← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

هَب مجرم قوم لوافدهم حَدثنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: بَلغنِي عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم، عَن أَبِيه. أَن عبيد الله بن زِيَاد، وَجهه إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة، رَسُولا فِي حَاجته فَدخل، فَإِذا خارجي بَين يَدي يزِيد يخاطبه. فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي فِي بعض مَا خاطبه: يَا شقي. فَقَالَ: وَالله لأَقْتُلَنك، فَرَآهُ يُحَرك شَفَتَيْه. فَقَالَ: مَاذَا الَّذِي تَقول؟ قَالَ: أَقُول: عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إنّه ... لَهُ كلّ يَوْم فِي خليقته أَمر إِذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّه ... قضى الله أنّ الْعسر يتبعهُ الْيُسْر فَقَالَ: أَخْرجَاهُ، فاضربا عُنُقه. وَدخل الْهَيْثَم بن الْأسود، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأخْبر بِالْأَمر. فَقَالَ: كفا عَنهُ قَلِيلا، حَتَّى أَدخل، فَدخل.

стр. 1192

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَب مجرم قوم لوافدهم. فَقَالَ: هُوَ لَك. فَأخذ الْهَيْثَم بِيَدِهِ، فَأخْرجهُ، والخارجي يَقُول: الْحَمد لله، تَعَالَى على الله، فأكذبه، وغالب الله، فغلبه.

стр. 1193

ضراوة الْحجَّاج على الْقَتْل قتل الْحجَّاج عَامَّة يَوْمه الأسرى من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا رجل كَانَ من أُسَارَى الْحجَّاج، من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث يَوْم الزاوية، قَالَ: جعل الْحجَّاج، يقتل عَامَّة الأسرى، وَبقيت منا جمَاعَة قَليلَة، وَأتي بِرَجُل ليضْرب عُنُقه، فَقَالَ: يَا حجاج، وَالله لَئِن كُنَّا أسأنا فِي الْفِعْل، فَمَا أَحْسَنت فِي الْعقُوبَة، وَإِن كُنَّا لؤمنا فِي الْجِنَايَة، فَمَا كرمت فِي الْعَفو. فَقَالَ: ردُّوهُ، فَرد. فَقَالَ: أَخْبرنِي كَيفَ قلت؟ فَأَعَادَ الْكَلَام. فَقَالَ الْحجَّاج: صدقت، وَالله، أُفٍّ لهَذِهِ الْجِيَف، أما كَانَ فِيهَا أحد ينبهنا كَمَا نبهنا هَذَا؟ أطْلقُوا عَنهُ، وَعَن بَاقِي الأسرى. فأطلقوا. قتل جَمِيع أسراه إِلَّا وَاحِدًا وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بِقوم مِمَّن خَرجُوا عَلَيْهِ، فَأمر بهم فَقتلُوا، وأقيمت الصَّلَاة، وَقد بَقِي مِنْهُم رجل وَاحِد. فَقَالَ الْحجَّاج لعنبسة: انْصَرف بِهَذَا مَعَك، واغد بِهِ عَليّ.

стр. 1194

قَالَ عَنْبَسَة: فَخرجت بِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق، قَالَ لي: هَل فِيك خير يَا فَتى؟ قلت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: إِنِّي، وَالله الْعَظِيم، مَا خرجت على الْمُسلمين قطّ وَلَا استحللت قِتَالهمْ، وَعِنْدِي ودائع وأموال، فتخلى عني، حَتَّى آتِي أَهلِي فأرد على كل ذِي حق حَقه، وَأَجْعَل لَك عهد الله ، أَنِّي أرجع إِلَيْك من غَد. فتعجبت مِنْهُ، وتضاحكت بِهِ. فمضينا سَاعَة، فَأَعَادَ القَوْل عَليّ، فَقلت لَهُ: إذهب، فَذهب. فَلَمَّا توارى عني شخصه، أسقط فِي يَدي، فَأتيت أَهلِي وَأَخْبَرتهمْ الْخَبَر، فَقَالُوا: لقد اجترأت على الْحجَّاج. وَبت بأطول لَيْلَة، فَلَمَّا طلع الْفجْر، إِذا أَنا بِهِ قد جَاءَ. فَقلت: أرجعت؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، جعلت الله ، لَك كَفِيلا، ثمَّ لَا أرجع؟ قَالَ: فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى الْحجَّاج. فَقَالَ: أَيْن أسيرك؟ فَقلت: بِالْبَابِ، أصلح الله الْأَمِير، وَقد كَانَت لي وَله قصَّة. قَالَ: مَا هِيَ؟ فَأَخْبَرته الْخَبَر، وأدخلته عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: أَتُحِبُّ أَن أهبه لَك؟ قلت: نعم. قَالَ: هُوَ لَك. فَأَخْرَجته معي، وَقلت لَهُ: خُذ أَي طَرِيق شِئْت، فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: الْحَمد لله، وَانْصَرف، وَمَا كلمني بِكَلِمَة. فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا مَجْنُون.

стр. 1195

فَلَمَّا كَانَ من غَد، أَتَانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، جَزَاك الله خيرا، وَالله مَا جهلت مَا صنعت، وَلَكِنِّي كرهت أَن أشرك فِي حمد الله تَعَالَى أحدا. احْتج لقَتله بأتفه حجَّة فخلصه الله مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ الْمُؤَدب، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن أبي نصر ابْن أُخْت الْأَصْمَعِي، عَن خَاله الْأَصْمَعِي، قَالَ: جلس الْحجَّاج يَوْمًا يَأْكُل، وَمَعَهُ على الْمَائِدَة مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد ابْن حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وحجار بن أبجر الْعجلِيّ، فَأقبل فِي وسط الطَّعَام على مُحَمَّد بن عُمَيْر، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، يَدْعُوك قُتَيْبَة بن مُسلم إِلَى نصرتي يَوْم رستقباذ، فَتَقول: هَذَا أَمر لَا نَاقَة لي فِيهِ وَلَا جمل!! يَا حرسي

стр. 1196

خُذ بِيَدِهِ، فَاضْرب عُنُقه. فجذب سَيْفه، وَأخذ بيد مُحَمَّد بن عُمَيْر فأقامه. وحانت من الْحجَّاج التفاتة، فَنظر إِلَى حجار بن أبجر يتبسم، فدخلته العصبية، وَكَانَ مَكَان حجار من ربيعَة، كمكان مُحَمَّد بن عُمَيْر من مُضر. فَقَالَ الْحجَّاج: يَا حرسي، شم سَيْفك. وَجِيء بفرنية، فَقَالَ للخباز: إجعلها مِمَّا يَلِي مُحَمَّدًا، فَإِن اللَّبن يُعجبهُ.

стр. 1197

أَمر الْخَلِيفَة بِضَرْب عُنُقه ثمَّ لم يلبث أَن عَفا عَنهُ قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء: حَدثنِي الباقطائي، قَالَ: انْصَرف إِلَيْنَا يَوْمًا أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَهُوَ فِي نِهَايَة القلق والاغتمام وَكَأَنَّهُ ميت. فَسَأَلته عَن خَبره، فَذكر أَن رجلا يعرف بالقاسم بن شعْبَان الحائك صَار إِلَى بَاب المستعين بِبَغْدَاد، وَعَلِيهِ جُبَّة صوف، وعمامة صوف، وخفان أَحْمَرَانِ، وَفِي يَده عكاز معقد، فصاح: معتز يَا مَنْصُور، وَأَن من على بَاب الْعَامَّة تعلقوا بِهِ، وَأدْخل الدَّار، فَسئلَ عَن خَبره، فَادّعى عَليّ أَنِّي أَمرته بِهَذَا، وَأَن يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ، فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِضَرْب عنقِي، فاستوهبت مِنْهُ، وَعرف أَمر الْحَائِط، فَعرف أَنه علم، وَحمل عَليّ بِمَا قَالَه، فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى أنطاكية. ثمَّ عَاد مَعنا، واستقام أمره.

