← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَإِن نلتني حجاج فاشتف جاهدًا وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ لي الكراني، عَن الْخَلِيل بن أَسد، عَن الْعمريّ، عَن عَطاء , عَن عَاصِم بن الْحدثَان، قَالَ: كَانَ ابْن نمير الثَّقَفِيّ، يشبب بِزَيْنَب بنت يُوسُف بن الحكم، وَكَانَ الْحجَّاج أَخُوهَا يتهدده، وَيَقُول: لَوْلَا أَن يَقُول قَائِل، لَقطعت لِسَانه. فهرب إِلَى الْيمن، ثمَّ ركب بَحر عدن، وَقَالَ فِي هربه: أَتَتْنِي عَن الحجّاج وَالْبَحْر بَيْننَا ... عقارب تسري والعيون هواجع فضقت بهَا ذرعًا وأجهشت خيفة ... وَلم آمن الحجّاج وَالْأَمر قَاطع وحلّ بِي الخطبُ الَّذِي جَاءَنِي بِهِ ... سميع فَلَيْسَتْ تستقرّ الأضالع فبتّ أدير الْأَمر والرأي لَيْلَتي ... وَقد أخضلت خدّي الدُّمُوع الهوامع

стр. 1122

فَلم أر لي خيرا من الصَّبْر إنّه ... أعفّ وَأَحْرَى إِذْ عرتني الفواجع وَمَا أمنَتْ نَفسِي الَّذِي خفت شرّه ... وَلَا طَابَ لي مَا حبّبته الْمضَاجِع إِلَى أَن بدا لي رَأس إسبيل طالعًا ... وإسبيل حصن لم تنله الْأَصَابِع فلي عَن ثَقِيف إِن هَمَمْت بنجوةٍ ... مهامه تعفى بينهنّ الهجارع وَفِي الأَرْض ذَات الْعرض عَنْك ابْن يُوسُف ... إِذا شِئْت منأى لَا أَبَا لَك وَاسع فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا ... فإنّ الَّذِي لَا يحفظ الله ضائع قَالَ: فَطَلَبه الْحجَّاج، فَلم يقدر عَلَيْهِ، ثمَّ طَال على النميري مقَامه هَارِبا، واشتاق إِلَى وَطنه فجَاء حَتَّى وقف على رَأس الْحجَّاج. فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: يَا نميري، أَنْت الْقَائِل: فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا فَقَالَ: بل أَنا أَقُول: أَخَاف من الحجّاج مَا لست خَائفًا ... من الْأسد الْعِرْبَاض لم يثنه ذعر أَخَاف يَدَيْهِ أَن تنَال مفاصلي ... بأبيض عضبٍ لَيْسَ من دونه ستر وَأَنا الَّذِي أَقُول: فها أَنا قد طوّفت شرقًا ومغربًا ... وأبت وَقد دوّخت كلّ مَكَان فَلَو كَانَت العنقاء عَنْك تطير بِي ... لختلك إِلَّا أَن تصدّ تراني قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْحجَّاج، وأمنه، وَقَالَ: لَا تعاود إِلَى مَا تعلم، وخلى سَبيله

стр. 1123

أسود راجل رزقه عشرُون درهما بز فِي كرمه معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن نعيم الْبَلْخِي، أَبُو يُونُس، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَكَانَ لي صديقا، قَالَ: كَانَ الْمَنْصُور قد طلب معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ طلبا شَدِيدا، وَجعل فِيهِ مَالا. فَحَدثني معن بِالْيمن، أَنه اضْطر لشدَّة الطّلب أَن قَامَ فِي الشَّمْس، حَتَّى لوحت وَجهه، وخفف من عارضيه ولحيته، وَلبس جُبَّة صوف غَلِيظَة، وَركب جملا من جمال النقالة، وَخرج عَلَيْهِ ليمضي إِلَى الْبَادِيَة، وَقد كَانَ أبلى فِي الْحَرْب بَين يَدي ابْن هُبَيْرَة بلَاء حسنا، فغاظ الْمَنْصُور، وجد فِي طلبه.

стр. 1124

قَالَ معن: فَلَمَّا خرجت من بَاب حَرْب، تَبِعنِي أسود، مُتَقَلِّدًا سَيْفا، حَتَّى إِذا غبت عَن الحرس، قبض على خطام الْجمل، فأناخه، وَقبض عَليّ. فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: أَنْت طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقلت: وَمن أَنا حَتَّى يطلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: أَنْت معن بن زَائِدَة. فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله، وَأَيْنَ أَنا من معن بن زَائِدَة. فَقَالَ: دع عَنْك هَذَا، فَأَنا وَالله أعرف بك مِنْك. فَقلت لَهُ: فَإِن كَانَت الْقِصَّة كَمَا تَقول، فَهَذَا جَوْهَر حَملته معي بأضعاف مَا بذل الْمَنْصُور لمن جَاءَ بِي، فَخذه، وَلَا تسفك دمي. فَقَالَ: هاته، فَأَخْرَجته إِلَيْهِ. فَنظر إِلَيْهِ سَاعَة، وَقَالَ: صدقت فِي قِيمَته، وَلست قابله حَتَّى أَسأَلك عَن شَيْء، فَإِن صدقتني أطلقتك. فَقلت: قل. قَالَ: إِن النَّاس قد وصفوك بالجود، فَأَخْبرنِي هَل وهبت قطّ مَالك كُله؟ قلت: لَا. قَالَ: فنصفه؟ قلت: لَا. قَالَ: فثلثه؟

стр. 1125

قلت: لَا، حَتَّى بلغ الْعشْر. فَاسْتَحْيَيْت، فَقلت: أَظن أَنِّي قد فعلت ذَلِك. قَالَ: مَا أَرَاك فعلته، وَأَنا وَالله راجل، ورزقي مَعَ أبي جَعْفَر عشرُون درهما، وَهَذَا الْجَوْهَر قِيمَته آلَاف دَنَانِير، وَقد وهبته لَك، ووهبتك لنَفسك، ولجودك الْمَأْثُور بَين النَّاس، ولتعلم أَن فِي الدُّنْيَا أَجود مِنْك فَلَا تعجبك نَفسك، ولتحقر بعْدهَا كل شَيْء تعمله، وَلَا تتَوَقَّف عَن مكرمَة، ثمَّ رمى العقد فِي حجري، وخلى خطام الْبَعِير، وَانْصَرف. فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، قد وَالله فضحتني، ولسفك دمي أَهْون عَليّ مِمَّا فعلته، فَخذ مَا دَفعته إِلَيْك، فَإِنِّي عَنهُ غَنِي. فَضَحِك، وَقَالَ: أردْت أَن تكذبني فِي مقالي هَذَا، وَالله لَا أَخَذته، وَلَا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، وَتَرَكَنِي وَمضى. فوَاللَّه لقد طلبته بعد أَن أمنت، وضمنت لمن جَاءَنِي بِهِ مَا شَاءَ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا، وَكَأن الأَرْض ابتلعته.

