← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الأفعى الَّتِي أخربت الضَّيْعَة وحَدثني أَبُو جَعْفَر مَسْعُود بن عبد الله الضَّبِّيّ، شيخ من التناء الْبَصرِيين، كَانَ قد انْتقل عَنْهَا إِلَى قَرْيَة لَهُ، وضيعة، بِقرب نهر الدَّيْر، فاستوطنها، قَالَ: كَانَ فِي هَذَا الْبُسْتَان، وَأَشَارَ إِلَى بُسْتَان بِجَانِب دَاره كَثِيرَة الْأَشْجَار، أَفْعَى تسمى الجراب، لِأَنَّهَا كَانَت بِقدر الجراب الْكَبِير، طولا، وسعة، وانتفاخًا. فكثرت جناياتها، حَتَّى أخربت عَليّ الضَّيْعَة، فانتقلت عَنْهَا إِلَى الْجَانِب الآخر من النَّهر، وَبَطلَت ضيعتي، وَصَارَ هَذَا الْبُسْتَان كالأجمة، لَا يقدر أحد على دُخُوله. وَطلبت حَوَّاء من الْبَصْرَة ليصيده، وبذلت على ذَلِك مَالا جزيلًا. فجَاء الحواء فتبخر بدخنة مَعَه، فظهرت الأفعى، فحين رَآهَا هاله أمرهَا، وقصدته الأفعى فنهشته، فَتلف فِي الْحَال. فَصَارَ لي حَدِيث بذلك، وشاع الْخَبَر، فَامْتنعَ الحواءون من الْمَجِيء، وتغربت أَنا عَن الضَّيْعَة والقرية، وَبَطلَت معيشتي مِنْهُمَا. فَكنت يَوْمًا جَالِسا فِي الْجَانِب الآخر من النَّهر، إِذْ جَاءَنِي رجل فَسلم عَليّ. وَقَالَ: بَلغنِي خبر أَفْعَى عنْدك، قد قتل فلَانا الحواء، وأخرب عَلَيْك ضيعتك، فجئتك لتدلني عَلَيْهِ حَتَّى آخذه.

стр. 1227

فَقلت: مَا أحب تعريضك لهَذَا، وَقد صَار لي بِتَلف ذَلِك الحواء حَدِيث. فَقَالَ: إِن ذَلِك الحواء كَانَ أخي، وَأَنا أُرِيد أَن آخذ بثأره، وأريح النَّاس من هَذَا الملعون، أَو اللحاق بأخي. قلت: فَتشهد على نَفسك أهل الْأَنْهَار الْمُجَاورَة، أَن هَذَا باختيارك، لَا بِمَسْأَلَة مني، فَفعل، وأريته الْبُسْتَان. فَقَالَ: أُرِيد شَيْئا آكله، فجئناه بِطَعَام فَأكل، ثمَّ أخرج دهنًا كَانَ مَعَه، فطلى بِهِ جَمِيع بدنه. وَقَالَ لغلام كَانَ مَعَه: انْظُر هَل بَقِي مَوضِع من غير مَا أطليه؟ فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: لَا. فَجَلَست أَنا فَوق السَّطْح الَّذِي فِي دَاري، أنظر مَا يفعل، فَأخْرج دخنة فبخر بهَا، فَمَا كَانَ بأسرع من أَن ظهر الأفعى كَأَنَّهُ دن أسود. فحين قرب من الحواء هرب، فَتَبِعَهُ الحواء، فَلحقه وَقبض عَلَيْهِ. فَالْتَفت الأفعى فعض يَده، فَتَركه الحواء فَأَفلَت، وَذهب عَلَيْهِ أمره، فجئناه وحملناه، فَمَاتَ فِي اللَّيْل. وانقلبت النَّاحِيَة بِحَدِيث الأفعى. وَمضى على هَذَا مُدَّة، فجَاء رجل يشبه الرجلَيْن، وسألني عَمَّا سَأَلَني عَنهُ الأخوان، فَأَخْبَرته بالْخبر. فَقَالَ: الرّجلَانِ أخواي، وَلَا بُد لي من الْأَخْذ بثأرهما، أَو اللحاق بهما. قَالَ: فأشهدت عَلَيْهِ، وأريته الْموضع، وصعدت بِهِ السَّطْح، فَأكل وَشرب أقداحًا كَثِيرَة، وَأخرج دهنًا كَانَ مَعَه، وطلى بِهِ دفعات كَثِيرَة كل بدنه، وكل مرّة يسْأَل غُلَامه. فَيَقُول: هَل بَقِي مَوضِع لَا دهن فِيهِ؟ فَيَقُول لَهُ الْغُلَام: لَا.

стр. 1228

فَيَقُول للغلام: أعد الطلاء عَليّ، فيعيده الْغُلَام. حَتَّى لم يبْق فِي جسده مَوضِع إِلَّا وَقد طلاه، وَأعَاد الطلاء ثَلَاث مَرَّات، وَصَارَ الدّهن ينقط من بدنه. وبخر بدخنة، فَخرج الأفعى، فَطَلَبه الحواء وَأخذ يحاربه، وتمكنت يَد الحواء من قَفاهُ، فانثنى عَلَيْهِ فعض إبهامه. وبادر الحواء فخرم فَاه، وَجعله فِي سلة، وَأخرج سكينًا مَعَه فَقطع إِبْهَام نَفسه، وأغلى زيتًا وكواها بِهِ، وخر كالتالف. فحملناه إِلَى الْقرْيَة، فَإِذا بصبي من غلماني قد جَاءَ وَمَعَهُ ليمونة، وَكَانَ الليمون إِذْ ذَاك قَلِيلا بِالْبَصْرَةِ جدا، وَعِنْدِي مِنْهُ شَجَرَة وَاحِدَة. فحين رأى الحواء الليمون، قَالَ: هَذَا يَا سَيِّدي عنْدكُمْ مَوْجُود؟ قلت: نعم. قَالَ: أَغِثْنِي بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ مِنْهُ، فَإنَّا نعرفه فِي بلدنا يقوم مقَام الدرياق. فَقلت: أَيْن بلدك؟ قَالَ: عمان. فَأَتَيْته بِكُل مَا كَانَ عِنْدِي مِنْهُ، فَأقبل يعضه ويسرع فِي أكله، وَعمد إِلَى بعضه فاستخرج مَاءَهُ، وَأَقْبل يتحسى مِنْهُ، ويطلي بِهِ الْموضع، وَأصْبح من غَد وَهُوَ صَالح. فَسَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: مَا خلصني بعد الله ، إِلَّا مَاء الليمون، وأظن أَن أخوي لَو اتّفق لَهما تنَاوله مَا تلفا. قلت: فَذَلِك الدّهن الَّذِي انطليت مِنْهُ، مَا هُوَ؟ قَالَ: الطلق، الَّذِي إِذا طرح مَعَه النَّار على الْجِسْم حِين لَا يكون فِيهِ خلل، مَا ضرت النَّار الْجِسْم، وَأما تلف إخْوَانِي، فَلِأَن بعض أبدانهم خلا من الطلاء، أَو جف عَنهُ.

стр. 1229

فَقلت: وَكَيف تمكن الأفعى مِنْك؟ قَالَ: لطول الْوَقْت، وَإِلَى أَن قيدته، جف بعض الدّهن، فَتمكن مني، وَلَوْلَا الليمون لتلفت. فَقَالَ: فتعلمت مِنْهُ اسْتِخْرَاج مَاء الليمون، وَكنت أول من استخرجه بِالْبَصْرَةِ، وَنبهَ النَّاس على مَنَافِعه، وجربته فِي الطبيخ فَوَجَدته طيبا، وتداوله النَّاس. قَالَ: ثمَّ أخرج الأفعى، وَقطع رَأسه، وذنبه، وأغلاه فِي طنجير، واستخرج دهنه فِي قَوَارِير، وَانْصَرف.

