Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فرقت حَالي جدا، حَتَّى بِعْت مَا فِي الْبَيْت عَن آخِره، على قلته.
فَأَصْبَحت يَوْمًا، فَقَالَ لي غلامي: أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ مَا مَعنا حَاجَة.
فَقلت: خُذ مبطنتي بعها، وأشتر لنا مَا نحتاج إِلَيْهِ.
فَخرج الْغُلَام، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، أفكر فِيمَا دفعت إِلَيْهِ من الغربة والوحدة، والعطلة، والضيقة، والشدة، وَتعذر الْمَعيشَة وَالتَّصَرُّف، وَكَيف أصنع، وَمِمَّنْ أقترض، فكاد عَقْلِي أَن يَزُول.
فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بجرذ قد خرج من كوَّة فِي الْبَيْت، وَفِي فَمه دِينَار، فَوَضعه ثمَّ عَاد، فَمَا زَالَ كَذَلِك، حَتَّى أخرج ثَمَانِينَ دِينَارا، فصفها، ثمَّ جعل يتقلب عَلَيْهَا، ويتمرغ، ويلعب.
ثمَّ أَخذ دِينَارا وَدخل إِلَى الكوة، فَخَشِيت إِن تركته أَن يردهَا جَمِيعهَا إِلَى الْموضع الَّذِي أخرجهَا مِنْهُ، فَقُمْت، وَأخذت الدَّنَانِير، وشددتها.
وَجَاء الْغُلَام، وَمَعَهُ مَا قد ابتاعه، فتغدينا، وَقلت لَهُ: خُذ هَذَا الدِّينَار، فابتع لنا فأسًا.
فَقَالَ: مَا نصْنَع بِهِ؟ فَحَدَّثته الحَدِيث، وأريته الدَّنَانِير، وَقلت لَهُ: قد عزمت على أَن أقلع الكوة.
فَفعل مَا أَمرته بِهِ، وأفضى بِنَا الْحفر إِلَى برنية فِيهَا سَبْعَة آلَاف دِينَار.
فأخذتها وأصلحت الْموضع كَمَا كَانَ، وَخرجت إِلَى بَغْدَاد، بعد أَن أخذت بِالْمَالِ سفاتج، وَتركت بعضه معي.
стр. 1157
وأنفذت الْغُلَام بالسفاتج إِلَى بَغْدَاد، وأقمت، حَتَّى ورد عَليّ كتاب الْغُلَام بِصِحَّة السفاتج، وَتَحْصِيل المَال فِي بَيْتِي، وَكَانَ إِسْحَاق قد مَاتَ.
فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، وابتعت بِالْمَالِ كُله ضَيْعَة، ولزمتها، فأثمرت، ونمت، وَتركت التَّصَرُّف.
стр. 1158
أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي يخلص رجلا من الْقَتْل
وَحكى أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي، قَالَ: كنت فِي الْوَفْد الَّذِي وَفد على أبي جَعْفَر من أهل الْبَصْرَة، فَلَمَّا مثلنَا بَين يَدَيْهِ، دَعَا بِرَجُل، فَكَلمهُ، ثمَّ أَمر بِضَرْب عُنُقه، فجذب ليقْتل.
فَقلت فِي نَفسِي: يقتل رجل من الْمُسلمين، وَأَنا حَاضر فَلَا أَتكَلّم؟ فَقُمْت، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَأَيْت أَن تَأمر بالكف عَن قتل هَذَا، حَتَّى أخْبرك بِشَيْء سَمِعت الْحسن يَقُوله.
فَأمر بالكف عَنهُ، وَقَالَ: قل.
قلت: سَمِعت الْحسن يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﵌: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة، جمع الله الْأَوَّلين والآخرين، فِي صَعِيد وَاحِد، ينفذهم الْبَصَر، وَيسْمعهُمْ الْمُنَادِي، ثمَّ يقوم مُنَاد من قبل الله تَعَالَى، فَيَقُول: أَلا من كَانَ لَهُ على الله حق فَليقمْ، فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا ".
فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: الله الشَّاهِد عَلَيْك، أَنَّك سَمِعت الْحسن يَقُول ذَلِك؟ قلت: نعم، سمعته يَقُوله، فَعَفَا عَن الرجل، وَأطْلقهُ، فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يحمد الله على السَّلامَة.
стр. 1159
الْمهْدي يحْتَج على شريك برؤيا رَآهَا فِي الْمَنَام
وَحكى الْحسن بن قَحْطَبَةَ، قَالَ: استؤذن لِشَرِيك بن عبد الله القَاضِي، على الْمهْدي، وَأَنا حَاضر، فَقَالَ: عَليّ بِالسَّيْفِ، فأحضر.
قَالَ الْحسن: فاستقبلتني رعدة لم أملكهَا، وَدخل شريك، فَسلم، فانتضى الْمهْدي السَّيْف، وَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك يَا فَاسق.
فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لِلْفَاسِقِ عَلَامَات يعرف بهَا، شرب الْخُمُور، وَسَمَاع المعازف، وارتكاب الْمَحْظُورَات، فعلى أَي ذَلِك وجدتني؟ قَالَ: قتلني الله إِن لم أَقْتلك.
قَالَ: وَلم ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدمِي حرَام عَلَيْك؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام، كَأَنِّي مقبل عَلَيْك أُكَلِّمك، وَأَنت تكلمني من قفاك، فَأرْسلت إِلَى الْمعبر، فَسَأَلته عَنْهَا، فَقَالَ: هَذَا رجل يطَأ بساطك، وَهُوَ يسر خِلافك.
فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رُؤْيَاك لَيست رُؤْيا يُوسُف بن يَعْقُوب ﵉، وَإِن دِمَاء الْمُسلمين لَا تسفك بالأحلام.
стр. 1160
فَنَكس الْمهْدي رَأسه، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: أَن أخرج، فَانْصَرف.
قَالَ الْحسن: فَقُمْت فلحقته، فَقَالَ: أما رَأَيْت صَاحبك، وَمَا أَرَادَ أَن يصنع؟ فَقلت: اسْكُتْ، لله أَبوك، مَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش حَتَّى أرى مثلك.
стр. 1161
إِن من الْبَيَان لسحرًا
وَحكى الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي داؤد: مَا رَأَيْت رجلا قطّ نزل بِهِ الْمَوْت، وعاينه، فَمَا أدهشه، وَلَا أذهله، وَلَا أشغله عَمَّا كَانَ أَرَادَهُ، وَأحب أَن يَفْعَله، حَتَّى بلغه، وخلصه الله تَعَالَى من الْقَتْل، إِلَّا تَمِيم بن جميل الْخَارِجِي، فَإِنَّهُ كَانَ تغلب على شاطئ الْفُرَات، فَأخذ، وَأتي بِهِ إِلَى المعتصم بِاللَّه.
فرأيته بَين يَدَيْهِ، وَقد بسط لَهُ النطع وَالسيف، فَجعل تَمِيم ينظر إِلَيْهِمَا، وَجعل المعتصم يصعد النّظر فِيهِ، ويصوبه.
وَكَانَ تَمِيم رجلا جميلًا، وسيمًا، جسيمًا، فَأَرَادَ المعتصم أَن يستنطقه، لينْظر أَيْن جنانه وَلسَانه، من منظره ومخبره.
فَقَالَ لَهُ المعتصم: يَا تَمِيم، تكلم، إِن كَانَ لَك حجَّة أَو عذر فأبده.