стр. 1198

حسن ظَنّه بِاللَّه أَنْجَاهُ من الْقَتْل وَأطْلقهُ من السجْن وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حبس رجل قد وَجب عَلَيْهِ حد، فَلَمَّا رفع خَبره، أَمر بِضَرْب عُنُقه. قَالَ الْمخبر: فَدخلت إِلَى الْحَبْس إِلَى رجل بيني وَبَينه صُحْبَة، لأعرف خَبره، فَرَأَيْت الَّذِي أَمر بِضَرْب عُنُقه يلْعَب بالنرد. فَقلت للَّذي دخلت عَلَيْهِ، وَأَنا لَا أعلم أَن قد أَمر بِضَرْب عنق ذَلِك الرجل: مَا أفرغ قلب هَذَا، يلْعَب بالنرد وَهُوَ مَحْبُوس. فَقَالَ: إِن أطرف من هَذَا أَنه قد أَمر بِضَرْب عُنُقه، وَقد عرف بذلك، فَهُوَ ذَا ترى حَاله. قَالَ: فازددت تَعَجبا، وفطن الرجل لما نَحن فِيهِ، فَأخذ بِيَدِهِ فصًا من فصوص النَّرْد فرفعه، وَقَالَ: إِلَى أَن يسْقط هَذَا إِلَى الأَرْض، مائَة ألف فرج، وَرمى بالفص من يَده. قَالَ: فَخرجت، وَأَنا متعجب مِنْهُ، مفكر فِي قَوْله. فَمَا أمسينا ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى شغب الْجند، وَفتحت السجون، وَخرج من كَانَ فِيهَا، وَالرجل فيهم، وَسلمهُ الله تَعَالَى من الْقَتْل.

стр. 1199

الْبَاب التَّاسِع من شَارف الْمَوْت بحيوان مهلك رَآهُ فَكف الله ذَلِك بِلُطْفِهِ ونجاه آلى على نَفسه أَن لَا يَأْكُل لحم فيل أبدا حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّاهِد الْمَعْرُوف بِابْن الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ الصُّوفِي، قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم الْخَواص الصُّوفِي، رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ: ركبت الْبَحْر مَعَ جمَاعَة من الصُّوفِيَّة، فَكسر بِنَا الْمركب، فنجا منا قوم على لوح من خشب الْمركب. فوقفنا على سَاحل لَا نَدْرِي فِي أَي مَكَان هُوَ، فَأَقَمْنَا فِيهِ أَيَّامًا لَا نجد مَا نقتاته،

стр. 1200

فأحسسنا بِالْمَوْتِ، وأيقنا بتلفنا من الْجُوع لَا محَالة. فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: تَعَالَوْا نجْعَل لله تَعَالَى على أَنْفُسنَا أَن نَدع لَهُ شَيْئا، فَلَعَلَّهُ أَن يَرْحَمنَا فيخلصنا من هَذِه الشدَّة. فَقَالَ بَعْضنَا: أَصوم الدَّهْر كُله. وَقَالَ الآخر: أُصَلِّي كل يَوْم كَذَا وَكَذَا رَكْعَة. وَقَالَ بَعْضنَا: أدع لذات الدُّنْيَا، إِلَى أَن قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم شَيْئا، وَأَنا سَاكِت. فَقَالُوا: قل أَنْت الآخر شَيْئا. فَلم يجر على لساني إِلَّا أَن قلت: أَنا لَا آكل لحم فيل أبدا. فَقَالُوا: مَا هَذَا القَوْل فِي مثل هَذَا الْحَال؟ فَقلت: وَالله، لم أتعمد هَذَا، وَلَكِنِّي مُنْذُ بدأتم فعاهدتم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنا أعرض على نَفسِي أَشْيَاء كَثِيرَة فَلَا تطاوعني بِتَرْكِهَا، وَلَا خطر ببالي شَيْء أَدَعهُ لله تَعَالَى، وَلَا مر على قلبِي غير الَّذِي لفظت بِهِ، وَمَا أجري هَذَا على لساني إِلَّا لأمر. فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، قَالَ أَحَدنَا: لم لَا نطوف هَذِه الأَرْض مُتَفَرّقين فنطلب قوتًا، فَمن وجد شَيْئا أنذر بِهِ البَاقِينَ، والموعد هَذِه الشَّجَرَة. قَالَ: فتفرقنا فِي الطّواف، فَوَقع بَعْضنَا على ولد فيل صَغِير، فلوح بَعْضنَا لبَعض فَاجْتَمَعْنَا، فَأَخذه أَصْحَابنَا، واحتالوا فِيهِ حَتَّى شووه وقعدوا يَأْكُلُون. فَقَالُوا لي: تقدم وكل مَعنا. فَقلت: أَنْتُم تعلمُونَ أَنِّي مُنْذُ سَاعَة تركته لله ، وَمَا كنت لأرجع فِيهِ، وَلَعَلَّ ذَلِك قد جرى على لساني من ذكري لَهُ، هُوَ سَبَب موتِي من بَيْنكُم، لِأَنِّي مَا أكلت شَيْئا مُنْذُ أَيَّام، وَلَا أطمع فِي شَيْء آخر، وَلَا يراني الله أنقض عَهده، وَلَو مت جوعا، فاعتزلتهم وَأكل أَصْحَابِي. وَأَقْبل اللَّيْل، فأويت إِلَى أصل شَجَرَة كنت أَبيت عِنْدهَا، وتفرق أَصْحَابِي للنوم.

стр. 1201

فَلم يكن إِلَّا لَحْظَة، وَإِذا بفيل عَظِيم قد أقبل وَهُوَ ينعر، والصحراء تتدكدك بنعيره وَشدَّة سَعْيه، وَهُوَ يطلبنا. فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: قد حضر الْأَجَل، فتشهدوا، فأخذنا فِي الاسْتِغْفَار وَالتَّسْبِيح، وَطرح الْقَوْم نُفُوسهم على وُجُوههم. فَجعل الْفِيل يقْصد وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهُم، فيتشممه من أول جسده إِلَى آخِره، فَإِذا لم يبْق مِنْهُ موضعا إِلَّا شمه، شال إِحْدَى قوائمه فوضعها عَلَيْهِ ففسخه. فَإِذا علم أَنه قد تلف، قصد إِلَى آخر فَفعل بِهِ مثل فعله بِالْأولِ. إِلَى أَن لم يبْق غَيْرِي، وَأَنا جَالس منتصب أشاهد مَا جرى وَأَسْتَغْفِر الله وأسبح. فقصدني الْفِيل، فحين قرب مني، رميت بنفسي على ظَهْري فَفعل بِي من الشم كَمَا فعل بِأَصْحَابِي، ثمَّ عَاد فشمني دفعتين أَو ثَلَاثًا، وَلم يكن فعل ذَلِك بِأحد مِنْهُم غَيْرِي، وروحي فِي خلال ذَلِك تكَاد تخرج فَزعًا. ثمَّ لف خرطومه عَليّ، وشالني فِي الْهَوَاء، فظننته يُرِيد قَتْلِي، فجهرت بالاستغفار. ثمَّ لفني بخرطومه فجعلني فَوق ظَهره، فانتصبت جَالِسا، وَاجْتَهَدت فِي حفظ نَفسِي بموضعي. وَانْطَلق الْفِيل، يُهَرْوِل تَارَة، وَيسْعَى تَارَة، وَأَنا تَارَة أَحْمد الله تَعَالَى على تَأْخِير الْأَجَل وأطمع فِي الْحَيَاة، وَتارَة أتوقع أَن يثور بِي فَيَقْتُلنِي، فأعاود الاسْتِغْفَار، وَأَنا أقاسي فِي خلال ذَلِك من الْأَلَم والجزع لشدَّة سرعَة سعي الْفِيل أمرا عَظِيما. فَلم أزل على ذَلِك، إِلَى أَن طلع الْفجْر وانتشر ضوءه، فَإِذا بِهِ قد لف خرطومه عَليّ. فَقلت: قد دنا الْأَجَل وَحضر الْمَوْت، وَأَكْثَرت من الاسْتِغْفَار. فَإِذا بِهِ قد أنزلني عَن ظَهره بِرِفْق، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَرجع إِلَى الطَّرِيق

стр. 1202

الَّتِي جَاءَ مِنْهَا، وَأَنا لَا أصدق. فَلَمَّا غَابَ عني، حَتَّى لَا أسمع لَهُ حسا، خَرَرْت سَاجِدا لله تَعَالَى، فَمَا رفعت رَأْسِي حَتَّى أحسست بالشمس. فَإِذا أَنا على محجة عَظِيمَة، فمشيت نَحْو فرسخين، فانتهيت إِلَى بلد كَبِير، فدخلته. فَعجب أَهله مني، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، فزعموا أَن الْفِيل قد سَار بِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مسيرَة أَيَّام، واستطرفوا سلامتي. فأقمت عِنْدهم حَتَّى صلحت من تِلْكَ الشدَّة الَّتِي قاسيتها، وتندى بدني، ثمَّ سرت عَنْهُم مَعَ التُّجَّار، فركبت فِي مركب، وَرَزَقَنِي الله السَّلامَة، إِلَى أَن عدت إِلَى بلدي.