стр. 1126

سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة قَالَ: وَكَانَ سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة، أَنه لم يزل مستترًا، حَتَّى يَوْم الهاشمية، ووثب الْقَوْم على الْمَنْصُور وكادوا يقتلونه، فَوَثَبَ معن وَهُوَ متلثم، وانتضى سَيْفه، فقاتل، وأبلى بلَاء حسنا، وذب الْقَوْم عَنهُ، والمنصور رَاكب على بغلة ولجامها بيد الرّبيع. فَقَالَ لَهُ: تَنَح، فَإِنِّي أَحَق بِلِجَامِهَا فِي هَذَا الْوَقْت. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدق، ادفعه إِلَيْهِ، فَأَخذه، وَلم يزل يُقَاتل، حَتَّى انكشفت تِلْكَ الْحَال. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: من أَنْت لله أَبوك؟ فَقَالَ: أَنا طلبتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، معن بن زَائِدَة. فَقَالَ: قد أمنك الله على نَفسك وَمَالك، وَمثلك يصطنع، ثمَّ أَخذه مَعَه، وخلع عَلَيْهِ، وحباه، وقربه. ثمَّ دَعَا بِهِ يَوْمًا، فَقَالَ: إِنِّي قد أهلتك لأمر، فَانْظُر كَيفَ تكون فِيهِ؟ فَقَالَ: كَمَا تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فولاه الْيمن، وَتوجه إِلَيْهَا، فَبسط فيهم السَّيْف، حَتَّى اسْتَووا.

стр. 1127

قَالَ مَرْوَان: وَقدم معن بن زَائِدَة بعقب ذَلِك على الْمَنْصُور، فَقَالَ لَهُ، بعد كَلَام طَوِيل: قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك شَيْء، لَوْلَا مَكَانك عِنْده، ورأيه فِيك، لغضب عَلَيْك. فَقَالَ: وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فوَاللَّه مَا تعرضت لسخطك، فَقَالَ: عطاءك مَرْوَان بن حَفْصَة، لقَوْله فِيك: معن بن زَائِدَة الَّذِي زيدت بِهِ ... شرفًا إِلَى شرف بَنو شَيبَان إِن عدّ أيّام الفعال فإنّما ... يوماه يَوْم ندى وَيَوْم طعان فَقَالَ: وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أَعْطيته مَا بلغك، لهَذَا الشّعْر، وَلَكِن لقَوْله: مَا زلتَ يَوْم الهاشميّة مُعْلنا ... بِالسَّيْفِ دون خَليفَة الرَّحْمَن فمنعت حوزته وَكنت وقاءه ... من وَقع كلّ مهنّد وَسنَان قَالَ: فاستحيا الْمَنْصُور، وَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْت لمثل هَذَا القَوْل؟ فَقَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَوْلَا مَخَافَة الشنعة، لأمكنته من مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال، وأبحته إِيَّاهَا. فَقَالَ الْمَنْصُور: لله دَرك من أَعْرَابِي، مَا أَهْون عَلَيْك مَا يعز على النَّاس وَأهل الحزم.

стр. 1128

قطن بن مُعَاوِيَة الْغلابِي يستسلم للمنصور أَخْبرنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: أَخْبرنِي أَيُّوب بن عمر بن أبي عُثْمَان، عَن أبي سَلمَة الْغِفَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا قطن بن مُعَاوِيَة الْكلابِي، قَالَ: كنت مِمَّن سارع إِلَى إِبْرَاهِيم، فاجتهدت مَعَه، فَلَمَّا قتل، طلبني الْمَنْصُور، فاستخفيت مِنْهُ، فَقبض على أَمْوَالِي ودوري. وَلَحِقت بالبادية، فجاورت فِي بني نضر بن مُعَاوِيَة، وَبني كلاب، من بني فَزَارَة، ثمَّ بني سليم، ثمَّ تنقلت فِي بوادي قيس، أجاورهم. حَتَّى ضقت ذرعًا بالاستخفاء، فأزمعت الْقدوم على أبي جَعْفَر، وَالِاعْتِرَاف لَهُ، فَقدمت الْبَصْرَة، وَنزلت فِي طرف مِنْهَا. ثمَّ أرْسلت إِلَى أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَكَانَ لي ودا، فشاورته فِي الْأَمر الَّذِي أزمعت عَلَيْهِ، فَلم يقبل رَأْيِي. وَقَالَ: إِذا يقتلك، وَأَنت الْمعِين على نَفسك. فَلم ألتفت إِلَيْهِ، وشخصت إِلَى بَغْدَاد، وَقد بنى أَبُو جَعْفَر مدينته، ونزلها،

стр. 1129

وَلَيْسَ من النَّاس أحد يركب فِيهَا، مَا خلا الْمهْدي. فَنزلت خَانا، ثمَّ قلت لغلماني: إِنِّي ذَاهِب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فأمهلوا ثَلَاثًا، فَإِن جِئتُكُمْ، وَإِلَّا فانصرفوا. ومضيت حَتَّى دخلت الْمَدِينَة، فَجئْت إِلَى دَار الرّبيع، وَالنَّاس ينتظرونه، وَهُوَ حِينَئِذٍ ينزل دَاخل الْمَدِينَة، فِي الدَّار الشارعة على قصر الذَّهَب. فَلم يلبث أَن خرج يمشي، وَقَامَ إِلَيْهِ النَّاس، وَقمت مَعَهم، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ السَّلَام. وَقَالَ: من أَنْت؟ قلت: قطن بن مُعَاوِيَة. فَقَالَ: انْظُر مَا تَقول؟ فَقلت: أَنا هُوَ. قَالَ: فَأقبل على مسودة كَانُوا مَعَه، وَقَالَ: احتفظوا بِهِ. قَالَ: فَلَمَّا حرست، لحقتني الندامة، وَذكرت رَأْي أبي عَمْرو. وَدخل الرّبيع، فَلم يطلّ حَتَّى خرج خصي، فَأخذ بيَدي، فَأَدْخلنِي قصر الذَّهَب، ثمَّ أَتَى بِي إِلَى بَيت، فَأَدْخلنِي إِلَيْهِ، وأغلق الْبَاب عَليّ، وَانْطَلق. فاشتدت ندامتي، وأيقنت بالبلاء، وَأَقْبَلت على نَفسِي ألومها. فَلَمَّا كَانَ وَقت الظّهْر، أَتَانِي الْخصي بِمَاء، فَتَوَضَّأت، وَصليت، وأتاني بِطَعَام، فَأَخْبَرته بِأَنِّي صَائِم.

стр. 1130

فَلَمَّا كَانَ وَقت الْمغرب، أَتَانِي بِمَاء، فَتَوَضَّأت، وَصليت، وأرخى عَليّ اللَّيْل سدوله، فأيست من الْحَيَاة، وَسمعت أَبْوَاب الْمَدِينَة تغلق، فَامْتنعَ عني النّوم. فَلَمَّا ذهب صدر من اللَّيْل، أَتَانِي الْخصي، فَفتح عني، وَمضى بِي، فَأَدْخلنِي صحن دَار، ثمَّ أدناني من ستور مسدولة. فَخرج علينا خَادِم، وأدخلنا، فَإِذا أَبُو جَعْفَر وَحده، وَالربيع قَائِم نَاحيَة. فأكب أَبُو جَعْفَر هنيهة، مطرقًا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: هيه. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنا قطن بن مُعَاوِيَة. فَقَالَ: وَالله لقد جهدت عَلَيْك جهدي، حَتَّى من الله عَليّ بك. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد وَالله جهدت عَلَيْك جهدي، وعصيت أَمرك، وواليت عَدوك، وحرصت على أَن أسلبك ملكك، فَإِن عَفَوْت فَأهل ذَلِك أَنْت، وَإِن عَاقَبت فبأصغر ذُنُوبِي تقتلني. قَالَ: فَسكت هنيهة، ثمَّ قَالَ: أعد، فَأَعَدْت مَقَالَتي. قَالَ: فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عَفا عَنْك. قَالَ: فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أصير وَرَاء بابك فَلَا أصل إِلَيْك، وضياعي ودوري مَقْبُوضَة، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يردهَا عَليّ، فعل. قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ، ثمَّ أَمر خَادِمًا لَهُ أَن يكْتب بإملائه، إِلَى عبد الْملك بن أَيُّوب النميري، وَهُوَ يَوْمئِذٍ على الْبَصْرَة: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَضِي عَن قطن بن مُعَاوِيَة، وَقد رد عَلَيْهِ ضيَاعه ودوره وَجَمِيع مَا قبض عَلَيْهِ، فَاعْلَم ذَلِك وأنفذه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ: ثمَّ ختم الْكتاب، وَدفعه إِلَيّ، فَخرجت من سَاعَتِي، لَا أَدْرِي أَيْن

