← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فَلم يزل يجرني على الشوك وَالْحِجَارَة، إِلَى أَن صَار بِي إِلَى أجمته، وَأَنا لَا أَعقل شَيْئا من أَمْرِي، وَلَا أحس بِأَكْثَرَ مَا يجْرِي، وَلَا تَمْيِيز لي يُؤَدِّي بِي إِلَى الِاجْتِهَاد فِي حل الْحَبل من رجْلي. ثمَّ رمى بالأسود، وربض عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يَأْكُل مِنْهُ، حَتَّى شبع، وَترك مَا فضل مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي من حس الْحَيَاة غير النّظر فَقَط، ثمَّ مضى، فَنَامَ بِالْقربِ من مَكَاننَا. وَبقيت زَمَانا على تِلْكَ الْحَال، ثمَّ سكن روعي، وَرجعت إِلَيّ نَفسِي، لطول مكث الْأسد فِي نَومه، فحللت رجْلي من الْحَبل، وَقمت أدب، فَعَثَرَتْ بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَخَذته، فَإِذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وَخرجت من الأجمة، وَقد قَارب الصُّبْح أَن يسفر. وصرت إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا دَابَّتي، فَإِذا هِيَ واقفة بِحَالِهَا، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إِلَى منزلي، وَفتحت الْهِمْيَان، فَوجدت فِيهِ جملَة دَنَانِير. فحمدت الله تَعَالَى على السَّلامَة وَبَقِي الرعب فِي قلبِي، والتألم فِي بدني، مُدَّة.

стр. 1262

الْبَاب الْعَاشِر فِيمَن اشْتَدَّ بلاؤه بِمَرَض ناله فعافاه الله سُبْحَانَهُ بأيسر سَبَب وأقاله دُعَاء يشفي من الوجع ٤: ١٩٢ ٥٤ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، أَخْبَرَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَعًا بِي، قَدْ كَادَ يُبْطِلُنِي، فَقَالَ لِي: يَا

стр. 1263

عُثْمَانُ، ضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ هَذَا الْوَجَعِ، وَمِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ "، قَالَ: فَقُلْتُهَا، فَشَفَانِي اللَّهُ

стр. 1264

وَجَأَ نَفْسَهُ بِسِكِّينٍ فَعُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الضَّحَّاك، عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن سَلام، عَن أبي جعدة، قَالَ: برص أَبُو عزة الجُمَحِي الشَّاعِر، فَكَانَت قُرَيْش لَا تؤاكله، وَلَا تجالسه، فَقَالَ: الْمَوْت خير من هَذِه الْحَيَاة. فَأخذ حَدِيدَة، وَدخل بعض شعاب مَكَّة، فطعن بهَا فِي معده. والمعد: مَوضِع عَقبي الرَّاكِب من الدَّابَّة.

стр. 1265

قَالَ أَبُو جعدة: فمرت الحديدة بَين الْجلد والصفاق، فَسَالَ مِنْهُ مَاء أصفر، وَبرئ لوقته، فَقَالَ: ألّلهمّ ربّ وائلٍ ونهد ... والمهمهات وَالْجِبَال الجرد قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَالَّذِي فِي كتاب الطوسي: لَا هم، وَهُوَ الصَّوَاب عِنْدِي. وربّ من يرْعَى بَيَاض نجد ... أَصبَحت عبدا لَك وَابْن عبد أبرأتني من وضحٍ فِي جلدي ... من بعد مَا طعنت فِي معدّي

стр. 1266

يَا قديم الْإِحْسَان لَك الْحَمد حَدثنَا أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن البهلول التنوخي، قَالَ: كَانَ ينزل بِبَاب الشَّام من الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد رجل مَشْهُور بالزهد وَالْعِبَادَة، يُقَال لَهُ: لَبِيب العابد، لَا يعرف إِلَّا بِهَذَا. وَكَانَ النَّاس ينتابونه، وَكَانَ صديقا لأبي، فَحَدثني لَبِيب، قَالَ: كنت مَمْلُوكا روميًا لبَعض الْجند، فرباني، وَعَلمنِي الْعَمَل بِالسِّلَاحِ، حَتَّى صرت رجلا، وَمَات مولَايَ بعد أَن أعتقني. فتوصلت إِلَى أَن حصلت رزقه لي، وَتَزَوَّجت بامرأته، وَقد علم الله أنني لم أرد بذلك إِلَّا صيانتها، فأقمت مَعهَا مُدَّة. ثمَّ اتّفق أَنِّي رَأَيْت يَوْمًا حَيَّة دَاخِلَة فِي جحرها، فَأَمْسَكت ذنبها، فانثنت عَليّ، فنهشت يَدي، فشلت. وَمضى على ذَلِك زمَان طَوِيل، فشلت يَدي الْأُخْرَى، لغير سَبَب أعرفهُ، ثمَّ جَفتْ رجلاي، ثمَّ عميت، ثمَّ خرست. وَكنت على ذَلِك الْحَال، ملقى، سنة كَامِلَة، لم تبْق لي جارحة صَحِيحَة، إِلَّا سَمْعِي، أسمع بِهِ مَا أكره، وَأَنا طريح على ظَهْري، لَا أقدر على الْكَلَام، وَلَا على الْحَرَكَة، وَكنت أسْقى وَأَنا رَيَّان، وأترك وَأَنا عطشان، وأهمل وَأَنا جَائِع، وَأطْعم وَأَنا شبعان. فَلَمَّا كَانَ بعد سنة، دخلت امْرَأَة إِلَى زَوْجَتي، فَقَالَت: كَيفَ أَبُو عَليّ، لَبِيب؟

стр. 1267

فَقَالَت لَهَا زَوْجَتي: لَا حَيّ فيرجى، وَلَا ميت فيسلى. فأقلقني ذَلِك، وآلمني ألمًا شَدِيدا، وبكيت، ورغبت إِلَى الله فِي سري بِالدُّعَاءِ. وَكنت فِي جَمِيع تِلْكَ الْعِلَل لَا أجد ألمًا فِي جسمي، فَلَمَّا كَانَ فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم، ضرب عَليّ جسمي ضربانًا عَظِيما كَاد يتلفني، وَلم أزل على ذَلِك الْحَال، إِلَى أَن دخل اللَّيْل وانتصف، فسكن الْأَلَم قَلِيلا، فَنمت. فَمَا أحسست إِلَّا وَقد انْتَبَهت وَقت السحر، وَإِحْدَى يَدي على صَدْرِي، وَقد كَانَت طول هَذِه السّنة مطروحة على الْفراش لَا تنشال أَو تشال. ثمَّ وَقع فِي قلبِي أَن أتعاطى تحريكها، فحركتها، فتحركت، فَفَرِحت بذلك فَرحا شَدِيدا، وَقَوي طمعي فِي تفضل الله عَليّ بالعافية. فحركت الْأُخْرَى فتحركت، فقبضت إِحْدَى رجْلي فانقبضت، فرددتها فَرَجَعت، فَفعلت مثل ذَلِك مرَارًا. ثمَّ رمت الانقلاب من غير أَن يقلبني أحد، كَمَا كَانَ يفعل بِي أَولا، فَانْقَلَبت بنفسي، وَجَلَست. ورمت الْقيام فأمكنني، فَقُمْت وَنزلت عَن السرير الَّذِي كنت مطروحًا عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي بَيت من الدَّار. فمشيت ألتمس الْحَائِط فِي الظلمَة، لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ سراج، إِلَى أَن وَقعت على الْبَاب، وَأَنا لَا أطمع فِي بَصرِي. فَخرجت من الْبَيْت إِلَى صحن الدَّار، فَرَأَيْت السَّمَاء وَالْكَوَاكِب تزهر، فكدت أَمُوت فَرحا. وَانْطَلق لساني بِأَن قلت: يَا قديم الْإِحْسَان، لَك الْحَمد. ثمَّ صحت بِزَوْجَتِي، فَقَالَت: أَبُو عَليّ؟ فَقلت: السَّاعَة صرت أَبُو عَليّ؟ أسرجي، فأسرجت.