стр. 1203

لقْمَة بلقمة حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر الْخُزَاعِيّ البسطامي، صَاحب ابْن دُرَيْد، وَكَانَ زوج ابْنَته الغرانقة، وَكَانَ شَيخا من أهل الْأَدَب والْحَدِيث، قد استوطن الأهواز سِنِين، وَكَانَ ملازمًا لأبي ﵀، يتفقده ويبره، قَالَ: كَانَ لامْرَأَة ابْن، فَغَاب عَنْهَا غيبَة طَوِيلَة، وأيست مِنْهُ. فَجَلَست يَوْمًا تَأْكُل، فحين كسرت اللُّقْمَة وأهوت بهَا إِلَى فِيهَا وقف بِالْبَابِ سَائل يستطعم، فامتنعت من أكل اللُّقْمَة، وحملتها مَعَ تَمام الرَّغِيف فتصدقت بهَا، وَبقيت جائعة يَوْمهَا وليلتها. فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة حَتَّى قدم ابْنهَا، فَأَخْبرهَا بشدائد عَظِيمَة مرت بِهِ. وَقَالَ: أعظم مَا جرى عَليّ أَنِّي كنت مُنْذُ أَيَّام أسلك فِي أجمة فِي الْموضع الْفُلَانِيّ، إِذْ خرج عَليّ أَسد، فَقبض عَليّ من على ظهر حمَار كنت رَاكِبه، وغار الْحمار، ونشبت مخالب الْأسد فِي مرقعة كَانَت عَليّ، وَثيَاب تحتهَا وجبة، فَمَا وصل إِلَى بدني كَبِير شَيْء من مخالبه، إِلَّا أَنِّي تحيرت ودهشت وَذهب أَكثر عَقْلِي، وَهُوَ يحملني حَتَّى أدخلني أجمة كَانَت هُنَاكَ، وبرك عَليّ يفترسني. فَرَأَيْت رجلا عَظِيم الْخلق، أَبيض الْوَجْه وَالثيَاب، قد جَاءَ حَتَّى قبض على الْأسد من غير سلَاح، وشاله وخبط بِهِ الأَرْض.

стр. 1204

وَقَالَ: قُم يَا كلب، لقْمَة بلقمة، فَقَامَ الْأسد يُهَرْوِل، وثاب إِلَيّ عَقْلِي. فطلبت الرجل، فَلم أَجِدهُ، وَجَلَست بمكاني سَاعَات، إِلَى أَن رجعت إِلَيّ قوتي، ثمَّ نظرت إِلَى نَفسِي، فَلم أجد بهَا بَأْسا، فمشيت حَتَّى لحقت بالقافلة الَّتِي كنت فِيهَا، فتعجبوا لما رأوني، فحدثتهم حَدِيثي، وَلم أدر مَا معنى قَول الرجل: لقْمَة بلقمة. فَنَظَرت الْمَرْأَة، فَإِذا هُوَ وَقت أخرجت اللُّقْمَة من فِيهَا، فتصدقت بهَا.

стр. 1205

كفى بالأجل حارسًا وجدت فِي دفتر عَتيق، أعطانيه أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق ﵀، وَأَخْبرنِي أَنه بِخَط عَمه أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي ﵀، أَحَادِيث من النَّوَادِر عَن ابْن زنبور، مِمَّا صَار إِلَيْنَا، وَلم أسمعهُ مِنْهُ، وَكَانَ فِيهَا حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث بن مرّة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد الرقاشِي، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْخضر، وَكَانَ أحد أُمَنَاء القَاضِي بِبَغْدَاد، ويخلف الْقُضَاة الْغَيْب بِحَضْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَغَيرهم، قَالَ: حَدثنِي صديق لي أَثِق بِهِ، قَالَ: خرجت إِلَى الحائر فِي أَيَّام الحنبلية، أَنا وَجَمَاعَة متخفين، فَلَمَّا صرنا فِي أجمة بنقيا، قَالَ لي رَفِيق فيهم: يَا فلَان، إِن نَفسِي تُحَدِّثنِي أَن السَّبع يخرج، فيفترسني من دون الْجَمَاعَة، فَإِن كَانَ ذَلِك فَخذ حماري وَمَا عَلَيْهِ فأده إِلَى عيالي. فَقلت: هَذَا استشعار رَدِيء، يجب أَن تتعوذ بِاللَّه مِنْهُ، وتضرب عَن الْفِكر فِيهِ. فَمَا مضى على هَذَا إِلَّا شَيْء يسير حَتَّى خرج الْأسد، فحين رَآهُ الرجل سقط عَن حِمَاره، فَأَخذه وَدخل بِهِ الأجمة.

стр. 1206

وسقت أَنا الْحمار، وأسرعت مَعَ الْقَافِلَة، وَبَلغت الحائر، وزرنا، ورجعنا إِلَى بَغْدَاد. فاسترحت فِي بَيْتِي أَيَّامًا، ثمَّ أخذت الْحمار وَجئْت بِهِ إِلَى منزله، لأسلمه إِلَى عِيَاله، فدققت الْبَاب، فَخرج إِلَيّ الرجل بِعَيْنِه. فحين رَأَيْته طَار عَقْلِي وَشَكَكْت فِيهِ، فعانقني، وَبكى وبكيت. فَقلت: حَدثنِي حَدِيثك. فَقَالَ: إِن السَّبع سَاعَة أَخَذَنِي جرني إِلَى الأجمة، ثمَّ سَمِعت صَوت شَيْء، وَرَأَيْت الْأسد قد خلاني وَمضى، ففتحت عَيْني، فَإِذا الَّذِي سَمِعت صَوت خِنْزِير، وَإِذا السَّبع لما رَآهُ عنّ لَهُ أَن يتركني، وَمضى فصاده وبرك عَلَيْهِ يفترسه وَأَنا أشاهده، إِلَى أَن فرغ مِنْهُ، ثمَّ خرج من الأجمة وَغَابَ عني. فسكنت، وتأملت حالتي، فَوجدت مخاليبه قد وصلت إِلَى فَخذي وصُولا قَلِيلا، وقوتي قد عَادَتْ. فَقلت: لأي شَيْء جلوسي هَاهُنَا؟ فَقُمْت أَمْشِي فِي الأجمة، أطلب الطَّرِيق، فَإِذا بجيف نَاس، وبقر، وغنم، وَعِظَام باليات، وآثار من قد فرسهم الْأسد. فَمَا زلت أتخطاهم، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى رجل قد أكل الْأسد بعض جسده، وَبَقِي أَكْثَره، وَهُوَ طري، وَفِي وَسطه هميان قد تخرق بعضه وَظَهَرت مِنْهُ دَنَانِير. فتقدمت، فجمعتها، وَقطعت الْهِمْيَان، وَأخذت جَمِيع مَا فِيهِ، وتتبعتها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء. وقويت نَفسِي، وأسرعت فِي الْمَشْي، وَطلبت الجادة فَوَقَعت عَلَيْهَا، واستأجرت حمارا، وعدت إِلَى بَغْدَاد، وَلم أمض إِلَى الزِّيَارَة، لِأَنِّي خشيت أَن تسبقوني، فتذكروا خبري لأهلي، فَيصير عِنْدهم مأتم، فسبقتكم، وَأَنا أعالج