стр. 1230

مفلوج لسعته عقرب جرارة فَعُوفِيَ حَدثنِي عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مهْدي، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد بن أبي سَلمَة، الشَّاهِد، الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم العسكري، فِي سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مائَة بعسكر مكرم: إِنَّه شَاهد رجلا مفلوجًا، حمل من أَصْبَهَان، إِلَى عَسْكَر مكرم ليعالج، فَطرح على بَاب خَان فِي جواره، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا، وَقد هجر، وَفرغ، لِكَثْرَة العقارب الجرارات فِيهِ. وَطلب لَهُ مَوضِع آخر يسكنهُ، فَلم يُوجد إِلَّا فِي هَذَا الخان، فأنزله غلمانه

стр. 1231

فِيهِ، وهم لَا يعلمُونَ حَاله، وَأَنه أخلي لِكَثْرَة الجرارات فِيهِ. وَصعد أَصْحَاب الرجل إِلَى السَّطْح لَيْلًا، وتركوه، لما وصف لَهُم أَن المفلوج لَا يجوز أَن يبيت فِي السَّطْح. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وجدوه جَالِسا، وَكَانَ طريحًا ملقًى لَا يُمكنهُ أَن يَنْقَلِب من جنب إِلَى جنب، ووجدوا لِسَانه فصيحًا وَكَانَ متكسرًا بِالْعِلَّةِ، حَتَّى إِن الرجل مَشى فِي يَوْمه ذَلِك. فأحضر بعض أهل الطِّبّ وَسَأَلَهُ عَن خَبره، ففتشه، فَوجدَ أثر لسع الجرارة فِي إِبْهَام رجله الْيُسْرَى. فَقَالَ لَهُ: انْتقل السَّاعَة من هَذَا الخان، فَإِنَّهُ مَشْهُور بِكَثْرَة الجرارات، وَقد لسعتك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فأبرأتك، وعشت بِشَيْء مَا عَاشَ أحد بِهِ قطّ، وَقَامَت حَرَارَتهَا بِبرد الفالج فأزالته، وَلم تتجاوزه فتقتلك، وسيعقب ذَلِك حِدة شَدِيدَة وحرارة، فاصبر لَهَا حَتَّى أعالجك باليسير من الرُّطُوبَة فَلَا ترجع إِلَيْك برودة الفالج، وانتقل لِئَلَّا تلسعك أُخْرَى فتتلف. وانتقل الرجل، وتعاهده الطَّبِيب، فَحم المفلوج من غَد، وتلطف فِي علاجه حَتَّى برأَ.

стр. 1232

قضى لَيْلَة فِي الْجب بجوار أَفْعَى وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: كنت أتصرف مَعَ الْمُخْتَار بن الْغَيْث بن حمدَان أحد قواد بني عقيل، فَسَار وَأَنا فِي جملَته، مَعَ تكين الشيرزادي، لما تغلب على الْموصل، يطْلب نَاصِر الدولة، وَسَار الْعَسْكَر سيرًا عجلًا، فتقطع النَّاس. وَكَانَت تحتي حجرَة، فصرت فِي أخريات النَّاس، ثمَّ انْقَطَعت عَن الْعَسْكَر حَتَّى صرت وحدي. ثمَّ أوردت الدَّابَّة مَاء كَانَ فِي الطَّرِيق، فَحم، وَلم يُمكنهُ أَن يسير خطْوَة وَاحِدَة. فَخفت أَن يدركني من يسلبني نعمتي ويأسرني، فَنزلت عَن الدَّابَّة أَمْشِي، وَفِي عنقِي سيف بحمائل، والمقرعة فِي يَدي. فسرت عدَّة فراسخ، حَتَّى صعدت جبل سنجار، وَكنت أحتاج أَن أَمْشِي فِيهِ نَحْو الفرسخ، ثمَّ أنزل إِلَى سنجار،

стр. 1233

فجنني اللَّيْل، واستنفذ الْمَشْي جلدي، وَاسْتَوْحَشْت، وَخفت الوحوش فِي الْجَبَل، فطلبت موضعا أسكن فِيهِ لَيْلَتي، فَلم أجد. وَرَأَيْت جِبَابًا كَثِيرَة منقورة فِي أَرض الْجَبَل، فطلبت أقربها قعرًا، ورميت فِيهِ حجرا، فَظَنَنْت أَن قَعْره قامة أَو نَحْوهَا، فرميت بنفسي فِيهِ. وَكَانَ الْبرد شَدِيدا، فَنمت لَيْلَتي وَأَنا لَا أَعقل من التَّعَب والجوع. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتَبَهت، وَعِنْدِي أَن الْجب محفور كالآبار، وَأَنِّي أَضَع رجْلي فِي جوانبه، فأتسلق وأطلع، فتأملته، فَإِذا هُوَ محفور كالتنور، رَأسه ضيق، وأسفله وَاسع شَدِيد السعَة، وجوانبه منقوشة، فَقُمْت فِي الْجب فَإِذا هُوَ أَعلَى من قامتي. فتحيرت فِي أَمْرِي، فَلم أدر كَيفَ أعمل، وَكَيف السَّبِيل إِلَى الصعُود. وطلعت الشَّمْس، وأضاء الْجب، فَإِذا فِيهِ أَفْعَى مدور كالطبق وَقد سدر من الْبرد، فَلَيْسَ ينتشر، وَلم يَتَحَرَّك من مَكَانَهُ، فتجنبت مَكَانَهُ. وهممت أَن أجرد السَّيْف وأقطع الأفعى، ثمَّ قلت: أتعجل شرا لَا أَدْرِي عاقبته، وَلَا مَنْفَعَة لي فِي قَتله، لِأَنِّي سأتلف فِي هَذِه الْبِئْر، وَهِي قَبْرِي، فَمَا معنى قتل الأفعى؟ أَدَعهُ، فَلَعَلَّهُ أَن يَبْتَدِئ بالنهش، فأتعجل التّلف، وَلَا أرى نَفسِي تخرج بِالْجُوعِ والعطش. فأقمت يومي كُله على ذَلِك، والأفعى لم تتحرك وَأَنا أبْكِي وأنوح على نَفسِي، وَقد يئست من الْحَيَاة. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَصبَحت، وَقد ضعفت، فَحَمَلَنِي حب الْحَيَاة على الْفِكر فِي الْخَلَاص، فَقُمْت، وجمعت من حِجَارَة رقيقَة كَانَت فِي الْجب شَيْئا كثيرا،

стр. 1234

وعبيتها فِي وسط الْجب، وعلوتها لتنال يَدي طرف الْجب وأحمل نَفسِي إِلَى رَأسه. فحين جعلت رجْلي على الْحِجَارَة، تدكدكت وانهارت، لرقتها وملاستها. فَلم أزل أُعِيد تعبيتها وركوبها، وتنزلق من تَحت رجْلي، وَأَنا متشاغل بذلك يومي كُله، وَجَاء اللَّيْل فَلم يمكنني أَن أقوم من الْجُوع والضعف، وانكسرت نَفسِي، ثمَّ حَملَنِي النّوم. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد فَكرت فِي حِيلَة أُخْرَى، وَوَقع لي أَن شددت المقرعة بعلائقها فِي حمائل السَّيْف، ودليت المقرعة إِلَى دَاخل الْجب، ورميت السَّيْف إِلَى رَأس الْجب، وَأَمْسَكت المقرعة بِإِحْدَى يَدي، فَحصل جفن السَّيْف فَوق الْجب مُعْتَرضًا لرأسه، وحمائله فِي المقرعة، وَهِي مدلاة إِلَيّ. ثمَّ أَمْسَكت السَّيْف، وسللته، وَلم أزل أقلع من أَرض الْجب مَا يُمكن قلعه ونحته من تُرَاب قَلِيل، ثمَّ عبيت ذَلِك بالرضراض وَالْحِجَارَة الرقَاق وَجعلت بَين كل سافين مِنْهَا تُرَابا، ثمَّ رددت السَّيْف إِلَى جفْنه، وعلوت الرضراض، وتعلقت على السَّيْف الْمُعْتَرض، وطفرت، فَصَارَ السَّيْف مُعْتَرضًا تَحت صَدْرِي، وَظَهَرت يداي من الْجب، فحصلت جوانبه تَحت إبطي، وأشلت نَفسِي، فَإِذا أَنا قد خرجت من الْجب، بعد أَن اعوج السَّيْف، وَكَاد يندق وَيدخل فِي بَطْني لثقلي عَلَيْهِ. فَوَقَعت خَارج الْجب، مغشيًا عَليّ من هول مَا نالني، وَوجدت أسناني قد

стр. 1235

اصطكت، وقوتي قد بطلت عَن الْمَشْي، فَمَا زلت أحبو وأطلب المحجة حَتَّى وقفت عَلَيْهَا. ورآني قوم مجتازون، فَأخذُوا بيَدي، وَقَوي قلبِي فمشيت حَتَّى دخلت سنجار آخر النَّهَار، وَقد بلغت روحي إِلَى حد التّلف. فَدخلت مَسْجِدا، فطرحت نَفسِي فِيهِ وَأَنا لَا أَشك فِي الْمَوْت، وَحَضَرت صَلَاة الْمغرب، وَاجْتمعَ أهل الْمَسْجِد فِيهِ، وسألوني عَن خبري، فَلم يكن فِي فضل للْكَلَام. فحملوني إِلَى بَيت أحدهم، وَلم يزَالُوا يصبون فِي حلقي المَاء، ثمَّ المرق والثريد، إِلَى أَن فتحت عَيْني بعد الْعَتَمَة، فتكلمت، وَبت لَيْلَتي وَأَنا بِحَال عَظِيمَة من الْأَلَم. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد دخلت الْحمام، وأقمت عِنْدهم أَيَّامًا حَتَّى قويت. ثمَّ أخرجت نَفَقَة كَانَت معي، فاستأجرت مِنْهَا مركوبًا، وَلَحِقت بصاحبي، وَسلم الله .