فَقَالَ: أما إِذْ أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ بالْكلَام، فَأَقُول: الْحَمد لله الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه، وَقد خلق الْإِنْسَان من طين، ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، جبر الله بك صدع الدَّين، وَلم شعث الْمُسلمين، وأخمد بك شهَاب الْبَاطِل، وأوضح نهج الْحق، إِن الذُّنُوب تخرس الْأَلْسِنَة، وتعمي الأفئدة، وأيم الله، لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الْحجَّة، وَكبر الجرم،
стр. 1162
وساء الظَّن، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، وَأَرْجُو أَن يكون أقربهما مني وأسرعهما إِلَيّ، أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، وَأَنت إِلَى الْعَفو أقرب، وَهُوَ بك أشبه وأليق، ثمَّ تمثل بِهَذِهِ الأبيات:
أرى الْمَوْت بَين السَّيْف والنطع كامنًا ... يلاحظني من حَيْثُمَا أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك الْيَوْم قاتلي ... وأيّ امْرِئ مِمَّا قضى الله يفلت
وَمن ذَا الَّذِي يُدْلِي بعذرٍ وَحجَّة ... وَسيف المنايا بَين عَيْنَيْهِ مصلت
يعزّ على الْأَوْس بن تغلب موقفٌ ... يهزّ عليّ السَّيْف فِيهِ وأسكت
وَمَا جزعي من أَن أَمُوت وإنّني ... لأعْلم أنّ الْمَوْت شَيْء موقّت
ولكنّ خَلْفي صبية قد تَركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أَرَاهُم حِين أنعى إِلَيْهِم ... وَقد خمشوا حرّ الْوُجُوه وصوّتوا
فَإِن عِشْت عاشوا سَالِمين بغبطة ... أذود الْأَذَى عَنْهُم وَإِن متّ موّتوا
فكم قَائِل لَا يبعد الله دَاره ... وَآخر جذلان يسرّ ويشمت
قَالَ: فَتَبَسَّمَ المعتصم، ثمَّ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن من الْبَيَان لسحرًا» .
ثمَّ قَالَ: يَا تَمِيم كَاد وَالله أَن يسْبق السَّيْف العذل، اذْهَبْ، فقد غفرت لَك الهفوة، وتركتك للصبية، ووهبتك لله ولصبيتك.
ثمَّ أَمر بفك قيوده، وخلع عَلَيْهِ، وَعقد لَهُ على ولَايَة على شاطئ الْفُرَات، وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِينَار.
стр. 1163
سقى معن بن زَائِدَة أسراه مَاء فَأَطْلَقَهُمْ لأَنهم أَصْبحُوا أضيافه
وَحكي أَن معن بن زَائِدَة، جِيءَ إِلَيْهِ بِثَلَاث مائَة أَسِير، فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، وأحضر السياف، والنطع.
فَقدم وَاحِد مِنْهُم، فَقتل، ثمَّ قدم غُلَام مِنْهُم، وَكَانَ لَهُ فهم وبلاغة.
فَقَالَ: يَا معن، لَا تقتل أسراك وهم عطاش.
فَقَالَ: اسقوهم مَاء، فَشَرِبُوا.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أتقتل أضيافك؟ فَقَالَ: خلوا عَنْهُم، فأطلقوا كلهم.
стр. 1164
فَتى بغدادي قدم للْقَتْل وَسُئِلَ مَا يَشْتَهِي فَطلب رَأْسا حارًّا ورقاقًا
وَحكى مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حضرت الْعرض فِي مجْلِس الْجَانِب الشَّرْقِي بِبَغْدَاد، أَيَّام نازوك، فَأخْرج خَليفَة نازوك على الْمجْلس جمَاعَة، فَقتل بَعضهم.
ثمَّ أخرج غُلَاما حدث السن، مليح المنظر، فرأيته لما وقف بَين يَدي خَليفَة نازوك، تَبَسم.
فَقلت: يَا هَذَا، أحسبك رابط الجأش، لِأَنِّي أَرَاك تضحك فِي مقَام يُوجب الْبكاء، فَهَل فِي نَفسك شَيْء تشتهيه؟ فَقَالَ: نعم، أُرِيد رَأْسا حارًّا ورقاقًا.
فَسَأَلت صَاحب الْمجْلس أَن يُؤَخر قَتله إِلَى أَن أطْعمهُ ذَلِك، وَلم أزل ألطف
стр. 1165
بِهِ، إِلَى أَن أجَاب، وَهُوَ يضْحك مني، وَيَقُول: أَي شَيْء ينفع هَذَا، وَهُوَ يقتل؟ قَالَ: وأنفذت من أحضر الْجَمِيع بِسُرْعَة، واستدعيت الْفَتى، فَجَلَسَ يَأْكُل غير مكترث بِالْحَال، والسياف قَائِم، وَالْقَوْم يقدمُونَ، فَتضْرب أَعْنَاقهم.
فَقلت: يَا فَتى، أَرَاك تَأْكُل بِسُكُون، وَقلة فكر.
فَأخذ قشة من الأَرْض، فَرمى بهَا، رَافعا يَده، وَقَالَ وَهُوَ يضْحك: يَا هَذَا، إِلَى أَن تسْقط هَذِه إِلَى الأَرْض مائَة فرج.
قَالَ: فوَاللَّه، مَا استتم كَلَامه، حَتَّى وَقعت صَيْحَة عَظِيمَة، وَقيل: قد قتل نازوك.
وأغارت الْعَامَّة على الْموضع، فَوَثَبُوا بِصَاحِب الْمجْلس، وكسروا بَاب الْحَبْس، وَخرج جَمِيع من كَانَ فِيهِ.
فاشتغلت أَنا عَن الْفَتى، وَجَمِيع الْأَشْيَاء، بنفسي، حَتَّى ركبت دَابَّتي مهرولًا، وصرت إِلَى الجسر، أُرِيد منزلي.
فوَاللَّه، مَا توسطت الطَّرِيق، حَتَّى أحسست بِإِنْسَان قد قبض على إصبعي بِرِفْق، وَقَالَ: يَا هَذَا، ظننا بِاللَّه، ، أجمل من ظَنك، فَكيف رَأَيْت لطيف صنعه.
فَالْتَفت، فَإِذا الْفَتى بِعَيْنِه، فهنأته بالسلامة، فَأخذ يشكرني على مَا فعلته، وَحَال النَّاس والزحام بَيْننَا، وَكَانَ آخر عهدي بِهِ.
стр. 1166
أشرف يحيى الْبَرْمَكِي على الْقَتْل فخلصه إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي وَزِير الْهَادِي
وَحكي: أَن مُوسَى الْهَادِي كَانَ قد طَالب أَخَاهُ هَارُون أَن يخلع نَفسه من الْعَهْد، ليصيره لِابْنِهِ من بعده، وَيخرج هَارُون من الْأَمر، فَلم يجب إِلَى ذَلِك.
وأحضر يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، ولطف بِهِ، وداراه، ووعده ومناه، وَسَأَلَهُ أَن يُشِير على هَارُون بِالْخلْعِ، فَلم يجب يحيى إِلَى ذَلِك، ودافعه مُدَّة.
فتهدده وتوعده، وَجَرت بَينهمَا فِي ذَلِك خطوب طَوِيلَة، وأشفى يحيى مَعَه على الْهَلَاك، وَهُوَ مُقيم على مدافعته عَن صَاحبه.
إِلَى أَن اعتل الْهَادِي، علته الَّتِي مَاتَ مِنْهَا، واشتدت بِهِ، فَدَعَا يحيى، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ يَنْفَعنِي مَعَك شَيْء، وَقد أفسدت أخي عَليّ، وقويت نَفسه، حَتَّى امْتنع مِمَّا أريده، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك، ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع، وأبرك يحيى، ليضْرب عُنُقه.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن ليحيى
стр. 1167
عِنْدِي يدا، أُرِيد أَن أكافئه عَلَيْهَا، فَأحب أَن تهبه لي اللَّيْلَة، وَأَنت فِي غَد تفعل بِهِ مَا تحب.