стр. 1207

فَخذي، وَإِذا من الله عَليّ بالعافية عدت إِلَى الزِّيَارَة. وَقد حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث، غير وَاحِد من أهل بَغْدَاد، بقريب من هَذِه الْعبارَة. وَبَلغنِي عَن أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مقلة، أَنه كَانَ قَالَ: كنت بالموصل مَعَ المتقي لله وَأَنا وزيره إِذْ ذَاك فَأَتَانِي سَلامَة، أَخُو نجح الطولوني، بفيج مَعَه كتب، فَقَالَ: اسْمَع مَا يَقُول هَذَا، فَإِنَّهُ طريف. فدعوته، وَقلت: قل. فَقَالَ: خرجت من بَغْدَاد أريدكم، وَمَعِي رَفِيق لي، فيج من أهل بلد،

стр. 1208

فَأَعْطَانِي لما صرنا بَين تكريت وَالسّن دَرَاهِم كَانَت مَعَه، وَقَالَ لي: إِن نَفسه تحدثه أَن الْأسد يخرج فيفترسه. وَذكر قَرِيبا من هَذَا الحَدِيث.

стр. 1209

ألجأته الضرورات إِلَى ركُوب الْأسد حَدثنِي أَبُو جَعْفَر أصبغ بن أَحْمد، وَكَانَ يحجب أَبَا مُحَمَّد المهلبي ﵀، قبل وزارته، فَلَمَّا ولي الوزارة كَانَ يصرفهُ فِي الاستحثاث على الْعمَّال، وَفِي الْأَعْمَال الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا الْعمَّال الصغار، قَالَ: كنت بشيراز مَعَ أبي الْحسن عَليّ بن خلف بن طناب، وَهُوَ يتَوَلَّى عمالتها يَوْمئِذٍ. فجَاء مستحث من الْوَزير، يُطَالِبهُ بِحمْل الْأَمْوَال، وَكَانَ أحد الْعمَّال الأكابر، وَقد كُوتِبَ بإكرامه. فَأحْضرهُ أول يَوْم طَعَامه وَشَرَابه، فَامْتنعَ من مؤاكلته، وَذكر أَن لَهُ عذرا. فَقَالَ: لَا بُد أَن تَأْكُل.

стр. 1210

فَأكل بأطراف أَصَابِعه، وَلم يخرج يَده من كمه. فَلَمَّا كَانَ فِي غَد، قَالَ عَليّ بن خلف لحاشيته: ليدعه كل يَوْم وَاحِد مِنْكُم، فَكَانُوا يَدعُونَهُ، وَيدعونَ بَعضهم بَعْضًا، فَكَانَت صورته فِي الْأكل وَاحِدَة. فَقَالُوا: لَعَلَّ بِهِ برصًا أَو جذامًا. إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَيّ، فدعوته، ودعوت الْحَاشِيَة، وَجَلَسْنَا نَأْكُل، وَهُوَ يَأْكُل مَعنا على هَذِه الصُّورَة، فَسَأَلته إِخْرَاج يَده والانبساط فِي الْأكل، فَامْتنعَ عَن إِخْرَاج يَده. فَقلت لَهُ: يلحقك تنغيص بِالْأَكْلِ هَكَذَا، فأخرجها على أَي شَيْء كَانَ بهَا، فَإنَّا نرضى بِهِ. قَالَ: فكشفها، فَإِذا فِيهَا وَفِي ذراعه أَكثر من خمسين ضَرْبَة، بَعْضهَا مندمل، وَبَعضهَا فِيهِ بَقِيَّة، وَعَلَيْهَا أدوية، وَهِي على أقبح منظر. فَأكل مَعنا غير محتشم، وَقدم الشَّرَاب فشربنا، فَلَمَّا أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب، سألناه عَن سَبَب تِلْكَ الضربات. فَقَالَ: هُوَ أَمر طريف أَخَاف أَن لَا أصدق فِيهِ. فَقلت: لَا بُد أَن تتفضل بذلك. فَقَالَ: كنت عَام أول قَائِما بِحَضْرَة الْوَزير، فَسلم إِلَيّ كتابا إِلَى عَامل دمشق، ومنشورًا، وَأَمرَنِي بالشخوص إِلَيْهِ، وإرهاقه بالمطالبة بِحمْل الْأَمْوَال، ورسم لي أَن أخرج على طَرِيق السماوة لأتعجل، وَكتب إِلَى عَامل هيت بإنفاذي مَعَ خفارة. فَلَمَّا حصلت بهيت، استدعى الْعَامِل جمَاعَة من عدَّة من أَحيَاء الْعَرَب،

стр. 1211

وسلمني إِلَيْهِم، وَأَعْطَاهُمْ مَالا على ذَلِك، وَأشْهد عَلَيْهِم بتسلمي، واحتاط فِي أَمْرِي. وَكَانَت هُنَاكَ قافلة تُرِيدُ الْخُرُوج مُنْذُ مُدَّة، وتتوقى الْبَريَّة، فأنسوا بِي، وسألوني أَن آخذ مِنْهُم لنَفْسي مَالا، وللخفراء الْأَعْرَاب مَالا، وأدخلهم فِي الخفارة، ويسيرون معي، فَفعلت ذَلِك، فصرنا قافلة عَظِيمَة. وَكَانَ معي من غلماني مِمَّن يحمل السِّلَاح نَحْو عشْرين غُلَاما، وَفِي حمالي الْقَافِلَة والتجار جمَاعَة يحملون السِّلَاح أَيْضا. فرحلنا عَن هيت، وسرنا فِي الْبَريَّة ثَلَاثَة أَيَّام بليالها، فَبينا نَحن نسير إِذْ لاحت لنا خيل. فَقلت للأعراب: مَا هَذِه الْخَيل؟ فَمضى مِنْهُم قوم إِلَيْهِم ثمَّ عَادوا كالمنهزمين. فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ قوم من بني فلَان بَيْننَا وَبينهمْ شَرّ وقتال، وَنحن طلبتهم، وَلَا ثبات لنا مَعَهم، وَلَا يمكننا خفارتكم مَعَهم، وركضوا منصرفين، وَبَقينَا متحيرين، فَلم أَشك أَنهم كَانُوا من أهلهم، وَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك بمواطأة علينا. فَجمعت الْقَافِلَة، وشجعت أَهلهَا وغلماني، وضممت بَعْضهَا إِلَى بعض، وأمرتهم بِحمْل السِّلَاح، وَلأمة الْحَرْب، فصرنا حول الْقَافِلَة من خَارِجهَا متساندين إِلَيْهَا كالدائرة. وَقلت لمن معي: لَو كَانَ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ أَمْوَالنَا وَيدعونَ جمالنا لننجو عَلَيْهَا كَانَ هَذَا أسهل، وَلَكِن الْجمال وَالدَّوَاب أول مَا تُؤْخَذ، ونتلف نَحن فِي الْبَريَّة ضَيْعَة وعطشًا، فاعملوا على أَن نُقَاتِل، فَإِن هزمناهم سلمنَا، وَإِن قتلنَا كَانَ أسهل من الْمَوْت بالعطش. فَقَالُوا: نَفْعل. وغشينا الْقَوْم، فقاتلناهم من انتصاف النَّهَار إِلَى أَن حجز اللَّيْل بَيْننَا، وَلم يقدروا علينا، وقتلنا عدَّة خيل، وجرحنا مِنْهُم جمَاعَة، وَمَا ظفروا منا بِعَوْرَة، وَبَاتُوا بِالْقربِ منا حنقين علينا.

