← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الْبَاب الْحَادِي عشر من امتحن من اللُّصُوص بسرق أَو قطع فعوض من الارتجاع وَالْخلف بأجمل صنع قَاطع طَرِيق يرد على الْقَافِلَة مَا أَخذ مِنْهَا حَدثنِي عَليّ بن شيراز بن سهل القَاضِي بعسكر مكرم ﵀، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن دعبل بن عَليّ الشَّاعِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قلت: مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة قصدت بهَا أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، وَهُوَ بخراسان، ولي عهد الْمَأْمُون، فوصلت إِلَيْهِ، وأنشدته إِيَّاهَا، فاستحسنها، وَقَالَ: لَا تنشدها أحدا حَتَّى آمُرك. واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عَن خبري، ثمَّ قَالَ لي: يَا دعبل، أَنْشدني: مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة. فَقلت: لَا أعرفهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: يَا غُلَام، أحضر أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى، فَلم يكن بأسرع من أَن حضر.

стр. 1297

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، سَأَلت دعبلًا عَن: مدارس آيَات , فَذكر أَنه لَا يعرفهَا. فَالْتَفت إِلَيّ أَبُو الْحسن، وَقَالَ: أنْشدهُ يَا دعبل. فأنشدت القصيدة، وَلم يُنكر الْمَأْمُون ذَلِك، إِلَى أَن بلغت إِلَى بَيت فِيهَا، وَهُوَ: وَآل رَسُول الله هلبٌ رقابهم ... وَآل زِيَاد غلّظ القصرات فَقَالَ: وَالله لأهلبنها. ثمَّ تممتها إِلَى آخرهَا، فاستحسنها، وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَأمر لي عَليّ بن مُوسَى بقريب مِنْهَا. فَقلت: يَا سَيِّدي، أُرِيد أَن تهب لي ثوبا يَلِي بدنك، أتبرك بِهِ، وأجعله كفنًا. فوهب لي قَمِيصًا قد ابتذله، ومنشفة، وَأَظنهُ قَالَ: وَسَرَاويل. قَالَ: ووصلني ذُو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وَكنت أسايره فِي يَوْم مطير، وَعَلِيهِ ممطر خَز، فَأمر لي بِهِ، ودعا بِغَيْرِهِ فلبسه، وَقَالَ: إِنِّي آثرتك بِهِ، لِأَنَّهُ خير الممطرين، قَالَ: فَأعْطيت بِهِ ثَمَانِينَ دِينَارا، فَلم تطب نَفسِي بِبيعِهِ. وقضيت حَاجَتي، وكررت رَاجعا إِلَى الْعرَاق. فَلَمَّا صرت بِبَعْض الطَّرِيق، خرج علينا أكراد يعْرفُونَ بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا الْقَافِلَة، وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم مطير. فاعتزلت فِي قَمِيص خلق قد بَقِي عَليّ، وَأَنا متأسف، من جَمِيع مَا كَانَ عَليّ، على الْقَمِيص والمنشفة اللَّذين وهبهما لي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، إِذْ مر بِي وَاحِد من

стр. 1298

الأكراد، وَتَحْته البرذون الْأَصْفَر الَّذِي حَملَنِي عَلَيْهِ ذُو الرياستين، وَعَلِيهِ الممطر الْخَزّ، ثمَّ وقف بِالْقربِ مني، وابتدأ ينشد: مدارس آيَات. . . . . . . . . . ، ويبكي. فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، عجبت من لص كردِي يتشيع، ثمَّ طمعت فِي الْقَمِيص والمنشفة. فَقلت: يَا سَيِّدي لمن هَذِه القصيدة؟ فَقَالَ: مَا أَنْت وَذَاكَ، وَيلك. فَقلت لَهُ: فِيهِ سَبَب أخْبرك بِهِ. فَقَالَ: هِيَ أشهر من أَن يجهل صَاحبهَا. قلت: فَمن هُوَ؟ قَالَ: دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ، شَاعِر آل مُحَمَّد، جزاه الله خيرا. فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، أَنا، وَالله، دعبل، وَهَذِه قصيدتي. فَقَالَ: وَيلك، مَا تَقول؟ فَقلت: الْأَمر أشهر من ذَلِك، فسل أهل الْقَافِلَة، تخبر بِصِحَّة مَا أَخْبَرتك بِهِ. فَقَالَ: لَا جرم، وَالله، لَا يذهب لأحد من أهل الْقَافِلَة خلالة فَمَا فَوْقهَا. ثمَّ نَادَى فِي النَّاس: من أَخذ شَيْئا فليرده على صَاحبه، فَرد على النَّاس أمتعتهم، وَعلي جَمِيع مَا كَانَ معي، مَا فقد أحد عقَالًا.

стр. 1299

ثمَّ رحلنا إِلَى مأمننا سَالِمين. قَالَ رَاوِي هَذَا الْخَبَر عَن دعبل: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث عَليّ بن بهزاد الْكرْدِي فَقَالَ لي: ذَاك، وَالله، أبي الَّذِي فعل هَذَا.

стр. 1300

قَاطع طَرِيق يتفلسف وحَدثني عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي بعض الْجبَال، فَخرج علينا ابْن سباب الْكرْدِي، فَقطع علينا، وَكَانَ بزِي الْأُمَرَاء، لَا بزِي القطاع. فقربت مِنْهُ لأنظر إِلَيْهِ وأسمع كَلَامه، فَوَجَدته يدل على فهم وأدب، فداخلته فَإِذا بِرَجُل فَاضل، يروي الشّعْر، وَيفهم النَّحْو، فطمعت فِيهِ، وعملت فِي الْحَال أبياتًا مدحته بهَا. فَقَالَ لي: لست أعلم إِن كَانَ هَذَا من شعرك، وَلَكِن اعْمَلْ لي على قافية هَذَا الْبَيْت ووزنه شعرًا السَّاعَة، لأعْلم أَنَّك قلته، وأنشدني بَيْتا. قَالَ: فَعمِلت فِي الْحَال إجَازَة لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات. فَقَالَ لي: أَي شَيْء أَخذ مِنْك؟ لأرده إِلَيْك. قَالَ: فَذكرت لَهُ مَا أَخذ مني، وأضفت إِلَيْهِ قماش رَفِيقَيْنِ كَانَا لي. فَرد جَمِيع ذَلِك، ثمَّ أَخذ من أكياس التُّجَّار الَّتِي نهبها، كيسًا فِيهِ ألف دِرْهَم، فوهبه لي. قَالَ: فجزيته خيرا، ورددته عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: لم لَا تَأْخُذهُ؟ فوريت عَن ذَلِك.

стр. 1301

فَقَالَ: أحب أَن تصدقني. فَقلت: وَأَنا آمن؟ فَقَالَ: أَنْت آمن. فَقلت: لِأَنَّك لَا تملكه، وَهُوَ من أَمْوَال النَّاس الَّذين أَخَذتهَا مِنْهُم السَّاعَة ظلما، فَكيف يحل لي أَن آخذه؟ فَقَالَ لي: أما قَرَأت مَا ذكره الجاحظ فِي كتاب اللُّصُوص، عَن بَعضهم، قَالَ: إِن هَؤُلَاءِ التُّجَّار خانوا أماناتهم، وَمنعُوا زَكَاة أَمْوَالهم، فَصَارَت أَمْوَالهم مستهلكة بهَا، واللصوص فُقَرَاء إِلَيْهَا، فَإِذا أخذُوا أَمْوَالهم، وَإِن كَرهُوا أَخذهَا، كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهُم، لِأَن عين المَال مستهلكة بِالزَّكَاةِ، وَهَؤُلَاء يسْتَحقُّونَ أَخذ الزَّكَاة، بالفقر، شَاءَ أَرْبَاب الْأَمْوَال أم كَرهُوا. قلت: بلَى، قد ذكر الجاحظ هَذَا، وَلَكِن من أَيْن يعلم إِن هَؤُلَاءِ مِمَّن استهلكت أَمْوَالهم الزَّكَاة؟ فَقَالَ: لَا عَلَيْك، أَنا أحضر هَؤُلَاءِ التُّجَّار السَّاعَة، وأريك بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح أَن أَمْوَالهم لنا حَلَال. ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: هاتوا التُّجَّار، فَجَاءُوا. فَقَالَ لأَحَدهم: مُنْذُ كم أَنْت تتجر فِي هَذَا المَال الَّذِي قَطعنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة. قَالَ: فَكيف كنت تخرج زَكَاته؟ فتلجلج، وَتكلم بِكَلَام من لَا يعرف الزَّكَاة على حَقِيقَتهَا فضلا عَن أَن يُخرجهَا. ثمَّ دَعَا آخر، فَقَالَ لَهُ: إِذا كَانَ مَعَك ثلث مائَة دِرْهَم، وَعشرَة دَنَانِير، وحالت عَلَيْك السّنة، فكم تخرج مِنْهَا لِلزَّكَاةِ؟ فَمَا أحسن أَن يُجيب. ثمَّ قَالَ لآخر: إِذا كَانَ مَعَك مَتَاع للتِّجَارَة، وَلَك دين على نفسين، أَحدهمَا مَلِيء، وَالْآخر مُعسر، ومعك دَرَاهِم، وَقد حَال الْحول على الْجَمِيع، كَيفَ تخرج زَكَاة ذَلِك؟

стр. 1302

قَالَ: فَمَا فهم السُّؤَال، فضلا عَن أَن يتعاطى الْجَواب. فصرفهم، ثمَّ قَالَ لي: بَان لَك صدق حِكَايَة أبي عُثْمَان الجاحظ؟ وَأَن هَؤُلَاءِ التُّجَّار مَا زكوا قطّ؟ خُذ الْآن الْكيس. قَالَ: فَأَخَذته، وسَاق الْقَافِلَة لينصرف بهَا. فَقلت: إِن رَأَيْت أَيهَا الْأَمِير أَن تنفذ مَعنا من يبلغنَا المأمن، كَانَ لَك الْفضل. فَفعل ذَلِك.

