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي ديوانه، فَلَمَّا دخلت صحن الدَّار، رَأَيْت الْعمَّال على أكتافهم الْحِجَارَة، والمقارع تأخذهم، فهالني مَا رَأَيْت.
стр. 1117
فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ، سلمت عَلَيْهِ، وَقلت: إِنِّي كنت خَادِم أبي الْفضل، أَعنِي فرج الرخجي، وَأحد صنائعه.
فَقَالَ: لَوْلَا مَا تمت بِهِ من هَذِه الْخدمَة، لَكُنْت أحد هَؤُلَاءِ الَّذين تراهم.
ثمَّ رفع مُصَلَّاهُ، وَأخرج الْكتب بولايتي فلسطين، وَسلمهَا إِلَيّ، وَأَمرَنِي بكتمان أَمْرِي عَن النَّاس، والاستعداد للمسير.
فَأخذت الْكتب، وشخصت إِلَى هُنَاكَ، فأرضيته، وقضيت حق نَفسِي.
стр. 1118
الله يَجْزِي سعيد الْخَيْر نائلة
حَدثنِي أَبُو الْفرج، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو دلف هِشَام بن مُحَمَّد بن هَارُون بن عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، وَمُحَمّد بن الْحسن الْكِنْدِيّ، قَالَا: حَدثنَا الْخَلِيل بن أَسد، قَالَ: أَخْبرنِي الْعمريّ، عَن الْهَيْثَم بن عدي، عَن الْحسن بن عمَارَة، عَن الحكم بن عُيَيْنَة: أَن حَارِثَة بن بدر الغداني، كَانَ قد سعى فِي الأَرْض فَسَادًا، فَنَذر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِ دَمه، فَاسْتَجَارَ بأشراف النَّاس، فَلم يجره أحد.
فَقيل لَهُ: عَلَيْك بِسَعِيد بن قيس الْهَمدَانِي، فَلَعَلَّهُ أَن يجيرك.
стр. 1119
فَطلب سعيدًا، فَلم يجده، فَجَلَسَ فِي طلبه، حَتَّى جَاءَ، فَأخذ بلجام دَابَّته، وَقَالَ: أجرني، أجارك الله.
قَالَ: مَالك وَيحك؟ قَالَ: قد نذر أَمِير الْمُؤمنِينَ دمي.
فَقَالَ: أقِم مَكَانك، وَانْصَرف إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَوَجَدَهُ قَائِما يخْطب على الْمِنْبَر.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله، ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا؟ قَالَ: أَن يقتلُوا، أَو يصلبوا، أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف، أَو ينفوا من الأَرْض.
قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِلَّا من تَابَ.
قَالَ: إِلَّا من تَابَ.
قَالَ: فَهَذَا حَارِثَة بن بدر قد جَاءَنَا تَائِبًا، وَقد أجرته.
قَالَ: أَنْت رجل من الْمُسلمين، وَقد أجرنا من أجرته.
ثمَّ قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر: أَيهَا النَّاس، إِنِّي كنت قد نذرت دم حَارِثَة بن بدر، فَمن لقِيه فَلَا يعرض لَهُ.
فَانْصَرف إِلَيْهِ سعيد، فَأعلمهُ، وكساه، وَحمله، وَأَجَازَهُ، فَقَالَ فِيهِ حَارِثَة شعرًا:
الله يَجْزِي سعيد الْخَيْر نائلة ... أَعنِي سعيد بن قيس قرم هَمدَان
أنقذني من شفا غبراء مظلمةٍ ... لَوْلَا شَفَاعَته ألبست أكفاني
قَالَت تَمِيم بن مرّ لَا تخاطبه ... وَقد أَبَت ذَلِكُم قيس بن عيلان
قَالَ الْحسن بن الْهَيْثَم: لم يكن يروي الْحسن بن عمَارَة، من هَذَا الشّعْر، غير هَذِه الأبيات، فَأخذت الشّعْر كُله من حَمَّاد الراوية، وَقلت لَهُ: مِمَّن أَخَذته؟
стр. 1120
فَقَالَ: من سماك بن حَرْب، وَهُوَ:
أساغ فِي الْحلق ريقًا كنت أجرضه ... وَأظْهر الله سرّي بعد كتمان
إنّي تداركني عفّ شمائله ... آباؤه حِين ينمي خير قحطان
وَذكر بَقِيَّة الشّعْر والْحَدِيث، وَلم يكن مِمَّا يدْخل فِي كتابي هَذَا، فَلم أسقه.
