← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ثمَّ استدعى الْجَارِيَة، فَخرجت، وَجعلا يشربان، فَلَمَّا توَسط شربه، جرني، فَلم أَشك أَنه يُرِيد ذبحي، فَإِذا هُوَ قد طرحني فِي غَار من تِلْكَ المغارات، وَحل كتافي، وأطبق الْبَاب بصخرة عَظِيمَة، فأيست من الْحَيَاة، وَعلمت أَنه قد أدخرني لغد. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، لم أحس إِلَّا بِامْرَأَة تكلمني، فَقلت لَهَا: مَا بالك؟ فَقَالَت: إِن هَذَا العَبْد قد سكر ونام، وَهُوَ يذبحك فِي غَد كَمَا ذبح صَاحبك، فَإِن كَانَت لَك قُوَّة فاجهد فِي دفع الصَّخْرَة واخرج فاقتله، وأنج بِي وبنفسك. فَقلت: وَمن أَنْت؟ قَالَت: أَنا امْرَأَة من الْبَلَد الْفُلَانِيّ، ذَات نعْمَة، خرجت أُرِيد أَهلا لي فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَخرج علينا هَذَا الْعَدو لله، فَأهْلك الْقَافِلَة الَّتِي كنت فِيهَا، ورآني فأخذني غصبا، وَأَنا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا شهرا، على هَذِه الصُّورَة، يرتكب مني الْحَرَام، وأشاهد ذبحه للنَّاس وَأكله لَهُم، وَلَا يُوصف لَهُ إِنْسَان بِشدَّة بدن إِلَّا قَصده، حَتَّى يَقْهَرهُ، ثمَّ يَجِيء بِهِ فيأكله، ويعتقد أَن شدته تنْتَقل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج حَبَسَنِي فِي الْغَار، وَخلف عِنْدِي مَأْكُولا وَمَاء لأيام، وَلَو اتّفق أَنه يحتبس عني، فضل يَوْم، مت جوعا وعطشًا. فَقلت: إِنَّنِي مَا أُطِيق قلع الصَّخْرَة. قَالَت: وَيلك، فجرب نَفسك. قَالَ: فَجئْت إِلَى الصَّخْرَة فاعتمدت عَلَيْهَا بقوتي، فتحركت، فَإِذا قد وَقع تَحت الصَّخْرَة حَصَاة صَغِيرَة، وَقد صَارَت الصَّخْرَة مركبة تركيبًا صَحِيحا، وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من خلاصي. فَقلت: أَبْشِرِي، وَلم أزل أجتهد، حَتَّى زحزحت الصَّخْرَة شَيْئا أمكنني الْخُرُوج مِنْهُ، فَخرجت.

стр. 1332

فَأخذت سيف الْأسود، واعتمدت بكلتي يَدي فَضربت سَاقيه، فَإِذا قد أبنت أَحدهمَا وَكسرت الْأُخْرَى، فانتبه، ورام الْوُثُوب فَلم يقدر، فضربته الْأُخْرَى على حَبل عَاتِقه فَسقط، وضربته أُخْرَى فأبنت رَأسه. وعمدت إِلَى المغارات فَأخذت كلما وجدت فِيهَا من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خَفِيف الْحمل، وَأخذت زادًا لأيام، وَركبت رَاحِلَته، وأردفت الْمَرْأَة، وَلم أزل أسلك فِي طرق لَا أعرفهَا، حَتَّى وَقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بِي إِلَى بعض الْقرى، فَسلمت الرَّاحِلَة إِلَى الْمَرْأَة، وأعطيتها نَفَقَة تكفيها إِلَى بَلَدهَا، وسيرتها مَعَ خفراء، وعدت إِلَى بلدي بِتِلْكَ الْفَوَائِد الجليلة. وعاهدت الله تَعَالَى، أَن لَا أتعرض للطريق، وَلَا للخفارة أبدا. وَأَنا الْآن آكل من ضيَاع اشْتَرَيْتهَا من ذَلِك المَال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غَلَّتهَا، إِلَى الْآن

стр. 1333

قارع سبعين من قطاع الطَّرِيق وانتصف مِنْهُم وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الْكرْدِي، رجل رَأَيْته بعسكر عمرَان بن شاهين قَصده من عِنْد حسنويه بن الْحُسَيْن الْكرْدِي، فَقبله، وأجرى عَلَيْهِ، وَكَانَ شجاعًا نجدًا، فَحَدثني، قَالَ: خرجنَا مرّة بالجبال، فِي أَيَّام موسم الْحَج، عددنا سَبْعُونَ رجلا، من فَارس وراجل، فاعترضنا الْحَاج الخراسانية، وكمنا لَهُم. وَكَانَ لنا عين فِي الْقَافِلَة، فَعَاد وعرفنا أَن فِي الْقَافِلَة رجلا من أهل شاش وفرغانة مَعَه أثنى عشر حملا بزًا، وَجَارِيَة فِي قبَّة عَلَيْهَا حلي ثقيل، فَجعلنَا أَعيننَا عَلَيْهِ، حَتَّى وثبنا عَلَيْهِ، وَهُوَ وجاريته فِي عمارية.

стр. 1334

قَالَ: فقطعنا قطاره وكتفناه، وَأَدْخَلْنَاهُ وَمَا مَعَه بَين الْجبَال، ووقعنا على مَا مَعَه، وفرحنا بِالْغَنِيمَةِ. وَكَانَ للرجل برذون أصفر يُسَاوِي مِائَتي دِرْهَم، فَلَمَّا رآنا نُرِيد القفول، قَالَ: يَا فتيَان، هنأكم الله بِمَا أَخَذْتُم، وَلَكِنِّي رجل حَاج، بعيد الدَّار، فَلَا تتعرضوا لسخط الله بمنعي من الْحَج، وَأما المَال فَيذْهب وَيَجِيء، وتعلمون، أَنه لَا نجاة لي إِلَّا على هَذَا البرذون، فاتركوه لي، فَلَيْسَ يبين ثمنه فِي الْغَنِيمَة الَّتِي أخذتموها، فتشاورنا على ذَلِك. فَقَالَ شيخ فِينَا مجرب: لَا تردوه عَلَيْهِ، واتركوه مكتوفًا هُنَا، فَإِن كَانَ فِي أَجله تَأْخِير، فسيقيض الله لَهُ من يحل كِتَافِهِ، وَكنت فِيمَن عزم على هَذَا. وَقَالَ بَعْضنَا: مَا مِقْدَار دَابَّة بِمِائَتي دِرْهَم حَتَّى نمنعها رجلا حَاجا، فَلَا حَاجَة لنا فِيهَا، وَجعلُوا يرققون قُلُوب البَاقِينَ حَتَّى سمحنا بذلك، فأطلقناه، وَلم نَدع عَلَيْهِ إِلَّا ثوبا يستر عَوْرَته. فَقَالَ: يَا فتيَان، قد مننتم عَليّ، وأحسنتم إِلَيّ، ورددتم دَابَّتي، وأخشى إِذا أَنا سرت أَن يَأْخُذهَا غَيْركُمْ، فأعطوني قَوس ونشابي، أذب بهَا عَن نَفسِي وَعَن فرسي. فَقُلْنَا: إِنَّا لَا نرد سِلَاحا على أحد. فَقَالَ بَعْضنَا: وَمَا مِقْدَار قَوس قِيمَته دِرْهَمَانِ، وَمَا نخشى من مثل هَذَا؟ فأعطيناه قوسه ونشابه، وَقُلْنَا لَهُ: انْصَرف، فشكرنا، ودعا لنا، وَمضى حَتَّى غَابَ عَن أَعيننَا. فَمَا كدنا نسير، وَالْجَارِيَة تبْكي، وَتقول: أَنا حرَّة، وَلَا يحل لكم أَن تأخذوني. فَنحْن فِي هَذَا، وَإِذا بِالرجلِ قد كرّ رَاجعا، وَقَالَ: يَا فتيَان، أَنا لكم نَاصح، فَإِنَّكُم قد أَحْسَنْتُم إِلَيّ، وَلَا بُد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم. فَقُلْنَا: وَمَا نصيحتك؟

