Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
موالينا، فدققت الْبَاب عَلَيْهَا، فَخرجت، فَلَمَّا رأتني بَكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدَّار.
فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، وَأَنا نَائِم، بكرت الْعَجُوز فغمزت عَليّ بعض أَصْحَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإسْحَاق نَفسه، فِي خيله وَرجله، قد أحَاط بِالدَّار، ثمَّ كبسها واستخرجني مِنْهَا، حَتَّى أوقفني بَين يَدي الْمَأْمُون حافيًا حاسرًا.
فَلَمَّا رَآنِي سجد طَويلا ثمَّ رفع رَأسه، وَقَالَ: يَا فضل، أَتَدْرِي لم سجدت؟ فَقلت: نعم، شكرا لله تَعَالَى الَّذِي أظفرك بعدو دولتك، المغري بَيْنك وَبَين أَخِيك.
قَالَ: مَا أردْت هَذَا، وَلَكِنِّي سجدت شكرا لله على مَا ألهمنيه من الْعَفو عَنْك، فَحَدثني بخبرك؟ فشرحته لَهُ من أَوله إِلَى آخِره.
فَأمر بإحضار الْعَجُوز مولاتنا، وَكَانَت فِي الدَّار تنْتَظر الْجَائِزَة، فَقَالَ لَهَا: مَا حملك على مَا فعلت، مَعَ إنعامه وإنعام أَهله عَلَيْك؟ قَالَت: رَغْبَة فِي المَال.
قَالَ: هَل لَك زوج أَو ولد أَو أَخ؟ قَالَت: لَا، فَأمر بضربها مائَة سَوط، وتخليدها فِي السجْن.
ثمَّ قَالَ لإسحاق: أحضر السَّاعَة الجندي، وَامْرَأَته، والمزين، فَحَضَرُوا فِي مجْلِس وَاحِد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أَنهم الْقَوْم بأعيانهم.
فَسَأَلَ الجندي عَن السَّبَب الَّذِي حمله على فعله، فَقَالَ: الرَّغْبَة فِي المَال،
стр. 1367
وَوَاللَّه، إِنَّه الَّذِي أثبتني فِي الْجَيْش، وَلَكِنِّي رغبت فِي المَال العاجل.
فَقَالَ: أَنْت بِأَن تكون حجامًا أولى بِأَن تكون من أوليائنا، وَأمر بِأَن يسلم للمزينين فِي الدَّار، ويوكل بِهِ من يعسفه حَتَّى يتَعَلَّم الْحجامَة.
وَأمر باستخدام زَوجته قهرمانة فِي دور حرمه، وَقَالَ: هَذِه الْمَرْأَة عَاقِلَة أديبة.
وَأمر بِتَسْلِيم دَار الجندي وقماشه إِلَى المزين، وَأَن يَجْعَل رزقه لَهُ، وَيجْعَل جنديًا مَكَان ذَلِك الجندي، وأطلقني إِلَى دَاري.
فَرَجَعت إِلَيْهَا آخر النَّهَار، آمنا، مطمئنًا.
وَوجدت الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا فِي كتاب الوزراء لِابْنِ عَبدُوس، فَإِنَّهُ ذكر: أَن الْفضل ابْن الرّبيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عَلَيْهِ الْأَخْبَار، فَغير زيه، وَخرج فِي السحر، وَكَانَ استتر بِنَاحِيَة الحربية من الْجَانِب الغربية.
فَمشى وَهُوَ لَا يدْرِي أَيْن يقْصد، لحيرته، وَبعد عَهده بالطرق، فأداه الْمَشْي إِلَى الجسر، وَقد أَسْفر الصُّبْح، فأيقن بالعطب، وَقصد منزلا لرجل كَانَت بَينه وَبَينه مَوَدَّة، بسويقة نصر.
فَلَمَّا صَار بِبَعْض المشارع، سمع النداء عَلَيْهِ، ببذل عشرَة آلَاف دِرْهَم، فتخفى حَتَّى جاوزه الركْبَان والمنادي، وَمَشى.
فَرَآهُ رجل، فانتبه لَهُ، وَقَالَ: يَا فضل، وَكَانَ فِي أحد جَانِبي الطَّرِيق الَّذِي الْفضل فِيهِ، فأمه إِلَى الْجَانِب الَّذِي كَانَ فِيهِ، ليقْبض عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضتهُ
стр. 1368
حمير وجمال عَلَيْهَا جص.
وَنظر الْفضل يَمِينا وَشمَالًا، فَلم يجد مذهبا، وبصر بدرب، فدخله، فَوَجَدَهُ لَا ينفذ، وَوجد فِي صَدره بَابا مَفْتُوحًا، فهجم على الْمنزل، وَفِيه امْرَأَة، فاستغاث بهَا، فَأَجَارَتْهُ، وبادرت إِلَى الْبَاب فأغلقته، وناشدها الله أَن تستره إِلَى اللَّيْل، فَأَمَرته بالصعود إِلَى غرفَة لَهَا، فَلم يسْتَقرّ بِهِ الْقعُود حَتَّى دق الْبَاب، فَلَمَّا فتح الْبَاب، دخل الرجل الَّذِي رَآهُ، وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ، وَإِذا الْمنزل لَهُ.
فَقَالَ لزوجته: فَاتَنِي السَّاعَة عشرَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَت لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ لَهَا: مر بِي الْفضل، فمددت يَدي لأقبض عَلَيْهِ، فابتلعته الأَرْض.
فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: الْحَمد لله، ، الَّذِي كَفاك أمره وَأبقى دينك عَلَيْك، وَلم تكن سَببا لسفك دَمه، أَو مَكْرُوه يلْحقهُ.
فَلَمَّا خرج، صعدت إِلَيْهِ، فَقَالَت: قد سَمِعت، وَمَا هَذَا الْمَكَان لَك بِموضع، فَخرج إِلَى بعض منَازِل معامليه، فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ، نبه الْعَامِل عَلَيْهِ، وأسلمه إِلَى طالبيه، فَحمل إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا رَآهُ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، شرح لَهُ قصَّته، فَأمر للْمَرْأَة بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ للرسول: قل لَهَا، يَقُول لَك الْفضل: هَذَا جَزَاء لَك على مَا فعلته من الْجَمِيل، فَردَّتهَا، وأبت قبُولهَا، وَقَالَت: لست آخذ على شَيْء فعلته لله ، جَزَاء، إِلَّا مِنْهُ.
стр. 1369
وَمَا قتل الْأَحْرَار كالعفو عَنْهُم
حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع، الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، الملقب بجنيد، قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن ماهان السيرافي، وَكَانَ مَشْهُورا بسلوك أقاصي بِلَاد الْبَحْر، قَالَ؛ قَالَ لي رجل من بعض بياسرة الْهِنْد، والبيسر هُوَ الْمَوْلُود على مِلَّة الْإِسْلَام هُنَاكَ، قَالَ: كَانَ فِي أحد بِلَاد الْهِنْد ملك حسن السِّيرَة، وَكَانَ لَا يَأْخُذ وَلَا يُعْطي مُوَاجهَة، وَإِنَّمَا كَانَ يقلب يَده إِلَى وَرَاء ظَهره.
فَيَأْخُذ وَيُعْطِي بهَا، إعظامًا للْملك، وَهِي سنة لَهُم هُنَاكَ ولأولادهم.
وَإنَّهُ توفّي، فَوَثَبَ رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابْن لَهُ كَانَ يصلح للْملك خوفًا على نَفسه من المتغلب.
ورسوم مُلُوك الْهِنْد، أَن الْملك إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه، لأي حَاجَة عرضت لَهُ، كَانَت عَلَيْهِ صدرة، قد جمع فِيهَا كل نَفِيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مَضْرُوب فِي الإبريسم فِي الصدرة، وَيكون فِيهَا من الْجَوَاهِر مَا إِن لَو أَرَادَ أَن يُقيم بهَا ملكا أَقَامَهُ.
قَالَ: وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِملك من إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه وَلَيْسَت مَعَه، حَتَّى إِذا حدثت عَلَيْهِ حَادِثَة وهرب بهَا أمكنه إِقَامَة ملك مِنْهَا.
فَلَمَّا حدثت على الْملك تِلْكَ الْحَادِثَة، أَخذ ابْنه صدرته وهرب بهَا.
فَحكى عَن نَفسه: أَنه مَشى ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ: وَلم أطْعم طَعَاما، وَلم تكن معي فضَّة وَلَا ذهب، فأبتاع بِهِ مَأْكُولا، وَلم أقدر على إِظْهَار مَا معي، وأنفت أَن أستطعم.
стр. 1370
قَالَ: فَجَلَست على قَارِعَة الطَّرِيق، فَإِذا رجل هندي، مقبل وعَلى كتفه كارة، فحطها وَجلسَ حذائي.
فَقلت: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: الرستاق الْفُلَانِيّ.
قلت: وَأَنا الآخر كَذَلِك.
قَالَ؛ فنصطحب؟ قلت: نعم.