стр. 1268

فَقلت: جيئيني بمقراض، فَجَاءَت بِهِ، فقصصت شاربًا لي كَانَ بزِي الْجند. فَقَالَت زَوْجَتي: مَا تصنع؟ السَّاعَة يعيبك رفقاؤك. فَقلت: بعد هَذَا لَا أخدم أحدا غير رَبِّي. فَانْقَطَعت إِلَى الله ، وَخرجت من الدَّار، وَطلقت الزَّوْجَة، ولزمت عبَادَة رَبِّي. وَقَالَ أَبُو الْحسن: وَخبر هَذَا الرجل مَعْرُوف مَشْهُور، وَكَانَت هَذِه الْكَلِمَة: يَا قديم الْإِحْسَان لَك الْحَمد، صَارَت عَادَته، يَقُولهَا فِي حَشْو كَلَامه. وَكَانَ يُقَال: إِنَّه مجاب الدعْوَة، فَقلت لَهُ يَوْمًا: إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي مَنَامك، فَمسح يَده عَلَيْك، فبرئت. فَقَالَ: مَا كَانَ لعافيتي سَبَب غير مَا عرفتك.

стр. 1269

أَبْرَأ أَبُو بكر الرَّازِيّ غُلَاما ينفث الدَّم بإطعامه الطحلب حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ الْخلال الْبَصْرِيّ، أحد أَبنَاء الْقُضَاة، قَالَ: حَدثنِي بعض أهل الطِّبّ الثِّقَات: أَن غُلَاما من بَغْدَاد قدم الرّيّ وَهُوَ ينفث الدَّم، وَكَانَ لحقه ذَلِك فِي طَرِيقه. فاستدعى أَبَا بكر الرَّازِيّ الطَّبِيب الْمَشْهُور بالحذق، صَاحب الْكتب المصنفة، فوصف لَهُ مَا يجد. فَأخذ الرَّازِيّ مجسه، وَرَأى قارورته، واستوصف حَاله، مُنْذُ ابْتِدَاء ذَلِك بِهِ، فَلم يقم لَهُ دَلِيل على سل وَلَا قرحَة، وَلم يعرف الْعلَّة، فاستنظر الرجل ليفكر فِي الْأَمر. فَقَامَتْ على العليل قِيَامَته , وَقَالَ: هَذَا إِيَاس لي من الْحَيَاة، لحذق الطَّبِيب، وجهله بِالْعِلَّةِ، فازداد مَا بِهِ. وَولد الْفِكر للرازي أَن عَاد إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن الْمِيَاه الَّتِي شربهَا فِي طَرِيقه، فَأخْبرهُ أَنه شرب من مستنقعات وصهاريج. فَقَامَ فِي نفس الرَّازِيّ، لحدة الخاطر وجودة الذكاء، أَن علقَة كَانَت فِي المَاء وَقد حصلت فِي معدته، وَأَن ذَلِك النفث من فعلهَا.

стр. 1270

فَقَالَ لَهُ: إِذا كَانَ غَدا جئْتُك بعلاجك، وَلَا أنصرف من عنْدك حَتَّى تَبرأ بِإِذن الله تَعَالَى، وَلَكِن بِشَرْط أَن تَأمر غلمانك يطيعونني فِيمَا آمُرهُم بِهِ. قَالَ: نعم. وَانْصَرف الرَّازِيّ، وَجمع ملْء مركنين كبيرين من طحلب، وأحضرهما من غَد مَعَه، وَأرَاهُ إيَّاهُمَا. وَقَالَ لَهُ: ابلع جَمِيع مَا فِي هذَيْن المركنين، فَبَلع الرجل شَيْئا يَسِيرا، ثمَّ وقف. فَقَالَ لَهُ: ابلع. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيع. فَقَالَ للغلمان: خذوه، فنيموه، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك، وفتحوا فَاه، وَأَقْبل الرَّازِيّ يُدِير الطحلب فِي حلقه، ويكبسه كبسًا شَدِيدا ويطالبه ببلعه، شَاءَ أَو أَبى، ويتهدده بِالضَّرْبِ، إِلَى أَن بلع كَارِهًا أحد المركنين، وَهُوَ يستغيث فَلَا يَنْفَعهُ مَعَ الرَّازِيّ شَيْء. إِلَى أَن قَالَ لَهُ العليل: السَّاعَة أقذف مَا فِي بَطْني، فَزَاد الرَّازِيّ فِيمَا يكبسه فِي حلقه. فذرعه الْقَيْء، فقذف، فَتَأمل الرَّازِيّ قذفه، فَإِذا فِيهِ علقَة، وَإِذا بهَا لما وصل إِلَيْهَا الطحلب، دبت إِلَيْهِ بالطبع، وَتركت موضعهَا، فَلَمَّا قذف العليل، خرجت مَعَ الطحلب، ونهض العليل معافى.

стр. 1271

أُصِيب بوجع فِي الْمعدة وشفاه لحم جرو سمين وَحكى الْحسن بن مُحَمَّد السطوي، غُلَام كَانَ يخْدم أبي ﵀، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن الصيدلاني البناتاذري، خَليفَة القَاضِي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي على الْقَضَاء ببناتاذر، قَالَ: كَانَ عندنَا بسوق الْأَرْبَعَاء، من بناتاذر، غُلَام حدث من أَوْلَاد التناء، لحقه وجع فِي معدته شَدِيد، بِلَا سَبَب يعرفهُ، وَكَانَت تضرب عَلَيْهِ فِي أَكثر الْأَوْقَات ضربانًا عَظِيما، حَتَّى كَاد يتْلف، وَقل أكله، وَنحل جِسْمه. فَحمل إِلَى الأهواز، فعولج بِكُل شَيْء، فَمَا نجع فِيهِ دَوَاء، فَرد إِلَى بَيته وَقد يئس مِنْهُ. فاستدعى وَالِده طَبِيبا حاذقًا، وَأرَاهُ وَلَده، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: اقعد واشرح لي حالك، مُنْذُ حَال الصِّحَّة، فشرحها. وطاوله فِي الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ لَهُ العليل: إِنِّي دخلت بستانًا لنا، وَكَانَ

стр. 1272

فِي بَيت الْبَقر مِنْهُ، رمان كثير، قد جمع للْبيع، فَأكلت مِنْهُ رمانات عدَّة. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: كَيفَ كنت تَأْكُل؟ قَالَ: كنت أعض رَأس الرمانة بفمي، وأرمي بِهِ، وأكسرها، وآكلها، قطعا قطعا. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: فِي غَد أعالجك، وتبرأ بِإِذن الله تَعَالَى، وَخرج. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَهُ بِقدر إسفيذباج، قد طبخها بِلَحْم جرو سمين، وَقَالَ للعليل: كل هَذَا. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذا أكلت عرفتك. قَالَ: فَأكل العليل. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: امتل من الطَّعَام، فَفعل، ثمَّ أطْعمهُ بطيخًا كثيرا، ثمَّ تَركه سَاعَة، وسقاه فقاعًا قد خلط بِمَاء حَار وشبث. ثمَّ قَالَ: أَتَدْرِي أَي شَيْء أكلت؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: أكلت لحم كلب، فحين سمع الْغُلَام ذَلِك، انْدفع فقذف جَمِيع مَا فِي بَطْنه. فَأمر الطَّبِيب بِعَيْنيهِ وَرَأسه فأُمسكا، وَأَقْبل يتَأَمَّل الْقَذْف، إِلَى أَن طرح