стр. 1236

سقط طِفْل من القنطرة فالتقطه الْعقَاب ثمَّ نجا سالما وَحكى أَبُو مُحَمَّد يحيى بن فَهد الْأَزْدِيّ ﵀، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي ديسم بن إِبْرَاهِيم بن شاذلويه، المتغلب، كَانَ، بِأَذربِيجَان، لما ورد حَضْرَة سيف الدولة يستنجده على الْمَرْزُبَان بن مُحَمَّد بن مُسَافر السلار لما هَزَمه عَنْهَا، قَالَ: رَأَيْت بِنَاحِيَة أذربيجان نَهرا يُقَال لَهُ: الرس، شَدِيد جرية المَاء جدا، وَفِي أرضه حِجَارَة كَثِيرَة، بَعْضهَا ظَاهر على المَاء، وَبَعضهَا يغطيه المَاء، وَلَيْسَ للسفن فِيهِ مَسْلَك، وَله أجراف هائلة لَا مشاريع فِيهَا، وَعَلِيهِ قنطرة يجتاز عَلَيْهَا السابلة.

стр. 1237

قَالَ: وَكنت مجتازًا عَلَيْهَا بعسكري، فَلَمَّا صرت فِي وسط القنطرة، رَأَيْت امْرَأَة تمشي وَقد حملت ولدا طفْلا فِي القماط، فزحمها بغل فطرحت نَفسهَا على القنطرة، وَسقط الطِّفْل من يَدهَا إِلَى النَّهر، فوصل إِلَى المَاء بعد سَاعَة، لبعد مَا بَين القنطرة وصفحة المَاء، ثمَّ غاص، وَارْتَفَعت الضجة فِي الْعَسْكَر، ثمَّ رَأينَا الصَّبِي قد طفا على وَجه المَاء، وَسلم من تِلْكَ الْحِجَارَة. وَكَانَ الْموضع كثير العقبان، وَلها أوكار فِي أجراف ذَلِك النَّهر، وَمِنْه يصاد فراخها. فحين ظهر الطِّفْل فِي قماطه، صَادف ذَلِك عقَابا طائرًا، فَرَآهُ، فَظَنهُ طعمة، فانقض عَلَيْهِ، وَشَبك مخالبه فِي القماط، وطار بِهِ، وَخرج إِلَى الصَّحرَاء. فطمعت فِي تَخْلِيص الطِّفْل، فَأمرت جمَاعَة أَن يركضوا وَرَاء الْعقَاب، فركضوا، وتتبعت نَفسِي مُشَاهدَة الْحَال، فركضت. وَإِذا الْعقَاب قد نزل إِلَى الأَرْض، وابتدأ يمزق قماط الصَّبِي ليفترسه، فحين رَأَوْهُ، صاحوا بأجمعهم، وقصدوه، فأدهشوه عَن استلاب الصَّبِي، فطار وَتَركه على الأَرْض. فلحقنا الصَّبِي، وَإِذا هُوَ سَالم، مَا وصل إِلَيْهِ جرح، وَهُوَ يبكي. فكببناه، حَتَّى خرج المَاء من جَوْفه، وحملناه إِلَى أمه حَيا، سالما.

стр. 1238

قصَّة ابْن التمساح وَحكى أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالحاتمي، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر رجلا يعرف بِابْن التمساح، فَسَأَلت جمَاعَة من أهل مصر، من الْعَامَّة، عَن ذَلِك. فَقَالُوا: هَذَا وطئ التمساح أمه، فولدته. فَكَذبت ذَلِك، وبحثت عَن الْخَبَر، فَأَخْبرنِي جمَاعَة من عقلاء مصر، أَن التمساح بهَا يَأْخُذ النَّاس من المَاء فيفترسهم. وَرُبمَا أَخذهم وَهُوَ شبعان، فَيحمل الْمَأْخُوذ بِيَدِهِ على صَدره، حَتَّى يَجِيء بِهِ إِلَى أجراف أَسْفَل مصر بمسافة، وَهِي جبال حِجَارَة فِيهَا مغارات إِلَى النّيل، لَا يصل إِلَيْهَا الْمَاشِي وَلَا سالك المَاء لبعدها عَن الْجِهَتَيْنِ. فيتسلق التمساح إِلَى بعض المغارات، فيودع بهَا الْإِنْسَان الَّذِي أَخذه، حَيا أَو مَيتا بِحَسب الِاتِّفَاق ويمضي. فَإِذا جَاع وَلم يظفر بِشَيْء، عَاد إِلَى الْموضع فيفترس الْإِنْسَان الَّذِي خبأه هُنَاكَ. قَالَ: فَكَانَ قد قبض على امْرَأَة فِي بعض الْأَوْقَات، فَجَعلهَا فِي المغارة، فَذكرت الْمَرْأَة: أَنَّهَا حينما اسْتَقَرَّتْ فِي المغارة، وَانْصَرف التمساح، رَأَتْ هُنَاكَ رجلا حَيا، وآثار جمَاعَة قد افترسهم التمساح. وَأَنَّهَا سَأَلت الرجل عَن أمره، فَذكر أَن التمساح تَركه هُنَاكَ مُنْذُ يَوْمَيْنِ. قَالَت: وَأخذ الرجل يؤانسني بِالْحَدِيثِ، إِلَى أَن طالبني بنفسي. فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله. فَقَالَ: التمساح قد مضى، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَعَلَّ أَن تجتاز بِنَا

стр. 1239

سفينة قبل عودته فنطرح أَنْفُسنَا إِلَيْهَا. فوعظته، فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامي، واغتصبني نَفسِي، فواقعني. وَمَا نزل حَتَّى جَاءَ التمساح، فَأَخذه من فَوقِي، وَمضى، فَبَقيت كالميتة فَزعًا. فَأَنا كَذَلِك، إِذْ سَمِعت وَقع حوافر الْخَيل، وَصَوت أَقْدَام كثيرين، فأخرجت رَأْسِي من الْغَار، وَصحت واستغثت، فَاطلع أحدهم. وَقَالَ: مَا أَنْت؟ فَقلت: حَدِيثي طريف، أرموا لي حبلًا أتخلص بِهِ إِلَيْكُم. فرموا لي حبلًا، فشددت نَفسِي، واستظهرت جهدي، وأطراف الْحَبل فِي أَيْديهم. فَقلت: اجذبوني. فجذبوني، فصرت مَعَهم على ظهر المغارة، بعد أَن توهنت، وتسلخت يَدي. فسألوني عَن خبري، فَأَخْبَرتهمْ، فأركبوني شَيْئا، وأدخلوني الْبَلَد، فَلَمَّا كَانَ وَقت عَادَة حيضي، تَأَخَّرت عني، ثمَّ ظهر الْحمل، فَولدت ابْني هَذَا بعد تِسْعَة أشهر. وكرهت أَن أخبر كل أحد بِهَذَا الحَدِيث، فنسبت ذَلِك إِلَى التمساح، وأستتر أَمْرِي بذلك.

стр. 1240

أَبُو الْقَاسِم الْعلوِي يواجه الْأسد وحَدثني أَبُو الْقَاسِم بن الأعلم الْعلوِي الْكُوفِي، الفيلسوف، قَالَ: خرجت من بَغْدَاد، أُرِيد الْكُوفَة، فَلَمَّا صرت فِيمَا بَينهَا وَبَين حمام أعين قَرْيَة قريبَة من الْكُوفَة أفضيت إِلَى أجمة هُنَاكَ. وَكنت قد تقدّمت الرّفْقَة، وَأَنا رَاكب حمارا، وورائي بمسافة قريبَة غُلَام لي مَمْلُوك رَاكب بغلًا، فسرنا حَتَّى أبعدنا عَن الرّفْقَة. فَلَمَّا دخلت الأجمة، رَأَيْت مسناة دقيقة فِي وسط الأجمة، وَعَلَيْهَا المسلك، يُوصل إِلَيْهَا من هبوط. فرمت النُّزُول إِلَيْهَا، فَوقف الْحمار تحتي، فضربته ضربا شَدِيدا، فَلم أَجِدهُ يبرح. فَالْتَفت إِلَى كفله، لأتأمل قوائمه، فَرَأَيْت أسدًا قَائِما، وَبَينه وَبَين قَوَائِم الْحمار نَحْو ذِرَاع أَو أقل، وَإِذا الْحمار قد شم رَائِحَته، فأصابته رعدة شَدِيدَة، ورسخت قوائمه فِي الأَرْض، وَلم يَتَحَرَّك.