فصحبته طَمَعا فِي أَن يعرض عَليّ شَيْئا من مأكوله، فَلم يفعل، وَلم تطب نَفسِي أَن أبدأه بالسؤال.
فَلَمَّا فرغ قَامَ يمشي، فمشيت مَعَه، وَبت مَعَه، طَمَعا فِي أَن تحمله المؤانسة على الْعرض عَليّ، فَعمل بِاللَّيْلِ كَمَا عمل بِالنَّهَارِ.
قَالَ: وأصبحنا فِي غَد، فمشينا، فعاملني بِمثل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام، فَصَارَ لي سَبْعَة أَيَّام لم أذق فِيهَا شَيْئا.
فَأَصْبَحت فِي الثَّامِن ضَعِيفا مهووسًا لَا قدرَة لي على الْمَشْي، فعدلت عَن الطَّرِيق، وَفَارَقت الرجل، فَرَأَيْت قوما يبنون، وقيمًا عَلَيْهِم، فَقلت للقيم: استعملني مثل هَؤُلَاءِ بِأُجْرَة تعطينيها عشيًا.
فَقَالَ: نعم، ناولهم الطين.
فَقلت: عجل لي أُجْرَة يَوْم، فَفعل، فابتعت بهَا مَا أَكلته.
وَقمت أناولهم الطين، فَكنت، لعادة الْملك، أقلب يَدي إِلَى ظَهْري وأعطيهم الطين، فَكَمَا أذكر أَن ذَلِك خطأ يُنَبه عَليّ ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذَلِك،
стр. 1371
فأرد يَدي بِسُرْعَة من قبل أَن يفطنوا بِي.
قَالَ: فلمحتني امْرَأَة قَائِمَة، فَأخْبرت سيدتها بخبري، وَكَانَت صَاحِبَة الْبناء، وَقَالَت: لَا بُد أَن يكون هَذَا من أَوْلَاد الْمُلُوك.
قَالَ: فَلَمَّا انْقَضى النَّهَار، وَانْصَرف الصناع، فَأَرَدْت الِانْصِرَاف مَعَهم.
تقدّمت إِلَى الْقيم أَن يحبسني عَن الْمُضِيّ مَعَ الصناع، فاحتبسني.
فجاءتني بالدهن وَالْعُرُوق لأغتسل بهما، وَهَذَا مُقَدّمَة إكرامهم، وَسنة لعظمائهم، فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز وَالسمن وَالسكر، فطعمت، وَعرضت الْمَرْأَة عَليّ نَفسهَا بِالتَّزْوِيجِ، فأجبت، وعقدت العقد، وَدخلت بهَا من لَيْلَتي، وأقمت مَعهَا أَربع سِنِين، تُعْطِينِي من مَالهَا، وتنفق عَليّ، وَكَانَت لَهَا نعْمَة.
فَأَنا ذَات يَوْم جَالس على بَاب دارها، وَإِذا بِرَجُل من بلدي، فاستدعيته، فجَاء، فَقلت لَهُ: من أَيْن أَنْت؟ فَقَالَ: من بلد كَذَا وَكَذَا، فَذكر بلدي.
فَقلت: مَا جِئْت تصنع هَاهُنَا؟ قَالَ: كَانَ فِينَا ملك، حسن السِّيرَة، فَمَاتَ، فَوَثَبَ على ملكه رجل لَيْسَ من أهل المملكة، وَكَانَ للْملك الأول ابْن يصلح للْملك، فخاف على نَفسه فهرب، وَإِن الْملك المتغيب أَسَاءَ عشرَة الرّعية، فوثبنا عَلَيْهِ فقتلناه، وانتشرنا فِي الْبِلَاد نطلب ابْن الْملك المتوفي، لنجلسه مَكَان أَبِيه، فَمَا عرفنَا لَهُ خَبرا.
فَقلت: أتعرفني؟ قَالَ: لَا.
قلت: أَنا طلبتكم.
قَالَ: وأعطيته العلامات، فَعلم صِحَة مَا قلته لَهُ، فَكفر لي.
стр. 1372
فَقلت: أكتم أمرنَا إِلَى أَن ندخل النَّاحِيَة.
قَالَ: أفعل.
فَدخلت إِلَى الْمَرْأَة، فأعلمتها بالْخبر، وحدثتها بأَمْري كُله، وأعطيتها الصدرة.
وَقلت: هَذِه قيمتهَا كَذَا وَكَذَا، وَمن حَالهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَنا مَاض مَعَ الرجل، فَإِن كَانَ مَا ذكره صَحِيحا، فَإِن الْعَلامَة أَن يجيئك رَسُولي فيذكر الصدرة، فانهضي إِلَيّ، وَإِن كَانَت مكيدة كَانَت الصدرة لَك.
قَالَ: وَمضى مَعَ الرجل، فَكَانَ الْأَمر صَحِيحا، فأنفذ إِلَى زَوجته من حملهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَت.
فحين اجْتمع شَمله، واستقام أمره، أَمر البنائين فبنوا لَهُ دَار ضِيَافَة عَظِيمَة، وَأمر أَن لَا يجوز فِي عمله مجتاز إِلَّا حمل إِلَيْهَا، فيضاف فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام، ويزود لثَلَاثَة أَيَّام أخر، فَكَانَ يفعل ذَلِك، وَهُوَ يُرَاعِي الرجل الَّذِي صَحبه فِي سَفَره، وَيقدر أَن يَقع فِي يَده.
فَلَمَّا كَانَ بعد حول، استعرض النَّاس، وَكَانَ يستعرضهم فِي كل يَوْم، فَلَا يرى الرجل، فيصرفهم، فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم، رأى الرجل بَينهم.
فحين وَقعت عينه عَلَيْهِ، أعطَاهُ ورقة تنبول، وَهَذِه عَلامَة غَايَة الْإِكْرَام،
стр. 1373
وَنِهَايَة رُتْبَة الإعظام، إِذا فعله الْملك بِإِنْسَان من رَعيته.
فحين فعل ذَلِك بِالرجلِ، كفر لَهُ، وَقبل الأَرْض، فَأمر الْملك بتغيير حَاله، وإحسان ضيافته.
ثمَّ استدعاه، فَقَالَ لَهُ: أتعرفني؟ فَقَالَ: كَيفَ لَا أعرف الْملك، وَهُوَ من عظم شَأْنه، وعلو سُلْطَانه، بِحَيْثُ هُوَ.
قَالَ: لم أرد هَذَا، أتعرفني قبل هَذَا الْحَال؟ قَالَ: لَا.
فَذكره الْملك بالقصة، وَمنعه إِيَّاه من الطَّعَام فِي السّفر.
قَالَ: فبهت الرجل.
فَقَالَ الْملك: ردُّوهُ إِلَى الدَّار، وزيدوا فِي إكرامه، وَحضر الطَّعَام فأطعم.
فَلَمَّا أَرَادَ النّوم، قَالَ الْملك لزوجته: اذهبي إِلَى هَذَا الرجل فاغمزيه.
قَالَ: فَجَاءَت الْمَرْأَة، فَلم تزل تغمزه إِلَى أَن نَام، فَجَاءَت إِلَى الْملك،
стр. 1374
وَقَالَت: إِنَّه قد نَام.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا نوم، حركوه، فحركوه، فَإِذا هُوَ ميت.
قَالَ: فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: أَي شَيْء هَذَا؟ قَالَ: فساق لَهَا حَدِيثه مَعَه، وَقَالَ: وَقع فِي يَدي، فتناهيت فِي إكرامه، والهند لَهُم أكباد عَظِيمَة، وأفهام طريفة، فأدخلت عَلَيْهِ حسرة عَظِيمَة إِذْ لم يحسن إِلَيّ، فَقتلته، وَقد كنت أتوقع مَوته قبل هَذَا بِمَا توهمه واستشعره من الْعلَّة فِي نَفسه، لفرط الْحَسْرَة.
стр. 1375
الْبَاب الثَّالِث عشر
فِيمَن نالته شدَّة فِي هَوَاهُ فكشفها الله عَنهُ وَملكه من يهواه
رأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق
حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر البسطامي، غُلَام ابْن دُرَيْد وصهره، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان العلى عَن أبي خَالِد عَن الْهَيْثَم بن عدي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة السحيمي أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ كلفًا شَدِيدا، وَكَانَ أَبوهَا يكره ذَلِك ويأباه.
فَشَكَاهُ إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، أَمِير الْعرَاق، أَنه يسيء جواره، فحبسه، ثمَّ سُئِلَ خَالِد فِي أَمر الْفَتى، فَأَطْلقهُ، فَبَقيَ الْفَتى كلفًا بابنة عَمه، وَهُوَ ناء عَنْهَا مُدَّة.
ثمَّ زَاد مَا فِي نَفسه، فَحَمله الْحبّ على أَن تسور الْجِدَار عَلَيْهَا، وَحصل مَعهَا.
стр. 1376
فأحس بِهِ أَبوهَا، فَقبض عَلَيْهِ، وأتى بِهِ خَالِد بن عبد الله، وَادّعى عَلَيْهِ اللصوصية، وَأَتَاهُ بِجَمَاعَة شهدُوا على أَنهم وجدوه فِي بَيته لَيْلًا، قد دخل للتلصص.