فَقَالَ لَهُ: مَا فَائِدَة لَيْلَة؟ فَقَالَ: إِمَّا أَن يَقُود صَاحبه إِلَى إرادتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَو يعْهَد فِي أَمر نَفسه وَولده، فَأَجَابَهُ.
قَالَ يحيى: فأُقمت من النطع، وَقد أيقنت بِالْمَوْتِ، وأيقنت أَنه لم يبْق من أَجلي إِلَّا بَقِيَّة اللَّيْلَة، فَمَا اكتحلت عَيْنَايَ بغمض إِلَى السحر.
ثمَّ سَمِعت صَوت القفل يفتح عَليّ، فَلم أَشك أَن الْهَادِي قد استدعاني للْقَتْل، لما انْصَرف كَاتبه.
وَانْقَضَت اللَّيْلَة، وَإِذا بخادم قد دخل إِلَيّ، وَقَالَ: أجب السيدة.
فَقلت: مَا لي وللسيدة؟ فَقَالَ: قُم، فَقُمْت، وَجئْت إِلَى الخيزران.
فَقَالَت: إِن مُوسَى قد مَاتَ، وَنحن نسَاء، فَادْخُلْ، فَأصْلح شَأْنه، وأنفذ إِلَى هَارُون، فجِئ بِهِ.
فأدخلت، فَإِذا بِهِ مَيتا، فحمدت الله تَعَالَى على لطيف صنعه، وتفريج مَا كنت فِيهِ، وبادرت إِلَى هَارُون، فَوَجَدته نَائِما، فأيقظته.
فَلَمَّا رَآنِي، عجب، وَقَالَ: وَيحك مَا الْخَبَر؟ قلت: قُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار الْخلَافَة.
فَقَالَ: أَو قد مَاتَ مُوسَى؟ قلت: نعم.
فَقَالَ: الْحَمد لله، هاتوا ثِيَابِي، فَإلَى أَن لبسهَا، جَاءَنِي من عرفني أَنه
стр. 1168
ولد لَهُ ولد من مراجل، وَلم يكن عرف الْخَبَر، فَسَماهُ عبد الله، وَهُوَ الْمَأْمُون وَركب، وَأَنا مَعَه، إِلَى دَار الْخلَافَة.
وَمن الْعجب أَن تِلْكَ اللَّيْلَة، مَاتَ فِيهَا خَليفَة، وَجلسَ خَليفَة، وَولد خَليفَة.
стр. 1169
رمي من أَعلَى القلعة أَولا وَثَانِيا فنجا وَسلم
وَحكى الشريف أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر الْعلوِي الزيدي، قَالَ: لما حصلت مَحْبُوسًا بقلعة خست بنواحي نيسابور، من فَارس، حِين حَبَسَنِي عضد الدولة بهَا، كَانَ صَاحب القلعة الَّذِي أسلمت إِلَيْهِ يؤنسني بِالْحَدِيثِ.
فَحَدثني يَوْمًا: أَن هَذِه القلعة كَانَت فِي يَد رجل كَانَ رَاعيا بِهَذِهِ الْبِلَاد، ثمَّ صَار قائدًا، واحتوى عَلَيْهَا، فَصَارَت لَهُ معقلًا، وانضم إِلَيْهِ اللُّصُوص، فَصَارَ يُغير بهم على النواحي، فَيخْرجُونَ، ويقطعون الطَّرِيق، وينهبون الْقرى، ويفسدون، ويعودون إِلَى القلعة، فَلَا تمكن فيهم حِيلَة، إِلَى أَن قصدهم أَبُو الْفضل ابْن العميد، وحاصرهم مُدَّة، وافتتحها، وَسلمهَا إِلَى عضد الدولة.
قَالَ: فَكَانَ فِي محاصرة أبي الْفضل لَهُم، رُبمَا نزلُوا وحاربوه، فظفر مِنْهُم
стр. 1170
فِي وقْعَة كَانَت بَينه وَبينهمْ بِنَحْوِ خمسين رجلا، فَأَرَادَ قَتلهمْ قتلةً يرهب بهَا من فِي القلعة.
قَالَ: وَهِي على جبل عَظِيم، حياله بِالْقربِ مِنْهُ جبل آخر أعظم مِنْهُ، وَعَلِيهِ نزل أَبُو الْفضل.
فَأمر بالأسارى، فَرمي بهم من رَأس الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ القلعة، فيصل الْوَاحِد مِنْهُم إِلَى الْقَرار قطعا، قد قطعته الأضراس الْخَارِجَة فِي الْجَبَل وَالْحِجَارَة.
فَفعل ذَلِك بجميعهم، حَتَّى بَقِي غُلَام حِين بقل وَجهه، فَلَمَّا طرح وصل إِلَى الأَرْض سالما، فَمَا لحقه مَكْرُوه، وَقد تقطع حَبل كِتَافِهِ، فَقَامَ الْغُلَام يمشي فِي قَيده طَالبا الْخَلَاص.
فَكبر الديلم، وَأهل عَسْكَر أبي الْفضل تعظامًا للصورة، وَكبر أهل القلعة.
فاغتاظ أَبُو الْفضل، وَأمر برد الْغُلَام، فَنزل من جَاءَ بِهِ، فَأمر أَن يكتف ويرمى ثَانِيَة.
فَسَأَلَهُ من حضر أَن يعْفُو عَن الْغُلَام، فَلم يفعل، وألحوا عَلَيْهِ، فَحلف أَنه لَا بُد أَن يطرحه ثَانِيَة، فأمسكوا.
وَطرح الْغُلَام، فَلَمَّا بلغ الْقَرار قَامَ يمشي سالما، وارتفع من التَّكْبِير والتهليل أَضْعَاف مَا ارْتَفع أَولا.
فَقَالَ الْحَاضِرُونَ: هَل بعد هَذَا شَيْء؟ وسألوه الْعَفو عَنهُ، وَبكى بَعضهم.
فاستحى أَبُو الْفضل وَعجب، وَقَالَ: ردُّوهُ آمنا، فَردُّوهُ.
فَأمر بقيوده ففكت، وبثياب فطرحت عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أصدقني عَن سريرتك مَعَ الله، ، الَّتِي نجاك بهَا هَذِه النجَاة.
стр. 1171
فَقَالَ: مَا أعلم لي حَالا توجب هَذَا، إِلَّا أَنِّي كنت غُلَاما أمردًا، مَعَ أستاذي فلَان، الَّذِي هُوَ أحد من قتل السَّاعَة، وَكَانَ يَأْتِي مني الْفَاحِشَة، ويخرجني مَعَه، فنقطع الطَّرِيق، ونخيف السَّبِيل، ونقتل الْأَنْفس، وننهب الْأَمْوَال، ونهتك الْحرم، ونفجر بِهن، ونأخذ كل مَا نجد، لَا أعرف غير هَذَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفضل: كنت تَصُوم وَتصلي؟ قَالَ: مَا كنت أعرف الصَّلَاة، وَلَا صمت قطّ، وَلَا فِينَا من يَصُوم.
فَقَالَ لَهُ: وَيلك، فَمَا هَذَا الْأَمر الَّذِي نجاك الله بِهِ، فَهَل كنت تَتَصَدَّق؟ قَالَ: وَمن كَانَ يجئنا حَتَّى نتصدق عَلَيْهِ؟ قَالَ: ففكر، وَاذْكُر شَيْئا، إِن كنت فعلته لله ، وَإِن قل.
ففكر الْغُلَام سَاعَة، ثمَّ قَالَ: نعم، سلم إِلَيّ أستاذي مُنْذُ سِنِين، رجلا كَانَ أسره فِي بعض الطرقات، بعد أَن أَخذ جَمِيع مَا مَعَه، وَصعد بِهِ إِلَى القلعة.
وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ نَفسك بِمَال تستدعيه من بلادك وَأهْلك، وَإِلَّا قتلتك.
فَقَالَ الرجل: مَا أملك من الدُّنْيَا كلهَا غير مَا أَخَذته مني.
فَعَذَّبَهُ أَيَّامًا وَهُوَ لَا يذعن بِشَيْء.
ثمَّ جد بِهِ يَوْمًا فِي الْعَذَاب جدا شَدِيدا، فَحلف الرجل بِاللَّه تَعَالَى، وبالطلاق، وبأيمان غَلِيظَة، أَنه لَا يملك من الدُّنْيَا إِلَّا مَا أَخذه مِنْهُ، وَأَنه لَيْسَ لَهُ فِي بَلَده إِلَّا نَفَقَة جعلهَا لِعِيَالِهِ، قدرهَا نَفَقَة شهر، إِلَى أَن يعود إِلَيْهِم، وَأَن الصَّدَقَة الْآن تحل لَهُ وَلَهُم، واستسلم الرجل للْمَوْت.
فَلَمَّا وَقع فِي نفس أستاذي أَنه صَادِق، قَالَ: انْزِلْ بِهِ، وامض إِلَى الْموقع الْفُلَانِيّ، فاذبحه، وجئني بِرَأْسِهِ.
فَأخذت الرجل، وحدرته من القلعة، فَلَمَّا رَآنِي أعسفه، قَالَ لي: إِلَى أَيْن تمْضِي بِي؟ وَأي شَيْء تُرِيدُ مني؟ فعرفته مَا أَمرنِي بِهِ أستاذي، فَجعل يبكي، ويلطم، ويتضرع، ويسألني أَن لَا أفعل، ويناشدني الله ، وَذكر لي
стр. 1172
أَن لَهُ بَنَات أطفالًا، لَا كَاد لَهُم وَلَا كاسب سواهُ، وخوفني بِاللَّه ، وسألني أَن أطلقهُ.
فأوقع الله تَعَالَى رَحْمَة لَهُ فِي قلبِي، فَقلت لَهُ: إِن لم أرجع إِلَيْهِ برأسك قتلني، ولحقك فقتلك.
فَقَالَ: يَا هَذَا أطلقني أَنْت، وَلَا تعد إِلَى صَاحبك إِلَّا بعد سَاعَة، وأعدو أَنا فَلَا يلحقني، وَإِن لَحِقَنِي، كنت أَنْت قد برأت من دمي، وَصَاحِبك لَا يقتلك مَعَ محبته لَك، فَتكون قد أجرت فِي.
فازدادت رَحْمَتي لَهُ، فَقلت لَهُ: خُذ حجرا، فَأَضْرب بِهِ رَأْسِي، حَتَّى يسيل دمي، وأجلس هَا هُنَا، حَتَّى أعلم أَنَّك قد صرت على فراسخ، ثمَّ أَعُود أَنا إِلَى القلعة.
فَقَالَ: لَا أستحسن أَن أكافئك على خلاصي بِأَن أشجك.
فَقلت: لَا طَرِيق إِلَى خلاصك، وخلاص نَفسِي، إِلَّا هَكَذَا.
فَفعل، وَتَرَكَنِي، وطار عدوا، وَجَلَست فِي موضعي، حَتَّى وَقع لي أَنه صَار على فراسخ كَثِيرَة، وَجئْت إِلَى أستاذي غريقًا بدمائي.
فَقَالَ: مَا بالك، وَأَيْنَ الرَّأْس؟ فَقلت: سلمت إِلَيّ شَيْطَانا، لَا رجلا، مَا هُوَ إِلَّا أَن حصل معي فِي الصَّحرَاء حَتَّى صارعني، فطرحني إِلَى الأَرْض، وشدخني بِالْحِجَارَةِ، كَمَا ترى، وطار يعدو، فَغشيَ عَليّ، فَمَكثت فِي موضعي إِلَى الْآن، فَلَمَّا رقأ دمي، وَرجعت قوتي، جئْتُك.
فَأنْزل خلقا وَرَاءه، فعادوا من غَد، وفتشوا عَلَيْهِ، فَمَا وقفُوا لَهُ على أثر، فَإِن يكن الله تَعَالَى، قد خلصني لشَيْء فعلته، فَلهَذَا.
стр. 1173
قَالَ: فَجعله أَبُو الْفضل رَاجِلا على بَابه برزق لَهُ قدر، واصطنعه.
قَالَ لي الشريف: وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر جمَاعَة مِمَّن كَانُوا فِي القلعة، وَغَيرهم مِمَّن شاهدوا الْقِصَّة، وَمِنْهُم من أخبر عَمَّن شَاهدهَا، وَوجدت الْخَبَر بعده شَائِعا بِفَارِس.
стр. 1174
سقط من علو ألف ذِرَاع ونهض سالما
وَقَرِيب من هَذَا مَا حَدثنِي بِهِ الشريف أَبُو الْحسن، أيده الله، قَالَ: كَانَ رجل بِالْكُوفَةِ، سَمَّاهُ، وأنسيت أَنا اسْمه، مَشْهُور بهَا، يَجِيء إِلَى إِصْبَع خفان، وَهُوَ بِنَاء قديم مَشْهُور بنواحي الْكُوفَة، كالقائم، يُقَال إِنَّه كَانَ مرقبًا للأكاسرة على الْعَرَب، وَهُوَ مجوف، وَفِي دَاخله دَرَجَة، فيصعدها إِلَى أَن يسمو فِيهِ على تسعين ذِرَاعا، ثمَّ لَا يبْقى مَوضِع صعُود لأحد، وَهُنَاكَ سطيح حراس المنارة، وَيقف الْإِنْسَان فِيهِ، وَله منافذ يرى مِنْهَا الْبر، وَتَكون المنافذ إِلَى أَسْفَل صدر الْقَائِم فِيهِ، وعَلى بَاقِي الْبناء قبَّة كالبيضة، لَا يصل إِلَيْهَا من يكون هُنَاكَ، كَمَا تكون رُءُوس المنائر.
стр. 1175
وَكَانَ هَذَا الرجل يخرج نَفسه من بعض المنافذ، ويقلب فَيصير فَوق الْبَيْضَة بحذق ولطف قد تعودهما، وَكَانَ قد جعل قَدِيما فَوق الْبَيْضَة حجر مدور كالرحى، لَهُ سفود حَدِيد، لَا يعرف الْغَرَض من تصييره هُنَاكَ لطول الزَّمَان، فيقلب الرجل نَفسه من النافذة، فيقعد فَوق تِلْكَ الرَّحَى، وَكَانَ الْقَائِم مَبْنِيا على حرف النجف، وَطوله إِلَى بطن النجف أَكثر من ألف ذِرَاع أَو نَحوه، فَيصير الرجل عَالِيا علوا عَظِيما، ويعجب النَّاس من ذَلِك، وَيَأْخُذهُ عَلَيْهِ مِنْهُم الْبر.
وَإِن رجلا أَتَاهُ وَهُوَ متنبذ، فَأعْطَاهُ شَيْئا ليصعد للقائم، فَفعل ذَلِك جَارِيا على عَادَته، فلغلبة النَّبِيذ عَلَيْهِ لم يتحرز التَّحَرُّز التَّام لما أخرج نَفسه من أحد المنافذ لينقلب على الرَّحَى، فاضطرب جِسْمه وعلق بالرحى، وَجَاء ليركبه، فانقلع الرَّحَى مَعَه، وهويا جَمِيعًا من ذَلِك الْعُلُوّ المفرط إِلَى بطن النجف، ولثقل الْحجر، وَأَن الرجل لم يكن تَحْتَهُ، مَا سبق الْحجر إِلَى الأَرْض، فتقطع قطعا، وَدخلت الرّيح فِي ثِيَاب الرجل، وَرَآهُ النَّاس فصاحوا، وَكَبرُوا عجبا، وَالرِّيح تحمل الرجل على مهل، حَتَّى طرحته فِي قَرَار النجف، فَقَامَ يمشي، مَا أَصَابَهُ شَيْء أَلْبَتَّة، حَتَّى صعد من مَوضِع سهل أمكنه الصعُود مِنْهُ إِلَى إِصْبَع خفان.