стр. 1241

فَلم أَشك فِي التّلف، وَأَن الْأسد سيمد يَده، فيجذبني من على الْحمار، فغمضت عَيْني لِئَلَّا أرى كَيفَ أحصل فِي مخالبه، وَأَقْبَلت أَتَشهد، وأقرأ، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجد عَقْلِي ثَابتا، ومتصورًا لهيأة الْأسد، وَلم يفدني التغميض شَيْئا. ثمَّ ذكرت فِي الْحَال حِكَايَة كنت أسمعها، أَن الْأسد لَا يفترس الْإِنْسَان وَهُوَ مواجه لَهُ، فاستدرت وَفتحت عَيْني فِي عَيْنَيْهِ، وَأَقْبَلت أَتَشهد خفِيا، والأسد فاتح فَاه، وَأَنا أتأمل أَسْنَانه، وَتصل إِلَى أنفي من فَمه رَوَائِح مُنْتِنَة. فَإِنِّي لكذلك إِذْ لَحِقَنِي الصَّبِي الْمَمْلُوك على البغلة، وَمَعَهُ رجل رَاكب دَابَّة، ووراءهما قوم مشَاة. فحين رأى الْمَمْلُوك تِلْكَ الْحَالة، جزع جزعًا شَدِيدا، وَصَاح بِأَعْلَى صَوته: يَا معاشر الْمُسلمين أدركونا، فقد افترس الْأسد مولَايَ الْعلوِي. فحين سمع الْأسد الصياح من وَرَائه انزعج، والتفت، فَرَأى الصَّبِي قَرِيبا إِلَيْهِ، فتناوله من أَعلَى السرج، وعار الْبَغْل وَحصل الصَّبِي فِي فَم الْأسد، كالفأرة فِي فَم السنور، وَأَنا كالميت إِلَّا أَنِّي أحصل مَا أرى من ذَلِك. وَأَقْبل الْأسد يحمل على رَاكب الدَّابَّة، والمشاة، وَالصَّبِيّ فِي فَمه، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَدخل الأجمة. فَقلت فِي نَفسِي: قد فداني الله بمملوكي، وخلص نَفسِي بِيَسِير من مَالِي، فَمَا وُقُوفِي؟ فرميت بنفسي عَن الْحمار، وفررت أعدو على المسناة، فتلقاني قوم قد جَاءُوا من الْكُوفَة، وَرَأَوا حيرتي، وفزعي، فسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ. فتقدموا يطْلبُونَ الْأسد، وقويت نَفسِي، فزدت فِي الْعَدو، إِلَى أَن خرجت من الأجمة، ولحقني الرّفْقَة الَّتِي كنت فِيهَا، وَقد عقلوا البغلة الَّتِي كَانَت تَحت مملوكي، وَسَاقُوا الْحمار، فركبته، وَدخلت الْكُوفَة.

стр. 1242

وَكَانَ هَذَا الْخَبَر يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة شهر الْمحرم سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، فَصمت يومي، واعتقدت أَن أَصوم كل ثلاثاء، أبدا، وَأَنا أصومه إِلَى الْآن. وَجَاءَنِي أَبُو عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي، مهنئًا بالسلامة، وبقدومي، وَكَانَ خبري شاع. وَقَالَ لي فِي جملَة كَلَامه: كَيفَ خفت الْأسد؟ أَو مَا علمت أَن لحومنا معاشر بني فَاطِمَة مُحرمَة على السبَاع؟ فَقلت لَهُ: مثل سيدنَا، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، لَا يَقُول مثل هَذَا، وَمَا الَّذِي كَانَ يؤمنني أَن يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا فأتلف، وَكَيف كَانَت نَفسِي، مَعَ طبع البشرية، تطمئِن فِي مثل ذَلِك الْوَقْت، إِلَى هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: كَيفَ يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا، مَعَ مَا روينَاهُ من خبر زَيْنَب الكذابة مَعَ عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵉؟ قَالَ: فَقلت لَهُ: بلَى، قد رويت ذَلِك، وَلَكِن لم يخْطر فِي فكري من هَذَا شَيْء فِي تِلْكَ الْحَال. قَالَ مؤلف الْكتاب: فَقلت أَنا لأبي الْقَاسِم بن الأعلم، وَمَا خبر زَيْنَب الكذابة؟ فَإِنِّي لم أسمعهُ. قَالَ: هَذَا خبر مَشْهُور عِنْد الشِّيعَة، بِإِسْنَاد لَهُم لَا أحفظه، وَذَلِكَ: أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا زَيْنَب ادَّعَت أَنَّهَا علوِيَّة، فجيء بهَا إِلَى عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵉، فَدفع نَسَبهَا. فخاطبته بِكَلَام دفعت فِيهِ نسبه، ونسبته إِلَى مثل مَا نَسَبهَا إِلَيْهِ من الادعاء، وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة السُّلْطَان. فَقَالَ الرِّضَا: أخرج أَنا وَهَذِه الْمَرْأَة إِلَى بركَة السبَاع، فَإِنِّي رويت عَن آبَائِي عَن النَّبِي ﷺ : أَن لُحُوم ولد فَاطِمَة صلوَات الله عَلَيْهَا مُحرمَة على السبَاع، فَمن أَكلته السبَاع فَهُوَ دعِي.

стр. 1243

فَقَالَت الْمَرْأَة: لَا أرْضى بِهَذَا، وَدفعت الْخَبَر، فأجبرها السُّلْطَان على ذَلِك. فَقَالَت: فلينزل قبلي. فَنزل الرِّضَا بِمحضر من خلق عَظِيم، فَلَمَّا رَأَتْهُ السبَاع، أقعت على أذنابها، فَدَنَا مِنْهَا، وَلم يزل يمسح رَأس كل وَاحِد مِنْهَا ويمر بِيَدِهِ إِلَى ذَنبه، والسبع يبصبص لَهُ، حَتَّى أَتَى على آخرهَا، ثمَّ ولى، فَصَعدَ من الْبركَة. وكرهت الْمَرْأَة النُّزُول، وأبته، فأجبرت على ذَلِك، فحين نزلت وثب عَلَيْهَا السبَاع، فافترسوها ومزقوها، فَعرفت بِزَيْنَب الكذابة.

стр. 1244

أعَان الفيلة على قتل ثعبان فكافئوه بِمَا أغناه وَحدث عبد الله بن مُحَمَّد بن خرسان السيرافي، الْمُقِيم، كَانَ، بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، قَالَ ذكر جمَاعَة من شُيُوخ الْبَحْرين الَّذين ترددوا إِلَى بِلَاد الْهِنْد، أَنهم سمعُوا هُنَاكَ حِكَايَة مستفيضة، أَن رجلا كَانَ معاشه صيد الفيلة قَالَ: استخفيت مرّة فِي شَجَرَة كَبِيرَة عالية كَثِيرَة الْوَرق فِي غيضة كَانَت تجتاز بهَا الفيلة، من شرائع المَاء الَّتِي تردها إِلَى مراتعها. فاجتاز بِي قطيع مِنْهَا، وَكَانَت عادتي أَن أدع القطعان تجوز حَتَّى تبلغ آخر فيل مِنْهَا، فأرميه بِسَهْم مَسْمُوم فِي بعض مقاتله، فتجفل الفيلة، فَإِذا مَاتَ الْفِيل الْمَجْرُوح، نزلت فاقتلعت أنيابه وسلخت جلده، وَأخذت ذَلِك فَبِعْته فِي الْبِلَاد. فَلَمَّا اجتاز بِي هَذَا القطيع، رميت آخر فيل كَانَ فِيهِ، فَخر، فاضطربت الفيلة، وأسرعت عَنهُ. فَإِذا أعظمها قد عَاد فَوقف عَلَيْهِ، وَتَأمل السهْم وَالْجرْح، وَرجعت مَعَه الفيلة، ووقفت بوقوفه، فَمَا زَالَ قَائِما والفيل الْمَجْرُوح يضطرب إِلَى أَن مَاتَ. فَضَجَّ ذَلِك الْفِيل ضَجِيجًا عَظِيما، وضجت الفيلة مَعَه وانتشرت فِي الغيضة، ففتشتها شَجَرَة شَجَرَة، فأيقنت بِالْهَلَاكِ. وانْتهى الْفِيل الْأَعْظَم إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي أَنا فِيهَا، فَلَمَّا رَآنِي أحتك بِالشَّجَرَةِ،