стр. 1303

القَاضِي التنوخي وَالِد الْمُؤلف والكرخي قَاطع الطَّرِيق وحَدثني أبي ﵁، قَالَ: لما كنت مُقيما بالكرخ، أتقلد الْقَضَاء بهَا، وبالمرج وأعمالها، كَانَ بوابي رجل من أهل الكرخ، لَهُ ابْن، هُوَ ابْن عشر سِنِين أَو نَحْوهَا، وَكَانَ يدْخل دَاري بِلَا إِذن، ويمرح مَعَ غلماني، وَأهب لَهُ فِي الْأَوْقَات دَرَاهِم وثيابًا، وأحمله، وأرقصه، كَمَا يفعل النَّاس بأولاد غلمانهم. ثمَّ صرفت عَن الكرخ، ورحلت، وَلم أعرف للرجل وَلَا لوَلَده خَبرا. وَمَضَت السنون، فأنفذني أَبُو عبد الله البريدي من وَاسِط، برسالة إِلَى أبي

стр. 1304

بكر بن رائق، فَلَقِيته بحدود العاقول، وانحدرت أُرِيد واسطًا. وَقد كَانَ قيل لي قبل إصعادي، أَن فِي الطَّرِيق لصًّا يعرف بالكرخي، مستفحل الْأَمر. وَكنت خرجت من وَاسِط، بطالع اخترته، على مُوجب تَحْويل مولدِي لتِلْك السّنة، وَقد استظهرت عِنْد نَفسِي، وكفاني الله تَعَالَى، فِي إصعادي، أَمر اللص، فَلم أر لَهُ أثرا. فَلَمَّا انحدرت إِلَى وَاسِط، وَكُنَّا فِي بعض الطَّرِيق، خرج علينا اللُّصُوص فِي سفن عدَّة، بقسي، ونشاب، وَسلَاح شَاك، وهم نَحْو مائَة نفس، كالعسكر الْعَظِيم. وَكَانَ معي غلْمَان يرْمونَ، فَحَلَفت أَن من رمى مِنْهُم بِسَهْم، ضَربته إِذا صرت فِي الْبَلَد مائَة مقرعة، وَذَلِكَ أَنِّي خفت أَن يقصدنا اللُّصُوص، ثمَّ لَا يرضون إِلَّا بقتلي. قَالَ: وبادرت فَأخذت ذَلِك السِّلَاح الَّذِي كَانَ مَعَهم، فرميت جَمِيعه فِي المَاء، واستسلمت لِلْأَمْرِ طلبا للسلامة.

стр. 1305

وَجَلَست أفكر فِي الطالع الَّذِي خرجت بِهِ، فَإِذا لَيْسَ مَا يُوجب، عِنْدهم، الْقطع عَليّ، وَالنَّاس قد أديروا إِلَى الشاطئ، وَأَنا فِي جُمْلَتهمْ، حَيْثُ تفرغ سفنهم، وينقل مَا فِيهَا إِلَى الشط، وهم يخبطون بِالسُّيُوفِ، وَكنت فِي وسط الكار، وَمَا انْتهى الْأَمر إِلَيّ. فَجعلت أعجب من حُصُول الْقطع، وَأَن الطالع لَا يُوجِبهُ، وَلست أتهم علمي مَعَ هَذَا. فَأَنا كَذَلِك، وَإِذا بسفينة فِيهَا رئيسهم قد طرح على زبزبي كَمَا يطْرَح على سفن التُّجَّار، ليشرف على مَا يُؤْخَذ مِنْهَا. فحين رَآنِي، منع أَصْحَابه من انتهاب شَيْء من زبزبي، وَصعد إِلَيّ وَحده، فتأملني طَويلا، ثمَّ انكب وَقبل يَدي، وَكَانَ متلثمًا، فَلم أعرفهُ. قَالَ: فارتعت، وَقلت: يَا هَذَا مَا لَك؟ فسفر، وَقَالَ: أما تعرفنِي يَا سَيِّدي؟ فتأملته، وَأَنا جزع، فَلم أعرفهُ. فَقلت: لَا وَالله. فَقَالَ: بلَى، أَنا عَبدك، ابْن فلَان الْكَرْخِي حاجبك، وَأَنا الصَّبِي الَّذِي ربيتني فِي دَارك، وَكنت تحملنِي على عُنُقك، وتطعمني بِيَدِك.

стр. 1306

فتأملته، فَإِذا الْخلقَة خلقته، إِلَّا أَن اللِّحْيَة غيرته فِي عَيْني، فسكن خاطري، وَقلت: يَا هَذَا، كَيفَ بلغت إِلَى هَذَا الْحَال؟ قَالَ: يَا سَيِّدي، نشأت، فَلم أتعلم غير معالجة السِّلَاح، وَجئْت إِلَى بَغْدَاد أطلب الدِّيوَان، فَمَا قبلني أحد، فانضاف إِلَيّ هَؤُلَاءِ الرِّجَال، وَطلبت قطع الطَّرِيق وَلَو كَانَ السُّلْطَان أنصفني، ونزلني بِحَيْثُ أستحق من الشجَاعَة، وانتفع بخدمتي، مَا كنت أفعل هَذَا بنفسي. قَالَ: فَأَقْبَلت عَلَيْهِ أعظه، وأخوفه الله، ثمَّ خشيت أَن يشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَيفْسد رعايته لي، فأقصرت. ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، لَا يكون بعض هَؤُلَاءِ قد أَخذ مِنْك شَيْئا؟ قلت: مَا ذهب منا إِلَّا سلَاح رميته أَنا إِلَى المَاء، وشرحت لَهُ الصُّورَة. فَضَحِك، وَقَالَ: قد وَالله أصَاب القَاضِي، فَمن فِي الكار مِمَّن تعنى بِهِ حَتَّى أطلقهُ؟ قلت: كلهم عِنْدِي بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَلَو أفرجت عَن الْجَمِيع كَانَ أحسن بك. فَقَالَ: وَالله، لَوْلَا أَن أَصْحَابِي قد تفَرقُوا بِمَا أخذُوا، لفَعَلت، وَلَكنهُمْ لَا يطيعوني فِي رده، وَلَكِنِّي لَا أدع مَا بَقِي من السفن فِي الكار أَن يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء، فجزيته خيرا. فَصَعدَ إِلَى الشط، وأصعد جَمِيع أَصْحَابه، وَمنع أَن يُؤْخَذ شَيْء من بَاقِي السفن، فَمَا تعرض لَهَا أحد، ورد على قوم ضعفاء أَشْيَاء كَثِيرَة كَانَت أخذت مِنْهُم، وَأطلق الكار. وَسَار معي فِي أَصْحَابه، إِلَى أَن صَار بيني وَبَين المأمن شَيْء يسير ثمَّ وَدعنِي، وَانْصَرف فِي أَصْحَابه.