стр. 1335

فَقَالَ: دعوا مَا فِي أيدكم، وَانْصَرفُوا سَالِمين بِأَنْفُسِكُمْ، وَلكم الْفضل، فَإِنَّكُم مننتم على رجل وَاحِد، وَأَنا أَمن على سبعين رجلا، وَإِذا هُوَ قد انقلبت عَيناهُ فِي وَجهه، وَخرج الزّبد من أشداقه، وَصَارَ كَالْجمَلِ الهائج. فهزأنا بِهِ، وضحكنا عَلَيْهِ، وَلم نلتفت إِلَى كَلَامه، فَأَعَادَ علينا النَّصِيحَة، وَقَالَ: يَا قوم قد مننت عَلَيْكُم، فَلَا تجْعَلُوا لي إِلَى أرواحكم سَبِيلا. فَزَاد غيظنا عَلَيْهِ، فقصدناه، وحملنا عَلَيْهِ، فانحاز منا، وَرمى بِخمْس نشابات، كَانَت بِيَدِهِ، فَقتل بهَا منا خَمْسَة، وَاحِدًا، وَاحِدًا. وَقَالَ: إِن جماعتكم تَمُوت على هَذَا، إِن لم تخلوا عَمَّا فِي أَيْدِيكُم. فَلم نزل ندافعه، وَيقتل منا، حَتَّى قتل ثَلَاثِينَ رجلا، وَبَقِي مَعَه نشاب فِي جعبته. فَقُلْنَا: أما ترَوْنَ وَيحكم أَنه لم يخط لَهُ سهم وَاحِد؟ وأحجمت الْجَمَاعَة عَنهُ، وأفرجنا عَن الْجمال والقبة، فَصَارَ القطار فِي حوزته. فتنكس وَنحن نرَاهُ، ففتق عدلا بِسيف أخرجه من رَحْله، وَأخرج مِنْهُ جعبة نشاب، وأراناها، فَلَمَّا رَأينَا مَا صَار إِلَيْهِ من النشاب يئسنا مِنْهُ وولينا عَنهُ. فَقَالَ: يَا فتيَان، سألتكم هَذَا فَلم تُجِيبُونِي إِلَيْهِ فَمن نزل عَن دَابَّته فَهُوَ آمن، وَمن أحب أَن يكون فَارِسًا، فَهُوَ بِشَأْنِهِ أبْصر. فشددنا عَلَيْهِ، فَقتل منا جمَاعَة، فاضطررنا إِلَى أَن ترجلنا، فحاز دوابنا وَحده، وساقها قَلِيلا. ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فَهُوَ آمن، وَمن تمسك بِهِ فَهُوَ أبْصر، فرمينا سِلَاحنَا. فَقَالَ: امضوا سَالِمين آمِنين، فَأخذ جَمِيع السِّلَاح وَالدَّوَاب، وَإِنَّا لندعوها

стр. 1336

بأسمائها، فتشذ عَنهُ، فيرميها فيصرعها، حَتَّى قتل مِنْهَا جمَاعَة، وفاتتنا الْغَنِيمَة، وَالسِّلَاح. وَكَانَ ذَلِك سَبَب تَوْبَتِي، أَنَفَة لما لحقنا مِنْهُ، وَأَنا على ذَلِك الْحَال إِلَى الْيَوْم.

стр. 1337

الْبَاب الثَّانِي عشر فِيمَن أَلْجَأَهُ الْخَوْف إِلَى هرب واستتار فأبدل بأمن ومستجد نعم ومسار يحيى بن طَالب الْحَنَفِيّ يبارح وَطنه مدينا وَيعود إِلَيْهِ مُوسِرًا أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الْغلابِي، قَالَ: غَنِي الرشيد يَوْمًا بِهَذَا الشّعْر: أَلا هَل إِلَى شمّ الخزامى ونظرةٍ ... إِلَى قرقرى قبل الْمَمَات سَبِيل فيا أَثلَاث القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إِلَى أظلالكنّ طَوِيل أُرِيد نهوضًا نحوكم فيصدّني ... إِذا رمته دينٌ عليّ ثقيل قَالَ مؤلف الْكتاب: وَوجدت الشّعْر فِي غير هَذِه الرِّوَايَة:

стр. 1338

وَيَا أَثلَاث القاع قد ملّ صحبتي ... صَحَابِيّ فَهَل فِي ظلّكنّ مقيل أحدّث نَفسِي عَنْك أَن لست رَاجعا ... إِلَيْك فحزني فِي الْفُؤَاد دخيل رَجَعَ للْحَدِيث. فَاسْتحْسن الرشيد الشّعْر، وَسَأَلَ عَن قَائِله، فَعرف أَنه ليحيى بن طَالب الْحَنَفِيّ اليمامي. فَقَالَ: حَيّ هُوَ أم ميت؟ فَقَالَ بعض الْحَاضِرين: هُوَ حَيّ كميت. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: هرب من الْيَمَامَة، لدين عَلَيْهِ ثقيل، فَصَارَ إِلَى الرّيّ. فَأمر الرشيد أَن يكْتب إِلَى عَامله بِالريِّ، يعرفهُ ذَلِك، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَأَن يحمل إِلَى الْيَمَامَة على دَوَاب الْبَرِيد، وَكتب إِلَى عَامله بِالْيَمَامَةِ بِقَضَاء دينه. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، قَالَ الرشيد لمن حَضَره: إِن الْكتب وَردت بامتثال مَا أمرت بِهِ. وَعَاد يحيى إِلَى وَطنه مُوسِرًا، وَقد قضي دينه عَنهُ، من غير سعي مِنْهُ فِي ذَلِك.

стр. 1339

العتابي يُؤَدب الْأمين والمأمون ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) ، قَالَ: حَدثنِي عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد، يَعْنِي الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي يَمُوت بن المزرع، قَالَ: كَانَ العتابي، يَقُول بالاعتزال، فاتصل ذَلِك بالرشيد، وَكثر عَلَيْهِ فِي أمره، فَأمر فِيهِ بِأَمْر غليظ، فهرب إِلَى الْيمن، وَكَانَ مُقيما فِيهَا على خوف وتوق. فاحتال يحيى بن خَالِد، إِلَى أَن أسمع الرشيد شَيْئا من خطبه ورسائله، فاستحسنها الرشيد، وَسَأَلَ عَن الْكَلَام لمن هُوَ؟ فَقَالَ يحيى: هُوَ كَلَام العتابي، وَإِن رَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يحضر حَتَّى يسمع الْأمين والمأمون، وَيَضَع لَهما خطبًا، لَكَانَ فِي ذَلِك صلاحًا لَهما.

стр. 1340

فَأَمنهُ الرشيد، وَأمر بإحضاره. وَلما اتَّصل خبر ذَلِك بالعتابي، قَالَ يمدح يحيى بن خَالِد: مَا زلت فِي سَكَرَات الْمَوْت مطّرحًا ... قد غَابَ عنّي وَجه الأَرْض من خبلي فَلم تزل دائبًا تسْعَى لتنقذني ... حَتَّى أختلست حَياتِي من يَد الْأَجَل

стр. 1341

لماذا قتل أَبُو سَلمَة الْخلال وَذكر فِي بعض كتب الدولة: أَن أَبَا سَلمَة الْخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا الْعرَاق، وَقد ملكوا خُرَاسَان وَمَا بَينهَا وَبَين الْعرَاق، استدعى بني الْعَبَّاس، فصيرهم فِي منزله بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ لَهُ سرداب، فَجعل فِيهِ جَمِيع من كَانَ حَيا فِي ذَلِك الْوَقْت من ولد عبد الله ابْن الْعَبَّاس، وَفِيهِمْ السفاح، والمنصور، وَعِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ يُرَاعِي الْأَخْبَار. وَكَانَ الدعاة يؤمرون بِقَصْدِهِ إِذا ظَهَرُوا وغلبوا على الْكُوفَة، ليعرفهم الإِمَام، فيسلمون الْأَمر إِلَيْهِ. فَلَمَّا أوقع قَحْطَبَةَ بِابْن هُبَيْرَة الْوَقْعَة الْعَظِيمَة على الْفُرَات، وغرق قَحْطَبَةَ، وَانْهَزَمَ ابْن هُبَيْرَة، وَلحق بواسط، وتحصن بهَا، وَدخل ابْنا قَحْطَبَةَ الْكُوفَة