стр. 1245

فَإِذا هِيَ قد انْكَسَرت، على عظمها وضخامتها، وَسَقَطت أَنا والشجرة إِلَى الأَرْض، فَلم أَشك فِي أَن الْفِيل يدومني. وَإِذا بِهِ قد جَاءَ حَتَّى وقف يتأملني، وأحجمت الفيلة عني. فَلَمَّا رأى الْفِيل الْعَظِيم قوسي وسهامي، لف خرطومه عَليّ بِرِفْق، وشالني من غير أَذَى، حَتَّى وضعني على ظَهره، وَرجع يُرِيد الطَّرِيق الَّتِي كَانَ أقبل مِنْهَا، وهرول، وهرولت الفيلة خَلفه، حَتَّى بلغ المَاء، والفيلة مَعَه. فَإِذا قد خرج عَلَيْهَا ثعبان عَظِيم ينْفخ، فتأخرت الفيلة، وأشال الْفِيل الْأَعْظَم خرطومه، فلفه عَليّ، وأنزلني، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَأخذ يُومِئ بخرطومه إِلَى الثعبان بِرِفْق وتملق. فسددت سَهْما إِلَى الثعبان، ورميته، فَأَصَبْته، وتابعت رميه، فَانْصَرف مثخنًا. فَتقدم إِلَيْهِ الْفِيل فداسه، ثمَّ عَاد إِلَيّ، فأخذني بخرطومه، وَجَعَلَنِي على ظَهره وَأَقْبل يُهَرْوِل، والفيلة خَلفه. فجَاء بِي إِلَى غيضة لم أكن أعرفهَا، أعظم من الَّتِي أَخَذَنِي مِنْهَا، وَأبْعد بعدة فراسخ، وفيهَا فيلة ميتَة، لَا يحصيها إِلَّا الله تَعَالَى، وأكثرها قد بلي جسده وَبقيت عِظَامه.

стр. 1246

فَمَا زَالَ يتتبع الأنياب ويجمعها، ويومئ إِلَى فيل فيل، حَتَّى لم يدع هُنَاكَ نابًا إِلَّا جمعه، وأوقر تِلْكَ الفيلة، ثمَّ أركبني على ظَهره، وَأخذ بِي فِي طَرِيق الْعِمَارَة، واتبعته الفيلة. فَلَمَّا شَارف الْقرى وقف، وَأَوْمَأَ إِلَى الفيلة فطرحت أحمالها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء، ثمَّ أنزلني بخرطومه بِرِفْق، وَتَرَكَنِي عِنْد الأنياب، وَقد صَارَت تَلا عَظِيما هائلًا. فَجَلَست عِنْدهَا مُتَعَجِّبا من سلامتي، وَرجع الْفِيل يُرِيد الصَّحرَاء، وَرجعت الفيلة بِرُجُوعِهِ، وَأَنا لَا أصدق بسلامتي، وَلَا بِمَا شاهدت من عظم فطنة الْفِيل. فَلَمَّا غَابَتْ الفيلة عني، مشيت، إِلَى أقرب الْقرى إِلَيّ، واستأجرت خلقا كثيرا، حَتَّى خَرجُوا معي، وحملوا تِلْكَ الأنياب، فِي أَيَّام، إِلَى الْقرْيَة. وَمَا زلت أبيعها فِي تِلْكَ المدن، حَتَّى حصل لي مَال عَظِيم، كَانَ سَبَب يساري وغناي عَن صيد الفيلة.

стр. 1247

حلف بِالطَّلَاق أَن لَا يبيت بمناذر فَكَانَ ذَلِك سَببا لإنقاذ شخص من براثن الْأسد وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر، الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن شُعَيْب الْعَدوي، من عدي ربيعَة، قَالَ: وَهُوَ بنهر تل هوارا، وَكَانَ من أَهلهَا، قَالَ: كنت فِي حداثتي شَدِيد الْقُوَّة والأيد، وَكَانَت بنيته لما حَدثنِي، تدل على ذَلِك مِنْهُ، وَكنت عِنْد زَوْجَة لي من عبد الْقَيْس فِي مناذر، وَهِي قريبَة من تل هوارا، على أَرْبَعَة فراسخ، وَعِنْدِي قوم من أهل هواره، وَنحن نشرب. فتفاخرنا إِلَى أَن انتهينا إِلَى تَجْرِيد السيوف، فحجز بَيْننَا مَشَايِخ الْقرْيَة، وَبدر لساني، فَحَلَفت بِالطَّلَاق أَن لَا أَبيت بمناذر.

стр. 1248

فَخرجت مِنْهَا أُرِيد منزلي بتل هوارا، وَمَعِي سَيفي وجحفتي، وَكَانَ ذَلِك فِي اللَّيْل. فسرت فِي الطَّرِيق وحدي، وَبَلغت أجمة لَا بُد من سلوكها، فَلَمَّا سرت فِيهَا قَلِيلا، سَمِعت صياحًا شَدِيدا من ورائي، فجردت سَيفي، وَرجعت أطلب الصَّوْت. فَوجدت الْأسد قد افترس رجلا، وَهُوَ الَّذِي صَاح، ورأيته فِي فَم الْأسد عرضا بثيابه. فَصحت بالأسد، فَرمى بِالرجلِ، وَرجع إِلَيّ، فقاتلته سَاعَة، ثمَّ وثب عَليّ وثبة شَدِيدَة، فلطئت بِالْأَرْضِ، وجمعت نَفسِي فِي جحفتي، فلشدة وثبته جاوزني، فَصَارَ ورائي، فأسرعت الْوُثُوب نَحوه، وبعجته بِالسَّيْفِ فِي فَمه، وَكَانَ سَيْفا مَاضِيا، فَدخل فِي فَمه وَخرج من لبته، فَخر صَرِيعًا يضطرب، فتداركته بضربات كَثِيرَة حَتَّى تلف. وعدت إِلَى الرجل، فَوَجَدته يتنفس وَلَا يعقل، فَحَملته إِلَى الجادة، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة. وتأملت الرجل، فَإِذا هُوَ تَاجر من تل هوارا، أعرفهُ، فَلم تطب نَفسِي بِتَرْكِهِ أصلا، فَجَعَلته عِنْد الجادة، وعدت فَأخذت رَأس السَّبع، وَحَمَلته وَالرجل،

стр. 1249

وحصلتهما فِي صبيغة كَانَت عَليّ. والصبيغة إِزَار أَحْمَر يتشح بِهِ عرب تِلْكَ النَّاحِيَة. وَكَانَ الْأسد فِي خلال قتالي إِيَّاه قد ضرب فَخذي بكفه، فأحسست بِهِ فِي الْحَال كغرزة الإبرة، لما كنت فِيهِ من الهول. فَلَمَّا حصلت أَمْشِي حَامِلا رَأس الْأسد وَالرجل، أحسست بالألم، وَرَأَيْت الدَّم يجْرِي، وقوتي تضعف، فَصَبَرت نَفسِي حَتَّى بلغت تل هوارا وَقد أَصبَحت. فَأنْكر أهل الْقرْيَة حَالي، وَحَال الْجرْح، فسألوني عَن خبري، فألقيت الصبيغة الَّتِي فِيهَا الرجل وَالرَّأْس، فاستهلوا الْحَال لما حدثتهم بهَا. وفتشوا الرجل، فوجدوا فِي بدنه خدوشًا يسيرَة، فَأَخَذُوهُ، ورمت أَن أَمْشِي إِلَى بَيْتِي، فَلم أقدر، حَتَّى حملت، وَمَكَثت فِي بَيْتِي زَمَانا، وَكنت أعالج نَفسِي من تِلْكَ الْجراح مُدَّة. وعولج الرجل فبرأ قبلي بأيام، وَهُوَ حَيّ إِلَى الْآن، يسميني مولَايَ، ومعتقي، وجراحي أَنا، لصعوبتها تنْتَقض عَليّ فِي أغلب الْأَوْقَات. قَالَ سعد بن مُحَمَّد: وَأرَانِي الْجرْح، فَكَانَ عَظِيم الْفَتْح، قَالَ: فَلم أعلم سَببا لسكرنا وعربدتنا، إِلَّا أَنه سَبَب النجَاة لذَلِك الرجل.