فَسَأَلَ خَالِد الْفَتى، فاعترف أَنه دخل ليَسْرِق، وَمَا سرق شَيْئا، يدْفع بذلك الفضيحة عَن ابْنة عَمه، فَأَرَادَ خَالِد أَن يقطعهُ.
فَرفع عَمْرو أَخُوهُ إِلَى خَالِد رقْعَة فِيهَا:
أخالد قد والله أوطيت عشوة ... وَمَا العاشق الْمَظْلُوم فِينَا بسارق
أقرّ بِمَا لم يَأْته غير أنّه ... رأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق
وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَا ... فمنّ لتجلو الهمّ عَن قلب عاشق
وَلَوْلَا الَّذِي قد خفت من قطع كفّه ... لألفيت فِي أمريهما غير نَاطِق
إِذا مدّت الغايات للسبق فِي العلى ... فَأَنت ابْن عبد الله أوّل سَابق
قَالَ: فَأرْسل خَالِد مولى لَهُ يسْأَل عَن الْخَبَر، ويفحص جلية الْأَمر، فَأَتَاهُ بِصَحِيح مَا قَالَه عَمْرو فِي شعره.
فأحضر أَبَا الْجَارِيَة، وَأمره بتزويجها من الْفَتى، فَامْتنعَ، وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ كُفْء لَهَا.
стр. 1377
فَقَالَ لَهُ خَالِد: وَالله، إِنَّه لكفء لَهَا، إِذْ بذل يَده عَنْهَا، وَإِن لم تزَوجه طَائِعا لأزوجنه وَأَنت كَارِه.
فَزَوجهُ الْعم، وسَاق خَالِد الْمهْر من عِنْده، فَكَانَ يُسمى العاشق، إِلَى أَن مَاتَ.
وجدت فِي كتاب العمرين، لمُحَمد بن دَاوُد الْجراح الْكَاتِب، وَهُوَ رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي أَحْمد يحيى بن عَليّ بن المنجم، فِيمَن يُسمى من الشُّعَرَاء: عمرا، فَقَالَ: عَمْرو بن دويرة البَجلِيّ، سحيمي، كُوفِي، أَخْبرنِي أَحْمد بن أبي عَلْقَمَة، عَن دعيل بن عَليّ، وَذكر أَبُو طَالب بن سوَادَة، عَن مُحَمَّد بن الْحسن الْجَعْفَرِي، عَن الْحسن بن يزِيد الْقرشِي، عَن أبي بكر الْوَالِبِي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة، أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ. . وَذكر نَحوه، إِلَّا أَنه أَتَى فِي الشّعْر بِزِيَادَة بَيت، وَهُوَ بعد الْبَيْت الَّذِي أَوله:
أقرّ بِمَا لم يَأْته
:
وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَا ... فَكُن أَنْت تجلو الْهم عَن قلب وامق
وأخبرنيه مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي بن أبي الْعَلَاء، عَن الزبير بن بكار، فَذكره مَعَ الْبَيْت الزِّيَادَة.
стр. 1378
من مَكَارِم المقتدر
حَدثنِي أَبُو الْعَلَاء صاعد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن خداهي النَّصْرَانِي الْكَاتِب، الَّذِي كَانَ خَليفَة الوزراء، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، الَّذِي كَانَ وَزِير المتقي، وَلما
стр. 1379
دخل أَبُو عبد الله البريدي بَغْدَاد، مُتَقَلِّدًا الوزارة الثَّانِيَة للمتقي، قبض عَلَيْهِ وأحدره لِلْبَصْرَةِ.
فَلَمَّا وردهَا البريدي مُنْهَزِمًا، أطلقهُ، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَمرَنِي بإنزاله بِالْقربِ مني، وإيناسه بملازمتي، وأفتقاده بالدعوات، فَفعلت، فَكُنَّا متلازمين لَا نكاد نفترق.
وَوَجَدته أحلى النَّاس حَدِيثا، وَأَحْسَنهمْ أدبًا، وأعمهم فضلا، وَلم أر قطّ أَشد تغزلًا، وَلَا تهالكًا فِي الْعِشْق مِنْهُ.
فَحَدثني يَوْمًا، قَالَ: عشقت مغنية فِي القيان عشقًا شَدِيدا، فراسلت مولاتها فِي بيعهَا، فاستامت فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
وَكنت أعرف من نَفسِي الْملَل، فَخَشِيت أَن أشتريها فأملها، فدافعت بذلك، وَمَضَت أَيَّام، وَكَانَت هِيَ تَأتي إِلَى عِنْدِي، وَكَانَ يمْضِي لي مَعهَا أطيب عَيْش.
فَانْصَرَفت من عِنْدِي يَوْمًا، وَكَانَ المقتدر بِاللَّه أَمر أَن تشترى لَهُ مغنيات، وَأَنا لَا أعلم، وَكَانَت الْجَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه جَيِّدَة الْغناء، فَحملت إِلَى المقتدر فِي جملَة جوَار، فَأمر بشرائهن كُلهنَّ، فاشتريت فِي جملتهن.
وأنفذت من غَد أستدعيها من سيدتها، فَأخْبرت بالْخبر، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَدخل إِلَى قلبِي من الْأَلَم، والاحتراق، والقلق، أَمر مَا دخل مثله قطّ فِي قلبِي، فضلا عَن عشق.
وَزَاد الْأَمر عَليّ، حَتَّى انْتهى بِي إِلَى حد الوسواس، فامتنعت عَن النّظر فِي أَمر دَاري، وتشاغلت بالبكاء، وَلم يكن لي سَبِيل إِلَى العزاء.
стр. 1380
وَكنت أكتب، حِينَئِذٍ، لأم المتقي لله، وَهُوَ حدث، فتأخرت عَنْهُم أَيَّامًا، وأخللت بأمرهما، وَأَنا متوفر تِلْكَ الْأَيَّام على الطّواف فِي الصَّحَارِي، لَا آكل، وَلَا أشْرب، وَلَا أتشاغل بِأَكْثَرَ من الْبكاء والهيمان.
فَأنْكر المتقي وَأمه تأخري، فاستدعاني المتقي، وخاطبني فِي شَيْء من أمره، فوجدني لَا أَعقل وَلَا أحصل مَا يَقُوله، وَلَا أفهمهُ.
فَسَأَلَنِي عَن سَبَب اختلالي، فصدقته، وبكيت بَين يَدَيْهِ، وَسَأَلته أَن يسْأَل أَبَاهُ بيع الْجَارِيَة عَليّ، أَو هبتها لي.
فَقَالَ: مَا أجسر على هَذَا.
قَالَ: وَزَاد عَليّ الْأَمر، وَبَطلَت.
وَبلغ أم المتقي الْخَبَر، فراسلتها أسألها مِثْلَمَا سَأَلت أبنها، فرثت لي، وحملت نَفسهَا على أَن خاطبت السيدة أم المقتدر فِي أَمْرِي.
فَقَالَت لَهَا أم المقتدر: مَا الْعجب من الرجل، فَإِن الَّذِي فِي قلبه من الْعِشْق قد أعماه عَن الرَّأْي بل الْعجب مِنْك، كَيفَ وَقع لَك أَنه يجوز أَن يَقُول أحد للخليفة: انْزِلْ عَن جاريتك لرجل يعشقها.
فراسلتني أم المتقي بِمَا جرى، فَزَاد مَا بِي من القلق.
وَكنت لَا ألْقى أحدا من الرؤساء فِي الدولة، كالوزير، وحاشية الْخَلِيفَة، إِلَّا وأقصدهم، وأبكي بَين أَيْديهم، وأحدثهم حَدِيثي، وأسألهم مَسْأَلَة الْخَلِيفَة فِي تَسْلِيم الْجَارِيَة إِلَيّ، إِمَّا بِبيع، أَو هبة.
فَمنهمْ من يُنكر عَليّ ويوبخني، وَمِنْهُم من يرثي لي ويعذرني، وَمِنْهُم من يُشِير عَليّ بالإمساك، وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا علم الْخَلِيفَة هَذَا، وَأَنَّك تتعرض لحرمه، كَانَ فِي هَذَا إِتْلَاف نَفسك، وَأَنا ملازم أَبْوَابهم، وَتركت خدمَة صَاحِبي.
إِلَى أَن طَال عَليّ الْأَمر وعَلى المتقي وَأمه، لعدم ملازمتي الْبَاب وَوضعت
стр. 1381
من محلي، وَبَطل أَمر دَاري وضيعتي، وَأُمُور صَاحِبي.
إِلَى أَن طَال هَذَا على المتقي وَأمه، فطلبا كَاتبا يصرفاني بِهِ.