وحَدثني أَن هَذَا شَائِع ذائع بِالْكُوفَةِ، لم يكن فِي عمره، وَلَكِن أخبر بِهِ جمَاعَة كَبِيرَة من شُيُوخ الْكُوفَة.
стр. 1176
بَين الْمهْدي وَيَعْقُوب بن دَاوُد
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا حَاضر أسمع، حَدثكُمْ الْحسن الْعَنْبَري، قَالَ: أَمر الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد الْكَاتِب، بعد أَن نكبه، أَن يُؤْتى بِهِ إِلَيْهِ، فجَاء، وَقد انتضى لَهُ السَّيْف.
فَقَالَ: يَا يَعْقُوب.
قَالَ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تَلْبِيَة مكروب لموجدتك، شَرق بِغَضَبِك.
فَقَالَ: ألم أرفع قدرك وَأَنت خامل، وأسير ذكرك وَأَنت غافل، وألبسك من نعم الله ونعمي، مَا لم أجد عنْدك طَاقَة لحمله، وَلَا قيَاما بشكره، فَكيف رَأَيْت الله أظهر عَلَيْك، ورد كيدك إِلَيْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت قلت هَذَا بِعلم ويقين، فَأَنا معترف، وَإِن كَانَ بسعاية الساعين، فَأَنت بِمَا فِي أَكْثَرهَا عَالم، وَأَنا عَائِذ بكرمك، وعميم شرفك.
فَقَالَ: لَوْلَا مَا سبق لَك من رعايتي لاستحقاقك، لألبستك من الْمَوْت قَمِيصًا، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى المطبق.
فَذَهَبُوا بِهِ وَهُوَ يَقُول: الِاخْتِلَاط رحم، وَالْوَفَاء كرم، وَمَا على الْعَفو يذم، وَأَنت بالمحاسن جدير، وَأَنا بِالْعَفو خليق.
فَلم يزل مَحْبُوسًا، حَتَّى أطلقهُ الرشيد.
стр. 1177
قَالَ الصولي: وَلما أوقع الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد، أحضر إِسْحَاق بن الْفضل بن عبد الرَّحْمَن الربعِي الْهَاشِمِي.
فَقَالَ لَهُ: أتزعم أَنكُمْ الكبراء من ولد عبد الْمطلب، لِأَن الْحَارِث أَبَاكُم أكبر وَلَده، وَلذَلِك صرت أَحَق بالخلافة مني؟ فَقَالَ إِسْحَاق: على من قَالَ هَذَا، أَو نَوَاه، لعنة الله، وَإِذا صَحَّ عَليّ هَذَا، فاقتلني.
فَقَالَ: يَعْقُوب بن دَاوُد، قَالَ لي هَذَا عَنْك.
فَقلت فِي نَفسِي: يَعْقُوب قد قتل، وَلم أَشك فِي ذَلِك، فقد أمنت من أَن يبهتني.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن واجهني يَعْقُوب بِهَذَا فقد اعْترفت بِهِ.
فأحضر يَعْقُوب مُقَيّدا، فَقَالَ لَهُ: أما أَخْبَرتنِي عَن إِسْحَاق بِكَذَا؟ قَالَ إِسْحَاق: فأحسست، وَالله، بِالْمَوْتِ، إِلَى أَن قَالَ يَعْقُوب: وَالله، مَا قلت لَك هَذَا قطّ.
قَالَ: بلَى وَالله.
قَالَ: لَا وَالله، فاغتاظ الْمهْدي.
فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: إِن أذكرتك القَوْل فِي هَذَا، تزيل التُّهْمَة عني؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: أَتَذكر يَوْم شاورتني فِي أَمر مصر، فأشرت عَلَيْك بِإسْحَاق.
فَقلت: ذَاك يزْعم أَنه أولى بالخلافة مني، وَقد كَانَ مبارك التركي حَاضرا ذَلِك، فَاسْأَلْهُ، فَذكر الْمهْدي ذَلِك.
ثمَّ أقبل الْمهْدي يوبخ يَعْقُوب على أَفعاله، وَيَعْقُوب يقوم بِالْحجَّةِ.
إِلَى أَن قَالَ لَهُ يَعْقُوب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَتَذكر حَيْثُ أَعْطَيْتنِي عهد الله وميثاقه، وَذمَّة رَسُوله، وَذمَّة آبَائِك، أَن لَا تقتلني، وَلَا تحبسني، وَلَا تضربني
стр. 1178
أبدا، وَلَو قتلت مُوسَى وَهَارُون.
قَالَ: فَوَثَبَ الْمهْدي من مَجْلِسه، ورد يَعْقُوب إِلَى حَبسه، وَخرجت أَنا.
стр. 1179
جَزَاء الْخِيَانَة
وَحكى أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق التنوخي: أَن رجلا أَمْسَى فِي بعض محَال الْجَانِب الغربي من مَدِينَة السَّلَام، وَمَعَهُ دَرَاهِم لَهَا قدر.
فخاف على نَفسه من الطَّائِف، أَو من بلية تقع عَلَيْهِ، فَصَارَ إِلَى رجل من أهل الْموضع، وَسَأَلَهُ أَن يبيته عِنْده، فَأدْخلهُ.
فَلَمَّا تَيَقّن أَن مَعَه مَالا، حدث نَفسه بقتْله، وَأخذ المَال.
وَكَانَ لَهُ ابْن شَاب، فنومه بحذاء الرجل، فِي بَيت وَاحِد، وَلم يعلم ابْنه مَا فِي نَفسه، وَخرج من عِنْدهمَا، وَقد عرف مكانهما، وطفئ السراج.
فَقدر أَن الابْن انْتقل من مَوْضِعه إِلَى مَوضِع الضَّيْف، وانتقل الضَّيْف إِلَى مَوضِع الابْن، وَجَاء أَبوهُ يطْلب الضَّيْف، فصادف الابْن فِيهِ، وَهُوَ لَا يشك أَنه الضَّيْف، فخنقه، فاضطرب، وَمَات.
وانتبه الضَّيْف باضطرابه، وَعرف مَا أُرِيد بِهِ، فَخرج هَارِبا، وَصَاح فِي الطَّرِيق، ووقف الْجِيرَان على خَبره، وأغاثوه، وَخَرجُوا إِلَيْهِ.
وَأخذ الرجل، فقرر، فَأقر بقتل وَلَده، فحبس، وَأخذ المَال من دَاره، فَرد على الضَّيْف، وَسلم.
стр. 1180
الخائن لَا يؤتمن
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد جرى فِي عصرنا مثل هَذَا، فَحَدثني مُبشر الرُّومِي، قَالَ: لما خرج معز الدولة فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَانْهَزَمَ نَاصِر الدولة من بَين يَدَيْهِ، أنفذني مولَايَ، لأَكُون بِحَضْرَتِهِ، وحضرة أبي جَعْفَر الصَّيْمَرِيّ كَاتبه، وأوصل كتبه إِلَيْهِمَا.
فَسمِعت حَاشِيَة الصَّيْمَرِيّ، يتحدثون: أَنه جَاءَ إِلَيْهِ ركابي من ركابيته، وَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، إِن قتلت لَك نَاصِر الدولة، أَي شَيْء تُعْطِينِي؟ قَالَ لَهُ: ألف دِينَار.