стр. 1342

بالعسكر كُله، قَالُوا لأبي سَلمَة: أخرج إِلَيْنَا الإِمَام، فدافعهم، وَقَالَ: لم يحضر الْوَقْت الَّذِي يجوز فِيهِ ظُهُور الإِمَام، وأخفى الْخَبَر عَن بني الْعَبَّاس، وَعمل على نقل الْأَمر عَنْهُم، إِلَى ولد فَاطِمَة ﵃، وَكَاتب جمَاعَة مِنْهُم، فتأخروا عَنهُ. وساء ظن بني الْعَبَّاس بِهِ، فاحتالوا حَتَّى أخرجُوا مولى لَهُم أسود كَانَ مَعَهم فِي السرداب، وَقَالُوا لَهُ: اعرف لنا الْأَخْبَار، فَعَاد إِلَيْهِم، وعرفهم أَن قَحْطَبَةَ غرق، وَأَن ابْن هُبَيْرَة انهزم، وَأَن ابْني قَحْطَبَةَ قد دخلا الْكُوفَة بالعسكر مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالُوا: اخْرُج وَتعرض لِابْني قَحْطَبَةَ، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بِأَن يكبسا الدَّار علينا ويخرجانا. فَخرج الْمولى، وَكَانَ حميد بن قَحْطَبَةَ عَارِفًا بِهِ، فتعرض لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أعظم رُؤْيَته، وَقَالَ: وَيلك مَا فعل سادتنا، وَأَيْنَ هم؟ فخبره بخبرهم، وَأدّى إِلَيْهِ رسالتهم. فَركب فِي قِطْعَة من الْجَيْش، وَأَبُو سَلمَة غافل، فجَاء حَتَّى ولج الدَّار، وَأرَاهُ الْأسود السرداب، فَدخل وَمَعَهُ نفر من الْجَيْش، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالُوا: وَعَلَيْكُم السَّلَام. فَقَالَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ وَكَانَت أم أبي الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن

стр. 1343

عَليّ بن عبد الله، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، الَّذِي يُقَال لَهُ الإِمَام، لما بَث الدعاة، قَالَ لَهُم: إِن حدث بعدِي حدث، فالإمام ابْن الحارثية الَّذِي مَعَه الْعَلامَة، وَهِي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [الْقَصَص: ٥-٦] . قَالَ: فَلَمَّا قَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ ابتدره أَبُو الْعَبَّاس، وَأَبُو جَعْفَر، كِلَاهُمَا يَقُول: أَنا ابْن الحارثية. فَقَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: فأيكما مَعَه الْعَلامَة؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَعلمت أَنِّي قد أخرجت من الْأَمر، لِأَنَّهُ لم يكن معي عَلامَة. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [الْقَصَص: ٥] وتلا الْآيَة. فَقَالَ لَهُ حميد بن قَحْطَبَةَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، مد يدك أُبَايِعك، فَبَايعهُ. ثمَّ انتضى سَيْفه، وَقَالَ: بَايعُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَبَايعهُ أخوته، وبنوا عَمه، وعمومته، وَالْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا مَعَه فِي السرداب. وَأخرجه إِلَى الْمِنْبَر بِالْكُوفَةِ، وَأَجْلسهُ عَلَيْهِ، فحصر أَبُو الْعَبَّاس عَن الْكَلَام، فَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، فَقَامَ دونه على الْمِنْبَر بمرقاة، وَجَاء أَبُو سَلمَة،

стр. 1344

وَقد استوحش وَخَافَ. فَقَالَ حميد: يَا أَبَا سَلمَة، زعمت أَن الإِمَام لم يقدم بعد؟ فَقَالَ أَبُو سَلمَة: إِنَّمَا أردْت أَن أدافع بخروجهم إِلَى أَن يهْلك مَرْوَان، فَإِن كَانَت لَهُ كرة لم يَكُونُوا قد عرفُوا فيهلكوا، وَإِن هلك مَرْوَان أظهرت أَمرهم على ثِقَة. فأظهر أَبُو الْعَبَّاس قبُول هَذَا الْعذر مِنْهُ، وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَانِبه، ثمَّ دبر عَلَيْهِ بعد مُدَّة حَتَّى قَتله. وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا السِّيَاق، فَقَالُوا: قدم أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَأَهله على أبي سَلمَة سرا، فَستر أَمرهم، وعزم على أَن يَجْعَلهَا شُورَى بَين ولد عَليّ وَالْعَبَّاس، حَتَّى يختاروا مِنْهُم من أَرَادوا. ثمَّ خَافَ أَن لَا يتَّفق على الْأَمر، فعزم على أَن يعدل بِالْأَمر إِلَى ولد الْحسن وَالْحُسَيْن ﵃، وهم ثَلَاثَة: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَعبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ، وَعمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن. وَوجه بكتب إِلَيْهِم مَعَ رجل من مواليهم من سَاكِني الْكُوفَة. فَبَدَأَ بِجَعْفَر بن مُحَمَّد، فَلَقِيَهُ لَيْلًا، فَأعلمهُ أَنه رَسُول أبي سَلمَة، وَأَن مَعَه كتابا إِلَيْهِ. فَقَالَ: مَا أَنا وَأَبُو سَلمَة، وَهُوَ شيعَة لغيري؟ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول: تقْرَأ الْكتاب، وتجيب عَنهُ بِمَا رَأَيْت. فَقَالَ جَعْفَر لِخَادِمِهِ، قرب مني السراج، فقربه، فَوضع عَلَيْهِ كتاب أبي سَلمَة، فأحرقه. فَقَالَ: أَلا تجيب عَنهُ؟

стр. 1345

فَقَالَ: الْجَواب مَا رَأَيْت. ثمَّ أَتَى عبد الله بن الْحسن، فَقبل كِتَابه، وَركب إِلَى جَعْفَر. فَقَالَ جَعْفَر: مرْحَبًا بك أَبَا مُحَمَّد، لَو أعلمتني لجئتك. فَقَالَ: إِنَّه أَمر يجل عَن الْوَصْف. فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا كتاب أبي سَلمَة يدعوني فِيهِ إِلَى الْأَمر، ويراني أَحَق النَّاس بِهِ، وَقد جَاءَ بِهِ شِيعَتِنَا من خُرَاسَان. فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: وَمَتى صَارُوا شيعتك؟ أَنْت وجهت أَبَا مُسلم إِلَى خُرَاسَان، وأمرته بِلبْس السوَاد؟ أتعرف أحدا مِنْهُم باسمه وَنسبه؟ قَالَ: لَا. قَالَ: كَيفَ يكونُونَ شيعتك، وَأَنت لَا تعرف أحدا مِنْهُم، وَلَا يعرفونك؟ فَقَالَ عبد الله: هَذَا الْكَلَام كَانَ مِنْك لشَيْء. فَقَالَ جَعْفَر: قد علم الله تَعَالَى أَنِّي أوجب النصح على نَفسِي لكل مُسلم، فَكيف أدخره عَنْك، فَلَا تمنين نَفسك الأباطيل، فَإِن هَذِه الدولة ستتم لهَؤُلَاء الْقَوْم، وَمَا هِيَ لأحد من ولد أبي طَالب، وَقد جَاءَنِي مثل مَا جَاءَك. فَانْصَرف غير رَاض بِمَا قَالَه لَهُ. وَأما عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، فَرد عَلَيْهِ الْكتاب، وَقَالَ: لَا أعرف من كتبه. قَالَ: وَأَبْطَأ أَبُو سَلمَة على أبي الْعَبَّاس وَمن مَعَه، فَخرج أَصْحَابه يطوفون بِالْكُوفَةِ، فلقي حميد بن قَحْطَبَةَ، وَمُحَمّد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه،

стр. 1346

لِأَنَّهُ كَانَ يحمل إِلَيْهِم كتب مُحَمَّد بن عَليّ وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، فَسَأَلَاهُ عَن الْخَبَر، فأعلمهما أَن الْقَوْم قد قدمُوا، وَأَنَّهُمْ فِي سرداب يعرف ببني أود، فصارا إِلَى الْموضع، فسلما عَلَيْهِم. وَقَالا: أيكما عبد الله؟ فَقَالَ الْمَنْصُور وَأَبُو الْعَبَّاس: كِلَانَا عبد الله. فَقَالَ: أيكما ابْن الحارثية؟ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَنا. فَقَالَا: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، ودنوا فَبَايعُوهُ. وأحضروه إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع، فَصَعدَ على الْمِنْبَر، فحصر، وَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، وَقَامَ دونه بمرقاة.