стр. 1250

حِيلَة ابْن عرس فِي قتل الأفعى وَحكى سعد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ، قَالَ: حَدثنِي رجل يعرف بِعَبْد الْعَزِيز بن الْحسن الْأَزْدِيّ من تجار القصباء بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: كنت يَوْمًا فِي القصباء، وَقد أخرج من النَّهر قصب رطب، فَعمل كالقباب، على الْعَادة فِيمَا يُرَاد تجفيفه من الْقصب، وَكَانَ يَوْمًا صائفًا. وكدني الْحر، فَدخلت إِحْدَى تِلْكَ القباب الْقصب، وَهِي تكون بَارِدَة جدا، وَعَادَة التُّجَّار أَن يستكنوا بهَا، فَنمت فِي الْقبَّة، فلبردها استثقلت فِي النّوم. فانتبهت بعد الْعَصْر، وَقد انْصَرف النَّاس من القصباء، وَهِي فِي مَوضِع بِالْبَصْرَةِ، فِي أَعْلَاهَا، مَعْرُوف، بِهِ صحراء وبساتين. فاستوحشت للوحدة، وعملت على الْقيام، فَإِذا بأفعى فِي غلظ السَّاق أَو الساعد، طَوِيل، متدور على بَاب الْقبَّة كالطبق. فَلم أجد سَبِيلا إِلَى الْخُرُوج، ويئست من نَفسِي، وتحيرت، وَجَزِعت جزعًا شَدِيدا، وَأخذت فِي التَّشَهُّد، وَالتَّسْبِيح، والفزع إِلَى الله تَعَالَى. فَإِنِّي لكذلك، إِذْ جَاءَ ابْن عرس من بعيد، فَلَمَّا رأى الأفعى، وقف يتأمله ثمَّ رَجَعَ من حَيْثُ جَاءَ، وَغَابَ قَلِيلا، ثمَّ جَاءَ وَمَعَهُ ابْن عرس آخر، فوقفا جَمِيعًا، الْوَاحِد عَن يَمِين الْقبَّة، وَالْآخر عَن يسارها، وَصَارَ الْوَاحِد عِنْد رَأس الأفعى، وَالْآخر عِنْد ذنبها، والأفعى غافل عَنْهُمَا، ثمَّ وثبا فِي حَال وَاحِدَة، وَإِذا رَأسه وذنبه فِي فَم كل وَاحِد مِنْهُمَا. فاضطرب، فَلم يفلت مِنْهُمَا، وجراه حَتَّى بعدا عَن عَيْني، فَخرجت من الْقبَّة سالما.

стр. 1251

ألْقى نَفسه على نَبَات البردي فَوَقع على أَسد وَحدث سعد بن مُحَمَّد، الوحيد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْأنْصَارِيّ الْمُقْرِئ بالرملة، وَكَانَ فَارِسًا فاتكًا شجاعًا جلدا، قَالَ: خرجت فِي قافلة من الرملة، صَاحبهَا ابْن الْحداد، وَأَنا على مهر لي، وَعلي سلاحي. فَبَلغنَا فِي لَيْلَة مظْلمَة إِلَى وَادي غارا، وَهُوَ وَاد عميق جدا، عمقه نَحْو فَرسَخ، فِي بَطْنه مَاء يجْرِي، وَعَلِيهِ شجر كثير، وَهُوَ مَشْهُور بالسباع، وَالطَّرِيق على جنبة من جنباته فِي مضيق. فازدحمت الْقَافِلَة، فَسقط جمل عَلَيْهِ حمل بز، فَرَأَيْت صَاحبه يلطم ويبكي، وَكَانَ مُوسِرًا. فَدَعَاهُ ابْن الْحداد، وَقَالَ لَهُ: أَنْت رجل مُوسر، فَمَا هَذَا الْجزع؟ فَقَالَ لَهُ: فِي الْحمل الْبَز الَّذِي سقط، عشرَة آلَاف دِينَار عينا. فحط ابْن الْحداد الْقَافِلَة، ونادى: من ينزل الْوَادي، ويتخلص لنا الْحمل أَو المَال الَّذِي فِيهِ، وَله ألف دِينَار، فَلم يَجْسُر أحد على ذَلِك. فَلَمَّا كرر النداء جِئْته، وَقلت: تعجل لي الدَّنَانِير. فَقَالَ: لَا، وَلَكِن أكتب لَك بهَا السَّاعَة كتابا، وَأشْهد من فِي الْقَافِلَة،

стр. 1252

فَإِذا صَار الْجمل وَحمله مَعَ مَا فِيهِ من المَال عِنْدِي، فَالْمَال لَك. فكتبنا كتابا بذلك، وأشهدنا عَلَيْهِ، وأعطيتهم دَابَّتي ورحلي، ثمَّ أخذت سَيْفا، وجحفةً، وشمعةً مشتعلة، ورمت النُّزُول إِلَى الْوَادي. فَرَأَيْت منزلا غرني، فاستعجلت سلوكه، فَنزلت سَاعَة، حَتَّى صرت على جَانب من الْوَادي مشجر، فَإِذا فِيهِ أثر الرُّعَاة وَالْغنم، ثمَّ لم أجد طَرِيقا إِلَى أَسْفَل، وَكَانَ سبيلي أَن أرجع، وأرتاد النُّزُول من جِهَة أُخْرَى. فَحَمَلَنِي ضيق الْوَقْت، والحرص على الدَّنَانِير، أَن جعلت أتوغل، وَأَنْتَقِلَ من شَجَرَة إِلَى شَجَرَة، وَمن حجر إِلَى حجر، حَتَّى حصلت فِي جنب الْوَادي على صَخْرَة ملساء بارزة كالرف، لَيْسَ لَهَا إِلَى أَسْفَل طَرِيق أَلْبَتَّة. فاطلعت بالشمعة، فَإِذا بيني وَبَين الْقَرار عشرُون ذِرَاعا، وَفِي أَسْفَل الْوَادي بردي كثيف يجْرِي بَينه المَاء، وَله خرير شَدِيد. فأجمعت على أَن ألقِي نَفسِي، فأطفأت الشمعة، وشددتها بحمائل السَّيْف مَعَ الْجحْفَة، وألقيت ذَلِك فِي مَوضِع عَلمته عَن يَمِيني، ثمَّ جمعت نَفسِي فَوَثَبت فِي وسط البردي. فَوَقَعت على شَيْء ثار من تحتي ونفضني، وَصَاح صَيْحَة عَظِيمَة مَلأ بهَا الْوَادي، وَإِذا هُوَ أَسد، فشق البردي وسعى هَارِبا، فَوقف بإزائي من جَانب الْوَادي الآخر. فطلبت سَيفي وجحفتي حَتَّى أخذتهما، ووقفت أنْتَظر أَن يمْضِي الأدس فأطلب الْجمل، فَأقبل يُرِيدنِي. فمشيت بَين يَدَيْهِ فِي البردي، وَهُوَ فِي أثري يَخُوض المَاء، ويشق البردي، وَأَنا أخاتله من مَوضِع إِلَى مَوضِع.

стр. 1253

وطلع الْقَمَر، فَأَبْصَرت بِنَاء خفِيا، فقصدته، فَإِذا هُوَ بَيت رحى يديرها المَاء، فَدخلت فِيهِ. ثمَّ فَكرت، فَقلت: هُنَا مألف الْأسد، والساعة يجيئني، فَجئْت إِلَى شَجَرَة كَبِيرَة، فقطعتها بِالسَّيْفِ من نصف سَاقهَا، وجررتها من ورائي، وجذبت سَاقهَا، وَدخلت إِلَى بَيت الرَّحَى، فَامْتَلَأَ الْبَاب بهَا، وفضلت عَنهُ بِشَيْء كثير، وَجَلَست، وسَاق الشَّجَرَة فِي يَدي. فَمَا كَانَ إِلَّا مِقْدَار جلوسي، حَتَّى أحسست بالأسد يزحم الشَّجَرَة يُرِيد الدُّخُول إِلَيّ. قَالَ: فاستندت إِلَى الْحَائِط، وَأَمْسَكت سَاق الشَّجَرَة أدافعه بهَا، حَتَّى ملني ومللته، ثمَّ ربض بِإِزَاءِ الْبَاب إِلَى أَن أَسْفر الصُّبْح، فَلَمَّا كَادَت أَن تطلع الشَّمْس مضى. فأقمت إِلَى أَن انبسطت الشَّمْس، حَتَّى أمنته، ثمَّ خرجت، فَمَا زلت أطلب أثر الْجمل حَتَّى انْتَهَيْت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ قد تقطع من أثر السقطة، والعدلان مطروحان، وَكَانُوا أمروني بفتقهما، واستخراج المَال، وَحمله، إِن لم أقدر على تَخْلِيص الْجمل وَحمل العدلين، فَفعلت ذَلِك. وحملت المَال على ظَهْري، وَطلبت المصعد، وَقد علا الضُّحَى، فَصَعدت فِيهِ. فَلَمَّا حصلت بِرَأْس الْوَادي، إِذا ببادية مجتازين، فقصدوني، فمانعتهم بِالسَّيْفِ عَن نَفسِي، فَلم أطقهم، وضربوني بِالسُّيُوفِ. فَقلت لشيخ رَأَيْته كالرئيس لَهُم: لي الذمام على مَا معي حَتَّى أصدقك، وأنفعك نفعا كثيرا. فَقَالَ: أصدقني، وَلَك الذمام.