قَالَ: فَأذن لي أَن أمضي وأحتال فِي اغتياله، فَأذن لَهُ.
فَمضى إِلَى أَن دخل عسكره، وَعرف مَوضِع مبيته من خيمته، فرصد الْغَفْلَة حَتَّى دَخلهَا لَيْلًا، وناصر الدولة نَائِم، وبالقرب من مرقده شمعة مشتعلة، وَفِي الْخَيْمَة غُلَام نَائِم.
فَعرف مَوضِع رَأسه من المرقد، ثمَّ أطفأ الشمعة، واستل سكينًا طَويلا مَاضِيا كَانَ فِي وَسطه، وَأَقْبل يمشي فِي الْخَيْمَة، ويتوقى أَن يعثر بالغلام، وَهُوَ يُرِيد مَوضِع نَاصِر الدولة.
فَإلَى أَن وصل إِلَيْهِ انْقَلب نَاصِر الدولة من الْجَانِب الَّذِي كَانَ نَائِما عَلَيْهِ، إِلَى الْجَانِب الآخر، وزحف فِي الْفراش، فَصَارَ رَأسه على الْجَانِب الآخر من
стр. 1181
المخاد والفراش، وَبَينه وَبَين الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ مَسَافَة يسيرَة.
وَبلغ الركابي إِلَى الْفراش، وَهُوَ لَا يظنّ إِلَّا أَنه فِيهِ وَأَنه فِي مَكَانَهُ.
فوجأ الْموضع بالسكين بِجَمِيعِ قوته، وَعِنْده أَنه قد أثبتها فِي صدر نَاصِر الدولة، وَتركهَا فِي موضعهَا، وَخرج من تَحت أطناب الْخَيْمَة.
وَصَارَ فِي الْوَقْت إِلَى عَسْكَر معز الدولة، فوصل إِلَيْهِ، فَأخْبرهُ أَنه قتل نَاصِر الدولة، وطالب بالجعالة، فاستشرحه كَيفَ صنع، فشرحه.
فَقَالَ لَهُ: اصبر حَتَّى يرد جواسيسي بِصِحَّة الْخَبَر.
فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ ورد الجواسيس بأخبار عَسْكَر نَاصِر الدولة، وَمَا يدل على سَلَامَته وَأَن إنْسَانا أَرَادَ أَن يغتاله، فَكَانَ كَيْت وَكَيْت، وَذكر لَهُ خبر السكين.
فأحضر معز الدولة الركابي، وَسلمهُ إِلَى أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد الصَّيْمَرِيّ، الْهِلَالِي، فِيمَا سَمِعت إِذْ ذَاك، وَقَالَ لَهُ: اكْفِنِي أَمر هَذَا الركابي، فَإِن من تجاسر على الْمُلُوك لم يجز أَن آمنهُ على نَفسِي.
فغرقه الصميري سرا.
стр. 1182
أَرَادَ ابْن المعتز قتل يحيى بن عَليّ المنجم فَلم يمهله الْقدر
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: كَانَ يحيى بن عَليّ المنجم قد نَاقض أَبَا الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز، فِي أشعار جرت بَينهمَا، فِي تَفْضِيل مَا بَين الْعَرَب والعجم، والطالبيين والعباسيين، واشتدت الْحَال بَينهمَا، إِلَى أَن بادأه يحيى بالعداء والهجاء، وَذَلِكَ طَوِيل مَشْهُور، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره.
فَلَمَّا بُويِعَ ابْن المعتز، وأطاعه الْجَيْش، وَجلسَ للنَّظَر فِي الْأُمُور، وَأَشَارَ أهل يحيى عَلَيْهِ بالهرب، وهم هُوَ بِهِ خوفًا من الْقَتْل، أَتَتْهُ رسل ابْن المعتز يطلبونه لِلْبيعَةِ، فَدخل إِلَيْهِ وَهُوَ آيس من الْحَيَاة، فَبَايعهُ، وثار الشَّرّ فِي وَجهه حَتَّى خَافَ أَن يبادره، ثمَّ انْصَرف لاشتغال ابْن المعتز عَنهُ بإحكام الْبيعَة، وَعمل يحيى على التواري وَإِسْلَام النِّعْمَة.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتقض أَمر ابْن المعتز، وكفي يحيى أمره.
وَحكى الصولي فِي كِتَابه كتاب الوزراء قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن إِسْمَاعِيل الجليس، قَالَ: دخل يحيى بن عَليّ المنجم، إِلَى عبد الله بن المعتز،
стр. 1183
مُتَقَلِّدًا سَيْفا، وَمَعَهُ ابناه، فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة.
فَقَالَ لَهُ، قَلِيلا قَلِيلا، وَمن حوله يسمع: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا كلب، أَلَسْت الهاجي سيدنَا مُحَمَّد ﷺ والفاخر بعجمك على أَهله؟ وَالله، لأطعمن الطير لحمك.
قَالَ: وَخفت أَن يعجل فيأمر بِهِ، فَجعلت أومئ إِلَى الِانْتِظَار بِهِ، فَسلم، وَلَا أَحسب ذَلِك إِلَّا لِأَنَّهُ كَانَ يعد لَهُ مَا الْقَتْل مَعَه رَاحَة.
ثمَّ قَالَ: كلاب غذتهم نعمتنا، وأشادت بذكرهم خدمتنا، سعوا بِالْبَاطِلِ علينا، وجحدوا إحساننا، وهجوا نَبينَا ﵇، حَتَّى إِذا أظلهم الْعَذَاب، وأسلمتهم الحراب، تحَصَّنُوا بالرفض، ومدحوا أهلنا، وأخص النَّاس بِنَا، لتنصرهم علينا طَائِفَة منا، وليتألفوا قلوبًا نفرت عَنْهُم وَلم يعلم الْجَاهِل الْكَافِر، أننا وَبني عمنَا من آل أبي طَالب، لَو افترقنا فِي كل شَيْء تَجْتَمِع النَّاس عَلَيْهِ، مَا افترقنا فِي أَن الثالب لسيدنا مُحَمَّد ﷺ كَافِر، والفاخر عَلَيْهِ فَاجر، وَأَنا جَمِيعًا نرى قَتله، ونستحل دَمه.
فَمَا زلنا نسكن مِنْهُ ونحتال للْعُذْر عَنهُ وَجها، وَهُوَ لَا يقبل، ويعنفنا، وَيَقُول: لَيْسَ بِمُسلم من خَالف قولي هَذَا.