стр. 1131

أذهب، فَإِذا الحرس بِالْبَابِ، فَجَلَست إِلَى جَانب أحدهم. فَلم ألبث أَن خرج الرّبيع، فَقَالَ: أَيْن الرجل الَّذِي خرج آنِفا؟ فَقُمْت إِلَيْهِ. فَقَالَ: انْطلق أَيهَا الرجل، فقد، وَالله، سلمت، ثمَّ انْطلق بِي إِلَى منزله، فعشاني، وفرش لي. فَلَمَّا أَصبَحت، ودعته، وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي. فَوجدت صديقا لي من الدهاقين، من أهل ميسَان، قد اكترى سميرية لنَفسِهِ، فَحَمَلَنِي مَعَه. فَقدمت على عبد الْملك بن أَيُّوب بِكِتَاب أبي جَعْفَر، فأقعدني عِنْده، فَلم أقِم حَتَّى رد عَليّ جَمِيع مَا اصطفي لي. وَأَخْبرنِي بِهَذَا الْخَبَر أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي، الْمَعْرُوف بأبن

стр. 1132

زنجي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي سعيد، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، وَذكر بِإِسْنَادِهِ مثله.

стр. 1133

الْمَأْمُون يغْضب على إِبْرَاهِيم الصولي ثمَّ يرضى عَنهُ أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته من حَدِيثه، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن سعيد الصُّوفِي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح بن النطاح، قَالَ: لما عزم الْمَأْمُون على الفتك بِالْفَضْلِ بن سهل، وَندب إِلَيْهِ عبد الْعَزِيز بن عمرَان الطَّائِي، ومؤنسًا الْبَصْرِيّ، وَخلف الْمصْرِيّ، وَعلي بن أبي سعيد السلميتي، وسراج الْخَادِم، أنهِي الْخَبَر إِلَى الْفضل، فَعَاتَبَهُ عَلَيْهِ.

стр. 1134

فَلَمَّا قتل الْفضل، قيل لِلْمَأْمُونِ: إِنَّه عرفه من جِهَة إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي، فَطَلَبه، فاستتر. وَكَانَ إِبْرَاهِيم عرف هَذَا الْخَبَر من جِهَة عبد الْعَزِيز بن عمرَان، وَكَانَ الْفضل قد استكتب إِبْرَاهِيم لعبد الْعَزِيز، فَعلمه مِنْهُ، فَأخْبر الْفضل. وَتحمل إِبْرَاهِيم بِالنَّاسِ على الْمَأْمُون، وجرد فِي أمره هِشَام الْخَطِيب، الْمَعْرُوف بالعباسي، لِأَنَّهُ كَانَ جريئًا على الْمَأْمُون، وَلِأَنَّهُ رباه، وشخص إِلَى خُرَاسَان، فِي فتْنَة إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي، فَلم يجبهُ إِلَى مَا سَأَلَ. فَلَقِيَهُ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس، مستترًا، وَسَأَلَهُ عَمَّا عمل فِي حَاجته؟ فَقَالَ لَهُ هِشَام: قد وَعَدَني فِي أَمرك بِمَا تحب. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: أَظن الْأَمر على خلاف هَذَا. قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَن محلك عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أجل من أَن يعد مثلك شَيْئا ويؤخره، وَلَكِنَّك سَمِعت فِي مَا لَا تحب، فَكرِهت أَن تغمني بِهِ، فَقلت لي هَذَا القَوْل، فَأحْسن الله، على كل الْأَحْوَال، جزاءك. فَمضى هِشَام إِلَى الْمَأْمُون، فَعرفهُ خبر إِبْرَاهِيم فَعجب من فطنته، وَعَفا عَنهُ.

стр. 1135

الْأَمِير سيف الدولة يصفح عَن أحد أَتْبَاعه وَيُعِيد إِلَيْهِ نعْمَته حَدثنِي عبد الله بن أَحْمد بن مَعْرُوف، أَبُو الْقَاسِم، قَالَ: كنت بِمصْر، وَكَانَ بهَا رجل يعرف بالناضري، من تناء حلب، قد قبض سيف الدولة على ضيعته، وصادره. فهرب مِنْهُ إِلَى كافور الإخشيدي، فَأجرى عَلَيْهِ جراية سابغة فِي كل شهر. وَكَانَ يجْرِي على جَمِيع من كَانَ يَقْصِدهُ، من الجرايات الَّتِي تسمى الرَّاتِب، وَكَانَ مَالا عَظِيما قدره فِي السّنة خمس مائَة ألف دِينَار، لأرباب النعم، وأجناس النَّاس، لَيْسَ لأحد من الْجَيْش، وَلَا من الْحَاشِيَة، وَلَا من المتصرفين فِي الْأَعْمَال، شَيْء مِنْهَا. قَالَ: فَجرى يَوْمًا ذكر هَذَا الناضري بِحَضْرَة كافور، وَقيل لَهُ بِأَنَّهُ بغاء، وَكَثُرت عَلَيْهِ الْأَقَاوِيل فِي ذَلِك، فَأمر بِقطع جرايته. فَرفع إِلَيْهِ قصَّة يشكو فِيهَا انْقِطَاع مادته، وَيسْأل التوقيع بإجرائه على رسمه.

стр. 1136

فَأمر فَوَقع على ظهرهَا: قد صَحَّ عندنَا أَنَّك رجل تصرف مَا نجريه عَلَيْك فِيمَا يكره الله ، من فَسَاد نَفسك، وَمَا نرى أَن نعينك على ذَلِك، فَالْحق بِحَيْثُ شِئْت، فَلَا خير لَك عندنَا بعْدهَا. قَالَ: فَخرج التوقيع إِلَى الرجل، فغمه ذَلِك، وَعمل محضرًا أَدخل فِيهِ خطّ خلق كثير مِمَّن يعرفهُ، أَنه مَسْتُور، وَمَا قرف قطّ ببغاء. وَكتب رقْعَة إِلَى كافور، يحلف فِيهَا بِالطَّلَاق وَالْعتاق والأيمان الغليظة، أَنه لَيْسَ ببغاء، وَاحْتج بالمحضر، وَجعل الرقعة طي الْمحْضر. وَقَالَ فِيهَا: إِنَّه لم يكن يدْفع إِلَيْهِ مَا يدْفع لأجل حفظه فرجه أَو هتكه، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ مُنْقَطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعْمَة، وَإِن الله أقدر على قطع أرزاق مرتكبي الْمعاصِي، وَمَا فعل ذَلِك بهم، بل رزقهم، وأمهلهم، وَأمرهمْ بِالتَّوْبَةِ، وَإنَّهُ إِن كَانَ مَا قذف بِهِ صَحِيحا، فَهُوَ تائب إِلَى الله مِنْهُ، وَسَأَلَهُ رد رسمه إِلَيْهِ، وَرفع الْقِصَّة إِلَى كافور. قَالَ: فَمَا أَدْرِي إِلَى أَي شَيْء انْتهى أمره، إِلَّا أَنه صَار فضيحة وتحدث النَّاس بحَديثه. وَاتفقَ خروجي من مصر، عقيب ذَلِك، إِلَى حَضْرَة سيف الدولة، فَلَقِيته بحلب، وَجَرت أَحَادِيث المصريين، وَكَانَ يتشوق أَن يسمع حَدِيث صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ، وَيُعْجِبهُ أَن يذكر لَهُ.