стр. 1254

فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فَأخذُوا المَال، وَسَارُوا بِي مَعَهم، حَتَّى وقفُوا على العدلين، فاحتملوهما. وَضرب الشَّيْخ بِيَدِهِ فِي المَال، فَحَثَا مِنْهُ ثَلَاث حثيات فَقلت: هَذَا لَا يَنْفَعنِي إِن لم تبلغني مأمني. فَأَنَاخَ جملا فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَسَار بِي سيرًا حثيثًا، حَتَّى أَرَانِي الْقَافِلَة على بعد، ثمَّ أنزلني، وَقَالَ: الْحق برفقتك، فَمَا عَلَيْك من أحد بَأْس. فمشيت حَتَّى لحقت الْقَافِلَة، وَقد خبأت تِلْكَ الدَّنَانِير فِي سراويلي، فعرفتهم أَن المَال أَخَذته الْبَادِيَة، وكتمت مَا أعطوني، وأريتهم آثَار الضَّرْب، فصدقوني، وَلم يفتشوني. فركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم، فَدَخَلْنَا طبرية، فشكوا إِلَى أميرها أبي عُثْمَان بن عقيل، فَأسْرى إِلَى الْأَعْرَاب، فارتجع مِنْهُم أَكثر المَال، ورده إِلَى صَاحبه. وَكنت أَنا، لما دَخَلنَا طبرية، فَارَقْتهمْ، وَدخلت إِلَى دمشق، ثمَّ لحقوني بهَا. وَبَلغنِي مَا رد عَلَيْهِم، فَقلت لصَاحب المَال: قد بذلت مهجتي، وأفلت من الْأسد، وَالْمَوْت، مرَارًا، وَمن الْأَعْرَاب، حَتَّى وصل إِلَيْك بعض مَالك، فَلَا أقل من أَن توصل إِلَيّ بعض مَا وَعَدتنِي، فَأَعْطَانِي مِائَتي دِينَار. فأضفتها إِلَى مَا أعطانيه الْأَعْرَاب، فَإِذا الْجَمِيع سِتّمائَة دِينَار، مَعَ السَّلامَة من تِلْكَ الشدائد والأهوال.

стр. 1255

كَيفَ نجا من الْأسد والثعبان وَحكي أَن رجلا وَفد على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لقد رَأَيْت فِي طريقي عجبا. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنا أَسِير بَين جبلي طي، إِذْ نظرت فَإِذا عَن يَمِيني أَسد كالبغل، وَعَن يساري ثعبان كالجراب، وهما مقبلان عَليّ. قاصدان نحوي. فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، وَقلت: يَا دَافع الْمَكْرُوه قد تراهما ... فنجّني يَا ربّ من أذاهما وَمن أَذَى من كادني سواهُمَا ... لَا تجعلن شلوي من قراهما قَالَ: فقربا مني، حَتَّى وصلا إِلَيّ، فتشمماني، حَتَّى لم أَشك فِي الْمَوْت، ثمَّ صَدرا عني، ونجوت.

стр. 1256

قضى لَيْلَة مَعَ الْأسد فِي حجرَة مغلقة الْبَاب بَلغنِي عَن قَاضِي الْقُضَاة الْمَعْرُوف بِأبي السَّائِب، وَلم أسمع ذَلِك مِنْهُ، قَالَ: وافيت من همذان أُرِيد الْعرَاق، وَأَنا فَقير، وزرت قبر الْحُسَيْن ﵁. فَلَمَّا انصرفت أُرِيد قصر ابْن هُبَيْرَة، قيل لي: إِن الأَرْض مسبعَة، وأشير عَليّ أَن ألحق بقرية فِيهَا حصن سميت لي، فآوى إِلَيْهَا قبل الْمسَاء. وَكنت مَاشِيا، فأسرعت فِي الْمَشْي، إِلَى أَن وافيت الْقرْيَة، فَوجدت بَاب الْحصن مغلقًا. فدققت الْبَاب، فَلم يفتح لي، وتوسلت للقائمين بحراسته، بِمن انصرفت من زيارته. فَقَالُوا: قد أَتَانَا مُنْذُ أَيَّام من ذكر مثل مَا ذكرت، فأدخلناه، وآويناه، فَدلَّ علينا اللُّصُوص، وَفتح لَهُم بَاب الْحصن لَيْلًا، وأدخلهم، فسلبونا، وَلَكِن الْحق بذلك الْمَسْجِد، وَكن فِيهِ، لِئَلَّا تمسي فيأتيك السَّبع. فصرت إِلَى الْمَسْجِد، فَدخلت بَيْتا كَانَ فِيهِ، وَجَلَست. فَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ رجل على حمَار، منصرفًا من الحائر، فَدخل الْمَسْجِد، وَشد حِمَاره فِي غلق الْبَاب، وَدخل إِلَيّ. وَكَانَ مَعَه كراز فِيهِ مَاء، وَخرج، فَأخْرج مِنْهُ سِرَاجًا فأصلحه، ثمَّ أخرج قداحة، فقدح، وأوقد، وَأخرج خبزه، وأخرجت خبزي، واجتمعنا على الْأكل. فَمَا شعرنَا إِلَّا والسبع قد حصل فِي الْمَسْجِد فَلَمَّا رَآهُ الْحمار، دخل إِلَى الْبَيْت الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَدخل السَّبع وَرَاءه، فَخرج الْحمار وجذب بَاب الْبَيْت بالرسن،

стр. 1257

فأغلقه علينا وعَلى السَّبع، وصرنا محبوسين فِيهِ، فحصلنا فِي أَخبث مُحَصل. وقدرنا أَن السَّبع لَيْسَ يعرض لنا، بِسَبَب السراج، وَأَنه إِذا طفئ، أكلنَا، أَو أَخذنَا. وَمَا طَال الْأَمر أَن فني مَا كَانَ فِي السراج من الدّهن، وطفئ، وحصلنا فِي الظلمَة، والسبع مَعنا، فَمَا كَانَ عندنَا من حَاله شَيْء إِلَّا إِذا تنفس، فَإنَّا كُنَّا نسْمع نَفسه. وراث الْحمار من فزعه، فَمَلَأ الْمَسْجِد رَوْثًا، وَمضى اللَّيْل وَنحن على حَالنَا، وَقد كدنا نتلف فَزعًا. ثمَّ سمعنَا صَوت الْأَذَان من دَاخل الْحصن، وبدا ضوء الصُّبْح، فرأيناه من شقوق الْبَاب. وَجَاء الْمُؤَذّن من الْحصن، فَدخل الْمَسْجِد، فَلَمَّا رأى رَوْث الْحمار، لعن وَشتم، وَحل رسن الْحمار من الغلق، فَمر يطير، من الْفَزع، فِي الصَّحرَاء، لعلمه بِمَا قد أفلت مِنْهُ. وَفتح الْمُؤَذّن بَاب الْبَيْت ينظر من فِيهِ، فَوَثَبَ السَّبع إِلَيْهِ، فدقه، وَحمله إِلَى الأجمة، وقمنا نَحن، وانصرفنا سَالِمين.