стр. 1347

أَمِير الْبَصْرَة العباسي يحمي أمويًا أخبرنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: أَخْبرنِي، طَارق بن الْمُبَارك عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَنِي رَسُول عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن عتبَة، فَقَالَ لي: يَقُول لَك عَمْرو: قد جَاءَت هَذِه الدولة وَأَنا حَدِيث السن، كثير الْعِيَال، منتشر الْأَمْوَال، فَمَا أكون فِي قَبيلَة إِلَّا وَشهر أَمْرِي، وَقد عزمت على أَن أفدي حرمي بنفسي، وَأَنا صائر إِلَى بَاب الْأَمِير سُلَيْمَان بن عَليّ، فصر إِلَيّ. فوافيته، فَإِذا عَلَيْهِ طيلسان مطبق أَبيض، وَسَرَاويل وشي مشدود.

стр. 1348

فَقلت: سُبْحَانَ الله، مَا تصنع الْحَادِثَة بِأَهْلِهَا، أَيهَا الْإِنْسَان تلقى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين تُرِيدُ لقاءهم وَعَلَيْك مثل هَذَا؟ قَالَ: وَالله، مَا ذهب عَليّ ذَلِك، وَلَكِن لَيْسَ عِنْدِي ثوب، إِلَّا وَهُوَ أشهر من هَذَا. فأعطيته طيلساني، وَأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إِلَى ركبته، فَدخل، ثمَّ خرج مَسْرُورا. فَقلت: حَدثنِي بِمَا جرى بَيْنك وَبَين الْأَمِير. قَالَ: دخلت إِلَيْهِ، وَلم يرني قطّ، فَقلت: أَيهَا الْأَمِير، لفظتني الْبِلَاد إِلَيْك، ودلني فضلك عَلَيْك، فإمَّا قبلتني غانمًا، وَإِمَّا رددتني سالما. فَقَالَ: من أَنْت؟ فانتسبت إِلَيْهِ. فَقَالَ: مرْحَبًا، أقعد فَتكلم، غانمًا مَسْرُورا، ثمَّ اقبل عَليّ، وَقَالَ: مَا حَاجَتك يَابْنَ أخي؟ فَقلت: إِن الْحرم اللواتي أَنْت أقرب النَّاس إلَيْهِنَّ، قد خفن بخوفنا، وَمن خَافَ خيف عَلَيْهِ. فوَاللَّه مَا أجابني إِلَّا بدموعه تسيل على خديه، وَقَالَ: يَابْنَ أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك فِي حَرمك، ويوفر عَلَيْك مَالك، وَالله، لَو أمكنني ذَلِك فِي جَمِيع أهلك لفَعَلت، وَلَكِن كن متواريًا كظاهر، وآمنًا كخائف، ولتأتني رقاعك. قَالَ: وَكَانَ، وَالله، يكْتب إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يكْتب الرجل إِلَى ابْن عَمه.

стр. 1349

قَالَ: فَلَمَّا فرغ من كَلَامه، رددت عَلَيْهِ طيلسانه، فَقَالَ: مهلا، إِن ثيابنا إِذا خرجت عَنَّا، لم تعد إِلَيْنَا. وَوجدت هَذَا الْخَبَر، بِإِسْنَاد لَيْسَ هُوَ لي، بِرِوَايَة عَن الْعُتْبِي، قَالَ: حَدثنَا طَارق بن الْمُبَارك الذِّرَاع الْبَصْرِيّ، وَلم يتجاوزه، قَالَ: قدم جدك عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْبَصْرَة، حِين نكب بَنو أُميَّة، قَالَ: فَجعل لَا ينزل بحي، إِلَّا أجهزوه واشتهر. فَقَالَ لي: أذهب بِنَا أَضَع يَدي فِي يَد هَذَا الرجل، يَعْنِي سُلَيْمَان بن عَليّ، وَذكر نَحوه. وَقَالَ فِي آخِره: فَلَمَّا صَار عَمْرو إِلَى منزله، دفعت إِلَيْهِ ثَوْبه، وَطلبت ثوبي، فردهما عَليّ جَمِيعًا، وَقَالَ: إِنَّا لم نَأْخُذ ثَوْبك لنحبسه، وَلم نعطك ثوبنا لترده.

стр. 1350

عبد الْملك بن مَرْوَان يُؤمن ابْن قيس الرقيات ويحرمه الْعَطاء أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إجَازَة فِي كِتَابه: الأغاني الْكَبِير، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي، وَأَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء وَغَيرهمَا، قَالُوا: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْبَصِير الْبَرْبَرِي، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مَعَ مُصعب بن الزبير، حِين بلغه خُرُوج عبد الْملك بن مَرْوَان، فَلَمَّا نزل مُصعب مسكن، وَتبين الْغدر مِمَّن مَعَه، دَعَاني، ودعا بِمَال، فَمَلَأ المناطق مِنْهُ، وألبسنيها. وَقَالَ: امْضِ حَيْثُ شِئْت، فَإِنِّي مقتول. فَقلت: لَا وَالله، لَا أروح حَتَّى آتِي سَبِيلك، فأقمت مَعَه حَتَّى قتل. ومضيت إِلَى الْكُوفَة، فَأول بَيت دَخلته إِذا فِيهِ امْرَأَة مَعهَا بنتان كَأَنَّهُمَا

стр. 1351

ظبيتان، فرقيت فِي دَرَجَة لَهَا إِلَى مستشرف، فَقَعَدت فِيهِ. قَالَ: فأصعدت لي مَا أحتاج إِلَيْهِ من الطَّعَام، وَالشرَاب، والفرش، وَالْمَاء، وَالْوُضُوء. فأقمت كَذَلِك عِنْدهَا أَكثر من حولن تقوم بِكُل مَا يصلحني، وتغدو عَليّ فِي كل صباح، فتسألني عَن حوائجي، فَمَا سَأَلتنِي من أَنا، وَلَا أَنا سَأَلتهَا من هِيَ؟ وَأَنا فِي أثْنَاء ذَلِك أسمع الصياح فِي، والجعل. فَلَمَّا طَال بِي الْمقَام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جَاءَت إِلَيّ فِي الصَّباح تَسْأَلنِي الْحَاجة، فأعلمتها أَنِّي قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إِلَى أَهلِي. فَقَالَت لي: يَأْتِيك مَا تحْتَاج إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ: فَلَمَّا أمسيت، وَضرب اللَّيْل برواقه، رقت إِلَيّ، وَقَالَت: إِن شِئْت فَنزلت، وَقد أعدت راحلتين، عَلَيْهِمَا جَمِيع مَا أحتاج إِلَيْهِ، ومعهما عبد، وأعطت العَبْد نَفَقَة الطَّرِيق، وَقَالَت: العَبْد والراحلتان لَك. فركبت، وَركب معي العَبْد، حَتَّى أتيت مَكَّة، فدققت بَاب منزلي، فَقَالُوا: من أَنْت يَا هَذَا؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وَبكوا، وَقَالُوا: لم يرْتَفع طَلَبك إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْت. فتوقفت عِنْدهم حَتَّى أسحرت، ونهضت، فَقدمت الْمَدِينَة، وَمَعِي العَبْد، فَجئْت إِلَى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵃، وَهُوَ يعشي