стр. 1212

وتفرق النَّاس للْأَكْل وَالصَّلَاة، وَاجْتَهَدت بهم أَن يجتمعوا، ويبيتوا تَحت السِّلَاح، فخالفوني، وَكَانُوا قد كلوا وتعبوا، ونام أَكْثَرهم. فغشيتنا الْخَيل، فَلم يكن عندنَا امْتنَاع، فوضعوا فِينَا السيوف، وَكنت أَنا الْمَطْلُوب خَاصَّة، لما شاهدوه من تدبيري الْقَوْم برأيي، وَعَلمُوا أَنِّي رَئِيس الْقَافِلَة، فقطعوني بِالسُّيُوفِ، ولحقتني هَذِه الْجِرَاحَات كلهَا، وَفِي بدني أضعافها. قَالَ: وَقد كشف لنا عَن أَكثر جسده، فَإِذا بِهِ أَمر عَظِيم هالنا، وَلم نره فِي بشر قطّ. قَالَ: وَكَانَ فِي أَجلي تَأْخِير، فرميت نَفسِي بَين الْقَتْلَى، لَا أَشك فِي تلفي، وَسَاقُوا الْجمال والأمتعة وَالْأسَارَى. فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أَفَقْت، فَوجدت فِي نَفسِي قُوَّة، والعطش قد اشْتَدَّ بِي، فَلم أزل أتحامل، حَتَّى قُمْت أطلب فِي الْقَافِلَة سطيحة قد أفلتت، أشْرب مِنْهَا، فَلم أجد شَيْئا. وَرَأَيْت الْقَتْلَى والمجروحين الَّذين هم فِي آخر رَمق، وَسمعت من أنينهم مَا أَضْعَف نَفسِي، وأيقنت بالتلف. وَقلت: غَايَة مَا أعيش إِلَى أَن تطلع الشَّمْس. فتحاملت أطلب شَجَرَة أَو محملًا قد أفلت، لأجعله ظلًا لي من الشَّمْس إِذا طلعت. فَإِذا أَنا قد عثرت بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فِي الظلمَة، فَإِذا أَنا منبطح عَلَيْهِ بطولي وَطوله. فثار من تحتي، وعانقته، وَقدرته رجلا من الْأَعْرَاب، فَإِذا هُوَ أَسد. فحين علمت ذَلِك طَار عَقْلِي، وَقلت: إِن استرخيت افترمني، فعانقت

стр. 1213

رقبته بيَدي، ونمت على ظَهره، وألصقت بَطْني بظهره، وَجعلت رجْلي تَحت مخصاه وَكَانَت دمائي تجْرِي، فحين داخلني ذَلِك الْفَزع الْعَظِيم رقأ الدَّم، وعلق شعر الْأسد بأفواه أَكثر الْجِرَاحَات، فَصَارَ سدادًا لَهَا، وعونًا على انْقِطَاع الدَّم، لِأَنِّي حصلت كالملتصق عَلَيْهِ. وَورد على الْأسد مني، أطرف مِمَّا ورد عَليّ مِنْهُ وَأعظم، وَأَقْبل يجْرِي تحتي كَمَا تجْرِي الْفرس تَحت الرَّاكِب الْقوي، وَأَنا أحس بروحي تخرج، وأعضائي تتقصف من شدَّة جريه، وَلم أَشك أَنه يقْصد أجمة بِالْقربِ فيلقيني إِلَى لبوته فتفترسني. فَجعلت أضبط نَفسِي مَعَ ذَلِك وأؤمل الْفرج، وأدافع الْمَوْت عَاجلا، وَكلما هم أَن يربض ركضت خصاه برجلي فيطير، وَأَنا أعجب من نَفسِي ومطيتي، وأدعو الله ، وَأَرْجُو الْحَيَاة مرّة، وَمرَّة آيس من نَفسِي. إِلَى أَن ضَرَبَنِي نسيم السحر، فَقَوِيت نَفسِي، وَأَقْبل الْفجْر يضيء، فتذكرت طُلُوع الشَّمْس فَجَزِعت، ودعوت الله تَعَالَى، وتضرعت إِلَيْهِ. فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سَمِعت صَوتا ضَعِيفا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، ثمَّ قوي، فشبهته بِصَوْت ناعورة، والأسد يجْرِي، وَقَوي الصَّوْت، فَلم أَشك فِي أَنه ناعورة. ثمَّ صعد الْأسد إِلَى تل، فَرَأَيْت مِنْهُ بَيَاض مَاء الْفُرَات وَهُوَ جَار، وناعورة تَدور، والأسد يمشي على شاطئ الْفُرَات بِرِفْق، إِلَى أَن وجد مشرعة، فَنزل مِنْهَا إِلَى المَاء، وَأَقْبل يسبح ليبعد.

стр. 1214

فَقلت لنَفْسي: مَا قعودي، لَئِن لم أتخلص هُنَا، لَا تخلصت أبدا. فَمَا زلت أرْفق بِهِ، حَتَّى تخلصت، وَسَقَطت عَنهُ، وسبحت منحدرًا، وَأَقْبل هُوَ يشق المَاء عرضا. فَمَا سبحت إِلَّا قَلِيلا، حَتَّى وَقعت عَيْني على جَزِيرَة، فقصدتها، وحصلت فِيهَا، وَقد بطلت قوتي، وَذهب عَقْلِي، فطرحت نَفسِي عَلَيْهَا كالتالف. فَلم أحس إِلَّا بَحر الشَّمْس قد أنبهني، فَرَجَعت أطلب شَجَرَة رَأَيْتهَا فِي الجزيرة، لأستظل بهَا من الشَّمْس، فَرَأَيْت الْأسد مقعيًا على شاطئ الْفُرَات حِيَال الجزيرة، فَقل فزعي مِنْهُ. وأقمت مستظلًا بِالشَّجَرَةِ، أشْرب من ذَلِك المَاء، إِلَى الْعَصْر، فَإِذا أَنا بزورق منحدر، فَصحت بهم، فوقفوا فِي وسط المَاء. فَقلت: يَا قوم، احْمِلُونِي مَعكُمْ، وارحموني. فَقَالُوا: أَنْت دسيس اللُّصُوص. فأريتهم جراحاتي، وَحلفت لَهُم أَنه مَا فِي الجزيرة بعلمي أحد سواي، وأومأت لَهُم إِلَى الْأسد، وَقلت لَهُم: قصتي طريفة، وَإِن تجاوزتموني كُنْتُم أَنْتُم قد قتلتموني، فَالله، الله، فِي أَمْرِي، فوقفوا، فَأتوا، فحملوني. فَلَمَّا حصلت فِي الزورق، ذهب عَقْلِي، فَمَا أَفَقْت إِلَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي، فَإِذا عَليّ ثِيَاب نظاف، وَقد غسلت جراحاتي، وَجعل فِيهَا الزَّيْت والأدوية، وَأَنا بِصُورَة الْأَحْيَاء. فَسَأَلَنِي أهل الزورق عَن حَالي، فحدثتهم. وبلغنا إِلَى هيت، فأنفذت إِلَى الْعَامِل من عرفه خبري، فَجَاءَنِي من حَملَنِي إِلَيْهِ. وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَنَّك أفلت، فَالْحَمْد لله على السَّلامَة. وَقَالَ لي: كَيفَ هَذَا الَّذِي جرى لَك؟ فَحَدَّثته الحَدِيث من أَوله إِلَى آخِره، فتعجب عجبا شَدِيدا، وَقَالَ: بَين الْموضع الَّذِي قطع علكيم الطَّرِيق، وَبَين الْموضع الَّذِي حملك أهل الزورق مِنْهُ

стр. 1215

مَسَافَة أَرْبَعِينَ فرسخًا على غير محجة. فأقمت عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أَعْطَانِي نَفَقَة، وثيابًا، وزورقًا، فَجئْت إِلَى بَغْدَاد، فَمَكثت أعالج جراحاتي عشرَة أشهر حَتَّى صرت هَكَذَا. ثمَّ خرجت وَقد افْتَقَرت، وأنفقت جَمِيع مَا كَانَ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا قُمْت بَين يَدي الْوَزير، رق لي، وَأطلق لي مَالا، وأخرجني إِلَيْكُم.