стр. 1307

ابْن حمدي اللص الْبَغْدَادِيّ وفتوته وظرفه وحَدثني عبد الله بن عمر الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنِي بعض التُّجَّار البغداديين، قَالَ: خرجت بسلع لي، ومتاع من بَغْدَاد أُرِيد واسطًا، وَكَانَ البريدي بهَا، وَالدُّنْيَا مفتتنة جدا. فَقطع عَليّ، وعَلى الكار الَّذِي كنت فِيهِ، لص كَانَ فِي الطَّرِيق، يُقَال لَهُ: ابْن حمدي، يقطع قَرِيبا من بَغْدَاد، فأفقرني، وَكَانَ مُعظم مَا أملكهُ معي، فسهل عَليّ الْمَوْت، وطرحت نَفسِي لَهُ. وَكنت أسمع بِبَغْدَاد، أَن ابْن حمدي هَذَا، فِيهِ فتوة، وظرف، وَأَنه إِذا قطع، لم يعرض لأرباب البضائع الْيَسِيرَة، الَّتِي تكون دون الْألف دِرْهَم، وَإِذا أَخذ مِمَّن حَاله ضَعِيفَة شَيْئا، قاسمه عَلَيْهِ، وَترك شطر مَاله فِي يَدَيْهِ، وَأَنه لَا يفتش امْرَأَة،

стр. 1308

وَلَا يسلبها، وحكايات كَثِيرَة مثل ذَلِك. فأطمعني ذَلِك فِي أَن يرق لي، فَصَعدت إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ جَالس فِيهِ، وخاطبته فِي أَمْرِي، وبكيت، ورققته، ووعظته، وَحلفت لَهُ أَن جَمِيع مَا أملكهُ قد أَخذه، وَأَنِّي أحتاج إِلَى أَن أَتصدق من بعده. فَقَالَ لي: يَا هَذَا، الله بَيْننَا وَبَين هَذَا السُّلْطَان الَّذِي أحوجنا إِلَى هَذَا، فَإِنَّهُ قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إِلَى هَذَا الْفِعْل، ولسنا فِيمَا نفعله نرتكب أمرا أعظم مِمَّا يرتكبه السُّلْطَان. وَأَنت تعلم أَن ابْن شيرزاد بِبَغْدَاد يصادر النَّاس ويفقرهم، حَتَّى أَنه يَأْخُذ الْمُوسر المكثر، فَلَا يخرج من حَبسه، إِلَّا وَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْء غير الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ يفعل البريدي بواسط وَالْبَصْرَة، والديلم بالأهواز. وَقد علمت أَنهم يَأْخُذُونَ أصُول الضّيَاع، والدور، وَالْعَقار، ويتجاوزون ذَلِك إِلَى الْحرم وَالْأَوْلَاد، فَاحْسبْ أننا نَحن مثل هَؤُلَاءِ، وَأَن وَاحِدًا مِنْهُم صادرك. فَقلت: أعزّك الله، ظلم الظلمَة، لَا يكون حجَّة، والقبيح لَا يكون سنة، وَإِذا وقفت أَنا وَأَنت، بَين يَدي الله ، أترضى أَن يكون هَذَا جوابك لَهُ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، وَلم أَشك فِي أَنه يقتلني، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: كم أَخذ مِنْك؟ فصدقته. فَقَالَ: أحضروه، فأحضر، فَكَانَ كَمَا ذكرت، فَأَعْطَانِي نصفه. فَقلت لَهُ: الْآن، قد وَجب حَقي عَلَيْك، وَصَارَ لي بإحسانك إِلَيّ حُرْمَة. فَقَالَ: أجل. فَقلت: إِن الطَّرِيق فَاسد، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أتجاوزك حَتَّى يُؤْخَذ هَذَا مني أَيْضا، فأنفذ معي من يوصلني إِلَى المأمن.

стр. 1309

قَالَ: فَفعل ذَلِك، وسلمت بِمَا أفلت معي، فَجعل الله فِيهِ الْبركَة، وأخلف.

стр. 1310

قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فتخلص بِخَاتم عقيق حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى ابْن المتَوَكل القَاضِي، وَكَانَ أَبوهُ يعرف بِغُلَام ابْن مقلة قَالَ: لما حصل المتقي لله بالرقة، وَمَعَهُ أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ، ابْن مقلة، وزيره، كاتبني بِأَن أخرج إِلَيْهِ، فَخرجت، وَمَعِي جمَاعَة من أَسبَابه، وَأَسْبَاب الْخَلِيفَة إِلَى هيت. وَضم إِلَيْنَا ابْن فتيَان خفراء، يؤدونا إِلَى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا الخفراء والغلمان، وَمن انحدر مَعنا من هيت، فصرنا نَحوا من مِائَتي مقَاتل. فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع من مسيرنا، وَنحن فِي الْبر الأقفر، وَقد نزلنَا نستريح، إِذا بسواد عَظِيم من بعيد، لَا نعلم مَا هُوَ، فَلم نزل نرقبه إِلَى أَن بَان لنا، وَإِذا هُوَ نَحوا من مائَة مَطِيَّة، على كل مَطِيَّة رجلَانِ. فجمعنا أَصْحَابنَا ورجالنا، وَقرب الْقَوْم منا وأناخوا جمَالهمْ وعقلوها، وَأخذُوا جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رَئِيس لَهُم، فَقَالَ لنا: يَا معشر الْمُسَافِرين، لَا يسلن أحد مِنْكُم سَيْفا، وَلَا يَرْمِي بِسَهْم، فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مقتول. ففشل كل من كَانَ مَعنا، وَقَاتل قوم منا قتالًا ضَعِيفا، وخالطنا الْأَعْرَاب، وَأخذُوا جمَاعَة منا، وأخذونا، وَجَمِيع مَا كَانَ مَعنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين فِي الشَّمْس.

стр. 1311

فَإِذا بِي قد عريت، وَبَقِي عَليّ خلق لَا أتوارى مِنْهُ بِشَيْء، وَلَيْسَ معي مَاء أشربه، وَلَا ظهر أركبه، وَلَيْسَ بيني وَبَين الْمَوْت إِلَّا سَاعَات يسيرَة، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَاشْتَدَّ جزعي، وَلم يكن لي حِيلَة، فأيست من الْحَيَاة. فَأَنا كَذَلِك، إِذْ وجدت شستجة، كَانَ لي فِيهَا خَاتم عقيق، كَبِير الفص، كثير المَاء، فَأَخَذته، وَوَقع لي فِي الْحَال وَجه الْحِيلَة، فَجَعَلته فِي قطن، وخبأته معي وقصدت رَئِيس الْقَوْم، وَهُوَ الَّذِي تولى أَخذ مَالِي، وَعرف موضعي وقدري. فَقلت لَهُ: قد رَأَيْت عَظِيم مَا أَخَذته مني، وَأَنا خَادِم الْخَلِيفَة أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، وَقد خرجت لأمر كَبِير من خدمته، وَقد فزت بِمَا أَخَذته مني، فَمَا قَوْلك فِي أَمر آخر أعظم مِمَّا أَخَذته، أعاملك بِهِ، وأسديه إِلَيْك حَلَالا لَا يجْرِي مجْرى الغصوب، على أَن تؤمنني على نَفسِي، وَترد عَليّ من ثِيَابِي مَا يسترني، وَترد عَليّ من دوابي دَابَّة، وتسقيني مَاء، وتسيرني حَتَّى أحصل فِي مأمني؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قلت: تُعْطِينِي أمانك، وعهودك، ومذامك، على الْوَفَاء، فَفعل. فانفردت بِهِ، وَجعلت يَدي مُقَابلَة للشمس، وأريته الْخَاتم، وأقمت فصه فِي شُعَاع الشَّمْس، فكاد يخطف بَصَره، وَرَأى مَا لم ير مثله. وَقَالَ: استره، وَقل لي خَبره. فَقلت: هَذَا خَاتم الْخلَافَة، وفصه هَذَا ياقوت أَحْمَر، وَهُوَ الَّذِي يتداوله الْخُلَفَاء مُنْذُ الْعَهْد الطَّوِيل، وَيعرف بِالْجَبَلِ، وَلَا يقوم أَمر الْخُلَفَاء إِلَّا بِهِ، وَقد كَانَ مخبوءًا بِبَغْدَاد، فَأمرنِي الْخَلِيفَة أَن أحملهُ إِلَيْهِ فِي جملَة مَا حَملته، وَحَيْثُ حصل