وَبَلغنِي الْخَبَر، وَقد كنت أَيِست من الْجَارِيَة، فعذلت نَفسِي، وَقلت: لَيْسَ بعد هَذَا الصّرْف إِلَّا الْفقر والنكبة، وَذَهَاب الْخَيْر وَالنَّفس، وَلَو كنت اشْتريت هَذِه الْجَارِيَة، لَكُنْت الْآن قد مللتها، فَلم أفقر نَفسِي، وَلم أقطع تصرفي؟ وَأَقْبَلت أعظ نَفسِي، وأسليها لَيْلَتي كلهَا، إِلَى أَن طاوعتني على الصَّبْر.
وباكرت دَار المتقي، وبدأت فِي النّظر فِي أُمُوره، وَرَأَوا مني خلاف مَا تقدم، فسروا بذلك، وَقَالُوا: أَنْت أحب إِلَيْنَا من الْغَرِيب نستأنفه، فضمنت لَهُم الْمُلَازمَة وتمشية الْأُمُور.
فأقمت على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ اشْتقت إِلَى الشّرْب، وَقد كنت فقدته وهجرته مُنْذُ فقدت الْجَارِيَة إِلَى ذَلِك الْيَوْم.
فَقلت للغلام: قُم، امْضِ، وَأصْلح لنا مَجْلِسا للشُّرْب، وادع أَصْحَابنَا أَعنِي أصدقائي الَّذين يعاشرونني، للرواح إِلَيّ، وَلَا تدع غناء، فَلَمَّا انْقَضى شغلي عدت إِلَى دَاري، وَاجْتمعَ أصدقائي، فصوبوا رَأْيِي، وَجَلَسْنَا نشرب، ونتحدث، وَنَلْعَب بالشطرنج.
فَقَالُوا: لَو دَعَوْت لنا مغنيًا.
فَقلت: أَخَاف أَن أذكر بِهِ أَمْرِي مَعَ الْجَارِيَة.
فجلسوا عِنْدِي إِلَى أَن صليت الْعشَاء الْآخِرَة، وَانْصَرفُوا، وَجَلَست وحدي أشْرب الْقدح بعد الْقدح إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، وَإِذا أَنا ببابي يدق دقًا عنيفًا.
стр. 1382
فَقَالَ بوابي: من هَذَا؟ قَالُوا: خدم من دَار الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقُمْت، وَلم أَشك أَن حَدِيثي قد اتَّصل بِهِ فَأنكرهُ، وَقَالَ: مثل هَذَا لَا يصلح أَن يكون كَاتبا لحُرْمَة، وَلَا مُدبرا أَمر غُلَام حدث، وَقد أَمر بِالْقَبْضِ عَليّ.
فَقُمْت أَمْشِي لأخرج من بَاب آخر كَانَ لي، وأستتر، فَإِذا الخدم قد دخلُوا، وَمَعَهُمْ بغلة عَلَيْهَا عمارية، وشموع، وَإِذا قد أنزلوا من العمارية جاريتين، إِحْدَاهمَا عشيقتي، فبهت.
فَقَالَ لي أحد الخدم، وَهُوَ كالرئيس عَلَيْهِم: مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: عرفت خبرك مَعَ الْجَارِيَة فِي هَذِه السَّاعَة، فرحمتك، وَقد وهبتها لَك مَعَ جَمِيع مَالهَا، وَتركهَا الْخَادِم وَمضى.
وَدخلت مَعهَا عدَّة أحمال عَلَيْهَا الأثقال من صنوف الثِّيَاب، والفرش، والآلات، والقماش، وعدة جوَار، وَتركُوا ذَلِك عِنْدِي، وَانْصَرفُوا.
فَأخذت بيد معشوقتي، وأدخلتها الْمجْلس، فَلَمَّا رَأَتْ الشَّرَاب والمجلس معبأ، قَالَت: سلوت عني، وشربت بعدِي.
فَحَلَفت لَهَا أَنِّي مَا شربت نبيذًا مُنْذُ فارقتها إِلَّا فِي هَذَا الْيَوْم، وحدثتها حَدِيثي بِطُولِهِ.
وَقلت لَهَا: مَا السَّبَب فِي مجيئك؟ وَمَا جرى؟ فَقَالَ: اعْلَم أَن الْخَلِيفَة لم يرني، مُنْذُ اعترضني وَأمر بشرائي، إِلَّا اللَّيْلَة، وَكَانَ قد اتَّصل مزح السيدة معي، فَإِنَّهَا كَانَت استدعتني مُنْذُ مُدَّة، وَسَأَلتنِي عَن خبري مَعَك، فَأَخْبَرتهَا.
ثمَّ قَالَت: هَل تحبينه؟
стр. 1383
فَقلت: نعم، حبا شَدِيدا.
فتعجبت من ذَلِك، وَقَالَت: ثقلنا عَلَيْك وعَلى محبوبك، وَلَكِن يكون الْخَيْر إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ووعدتني الْجَمِيل التَّام، والوعد الْحسن.
فَلَمَّا كَانَ هَذِه اللَّيْلَة، قعد الْخَلِيفَة يشرب مَعَ الْجَوَارِي والسيدة حَاضِرَة، فاستدعيت، وغنيت.
فَقَالَ لي الْخَلِيفَة: إِن كنت تحسنين الصَّوْت الْفُلَانِيّ، فغنيه، وَكَانَ صَوْتك عَليّ، فغنيته، وتمثلت لي صُورَتك، وَذكرت شربي مَعَك، فَلم أملك دموعي، حَتَّى جرت.
فَقَالَ المقتدر: مَا هَذَا؟ فتحيرت، وَجَزِعت، وَنظرت إِلَى السيدة، فَضَحكت، وَضحك الْجَوَارِي.
فَقَالَ المقتدر: مَا الْقِصَّة؟ فدافعته السيدة.
فَقَالَ: بحياتي أصدقيني.
فَقَالَت: على أَن لَا تؤذي الْجَارِيَة، وَلَا غَيرهَا.
فَقَالَ: نعم، وحياتك.
فَحَدَّثته الحَدِيث، فَلَمَّا اسْتَوْفَاهُ، قَالَ لي: يَا جَارِيَة، الْأَمر هَكَذَا؟ إِنَّمَا بَكَيْت من عشق ابْن مَيْمُون؟ فَسكت.
فَقَالَ: إِن صدقتني وَهبتك لَهُ.
فَقلت: نعم.
فَأقبل على أمه، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَثِير إِن وهبتها لخادم لنا.
فَقَالَت: قد، وَالله، أردْت أَن أَسأَلك هَذَا، وَلَكِن إِن تفضلت بِهِ ابْتِدَاء مِنْك، كَانَ أحسن.
فَقَالَ لبَعض الخدم: خُذ هَذِه الْجَارِيَة، وَجَمِيع مَا كَانَ سلم إِلَيْهَا فِي حُجْرَتهَا من جوَار، وقماش، واحمله إِلَى دَار ابْن مَيْمُون، كَاتب ابْني إِبْرَاهِيم،
стр. 1384
وَأقرهُ سلامي، وعرفه أَنِّي قد وهبت ذَلِك كُله لَهُ.
فَلَمَّا قُمْت، تصايحوا: قد جَاءَ فرجك، وَبَلغت مناك، فَقُمْت إِلَى حُجْرَتي، وجمعت مَا ترى، وَحَمَلته إِلَيْك.
قَالَ: فَشَكَرت الله على ذَلِك، وَجَلَست مَعهَا، وَمَا شيل مَا فِي مجلسي، حَتَّى اجْتَمَعنَا، وَجَلَست مَعهَا فِيهِ، وغنت.
وبكرت من غَد نشيطًا، مَسْرُورا، أشكر السيدة، وَأم المتقي، وأدعو لَهما، وأقامت الْجَارِيَة عِنْدِي، إِلَى أَن مَاتَت.
стр. 1385
فَارق جَارِيَته ثمَّ أجتمع شملهما
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن الصروي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ بِبَغْدَاد رجل من أَوْلَاد النعم، ورث من أَبِيه مَالا جَلِيلًا، وَكَانَ يتعشق جَارِيَة، وَأنْفق عَلَيْهَا شَيْئا كثيرا، ثمَّ اشْتَرَاهَا، وَكَانَت تحبه ويحبها، فَلم يزل ينْفق مَاله عَلَيْهَا إِلَى أَن أفلس.
فَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: يَا هَذَا، قد بَقينَا كَمَا ترى، فَلَو طلبت معاشًا نقتات مِنْهُ.
قَالَ: فَلم يجد لَهُ صناعَة غير الْغناء، إِذْ كَانَ الْفَتى من محبته لِلْجَارِيَةِ، وإحضاره المغاني إِلَيْهَا، ليزيدوها فِي صنعتها، قد تعلم الضَّرْب والغناء، وَخرج صَالحا فِي طبقَة الْغناء والحذق فِيهِ.
فَشَاور بعض معارفه، فَقَالَ: مَا أعرف لَك معاشًا أصلح من أَن تغني للنَّاس، وَتحمل جاريتك إِلَيْهِم فتأخذ على هَذَا الْكثير، ويطيب عيشك.
فَأَنف من ذَلِك، وَعَاد إِلَيْهَا، فَأَخْبرهَا بِمَا أُشير عَلَيْهِ بِهِ، وأعلمها أَن الْمَوْت أشهى عِنْده من هَذَا، فَصَبَرت مَعَه على الشدَّة مُدَّة.