стр. 1121
فَإِن نلتني حجاج فاشتف جاهدًا
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ لي الكراني، عَن الْخَلِيل بن أَسد، عَن الْعمريّ، عَن عَطاء , عَن عَاصِم بن الْحدثَان، قَالَ: كَانَ ابْن نمير الثَّقَفِيّ، يشبب بِزَيْنَب بنت يُوسُف بن الحكم، وَكَانَ الْحجَّاج أَخُوهَا يتهدده، وَيَقُول: لَوْلَا أَن يَقُول قَائِل، لَقطعت لِسَانه.
فهرب إِلَى الْيمن، ثمَّ ركب بَحر عدن، وَقَالَ فِي هربه:
أَتَتْنِي عَن الحجّاج وَالْبَحْر بَيْننَا ... عقارب تسري والعيون هواجع
فضقت بهَا ذرعًا وأجهشت خيفة ... وَلم آمن الحجّاج وَالْأَمر قَاطع
وحلّ بِي الخطبُ الَّذِي جَاءَنِي بِهِ ... سميع فَلَيْسَتْ تستقرّ الأضالع
فبتّ أدير الْأَمر والرأي لَيْلَتي ... وَقد أخضلت خدّي الدُّمُوع الهوامع
стр. 1122
فَلم أر لي خيرا من الصَّبْر إنّه ... أعفّ وَأَحْرَى إِذْ عرتني الفواجع
وَمَا أمنَتْ نَفسِي الَّذِي خفت شرّه ... وَلَا طَابَ لي مَا حبّبته الْمضَاجِع
إِلَى أَن بدا لي رَأس إسبيل طالعًا ... وإسبيل حصن لم تنله الْأَصَابِع
فلي عَن ثَقِيف إِن هَمَمْت بنجوةٍ ... مهامه تعفى بينهنّ الهجارع
وَفِي الأَرْض ذَات الْعرض عَنْك ابْن يُوسُف ... إِذا شِئْت منأى لَا أَبَا لَك وَاسع
فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا ... فإنّ الَّذِي لَا يحفظ الله ضائع
قَالَ: فَطَلَبه الْحجَّاج، فَلم يقدر عَلَيْهِ، ثمَّ طَال على النميري مقَامه هَارِبا، واشتاق إِلَى وَطنه فجَاء حَتَّى وقف على رَأس الْحجَّاج.
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: يَا نميري، أَنْت الْقَائِل:
فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا
فَقَالَ: بل أَنا أَقُول:
أَخَاف من الحجّاج مَا لست خَائفًا ... من الْأسد الْعِرْبَاض لم يثنه ذعر
أَخَاف يَدَيْهِ أَن تنَال مفاصلي ... بأبيض عضبٍ لَيْسَ من دونه ستر
وَأَنا الَّذِي أَقُول:
فها أَنا قد طوّفت شرقًا ومغربًا ... وأبت وَقد دوّخت كلّ مَكَان
فَلَو كَانَت العنقاء عَنْك تطير بِي ... لختلك إِلَّا أَن تصدّ تراني
قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْحجَّاج، وأمنه، وَقَالَ: لَا تعاود إِلَى مَا تعلم، وخلى سَبيله
стр. 1123
أسود راجل رزقه عشرُون درهما بز فِي كرمه معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن نعيم الْبَلْخِي، أَبُو يُونُس، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَكَانَ لي صديقا، قَالَ: كَانَ الْمَنْصُور قد طلب معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ طلبا شَدِيدا، وَجعل فِيهِ مَالا.