стр. 1312

هَذَا الْخَاتم من بِلَاد الله، تشبث الْخُلَفَاء إِلَى أَخذه بِكُل ثمن، وَإِن حصل عنْدك حَتَّى تمْتَنع من بَيْعه إِلَّا بِمِائَة ألف دِينَار، وَلم يقدروا عَلَيْك، لأعطوك إِيَّاهَا، والرأي أَن تَأْخُذهُ، وتنفذه إِلَى نَاحيَة الشَّام، وتخفي حُصُول الْخَاتم فِي يدك، فَإِنِّي إِذا حضرت بِحَضْرَة الْخَلِيفَة، وعرفته خَبره، جاءتك رسله بالرغائب، حَتَّى يرتجع مِنْك بِأَيّ ثمن احتكمت. فَقَالَ: إِذا خُذ من ثِيَابك مَا تُرِيدُ. فَأخذت من ثِيَابِي مَا احتجت إِلَيْهِ، وَأخذ الْخَاتم فخبأه فِي جيبه، وأركبني رَاحِلَة موطأة، وَأَعْطَانِي إداوتين كبيرتين مَاء، وَسَار معي، وَالنَّاس قد هَلَكُوا من الْعَطش. وَلم يزل يسير معي، إِلَى أَن بلغنَا إِلَى حصن فِي الْبَريَّة، يعرف بالزيتونة، من بِنَاء هِشَام بن عبد الْملك، وَفِيه رجل من بني أُميَّة، يكنى بِأبي مَرْوَان، مَعَه فِي الْحصن نَحوا من مِائَتي رجل. فَلَمَّا حصلت عِنْده، انْصَرف الْأَعرَابِي، وَعرفت أَبَا مَرْوَان خبري فِي الْقطع وَمن أَنا، فأعظم أَمْرِي، وأكرمني، وأنفذ معي من أَصْحَابه من بَلغنِي الرقة سالما

стр. 1313

سرق مَاله بِالْبَصْرَةِ واستعاده بواسط حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع الْمُتَكَلّم، ويلقب بجنيد، قَالَ: حَدثنِي رجل من الدقاقين، فِي دَار الزبير بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: أورد عَليّ رجل غَرِيب، سفتجة بِأَجل، فَكَانَ يتَرَدَّد عَليّ، إِلَى أَن حل ميعاد السفتجة. ثمَّ قَالَ لي: دعها عنْدك حَتَّى آخذها مُتَفَرِّقَة، فَكَانَ يَجِيء فِي كل يَوْم فَيَأْخُذ بِقدر نَفَقَته إِلَى أَن نفدت، وَصَارَ بَيْننَا معرفَة، وَألف الْجُلُوس عِنْدِي، وَكَانَ يراني أخرج من كيسي من صندوق لي، فَأعْطِيه مِنْهُ. فَقَالَ لي يَوْمًا: إِن قفل الرجل، صَاحبه فِي سَفَره، وأمينه فِي حَضَره، وخليفته على حفظ مَاله، وَالَّذِي يَنْفِي الظنة عَن أَهله وَعِيَاله، فَإِن لم يكن وثيقًا تطرقت الْحِيَل عَلَيْهِ، وَأرى قفلك هَذَا وثيقًا، فَقل لي مِمَّن ابتعته، لأبتاع مثله. فَقلت: من فلَان بن فلَان الأقفالي، فِي جوَار بَاب الصفارين.

стр. 1314

قَالَ: فَمَا شَعرت يَوْمًا، وَقد جِئْت إِلَى دكاني، فطلبت صندوقي لأخرج مِنْهُ شَيْئا من الدَّرَاهِم، فَحَمله الْغُلَام إِلَيّ، ففتحته، فَإِذا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الدَّرَاهِم. فَقلت لغلامي، وَكَانَ غير مُتَّهم عِنْدِي: هَل أنْكرت من الدرابات شَيْئا؟ قَالَ: لَا، فَقلت: فتش، هَل ترى فِي الدّكان نقبًا؟ قَالَ: لَا. فَقلت: فَمن السّقف حِيلَة؟ قَالَ: لَا. قلت: فَاعْلَم أَن الدَّرَاهِم قد ذهبت. فقلق الْغُلَام، فسكنت، وَقمت لَا أَدْرِي مَا أصنع، وَتَأَخر الرجل عني، فَلَمَّا غَابَ اتهمته، وَذكرت مَسْأَلته عَن القفل. فَقلت للغلام، أَخْبرنِي كَيفَ تفتح دكاني وتغلقه؟ قَالَ: رسمي أَن ادرب درابتين درابتين، والدرابات فِي الْمَسْجِد، فأحملها فِي دفعات، اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فأشرجها، ثمَّ أقفل، وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا أفتحها. فَقلت: البارحة، وَالْيَوْم، فعلت ذَلِك؟ قَالَ: نعم. فَقلت: فَإِذا مضيت لِترد الدرابات، أَو تحضرها، على من تدع الدّكان؟ قَالَ: خَالِيا. قلت: فَمن هُنَا دهيت.

стр. 1315

ومضيت إِلَى الصَّانِع الَّذِي ابتعت مِنْهُ القفل، فَقلت: جَاءَك إِنْسَان مُنْذُ أَيَّام، وَاشْترى مِنْك مثل هَذَا القفل؟ قَالَ: نعم، رجل من صفته كَيْت وَكَيْت، فَأَعْطَانِي صفة صَاحِبي. فَعلمت أَنه احتال على الْغُلَام وَقت الْمسَاء، لما انصرفت أَنا، وَمضى الْغُلَام يحمل الدرابات، فَدخل هُوَ إِلَى الدّكان، فَاخْتَبَأَ فِيهِ، وَمَعَهُ مِفْتَاح القفل الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَالَّذِي يَقع على قفلي، وَأَنه أَخذ الدَّرَاهِم، وَجلسَ طول ليلته خلف الدرابات. فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَام، وَفتح درابتين، وَحملهَا ليرفعها، خرج، وَأَنه مَا فعل ذَلِك، إِلَّا وَقد خرج إِلَى بَغْدَاد. فَسلمت دكاني إِلَى الْغُلَام، وَقلت لَهُ: من سَأَلَ عني فَعرفهُ أَنِّي خرجت إِلَى ضيعتي. قَالَ: فَخرجت، وَمَعِي قفلي ومفتاحه، وَقلت: أبتدئ بِطَلَب الرجل بواسط. فَلَمَّا صعدت من السميرية، طلبت خَانا فِي الكتبيين بواسط، لأنزله، فأرشدت إِلَيْهِ، فَصَعدت، فَإِذا بقفل مثل قفلي سَوَاء على بَيت. فَقلت لقيم الخان: هَذَا الْبَيْت من ينزله؟ فَقَالَ: رجل قدم من الْبَصْرَة أمس. فَقلت: أَي شَيْء صفته؟ فوصف لي صفة صَاحِبي، فَلم أَشك أَنه هُوَ، وَأَن الدَّرَاهِم فِي بَيته. فاكتريت بَيْتا إِلَى جَانِبه، ورصدت الْبَيْت، حَتَّى انْصَرف قيم الخان، وَقمت ففتحت القفل بمفتاحي، فحين دخلت الْبَيْت، وجدت كيسي بِعَيْنِه، فَأَخَذته،

стр. 1316

وَخرجت وأقفلت الْبَاب، وَنزلت فِي الْوَقْت إِلَى السَّفِينَة الَّتِي جِئْت فِيهَا، وأرغبت الملاح، وانحدرت إِلَى الْبَصْرَة. فَمَا أَقمت بواسط إِلَّا ساعتين من نَهَار، وَرجعت إِلَى منزلي بِمَالي بِعَيْنِه.

стр. 1317

وضع السَّيْف على عُنُقه ثمَّ نجا سالما وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي أكار بنهر سابس، قَالَ: خرجت من نهر سابس، إِلَى مَوضِع فِي طرف الْبَريَّة، يُقَال لَهُ: كرخ راذويه، أُرِيد أَعمال سقِِي الْفُرَات. فبلغني أَن رجلا يقطع الطَّرِيق وَحده، وحذرت مِنْهُ. فَلَمَّا خرجت من الْقرْيَة، رَأَيْت رجلا تدل فراسته على شدته ونجدته، وَفِي يَده زقاية، فجسرني على الطَّرِيق. قَالَ: فترافقنا، حَتَّى انتهينا إِلَى سِقَايَة فِي الْبَريَّة، فَخرج علينا اللص متحزمًا، متسلحًا، فصاح بِنَا. فَطرح رفيقي كارة كَانَت على ظَهره، وَأخذ زقايته، وبادر إِلَى اللص. فَلَمَّا دَاخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يَد اللص، فعطل اللص الضَّرْبَة، وَضرب الزقاية فقطعها، ثمَّ ضرب بِسَيْفِهِ رجل الرجل فأقعده، ثمَّ وشحه بِالسَّيْفِ

стр. 1318

حَتَّى قَتله، وَحمل عَليّ ليقتلني. فَقلت لَهُ: مَا حاربتك، وَلَا امْتنعت عَلَيْك من أخذك ثِيَابِي، فلأي شَيْء تقتلني؟ فَقَالَ: استكتف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثمَّ حمل الثِّيَاب وَانْصَرف. فَبَقيت متحيرًا، مشفيًا على التّلف، بالعطش، وَالشَّمْس، والوحوش، فَمَا زلت أتمطى فِي التكة حَتَّى قطعتها، وَقمت أَمْشِي إِلَى أَن جنني اللَّيْل. فَرَأَيْت فِي الصَّحرَاء، على بعد، ضوء نَار خفِيا، فقدرته فِي قَرْيَة، فقصدته، فَإِذا هُوَ يخرج من قبَّة فِي الصَّحرَاء، فقربت مِنْهَا، واطلعت، فَإِذا اللص جَالس فِي الْقبَّة، يشرب نبيذًا، وَمَعَهُ امْرَأَة. فَلَمَّا بصر بِي صَاح، وَتَنَاول سَيْفه وَخرج إِلَيّ، فَمَا زلت أناشده الله، وأحلف لَهُ أنني مَا علمت أَنه هُوَ، وَلَا قصدته عمدا، وَإِنَّمَا رَأَيْت النَّار فقصدتها، فَلم يعبأ بِقَوْلِي. وحلفته الْمَرْأَة أَن لَا يقتلني بحضرتها، فجذبني إِلَى نهر جَاف قريب من الْقبَّة، وطرحني تَحْتَهُ، وجرد سَيْفه ليقتلني. فَسمع صَوت الْأسد قَرِيبا مِنْهُ، فارتعدت يَده، وَسكت، وَأخذ يسكتني، فأنست بالسبع وزدت فِي الصياح. فَمَا شَعرت إِلَّا والسبع قد تنَاوله من على صَدْرِي وهرول فِي الصَّحرَاء.