стр. 1352

أَصْحَابه، فَجَلَست مَعَهم، وَجعلت أتعاجم، وَأَقُول: بناريناواي طيار. فَلَمَّا خرج أَصْحَابه، كشفت لَهُ عَن وَجْهي، فَقَالَ: ابْن قيس؟ فَقلت: عائذًا بك. فَقَالَ: وَيحك، مَا أجدهم فِي طَلَبك، وأحرصهم على الظفر بك، وَلَكِنِّي أكتب إِلَى أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، وَهِي زَوْجَة الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَعبد الْملك أرق شَيْء عَلَيْهَا. فَكتب إِلَيْهَا يسْأَلهَا التشفع إِلَى عَمها عبد الْملك. فَلَمَّا وَصلهَا الْكتاب، دخلت على عَمها، فَسَأَلَهَا: هَل من حَاجَة؟ قَالَت: نعم، لي حَاجَة. فَقَالَ: قد قضيت كل حَاجَة لَك، إِلَّا ابْن قيس الرقيات. فَقَالَت: لَا تستثنين عَليّ. فَنفخ بِيَدِهِ، فَأصَاب حر وَجههَا، فَوضعت يَدهَا على خدها. فَقَالَ لَهَا: ارفعي يدك، فقد قضيت كل حَاجَة لَك وَإِن كَانَت ابْن قيس الرقيات. فَقَالَت: حَاجَتي أَن تؤمنه، فقد كتب إِلَيّ يسألني أَن أَسأَلك ذَلِك. قَالَ: هُوَ آمن، فمريه يحضر الْمجْلس العشية. فَحَضَرَ، وَحضر النَّاس، حِين بَلغهُمْ، مجْلِس عبد الْملك. قَالَ: فَأخر الْإِذْن لِابْنِ قيس، وَأذن للنَّاس، فَدَخَلُوا، وَأخذُوا مجَالِسهمْ، ثمَّ أذن لَهُ. فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، قَالَ عبد الْملك: يَا أهل الشَّام أتعرفون من هَذَا؟ قَالُوا: لَا.

стр. 1353

قَالَ: هَذَا ابْن قيس الرقيات، الَّذِي يَقُول: كَيفَ نومي على الْفراش ولمّا ... تَشْمَل الشَّام غارةٌ شعواء تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبدي ... عَن خدام العقيلة الْعَذْرَاء فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسقنا دم هَذَا الْمُنَافِق. قَالَ: الْآن، وَقد أمنته، وَصَارَ فِي منزلي وعَلى بساطي؟ قد أخرت الْإِذْن لَهُ لتقتلوه، فَلم تَفعلُوا. فاستأذنه ابْن قيس، أَن ينشده مديحه، فَأذن لَهُ، فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا: عَاد لَهُ من كَثِيرَة الطَّرب ... فعينه بالدموع تنسكب كوفيّة نازح محلّتها ... لَا أُمَم دارها وَلَا صَعب والله مَا إِن صبَّتْ إليّ وَلَا ... يعرف بيني وَبَينهَا نسب إِلَّا الَّذِي أورثت كَثِيرَة فِي الْقلب ... وللحبّ ﴿ [ٌ عجب حَتَّى قَالَ فِيهَا: إنّ الأغرّ الَّذِي أَبوهُ أَبُو ... الْعَاصِ عَلَيْهِ الْوَقار والحجب يعتدل التَّاج فَوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذَّهَب فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: يَابْنَ قيس، تمدحني بالتاج، كَأَنِّي من الْعَجم، وَتقول فِي مُصعب ابْن الزبير: إنّما مصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلّت عَن وَجهه الظلماء ملكه ملك رأفةٍ لَيْسَ فِيهِ ... جبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء

стр. 1354

أما الْأمان فقد سبق لَك، وَلَكِن، وَالله، لَا تَأْخُذ مَعَ الْمُسلمين عَطاء أبدا. وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه: أَن عبيد الله بن قيس الرقيات، مَنعه عبد الْملك بن مَرْوَان عطاءه من بَيت المَال، وَطَلَبه ليَقْتُلهُ، فَاسْتَجَارَ بِعَبْد الله بن جَعْفَر، وقصده، فالتقاه نَائِما. وَكَانَ ابْن قيس صديقا لسائب خاثر، فَطلب الْإِذْن على ابْن جَعْفَر، فَتعذر، فجَاء بسائب خاثر ليستأذن لَهُ. قَالَ سائب خاثر: فَجئْت من قبل رجْلي عبد الله بن جَعْفَر، ونبحت نباح الجرو الصَّغِير، فانتبه وَلم يفتح عَيْنَيْهِ، ورفسني بِرجلِهِ. قَالَ: فَدرت إِلَى عِنْد رَأسه، ونبحت نباح الْكَلْب الْهَرم، فانتبه وَفتح عَيْنَيْهِ. فَقَالَ: مَالك، وَيلك؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بِالْبَابِ. فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ، وَدخل، فَرَحَّبَ بِهِ عبد الله وقربه، فَعرفهُ ابْن قيس خَبره. فَدَعَا بظبية فِيهَا دَنَانِير، وَقَالَ لي: عد لَهُ مَا فِيهَا. فَجعلت أعد لَهُ، وأطرب، وَأحسن صوتي بجهدي، حَتَّى عددت لَهُ ثَلَاث مائَة دِينَار، وَسكت. فَقَالَ عبد الله: لماذا سكت، وَيلك؟ مَا هَذَا وَقت قطع الصَّوْت الْحسن.

стр. 1355

فَجعلت أعد مَا فِي الظبية، وفيهَا ثَمَان مائَة دِينَار، فَدَفعهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا قبضهَا الْتفت إِلَى ابْن جَعْفَر، وَقَالَ لَهُ: تسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْرِي؟ قَالَ: نعم، إِذا دخلت عَلَيْهِ، ثمَّ إِنَّه دَعَا لَهُ بِطَعَام، فَأكل أكلا فَاحِشا، وَركب ابْن جَعْفَر، فَدخل مَعَه إِلَى عبد الْملك، فَلَمَّا قدم الطَّعَام جعل يسيء الْأكل. فَقَالَ عبد الْملك، لِابْنِ جَعْفَر: من هَذَا؟ قَالَ هَذَا رجل لَا يجوز أَن يكون كَاذِبًا إِن اُسْتُبْقِيَ، وَإِن قتل كَانَ أكذب النَّاس. قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَقُول: مَا نقموا من بني أميّة إِلَّا ... أنّهم يحلمون إِن غضبوا فَإِن قتلته بِغَضَبِك عَلَيْهِ أكذبكم فِيمَا مدحكم بِهِ. قَالَ: فَهُوَ آمن، وَلَكِن لَا أعْطِيه عَطاء من بَيت المَال. قَالَ: أحب أَن تهب لي عطاءه، كَمَا وهبت لي دَمه. قَالَ: قد فعلت، وَأمر لَهُ بذلك.