стр. 1137

قَالَ: فَقلت: من عَجِيب مَا جرى بهَا آنِفا، أَنه كَانَ بهَا رجل يُقَال لَهُ الناضري، وقصصت الْقِصَّة عَلَيْهِ. فَضَحِك من ذَلِك ضحكًا عَظِيما، وَقَالَ: هَذَا المشئوم بلغ إِلَى مصر؟ فَقلت: نعم. فَقَالَ لي مُحَمَّد الأسمر النديم: اعْلَم أَن هَذَا الرجل صديقي جدا، وَقد هلك، وافتقر، وَفَارق نعْمَته، فَأحب أَن تخاطب الْأَمِير فِي أمره، عقيب مَا جرى آنِفا، لأعاونك، فَلَعَلَّ الله أَن يفرج عَنهُ. فَقلت: أفعل. وَأخذ سيف الدولة يسألني عَن الْأَمر، فَأَعَدْت شَرحه، وَعَاد، فَضَحِك. فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ الْأَمِير، قد سررت بِهَذَا الحَدِيث، وَيجب أَن يكون لَهُ ثَمَرَة، إِمَّا لي، وَإِمَّا للرجل الَّذِي تركته فضيحة بحلب، بِمَا أخْبرت من قصَّته، زِيَادَة على فضيحته بِمصْر. فَقَالَ: إِمَّا لَك، فَنعم، وَإِمَّا لَهُ، فَلَا يسْتَحق، فَإِنَّهُ فعل وصنع، وَجعل يُطلق القَوْل فِيهِ. قَالَ: فَقلت لَهُ: فوائدي من مَوْلَانَا مُتَّصِلَة، وَلست أحتاج مَعَ إنعامه، وترادف إحسانه، إِلَى التَّسَبُّب فِي الْفَوَائِد، وَلَكِن إِن رأى أَن يَجْعَلهَا لهَذَا المفتضح المشئوم. فَقَالَ: تنفذ إِلَيْهِ سفتجة بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: فشكرته الْجَمَاعَة، وخاطبته فِي أَن يَأْذَن لَهُ بالعودة إِلَى وَطنه، ويؤمنه. قَالَ: فَكتب أَمَانًا لَهُ مؤكدًا، وَأذن لَهُ فِي الْعود. قَالَ: فغمزني الأسمر فِي الإستزادة. فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، إِن الثَّلَاثَة آلَاف دِرْهَم لَو أنفذت إِلَى

стр. 1138

مصر، إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْعود، مَا كفته لمن يحملهُ على نَفسه، لِأَن أَكثر أهل مصر بغاءون، وَقد ضايقوه فِي الناكة، وغلبوه باليسار، فَلَا يصل هُوَ إِلَى شَيْء إِلَّا بالغرم الثقيل. قَالَ: فأعجبه ذكر أهل مصر بذلك، فَقَالَ: كَيفَ قلت هَذَا يَا أَخ؟ فَقلت: إِن المياسير من أهل مصر، لَهُم العبيد العلوج، يأتونهم، لكل وَاحِد مِنْهُم عدَّة غلْمَان، والمتوسطون، يدعونَ العلوج، والزنوج، الْمَشْهُورين بكبر الأيور، وينفقون عَلَيْهِم أَمْوَالهم، وَلَا يصل الْفَقِير المتجمل إِلَيْهِم. وَلَقَد بَلغنِي أَيْضا، وَأَنا بِمصْر، أَن رجلا من البغائين بهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ حكاكه، فَطلب من يَأْتِيهِ، فَلم يقدر عَلَيْهِ، فَخرج إِلَى قَرْيَة، ذكر أَنَّهَا قريبَة من مصر، فَأَقَامَ بهَا. فَكَانَ إِذا اجتاز بِهِ المجتازون، استغوى مِنْهُم من يختاره لهَذَا الْحَال، فَحَمله على نَفسه. فَكَانَ يعِيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكن من إرضائه بِمَا لَا يُمكنهُ فِي مصر. فَعَاشَ بذلك بُرْهَة، حَتَّى جَاءَ يَوْمًا بغاء آخر، فسكن مَعَه فِي الْموضع، فَكَانَ إِذا جَاءَ الْغُلَام الَّذِي يصلح لهَذَا الشَّأْن، تنافسا عَلَيْهِ، ففسد على الأول أمره. فجَاء إِلَى الثَّانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، قد أفسدت أَمْرِي، وأبطلت عَمَلي، وَإِنَّمَا خرجت من مصر، لأجل المنافسة فِي الناكة، وَلَيْسَ لَك أَن تقيم معي هَاهُنَا. فَقَالَ لَهُ الثَّانِي: سَوَاء العاكف فِيهِ والباد، وَمَا أَبْرَح من هَاهُنَا. فَقَالَ لَهُ الأول: بيني وَبَيْنك شَيخنَا ابْن الأعجمي الْكَاتِب، رَئِيس البغائين

стр. 1139

بِمصْر، وجذبه إِلَى حَضرته، فتحاكما إِلَيْهِ. فَقَالَ: إِنِّي لما كنت اشْتَدَّ بِي أَمْرِي الَّذِي تعرفه، وَمَنَعَنِي فقري من اتِّخَاذ الناكة بِمصْر، عدلت إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ، فَعمِلت كَذَا، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فجَاء هَذَا، وصنع، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَشرح لَهُ أمره، فَإِن رَأَيْت أَن تحكم بيني وَبَينه، فاحكم. فَحكم ابْن العجمي للْأولِ، وَمنع الثَّانِي من الْمقَام، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ لَك أَن تفْسد عَلَيْهِ عمله وناحيته، فاطلب لنَفسك موضعا آخر. فَكيف يُمكن للناضري، أيد الله مَوْلَانَا الْأَمِير، أَن يَسْتَغْنِي بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم أمرت لَهُ بهَا فِي بلد هَذِه عزة الناكة فِيهِ، وَكَثْرَة البغائين؟ هَذَا لَو كَانَ مُقيما، فَكيف وَقد أَنْعَمت عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ فِي الْمسير، وَيحْتَاج إِلَى بغال يركبهَا فِي الطَّرِيق بِأُجْرَة، وَنَفَقَة، وديون عَلَيْهِ يَقْضِيهَا، ومؤن. قَالَ: فَضَحِك ضحكًا شَدِيدا من حِكَايَة البغائين، وَحكم ابْن العجمي بَينهمَا، وَكَانَ هَذَا من مشهوري كُتّاب مصر. قَالَ: فاجعلوها خَمْسَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: فَقلت أَنا والأسمر: فَيَعُود الرجل، أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، وَقد أنفقها فِي الطَّرِيق، إِلَى سوء المنقلب؟ وَكَانَ يُعجبهُ أَن يماكس فِي الْجُود، فيجود مَعَ الْمَسْأَلَة، بِأَكْثَرَ مِمَّا يؤمل مِنْهُ، وَلَكِن مَعَ السُّؤَال، وَالدُّخُول عَلَيْهِ مدْخل المزاح فِي ذَلِك، والطيبة، واقتضاء الْغُرَمَاء بَعضهم لبَعض فِي ذَلِك، وَمَا شابهه. فَقَالَ: قد طولتم عَليّ فِي أَمر هَذَا الْفَاعِل الصَّانِع، أطْلقُوا لَهُ عَن