стр. 1319

فَقُمْت، وَأخذت السَّيْف، وَجئْت إِلَى الْقبَّة، فَلم تشك الْمَرْأَة أنني هُوَ، فَقَالَت: قتلته؟ فَقلت: الله قَتله، لَا أَنا، وقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، وسألتها عَن شَأْنهَا. فَقَالَت: أَنا امْرَأَة من أهل الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة، أسرني هَذَا الرجل، وخبأني فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَيّ فِي كل لَيْلَة. فأرهبتها، فدلتني على دفائن لَهُ فِي الصَّحرَاء، فأخذتها، وحملت الْمَرْأَة، وَبَلغت الْقرْيَة، وسلمتها إِلَى أَهلهَا. وفزت بِمَال عَظِيم أغناني عَن مقصدي، وعدت إِلَى بلدي.

стр. 1320

كَيفَ استعاد التَّاجِر الْبَصْرِيّ مَاله وحَدثني أَيْضا، قَالَ: حَدثنِي ابْن الدنانيري التمار الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنِي غُلَام لي قَالَ: كنت ناقدًا بالأبلة، لرجل تَاجر، فاقتضيت لَهُ فِي الْبَصْرَة نَحْو خمس مائَة دِينَار عينا وورقًا، ولففتها فِي فوطة، وأشفيت على الْمصير إِلَى الأبلة. فَمَا زلت أطلب ملاحًا، حَتَّى رَأَيْت ملاحًا مجتازًا فِي خيطية خَفِيفَة فارغة، فَسَأَلته أَن يحملني، فسهل عَليّ الْأُجْرَة، وَقَالَ: أَنا رَاجع إِلَى منزلي بالأبلة، فَانْزِل معي، فَنزلت، وَجعلت الفوطة بَين يَدي. وسرنا إِلَى أَن تجاوزنا مسماران، فَإِذا رجل ضَرِير على الشط، يقْرَأ أحسن قِرَاءَة تكون.

стр. 1321

فَلَمَّا رَآهُ الملاح كبر، فصاح هُوَ بالملاح: احملني، فقد جنني اللَّيْل، وأخاف على نَفسِي، فشتمه الملاح. فَقلت لَهُ: احمله، فَدخل إِلَى الشط فَحَمله، فَلَمَّا حصل مَعنا رَجَعَ إِلَى قِرَاءَته، فخلب عَقْلِي بطيبها. فَلَمَّا قربنا من الأبلة، قطع الْقِرَاءَة، وَقَامَ ليخرج فِي بعض المشارع فِي الأبلة، فَلم أر الفوطة، فَقُمْت وَاقِفًا، واضطربت، وَصحت. فاستغاث الملاح، وَقَالَ: السَّاعَة تقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لَا يعلم حَالي. فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، كَانَت بَين يَدي فوطة فِيهَا خمس مائَة دِينَار. فَلَمَّا سمع الملاح ذَلِك، بَكَى، وَلَطم، وتعرى من ثِيَابه، وَقَالَ: أَدخل الشط ففتش، وَلَا لي مَوضِع أخبئ فِيهِ شَيْئا فتتهمني بسرقته، ولي أَطْفَال، وَأَنا ضَعِيف، فَالله، الله فِي أَمْرِي، وَفعل الضَّرِير مثل ذَلِك. وفتشت الخيطية فَلم أجد شَيْئا، فرحمتهما، وَقلت: هَذِه محنة لَا أَدْرِي كَيفَ التَّخَلُّص مِنْهَا، وَخَرجْنَا، فَعمِلت على الْهَرَب، وَأخذ كل وَاحِد منا طَرِيق، وَبت فِي بَيْتِي، وَلم أمض إِلَى صَاحِبي، وَأَنا بليلة عَظِيمَة. فَلَمَّا أَصبَحت، عملت على الْهَرَب إِلَى الْبَصْرَة، لأستخفي فِيهَا أَيَّامًا، ثمَّ أخرج إِلَى بلد شاسع. فانحدرت، فَخرجت فِي مشرعة بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا أَمْشِي وأتعثر وأبكي قلقًا على فِرَاق أَهلِي وَوَلَدي، وَذَهَاب معيشتي وجاهي، إِذْ أعترضني رجل. فَقَالَ: يَا هَذَا، مَا بك؟ فَقلت: أَنا فِي شغل عَنْك، فاستحلفني، فَأَخْبَرته.

стр. 1322

فَقَالَ: امْضِ إِلَى السجْن ببني نمير، واشتر مَعَك خبْزًا كثيرا، وشواءً جيدا، وحلوى، وسل السجان أَن يوصلك إِلَى رجل مَحْبُوس، يُقَال لَهُ: أَبُو بكر النقاش، وَقل لَهُ: أَنا زَائِره، فَإنَّك لَا تمنع، وَإِن منعت، فَهَب للسجان شَيْئا يَسِيرا فَإِنَّهُ يدْخلك إِلَيْهِ، فَإِذا رَأَيْته فَسلم عَلَيْهِ وَلَا تخاطبه حَتَّى تجْعَل بَين يَدَيْهِ مَا مَعَك، فَإِن أكل وَغسل يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلك عَن حَاجَتك، فَأخْبرهُ خبرك، فَإِنَّهُ سيدلك على من أَخذ مَالك، ويرتجعه لَك. فَفعلت ذَلِك، ووصلت إِلَى الرجل، فَإِذا هُوَ شيخ مثقل بالحديد. فَسلمت عَلَيْهِ، وطرحت مَا معي بَين يَدَيْهِ، فَدَعَا رُفَقَاء كَانُوا مَعَه فَأَقْبَلُوا يَأْكُلُون مَعَه، فَلَمَّا استوفى وَغسل يَدَيْهِ. قَالَ: من أَنْت، وَمَا جَاءَ بك؟ فشرحت لَهُ قصتي. فَقَالَ: امْضِ السَّاعَة لوقتك، وَلَا تتأخر، إِلَى بني هِلَال، فاقصد الدَّرْب الْفُلَانِيّ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى آخِره، فَإنَّك تشاهد بَابا شعثًا، فافتحه وادخل بِلَا اسْتِئْذَان، فستجد دهليزًا طَويلا يُؤَدِّي إِلَى بَابَيْنِ، فَادْخُلْ الْأَيْمن مِنْهُمَا، فسيدخلك إِلَى دَار فِيهَا بَيت فِيهِ أوتاد وبواري، وعَلى كل وتد إِزَار ومئزر، فانزع ثِيَابك، وعلقها على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يَفْعَلُونَ كَمَا فعلت، إِلَى أَن يتكاملوا، ثمَّ يُؤْتونَ بِطَعَام فَكل مَعَهم، وتعمد أَن تفعل كَمَا يَفْعَلُونَ فِي كل شَيْء. فَإِذا أَتَوا بالنبيذ فَاشْرَبْ مَعَهم أقداحًا يسيرَة، ثمَّ خُذ قدحًا كَبِيرا، فاملأه،