стр. 1273

الْغُلَام شَيْئا أسود، كالنواة الْكَبِيرَة، يَتَحَرَّك. فَأَخذه الطَّبِيب، وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأسك، فقد بَرِئت، وَفرج الله تَعَالَى عَنْك. فَرفع الْغُلَام رَأسه، وَانْقطع الْقَذْف، وسقاه الطَّبِيب شَيْئا يقطع الغثيان، وصب على رَأسه مَاء ورد، وَسكن نَفسه، ثمَّ أَخذ ذَلِك الشَّيْء الَّذِي يشبه النواة، فَأرَاهُ إِيَّاه، فَإِذا هُوَ قراد. وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قد زكنت أَن الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّمَّان، كَانَ فِيهِ قردان من الْبَقر، وَأَنه قد دخلت وَاحِدَة مِنْهُنَّ فِي رَأس إِحْدَى الرمانات الَّتِي اقتلعت رءوسها بفيك، فَنزل القراد إِلَى حلقك، وعلق بمعدتك يمتصها. وَعلمت أَن القراد يهش إِلَى لحم الْكَلْب، فأطعمتك إِيَّاه، وَقلت: إِن صَحَّ ظَنِّي، فسيتعلق القراد بِلَحْم الْكَلْب، تعلقًا يخرج مَعَه إِن قذفت، فتبرأ، وَإِن لم يكن مَا ظَنَنْت صَحِيحا، فَمَا يَضرك من أكل لحم الْكَلْب. فَلَمَّا أحب الله تَعَالَى من عافيتك صَحَّ حدسي، فَلَا تعاود بعد هَذَا إِدْخَال شَيْء فِي فِيك لَا ترى مَا فِيهِ. وبريء الْغُلَام، وَصَحَّ جِسْمه.

стр. 1274

ذكاء طَبِيب أهوازي وَحدثنَا الْحسن غلامنا، عَن ابْن الصيدلاني هَذَا، قَالَ: كَانَ لي أكار حدث، فانتفخ ذكره انتفاخًا عَظِيما واحمر، وَضرب عَلَيْهِ ضربانًا شَدِيدا، فَلم يكن ينَام اللَّيْل، وَلَا يهدأ النَّهَار، وعولج فَلم يكن إِلَى برئه سَبِيل. قَالَ: فجَاء مطبب من الأهواز، يُرِيد الْبَصْرَة، فَسَأَلته أَن ينظر إِلَيْهِ. فَقَالَ لي: قل لَهُ يصدقني عَن خَبره فِي أَيَّام صِحَّته، وَإِلَى الْآن، قَالَ: فحدثه. فَقَالَ لَهُ: مَا صدقتني، وَمَا لي إِلَى علاجك سَبِيل، إِلَّا أَن تصدقني. فَقَالَ لي الْغُلَام: إِن صدقتك يَا أستاذ، فَأَنا آمن من جهتك على نَفسِي؟ قلت: نعم. فَقَالَ: أَنا غُلَام حدث، وعزب، فوطئت حمارا لي فِي الصَّحرَاء ذكرا. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: الْآن علمت أَنَّك قد صدقت، والساعة تَبرأ. ثمَّ أَمر بِهِ فأُمسك إمساكًا شَدِيدا، وَأخذ ذكره بِيَدِهِ، فجسه جسًا شَدِيدا، والغلام سَاكِت. إِلَى أَن جس مِنْهُ موضعا، فصاح الْغُلَام، فَأخذ الطَّبِيب خيط إبريسم، فَشد الْموضع شدًا شَدِيدا، وَلم يزل يمرخ إحليل الْغُلَام بِيَدِهِ، ويسلته، إِلَى أَن

стр. 1275

ندت مِنْهُ حَبَّة شعير من نقب ذكر الْغُلَام، وَقد كَبرت وجرحت الْموضع، فَسَالَ مِنْهُ شَيْء يسير كَمَاء اللَّحْم. فَأعْطَاهُ مرهمًا، وَقَالَ لَهُ: اسْتعْمل هَذَا أَيَّامًا فَإنَّك تَبرأ، وَتب إِلَى الله تَعَالَى من هَذَا الْفِعْل. فَاسْتعْمل الْغُلَام ذَلِك المرهم، فبرئ.

стр. 1276

شج رَأسه فَمَرض ثمَّ شج بعْدهَا فصلح وحَدثني أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد الله الدقاق، الْمَعْرُوف بِابْن العسكري، شيخ مجرب ثِقَة، كَانَ ينزل فِي درب الشاكرية من نهر الْمُعَلَّى، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من بَغْدَاد، فِي المذاكرة، قَالَ: كَانَ أبي إِذا جلس يفتش فِي دفاتره، وَأَنا صبي، أجيء فآخذ مِنْهَا الشَّيْء بعد الشَّيْء، أستحسنه، فألعب بِهِ. وَكنت أرى فِي دفاتره دفترًا فِيهِ خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني مِنْهُ، حَتَّى بلغت مبلغ الرِّجَال. فَجَلَسَ يَوْمًا يفتش كتبه، فَرَأَيْت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، فَإِذا هُوَ مولدِي، وَقد عمله بعض المنجمين. فَوجدت فِيهِ، أنني إِذا بلغت أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة، كَانَ عَليّ فِيهَا قطع. فَالْتَفت أبي فَرَأى الدفتر معي، فصاح وَأَخذه مني، وَنظر إِلَى أَي مَوضِع

стр. 1277

بلغت، فتوقف وَأخذ يضعف ذَلِك فِي نَفسِي لِئَلَّا أغتم. وَمَضَت السنون، فَلَمَّا بلغت السّنة الَّتِي ذكرهَا المنجم، ركبت مهْرا لي، وَخرجت من دَار الضَّرْب، وَأبي فِيهَا، وَكَانَ إِلَيْهِ الْعيار، فبلغت إِلَى ساباط بدرب سِيمَا، بدرب الديزج. فنفر الْمهْر من كلب كَانَ فِي الطَّرِيق رابضًا، فَضرب رَأْسِي حَائِطا كَانَ فِي الساباط، فَوَقَعت عَن الْمهْر مغشيًا عَليّ. ثمَّ حملت إِلَى دَار الضَّرْب، وأحضر طَبِيب، وَقد انتفخ مَوضِع الضَّرْبَة من رَأْسِي إنتفاخًا عَظِيما، فَأَشَارَ بفصدي، ففصدت فَلم يخرج لي دم. فَحملت إِلَى بيتنا، وَلم أَشك فِي أَنِّي ميت لشدَّة مَا لَحِقَنِي، فاعتللت، وضعفت نَفسِي خوفًا مِمَّا ذكرته من حكم المنجم. فَكنت يَوْمًا جَالِسا مُسْتَندا إِلَى سَرِير، وَقد أَيِست من الْحَيَاة، إِذْ حَملتنِي عَيْنَايَ، فخفق رَأْسِي، فَضرب درابزين السرير، فشج الْموضع المنتفخ، فَخرج مِنْهُ أَرْطَال دم، فخف مَا بِي فِي الْحَال، فصلحت، وبرئت، وعشت إِلَى الْآن. وَكَانَ لَهُ يَوْم حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وشهور، على مَا أَخْبرنِي.