стр. 1140

ضيعته بأسرها، ووقعوا لَهُ بذلك إِلَى الدِّيوَان، وَعَن مستغله، ومروا من فِي دَاره، بِالْخرُوجِ عَنْهَا، وتقدموا لَهُ بِأَن تفرش أحسن من الْفرش الَّذِي نهب لَهُ مِنْهَا لما سخط عَلَيْهِ. قَالَ: فأكبت الْجَمَاعَة، يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، ويحلفون أَنهم مَا رَأَوْا، وَلَا سمعُوا، بِمثل هَذَا الْكَرم قطّ، وَيَقُولُونَ: هَذَا مَعَ سوء رَأْيك فِي الرجل، وَسُوء حَدِيثه، فَمَا على وَجه الأَرْض بغاء أقبل على صَاحبه بِسَعْد، مثل هَذَا. قَالَ: فَضَحِك، ونفذت الْكتب والتوقيعات بِمَا ذكره ورسمه. فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، وَأَنا بحلب، جَاءَ الرجل، وَعَاد إِلَى نعْمَته.

стр. 1141

رُبمَا تجزع النُّفُوس من الْأَمر لَهُ فُرْجَة كحل العقال أَخْبرنِي أَبُو بكر أَحْمد بن كَامِل القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو شبيل عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن وَاقد، قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، قَالَ: خرجت هَارِبا من الْحجَّاج إِلَى مَكَّة، فَبينا أَنا أَطُوف بِالْبَيْتِ، إِذا أَعْرَابِي ينشد: يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَحْوَال ... وَكثير الهموم والأوجال لَا تضيقنّ فِي الْأُمُور فقد ... يكْشف غماؤها بِغَيْر احتيال صبّر النَّفس عِنْد كلّ ملمّ ... إنّ فِي الصَّبْر رَاحَة الْمُحْتَال ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فرجةٌ كحلّ العقال

стр. 1142

فَقلت: مَه؟ فَقَالَ: مَاتَ الْحجَّاج. قَالَ: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ كنت أسر، بقوله: فُرْجَة، بِفَتْح الْفَاء، أَو بِمَوْت الْحجَّاج. وَوجدت هَذَا الْخَبَر بِغَيْر إِسْنَاد فِي بعض الْكتب، وَفِيه: أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع أَعْرَابِيًا ينشد هَذِه الأبيات: يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَهْوَال ... وَكثير الهموم والأوجال لَا تضيقنّ فِي الْأُمُور فقد ... تكشف غماؤها بِغَيْر احتيال صبّر النَّفس عِنْد كلّ مهمّ ... إنّ فِي الصَّبْر حِيلَة الْمُحْتَال ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال قيل: والفرجة: من الْفرج، والفرجة: فُرْجَة الْحَائِط. وَوجدت بِخَط أبي عبد الله بن مقلة، فِي كتاب الأبيات السائرة: قَالَ

стр. 1143

أُميَّة بن أبي الصَّلْت: ربّما تكره النُّفُوس من الشَّيْء ... لَهَا فُرْجَة كحلّ العقال وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: روى الْمَدَائِنِي، عَن الْأَصْمَعِي، عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، قَالَ: كنت مستخفيًا من الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، فَسمِعت قَائِلا يَقُول: مَاتَ الْحجَّاج ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال وَقَالَ القَاضِي: وَوجدت أَنا فِي كتاب الْمَدَائِنِي، كتاب الْفرج بعد الشدَّة والضيقة، هَكَذَا: حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عدنان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى، عَن يُونُس بن حبيب، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: كنت هَارِبا من الْحجَّاج بن يُوسُف، فصرت إِلَى الْيمن، فَسمِعت منشدًا ينشد: ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال فاستطرفت قَوْله: فُرْجَة، فَأَنا كَذَلِك، إِذْ سَمِعت قَائِلا يَقُول: مَاتَ الْحجَّاج، فَلم أدر بِأَيّ الْأَمريْنِ كنت أَشد فَرحا، بِمَوْت الْحجَّاج، أَو بذلك الْبَيْت. وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر

стр. 1144

مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الزَّاهِد، الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى، ثَعْلَب، عَن أبي مَنْصُور ابْن أخي الْأَصْمَعِي، عَن أبي عَمْرو ابْن الْعَلَاء، قَالَ: كنت مستخفيًا من الْحجَّاج، وَذَلِكَ أَن عمي كَانَ عَاملا لَهُ، فهرب، فهم بأخذي. فَبينا أَنا على حَال خوفي مِنْهُ، إِذْ سَمِعت منشدًا ينشد: ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهَا فُرْجَة كحل العقال وَذكر الحَدِيث، وَزَاد فِيهِ: أَن ثعلبًا قَالَ: إِن أَبَا عَمْرو كَانَ يقْرَأ: إِلَّا من اغترف غرفَة، وفرجةً، بِفَتْح الْفَاء، شَاهد فِي هَذِه الْقِرَاءَة.

стр. 1145

الْوَلِيد بن عبد الْملك يعْفُو عَن القمير التغلبي وَذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، فِي كِتَابه، بِغَيْر إِسْنَاد، أَن القمير التغلبي، قَالَ فِي الْوَلِيد بن عبد الْملك أتنسى يَا وليد بلَاء قومِي ... بمسكَنَ والزبيريّون صيد أتنسانا إِذا استغنيتَ عنّا ... وتذكرنا إِذا صلّ الْحَدِيد فَطَلَبه الْوَلِيد، فهرب مِنْهُ. فَلَمَّا ضَاقَتْ بِهِ الْبِلَاد، وَاشْتَدَّ بِهِ الْخَوْف، أَتَى دمشق مستخفيًا، حَتَّى حضر عشَاء الْوَلِيد، فَدخل مَعَ النَّاس. فَلَمَّا أكل النَّاس بعض الْأكل، عرف القمير رجل إِلَى جَانِبه، فَأخْبر الْوَلِيد. فَدَعَا بالقمير، وَقَالَ لَهُ: يَا عَدو الله، الْحَمد لله الَّذِي أمكنني مِنْك بِلَا عقد وَلَا ذمَّة، أَنْشدني مَا قلت. فَتَلَكَّأَ، ثمَّ أنْشدهُ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: مَا ظَنك بِي؟ فَقَالَ: إِنِّي قلت فِي نَفسِي، إِن أمهلت حَتَّى أَطَأ بساطه، وآكل طَعَامه، فقد أمنت، وَإِن عوجلت قبل ذَلِك فقد هَلَكت، وَقد أمهلت حَتَّى وطِئت بساطك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأكلت طَعَامك، فقد أمنت.