стр. 1323

وقم، وَقل: هَذَا ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيضحكون ويفرحون، وَيَقُولُونَ: هُوَ خَالك؟ فَقل: نعم، فسيقومون وَيَشْرَبُونَ لي، فَإِذا تَكَامل شربهم لي، وجلسوا، فَقل لَهُم: خَالِي يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام، وَيَقُول لكم: بحياتي يَا فتيَان، ردوا على ابْن أُخْتِي المئزر الَّذِي أخذتموه أمس من السَّفِينَة بنهر الأبلة، فَإِنَّهُم يردونه عَلَيْك. فَخرجت من عِنْده، فَفعلت مَا قَالَ لي، وَجَرت الصُّورَة، على مَا ذكر، سَوَاء بِسَوَاء، وَردت الفوطة عَليّ بِعَينهَا، وَمَا حل شدها. فَلَمَّا حصلت لي، قلت لَهُم: يَا فتيَان، هَذَا الَّذِي فعلتموه هُوَ قَضَاء لحق خَالِي، وَأَنا لي حَاجَة تخصني. فَقَالُوا: مقضية. فَقلت: عرفوني كَيفَ أخذتهم الفوطة؟ فامتنعوا، فأقسمت عَلَيْهِم بحياة أبي بكر النقاش. فَقَالَ لي وَاحِد مِنْهُم: تعرفنِي؟ فتأملته، فَإِذا هُوَ الضَّرِير الَّذِي كَانَ يقْرَأ. وَإِنَّمَا كَانَ يتعامى حِيلَة ومكرًا. وَأَوْمَأَ إِلَى آخر، وَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ فتأملته، فَإِذا هُوَ الملاح بِعَيْنِه. فَقلت: أخبراني كَيفَ فعلكما؟ فَقَالَ الملاح: أَنا أدور فِي المشارع فِي أول أَوْقَات الْمسَاء، وَقد سبقت المتعامي فأجلسته حَيْثُ رَأَيْت، فَإِذا رَأَيْت من مَعَه شَيْء لَهُ قدر، ناديته وأرخصت عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَحَمَلته، فَإِذا بلغ إِلَى الْقَارئ، وَصَاح بِي، شتمته، حَتَّى لَا يشك الرَّاكِب فِي بَرَاءَة الساحة، فَإِن حمله الرَّاكِب فَذَاك، وَإِن لم يحملهُ رققته حَتَّى يحملهُ، فَإِذا حمله، وَجلسَ هَذَا يقْرَأ قِرَاءَته الطّيبَة، ذهل الرجل كَمَا ذهلت أَنْت، فَإِذا بلغنَا إِلَى مَوضِع نَكُون قد خلينا فِيهِ رجلا متوقعًا لنا، يسبح حَتَّى يلاصق

стр. 1324

السَّفِينَة، وعَلى رَأسه قوصرة، فَلَا يفْطن الرَّاكِب، فيستلب هَذَا الرجل المتعامى، بخفة، الشَّيْء الَّذِي قد عينا عَلَيْهِ، فيلقيه إِلَى الرجل الَّذِي عَلَيْهِ القوصرة، فيأخذها ويسبح إِلَى الشط، فَإِذا أَرَادَ الرَّاكِب النُّزُول، وافتقد مَا مَعَه، عَملنَا كَمَا رَأَيْت، فَلَا يتهمنا، ونتفرق، فَإِذا كَانَ الْغَد، اجْتَمَعنَا واقتسمنا مَا أخذناه، وَالْيَوْم كَانَ يَوْم الْقِسْمَة، فَلَمَّا جِئْت برسالة خَالك أستاذنا، سلمنَا إِلَيْك الفوطة، قَالَ: فأخذتها، وانصرفت

стр. 1325

صَادف دَرْء السَّيْل درءًا يصدعه حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي بعض إخْوَانِي: أَنه كَانَ بِبَغْدَاد رجل يطْلب التلصص فِي حداثته، ثمَّ تَابَ وَصَارَ بزازًا. قَالَ: فَانْصَرف لَيْلَة من دكانه، وَقد أغلقه، فجَاء لص متزي بزِي صَاحب الدّكان، فِي كمه شمعة صَغِيرَة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وَأَعْطَاهُ الشمعة فِي الظلمَة، وَقَالَ: أشعلها وجئني بهَا، فَإِن لي فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي دكاني شغلًا. فَحَضَرَ الحارس وأشعل الشمعة، وَركب اللص المفاتيح على الأقفال فَفَتحهَا، وَدخل الدّكان. فجَاء الحارس بالشمعة مشعلة، فَأَخذهَا مِنْهُ وَهُوَ لَا يتَبَيَّن وَجهه، وَجعلهَا بَين يَدَيْهِ، وَفتح سفط الْحساب، وَأخرج مَا فِيهِ، وَجعل ينظر فِي الدفاتر، ويوري بِيَدِهِ أَنه يحْسب، والحارس يطالعه فِي تردده، وَلَا يشك فِي أَنه صَاحب الدّكان. إِلَى أَن قَارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وَكَلمه من بعيد، وَقَالَ لَهُ: أطلب لي حمالًا. فجَاء بحمال، فَحمل عَلَيْهِ من مَتَاع الدّكان أَربع رزم مثمنة، وأقفل الدّكان، وَانْصَرف وَمَعَهُ الْحمال، وَأعْطى الحارس دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا أصبح النَّاس، جَاءَ صَاحب الدّكان ليفتحه، فَقَامَ إِلَيْهِ الحارس يَدْعُو لَهُ، وَيَقُول: فعل الله بك وصنع كَمَا أَعْطَيْتنِي البارحة الدرهمين. فَأنْكر الرجل مَا سَمعه، وَلم يرد جَوَابا، وَفتح دكانه، فَوجدَ سيلان الشمعة،

стр. 1326

وحسابه مطروحًا، وفقد الرزم الْأَرْبَع، فاستدعى الحارس، وَقَالَ لَهُ: من كَانَ الَّذِي حمل معي الرزم البارحة من دكاني؟ فَقَالَ لَهُ الحارس: أليست استدعيت مني حمالًا، فجئتك بِهِ، فحملها مَعَك؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنِّي كنت ناعسًا متنبذًا، وَأُرِيد الْحمال، فجئني بِهِ، فَمضى الحارس فَجَاءَهُ بالحمال، فأغلق الرجل الدّكان، وَأخذ الْحمال مَعَه، وَمَشى، وَقَالَ: إِلَى أَيْن حملت الرزم البارحة، فَإِنِّي كنت متنبذًا. قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة، واستدعيت فلَانا الملاح، فركبت مَعَه. فَصَعدَ الرجل المشرعة، فَسَأَلَ عَن الملاح فَدلَّ عَلَيْهِ وَركب مَعَه. وَقَالَ: أَيْن أوصلت الْيَوْم أخي الَّذِي كَانَ مَعَه الْأَرْبَع رزم؟ قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة. قَالَ: أطرحني إِلَيْهَا، فطرحه. قَالَ: وَمن حملهَا مَعَه؟ قَالَ: فلَان الْحمال. فَدَعَا بِهِ، ولطفه، وَقَالَ: أَيْن حملت الرزم الْأَرْبَع البارحة؟ واستدله بِرِفْق وَأَعْطَاهُ شَيْئا، فجَاء بِهِ إِلَى بَاب غرفَة، فِي مَوضِع بعيد عَن الْبَلَد، قريب من الصَّحرَاء، فَوجدَ الْبَاب مقفلًا. واستوقف الْحمال إِلَى أَن فش القفل وَفتح الْبَاب، وَدخل، فَوجدَ الْأَرْبَع رزم بِحَالِهَا، وَإِذا فِي الْبَيْت بركان مُعَلّق على حَبل، فلق الرزم فِيهِ، ودعا الْحمال فحملها.

стр. 1327

فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وَفهم الْأَمر، فَاتبعهُ إِلَى الشط، فجَاء إِلَى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر. فَدَعَا الْحمال من يحط عَنهُ، فجَاء اللص، فحط عَنهُ، كَأَنَّهُ مجتاز مُتَطَوّع، فَأدْخل الرزم إِلَى السَّفِينَة مَعَ صَاحبهَا، ثمَّ جعل البركان على كتفه، وَقَالَ للتاجر: يَا أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي. فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: انْزِلْ وَلَا خوف عَلَيْك. فَنزل مَعَه، فاستتابه، ووهب لَهُ شَيْئا، وَصَرفه.