стр. 1216

القرد وَامْرَأَة القراد حَدثنِي عَليّ بن نظيف الْمُتَكَلّم، الْمَعْرُوف بشهدانجة، وَسَعِيد بن عبد الله السَّمرقَنْدِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ، عَمَّن حَدثهمَا: إِنَّه بَات فِي سطح خَان، فِي بعض الْأَسْفَار، وَمَعَهُمْ قراد، وَمَعَهُ قرد، وَامْرَأَته، فباتا فِي خَان. قَالَ: فَلَمَّا نَام النَّاس، رَأَيْت القرد قد قلع المسمار الَّذِي فِي السلسلة، وَمَشى نَحْو الْمَرْأَة، فَلم أعلم مَا يُرِيد. فَقُمْت، فرآني القرد، فَرجع إِلَى مَكَانَهُ، فَجَلَست، فَفعل ذَلِك دفعات، وفعلته. فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ الْأَمر، جَاءَ إِلَى خرج القراد، ففتحه، وَأخرج مِنْهُ صرة دَرَاهِم، خمنت أَن فِيهَا أَكثر من مائَة دِرْهَم، فَرمى بهَا إِلَيّ. فعجبت من أمره، وَقلت: أمسك، لأنظر مَا يفعل، فَأَمْسَكت. فجَاء إِلَى الْمَرْأَة، فمكنته من نَفسهَا، فوطأها. فاغتممت بتمكيني إِيَّاه من ذَلِك، وحفظت الصرة. فَلَمَّا كَانَ من غَد، صَاح القراد، يطْلب مَا ذهب مِنْهُ. وَقَالَ لصَاحب الخان: قردي يعرف من أَخذ الصرة، فاضبط بَاب الخان، وأقعد أَنا وَأَنت والقرد، وَيخرج النَّاس، فَمن علق بِهِ القرد فَهُوَ خصمي، فَفعل ذَلِك. وَأَقْبل النَّاس يخرجُون والقرد سَاكِت لَا يتَكَلَّم، وَخرجت فَمَا عرض لي، فوقفت

стр. 1217

خَارج الخان أنظر مَا يجْرِي، فَلَمَّا لم يبْق إِلَّا يَهُودِيّ، فَخرج، فعلق بِهِ القرد. فَقَالَ القراد: هَذَا خصمي، وجذبه ليحمله إِلَى صَاحب الشرطة، فَلم أستحل السُّكُوت. فَقلت: يَا قوم لَيْسَ الْيَهُودِيّ صَاحبكُم، والصرة معي، ولي قصَّة عَجِيبَة فِي أَخذهَا، وأخرجتها، وقصصت عَلَيْهِم الْقِصَّة. فحملنا إِلَى صَاحب الشرطة، وَحَضَرت الرّفْقَة، فعرفوا صَاحب الشرطة محلي، ومنزلتي، ويساري، وَأَقْبل القراد يحيد عَن قرده. فَمَا بَرحت حَتَّى أَمر صَاحب الشرطة بقتل القرد، وَطلبت الْ#مَرْأَة، فهربت، وَسلم الْيَهُودِيّ.

стр. 1218

تمكن مِنْهُ السَّبع ثمَّ تخلص مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى مُحَمَّد بن المتَوَكل القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي غُلَام لي أَثِق بِهِ، قَالَ: أصعدت من وَاسِط، مَاشِيا، أُرِيد بَغْدَاد، فَلَمَّا صرت بَين دير العاقول والسيب، وَأَنا وحدي، فِي يَوْم صَائِف لَهُ ريح شَدِيدَة، رَأَيْت بالبعد مني غيضة عَظِيمَة، قد خرج مِنْهَا سبع. فحين رَآنِي وحدي أقبل يُهَرْوِل نحوي، فَذهب عَليّ أَمْرِي وأيقنت بِالْهَلَاكِ، وخدر بدني كُله، وَربا لساني فِي فمي، وتحيرت. إِلَّا أَنِّي أخذت منديلًا، فَجَعَلته فِي رَأس قَصَبَة كَانَت معي، وظننت أَنِّي أفزعه بذلك. فَأَنا فِي تِلْكَ الْحَالة من الْإِيَاس، وَقد بَقِي بيني وَبَينه مِقْدَار مائَة ذِرَاع، إِذْ قلعت الرّيح أصل حشيش يُقَال لَهُ: بارق عينه، وَصَارَ يلتف بالشوك حَتَّى بَقِي كالكارة الْعَظِيمَة، وَالرِّيح تدحرجه نَحْو السَّبع، وَقد تمكنت مِنْهُ، وَصَارَ لَهَا هفيف شَدِيد. فحين رأى السَّبع ذَلِك وَسمع الصَّوْت رَجَعَ منصرفًا وَقد فزع فَزعًا شَدِيدا.

стр. 1219

وَبَقِي يحول وَجهه فِي كل عشر خطوَات أَو أَكثر، فَإِذا رأى ذَلِك الأَصْل فِي أَثَره يتدحرج زَاد فِي الجري. وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن بعد عني بعدا كثيرا، وَدخل الغيضة. وعادت إِلَيّ نَفسِي ومضيت فِي طريقي، وسلمت.

стр. 1220

قتل فيلًا بِالْقَبْضِ على خرطومه حَدثنِي القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن سيار، قَالَ: حَدثنِي شيخ من أهل التيز ومكران رَأَيْته بعمان، ووجدتهم يذكرُونَ ثقته، ومعرفته بالبحر، وَأَنه دخل الْهِنْد والصين، قَالَ: كنت بِبَعْض بِلَاد الْهِنْد، وَقد خرج على ملكهَا خارجي، فأنفذ إِلَيْهِ الجيوش، فَطلب الْأمان فَأَمنهُ. فَسَار ليدْخل إِلَى بلد الْملك، فَلَمَّا قرب، أخرج الْملك جَيْشًا لتلقيه، وَخرجت الْعَامَّة تنظر دُخُوله، فَخرجت مَعَهم. فَلَمَّا بَعدنَا فِي الصَّحرَاء، وقف النَّاس ينتظرون طُلُوع الرجل، وَهُوَ راجل، فِي عدَّة من رِجَاله، وَعَلِيهِ ثوب حَرِير ومئزر، وَفِي وَسطه مدية معوجة الرَّأْس، وَهِي من سلَاح الْهِنْد، وَتسَمى عِنْدهم: حزى. فتلقوه بالإكرام وَمَشوا مَعَه، حَتَّى انْتهى إِلَى فيلة عَظِيمَة قد أخرجت للزِّينَة وَعَلَيْهَا الفيالون، وفيهَا فيل عَظِيم يختصه الْملك لنَفسِهِ، ويركبه فِي بعض الْأَوْقَات. فَقَالَ لَهُ الفيال، لما قرب مِنْهُ: تَنَح عَن طَرِيق فيل الْملك، فَسكت عَنهُ، فَأَعَادَ الفيال عَلَيْهِ القَوْل، فَسكت. فَقَالَ: يَا هَذَا، احذر على نَفسك، وتنح عَن طَرِيق فيل الْملك.

стр. 1221

فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي: قل لفيل الْملك يتَنَحَّى عَن طريقي. فَغَضب الفيال، وأغرى الْفِيل بِكَلَام كَلمه بِهِ، فَغَضب الْفِيل، وَعمد إِلَى الْخَارِجِي فلف خرطومه عَلَيْهِ، فَقبض الْخَارِجِي بِيَدِهِ على الخرطوم. وشاله الْفِيل إشالة عَظِيمَة وَالنَّاس يرَوْنَ، وَأَنا فيهم، وخبط بِهِ الأَرْض، فَإِذا بِهِ قد انتصب قَائِما على قَدَمَيْهِ فَوق الأَرْض وَلم ينح يَده عَن الخرطوم. فَزَاد غضب الْفِيل، فأشاله أعظم من تِلْكَ وَعدا ثمَّ رمى بِهِ الأَرْض، فَإِذا هُوَ قد حصل عَلَيْهَا مستويًا على قَدَمَيْهِ منتصبًا قَابِضا على الخرطوم. وَسقط الْفِيل كالجبل الْعَظِيم مَيتا، لِأَن قَبضه على الخرطوم تِلْكَ الْمدَّة مَنعه من التنفس فَقتله. قَالَ: فَوكل بِهِ، وَحمل إِلَى الْملك، وَحدث بالصورة، فَأمر بقتْله. فَاجْتمع القحاب، وَهن النِّسَاء الفواجر، يفعلن ذَلِك بِالْهِنْدِ ظَاهرا عِنْد البد، تقربًا إِلَى الله بذلك عِنْدهم. قَالَ: وَهن الْعُدُول هُنَاكَ، يشهدن فِي الْحُقُوق، ويقمن الشَّهَادَة، فَيقطع بهَا حاكمهم فِي سَائِر الْأُمُور، وَعِنْدهم إنَّهُنَّ لما كن يبذلن أَنْفسهنَّ عِنْد البد بِغَيْر أجر، صرن فِي حكم الزهاد والعباد. فَقَالَ القحاب للْملك: يجب أَن تستبقي مثل هَذَا الرجل فَلَا يقتل، فَإِن فِيهِ جمالًا للْملك، وَيُقَال: إِن للْملك خَادِمًا قتل الْفِيل الْعَظِيم بقوته وحيلته، من غير سلَاح. فَعَفَا عَنهُ الْملك، وخلع عَلَيْهِ، واستخدمه.