стр. 1278

الْقطيعِي الطَّبِيب وذكاؤه وَمَكَارِم أخلاقه وحَدثني أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي الْكَاتِب، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر طَبِيبا مَشْهُورا يعرف بالقطيعي، وَكَانَ يُقَال: إِنَّه يكْسب فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم، من جرايات يجريها عَلَيْهِ قوم من رُؤَسَاء الْعَسْكَر، وَمن السُّلْطَان، وَمَا يَأْخُذهُ من الْعَامَّة. قَالَ: وَكَانَ لَهُ دَار قد جعلهَا شبه البيمارستان، من جملَة دَاره، يأوي إِلَيْهَا ضعفاء الأعلة، يعالجهم، وَيقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وَخدمَتهمْ، وَينْفق أَكثر كَسبه فِي ذَلِك. قَالَ أَبُو الْحسن: فأسكت بعض فتيَان الرؤساء بِمصْر، وأسماه لي فَذهب عني اسْمه، وَكنت هُنَاكَ، فَحمل إِلَيْهِ أهل الطِّبّ، وَفِيهِمْ الْقطيعِي، فَأَجْمعُوا على مَوته، إِلَّا الْقطيعِي، وَعمل أَهله على غسله وَدَفنه. فَقَالَ الْقطيعِي: دَعونِي أعَالجهُ، فَإِن برِئ، وَإِلَّا فَلَيْسَ يلْحقهُ أَكثر من الْمَوْت الَّذِي أجمع هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ. فَخَلَّاهُ أَهله مَعَه، فَقَالَ؛ هاتم غُلَاما جلدا ومقارع، فَأتي بذلك.

стр. 1279

فَأمر بِهِ فَمد، وَضرب عشر مقارع من أَشد الضَّرْب، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى شَدِيدَة أَيْضا، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى. ثمَّ جس مجسه، وَقَالَ للطب: أَيكُون للْمَيت نبض يضْرب؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ: فجسوا نبض هَذَا. فجسوه، فَإِذا بِهِ يَتَحَرَّك، فَضرب عشر مقارع أُخْرَى، فصاح. فَقطع الضَّرْب عَنهُ، فَجَلَسَ العليل يجس بدنه، ويتأوه، وَقد ثَابت إِلَيْهِ قوته. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: مَا تَجِد؟ قَالَ: أَنا جَائِع. قَالَ: أطعموه السَّاعَة، فجاءوه بِمَا أكله، وقمنا وَقد رجعت قوته، وَبرئ. فَقَالَ لَهُ الطِّبّ: من أَيْن لَك هَذَا؟ قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي قافلة فيهم أَعْرَاب يخفروننا، فَسقط مِنْهُم فَارس عَن فرسه، فأسكت، فَعمد شيخ مِنْهُم إِلَيْهِ، فَضَربهُ ضربا عَظِيما، فَمَا رفع عَنهُ الضَّرْب حَتَّى أَفَاق، فَعلمت أَن ذَلِك الضَّرْب جلب عَلَيْهِ حرارة أزالت سكتته. فقست عَلَيْهِ أَمر هَذَا العليل.

стр. 1280

مَرِيض بالاستسقاء تشفيه أَكلَة جَراد حَدثنِي بعض المتطببين بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَنْصُور بن مَارِيَة، كَاتب أبي مقَاتل صَالح بن مرداس الْكلابِي، أَمِير حلب، وَكَانَ أَبُو مَنْصُور من رُؤَسَاء أهل الصراة الَّذين يضْربُونَ الْمثل بنعمتهم وترفههم، وَكَانَ ثِقَة أديبًا، وَقد شاهدته أَنا، وَلم أسمع مِنْهُ هَذِه الْحِكَايَة، قَالَ: أَخْبرنِي أحد شُيُوخنَا، قَالَ: كَانَ بعض أهلنا قد استسقى، فأيس من حَيَاته، وَحمل إِلَى بَغْدَاد، فشوور أهل الطِّبّ فِيهِ، فوصفوا لَهُ أدوية كثارًا، فعرفوا أَنه قد تنَاولهَا بأسرها،

стр. 1281

فَلم تنجع، فأيسوا مِنْهُ، وَقَالُوا: لَا حِيلَة لنا فِي برئه. فَلَمَّا سمع العليل ذَلِك، قَالَ لمن مَعَه: دَعونِي الْآن أتزود من الدُّنْيَا، وآكل مَا أشتهي، وَلَا تقتلوني قبل أَجلي بالحمية. فَقَالُوا: كل مَا تُرِيدُ. فَكَانَ يجلس على دكان بِبَاب الدَّار، وَمهما رأى مَا يجتاز بِهِ على الطَّرِيق، شراه، وَأكله. فَمر بِهِ رجل يَبِيع جَرَادًا مطبوخًا، فَاشْترى مِنْهُ عشرَة أَرْطَال، وأكلها بأسرها. فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، انحل طبعه، وتواتر قِيَامه، حَتَّى قَامَ فِي ثَلَاثَة أَيَّام أَكثر من ثلث مائَة مجْلِس، وَضعف، وَكَاد يتْلف. ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد زَالَ كل مَا فِي جَوْفه، وعادت بَطْنه إِلَى حَالهَا فِي الصِّحَّة، وثابت إِلَيْهِ قوته، وَبرئ. فَخرج برجليه فِي الْيَوْم الْخَامِس، يتَصَرَّف فِي حَوَائِجه، فَرَآهُ أحد الطِّبّ، فَعجب من أمره، وَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر، فَعرفهُ. فَقَالَ: لَيْسَ من شَأْن الْجَرَاد أَن يفعل هَذَا، وَلَا بُد أَن يكون فِي الْجَرَاد الَّذِي فعل هَذَا خاصية، فَأحب أَن تدلني على الَّذِي باعك الْجَرَاد، فَلم يزَالُوا فِي طلبه حَتَّى وجدوه. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: من أَيْن لَك هَذَا الْجَرَاد؟ فَقَالَ: أَنا أصيده، وَأجْمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وأطبخه، وأبيعه. فَقَالَ: من أَيْن تصيده؟ فَذكر قَرْيَة بِالْقربِ من بَغْدَاد.

стр. 1282

فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: أُعْطِيك دِينَارا، وَتَدَع شغلك، وتجيء معي إِلَى الْموضع. قَالَ: نعم، فَخَرَجَا وَعَاد الطَّبِيب من غَد، فَذكر أَنه رأى الْجَرَاد يرْعَى فِي صحراء أَكثر نباتها حشيشة يُقَال لَهَا: مازريون، وَهِي دَوَاء الاسْتِسْقَاء. وَإِذا دفع إِلَى العليل مِنْهَا وزن دِرْهَم، أسهله إسهالًا يزِيل الاسْتِسْقَاء، وَلَكِن لَا يُؤمن أَن لَا ينظبط، وَلَا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بهَا خطر جدا، وَهِي مَذْكُورَة فِي الْكتب الطبية، وَلكنهَا لفرط خطرها لَا يصفها الْأَطِبَّاء، فَلَمَّا وَقع الْجَرَاد على هَذِه الحشيشة، وانطبخت فِي معدته، ثمَّ طبخ الْجَرَاد، ضعف فعلهَا بطبخين اجْتمعَا عَلَيْهَا، وَقضى أَن تنَاولهَا هَذَا بالِاتِّفَاقِ، وَقد تعدلت بِمِقْدَار مَا يدْفع طبعه دفعا لَا يَنْقَطِع، فبرأ.