стр. 1328

قصَّة الْأَخَوَيْنِ عَاد وَشَدَّاد وَحكى عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن العبقسي الشَّاعِر، قَالَ: حَدثنِي شَاعِر كَانَ يعرف بِغُلَام أبي الْغَوْث، قَالَ: كنت من أهل قَرْيَة من نواحي الشَّام، أسكنها أَنا وأسلافي، فَكُنَّا نطحن أقواتنا فِي رحى مَاء على فراسخ من الْبَلَد، يخرج إِلَيْهَا أهل الْبَلَد وَأهل الْقرى الْمُجَاورَة بغلاتهم، فتكثر، فَلَا يتَمَكَّن من الطَّحْن إِلَّا الْأَقْوَى فالأقوى. فمضيت مرّة وَمَعِي غلَّة، وحملت معي خبْزًا وَلَحْمًا مطبوخًا يَكْفِينِي لأيام، وَكَانَ الزَّمَان شاتيًا، لأقيم على الرَّحَى، حَتَّى يخف النَّاس فأطحن فِيهَا، على عادتي تِلْكَ. فَلَمَّا صرت عِنْد الرَّحَى، حططت أعدالي، وَجَلَست فِي مَوضِع نزه، وفرشت سفرتي لآكل. واجتاز بِي رجل عَظِيم الْخلقَة، فدعوته ليَأْكُل، فَجَلَسَ فَأكل كلما كَانَ فِي سفرتي، حَتَّى لم يدع فِيهَا شَيْئا، وَلَا أُوقِيَّة وَاحِدَة. فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا بَان لَهُ فِي، فَأمْسك، وغسلنا أَيْدِينَا. فَقَالَ لي: على أَي شَيْء مقامك هُنَا؟ فَقلت: لأطحن هَذِه الْغلَّة. فَقَالَ لي: فَلم لَا تطحنها الْيَوْم، فَأَخْبَرته بِسَبَب تعذر ذَلِك عَليّ. قَالَ: فثار كَالْجمَلِ، حَتَّى شقّ النَّاس وهم مزدحمون على الرَّحَى، وَهِي

стр. 1329

تَدور، فَجعل رجله عَلَيْهَا فوقفت وَلم تدر. فَعجب النَّاس، وَقَالَ: من فِيكُم يتَقَدَّم؟ فجَاء رجل أيد شَدِيد، فَأخذ بِيَدِهِ، وَرمى بِهِ كالكرة، وَجعله تَحت رجله الْأُخْرَى، فَمَا قدر أَن يَتَحَرَّك. وَقَالَ: قدمُوا غلتي إِلَى الطَّحْن وَإِلَّا كسرت الرَّحَى، وَكسرت عِظَام هَذَا. فَقَالُوا: يَا هَذَا هَات الْغلَّة، فَجئْت بهَا، فَطحنت، وفرغت مِنْهَا، وجعلتها فِي الأعدال. وَقَالَ لي: قُم. قلت: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى مَنْزِلك. قلت: لَا أسلك الطَّرِيق وحدي، فَإِنَّهُ مخوف، وَلَكِن أَصْبِر حَتَّى يفرغ أهل قريتي، وأرجع مَعَهم. فَقَالَ: قُم وَأَنا مَعَك، ولسنا نَخَاف، بِإِذن الله ، شَيْئا. فَقلت فِي نَفسِي: من كَانَت تِلْكَ الْقُوَّة قوته يجب أَن آنس بِهِ، فَقُمْت، وحملت الْغلَّة على الْحمير، وسرنا إِلَى أَن جِئْنَا إِلَى قريتي، وَلم نلق فِي طريقنا بَأْسا. فَلَمَّا دخلت إِلَى بَيْتِي، خرج وَالِدي وإخوتي، وعجبوا من سرعَة ورودي بالغلة، وَرَأَوا الرجل، فسألوني عَن الْقِصَّة، فَأَخْبَرتهمْ. وَسَأَلنَا الرجل أَن يُقيم فِي ضيافتنا، فَفعل، فذبحنا لَهُ بقرة، وأصلحنا لَهُ سكباجًا، وَقدم إِلَيْهِ، فَأكل الْجَمِيع بِنَحْوِ الْمِائَة رَطْل خبْزًا. فَقَالَ لَهُ أبي: يَا هَذَا، مَا رَأَيْت مثلك قطّ، فَأَي شَيْء أَنْت؟ وَمن أَيْن معاشك؟ قَالَ: أَنا رجل من النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة، وَأُسَمِّي شَدَّاد، وَكَانَ لي أَخ أَشد بدنًا وَقَلْبًا مني، وأسمه عَاد، وَكُنَّا نبذرق القوافل من قريتنا إِلَى مَوَاضِع كَثِيرَة، وَلَا نستعين

стр. 1330

بِأحد، وَتخرج علينا الرِّجَال الْكَثِيرَة، فألقاهم أَنا وَأخي فَقَط فنهزمهم، فاشتهر أمرنَا، حَتَّى كَانَ إِذا قيل قافلة عَاد وَشَدَّاد، لم يعرض لَهَا أحد، فَمَكثْنَا كَذَلِك سِنِين كَثِيرَة. فخرجنا مرّة أَنا وَأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فَلَمَّا صرنا بالفلاة، رَأينَا سوادًا مُقبلا نحونا، فأستطرفنا أَن يقدم علينا أحد، ثمَّ بَان لنا شخص رجل أسود، على نَاقَة حَمْرَاء، ثمَّ خالطنا. وَقَالَ: هَذِه قافلة عَاد وَشَدَّاد؟ قُلْنَا: نعم. فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سُيُوفنَا وانقضضنا عَلَيْهِ، فَضرب سَاق أخي بِالسَّيْفِ ضَرْبَة أقعدته، وَعدا عَليّ، فَقبض على كَتِفي، فَمَا أطقت الْحَرَكَة. فكتفني، ثمَّ كتف أخي، وطرحنا على النَّاقة كالزاملتين، ثمَّ ركبهَا وَسَار بعد أَن أَخذ من الْقَافِلَة مَا كَانَ فِيهَا من عين، وورق، وحلي، وشيئًا من الزَّاد، وأوقر الرَّاحِلَة بذلك. وَسَار بِنَا على غير محجة، فِي طَرِيق لَا نعرفه، بَقِيَّة يَوْمنَا وليلتنا وَبَعض الثَّانِي، حَتَّى أَتَى جبلا لَا نعرفه، فأوغل فِيهِ، وَبلغ إِلَى وَجه مِنْهُ فدخله، فَانْتهى إِلَى مغارات، فَأَنَاخَ الرَّاحِلَة، ثمَّ رمى بِنَا عَنْهَا، وَتَركنَا فِي الكتاف. وَجَاء إِلَى مغارة على بَابهَا صَخْرَة عَظِيمَة لَا يقلعها إِلَّا الْجَمَاعَة، فنحاها عَن الْبَاب واستخرج مِنْهَا جَارِيَة حسناء، فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا، وجلسا يأكلان مِمَّا جَاءَ بِهِ من الزَّاد، ثمَّ شربا، فَقَالَ لَهَا: قومِي، فَقَامَتْ، وَدخلت الْغَار. ثمَّ جَاءَ إِلَى أخي، فذبحه وَأَنا أرَاهُ، وسلخه، وَأكله وَحده، حَتَّى لم يدع مِنْهُ إِلَّا عِظَامه.

стр. 1331

ثمَّ استدعى الْجَارِيَة، فَخرجت، وَجعلا يشربان، فَلَمَّا توَسط شربه، جرني، فَلم أَشك أَنه يُرِيد ذبحي، فَإِذا هُوَ قد طرحني فِي غَار من تِلْكَ المغارات، وَحل كتافي، وأطبق الْبَاب بصخرة عَظِيمَة، فأيست من الْحَيَاة، وَعلمت أَنه قد أدخرني لغد. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، لم أحس إِلَّا بِامْرَأَة تكلمني، فَقلت لَهَا: مَا بالك؟ فَقَالَت: إِن هَذَا العَبْد قد سكر ونام، وَهُوَ يذبحك فِي غَد كَمَا ذبح صَاحبك، فَإِن كَانَت لَك قُوَّة فاجهد فِي دفع الصَّخْرَة واخرج فاقتله، وأنج بِي وبنفسك. فَقلت: وَمن أَنْت؟ قَالَت: أَنا امْرَأَة من الْبَلَد الْفُلَانِيّ، ذَات نعْمَة، خرجت أُرِيد أَهلا لي فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَخرج علينا هَذَا الْعَدو لله، فَأهْلك الْقَافِلَة الَّتِي كنت فِيهَا، ورآني فأخذني غصبا، وَأَنا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا شهرا، على هَذِه الصُّورَة، يرتكب مني الْحَرَام، وأشاهد ذبحه للنَّاس وَأكله لَهُم، وَلَا يُوصف لَهُ إِنْسَان بِشدَّة بدن إِلَّا قَصده، حَتَّى يَقْهَرهُ، ثمَّ يَجِيء بِهِ فيأكله، ويعتقد أَن شدته تنْتَقل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج حَبَسَنِي فِي الْغَار، وَخلف عِنْدِي مَأْكُولا وَمَاء لأيام، وَلَو اتّفق أَنه يحتبس عني، فضل يَوْم، مت جوعا وعطشًا. فَقلت: إِنَّنِي مَا أُطِيق قلع الصَّخْرَة. قَالَت: وَيلك، فجرب نَفسك. قَالَ: فَجئْت إِلَى الصَّخْرَة فاعتمدت عَلَيْهَا بقوتي، فتحركت، فَإِذا قد وَقع تَحت الصَّخْرَة حَصَاة صَغِيرَة، وَقد صَارَت الصَّخْرَة مركبة تركيبًا صَحِيحا، وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من خلاصي. فَقلت: أَبْشِرِي، وَلم أزل أجتهد، حَتَّى زحزحت الصَّخْرَة شَيْئا أمكنني الْخُرُوج مِنْهُ، فَخرجت.