стр. 1356

هِشَام بن عبد الْملك وَحَمَّاد الراوية عَن حَمَّاد الراوية، قَالَ: كَانَ انقطاعي إِلَى يزِيد بن عبد الْملك، جعل هِشَام يجفوني دون سَائِر أَهله من بني أُميَّة، فِي أَيَّام يزِيد. فَلَمَّا مَاتَ يزِيد، وأفضت الْخلَافَة إِلَى هِشَام خفته، وَمَكَثت فِي بَيْتِي سنة، لَا أخرج إِلَّا إِلَى من أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا. فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي، أمنت، فَخرجت فَصليت الْجُمُعَة عِنْد بَاب الْفِيل، فَإِذا بشرطيين قد وَقفا عَليّ. وَقَالا: يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر. فَقلت فِي نَفسِي: من هَذَا كنت أحذر، ثمَّ قلت للشرطيين: هَل لَكمَا أَن تدعاني آتِي بَيْتِي، فأودع أَهلِي، وداع من لَا يرجع إِلَيْهِم أبدا، ثمَّ أصير مَعَكُمَا؟ فَقَالَا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل. فاستسلمت فِي أَيْدِيهِمَا، وصرت إِلَى الْأَمِير وَهُوَ فِي الإيوان الْأَحْمَر، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ السَّلَام، وَرمى إِلَيّ كتابا فِيهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،

стр. 1357

من عبد الله هِشَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر، أما بعد، فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا، فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من يَأْتِيك بِهِ من غير أَن يروع وَلَا يتعتع، وادفع إِلَيْهِ خمس مائَة دِينَار، وجملًا مهريًا، يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَى دمشق، فَأخذت الْخمس مائَة دِينَار، وَإِذا جمل مرحول، فَجعلت رجْلي فِي الغرز، وسرت اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة، حَتَّى دانيت دمشق. وَنزلت على بَاب هِشَام، واستأذنت عَلَيْهِ، فَأذن لي، فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار قوراء، مفروشة بالرخام، وَبَين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كَذَلِك، وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء، وَعَلِيهِ ثِيَاب خَز حمر، وَقد تضمخ بالمسك والعنبر، وَبَين يَدَيْهِ مسك مفتوت فِي أواني ذهب، يقلبه بِيَدِهِ، فتفوح رَائِحَته. فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ، واستدناني، فدنوت مِنْهُ، حَتَّى قبلت رجله. وَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا، فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حلقتان فيهمَا لؤلؤتان تتوقدان. قَالَ: أَتَدْرِي فيمَ بعثت إِلَيْك؟ قلت: لَا. قَالَ: بعثت إِلَيْك بِسَبَب بَيت خطر فِي بالي، لم أدر من قَائِله. قلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق

стр. 1358

فَقلت: هَذَا يَقُوله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ، فِي قصيدة لَهُ. قَالَ: أنشدنيها، فَأَنْشَدته: بكّر العاذلون فِي وضح الصُّبْح ... يَقُولُونَ لي أما تستفيق ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الله ... وَالْقلب عنْدكُمْ موثوق لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل فِيهَا ... أعدوّ يلومني أم صديق ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق قدّمته على عقار كعين ... الديك صفّى خلالها الراووق قَالَ: فطرب، ثمَّ قَالَ: أَحْسَنت يَا حَمَّاد، وَالله، يَا جَارِيَة: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي. وَقَالَ: أعد. فأعدته، فاستخفه الطَّرب حَتَّى نزل عَن فرَاشه، ثمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ الْأُخْرَى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي. فَقلت: إِن سقيت الثَّالِثَة افتضحت. ثمَّ قَالَ: سل حوائجك. قلت: كائنة مَا كَانَت؟

стр. 1359

قَالَ: نعم. قلت: إِحْدَى الجاريتين. قَالَ: هما لَك بِمَا عَلَيْهِمَا ومالهما. ثمَّ قَالَ للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سَقَطت مِنْهَا وَلم أَعقل حَتَّى أَصبَحت، فَإِذا بالجاريتين عِنْد رَأْسِي، وَإِذا عشرَة من الخدم مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم بدرة. وَقَالَ لي أحدهم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: خُذ هَذَا فَانْتَفع بِهِ فِي سفرك. فأخذتها، والجاريتين، وانصرفت.

стр. 1360

أكل على مائدته فَأمْضى لَهُ الْأمان عَن عبد الله بن عمرَان أبي فَرْوَة، قَالَ: كَانَ عبد الله بن الْحجَّاج الثَّعْلَبِيّ من أَشْرَاف قيس، وَكَانَ مَعَ ابْن الزبير، فَلَمَّا قتل، دخل عبد الله بِصفة أَعْرَابِي على عبد الْملك بن مَرْوَان لَيْلًا وَهُوَ يتعشى مَعَ النَّاس، فَجَلَسَ وَأكل مَعَهم، ثمَّ وثب فَقَالَ: منع الْقَرار فَجئْت نَحْوك هَارِبا ... جيشٌ يجرّ ومقنبٌ يتلمّع فَقَالَ: أَي الأخابيث أَنْت؟ فَقَالَ: ارْحَمْ أصيبية هديت كأنّهم ... حجلٌ تدرّج بالسريّة جوّع فَقَالَ: أجاع الله بطونهم، فَأَنت أجعتهم، فَقَالَ:

стр. 1361

مالٌ لَهُم مِمَّا يضنّ جمعته ... يَوْم القليب فحيز عَنْهُم أجمع فَقَالَ: كسب سوء خَبِيث، فَقَالَ: وَلَقَد وطِئت بني سعيد وَطْأَة ... وَابْن الزبير فعرشه متضعضع وَأرى الَّذين رجوا تراث محمّد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع فَقَالَ: الْحَمد لله على ذَلِك، فَقَالَ: أدنو لترحمني وَتقبل تَوْبَتِي ... وأراك تدفعني فَأَيْنَ المدفع فَقَالَ: إِلَى النَّار، فَقَالَ: ضَاقَتْ ثِيَاب الملبسين فأولني ... عرفا وألبسني فثوبك أوسع قَالَ: فَرمى إِلَيْهِ بمطرف خَز كَانَ عَلَيْهِ. فَقَالَ عبد الله: أمنت وَالله. فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: كن من شِئْت إِلَّا عبد الله بن الْحجَّاج. فَقَالَ: أَنا، وَالله، هُوَ، وَقد أمنتني، أكلت طَعَامك، ولبست ثِيَابك، فَأَي خوف عَليّ. فَقَالَ: مَا هداك إِلَّا جدك، وأمضى لَهُ الْأمان.

стр. 1362

الْفضل بن الرّبيع يتحدث عَمَّا لَاقَى أَيَّام استتاره من الْمَأْمُون حَدثنِي عَليّ بن هِشَام أبي قِيرَاط الْكَاتِب، بواسط، فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة، من لَفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن سعيد الديناري، عَن أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب عَن أبي طالوت كَاتب ابْن طَاهِر، قَالَ: سَمِعت الْفضل بن الرّبيع، يَقُول: لما استترت من الْمَأْمُون، أخفيت نَفسِي حَتَّى عَن عيالي وَوَلَدي، وَكنت أنتقل وحدي. فَلَمَّا اقْترب الْمَأْمُون من بَغْدَاد، ازْدَادَ حذري، وخوفي على نَفسِي، فتشددت فِي الِاحْتِيَاط والتواري، وأفضيت إِلَى منزل بزاز كنت أعرفهُ فِي درب بِبَاب الطاق، وشدد الْمَأْمُون فِي طلبي فَلم يعرف لي خَبرا. فتذكرني يَوْمًا، فاغتاظ على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وجد بِهِ فِي طلبي، فَأَغْلَظ لَهُ، فَخرج إِسْحَاق من حَضرته، وجد بأصحاب الشَّرْط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى فِي الْجَانِبَيْنِ، من جَاءَ بِهِ فَلهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم وإقطاع غَلَّته

стр. 1363

ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فِي السّنة، وَإِن من وجد بعد النداء ضرب خمس مائَة سَوط وهدمت دَاره وَأخذ مَاله وَحبس طول الدَّهْر، فَنُوديَ بذلك عشيًا. فَمَا شَعرت، إِلَّا وَصَاحب الدَّار قد دخل عَليّ وَأَخْبرنِي الْخَبَر، وَقَالَ: وَالله، مَا أقدر بعد هَذَا على سترك، وَلَا آمن من زَوْجَتي، وجاريتي، وَغُلَامِي، وَأَن تشره نُفُوسهم إِلَى المَال، فيدلون عَلَيْك، وَأهْلك بهلاكك، وَإِن صفح الْخَلِيفَة عَنْك، لم آمن من أَن تتهمني بِأَنِّي دللت عَلَيْك، فَيكون ذَلِك أقبح وأشنع، وَلَيْسَ الرَّأْي لي وَلَك إِلَّا أَن تخرج عني. فورد عَليّ ذَلِك أعظم مورد، وَقلت: إِذا جَاءَ اللَّيْل خرجت عَنْك. قَالَ: وَمن يُطيق الصَّبْر على هَذَا الضَّرَر إِلَى اللَّيْل، فَإنَّك إِن وجدت عِنْدِي قبل اللَّيْل أهلكتني وأهلكت نَفسك، وَهَذَا وَقت حَار، وَقد طَال عهد النَّاس بك، فَقُمْ وتنكر واخرج. فَقلت: كَيفَ أتنكر؟ فَقَالَ: تَأْخُذ أَكثر لحيتك، وتغطي رَأسك وَبَعض وَجهك، وتلبس قَمِيصًا ضيقا، وَتخرج. فَقلت: أفعل. فجَاء بمقراض فَأخذت أَكثر لحيتي، وتنكرت، وَخرجت من عِنْده فِي أول أَوْقَات الْعَصْر، وَأَنا ميت خوفًا. فمشيت فِي الشَّارِع، حَتَّى بلغت الجسر، فَوَجَدته قد رش، وَهُوَ خَال من النَّاس، متزلق.