وأنشدني يحيى بن عَليّ، لنَفسِهِ، بعد أَن قتل ابْن المعتز:
نفخت فِي غير فَحم ... يَا قَاطعا كلّ رحم
لمّا تألّيت بغيًا ... أَن تطعم الطير لحمي
حميت مِنْك فَصَارَ ... الْمُبَاح مَا كنت تَحْمِي
فَاذْهَبْ إِلَى النَّار فازحم ... سكّانها أيّ زحم
стр. 1184
قَالَ الصولي: وَلما ولي أَبُو الْحسن بن الْفُرَات الوزارة الأولى، دخل عَلَيْهِ يحيى بن عَليّ فأنشده قصيدة، يهنيه بهَا، وَذكرهَا الصولي، فَمِنْهَا مِمَّا يدْخل فِي هَذَا الْمَعْنى، قَوْله:
وَلَيْسَ وزارة الْخُلَفَاء نهبًا ... وَلَيْسَ خلَافَة الرَّحْمَن عاره
تجلّت غبرة كنّا أصبْنَا ... بهَا والمسلمون على إباره
فأعقبنا الزَّمَان رضى بسخطٍ ... وأبدلنا الْحَلَاوَة بالمراره
стр. 1185
الْحجَّاج بن خَيْثَمَة ينصح الْحسن بن سهل
حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة بِكِتَاب المبيضة لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبيد الله بن عمار، فِي خبر أبي السَّرَايَا الْخَارِج بالطالبيين بعد مقتل الْأمين، وَشرح غَلَبَة الطالبيين وَأَصْحَاب أبي السَّرَايَا على الْكُوفَة، وَالْبَصْرَة، وَأكْثر السوَاد، والحرمين، واليمن، والأهواز، وَغير ذَلِك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النَّوْفَلِي، قَالَ: لما انْصَرف الطالبيون عَن الْبَصْرَة، تفَرقُوا، فتوارى بَعضهم بِبَغْدَاد وَبَعْضهمْ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ فِيمَن توارى زيد بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَطَلَبه الْحسن طلبا شَدِيدا حَتَّى دلّ على مَوْضِعه، فَأرْسل إِلَيْهِ من هجم عَلَيْهِ فَأتى بِهِ، ثمَّ جلس مَجْلِسا عَاما من أَجله، ودعا بِهِ، فأنبه، ووبخه، وَقَالَ: قتلت النَّاس، وسفكت دِمَاء الْمُسلمين، وَفعلت، وَفعلت.
ثمَّ أقبل على من حَضَره من النَّاس والهاشميين وَغَيرهم، وَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِيهِ؟ فأمسكوا جَمِيعًا.
стр. 1186
وانبرى لَهُ قثم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، فَقَالَ: أرى أَيهَا الْأَمِير أَن تضرب عُنُقه، وَدَمه فِي عنقِي.
فَأمر بِهِ الْحسن، فَشد رَأسه بالحبل، وانتضي لَهُ السَّيْف، وَلم يبْق إِلَّا أَن يُومِئ بِالضَّرْبِ، فَيضْرب.
إِذْ صَاح الْحجَّاج بن خَيْثَمَة، وَهِي أمه، وَقد حضر الْمجْلس ذَلِك الْيَوْم، قَالَ: وَهُوَ رجل من أهل الْبَصْرَة لَهُ قدر، وَأمه أُخْت عبيد الله بن سَالم مولى بلقين، وَكَانَ الرشيد جعل إِلَيْهِ أَمر الصواري والبارجات، وَكَانَت لَهُ فِي نَفسه هيأة وَحَال وسرو، فَاحْتمل أَن يُولى هَذَا، وَكَانَت حَاله، بعد، حَالا حَسَنَة، وَقدره غير وضيع.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِن رَأَيْت أَن لَا تعجل، وَأَن تَدعُونِي إِلَيْك، فَإِن لَك عِنْدِي نصيحة.
فَفعل الْحسن، وَأمْسك الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْف، واستدناه.
فَلَمَّا دنا، قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أَتَاك بِمَا تُرِيدُ فعله أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَكَانَ قد عهد إِلَيْك، إِذا ظَفرت بِهَذَا الرجل أَن تقتله، واستأمرت بِهِ بعد ظفرك بِهِ، فأمرك بذلك؟ قَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَا.
قَالَ: أتقتل ابْن عَم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن غير أمره، وَلَا استطلاع رَأْيه فِيهِ؟ قَالَ: ثمَّ حَدثهُ بِحَدِيث عبد الله بن الْأَفْطَس، وَأَن الرشيد حَبسه عِنْد جَعْفَر بن يحيى، فأقدم عَلَيْهِ، فَقتله من غير أمره، وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، مَعَ هَدَايَا النيروز، وَأَن الرشيد لما أَمر مَسْرُورا الْكَبِير بقتل جَعْفَر، قَالَ لَهُ: إِذا سَأَلَك
стр. 1187
عَن ذَنبه الَّذِي أَقتلهُ من أَجله، فَقل لَهُ: إِنَّمَا أَقْتلك بِابْن عمي ابْن الْأَفْطَس الَّذِي قتلته من غير أَمْرِي.
ثمَّ قَالَ الْحجَّاج لِلْحسنِ: أفتأمن أَيهَا الْأَمِير حَادِثَة تحدث بَيْنك وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ فيحتج عَلَيْك بِمثل مَا احْتج بِهِ الرشيد على جَعْفَر؟ فجزاه خيرا، وَأمر أَن يرفع عَن زيد السَّيْف، وَأَن يرد إِلَى محبسه فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى ظهر أَمر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فجد أهل بَغْدَاد بالْحسنِ بن سهل فأخرجوه مِنْهَا.
قَالَ: وَكَانَ حَبسه عِنْد الطّيب بن يحيى، وَكَانَ صَاحب حرسه، قَالَ: وَحبس مَعَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَعْفَرِي، أَخا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد صَاحب الْبَصْرَة، فضيق عَلَيْهِمَا محبسهما حَتَّى جَعلهمَا فِي سفينة، وأطبق عَلَيْهَا ألواحًا، وَجعل لَهَا فتحا يدْخل مِنْهُ الطَّعَام وَالشرَاب، وَعِنْدَهُمَا دن مَقْطُوع الرَّأْس يحدثان فِيهِ، فَإِذا كَاد يمتلئ، أخرج فَرمي مَا فِيهِ، ثمَّ رد.
فَلم يزل ذَلِك حَالهمَا، حَتَّى بَايع الْمَأْمُون لعَلي بن مُوسَى الرِّضَا، فَكتب إِلَى الْحسن فِي إطلاقهما، فَفعل الْحسن ذَلِك.
стр. 1188
يحيى الْبَرْمَكِي يغري الرشيد بِجَعْفَر بن الْأَشْعَث
وَحدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن الْأَثْرَم، فِي هَذَا الْكتاب، فِي خبر مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ: حَدثنِي أبي، أَن بَدْء سعي يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، على مُوسَى بن جَعْفَر، كَانَ سَببه وضع الرشيد ابْنه مُحَمَّدًا فِي حجر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، فسَاء ذَلِك يحيى، وَقَالَ: إِذا مَاتَ الرشيد، وأفضى الْأَمر إِلَى وَلَده مُحَمَّد انْقَضتْ دَوْلَتِي، ودولة وَلَدي، وتحول الْأَمر إِلَى جَعْفَر وَولده، وَقد كَانَ عرف مَذْهَب جَعْفَر فِي التَّشَيُّع، فأظهر لَهُ إِنَّه على مذْهبه، فَلَمَّا أنس بِهِ جَعْفَر، أفْضى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره، وَذكر لَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي مُوسَى بن جَعْفَر.
وَكَانَ الرشيد يرْعَى لَهُ مَوْضِعه، وَمَوْضِع أَبِيه من الْخُلَفَاء، فَكَانَ يقدم فِي
стр. 1189
أمره وَيُؤَخر، وَيحيى لَا يألو أَن يحطب عَلَيْهِ، إِلَى أَن دخل يَوْمًا على الرشيد، وَجرى بَينهمَا حَدِيث، فمت جَعْفَر بخدمته وخدمة أَبِيه، فَأمر لَهُ بِعشْرين ألف دِينَار، فَأمْسك يحيى أَيَّامًا، ثمَّ قَالَ للرشيد: قد كنت أخْبرك عَن جَعْفَر ومذهبه، فأكذب عَنهُ، وَهَا هُنَا أَمر فِيهِ الْفَصْل، إِنَّه لَا يصير إِلَيْهِ مَال إِلَّا أخرج خمسه فَوجه بِهِ إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر، وَلست أَشك أَنه فعل ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار الَّتِي أمرت لَهُ بهَا.