стр. 1222

قتلوا شبلا فَاجْتمع عَلَيْهِم بضعَة عشر سبعا وَحدث سعيد بن يُوسُف بن عبد الله السَّمرقَنْدِي الْحَنَفِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر الْوَكِيل على أَبْوَاب الْقُضَاة بالأهواز، قَالَا: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سهل الشَّاهِد الوَاسِطِيّ القَاضِي، قَالَ: أَخْبرنِي وكيلان كَانَا فِي ضيعتي بنواحي الجامدة، ونهر جَعْفَر، قَالَا: خرجنَا مَعَ صناع عندنَا، إِلَى أجمة نقطع قصبًا، فَرَأَيْنَا شبلًا كالسنور، فَقتله أحد قطاع الْقصب. فَقَالَ الْبَاقُونَ: قتلنَا، السَّاعَة يَجِيء السَّبع واللبوة، فَإِذا لم يرياه طلبانا، وَنحن نبيت فِي الصَّحرَاء بَين الْقصب، فيفرسانا. قَالَ: فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سمعنَا صَوت السَّبع، فطرنا على وُجُوهنَا، واجتمعنا فِي دَار خراب خَارج الأجمة، وعلونا سطحها، وَكَانَ فِيهَا غرفَة عَلَيْهَا بَاب كُنَّا نأوي إِلَيْهَا لَيْلًا. فَلَمَّا رأى السَّبع وَلَده قَتِيلا قصدنا فَصَارَ فِي صحن الدَّار الخراب، وَكَانَ بَين يَدي الغرفة صحنين، فَأخذ السَّبع يطفر ليصير مَعنا، فَمَا قدر على ذَلِك. فولى، وَعلا أكمة فِي الصَّحرَاء، وَصَاح، فَجَاءَتْهُ اللبوة، فطفرت تُرِيدنَا، فَمَا قدرت.

стр. 1223

فاجتمعا، فصاحا، فجاءهما عدَّة من السبَاع، وطفروا، فَمَا قدرُوا علينا، فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى اجْتمع بضعَة عشر سبعا، وَكلما جَاءَ وَاحِد حاول أَن يطفر إِلَيْنَا فَلَا يبلغنَا، وَنحن كالموتى خوفًا أَن يصل إِلَيْنَا وَاحِد مِنْهُم. فينما نَحن كَذَلِك إِذْ اجْتمعت السبَاع كلهَا كالحلقة، وَجعلت أفواهها فِي الأَرْض، وصاحت صَيْحَة وَاحِدَة، فَرَأَيْنَا حُفْرَة قد احتفرت فِي التُّرَاب من أنفاسها. فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى جَاءَ سبع أسود هزيل، منجرد الشّعْر، لطيف. فَلَقِيته السبَاع كلهَا، وبصبصت بَين يَدَيْهِ، وَحَوله، وَجَاء يقدمهَا وَهِي خَلفه حَتَّى رآنا فِي الغرفة، وَرَأى الْموضع، ثمَّ جمع نَفسه، فَإِذا هُوَ فِي الصحن، بَين يَدي الغرفة. وَكُنَّا قد أغلقنا الْبَاب، فَاجْتَمَعْنَا كلنا خَلفه لندافعه عَن الدُّخُول. فَلم يزل يدْفع الْبَاب بمؤخره حَتَّى كسر بعض ألواحه وَأدْخل عَجزه إِلَيْنَا. فَعمد أَحَدنَا إِلَى ذَنبه فَقَطعه بمنجل كَانَ مَعنا. فصاح صَيْحَة مُنكرَة وهرب، وَرمى بِنَفسِهِ إِلَى الأَرْض، فَلم يزل يخمش السبَاع وينهشها ويقطعها بمخالبه، حَتَّى قتل مِنْهَا غير وَاحِد. وتهاربت السبَاع الْبَاقِيَة من بَين يَدَيْهِ، وهام فِي الصَّحرَاء يتبع أَثَرهَا، ونزلنا نَحن لما لم يبْق مِنْهَا شَيْء، فلحقنا بالقرية، وخبرناهم خبرنَا. فَقَالَ لنا شيخ مِنْهُم: هَذَا السَّبع مثل الجرذ الْعَتِيق، إِذا قطع ذَنبه أكل الفار.

стр. 1224

افترس السَّبع صَاحب الدَّين وَسلم الْغَرِيم وَحدث قَاضِي الْقُضَاة أَبُو السَّائِب عتبَة بن عبيد الله الهمذاني، قَالَ: كَانَ رجل من أهل أذربيجان لَهُ على رجل دين، فهرب مِنْهُ وطالت غيبته. فلقي صَاحب الدَّين الْمَدِين، بعد مُدَّة فِي الصَّحرَاء مُنْفَردا، فَقبض عَلَيْهِ وطالبه. فَحلف لَهُ بِاللَّه تَعَالَى أَنه مُعسر، وَسَأَلَهُ الِانْتِظَار، وَقَالَ لَهُ: لَو أَنِّي أيسر النَّاس مَا تمكنت هُنَا من من دفع شَيْء إِلَيْك. فَأبى عَلَيْهِ، وَأخرج قيدا كَانَ مَعَه ليقيده حَتَّى لَا يهرب. فتضرع إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ أَن لَا يفعل، وَبكى، فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك. فقيده بالقيد، وَمَشى إِلَى قَرْيَة بِقرب الْموضع الَّذِي التقيا فِيهِ، فجاءاها مسَاء وَقد أغلق أَهلهَا بَاب سورها، واجتهدا فِي فَتحه لَهما، فَأبى أهل الْقرْيَة ذَلِك عَلَيْهِمَا. فباتا فِي مَسْجِد خراب على بَاب الْقرْيَة، وَأدْخل صَاحب الدَّين رجله فِي حَلقَة من حلقتي الْقَيْد، لينتبه إِذا أَرَادَ الْهَرَب. فجَاء السَّبع، وهما نائمان، فَقبض على صَاحب الدَّين فافترسه، وجره فانجر

стр. 1225

الْغَرِيم مَعَه، لمَكَان الْحلقَة فِي إِحْدَى رجلَيْهِ. فَلم يزل ذَلِك حَاله إِلَى أَن فرغ السَّبع من أكل صَاحب الدَّين، وشبع، وَانْصَرف، وَترك الْمَدِين وَقد تجرح بدنه، وَبقيت ركبة الْغَرِيم فِي الْقَيْد. فحملها الرجل مَعَ قَيده إِلَى أهل الْقرْيَة، وَأخْبرهمْ الْخَبَر، فحلوا قَيده وَسَار لحَال سَبيله.