ثمَّ قَالَت: قد رَأَيْت لَك رَأيا.
فَقَالَ: قولي.
قَالَت: تبيعني، فَإِنَّهُ يحصل لَك من ثمني مَا تعيش بِهِ عَيْشًا صَالحا، وتخلص من هَذِه الشدَّة، وأحصل أَنا فِي نعْمَة، فَإِن مثلي لَا يَشْتَرِيهَا إِلَّا ذُو نعْمَة.
فحملها إِلَى سوق النخاسين، فَكَانَ أول من اعترضها فَتى هاشمي من أهل الْبَصْرَة، ظريف، قد ورد بَغْدَاد للعب والتمتع، فاشتراها بِأَلف
стр. 1386
وَخمْس مائَة دِينَار عينا.
قَالَ الرجل: فحين لفظت بِالْبيعِ، وقبضت الثّمن، نَدِمت، واندفعت فِي بكاء عَظِيم، وحصلت الْجَارِيَة فِي أقبح من صُورَتي، وجهدت فِي الْإِقَالَة، فَلم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَأخذت الدَّنَانِير فِي الْكيس، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أذهب، لِأَن بَيْتِي موحش مِنْهَا، وَورد عَليّ من اللَّطْم والبكاء مَا هوسني.
فَدخلت مَسْجِدا، وَجَلَست فِيهِ أبْكِي، وأفكر فِيمَا أعمل، فحملتني عَيْني، فَتركت الْكيس تَحت رَأْسِي كالمخدة، ونمت.
فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان قد جذبه من تَحت رَأْسِي فانتبهت فَزعًا، فَإِذا بِإِنْسَان قد أَخذ الْكيس، وَمر يعدو، فَقُمْت لعدو وَرَاءه، فَإِذا رجْلي مشدودة بخيط فِي وتد مَضْرُوب فِي آخر الْمَسْجِد، فَإلَى أَن تخلصت من ذَلِك، غَابَ الرجل عَن عَيْني.
فَبَكَيْت، ولطمت، ونالني أَمر أَشد من الأول، وَقلت: قد فَارَقت من أحب، وبعته، لأستغني بِثمنِهِ عَن الصَّدَقَة، فقد صرت الْآن فَقِيرا، مفارقًا لمن أحب.
فَجئْت إِلَى دجلة، ولففت وَجْهي برداء كَانَ على راسي، وَلم أكن أحسن أسبح، ورميت بنفسي فِي المَاء لأغرق.
فَظن الْحَاضِرُونَ أَن ذَلِك لغلط وَقع عَليّ، فَطرح قوم نُفُوسهم خَلْفي، فأخذوني، وسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ، وَبقيت مِنْهُم بَين رَاحِم ومستجهل.
إِلَى أَن خلا بِي شيخ مِنْهُم، فَأخذ يعظني، وَيَقُول: يَا هَذَا، ذهب مَالك، فَكَانَ مَاذَا حَتَّى تتْلف نَفسك، أَو مَا علمت أَن فَاعل هَذَا فِي نَار جَهَنَّم، وَلست أول من افْتقر بعد غنى، فَلَا تفعل وثق بِاللَّه تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ لي: أَيْن مَنْزِلك؟
стр. 1387
فَقلت: فِي الْموضع الْفُلَانِيّ.
فَقَالَ: قُم معي إِلَيْهِ، وَمَا فارقني حَتَّى حَملَنِي إِلَى منزلي، وَمَا زَالَ يؤنسني، ويعظني، إِلَى أَن بَان لَهُ السّكُون فِي، فشكرته.
وَانْصَرف، فكدت أَن أقتل نَفسِي لوحشة منزلي عَليّ، ثمَّ ذكرت النَّار وَالْآخِرَة، فَخرجت من بَيْتِي هَارِبا، إِلَى بعض أصدقائي القدماء فِي حَال سعادتي، فَأَخْبَرته خبري، فَبكى رقة لي، وَأَعْطَانِي خمسين درهما.
وَقَالَ: اقبل رَأْيِي، واخرج السَّاعَة من بَغْدَاد، وَاجعَل هَذِه نَفَقَة لَك إِلَى حَيْثُ وجدت قَلْبك يساعدك إِلَى قَصده، وَأَنت من أَوْلَاد الْكتاب، وخطك جيد، وأدبك صَالح، فاقصد بعض الْعمَّال، وأطرح نَفسك عَلَيْهِ، فَأَقل مَا فِي الْأَمر أَن تصير محررًا بَين يَدَيْهِ، وتعيش مَعَه، وَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا.
فَعمِلت على هَذَا، وَجئْت إِلَى الكتبيين، وَقد قوي فِي نَفسِي أَن أقصد وَاسِط، وَكَانَ لي فِيهَا أقَارِب، فأجعلهم ذَرِيعَة لي إِلَى التَّصَرُّف مَعَ بعض عمالها.
فحين جِئْت إِلَى الكتبيين، إِذا بزلال مقدم، وخزانة كَبِيرَة، وقماش كثير ينْقل إِلَى الزلَال، وَإِلَى الخزانة.
فَسَأَلت: من يحملني إِلَى وَاسِط؟ فَقَالَ أحد ملاحي الزلَال: نَحن نحملك بِدِرْهَمَيْنِ إِلَى وَاسِط، وَلَكِن هَذَا
стр. 1388
الزلَال لرجل هاشمي من أهل الْبَصْرَة، وَلَا يمكنا من حملك مَعَه على هَذِه الصُّورَة، وَلَكِن تلبس ثِيَاب الملاحين، وتجلس مَعنا كَأَنَّك وَاحِد منا.
فحين رَأَيْت الزلَال، وَسمعت أَنه لرجل هاشمي، من أهل الْبَصْرَة، طمعت أَن يكون مُشْتَرِي جاريتي، فأتفرج بسماعها إِلَى وَاسِط.
فَدفعت الدرهمين إِلَى الملاح، وعدت فاشتريت لي جُبَّة من جباب الملاحين فلبستها، وبعت تِلْكَ الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَليّ، وأضفتها إِلَى مَا معي من النَّفَقَة، واشتريت خبْزًا وإدامًا، وَجَلَست فِي الزلَال.
فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى رَأَيْت جاريتي بِعَينهَا، وَمَعَهَا جاريتان تخدمانها، فحين رَأَيْتهَا سهل عَليّ مَا كَانَ بِي، وَمَا أَنا عَلَيْهِ.
وَقلت: أسمع غناءها، وأراها، من هَاهُنَا إِلَى الْبَصْرَة، واعتمدت على أَن أجعَل قصدي إِلَى الْبَصْرَة، وطمعت فِي أَن أداخل مَوْلَاهَا، فأصير أحد ندمائه.
وَقلت: وَلَا تخليني هِيَ من الْموَاد، فَإِنِّي واثق بهَا.
وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ الْفَتى الَّذِي اشْتَرَاهَا رَاكِبًا، وَمَعَهُ عدَّة ركبان، فنزلوا فِي الزلَال وانحدروا.
فَلَمَّا صَارُوا بكلواذى، أخرج الطَّعَام، فَأكل هُوَ وَالْجَارِيَة، وَأكل الْبَاقُونَ على سطح الزلَال، وأطعموا الملاحين.
ثمَّ أقبل على الْجَارِيَة، فَقَالَ لَهَا: إِلَى كم هَذِه المدافعة عَن الْغناء، وَهَذَا الْحزن والبكاء، مَا أَنْت أول من فَارق مَوْلَاهُ، فَعلمت مَا عِنْدهَا من أَمْرِي.
ثمَّ ضربت ستارة فِي جَانب الزلَال، واستدعى الَّذين فِي سطحه، وَجلسَ مَعَهم خَارج الستارة، فَسَأَلت عَنْهُم، فَإِذا هم إخْوَته، وأخرجوا الصواني، ففرقوها عَلَيْهِم، وأحضروا النَّبِيذ.
وَمَا زَالُوا يترفقون بالجارية، إِلَى أَن استدعت الْعود، فأصلحته، وجست
стр. 1389
أوتاره، ثمَّ اندفعت تغني، من الثقيل الأول بِإِطْلَاق الْوتر فِي مجْرى الْوُسْطَى
بَان الخليط بِمن عرفت فأدلجوا ... عمدا لقتلك ثمَّ لم يتحرّجوا
وغدت كأنّ على ترائب نحرها ... جمر الغضا فِي ساجة يتأجّج
قَالَ: ثمَّ غلبها الْبكاء، وَقطعت الْغناء، وتنغص على الْفتية سرورهم.
وَوَقعت أَنا مغشيًا عَليّ، فَظن الْقَوْم أَنِّي قد صرعت، فَأذن بَعضهم فِي أُذُنِي، وصب عَليّ المَاء، فَأَفَقْت بعد سَاعَة.