стр. 1283

مَرِيض بالاستسقاء يبرأ بعد أَن طعم لحم أَفْعَى وَحدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن طرطى الوَاسِطِيّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي الْكُوفِي، قَالَ: كنت فِي بعض حججي فِي طَرِيق مَكَّة، فَاسْتَسْقَى رجل كَانَ مَعنا من أهل الْكُوفَة، وَثقل فِي علته. وسل الْأَعْرَاب قطارًا من الْقَافِلَة كَانَ هَذَا العليل على جمل مِنْهُ، ففقد، وجزعنا عَلَيْهِ، وعَلى القطار، وَكُنَّا رَاجِعين إِلَى الْكُوفَة. فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، جَاءَ العليل إِلَى دَاري معافى، فَسَأَلته عَن قصَّته وَسبب عافيته. فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب لما سلوا القطار، ساقوه إِلَى محلهم، وَكَانَ على فراسخ يسيرَة من المحجة، فأنزلوني، وَرَأَوا صُورَتي، فطرحوني فِي أَوَاخِر بُيُوتهم. وتقاسموا مَا كَانَ فِي القطار، فَكنت أزحف وأتصدق من الْبيُوت مَا آكله، وتمنيت الْمَوْت، وَكنت أَدْعُو الله تَعَالَى بِهِ أَو بالعافية. فرأيتهم يَوْمًا وَقد عَادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فَقطعُوا رءوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها. فَقلت: هَؤُلَاءِ يَأْكُلُون هَذِه فَلَا تَضُرهُمْ بِالْعَادَةِ الَّتِي قد مرنوا عَلَيْهَا، ولعلي

стр. 1284

إِذا أكلت مِنْهَا شَيْئا أَن أتلف فَأَسْتَرِيح مِمَّا أَنا فِيهِ. فَقلت لبَعْضهِم: أَطْعمنِي من هَذِه الْحَيَّات، فَرمى إِلَيّ وَاحِدَة مِنْهَا مشوية، فِيهَا أَرْطَال، فَأَكَلتهَا بأسرها، وأمعنت، طلبا للْمَوْت، فأخذني نوم عَظِيم، فانتبهت وَقد عرقت عرقًا عَظِيما، فاندفعت طبيعتي، فَقُمْت فِي بَقِيَّة يومي وليلتي أَكثر من مائَة مجْلِس، إِلَى أَن سَقَطت طريحًا وجوفي يجْرِي. فَقلت: هَذَا طَرِيق الْمَوْت، فَأَقْبَلت أَتَشهد، وأدعو الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة. فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْح، تَأَمَّلت بَطْني، فَإِذا هِيَ قد ضمرت جدا، وَزَالَ عَنْهَا مَا كَانَ بهَا، فَقلت: أَي شَيْء يَنْفَعنِي هَذَا، وَأَنا ميت؟ فَلَمَّا أضحى النَّهَار، انْقَطع الْقيام، وَوَجَبَت صَلَاة الظّهْر، فَلم أحس بِقِيَام، وجعت، فَجئْت لأزحف على الْعَادة، فَوجدت بدني خَفِيفا، وقوتي صَالِحَة، فتحاملت ومشيت، وَطلبت مِنْهُم مَأْكُولا فأطعموني، وقويت، وَبت فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة معافى لَا أنكر شَيْئا من أَمْرِي. فأقمت أَيَّامًا، إِلَى أَن وثقت من نَفسِي بِأَنِّي إِن مشيت نجوت، فَأخذت الطَّرِيق مَعَ بَعضهم، إِلَى أَن صرت على المحجة، ثمَّ سلكتها، منزلا، منزلا، إِلَى الْكُوفَة مشيًا.

стр. 1285

القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن أبي عمر يحزن لمَوْت يزِيد المائي حَدثنِي أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمَرْزُبَان الشِّيرَازِيّ الْكَاتِب: قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الجعابي الْحَافِظ، قَالَ: دخلت يَوْمًا على القَاضِي أبي الْحُسَيْن بن أبي عمر، وَهُوَ مغموم، فَقلت: لَا يغم الله قَاضِي الْقُضَاة، مَا هَذَا الْحزن الَّذِي أرَاهُ بِهِ؟ قَالَ: مَاتَ يزِيد المائي. فَقلت: يبقي الله قَاضِي الْقُضَاة، وَمن يزِيد المائي، حَتَّى إِذا مَاتَ اغتم عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة، هَذَا الْغم كُله؟ فَقَالَ: وَيحك، مثلك يَقُول هَذَا فِي رجل كَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعته، وَقد مَاتَ وَمَا ترك أحدا يُقَارِبه فِي حذقه، وَهل فَخر الْبلدَانِ إِلَّا بِكَثْرَة رُؤَسَاء الصَّنَائِع، وحذاق أهل الْعُلُوم فِيهَا؟ فَإِذا مضى رجل لَا مثيل لَهُ فِي صناعَة لَا

стр. 1286

بُد للنَّاس مِنْهَا، فَهَل يدل هَذَا إِلَّا على نُقْصَان الْعَالم وانحطاط الْبلدَانِ. ثمَّ أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة الَّتِي عالج بهَا، والعلل الصعبة الَّتِي زَالَت بتدبيره، فَذكر من ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة، مِنْهَا: قَالَ: أَخْبرنِي مُنْذُ مُدَّة رجل من جلة أهل الْبَلَد، أَنه كَانَ حدث بابنة لَهُ عِلّة طريفة، فكتمت أمرهَا، ثمَّ أطلع عَلَيْهَا أَبوهَا، فكتمها هُوَ مديدة، ثمَّ انْتهى أَمر الْبِنْت إِلَى حد الْمَوْت. قَالَ: وَكَانَت الْعلَّة، أَن فرج الصبية كَانَ يضْرب عَلَيْهَا ضربانًا عَظِيما لَا تنام مَعَه اللَّيْل وَلَا النَّهَار، وتصرخ أعظم صُرَاخ، وَيجْرِي فِي خلال ذَلِك مِنْهُ دم يسير كَمَاء اللَّحْم، وَلَيْسَ هُنَاكَ جرح يظْهر، وَلَا ورم. قَالَ: فَلَمَّا خفت المأثم، أحضرت يزِيد، فشاورته. فَقَالَ: أتأذن لي فِي الْكَلَام، وتبسط عُذْري فِيهِ. فَقلت لَهُ: نعم. قَالَ: لَا يمكنني أَن أصف لَك شَيْئا، دون أَن أشاهد الْموضع بعيني، وأفتشه بيَدي، وأسائل الْمَرْأَة عَن أَسبَاب لَعَلَّهَا كَانَت الجالبة لِلْعِلَّةِ. قَالَ: فلعظم الصُّورَة، وبلوغها حد التّلف، أمكنته من ذَلِك. فَأطَال المسائلة، وحدثها بِمَا لَيْسَ من جنس الْعلَّة، بعد أَن جس الْموضع من ظَاهره، وَعرف بقْعَة الْأَلَم، حَتَّى كدت أَن أثب بِهِ، ثمَّ صبرت، وَرجعت إِلَى مَا أعرفهُ عَن سيرته، فَصَبَرت على مضض. إِلَى أَن قَالَ: تَأمر من يمْسِكهَا، فَفعلت. فَأدْخل يَده فِي الْموضع دُخُولا شَدِيدا، فصاحت الْجَارِيَة، وأغمي عَلَيْهَا، وانبعث الدَّم، وَأخرج يَده وفيهَا حَيَوَان أقل من الخنفساء، فَرمى بِهِ. فَجَلَست الْجَارِيَة فِي الْحَال، وَقَالَت: يَا أَبَة، استرني، فقد عوفيت. فَأخذ يزِيد الْحَيَوَان بِيَدِهِ، وَخرج من الْموضع، فلحقته، فأجلسته.