стр. 1226

الأفعى الَّتِي أخربت الضَّيْعَة وحَدثني أَبُو جَعْفَر مَسْعُود بن عبد الله الضَّبِّيّ، شيخ من التناء الْبَصرِيين، كَانَ قد انْتقل عَنْهَا إِلَى قَرْيَة لَهُ، وضيعة، بِقرب نهر الدَّيْر، فاستوطنها، قَالَ: كَانَ فِي هَذَا الْبُسْتَان، وَأَشَارَ إِلَى بُسْتَان بِجَانِب دَاره كَثِيرَة الْأَشْجَار، أَفْعَى تسمى الجراب، لِأَنَّهَا كَانَت بِقدر الجراب الْكَبِير، طولا، وسعة، وانتفاخًا. فكثرت جناياتها، حَتَّى أخربت عَليّ الضَّيْعَة، فانتقلت عَنْهَا إِلَى الْجَانِب الآخر من النَّهر، وَبَطلَت ضيعتي، وَصَارَ هَذَا الْبُسْتَان كالأجمة، لَا يقدر أحد على دُخُوله. وَطلبت حَوَّاء من الْبَصْرَة ليصيده، وبذلت على ذَلِك مَالا جزيلًا. فجَاء الحواء فتبخر بدخنة مَعَه، فظهرت الأفعى، فحين رَآهَا هاله أمرهَا، وقصدته الأفعى فنهشته، فَتلف فِي الْحَال. فَصَارَ لي حَدِيث بذلك، وشاع الْخَبَر، فَامْتنعَ الحواءون من الْمَجِيء، وتغربت أَنا عَن الضَّيْعَة والقرية، وَبَطلَت معيشتي مِنْهُمَا. فَكنت يَوْمًا جَالِسا فِي الْجَانِب الآخر من النَّهر، إِذْ جَاءَنِي رجل فَسلم عَليّ. وَقَالَ: بَلغنِي خبر أَفْعَى عنْدك، قد قتل فلَانا الحواء، وأخرب عَلَيْك ضيعتك، فجئتك لتدلني عَلَيْهِ حَتَّى آخذه.

стр. 1227

فَقلت: مَا أحب تعريضك لهَذَا، وَقد صَار لي بِتَلف ذَلِك الحواء حَدِيث. فَقَالَ: إِن ذَلِك الحواء كَانَ أخي، وَأَنا أُرِيد أَن آخذ بثأره، وأريح النَّاس من هَذَا الملعون، أَو اللحاق بأخي. قلت: فَتشهد على نَفسك أهل الْأَنْهَار الْمُجَاورَة، أَن هَذَا باختيارك، لَا بِمَسْأَلَة مني، فَفعل، وأريته الْبُسْتَان. فَقَالَ: أُرِيد شَيْئا آكله، فجئناه بِطَعَام فَأكل، ثمَّ أخرج دهنًا كَانَ مَعَه، فطلى بِهِ جَمِيع بدنه. وَقَالَ لغلام كَانَ مَعَه: انْظُر هَل بَقِي مَوضِع من غير مَا أطليه؟ فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: لَا. فَجَلَست أَنا فَوق السَّطْح الَّذِي فِي دَاري، أنظر مَا يفعل، فَأخْرج دخنة فبخر بهَا، فَمَا كَانَ بأسرع من أَن ظهر الأفعى كَأَنَّهُ دن أسود. فحين قرب من الحواء هرب، فَتَبِعَهُ الحواء، فَلحقه وَقبض عَلَيْهِ. فَالْتَفت الأفعى فعض يَده، فَتَركه الحواء فَأَفلَت، وَذهب عَلَيْهِ أمره، فجئناه وحملناه، فَمَاتَ فِي اللَّيْل. وانقلبت النَّاحِيَة بِحَدِيث الأفعى. وَمضى على هَذَا مُدَّة، فجَاء رجل يشبه الرجلَيْن، وسألني عَمَّا سَأَلَني عَنهُ الأخوان، فَأَخْبَرته بالْخبر. فَقَالَ: الرّجلَانِ أخواي، وَلَا بُد لي من الْأَخْذ بثأرهما، أَو اللحاق بهما. قَالَ: فأشهدت عَلَيْهِ، وأريته الْموضع، وصعدت بِهِ السَّطْح، فَأكل وَشرب أقداحًا كَثِيرَة، وَأخرج دهنًا كَانَ مَعَه، وطلى بِهِ دفعات كَثِيرَة كل بدنه، وكل مرّة يسْأَل غُلَامه. فَيَقُول: هَل بَقِي مَوضِع لَا دهن فِيهِ؟ فَيَقُول لَهُ الْغُلَام: لَا.

стр. 1228

فَيَقُول للغلام: أعد الطلاء عَليّ، فيعيده الْغُلَام. حَتَّى لم يبْق فِي جسده مَوضِع إِلَّا وَقد طلاه، وَأعَاد الطلاء ثَلَاث مَرَّات، وَصَارَ الدّهن ينقط من بدنه. وبخر بدخنة، فَخرج الأفعى، فَطَلَبه الحواء وَأخذ يحاربه، وتمكنت يَد الحواء من قَفاهُ، فانثنى عَلَيْهِ فعض إبهامه. وبادر الحواء فخرم فَاه، وَجعله فِي سلة، وَأخرج سكينًا مَعَه فَقطع إِبْهَام نَفسه، وأغلى زيتًا وكواها بِهِ، وخر كالتالف. فحملناه إِلَى الْقرْيَة، فَإِذا بصبي من غلماني قد جَاءَ وَمَعَهُ ليمونة، وَكَانَ الليمون إِذْ ذَاك قَلِيلا بِالْبَصْرَةِ جدا، وَعِنْدِي مِنْهُ شَجَرَة وَاحِدَة. فحين رأى الحواء الليمون، قَالَ: هَذَا يَا سَيِّدي عنْدكُمْ مَوْجُود؟ قلت: نعم. قَالَ: أَغِثْنِي بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ مِنْهُ، فَإنَّا نعرفه فِي بلدنا يقوم مقَام الدرياق. فَقلت: أَيْن بلدك؟ قَالَ: عمان. فَأَتَيْته بِكُل مَا كَانَ عِنْدِي مِنْهُ، فَأقبل يعضه ويسرع فِي أكله، وَعمد إِلَى بعضه فاستخرج مَاءَهُ، وَأَقْبل يتحسى مِنْهُ، ويطلي بِهِ الْموضع، وَأصْبح من غَد وَهُوَ صَالح. فَسَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: مَا خلصني بعد الله ، إِلَّا مَاء الليمون، وأظن أَن أخوي لَو اتّفق لَهما تنَاوله مَا تلفا. قلت: فَذَلِك الدّهن الَّذِي انطليت مِنْهُ، مَا هُوَ؟ قَالَ: الطلق، الَّذِي إِذا طرح مَعَه النَّار على الْجِسْم حِين لَا يكون فِيهِ خلل، مَا ضرت النَّار الْجِسْم، وَأما تلف إخْوَانِي، فَلِأَن بعض أبدانهم خلا من الطلاء، أَو جف عَنهُ.

стр. 1229

فَقلت: وَكَيف تمكن الأفعى مِنْك؟ قَالَ: لطول الْوَقْت، وَإِلَى أَن قيدته، جف بعض الدّهن، فَتمكن مني، وَلَوْلَا الليمون لتلفت. فَقَالَ: فتعلمت مِنْهُ اسْتِخْرَاج مَاء الليمون، وَكنت أول من استخرجه بِالْبَصْرَةِ، وَنبهَ النَّاس على مَنَافِعه، وجربته فِي الطبيخ فَوَجَدته طيبا، وتداوله النَّاس. قَالَ: ثمَّ أخرج الأفعى، وَقطع رَأسه، وذنبه، وأغلاه فِي طنجير، واستخرج دهنه فِي قَوَارِير، وَانْصَرف.

стр. 1230

مفلوج لسعته عقرب جرارة فَعُوفِيَ حَدثنِي عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مهْدي، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد بن أبي سَلمَة، الشَّاهِد، الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم العسكري، فِي سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مائَة بعسكر مكرم: إِنَّه شَاهد رجلا مفلوجًا، حمل من أَصْبَهَان، إِلَى عَسْكَر مكرم ليعالج، فَطرح على بَاب خَان فِي جواره، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا، وَقد هجر، وَفرغ، لِكَثْرَة العقارب الجرارات فِيهِ. وَطلب لَهُ مَوضِع آخر يسكنهُ، فَلم يُوجد إِلَّا فِي هَذَا الخان، فأنزله غلمانه
следующие страницы →