стр. 1146

فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: فقد أمنت، فَانْصَرف راشدًا. فَلَمَّا ولى، تمثل الْوَلِيد قَائِلا: شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلامًا إِذا قدرُوا

стр. 1147

مزنة امْرَأَة مَرْوَان الجعديّ تلجأ إِلَى الخيزران جَارِيَة الْمهْدي حَدثنِي طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْمُقْرِئ، الشَّاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء، كَاتب القَاضِي أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن طَالب الديناري، قَالَ: حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس بن يَعْقُوب بن سعيد بن الْوَلِيد بن سِنَان بن نَافِع، مولى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: مَا أتيت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ الْهَاشِمِي، قطّ، فَانْصَرَفت من عِنْدهَا إِلَّا بِشَيْء وَإِن قل. وَكَانَ لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب، فعلقتها. فَقلت لأبي: أَنا، وَالله، مَشْغُول الْقلب بِكِتَاب، جَارِيَة زَيْنَب. فَقَالَ لي: يَا بني اطلبها مِنْهَا، فَإِنَّهَا لَا تمنعك إِيَّاهَا. فَقلت: قد كنت أحب أَن تكون حَاضرا لتعينني عَلَيْهَا.

стр. 1148

فَقَالَ: لَيْسَ بك إِلَيّ، وَلَا إِلَى غَيْرِي من حَاجَة. فَغَدَوْت إِلَيْهَا، فَلَمَّا انْقَضى السَّلَام، قلت: جعلني الله فدَاك، فَكرت فِي حَاجَة، فَسَأَلت أبي أَن يحضر كَلَامي إياك فِيهَا، لأستعين بِهِ، فأسلمني، فَقَالَت: يَا بني، إِن حَاجَة لَا تقضى لَك حَتَّى تحضر أَبَاك فِيهَا، لحَاجَة عَظِيمَة الْقدر. ثمَّ قَالَت: مَا هِيَ؟ فَقلت: كتاب، وصيفتك، أحب أَن تهبيها لي. فَقَالَت: أَنْت صبي أَحمَق، اقعد، حَتَّى أحَدثك حَدِيثا، أحسن من كل كتاب على وَجه الأَرْض، وَأَنت من كتاب على وعد. فَقلت: هَاتِي، جعلني الله فدَاك. فَقَالَت: كنت، من أول أمس، عِنْد الخيزران، ومجلسي ومجلسها، إِذا اجْتَمَعنَا، فِي عتبَة بَاب الرواق، وبالقرب منا فِي صدر الْمَكَان، برذعة، ووسادتان، ومسانيد، عَلَيْهَا سبنية، لأمير الْمُؤمنِينَ. وَهُوَ كثير الدُّخُول إِلَيْهَا وَالْجُلُوس عِنْدهَا، فَإِذا جَاءَ جلس فِي ذَلِك الْموضع، وَإِذا انْصَرف، طرحت عَلَيْهِ السبنية إِلَى وَقت رُجُوعه، فَإنَّا لجُلُوس، إِذْ دخلت عَلَيْهَا إِحْدَى جواريها، فَقَالَت: يَا ستي، بِالْبَابِ امْرَأَة مَا رَأَيْت أحسن مِنْهَا وَجها، وَلَا أَسْوَأ حَالا، عَلَيْهَا قَمِيص مَا يستر بعضه موضعا من بدنهَا، إِلَّا انْكَشَفَ مِنْهَا مَوضِع آخر غَيره، تستأذن عَلَيْك.

стр. 1149

فالتفتت إِلَيّ، وَقَالَت: مَا تَرين؟ فَقلت: تسألين عَن اسْمهَا، وحالها، ثمَّ تأذنين لَهَا على علم، فَقَالَت الْجَارِيَة: قد وَالله جهدت بهَا كل الْجهد، أَن تفعل، فَمَا فعلت، وأرادت الِانْصِرَاف، فمنعتها. فَقلت للخيزران: وَمَا عَلَيْك أَن تَأْذَنِي لَهَا، فَأَنت مِنْهَا بَين ثَوَاب ومكرمة، فَأَذنت لَهَا. فَدخلت امْرَأَة على أَكثر مِمَّا وصفت الْجَارِيَة، وَهِي مستخفية، حَتَّى صَارَت إِلَى عضادة الْبَاب، مِمَّا يليني، وَكنت متكئة. فَقَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم، فَرددْنَا ﵍. ثمَّ قَالَت للخيزران: أَنا مزنة امْرَأَة مَرْوَان بن مُحَمَّد. قَالَت: فَلَمَّا وَقع اسْمهَا فِي أُذُنِي، استويت جالسة، ثمَّ قلت: مزنة؟ قَالَت: نعم. قلت: لَا حياك الله، وَلَا قربك، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك، وأدال عزك، وصيرك نكالًا وعبرة، أتذكرين يَا عدوة الله، حِين أَتَاك عَجَائِز أهل بَيْتِي يسألنك أَن تكلمي صَاحبك فِي إِنْزَال إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد من خشبته، فلقيتيهن ذَلِك اللِّقَاء، وأخرجتيهن ذَلِك الْإِخْرَاج، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك.

стр. 1150

فَضَحكت، وَالله، الْمَرْأَة، حَتَّى كَادَت تقهقه، وبدا لَهَا ثغر، مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ قطّ. وَقَالَت: أَي بنت عَم، أَي شَيْء أعْجبك من حسن صنع الله بِي على ذَلِك الْفِعْل، حَتَّى أردْت أَن تتأسي بِي، وَالله، لقد فعلت بنساء أهل بَيْتك، مَا فعلت، فأسلمني الله إِلَيْك جائعة، ذليلة، عُرْيَانَة، فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك لله تَعَالَى على مَا أولاك فِي، ثمَّ قَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم. ثمَّ ولت خَارِجَة تمشي خلاف المشية الَّتِي دخلت بهَا. فَقلت للخيزران: إِنَّهَا مخبأة من الله ، وهدية مِنْهُ إِلَيْنَا، وَوَاللَّه، يَا خيزران، لَا يتَوَلَّى إخْرَاجهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ أحد غَيْرِي. ثمَّ نهضت على أَثَرهَا، فَلَمَّا أحست بِي أسرعت، وأسرعت خلفهَا، حَتَّى وافيتها عِنْد السّتْر، ولحقتني الخيزران، فتعلقت بهَا. وَقلت: يَا أُخْت، المعذرة إِلَى الله، ، وَإِلَيْك، فَإِنِّي ذكرت، بمكانك، مَا نالنا من الْمُصِيبَة بصاحبنا، فَكَانَ مني مَا وددت أَنِّي غفلت عَنهُ، وَلم أملك نَفسِي. وَأَرَدْت معانقتها، فَوضعت يَدهَا فِي صَدْرِي، وَقَالَت: لَا تفعلي، يَا أُخْت، فَإِنِّي على حَال، أصونك من الدنو مِنْهَا. فرددناها، وَقلت للجواري: ادخلن مَعهَا الْحمام. وَقلت للمواشط: اذهبن مَعهَا، حَتَّى تصلحن حفافها، وَمَا تحْتَاج إِلَى