стр. 1287

وَقلت: أَخْبرنِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِن تِلْكَ المسائلة الَّتِي لم أَشك من أَنَّك أنكرتها، إِنَّمَا كَانَت لأطلب دَلِيلا أستدل بِهِ على سَبَب الْعلَّة. إِلَى أَن قَالَت لي الصبية: إِنَّهَا فِي يَوْم من الْأَيَّام، جَلَست فِي بَيت دولاب الْبَقر، فِي بُسْتَان لكم، ثمَّ حدثت الْعلَّة بهَا، من غير سَبَب تعرفه، فِي غَد ذَلِك الْيَوْم. فتخيلت أَنه قد دب فِي فرجهَا من القراد الَّذِي يكون على الْبَقر، وَفِي بيُوت الْبَقر قراد، قد تمكن من أول دَاخل الْفرج، فَكلما امتص الدَّم من مَوْضِعه ولد الضربان، وَأَنه إِذا شبع، خف الضربان، لانْقِطَاع مصه، ونقط من الْجرْح الَّذِي يمتص مِنْهُ إِلَى خَارج الْفرج. فَقلت: أُدخل يَدي، وأفتش. فأدخلت يَدي، فَوجدت القراد كَمَا حدست، فَأَخْرَجته، وَهَذَا هُوَ الْحَيَوَان، وَقد تَغَيَّرت صورته لِكَثْرَة مَا امتص من الدَّم، مَعَ طول الْأَيَّام. قَالَ: فتأملنا الْحَيَوَان، فَإِذا هُوَ قراد، وبرئت الْمَرْأَة. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَلم يذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه هَذَا الْخَبَر، وَلَعَلَّه اعْتقد أَنه مِمَّا لَا يجب إِدْخَاله فِيهِ.

стр. 1288

زمنة مقعدة يشفيها الحنظل حَدثنِي المؤمل بن يحيى بن هَارُون، شيخ نَصْرَانِيّ يكنى بِأبي نصر، كَانَ ينزل بِبَاب الشَّام، رَأَيْته فِي سنة خمسين وثلثمائة، قَالَ: حَدثنِي قُرَّة بن السراج الْعقيلِيّ، وَكَانَ ينزل، إِذا جَاءَ من الْبَادِيَة، بشارع دَار الرَّقِيق بِالْقربِ من درب سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَ عندنَا بالبادية، جَارِيَة بَالغ، زمنة، مقعدة سِنِين، وَمن عادتنا أَن نَأْخُذ الحنظل فنقور رءوسه، ونملأه بِاللَّبنِ الحليب، ونرد على كل وَاحِدَة رَأسهَا، وندفنها فِي الرماد الْحَار، حَتَّى تغلي، فَإِذا غلت، حسا كل وَاحِد منا من الحنظلة مَا فِي رَأسهَا من اللَّبن، فتسهله، وَتصْلح بدنه. قَالَ: وَقد كُنَّا أَخذنَا فِي سنة من السنين، ثَلَاث حناظل، لثَلَاثَة أنفس، يشربونها، وَجَعَلنَا اللَّبن فِيهَا على الصّفة الْمَارَّة، فرأتها الْجَارِيَة الزمنة. فلتبرمها من الْحَيَاة، وضجرها من الزمانة، خالفتنا إِلَى الحناظل الثَّلَاث، فحستها كلهَا، وَعلمنَا بذلك بعد أَن رَأينَا من قِيَامهَا مَا جزعنا مِنْهُ، وأيسنا من حَيَاتهَا، وخشينا أَن تعدينا، فأبعدناها عَن الْبيُوت. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، انْقَطع قِيَامهَا، فمشت برجلها إِلَى أَن عَادَتْ إِلَى الْبيُوت لَا قلبة بهَا، وَعَاشَتْ بعد ذَلِك سِنِين، وَتَزَوَّجت، وَولدت.

стр. 1289

اشْترى الرشيد لطبيبه ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم وَحدث جِبْرِيل بن بختيشوع، قَالَ: كنت مَعَ الرشيد، بالرقة، وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد، وَكَانَ الرشيد رجلا كثير الْأكل وَالشرب، فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا، وَدخل المستراح، فَغشيَ عَلَيْهِ فِيهِ. فَأخْرج وَقد قوي عَلَيْهِ الغشي، حَتَّى لم يشك غلمانه فِي مَوته، وَحضر ابناه، وشاع عِنْد الْخَاصَّة والعامة خَبره. وَأرْسل إِلَيّ، فَجئْت، فجسست عرقه، فَوجدت نبضًا خَفِيفا، وَأخذت عرقًا فِي رجله فَكَانَ كَذَلِك، وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاءً وحركة الدَّم. فَقلت لَهُم: إِنَّه لم يمت، وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة. فَقَالَ كوثر الْخَادِم، لما يعرف من أَمر الْخلَافَة وإفضائها إِلَى صَاحبه مُحَمَّد: يَا ابْن الفاعلة، تَقول أحجموا رجلا مَيتا؟ لَا يقبل قَوْلك وَلَا كَرَامَة. فَقَالَ الْمَأْمُون: الْأَمر قد وَقع، وَلَيْسَ يضر أَن نحجمه. وأحضر الْحجام، فتقدمت، وَقلت لَهُ: ضع محاجمك، فَفعل، فَلَمَّا مصها رَأَيْت الْموضع قد احمر، فطابت نَفسِي بذلك، وَعلمت أَنه حَيّ. فَقلت للحجام: اشرط، فَشرط، فَخرج الدَّم، فسجدت شكرا لله تَعَالَى، وَجعل كلما خرج الدَّم، تحرّك رَأسه، وأسفر لَونه، إِلَى أَن تكلم.

стр. 1290

فَقَالَ: أَيْن أَنا؟ فطيبت نَفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذًا، وَمَا زلت أسعطه بالطيب فِي أَنفه، حَتَّى تراجعت إِلَيْهِ قوته، وَأدْخل الْخَاصَّة والقواد إِلَيْهِ، فَسَلمُوا عَلَيْهِ من بعد، لما كَانَ قد شاع من خَبره، ثمَّ تكاملت قوته، ووهب الله لَهُ الْعَافِيَة. فَلَمَّا برأَ من علته، دَعَا صَاحب حرسه، وحاجبه، وَصَاحب شرطته، فَسَأَلَ صَاحب الحرس عَن غَلَّته فِي كل سنة، فَعرفهُ أَنَّهَا ألف ألف دِرْهَم، وَسَأَلَ صَاحب شرطته عَن غَلَّته، فَعرفهُ أَنَّهَا خمس مائَة ألف دِرْهَم. ثمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيل: كم غلتك؟ فَقلت: خَمْسُونَ ألف دِرْهَم. فَقَالَ: مَا أنصفناك، حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني، ويحجبوني عَن النَّاس، على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَتَكون غلتك مَا ذكرت، وَأمر بإقطاعي مَا قِيمَته ألف ألف دِرْهَم. فَقلت: يَا سَيِّدي مَا لي حَاجَة إِلَى الإقطاع، وَلَكِن تهب لي مَا أَشْتَرِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَفعل، وَتقدم بمعاونتي على ابتياعها. فابتعت بهباته، وجعالاته، ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَجَمِيع مَا أمتلكه ضيَاع لَا إقطاع فِيهَا.