فَحَدثني معن بِالْيمن، أَنه اضْطر لشدَّة الطّلب أَن قَامَ فِي الشَّمْس، حَتَّى لوحت وَجهه، وخفف من عارضيه ولحيته، وَلبس جُبَّة صوف غَلِيظَة، وَركب جملا من جمال النقالة، وَخرج عَلَيْهِ ليمضي إِلَى الْبَادِيَة، وَقد كَانَ أبلى فِي الْحَرْب بَين يَدي ابْن هُبَيْرَة بلَاء حسنا، فغاظ الْمَنْصُور، وجد فِي طلبه.
стр. 1124
قَالَ معن: فَلَمَّا خرجت من بَاب حَرْب، تَبِعنِي أسود، مُتَقَلِّدًا سَيْفا، حَتَّى إِذا غبت عَن الحرس، قبض على خطام الْجمل، فأناخه، وَقبض عَليّ.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: أَنْت طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: وَمن أَنا حَتَّى يطلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: أَنْت معن بن زَائِدَة.
فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله، وَأَيْنَ أَنا من معن بن زَائِدَة.
فَقَالَ: دع عَنْك هَذَا، فَأَنا وَالله أعرف بك مِنْك.
فَقلت لَهُ: فَإِن كَانَت الْقِصَّة كَمَا تَقول، فَهَذَا جَوْهَر حَملته معي بأضعاف مَا بذل الْمَنْصُور لمن جَاءَ بِي، فَخذه، وَلَا تسفك دمي.
فَقَالَ: هاته، فَأَخْرَجته إِلَيْهِ.
فَنظر إِلَيْهِ سَاعَة، وَقَالَ: صدقت فِي قِيمَته، وَلست قابله حَتَّى أَسأَلك عَن شَيْء، فَإِن صدقتني أطلقتك.
فَقلت: قل.
قَالَ: إِن النَّاس قد وصفوك بالجود، فَأَخْبرنِي هَل وهبت قطّ مَالك كُله؟ قلت: لَا.
قَالَ: فنصفه؟ قلت: لَا.
قَالَ: فثلثه؟
стр. 1125
قلت: لَا، حَتَّى بلغ الْعشْر.
فَاسْتَحْيَيْت، فَقلت: أَظن أَنِّي قد فعلت ذَلِك.
قَالَ: مَا أَرَاك فعلته، وَأَنا وَالله راجل، ورزقي مَعَ أبي جَعْفَر عشرُون درهما، وَهَذَا الْجَوْهَر قِيمَته آلَاف دَنَانِير، وَقد وهبته لَك، ووهبتك لنَفسك، ولجودك الْمَأْثُور بَين النَّاس، ولتعلم أَن فِي الدُّنْيَا أَجود مِنْك فَلَا تعجبك نَفسك، ولتحقر بعْدهَا كل شَيْء تعمله، وَلَا تتَوَقَّف عَن مكرمَة، ثمَّ رمى العقد فِي حجري، وخلى خطام الْبَعِير، وَانْصَرف.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، قد وَالله فضحتني، ولسفك دمي أَهْون عَليّ مِمَّا فعلته، فَخذ مَا دَفعته إِلَيْك، فَإِنِّي عَنهُ غَنِي.
فَضَحِك، وَقَالَ: أردْت أَن تكذبني فِي مقالي هَذَا، وَالله لَا أَخَذته، وَلَا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، وَتَرَكَنِي وَمضى.
فوَاللَّه لقد طلبته بعد أَن أمنت، وضمنت لمن جَاءَنِي بِهِ مَا شَاءَ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا، وَكَأن الأَرْض ابتلعته.
следующие страницы →