стр. 1151

إِصْلَاحه من وَجههَا. فمضت، ومضين مَعهَا، ودعونا بكرسي، وَجَلَسْنَا أَنا والخيزران عَلَيْهِ، فِي صحن الدَّار، نَنْتَظِر خُرُوجهَا. فَخرجت إِلَيْنَا إِحْدَى المواشط وَهِي تضحك. فَقلت لَهَا: مَا يضحكك؟ فَقَالَت: يَا ستي، إِنَّا لنرى من هَذِه الْمَرْأَة عجبا. فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَت: نَحن مَعهَا فِي انتهار، وزجر، وخصومة، مَا تفعلين أَنْت، وَلَا ستنا، مثله إِذا خدمناكما. فَقلت للخيزران: حَتَّى تعلمين، وَالله، يَا أُخْتِي أَنَّهَا حرَّة رئيسة، والحرة لَا تحتشم من الْأَحْرَار. وَخرجت إِلَيْنَا جَارِيَة أعلمتنا أَنَّهَا قد خرجت من الْحمام، فوجهت إِلَيْهَا الخيزران أَصْنَاف الْخلْع، فتخيرت مِنْهَا مَا لبسته، وبعثنا إِلَيْهَا بِطيب كثير، فتطيبت، ثمَّ خرجت إِلَيْنَا. فقمنا جَمِيعًا، فعانقناها، فَقَالَت: الْآن، نعم. ثمَّ جِئْنَا إِلَى الْموضع الَّذِي يجلس فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، فأقعدناها فِيهِ. ثمَّ قَالَت الخيزران: إِن غداءنا قد تَأَخّر، فَهَل لَك فِي الطَّعَام؟ فَقَالَت: وَالله مَا فيكُن من هِيَ أحْوج إِلَيْهِ مني. فدعونا بِالطَّعَامِ، فَجعلت تَأْكُل، وتضع بَين أَيْدِينَا، حَتَّى كَأَنَّهَا فِي منزلهَا. فَلَمَّا فَرغْنَا من الْأكل، قَالَت لَهَا الخيزران: من لَك مِمَّن تعنين بِهِ؟ قَالَت؛ مَا لي وَرَاء هَذَا الْحَائِط أحد من خلق الله تَعَالَى.

стр. 1152

فَقَالَت لَهَا الخيزران: فَهَل لَك فِي الْمقَام عندنَا، عَليّ أَن نخلي لَك مَقْصُورَة من المقاصير، ويحول إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحتاجين إِلَيْهِ، ويستمتع بَعْضنَا بِبَعْض؟ فَقَالَت: مَا درت إِلَّا على أقل من هَذَا الْحَال، وَإِذ قد تفضل الله، ، عَليّ بكما، وبهذه النِّعْمَة، فَلَا أقل من الشُّكْر لأمير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، لكل نعْمَة، ولكما، فافعلي مَا بدالك، وَمَا أَحْبَبْت. فَقَامَتْ الخيزران، وَقمت مَعهَا، وأقمناها مَعنا، ودخلنا نطوف بالمقاصير، فَاخْتَارَتْ، وَالله، أوسعها، وأحسنها. فملأتها الخيزران، بالجواري، والوصائف، والخدم، والفرش، والآلات، ثمَّ قَالَت: ننصرف عَنْك، وَعَلَيْك بمنزلك، حَتَّى تصلحيه، فخلفناها فِي الْمَقْصُورَة، وانصرفنا إِلَى موضعنا. فَقَالَت الخيزران: إِن هَذِه امْرَأَة رئيسة، وَقد عضها الْفقر، وَلَيْسَ يمْلَأ عينهَا إِلَّا المَال، ثمَّ بعثت إِلَيْهَا بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، وَمِائَة ألف دِرْهَم. وَأرْسلت إِلَيْهَا: تكون هَذِه فِي خزانتك، ووظيفتك، ووظيفة حشمك، قَائِمَة فِي كل يَوْم، مَعَ وظيفتنا. ثمَّ لم نَلْبَث أَن دخل علينا الْمهْدي، فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، لَك، وَالله، عِنْدِي حَدِيث طريف. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَحَدَّثته بالْخبر. فَلَمَّا قلت لَهُ مَا كَانَ مني، من الْوُثُوب عَلَيْهَا، وإسماعها، اقشعر، واصفر. ثمَّ قَالَ: يَا زَيْنَب، هَذَا مِقْدَار شكرك لِرَبِّك ، وَقد أمكنك من عَدوك، وأظفرك بِهِ، على هَذَا الْحَال الَّذِي تَصِفِينَ؟ وَالله، لَوْلَا مَكَانك مني، لحلفت أَن لَا أُكَلِّمك أبدا، أَيْن الْمَرْأَة؟ قَالَت: فوفيته خَبَرهَا، فَالْتَفت إِلَى الخيزران، يصوب فعلهَا، وجزاها خيرا.

стр. 1153

ثمَّ قَالَ لخادم بَين يَدَيْهِ: احْمِلْ إِلَيْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ومائتي ألف دِرْهَم، وَبَلغهَا سلامي، وأعلمها أَنه لَوْلَا خوفي من احتشامها لسرت إِلَيْهَا مُسلما عَلَيْهَا، ومخبرًا لَهَا بسروري بهَا، فَقل لَهَا: أَنا أَخُوك، وَجَمِيع مَا ينفذ فِيهِ أَمْرِي، فأمرك فِيهِ نَافِذ مَقْبُول. قَالَت زَيْنَب: فَإِذا هِيَ قد وَردت إِلَيْنَا مَعَ الْخَادِم، وعَلى رَأسهَا دواج ملحم، حَتَّى جَلَست. فلقيها الْمهْدي أحسن لِقَاء، فأقعدها عِنْده سَاعَة، تحادثه، ثمَّ انصرفت إِلَى مقصورتها. فَهَذَا الحَدِيث يَا بني، خير لَك من كتاب. قَالَ: فَأَمْسَكت. فَقَالَت لي: قد اغتممت؟ فَقلت لَهَا: مَا أغتم، مَا أبقاك الله لي. فَقَالَت: اللَّيْلَة توافيك كتاب. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، أنفذت بهَا إِلَيّ، وَمَعَهَا مَا يُسَاوِي أَضْعَاف ثمنهَا من كل صنف من الْحلِيّ، وَالرَّقِيق، وَغير ذَلِك. وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، هَذَا الْخَبَر، فَقَالَ: روى أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه، قَالَ: كنت ألفت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، أكتب عَنْهَا

стр. 1154

أَخْبَار أَهلهَا، وَكَانَت لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب. فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ يسير، وَالْمعْنَى وَاحِد، لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة، إِلَّا فِي ذكر المَال، فَإِنَّهُ ذكر أَن الَّذِي حَملته الخيزران خمس مائَة ألف دِرْهَم، وَأَن الَّذِي حمله الْمهْدي، ألف ألف دِرْهَم. وَأَنه لما أَتَاهَا رَسُول الْمهْدي، جَاءَت، فَقَالَت: مَا عَليّ من أَمِير الْمُؤمنِينَ حشمة، وَمَا أَنا إِلَّا من خدمه. وَأَن زَيْنَب قَالَت فِي أول الْخَبَر: أتذكرين يَا عدوة الله حِين جَاءَك عَجَائِز أَهلِي يسألنك مَسْأَلَة صَاحبك بِالْإِذْنِ لنا فِي دفن صاحبنا إِبْرَاهِيم الإِمَام، فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ. وَوجدت فِي كتاب آخر، هَذَا الْخَبَر، بِمثل هَذَا الْمَعْنى، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ، مِنْهَا مَا وجدته فِي كتاب القَاضِي أبي جَعْفَر بن البهلول التنوخي الْأَنْبَارِي، حَكَاهُ عَن الْفضل بن الْعَبَّاس بِمثل هَذَا الْمَعْنى، بِغَيْر إِسْنَاد مُتَّصِل.