وَمَا زَالُوا يداورونها، ويرفقون بهَا، ويسألونها الْغناء، إِلَى أَن أصلحت الْعود، واندفعت تغني فِي الثقيل التاني:
فوقفت أنسب بالذين تحملّوا ... وكأنّ قلبِي بالشفار يقطّع
فَدخلت دَارهم أسائل عَنْهُم ... وَالدَّار خَالِيَة الْمنَازل بلقع
стр. 1390
ثمَّ شهقت فَكَادَتْ تتْلف، وارتفع لَهَا بكاء عَظِيم، وصعقت أَنا، فتبرم بِي الملاحون، وَقَالُوا: كَيفَ حملنَا هَذَا الْمَجْنُون مَعنا.
فَقَالَ بَعضهم: إِذا بَلغْتُمْ بعض الْقرى فأخرجوه وأريحونا مِنْهُ.
فَجَاءَنِي أَمر عَظِيم، أعظم من كل شَيْء دفعت إِلَيْهِ، وَوضعت فِي نَفسِي التصبر، وَالْحِيلَة فِي أَن أعلمها بمكاني من الزلَال، لتمنع من إخراجي.
وبلغنا إِلَى قرب الْمَدَائِن، فَقَالَ صَاحب الزلَال: اصعدوا بِنَا إِلَى الشط، فطرحوا إِلَى الشط، وَخرج الْجَمَاعَة، وَقد كَانَ الْمسَاء قد قرب، وَصعد أَكثر الملاحين يَتَغَوَّطُونَ، فَخَلا الزلَال، وَكَانَ الْجَوَارِي فِيمَن صعد إِلَى مستراح ضرب لَهُنَّ.
فمضيت سَارِقا نَفسِي حَتَّى صرت خلف الستارة، فغيرت طَريقَة الْعود عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ، إِلَى طَريقَة أُخْرَى، وَرجعت إِلَى موضعي من الزلَال.
وَفرغ الْقَوْم من حاجاتهم فِي الشط، ودافعوا وَالْقَمَر منبسط.
فَقَالُوا لَهَا: بِاللَّه يَا ستي غنينا شَيْئا، وَلَا تنغصي علينا عيشنا.
فَأخذت الْعود فجسته، فشهقت شهقة كَادَت تتْلف، وَقَالَت: وَالله، قد أصلح هَذَا الْعود مولَايَ، على طَريقَة من الضَّرْب كَانَ بهَا معجبًا، وَكَانَ يضْربهَا معي، وَوَاللَّه إِنَّه مَعنا فِي الزلَال.
فَقَالَ لَهَا صَاحبهَا: وَالله، لَو كَانَ مَعنا مَا امتنعنا من عشرته، فَلَعَلَّهُ أَن يخف بعض مَا بك، فننتفع بغنائك.
فَقَالَت: مَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ، هُوَ، وَالله، مَعنا.
стр. 1391
فَقَالَ الرجل للملاحين: وَيحكم، حملتم مَعنا إنْسَانا غَرِيبا؟ فَقَالُوا: لَا.
فَأَشْفَقت أَن يَنْقَطِع السُّؤَال، فَصحت: نعم، هوذا أَنا.
فَقَالَت: كَلَام مولَايَ، وَالله، وَجَاء بِي الغلمان إِلَى الرجل.
فَلَمَّا رَآنِي عرفني، وَقَالَ: وَيحك، مَا هَذَا الَّذِي أَصَابَك؟ وَمَا أداك إِلَى هَذِه الْحَال؟ فصدقته عَن أَمْرِي، وبكيت، وَعلا نحيب الْجَارِيَة من خلف الستارة، وبكا هُوَ وَإِخْوَته بكاء شَدِيدا، رقة لنا.
ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا، وَالله، مَا وطِئت هَذِه الْجَارِيَة، وَلَا سَمِعت مِنْهَا غناء قبل هَذَا الْيَوْم، وَأَنا رجل موسع عَليّ وَالْحَمْد لله، وقدمت إِلَى بَغْدَاد لسَمَاع الْغناء، وَطلب أرزاقي من الْخَلِيفَة، وَقد بلغت من الْأَمريْنِ مَا أردْت.
فَلَمَّا عولت على الرُّجُوع إِلَى وطني، أَحْبَبْت أَن أستصحب معي مغنية من بَغْدَاد، فاشتريت هَذِه الْجَارِيَة، لأضمها إِلَى عدَّة مغنيات عِنْدِي بِالْبَصْرَةِ.
وَإِذ كنتما على هَذِه الْحَالة، فَأَنا، وَالله، أغتنم المكرمة وَالثَّوَاب فيكما، وَأشْهد الله تَعَالَى على أَنِّي إِذا صرت إِلَى الْبَصْرَة أعْتقهَا وأزوجك إِيَّاهَا، وَأجْرِي عَلَيْكُمَا مَا يكفيكما، على شريطة إِن أجبتني إِلَيْهَا.
قلت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَن تحضرها عِنْدِي مَتى أردنَا الْغناء، تغني بحضورك وتنصرف بانصرافك إِلَى دَار أفرغها لَكمَا، وقماش أعطيكما إِيَّاه.
قلت: يَا سَيِّدي، وَكَيف أمنع من هُوَ الْمُعْطِي، وأبخل على من يرد حَياتِي عَليّ، بِهَذَا الْمِقْدَار، وَأخذت أقبل يَده، فَمَنَعَنِي.
ثمَّ أَدخل رَأسه إِلَى الْجَارِيَة، وَقَالَ: يرضيك هَذَا؟ فَأخذت تَدْعُو لَهُ، وتشكره.
فاستدعى غُلَاما لَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذ بيد هَذَا الرجل، وَغير ثِيَابه، وبخره،
стр. 1392
وَقدم لَهُ مَا يَأْكُلهُ، وَجِئْنَا بِهِ، فأخذني الْغُلَام، وَفعل بِي ذَلِك، وعدت، فَتركت بَين يَدي صينية.
فاندفعت الْجَارِيَة تغني بنشاط، واستدعت النَّبِيذ، وشربت، وشربنا، وَأخذت أقترح عَلَيْهَا الْأَصْوَات الْجِيَاد، فتضاعف سرُور الرجل بهَا.
وَمَا زلنا على ذَلِك أَيَّامًا، حَتَّى وصلنا نهر معقل، وَنحن سكارى، فَشد الزلَال فِي الشط.
وأخذتني بولة المَاء فِي اللَّيْل، فَصَعدت على ضفة نهر معقل لأبول، فَحَمَلَنِي السكر على النّوم.
وَدفع الزلَال وَأَنا لَا أعلم، وَأَصْبحُوا فَلم يجدوني، ودخلوا الْبَصْرَة، وَلم أنتبه أَنا إِلَّا بحمي الشَّمْس، فَجئْت إِلَى الشط، فَلم أر لَهُم عينا وَلَا أثرا.
وَكنت قد أجللت الرجل أَن أسأله بِمن يعرف؟ وَأَيْنَ دَاره من الْبَصْرَة؟ واحتشمت غلمانه أَن أسألهم، فَبَقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يَوْم بدأت بِي المحنة، وَكَأن مَا كنت فِيهِ مَنَام.
فاجتازت بِي سمارية، فَقَعَدت فِيهَا، وَدخلت إِلَى الْبَصْرَة، وَمَا كنت دَخَلتهَا قطّ، فَنزلت خَانا، وَبقيت متحيرًا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، وَلم يتَوَجَّه لي معاش.
إِلَى أَن اجتاز بِي إِنْسَان أعرفهُ، فتبعته لأكشف لَهُ حَالي، ثمَّ أنفت من ذَلِك، وَدخل الرجل إِلَى منزله، فعرفته، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ على بَاب الخان الَّذِي نزلته، فأعطيته دانقًا، وَأخذت مِنْهُ ورقة، وَجَلَست أكتب رقْعَة إِلَى الرجل.
стр. 1393
فَاسْتحْسن الْبَقَّال خطي، وَرَأى رثاثة زيي، فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرته أَنِّي رجل ممتحن فَقير، قد تعذر عَليّ التَّصَرُّف، وَمَا بَقِي معي شَيْء، وَلم أشرح لَهُ أَكثر من هَذَا.
فَقَالَ لي: تعْمل معي كل يَوْم بِنصْف دِرْهَم، وطعامك وكسوتك عَليّ، وتضبط حِسَاب دكاني؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ: اصْعَدْ.
فخرقت الرقعة، وصعدت، فَجَلَست مَعَه، أدبر أمره، وضبطت دخله وخرجه، وَكَانَ غلمانه يسرقونه، فأديت لَهُ الْأَمَانَة.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهر، رأى الرجل دخله زَائِدا، وخرجه نَاقِصا، فحمدني.
وَبقيت مَعَه كَذَلِك شهرا آخر، ثمَّ جعل رِزْقِي فِي كل يَوْم درهما.
وَلم يزل حَالي مَعَه يقوى، إِلَى أَن حَال الْحول، وَقد بَان لَهُ الصّلاح فِي أمره، فدعاني إِلَى أَن أَتزوّج بابنته، ويشاركني، فَفعلت.
وَدخلت بِزَوْجَتِي، ولزمت الدّكان، وحالي يقوى، إِلَّا أنني فِي خلال ذَلِك، منكسر النَّفس، ميت النشاط، ظَاهر الْحزن.