стр. 1332

فَأخذت سيف الْأسود، واعتمدت بكلتي يَدي فَضربت سَاقيه، فَإِذا قد أبنت أَحدهمَا وَكسرت الْأُخْرَى، فانتبه، ورام الْوُثُوب فَلم يقدر، فضربته الْأُخْرَى على حَبل عَاتِقه فَسقط، وضربته أُخْرَى فأبنت رَأسه. وعمدت إِلَى المغارات فَأخذت كلما وجدت فِيهَا من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خَفِيف الْحمل، وَأخذت زادًا لأيام، وَركبت رَاحِلَته، وأردفت الْمَرْأَة، وَلم أزل أسلك فِي طرق لَا أعرفهَا، حَتَّى وَقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بِي إِلَى بعض الْقرى، فَسلمت الرَّاحِلَة إِلَى الْمَرْأَة، وأعطيتها نَفَقَة تكفيها إِلَى بَلَدهَا، وسيرتها مَعَ خفراء، وعدت إِلَى بلدي بِتِلْكَ الْفَوَائِد الجليلة. وعاهدت الله تَعَالَى، أَن لَا أتعرض للطريق، وَلَا للخفارة أبدا. وَأَنا الْآن آكل من ضيَاع اشْتَرَيْتهَا من ذَلِك المَال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غَلَّتهَا، إِلَى الْآن

стр. 1333

قارع سبعين من قطاع الطَّرِيق وانتصف مِنْهُم وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الْكرْدِي، رجل رَأَيْته بعسكر عمرَان بن شاهين قَصده من عِنْد حسنويه بن الْحُسَيْن الْكرْدِي، فَقبله، وأجرى عَلَيْهِ، وَكَانَ شجاعًا نجدًا، فَحَدثني، قَالَ: خرجنَا مرّة بالجبال، فِي أَيَّام موسم الْحَج، عددنا سَبْعُونَ رجلا، من فَارس وراجل، فاعترضنا الْحَاج الخراسانية، وكمنا لَهُم. وَكَانَ لنا عين فِي الْقَافِلَة، فَعَاد وعرفنا أَن فِي الْقَافِلَة رجلا من أهل شاش وفرغانة مَعَه أثنى عشر حملا بزًا، وَجَارِيَة فِي قبَّة عَلَيْهَا حلي ثقيل، فَجعلنَا أَعيننَا عَلَيْهِ، حَتَّى وثبنا عَلَيْهِ، وَهُوَ وجاريته فِي عمارية.

стр. 1334

قَالَ: فقطعنا قطاره وكتفناه، وَأَدْخَلْنَاهُ وَمَا مَعَه بَين الْجبَال، ووقعنا على مَا مَعَه، وفرحنا بِالْغَنِيمَةِ. وَكَانَ للرجل برذون أصفر يُسَاوِي مِائَتي دِرْهَم، فَلَمَّا رآنا نُرِيد القفول، قَالَ: يَا فتيَان، هنأكم الله بِمَا أَخَذْتُم، وَلَكِنِّي رجل حَاج، بعيد الدَّار، فَلَا تتعرضوا لسخط الله بمنعي من الْحَج، وَأما المَال فَيذْهب وَيَجِيء، وتعلمون، أَنه لَا نجاة لي إِلَّا على هَذَا البرذون، فاتركوه لي، فَلَيْسَ يبين ثمنه فِي الْغَنِيمَة الَّتِي أخذتموها، فتشاورنا على ذَلِك. فَقَالَ شيخ فِينَا مجرب: لَا تردوه عَلَيْهِ، واتركوه مكتوفًا هُنَا، فَإِن كَانَ فِي أَجله تَأْخِير، فسيقيض الله لَهُ من يحل كِتَافِهِ، وَكنت فِيمَن عزم على هَذَا. وَقَالَ بَعْضنَا: مَا مِقْدَار دَابَّة بِمِائَتي دِرْهَم حَتَّى نمنعها رجلا حَاجا، فَلَا حَاجَة لنا فِيهَا، وَجعلُوا يرققون قُلُوب البَاقِينَ حَتَّى سمحنا بذلك، فأطلقناه، وَلم نَدع عَلَيْهِ إِلَّا ثوبا يستر عَوْرَته. فَقَالَ: يَا فتيَان، قد مننتم عَليّ، وأحسنتم إِلَيّ، ورددتم دَابَّتي، وأخشى إِذا أَنا سرت أَن يَأْخُذهَا غَيْركُمْ، فأعطوني قَوس ونشابي، أذب بهَا عَن نَفسِي وَعَن فرسي. فَقُلْنَا: إِنَّا لَا نرد سِلَاحا على أحد. فَقَالَ بَعْضنَا: وَمَا مِقْدَار قَوس قِيمَته دِرْهَمَانِ، وَمَا نخشى من مثل هَذَا؟ فأعطيناه قوسه ونشابه، وَقُلْنَا لَهُ: انْصَرف، فشكرنا، ودعا لنا، وَمضى حَتَّى غَابَ عَن أَعيننَا. فَمَا كدنا نسير، وَالْجَارِيَة تبْكي، وَتقول: أَنا حرَّة، وَلَا يحل لكم أَن تأخذوني. فَنحْن فِي هَذَا، وَإِذا بِالرجلِ قد كرّ رَاجعا، وَقَالَ: يَا فتيَان، أَنا لكم نَاصح، فَإِنَّكُم قد أَحْسَنْتُم إِلَيّ، وَلَا بُد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم. فَقُلْنَا: وَمَا نصيحتك؟

стр. 1335

فَقَالَ: دعوا مَا فِي أيدكم، وَانْصَرفُوا سَالِمين بِأَنْفُسِكُمْ، وَلكم الْفضل، فَإِنَّكُم مننتم على رجل وَاحِد، وَأَنا أَمن على سبعين رجلا، وَإِذا هُوَ قد انقلبت عَيناهُ فِي وَجهه، وَخرج الزّبد من أشداقه، وَصَارَ كَالْجمَلِ الهائج. فهزأنا بِهِ، وضحكنا عَلَيْهِ، وَلم نلتفت إِلَى كَلَامه، فَأَعَادَ علينا النَّصِيحَة، وَقَالَ: يَا قوم قد مننت عَلَيْكُم، فَلَا تجْعَلُوا لي إِلَى أرواحكم سَبِيلا. فَزَاد غيظنا عَلَيْهِ، فقصدناه، وحملنا عَلَيْهِ، فانحاز منا، وَرمى بِخمْس نشابات، كَانَت بِيَدِهِ، فَقتل بهَا منا خَمْسَة، وَاحِدًا، وَاحِدًا. وَقَالَ: إِن جماعتكم تَمُوت على هَذَا، إِن لم تخلوا عَمَّا فِي أَيْدِيكُم. فَلم نزل ندافعه، وَيقتل منا، حَتَّى قتل ثَلَاثِينَ رجلا، وَبَقِي مَعَه نشاب فِي جعبته. فَقُلْنَا: أما ترَوْنَ وَيحكم أَنه لم يخط لَهُ سهم وَاحِد؟ وأحجمت الْجَمَاعَة عَنهُ، وأفرجنا عَن الْجمال والقبة، فَصَارَ القطار فِي حوزته. فتنكس وَنحن نرَاهُ، ففتق عدلا بِسيف أخرجه من رَحْله، وَأخرج مِنْهُ جعبة نشاب، وأراناها، فَلَمَّا رَأينَا مَا صَار إِلَيْهِ من النشاب يئسنا مِنْهُ وولينا عَنهُ. فَقَالَ: يَا فتيَان، سألتكم هَذَا فَلم تُجِيبُونِي إِلَيْهِ فَمن نزل عَن دَابَّته فَهُوَ آمن، وَمن أحب أَن يكون فَارِسًا، فَهُوَ بِشَأْنِهِ أبْصر. فشددنا عَلَيْهِ، فَقتل منا جمَاعَة، فاضطررنا إِلَى أَن ترجلنا، فحاز دوابنا وَحده، وساقها قَلِيلا. ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فَهُوَ آمن، وَمن تمسك بِهِ فَهُوَ أبْصر، فرمينا سِلَاحنَا. فَقَالَ: امضوا سَالِمين آمِنين، فَأخذ جَمِيع السِّلَاح وَالدَّوَاب، وَإِنَّا لندعوها
следующие страницы →