стр. 1364

فَلَمَّا توسطته، إِذا أَنا بِفَارِس من الْجند الَّذين كَانُوا فِي دَاري فِي أَيَّام وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وَقَالَ: طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعدل إِلَيّ ليقْبض عَليّ. فلحلاوة النَّفس دَفعته ودابته، فزلق، وَوَقع فِي بعض السفن الَّتِي فِي الجسر، وتعادى النَّاس لخلاصه، وظنوا أَنه زلق بِنَفسِهِ. وتشاغل عني بهم، وزدت أَنا فِي الْمَشْي، وَلم أعد لِئَلَّا يُنكر حَالي من يراني، إِلَى أَن عبرت الجسر وَدخلت درب سُلَيْمَان. فَوجدت امْرَأَة على بَاب دَار مَفْتُوح، فَقلت لَهَا: يَا امْرَأَة، أَنا خَائِف من الْقَتْل، فأجيريني واحقني دمي. فَقَالَت: ادخل، وأومأت إِلَى غرفَة، فصعدتها. فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، إِذا بِالْبَابِ يدق، ففتحته، وَإِذا زَوجهَا قد دخل، فتأملته، فَإِذا هُوَ صَاحِبي على الجسر، وَهُوَ مشدود الرَّأْس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه مغموسة بِالدَّمِ. وَسَأَلته الْمَرْأَة عَن خَبره، فَأَخْبرهَا بالقصة، وَقَالَ لَهَا: قد زمنت دَابَّتي وأنفذتها لتباع فِي سوق اللَّحْم، وَقد فَاتَنِي الْغنى، وَجعل يَشْتمنِي، وَهُوَ لَا يعلم بوجودي مَعَه فِي الدَّار، وَأَقْبَلت الْمَرْأَة تترفق بِهِ إِلَى أَن هدأ. فَلَمَّا صليت الْمغرب، وَأَقْبل الظلام، صعدت الْمَرْأَة إِلَيّ، وَقَالَت: أَظُنك صَاحب الْقِصَّة مَعَ هَذَا الرجل. فَقلت: نعم.

стр. 1365

فَقَالَت: قد سَمِعت مَا عِنْده، فَاتق الله فِي نَفسك واخرج، فدعوت لَهَا. فَنزلت، ففتحت الْبَاب فتحا رَفِيقًا، وَقَالَت: اخْرُج، وَكَانَت الدرجَة فِي الدهليز، فأفضيت إِلَى الْبَاب، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى آخر الدَّرْب وجدت الحراس قد أغلقوه، فتحيرت. ثمَّ رَأَيْت رجلا يفتح بَابا بمفتاح رومي، فَقلت: هَذَا رومي، وَهُوَ مِمَّن يقبل مثلي. فدنوت مِنْهُ وَقلت: استرني، سترك الله. فَقَالَ: ادخل، فَدخلت، فرأيته رجلا فَقِيرا وحيدًا، فأقمت لَيْلَتي عِنْده، وَبكر من غَد، وَعَاد نصف النَّهَار وَمَعَهُ حمالان يحمل أَحدهمَا حَصِيرا ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جددًا، وَقدرا جَدِيدا، وَيحمل الآخر خبْزًا وَفَاكِهَة، وَلَحْمًا، وثلجًا، فَدخل، وَترك ذَلِك كُله عِنْدِي، وأغلق الْبَاب. فَنزلت، وعذلته، وَقلت لَهُ: لم كلفت نَفسك هَذَا؟ فَقَالَ: أَنا رجل مزين، وأخاف أَن تستقذرني، وَقد أفردت لَك هَذَا، فاطبخ أَنْت وأطعمني فِي غضارة أجيء بهَا من عِنْدِي، فشكرته على ذَلِك، وأقمت عِنْده ثَلَاثَة أَيَّام. فَلَمَّا كَانَ آخر الْيَوْم الثَّالِث، ضَاقَ صَدْرِي، فَقلت لَهُ: يَا أخي الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد أَحْسَنت وأجملت، وَأُرِيد الْخُرُوج. فَقَالَ: لَا تفعل، فَإِنِّي وحيد، وَلست مِمَّن يطْرق، وخبرك لَا يخرج من عِنْدِي أبدا، فأقم إِلَى أَن يفرج الله عَنْك، فلست أتثاقل بك. فأبيت للحين، وَخرجت على وَجْهي أُرِيد منزل عَجُوز بِبَاب التِّبْن من

стр. 1366

موالينا، فدققت الْبَاب عَلَيْهَا، فَخرجت، فَلَمَّا رأتني بَكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدَّار. فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، وَأَنا نَائِم، بكرت الْعَجُوز فغمزت عَليّ بعض أَصْحَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإسْحَاق نَفسه، فِي خيله وَرجله، قد أحَاط بِالدَّار، ثمَّ كبسها واستخرجني مِنْهَا، حَتَّى أوقفني بَين يَدي الْمَأْمُون حافيًا حاسرًا. فَلَمَّا رَآنِي سجد طَويلا ثمَّ رفع رَأسه، وَقَالَ: يَا فضل، أَتَدْرِي لم سجدت؟ فَقلت: نعم، شكرا لله تَعَالَى الَّذِي أظفرك بعدو دولتك، المغري بَيْنك وَبَين أَخِيك. قَالَ: مَا أردْت هَذَا، وَلَكِنِّي سجدت شكرا لله على مَا ألهمنيه من الْعَفو عَنْك، فَحَدثني بخبرك؟ فشرحته لَهُ من أَوله إِلَى آخِره. فَأمر بإحضار الْعَجُوز مولاتنا، وَكَانَت فِي الدَّار تنْتَظر الْجَائِزَة، فَقَالَ لَهَا: مَا حملك على مَا فعلت، مَعَ إنعامه وإنعام أَهله عَلَيْك؟ قَالَت: رَغْبَة فِي المَال. قَالَ: هَل لَك زوج أَو ولد أَو أَخ؟ قَالَت: لَا، فَأمر بضربها مائَة سَوط، وتخليدها فِي السجْن. ثمَّ قَالَ لإسحاق: أحضر السَّاعَة الجندي، وَامْرَأَته، والمزين، فَحَضَرُوا فِي مجْلِس وَاحِد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أَنهم الْقَوْم بأعيانهم. فَسَأَلَ الجندي عَن السَّبَب الَّذِي حمله على فعله، فَقَالَ: الرَّغْبَة فِي المَال،