стр. 1155

فر من إِسْحَاق المصعبي فَوجدَ كنزًا وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أبي الْحُسَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الباقطائي، قَالَ: كُنَّا نتعلم، وَنحن أَحْدَاث، فِي ديوَان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، ومعنا فَتى من الْكتاب، لَهُ خلق جميل، يعرف بِأبي غَالب. فزور جمَاعَة من الْكتاب تزويرًا بِمَال أَخَذُوهُ، فَوقف إِسْحَاق على الْخَبَر، فطلبهم، فظفر ببعضهم، فَقطع أَيْديهم، وهرب الْبَاقُونَ. وَكَانَ فِيمَن هرب، الْفَتى الَّذِي كنت ألزم مَجْلِسه، فَغَاب سِنِين كَثِيرَة، حَتَّى مَاتَ إِسْحَاق. فَبينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض شوارع بَغْدَاد، فَإِذا بِهِ. فَقلت: أَبُو غَالب؟ فَقَالَ: نعم، وَإِذا تَحْتَهُ دَابَّة فاره، بسرج محلى، وَثيَاب حَسَنَة. فَقلت: عرفني حالك؟ قَالَ: فِي الْمنزل. فسرت مَعَه، فاحتبسني ذَلِك الْيَوْم عِنْده، وَرَأَيْت لَهُ مُرُوءَة حَسَنَة، فَسَأَلته عَن خَبره. فَقَالَ: لما طلبنا إِسْحَاق، استترت، فَلَمَّا بَلغنِي مَا عَامل بِهِ من كَانَ معي فِي الْجِنَايَة، ضَاقَتْ عَليّ بَغْدَاد، فَخرجت على وَجْهي، خوفًا من عُقُوبَة إِسْحَاق، إِن ظفر بِي. وَلم أزل مستخفيًا، إِلَى أَن أتيت ديار مصر، أطلب التَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ، وتفرق من كَانَ معي، إِلَّا غُلَام وَاحِد.

стр. 1156

فرقت حَالي جدا، حَتَّى بِعْت مَا فِي الْبَيْت عَن آخِره، على قلته. فَأَصْبَحت يَوْمًا، فَقَالَ لي غلامي: أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ مَا مَعنا حَاجَة. فَقلت: خُذ مبطنتي بعها، وأشتر لنا مَا نحتاج إِلَيْهِ. فَخرج الْغُلَام، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، أفكر فِيمَا دفعت إِلَيْهِ من الغربة والوحدة، والعطلة، والضيقة، والشدة، وَتعذر الْمَعيشَة وَالتَّصَرُّف، وَكَيف أصنع، وَمِمَّنْ أقترض، فكاد عَقْلِي أَن يَزُول. فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بجرذ قد خرج من كوَّة فِي الْبَيْت، وَفِي فَمه دِينَار، فَوَضعه ثمَّ عَاد، فَمَا زَالَ كَذَلِك، حَتَّى أخرج ثَمَانِينَ دِينَارا، فصفها، ثمَّ جعل يتقلب عَلَيْهَا، ويتمرغ، ويلعب. ثمَّ أَخذ دِينَارا وَدخل إِلَى الكوة، فَخَشِيت إِن تركته أَن يردهَا جَمِيعهَا إِلَى الْموضع الَّذِي أخرجهَا مِنْهُ، فَقُمْت، وَأخذت الدَّنَانِير، وشددتها. وَجَاء الْغُلَام، وَمَعَهُ مَا قد ابتاعه، فتغدينا، وَقلت لَهُ: خُذ هَذَا الدِّينَار، فابتع لنا فأسًا. فَقَالَ: مَا نصْنَع بِهِ؟ فَحَدَّثته الحَدِيث، وأريته الدَّنَانِير، وَقلت لَهُ: قد عزمت على أَن أقلع الكوة. فَفعل مَا أَمرته بِهِ، وأفضى بِنَا الْحفر إِلَى برنية فِيهَا سَبْعَة آلَاف دِينَار. فأخذتها وأصلحت الْموضع كَمَا كَانَ، وَخرجت إِلَى بَغْدَاد، بعد أَن أخذت بِالْمَالِ سفاتج، وَتركت بعضه معي.

стр. 1157

وأنفذت الْغُلَام بالسفاتج إِلَى بَغْدَاد، وأقمت، حَتَّى ورد عَليّ كتاب الْغُلَام بِصِحَّة السفاتج، وَتَحْصِيل المَال فِي بَيْتِي، وَكَانَ إِسْحَاق قد مَاتَ. فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، وابتعت بِالْمَالِ كُله ضَيْعَة، ولزمتها، فأثمرت، ونمت، وَتركت التَّصَرُّف.

стр. 1158

أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي يخلص رجلا من الْقَتْل وَحكى أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي، قَالَ: كنت فِي الْوَفْد الَّذِي وَفد على أبي جَعْفَر من أهل الْبَصْرَة، فَلَمَّا مثلنَا بَين يَدَيْهِ، دَعَا بِرَجُل، فَكَلمهُ، ثمَّ أَمر بِضَرْب عُنُقه، فجذب ليقْتل. فَقلت فِي نَفسِي: يقتل رجل من الْمُسلمين، وَأَنا حَاضر فَلَا أَتكَلّم؟ فَقُمْت، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَأَيْت أَن تَأمر بالكف عَن قتل هَذَا، حَتَّى أخْبرك بِشَيْء سَمِعت الْحسن يَقُوله. فَأمر بالكف عَنهُ، وَقَالَ: قل. قلت: سَمِعت الْحسن يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﵌: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة، جمع الله الْأَوَّلين والآخرين، فِي صَعِيد وَاحِد، ينفذهم الْبَصَر، وَيسْمعهُمْ الْمُنَادِي، ثمَّ يقوم مُنَاد من قبل الله تَعَالَى، فَيَقُول: أَلا من كَانَ لَهُ على الله حق فَليقمْ، فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا ". فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: الله الشَّاهِد عَلَيْك، أَنَّك سَمِعت الْحسن يَقُول ذَلِك؟ قلت: نعم، سمعته يَقُوله، فَعَفَا عَن الرجل، وَأطْلقهُ، فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يحمد الله على السَّلامَة.

стр. 1159

الْمهْدي يحْتَج على شريك برؤيا رَآهَا فِي الْمَنَام وَحكى الْحسن بن قَحْطَبَةَ، قَالَ: استؤذن لِشَرِيك بن عبد الله القَاضِي، على الْمهْدي، وَأَنا حَاضر، فَقَالَ: عَليّ بِالسَّيْفِ، فأحضر. قَالَ الْحسن: فاستقبلتني رعدة لم أملكهَا، وَدخل شريك، فَسلم، فانتضى الْمهْدي السَّيْف، وَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك يَا فَاسق. فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لِلْفَاسِقِ عَلَامَات يعرف بهَا، شرب الْخُمُور، وَسَمَاع المعازف، وارتكاب الْمَحْظُورَات، فعلى أَي ذَلِك وجدتني؟ قَالَ: قتلني الله إِن لم أَقْتلك. قَالَ: وَلم ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدمِي حرَام عَلَيْك؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام، كَأَنِّي مقبل عَلَيْك أُكَلِّمك، وَأَنت تكلمني من قفاك، فَأرْسلت إِلَى الْمعبر، فَسَأَلته عَنْهَا، فَقَالَ: هَذَا رجل يطَأ بساطك، وَهُوَ يسر خِلافك. فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رُؤْيَاك لَيست رُؤْيا يُوسُف بن يَعْقُوب ﵉، وَإِن دِمَاء الْمُسلمين لَا تسفك بالأحلام.

стр. 1160

فَنَكس الْمهْدي رَأسه، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: أَن أخرج، فَانْصَرف. قَالَ الْحسن: فَقُمْت فلحقته، فَقَالَ: أما رَأَيْت صَاحبك، وَمَا أَرَادَ أَن يصنع؟ فَقلت: اسْكُتْ، لله أَبوك، مَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش حَتَّى أرى مثلك.
следующие страницы →