وَكَانَ الْبَقَّال رُبمَا شرب، فيجرني إِلَى مساعدته، فأمتنع، وَأظْهر لَهُ أَن ذَلِك بِسَبَب حزني على موتى لي.
واستمرت بِي الْحَال على هَذَا سنتَيْن وَأكْثر.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، رَأَيْت النَّاس يجتازون بفاكهة، وَلحم، ونبيذ، اجتيازًا مُتَّصِلا، فَسَأَلت عَن ذَلِك؟
стр. 1394
فَقيل لي: الْيَوْم الشعانين، يخرج فِيهِ أهل الظّرْف واللعب، بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، والقيان إِلَى الأبلة، فيرون النَّصَارَى، وَيَشْرَبُونَ، ويفرحون.
فدعتني نَفسِي إِلَى التفرج، وَقلت: لعَلي أصل إِلَى أَصْحَابِي، أَو أَقف لَهُم على خبر، فَإِن هَذَا من مظانهم.
فَقلت لحمي: أُرِيد أَن أنظر إِلَى هَذَا المنظر.
فَقَالَ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ، فَأصْلح لي طَعَاما، وَشَرَابًا، وَسلم إِلَيّ غُلَاما وسفينةً.
فَخرجت وَركبت السَّفِينَة، وبدأت بِالْأَكْلِ، ثمَّ قدمت آنِية الشَّرَاب، وَجَلَست أشْرب حَتَّى وصلت البلة، وأبصرت النَّاس وَقد ابتدءوا يَنْصَرِفُونَ.
فَإِذا بالزلال بِعَيْنِه، فِي أوساط النَّاس، سائرًا فِي نهر الأبلة، فتأملته، فَإِذا أَصْحَابِي على سطحه، وَمَعَهُمْ عدَّة مغنيات.
فحين رَأَيْتهمْ لم أتمالك فَرحا، فطرحت إِلَيْهِم، فحين رأوني عرفوني، فكبروا، وأخذوني إِلَيْهِم، وسلموا عَليّ.
وَقَالُوا: وَيحك، أَنْت حَيّ؟ وعانقوني، وفرحوا بِي، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا، على أتم شرح.
فَقَالُوا: إِنَّا لما فقدناك فِي الْحَال، وَقع لنا أَنَّك بالسكر وَقعت فِي المَاء فغرقت، وَلم نشك فِي ذَلِك، فخرقت الْجَارِيَة ثِيَابهَا، وَكسرت الْعود، وجزت شعرهَا، وبكت، ولطمت، فَمَا منعناها من شَيْء من هَذَا.
стр. 1395
ووردنا الْبَصْرَة، فَقُلْنَا لَهَا: مَا تحبين أَن نعمل مَعَك؟ فقد كُنَّا وعدنا مَوْلَاك وَعدا، تَمْنَعنَا الْمُرُوءَة من استخدامك بعده فِي حَال أَو سَماع.
فَقَالَت: يَا مولَايَ لَا تمنعني من الْقُوت الْيَسِير، وَلبس الثِّيَاب السوَاد، وَأَن أصنع قبرًا فِي بَيت من الدَّار، وأجلس عِنْده، وَأَتُوب من الْغناء، فمكناها من ذَلِك، فَهِيَ جالسة عِنْده إِلَى الْآن.
وأخذوني مَعَهم، فحين دخلت، ورأيتها بِتِلْكَ الصُّورَة، ورأتني، شهقت شهقةً عَظِيمَة، فَمَا شَككت فِي تلفهَا، وأعتنقتها، فَمَا افترقنا سَاعَة طَوِيلَة.
ثمَّ قَالَ لي مَوْلَاهَا: خُذْهَا.
فَقلت: بل تعتقها وَتَزَوَّجنِي بهَا، كَمَا وَعَدتنِي.
فَفعل ذَلِك، وَدفع لنا ثيابًا كَثِيرَة، وفرشًا، وقماشًا، وَحمل إِلَيّ خمس مائَة دِينَار.
وَقَالَ: هَذَا قدر مَا أردْت أَن أجريه عَلَيْكُم فِي كل شهر من أول شهر دخولي إِلَى الْبَصْرَة، وَقد اجْتمع فِي طول هَذِه الْمدَّة، والجراية فِي كل شهر غير هَذَا، وَشَيْء آخر لكسوتك، وَكِسْوَة الْجَارِيَة، وَالشّرط فِي المنادمة وَسَمَاع الْجَارِيَة من وَرَاء الستارة بَاقٍ، وَقد وهبت لَك الدَّار الْفُلَانِيَّة، وَهَذِه مفاتيحها.
فَأخذت المفاتيح، وأتيت إِلَى الدَّار، فَوَجَدتهَا مفروشة بأنواع الْفرش، وَإِذا بذلك الْفرش والقماش الَّذِي أَعْطيته فِيهَا، وَالْجَارِيَة.
فسررت بذلك سُرُورًا عَظِيما، وَجئْت إِلَى الْبَقَّال، فَحَدَّثته حَدِيثي، وَطلقت ابْنَته، ووفيتها صَدَاقهَا.
وأقمت مَعَ الْجَارِيَة سِنِين، وصرت رب ضَيْعَة ونعمة، وَصَارَ حَالي إِلَى
стр. 1396
قريب مِمَّا كنت عَلَيْهِ أَولا.
وَأَنا أعيش كَذَلِك مَعَ جاريتي، إِلَى الْآن.
стр. 1397
أَمِير الْبَصْرَة يجمع بَين متحابين
روى أَبُو روق الهزاني، عَن الرياشي: أَن بعض أهل النعم بِالْبَصْرَةِ، اشْترى جَارِيَة، وَأحسن تأديبها وَتَعْلِيمهَا، وأحبها حبا شَدِيدا، وَأنْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق، ومسّهما الضّر الشَّديد، والفقر المبيد.
فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: قد تَرين مَا صرنا إِلَيْهِ من الْفقر، وَوَاللَّه، لموتي وَأَنت معي، أَهْون عَليّ مِمَّا أذكرهُ لَك، ويسوءني أَن أَرَاك على غير الْحَالة الَّتِي تسرني فِيك، وَنِهَايَة الْأَمر بِنَا، أَن تحل بأحدنا منيته، فَيقْتل الآخر نَفسه عَلَيْهِ، فَإِن رَأَيْت أَن أبيعك لمن يحسن إِلَيْك، فَيغسل عَنْك مَا أَنْت فِيهِ، وأتفرج أَنا بِمَا لَعَلَّه يصير إِلَيّ من الشَّيْء من ثمنك، ولعلك تحصلين عِنْد من تتوصلين إِلَى نفعي مَعَه.
فَقَالَت: وَالله لموتي وَأَنا على تِلْكَ الْحَالة، أَهْون عَليّ من انتقالي إِلَى غَيْرك، وَلَكِن أفعل مَا بدا لَك.
وَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: إِنِّي لأرثي لَك يَا مولَايَ، مِمَّا أرى بك من سوء الْحَال، فَلَو بعتني فانتفعت بثمني، فَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا جميلًا، وأقع أَنا بِحَيْثُ يحسن حَالي، فَيكون ذَلِك أصلح لكل وَاحِد منا.
فَخرج، وعرضها للْبيع، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أحد أصدقائه، مِمَّن لَهُ رَأْي، أَن
стр. 1398
يحملهَا إِلَى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة يَوْمئِذٍ، فَأَعْجَبتهُ.
فَقَالَ لمولاها: كم شراؤها عَلَيْك؟ قَالَ: بِأَلف دِينَار، وَقد أنفقت عَلَيْهَا أَكثر من مائَة ألف دِرْهَم.
قَالَ: أما مَا أنفقت عَلَيْهَا، فَغير محتسب لَك، لِأَنَّك أنفقته فِي لذاتك، وَأما ثمنهَا، فقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَعشرَة سفاط ثِيَاب، وَعشرَة رُءُوس من الْخَيل، وَعشرَة من الرَّقِيق، أرضيت؟ قلت: نعم، رضيت، فَأمر بِالْمَالِ فأحضر.
فَلَمَّا قبض الْمولى الثّمن، وَأَرَادَ الِانْصِرَاف، استعبر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه باكيًا، وأنشأت الْجَارِيَة تَقول:
هَنِيئًا لَك المَال الَّذِي قد حويته ... وَلم يبْق فِي كفّي إِلَّا التفكّر
أَقُول لنَفْسي وَهِي فِي كرباتها ... أقلّي فقد بَان الحبيب أَو أكثري
إِذا لم يكن لِلْأَمْرِ عِنْدِي حِيلَة ... وَلم تجدي شَيْئا سوى الصَّبْر فاصبري
قَالَ: فَاشْتَدَّ بكاء الْمولى، وَعلا نحيبه، ثمَّ أنشأ يَقُول:
فلولا قعُود الدَّهْر بِي عَنْك لم يكن ... يفرّقنا شَيْء سوى الْمَوْت فاعذري
أروح بهمّ فِي الْفُؤَاد مبرّح ... أُنَاجِي بِهِ قلبًا طَوِيل التفكّر
стр. 1399
عَلَيْك سَلام لَا زِيَارَة بَيْننَا ... وَلَا وصل إِلَّا أَن يَشَاء ابْن معمر
فَقَالَ لَهُ ابْن معمر: قد شِئْت يَا هَذَا، خُذ جاريتك، بَارك الله لَك فِيهَا وَفِيمَا صَار إِلَيْك من المَال، وانصرفا راشدين، فوَاللَّه، لَا كنت سَببا فِي فرقة محبين.