стр. 1367

وَوَاللَّه، إِنَّه الَّذِي أثبتني فِي الْجَيْش، وَلَكِنِّي رغبت فِي المَال العاجل. فَقَالَ: أَنْت بِأَن تكون حجامًا أولى بِأَن تكون من أوليائنا، وَأمر بِأَن يسلم للمزينين فِي الدَّار، ويوكل بِهِ من يعسفه حَتَّى يتَعَلَّم الْحجامَة. وَأمر باستخدام زَوجته قهرمانة فِي دور حرمه، وَقَالَ: هَذِه الْمَرْأَة عَاقِلَة أديبة. وَأمر بِتَسْلِيم دَار الجندي وقماشه إِلَى المزين، وَأَن يَجْعَل رزقه لَهُ، وَيجْعَل جنديًا مَكَان ذَلِك الجندي، وأطلقني إِلَى دَاري. فَرَجَعت إِلَيْهَا آخر النَّهَار، آمنا، مطمئنًا. وَوجدت الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا فِي كتاب الوزراء لِابْنِ عَبدُوس، فَإِنَّهُ ذكر: أَن الْفضل ابْن الرّبيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عَلَيْهِ الْأَخْبَار، فَغير زيه، وَخرج فِي السحر، وَكَانَ استتر بِنَاحِيَة الحربية من الْجَانِب الغربية. فَمشى وَهُوَ لَا يدْرِي أَيْن يقْصد، لحيرته، وَبعد عَهده بالطرق، فأداه الْمَشْي إِلَى الجسر، وَقد أَسْفر الصُّبْح، فأيقن بالعطب، وَقصد منزلا لرجل كَانَت بَينه وَبَينه مَوَدَّة، بسويقة نصر. فَلَمَّا صَار بِبَعْض المشارع، سمع النداء عَلَيْهِ، ببذل عشرَة آلَاف دِرْهَم، فتخفى حَتَّى جاوزه الركْبَان والمنادي، وَمَشى. فَرَآهُ رجل، فانتبه لَهُ، وَقَالَ: يَا فضل، وَكَانَ فِي أحد جَانِبي الطَّرِيق الَّذِي الْفضل فِيهِ، فأمه إِلَى الْجَانِب الَّذِي كَانَ فِيهِ، ليقْبض عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضتهُ

стр. 1368

حمير وجمال عَلَيْهَا جص. وَنظر الْفضل يَمِينا وَشمَالًا، فَلم يجد مذهبا، وبصر بدرب، فدخله، فَوَجَدَهُ لَا ينفذ، وَوجد فِي صَدره بَابا مَفْتُوحًا، فهجم على الْمنزل، وَفِيه امْرَأَة، فاستغاث بهَا، فَأَجَارَتْهُ، وبادرت إِلَى الْبَاب فأغلقته، وناشدها الله أَن تستره إِلَى اللَّيْل، فَأَمَرته بالصعود إِلَى غرفَة لَهَا، فَلم يسْتَقرّ بِهِ الْقعُود حَتَّى دق الْبَاب، فَلَمَّا فتح الْبَاب، دخل الرجل الَّذِي رَآهُ، وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ، وَإِذا الْمنزل لَهُ. فَقَالَ لزوجته: فَاتَنِي السَّاعَة عشرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَت لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ لَهَا: مر بِي الْفضل، فمددت يَدي لأقبض عَلَيْهِ، فابتلعته الأَرْض. فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: الْحَمد لله، ، الَّذِي كَفاك أمره وَأبقى دينك عَلَيْك، وَلم تكن سَببا لسفك دَمه، أَو مَكْرُوه يلْحقهُ. فَلَمَّا خرج، صعدت إِلَيْهِ، فَقَالَت: قد سَمِعت، وَمَا هَذَا الْمَكَان لَك بِموضع، فَخرج إِلَى بعض منَازِل معامليه، فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ، نبه الْعَامِل عَلَيْهِ، وأسلمه إِلَى طالبيه، فَحمل إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا رَآهُ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، شرح لَهُ قصَّته، فَأمر للْمَرْأَة بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ للرسول: قل لَهَا، يَقُول لَك الْفضل: هَذَا جَزَاء لَك على مَا فعلته من الْجَمِيل، فَردَّتهَا، وأبت قبُولهَا، وَقَالَت: لست آخذ على شَيْء فعلته لله ، جَزَاء، إِلَّا مِنْهُ.

стр. 1369

وَمَا قتل الْأَحْرَار كالعفو عَنْهُم حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع، الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، الملقب بجنيد، قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن ماهان السيرافي، وَكَانَ مَشْهُورا بسلوك أقاصي بِلَاد الْبَحْر، قَالَ؛ قَالَ لي رجل من بعض بياسرة الْهِنْد، والبيسر هُوَ الْمَوْلُود على مِلَّة الْإِسْلَام هُنَاكَ، قَالَ: كَانَ فِي أحد بِلَاد الْهِنْد ملك حسن السِّيرَة، وَكَانَ لَا يَأْخُذ وَلَا يُعْطي مُوَاجهَة، وَإِنَّمَا كَانَ يقلب يَده إِلَى وَرَاء ظَهره. فَيَأْخُذ وَيُعْطِي بهَا، إعظامًا للْملك، وَهِي سنة لَهُم هُنَاكَ ولأولادهم. وَإنَّهُ توفّي، فَوَثَبَ رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابْن لَهُ كَانَ يصلح للْملك خوفًا على نَفسه من المتغلب. ورسوم مُلُوك الْهِنْد، أَن الْملك إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه، لأي حَاجَة عرضت لَهُ، كَانَت عَلَيْهِ صدرة، قد جمع فِيهَا كل نَفِيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مَضْرُوب فِي الإبريسم فِي الصدرة، وَيكون فِيهَا من الْجَوَاهِر مَا إِن لَو أَرَادَ أَن يُقيم بهَا ملكا أَقَامَهُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِملك من إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه وَلَيْسَت مَعَه، حَتَّى إِذا حدثت عَلَيْهِ حَادِثَة وهرب بهَا أمكنه إِقَامَة ملك مِنْهَا. فَلَمَّا حدثت على الْملك تِلْكَ الْحَادِثَة، أَخذ ابْنه صدرته وهرب بهَا. فَحكى عَن نَفسه: أَنه مَشى ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ: وَلم أطْعم طَعَاما، وَلم تكن معي فضَّة وَلَا ذهب، فأبتاع بِهِ مَأْكُولا، وَلم أقدر على إِظْهَار مَا معي، وأنفت أَن أستطعم.

стр. 1370

قَالَ: فَجَلَست على قَارِعَة الطَّرِيق، فَإِذا رجل هندي، مقبل وعَلى كتفه كارة، فحطها وَجلسَ حذائي. فَقلت: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: الرستاق الْفُلَانِيّ. قلت: وَأَنا الآخر كَذَلِك. قَالَ؛ فنصطحب؟ قلت: نعم. فصحبته طَمَعا فِي أَن يعرض عَليّ شَيْئا من مأكوله، فَلم يفعل، وَلم تطب نَفسِي أَن أبدأه بالسؤال. فَلَمَّا فرغ قَامَ يمشي، فمشيت مَعَه، وَبت مَعَه، طَمَعا فِي أَن تحمله المؤانسة على الْعرض عَليّ، فَعمل بِاللَّيْلِ كَمَا عمل بِالنَّهَارِ. قَالَ: وأصبحنا فِي غَد، فمشينا، فعاملني بِمثل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام، فَصَارَ لي سَبْعَة أَيَّام لم أذق فِيهَا شَيْئا. فَأَصْبَحت فِي الثَّامِن ضَعِيفا مهووسًا لَا قدرَة لي على الْمَشْي، فعدلت عَن الطَّرِيق، وَفَارَقت الرجل، فَرَأَيْت قوما يبنون، وقيمًا عَلَيْهِم، فَقلت للقيم: استعملني مثل هَؤُلَاءِ بِأُجْرَة تعطينيها عشيًا. فَقَالَ: نعم، ناولهم الطين. فَقلت: عجل لي أُجْرَة يَوْم، فَفعل، فابتعت بهَا مَا أَكلته. وَقمت أناولهم الطين، فَكنت، لعادة الْملك، أقلب يَدي إِلَى ظَهْري وأعطيهم الطين، فَكَمَا أذكر أَن ذَلِك خطأ يُنَبه عَليّ ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذَلِك،
следующие страницы →