стр. 1258

أَخذه الْأسد فِي الْمَكَان الَّذِي أَخذ فِيهِ أَبَاهُ بَلغنِي عَن أبي عَليّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلة الْكَاتِب، قَالَ: كنت عِنْد أبي عَليّ الْعلوِي بِالْكُوفَةِ، إِذْ دخل عَلَيْهِ غُلَام لَهُ، فَقَالَ: يَا مولَايَ، أَخذ الْأسد فلَانا وكيلك. فانزعج، وَقَالَ: أَيْن أَخذه؟ فَقَالَ: فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا، وَأدْخلهُ الأجمة الْفُلَانِيَّة. فَقَالَ أَبُو عَليّ: لَا إِلَه إِلَّا الله، فِي هَذَا الْيَوْم بِعَيْنِه، أَخذ الْأسد أَبَاهُ، وَأدْخلهُ هَذِه الأجمة بِعَينهَا، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، واغتم، فسليناه، فَعَاد إِلَى شَأْنه فِي المحادثة. فَأَنا قَاعد عِنْده أحدثه، إِذْ دخل عَلَيْهِ غلمانه مبادرين، فَقَالُوا: قد وافى فلَان، يعنون ذَلِك الْوَكِيل، فَأذن لَهُ، فَدخل. فَرَحَّبَ بِهِ أَبُو عَليّ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، فَقَالَ: نعم، أَخَذَنِي الْأسد، كَمَا شاهدوني، وَكنت رَاكِبًا، فَحَمَلَنِي بِفِيهِ، كَمَا تحمل السنور بعض أَوْلَادهَا، إِلَّا أَنه مَا كلمني، وأدخلني الأجمة، وَقد زَالَ عَقْلِي. وَلم أعلم من أَمْرِي شَيْئا، إِلَّا أنني أَفَقْت فَلم أره، وَوجدت أعضائي سَالِمَة، وَوجدت حَولي من الجماجم وَالْعِظَام أمرا عَظِيما، فَلم يزل عَقْلِي وقوتي يثوبان إِلَيّ إِلَى أَن قُمْت، ومشيت.

стр. 1259

فَعَثَرَتْ بِشَيْء تأملته، فَإِذا هُوَ هميان، فَأَخَذته، وشددت بِهِ وسطي، ومشيت إِلَى أَن بَعدت عَن الْموضع، فوصلت إِلَى شَبيه بوهدة، فَجَلَست فِيهَا، وغطيت نَفسِي بِمَا أمكنني من الْقصب بَقِيَّة لَيْلَتي. فَلَمَّا طلعت الشَّمْس أحسست بِكَلَام المجتازين، وحوافر بغالهم، فَخرجت وعرفتهم قصتي، وَركبت بغل أحدهم. فَلَمَّا بَعدت عَن الأجمة، وَأمنت على نَفسِي، فتحت الْهِمْيَان، فَإِذا فِيهِ رقْعَة بِخَط أبي، بِأَصْل مَا كَانَ فِي الْهِمْيَان من الدَّنَانِير، وَبِمَا أنفقهُ، فَإِذا هُوَ هميان أبي الَّذِي كَانَ فِي وَسطه لما افترسه السَّبع. فحسبت المصروف، ووزنت الْبَاقِي، فَإِذا هِيَ بِإِزَاءِ مَا بَقِي من الأَصْل، مَا نقصت شَيْئا. قَالَ: وَأخرج الْهِمْيَان، وفتحه، وَأخرج الرقعة، فَقَالَ أَبُو عَليّ: نعم، هَذَا خطّ أَبِيك. وَعَجِبت الْجَمَاعَة من ذَلِك.

стр. 1260

نجا من الْأسد وافترس مَمْلُوكه وَبَلغنِي عَن رجل من أهل الأنبار، قَالَ: خرجت إِلَى ضَيْعَة لي فِي ظَاهر الأنبار، رَاكِبًا دَابَّة لي، وَمَعِي مَمْلُوك لي أسود فِي نِهَايَة الشجَاعَة. فَلَمَّا صرنا فِي بعض الطَّرِيق، بِالْقربِ من الْموضع الَّذِي أَنا طَالبه، إِذْ نشأت سَحَابَة، فأمطرت، وَكَانَ الْمسَاء قد أدركنا، فملنا إِلَى قباب كَانَت فِي الطَّرِيق للسابلة، فلجأنا إِلَيْهَا، فقوي الْمَطَر حَتَّى منعنَا من الْحَرَكَة، فَأَشَارَ الْغُلَام عَليّ بالمبيت. فَقلت لَهُ: نَخَاف اللُّصُوص وَيلك. فَقَالَ لي: تخَاف وَأَنا مَعَك؟ قلت: فالسبع؟ قَالَ: نصير الدَّابَّة دَاخل الْقبَّة، وَأَنت تَلِيهَا، وَأَنا عِنْد الْبَاب، وَأَشد وسطي بالحبل الَّذِي مَعنا، وَأَشد طرفه برجلك، حَتَّى لَا يأخذني النّوم، فَإِن جَاءَ الْأسد، أَخَذَنِي دُونك. وَمَا زَالَ يحسن لي ذَلِك الرَّأْي حَتَّى أطعته، وملنا إِلَى إِحْدَى القباب، ودخلناها، وَفعل مَا قَالَ. فوَاللَّه مَا مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، حَتَّى جَاءَ الْأسد، فَأخذ الْأسود فدقه، واحتمله، وجر رجْلي المشدودة مَعَه فِي الْحَبل.

стр. 1261

فَلم يزل يجرني على الشوك وَالْحِجَارَة، إِلَى أَن صَار بِي إِلَى أجمته، وَأَنا لَا أَعقل شَيْئا من أَمْرِي، وَلَا أحس بِأَكْثَرَ مَا يجْرِي، وَلَا تَمْيِيز لي يُؤَدِّي بِي إِلَى الِاجْتِهَاد فِي حل الْحَبل من رجْلي. ثمَّ رمى بالأسود، وربض عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يَأْكُل مِنْهُ، حَتَّى شبع، وَترك مَا فضل مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي من حس الْحَيَاة غير النّظر فَقَط، ثمَّ مضى، فَنَامَ بِالْقربِ من مَكَاننَا. وَبقيت زَمَانا على تِلْكَ الْحَال، ثمَّ سكن روعي، وَرجعت إِلَيّ نَفسِي، لطول مكث الْأسد فِي نَومه، فحللت رجْلي من الْحَبل، وَقمت أدب، فَعَثَرَتْ بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَخَذته، فَإِذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وَخرجت من الأجمة، وَقد قَارب الصُّبْح أَن يسفر. وصرت إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا دَابَّتي، فَإِذا هِيَ واقفة بِحَالِهَا، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إِلَى منزلي، وَفتحت الْهِمْيَان، فَوجدت فِيهِ جملَة دَنَانِير. فحمدت الله تَعَالَى على السَّلامَة وَبَقِي الرعب فِي قلبِي، والتألم فِي بدني، مُدَّة.

стр. 1262

الْبَاب الْعَاشِر فِيمَن اشْتَدَّ بلاؤه بِمَرَض ناله فعافاه الله سُبْحَانَهُ بأيسر سَبَب وأقاله دُعَاء يشفي من الوجع ٤: ١٩٢ ٥٤ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، أَخْبَرَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَعًا بِي، قَدْ كَادَ يُبْطِلُنِي، فَقَالَ لِي: يَا

стр. 1263

عُثْمَانُ، ضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ هَذَا الْوَجَعِ، وَمِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ "، قَالَ: فَقُلْتُهَا، فَشَفَانِي اللَّهُ

стр. 1264

وَجَأَ نَفْسَهُ بِسِكِّينٍ فَعُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الضَّحَّاك، عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن سَلام، عَن أبي جعدة، قَالَ: برص أَبُو عزة الجُمَحِي الشَّاعِر، فَكَانَت قُرَيْش لَا تؤاكله، وَلَا تجالسه، فَقَالَ: الْمَوْت خير من هَذِه الْحَيَاة. فَأخذ حَدِيدَة، وَدخل بعض شعاب مَكَّة، فطعن بهَا فِي معده. والمعد: مَوضِع عَقبي الرَّاكِب من الدَّابَّة.

стр. 1265

قَالَ أَبُو جعدة: فمرت الحديدة بَين الْجلد والصفاق، فَسَالَ مِنْهُ مَاء أصفر، وَبرئ لوقته، فَقَالَ: ألّلهمّ ربّ وائلٍ ونهد ... والمهمهات وَالْجِبَال الجرد قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَالَّذِي فِي كتاب الطوسي: لَا هم، وَهُوَ الصَّوَاب عِنْدِي. وربّ من يرْعَى بَيَاض نجد ... أَصبَحت عبدا لَك وَابْن عبد أبرأتني من وضحٍ فِي جلدي ... من بعد مَا طعنت فِي معدّي
следующие страницы →