стр. 1291

لسعته عقرب فَعُوفِيَ وحَدثني أَبُو جَعْفَر طَلْحَة بن عبيد الله بن قناش الطَّائِي، الْجَوْهَرِي، الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: كَانَ فِي درب مهرويه، بالجانب الشَّرْقِي بِبَغْدَاد، قَدِيما، رجل من كبراء الحجرية، وَكَانَ متشببًا بِغُلَام من غلمانه، رباه صَغِيرا. فاعتل الْغُلَام عِلّة من بلسام، وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَامَّة: البرسام، فَبلغ إِلَى دَرَجَة قبيحة، وَزَالَ عقله. فَتَفَرَّقُوا عَنهُ يَوْمًا، وَهُوَ فِي مَوضِع فِيهِ خيش، ووكلوا صَبيا بمراعاته، فَسَمِعُوا صياح الْفَتى الْمُوكل بِهِ، فبادروا إِلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى مَا قد أَصَابَهُ. فَإِذا عقرب قد نزل من الْمسند على رَأس العليل، فلسعته فِي عدَّة مَوَاضِع، فَإِذا بِهِ قد فتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ لَا يشكو ألمًا. فَسَأَلُوهُ عَن حَاله، فَطلب مَا يَأْكُل، فأطعموه، وبرأ. فلاموا طبيبه، فَقَالَ: علام تَلُومُونَنِي، لَو أَمرتكُم أَن تلسعوه بعقرب، أَكُنْتُم تَفْعَلُونَ؟

стр. 1292

ابرأته مضيرة لعقت فِيهَا أَفْعَى حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن حمدون، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الرَّازِيّ الْفَقِيه ﵀، قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن قَارون الرَّازِيّ، وَكَانَ تلميذًا لأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، قَالَ أَبُو بكر بن حمدون: وَقد رَأَيْت هَذَا الرجل بِالريِّ، وَكَانَ يحسن علومًا كَثِيرَة، مِنْهَا الحَدِيث، وَيَرْوِيه، ويكتبه النَّاس عَنهُ، ويوثقونه، وَلم أسمع هَذَا مِنْهُ، قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَلم يتهيأ لي مَعَ كَثْرَة ملاقاتي أَبَا بكر الرَّازِيّ الْفَقِيه ﵀، أَن أسمع هَذَا الْخَبَر مِنْهُ، قَالَ ابْن قَارون: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، بعد رُجُوعه من عِنْد أَمِير خُرَاسَان، لما استدعاه ليعالجه من عِلّة صعبة، قَالَ: اجتزت فِي طريقي إِلَى نيسابور، ببسطام، وَهِي النّصْف من طَرِيق نيسابور إِلَى الرّيّ. قَالَ: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني دَاره، وخدمني أتم خدمَة وسألني أَن أَقف على ابْن لَهُ بِهِ استسقاء. فَأَدْخلنِي إِلَى دَار قد أفردها لَهُ، فشاهدت العليل، وَلم أطمع فِي برئه، فَسَأَلَنِي

стр. 1293

أَبوهُ عَن السِّرّ فِي حَاله، فصدقته، وآيسته من حَيَاة ابْنه. وَقلت لَهُ: مكنه من شهواته، فَإِنَّهُ لَا يعِيش. ثمَّ خرجت إِلَى خُرَاسَان، فأقمت بهَا سنة كَامِلَة، وعدت، فاستقبلني الرجل أَبُو الصَّبِي فَلم أَشك فِي وَفَاته، وَتركت مساءلته عَن ابْنه، فَإِنِّي كنت نعيته إِلَيْهِ، وخشيت من تثقيلي عَلَيْهِ، فأنزلني دَاره، وَلم أجد عِنْده مَا يدل على ذَلِك، وكرهت مسائلته عَن ابْنه لِئَلَّا أجدد عَلَيْهِ حزنا. فَقَالَ لي بعد أَيَّام: تعرف هَذَا الْفَتى؟ وَأَوْمَأَ إِلَى شَاب حسن الْوَجْه والسحنة، صَحِيح الْبدن، كثير الدَّم وَالْقُوَّة، قَائِم مَعَ الغلمان يخدمنا. فَقلت: لَا. فَقَالَ: هَذَا ابْني الَّذِي آيستني مِنْهُ عِنْد مضيك إِلَى خُرَاسَان. فتحيرت، وَقلت لَهُ: عرفني سَبَب برئه. فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بعد قيامك من عِنْدِي، فطن أَنَّك آيستني مِنْهُ. فَقَالَ لي: لست أَشك أَن هَذَا الرجل، وَهُوَ أوحد زَمَانه فِي الطِّبّ، قد آيسك مني، وَالَّذِي أَسأَلك، أَن تمنع هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: غلماني الَّذين كنت قد أخدمته إيَّاهُم، فَإِنَّهُم أترابي، وَإِذا رَأَيْتهمْ معافين، وَقد علمت أَنِّي ميت، تجدّد على قلبِي الْهم وَالْمَرَض، حَتَّى يعجل لي الْمَوْت، فأرحني من هَذَا بِأَن لَا أَرَاهُم، وأفرد لخدمتي دايتي. فَفعلت مَا سَأَلَ، وَكَانَ يحمل إِلَى الداية فِي كل يَوْم مَا تَأْكُله، وَكَانَت الداية تَأتيه بِمَا يطْلب من غير حمية. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة، حمل إِلَى الداية مضيرةً لتأكل مِنْهَا، فتركتها بِحَيْثُ يَقع عَلَيْهَا نظر ابْني، وَمَضَت فِي شغل لَهَا.

стр. 1294

فَذكرت بعد أَن عَادَتْ، أَن ابْني قد نهاها عَن أكل مَا فِي الغضارة، ووجدتها قد ذهب كثير مِمَّا كَانَ فِيهَا، وَبَقِي بعضه متغير اللَّوْن. قَالَت: فَقلت لَهُ: مَا السَّبَب؟ فَقَالَ: رَأَيْت أَفْعَى عَظِيمَة قد خرجت من مَوضِع ودبت إِلَيْهَا وأكلت مِنْهَا ثمَّ قذفت فِيهَا، فَصَارَ لَوْنهَا كَمَا تَرين، فَقلت: أَنا ميت، وهوذا يلحقني ألم شَدِيد، وَمَتى أظفر بِمثل هَذَا؟ وَجئْت، فَأكلت من الغضارة مَا اسْتَطَعْت، لأموت عَاجلا وأستريح، فَلَمَّا لم أستطع زِيَادَة أكل رجعت حَتَّى جِئْت إِلَى فِرَاشِي، وَجئْت أَنْت. قَالَت: وَرَأَيْت أَنا المضيرة على يَده وفمه فَصحت. فَقَالَ: لَا تعلمي أبي شَيْئا، وادفني الغضارة بِمَا فِيهَا، لِئَلَّا يأكلها إِنْسَان فَيَمُوت، أَو حَيَوَان فيلسع إنْسَانا فيقتله، فَفعلت مَا قَالَ، وَخرجت إِلَيْك. قَالَ: فَلَمَّا عَرفتنِي ذَلِك، ذهب عَليّ أَمْرِي، وَدخلت إِلَى ابْني، فَوَجَدته نَائِما. فَقلت: لَا توقظيه، حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من أمره. فَأَتَيْته آخر النَّهَار، وَقد عرق عرقًا شَدِيدا، وَهُوَ يطْلب المستحم، فأنهضناه إِلَيْهِ، فَانْدفع بَطْنه، فَقَامَ من ليلته، وَمن غده، أَكثر من مائَة مجْلِس، فازداد يأسنا مِنْهُ، وَقل الْقيام، إِلَّا أَنه اسْتمرّ أَيَّامًا، ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد صَار بَطْنه مثل بطُون الأصحاء، فَطلب فراريج، فَأكل، إِلَى أَن صَار كَمَا ترى. فعجبت من ذَلِك، وَذكرت أَن الْحُكَمَاء الْأَوَائِل قَالَت: إِن المستسقي إِذا أكل من لحم حَيَّة عتيقة مزمنة لَهَا مئون سِنِين، برأَ، وَلَو قلت لَك: إِن هَذَا

стр. 1295

علاجه، لظَنَنْت أَنِّي أدافعك، وَمن أَيْن يعلم كم عمر الْحَيَّة إِذا وجدت، فَسكت عَنْهَا.