فَأرْسل الرشيد إِلَى جَعْفَر لَيْلًا يستدعيه، وَقد كَانَ جَعْفَر عرف سِعَايَة يحيى عَلَيْهِ، مساسًا للعداوة، فَلَمَّا طرق جعفرًا رَسُول الرشيد لم يشك أَنه سمع من يحيى فِيهِ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ مَاء، ودعا بمسك وكافور، وتحنط بهما، وَلبس بردة، وَأَقْبل إِلَى الرشيد، فَلَمَّا دنا مِنْهُ ليخاطبه، شم مِنْهُ رَائِحَة الكافور، وَرَأى الْبردَة، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَعْفَر؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد علمت أَنه يسْعَى عَليّ عنْدك، فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولك فِي هَذِه السَّاعَة، علمت أَنَّك أرْسلت إِلَيّ لتقتلني.
قَالَ: كلا، وَلَكِن أخْبرت أَنَّك تبْعَث إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر من كل مَا يصير إِلَيْك بخمسه، وَأَنَّك قد فعلت ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار، وأحببت أَن أعلم ذَلِك.
стр. 1190
فَقَالَ جَعْفَر: الله أكبر، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بهَا بخاتمها.
فَقَالَ الرشيد لبَعض الخدم: خُذ خَاتم جَعْفَر وَانْطَلق حَتَّى تَأتي بِهَذَا المَال، وأسمى لَهُ جَارِيَته الَّتِي مَاله عِنْدهَا، فَدفعت إِلَيْهِ الْبَدْر بخواتمها، فَأتى بهَا إِلَى الرشيد.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أول مَا تعرف بِهِ كذب من سعى بِي إِلَيْك.
فَقَالَ: صدقت، انْصَرف آمنا، فَإِنِّي لَا أقبل فِيك، بعد هَذَا قَول أحد.
стр. 1191
هَب مجرم قوم لوافدهم
حَدثنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: بَلغنِي عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم، عَن أَبِيه.
أَن عبيد الله بن زِيَاد، وَجهه إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة، رَسُولا فِي حَاجته فَدخل، فَإِذا خارجي بَين يَدي يزِيد يخاطبه.
فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي فِي بعض مَا خاطبه: يَا شقي.
فَقَالَ: وَالله لأَقْتُلَنك، فَرَآهُ يُحَرك شَفَتَيْه.
فَقَالَ: مَاذَا الَّذِي تَقول؟ قَالَ: أَقُول:
عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إنّه ... لَهُ كلّ يَوْم فِي خليقته أَمر
إِذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّه ... قضى الله أنّ الْعسر يتبعهُ الْيُسْر
فَقَالَ: أَخْرجَاهُ، فاضربا عُنُقه.
وَدخل الْهَيْثَم بن الْأسود، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأخْبر بِالْأَمر.
فَقَالَ: كفا عَنهُ قَلِيلا، حَتَّى أَدخل، فَدخل.
стр. 1192
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَب مجرم قوم لوافدهم.
فَقَالَ: هُوَ لَك.
فَأخذ الْهَيْثَم بِيَدِهِ، فَأخْرجهُ، والخارجي يَقُول: الْحَمد لله، تَعَالَى على الله، فأكذبه، وغالب الله، فغلبه.
стр. 1193
ضراوة الْحجَّاج على الْقَتْل
قتل الْحجَّاج عَامَّة يَوْمه الأسرى من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا رجل كَانَ من أُسَارَى الْحجَّاج، من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث يَوْم الزاوية، قَالَ: جعل الْحجَّاج، يقتل عَامَّة الأسرى، وَبقيت منا جمَاعَة قَليلَة، وَأتي بِرَجُل ليضْرب عُنُقه، فَقَالَ: يَا حجاج، وَالله لَئِن كُنَّا أسأنا فِي الْفِعْل، فَمَا أَحْسَنت فِي الْعقُوبَة، وَإِن كُنَّا لؤمنا فِي الْجِنَايَة، فَمَا كرمت فِي الْعَفو.
فَقَالَ: ردُّوهُ، فَرد.
فَقَالَ: أَخْبرنِي كَيفَ قلت؟ فَأَعَادَ الْكَلَام.
فَقَالَ الْحجَّاج: صدقت، وَالله، أُفٍّ لهَذِهِ الْجِيَف، أما كَانَ فِيهَا أحد ينبهنا كَمَا نبهنا هَذَا؟ أطْلقُوا عَنهُ، وَعَن بَاقِي الأسرى.
فأطلقوا.
قتل جَمِيع أسراه إِلَّا وَاحِدًا
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بِقوم مِمَّن خَرجُوا عَلَيْهِ، فَأمر بهم فَقتلُوا، وأقيمت الصَّلَاة، وَقد بَقِي مِنْهُم رجل وَاحِد.
فَقَالَ الْحجَّاج لعنبسة: انْصَرف بِهَذَا مَعَك، واغد بِهِ عَليّ.
стр. 1194
قَالَ عَنْبَسَة: فَخرجت بِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق، قَالَ لي: هَل فِيك خير يَا فَتى؟ قلت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: إِنِّي، وَالله الْعَظِيم، مَا خرجت على الْمُسلمين قطّ وَلَا استحللت قِتَالهمْ، وَعِنْدِي ودائع وأموال، فتخلى عني، حَتَّى آتِي أَهلِي فأرد على كل ذِي حق حَقه، وَأَجْعَل لَك عهد الله ، أَنِّي أرجع إِلَيْك من غَد.
فتعجبت مِنْهُ، وتضاحكت بِهِ.
فمضينا سَاعَة، فَأَعَادَ القَوْل عَليّ، فَقلت لَهُ: إذهب، فَذهب.
فَلَمَّا توارى عني شخصه، أسقط فِي يَدي، فَأتيت أَهلِي وَأَخْبَرتهمْ الْخَبَر، فَقَالُوا: لقد اجترأت على الْحجَّاج.
وَبت بأطول لَيْلَة، فَلَمَّا طلع الْفجْر، إِذا أَنا بِهِ قد جَاءَ.
فَقلت: أرجعت؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، جعلت الله ، لَك كَفِيلا، ثمَّ لَا أرجع؟ قَالَ: فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى الْحجَّاج.
فَقَالَ: أَيْن أسيرك؟ فَقلت: بِالْبَابِ، أصلح الله الْأَمِير، وَقد كَانَت لي وَله قصَّة.
قَالَ: مَا هِيَ؟ فَأَخْبَرته الْخَبَر، وأدخلته عَلَيْهِ.
فَقَالَ لي: أَتُحِبُّ أَن أهبه لَك؟ قلت: نعم.
قَالَ: هُوَ لَك.
فَأَخْرَجته معي، وَقلت لَهُ: خُذ أَي طَرِيق شِئْت، فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: الْحَمد لله، وَانْصَرف، وَمَا كلمني بِكَلِمَة.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا مَجْنُون.
стр. 1195
فَلَمَّا كَانَ من غَد، أَتَانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، جَزَاك الله خيرا، وَالله مَا جهلت مَا صنعت، وَلَكِنِّي كرهت أَن أشرك فِي حمد الله تَعَالَى أحدا.
احْتج لقَتله بأتفه حجَّة فخلصه الله مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ الْمُؤَدب، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن أبي نصر ابْن أُخْت الْأَصْمَعِي، عَن خَاله الْأَصْمَعِي، قَالَ: جلس الْحجَّاج يَوْمًا يَأْكُل، وَمَعَهُ على الْمَائِدَة مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد ابْن حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وحجار بن أبجر الْعجلِيّ، فَأقبل فِي وسط الطَّعَام على مُحَمَّد بن عُمَيْر، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، يَدْعُوك قُتَيْبَة بن مُسلم إِلَى نصرتي يَوْم رستقباذ، فَتَقول: هَذَا أَمر لَا نَاقَة لي فِيهِ وَلَا جمل!! يَا حرسي
следующие страницы →