стр. 1296

الْبَاب الْحَادِي عشر من امتحن من اللُّصُوص بسرق أَو قطع فعوض من الارتجاع وَالْخلف بأجمل صنع قَاطع طَرِيق يرد على الْقَافِلَة مَا أَخذ مِنْهَا حَدثنِي عَليّ بن شيراز بن سهل القَاضِي بعسكر مكرم ﵀، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن دعبل بن عَليّ الشَّاعِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قلت: مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة قصدت بهَا أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، وَهُوَ بخراسان، ولي عهد الْمَأْمُون، فوصلت إِلَيْهِ، وأنشدته إِيَّاهَا، فاستحسنها، وَقَالَ: لَا تنشدها أحدا حَتَّى آمُرك. واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عَن خبري، ثمَّ قَالَ لي: يَا دعبل، أَنْشدني: مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة. فَقلت: لَا أعرفهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: يَا غُلَام، أحضر أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى، فَلم يكن بأسرع من أَن حضر.

стр. 1297

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، سَأَلت دعبلًا عَن: مدارس آيَات , فَذكر أَنه لَا يعرفهَا. فَالْتَفت إِلَيّ أَبُو الْحسن، وَقَالَ: أنْشدهُ يَا دعبل. فأنشدت القصيدة، وَلم يُنكر الْمَأْمُون ذَلِك، إِلَى أَن بلغت إِلَى بَيت فِيهَا، وَهُوَ: وَآل رَسُول الله هلبٌ رقابهم ... وَآل زِيَاد غلّظ القصرات فَقَالَ: وَالله لأهلبنها. ثمَّ تممتها إِلَى آخرهَا، فاستحسنها، وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَأمر لي عَليّ بن مُوسَى بقريب مِنْهَا. فَقلت: يَا سَيِّدي، أُرِيد أَن تهب لي ثوبا يَلِي بدنك، أتبرك بِهِ، وأجعله كفنًا. فوهب لي قَمِيصًا قد ابتذله، ومنشفة، وَأَظنهُ قَالَ: وَسَرَاويل. قَالَ: ووصلني ذُو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وَكنت أسايره فِي يَوْم مطير، وَعَلِيهِ ممطر خَز، فَأمر لي بِهِ، ودعا بِغَيْرِهِ فلبسه، وَقَالَ: إِنِّي آثرتك بِهِ، لِأَنَّهُ خير الممطرين، قَالَ: فَأعْطيت بِهِ ثَمَانِينَ دِينَارا، فَلم تطب نَفسِي بِبيعِهِ. وقضيت حَاجَتي، وكررت رَاجعا إِلَى الْعرَاق. فَلَمَّا صرت بِبَعْض الطَّرِيق، خرج علينا أكراد يعْرفُونَ بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا الْقَافِلَة، وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم مطير. فاعتزلت فِي قَمِيص خلق قد بَقِي عَليّ، وَأَنا متأسف، من جَمِيع مَا كَانَ عَليّ، على الْقَمِيص والمنشفة اللَّذين وهبهما لي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، إِذْ مر بِي وَاحِد من

стр. 1298

الأكراد، وَتَحْته البرذون الْأَصْفَر الَّذِي حَملَنِي عَلَيْهِ ذُو الرياستين، وَعَلِيهِ الممطر الْخَزّ، ثمَّ وقف بِالْقربِ مني، وابتدأ ينشد: مدارس آيَات. . . . . . . . . . ، ويبكي. فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، عجبت من لص كردِي يتشيع، ثمَّ طمعت فِي الْقَمِيص والمنشفة. فَقلت: يَا سَيِّدي لمن هَذِه القصيدة؟ فَقَالَ: مَا أَنْت وَذَاكَ، وَيلك. فَقلت لَهُ: فِيهِ سَبَب أخْبرك بِهِ. فَقَالَ: هِيَ أشهر من أَن يجهل صَاحبهَا. قلت: فَمن هُوَ؟ قَالَ: دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ، شَاعِر آل مُحَمَّد، جزاه الله خيرا. فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، أَنا، وَالله، دعبل، وَهَذِه قصيدتي. فَقَالَ: وَيلك، مَا تَقول؟ فَقلت: الْأَمر أشهر من ذَلِك، فسل أهل الْقَافِلَة، تخبر بِصِحَّة مَا أَخْبَرتك بِهِ. فَقَالَ: لَا جرم، وَالله، لَا يذهب لأحد من أهل الْقَافِلَة خلالة فَمَا فَوْقهَا. ثمَّ نَادَى فِي النَّاس: من أَخذ شَيْئا فليرده على صَاحبه، فَرد على النَّاس أمتعتهم، وَعلي جَمِيع مَا كَانَ معي، مَا فقد أحد عقَالًا.

стр. 1299

ثمَّ رحلنا إِلَى مأمننا سَالِمين. قَالَ رَاوِي هَذَا الْخَبَر عَن دعبل: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث عَليّ بن بهزاد الْكرْدِي فَقَالَ لي: ذَاك، وَالله، أبي الَّذِي فعل هَذَا.

стр. 1300

قَاطع طَرِيق يتفلسف وحَدثني عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي بعض الْجبَال، فَخرج علينا ابْن سباب الْكرْدِي، فَقطع علينا، وَكَانَ بزِي الْأُمَرَاء، لَا بزِي القطاع. فقربت مِنْهُ لأنظر إِلَيْهِ وأسمع كَلَامه، فَوَجَدته يدل على فهم وأدب، فداخلته فَإِذا بِرَجُل فَاضل، يروي الشّعْر، وَيفهم النَّحْو، فطمعت فِيهِ، وعملت فِي الْحَال أبياتًا مدحته بهَا. فَقَالَ لي: لست أعلم إِن كَانَ هَذَا من شعرك، وَلَكِن اعْمَلْ لي على قافية هَذَا الْبَيْت ووزنه شعرًا السَّاعَة، لأعْلم أَنَّك قلته، وأنشدني بَيْتا. قَالَ: فَعمِلت فِي الْحَال إجَازَة لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات. فَقَالَ لي: أَي شَيْء أَخذ مِنْك؟ لأرده إِلَيْك. قَالَ: فَذكرت لَهُ مَا أَخذ مني، وأضفت إِلَيْهِ قماش رَفِيقَيْنِ كَانَا لي. فَرد جَمِيع ذَلِك، ثمَّ أَخذ من أكياس التُّجَّار الَّتِي نهبها، كيسًا فِيهِ ألف دِرْهَم، فوهبه لي. قَالَ: فجزيته خيرا، ورددته عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: لم لَا تَأْخُذهُ؟ فوريت عَن ذَلِك.
следующие страницы →