فَأَخذهَا وَأخذ المَال وَالْخَيْل وَالرَّقِيق وَالثيَاب، وأثرى وَحسنت حَاله.
وَأَخْبرنِي الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي ﵀ على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سعيد، أَن الزبير حَدثهمْ، قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي بكر المؤملي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر، قَالَ: كَانَت لفتى من الْعَرَب جَارِيَة جميلَة، وَكَانَ بهَا معجبًا، يجد بهَا وجدا شَدِيدا، فَلم يزل ينْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق وَاحْتَاجَ، وَجعل يسْأَل إخوانه، فَقَالَت الْجَارِيَة. . . وَذكر بَقِيَّة الْخَبَر على قريب مِمَّا رَوَاهُ الرياشي، والألحان فِي الشّعْر على مَا رَوَاهُ الزبير.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر مَذْكُورا بقريب من هَذِه الْأَلْفَاظ، فِي كتاب أَخْبَار المتيمين للمدائني، وَقد زَاد فِيهِ، أَن الْجَارِيَة كَانَت قينة، وَلم يذكر الشّعْر الأول.
стр. 1400
من مَكَارِم جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي
وحَدثني أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن يحيى المرداسي، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: لما دخل الرشيد الْبَصْرَة حاجًّا، كنت مَعَه، فَقَالَ لي جَعْفَر بن يحيى: يَا أَبَا مُحَمَّد، قد وصفت لي جَارِيَة مغنية حسناء محسنة، تبَاع، وَذكر أَن مَوْلَاهَا مُمْتَنع من عرضهَا إِلَّا فِي دَاره، وَقد عزمت على أَن أركب مستخفيًا، فأعترضها، أفتساعدني؟ فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَلَمَّا كَانَ فِي نصف النَّهَار حضر النخاس، فَأعْلم بِحُضُورِهِ، فَخرج جَعْفَر بعمامة وطيلسان ونعل عَرَبِيَّة، وَأَمرَنِي فَلبِست مثل ذَلِك، وركبنا حِمَارَيْنِ قد أسرجا بسروج التُّجَّار، وَركب النخاس مَعنا، وطلبنا الطَّرِيق.
فَلم يزل النخاس يسير بَين أَيْدِينَا، حَتَّى أَتَيْنَا بَابا شاهقًا يدل على نعْمَة قديمَة، فقرع النخاس الْبَاب، وَإِذا بشاب حسن الْوَجْه، عَلَيْهِ أثر ضرّ باد، وقميص غليظ خشن، فَفتح لنا الْبَاب، وَقَالَ لنا: انزلوا يَا سادة، فَدَخَلْنَا.
فَأخْرج لنا الرجل قِطْعَة حَصِير خلق، ففرشها لنا، فَجَلَسْنَا عَلَيْهَا.
стр. 1401
فَقَالَ لَهُ النخاس: أخرج الْجَارِيَة، فقد حضر المُشْتَرِي.
فَدخل الْبَيْت، وَإِذا الْجَارِيَة قد خرجت فِي الْقَمِيص الغليظ الَّذِي كَانَ على الْفَتى بِعَيْنِه، وَهِي فِيهِ، مَعَ خشونته، كَأَنَّهَا فِي الْحلِيّ وَالْحلَل، لحسن وَجههَا، وَفِي يَدهَا عود.
فَأمرهَا جَعْفَر بِالْغنَاءِ، فَجَلَست، وَضربت ضربا حسنا، واندفعت تغني:
إِن يمس حبلك بعد طول تواصلٍ ... خلقا وَيُصْبِح بَيتكُمْ مَهْجُورًا
فَلَقَد أَرَانِي والجديد إِلَى بلَى ... دهرًا بوصلك رَاضِيا مَسْرُورا
جذلًا بِمَا لي عنْدكُمْ لَا أَبْتَغِي ... بَدَلا بوصلك خلة وعشيرا
كنت المنى وأعزّ من وطئ الْحَصَى ... عِنْدِي وَكنت بِذَاكَ مِنْك جَدِيرًا
ثمَّ غلبها الْبكاء حَتَّى منعهَا من الْغناء، وَسَمعنَا من الْبَيْت نحيب الْفَتى، وَقَامَت الْجَارِيَة تتعثر فِي أذيالها، حَتَّى دخلت الْبَيْت، وَارْتَفَعت لَهما ضجة بالبكاء والشهيق، حَتَّى ظننا أَنَّهُمَا قد مَاتَا، وهممنا بالانصراف.
فَإِذا بالفتى قد خرج وَعَلِيهِ ذَلِك الْقَمِيص بِعَيْنِه، فَقَالَ: أَيهَا الْقَوْم، أعذروني فِيمَا أَفعلهُ وأقوله.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قل.
فَقَالَ: أشهد الله تَعَالَى، وأشهدكم، أَن هَذِه الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وأسألكم أَن تزوجوني بهَا.
قَالَ: فتحير جَعْفَر أسفا على الْجَارِيَة، ثمَّ قَالَ لَهَا: أتحبين أَن أزَوجك.
من مَوْلَاك؟ قَالَت: نعم.
стр. 1402
فقرر الصَدَاق، وخطب، وَزوجهَا بِهِ، ثمَّ أقبل على الْفَتى، وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على هَذَا؟ فَقَالَ: حَدِيثي طَوِيل، إِن نشطت لَهُ حدثتك بِهِ.
فَقَالَ: لَا أقل من أَن نَسْمَعهُ، فَلَعَلَّنَا أَن نبسط عذرك.
فَقَالَ: أَنا فلَان ابْن فلَان، وَكَانَ أبي من وُجُوه أهل هَذَا الْبَلَد، ومياسيره، وَهَذَا عَارِف بذلك، وَأَوْمَأَ إِلَى النخاس.
وأسلمني أبي إِلَى الْكتاب، وَكَانَت لأمي صبية قريب سني من سنّهَا، وَهِي جاريتي هَذِه، وَكَانَت معي فِي الْمكتب، تتعلم مَا أتعلم، وتنصرف معي.
فبلغت، ثمَّ بطلت من الْكتاب، وتعلمت الْغناء، فَكنت لمحبتي لَهَا أتعلمه مَعهَا، وَتعلق قلبِي بهَا، وأحببتها حبًّا شَدِيدا.
وَبَلغت أَنا أَيْضا، فخطبني وُجُوه أهل الْبَصْرَة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت لَهُ الزّهْد فِي التَّزْوِيج، ونشأت متوفرًا على الْأَدَب، متقلبًا فِي نعم أبي، غير متعرض لما يتَعَرَّض لَهُ الْأَحْدَاث، لتَعلق قلبِي بالصبية، ورغبة أهل الْبَلَد تزداد فِي، وَعِنْدهم أَن عفتي لصلاح، وَمَا كَانَت إِلَّا لتَعلق قلبِي بالجارية، وَأَن شهوتي لَا تتعداها لأحد.
وَبلغ حذقها فِي الْغناء إِلَى مَا قد سمعتموه، فعزمت أُمِّي على بيعهَا، وَهِي لَا تعلم مَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأحسست بِالْمَوْتِ، واضطررت إِلَى أَن حدثت أُمِّي عَن الصُّورَة، فَحدثت أبي، فَاجْتمع رأيهما على أَن وهبا لي الْجَارِيَة، وجهزاها
стр. 1403
كَمَا يُجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت عَليّ، وَعمل لنا عرس حسن، ونعمت مَعهَا دهرًا طَويلا.
ثمَّ مَاتَ أبي، وَخلف لي مَالا كثيرا، فَلم أحسن أَن أرب نعْمَته، وأسأت التَّدْبِير فِيهَا، وأسرعت فِي الْأكل وَالشرب والقيان، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجذر فِي الْيَوْم الْوَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو أَكثر.
فَأوجب ذَلِك أَن تلفت النِّعْمَة، وأفضت الْحَال إِلَى نقض الدَّار وَبيع مَا فِيهَا، حَتَّى صرت إِلَى مَا ترى، وَأَنا على هَذَا مُنْذُ سِنِين.
فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْت، وَبَلغنِي دُخُول الْخَلِيفَة، ووزيره، وَأهل مَمْلَكَته، الْبَصْرَة، قلت لَهَا: يَا ستي، اعلمي أَن شبابك قد بلي، وَأَن عمرك فِي الشَّقَاء يَنْقَضِي، وَبِاللَّهِ، إِن نَفسِي تالفة من فراقك، وَلَكِنِّي أُؤْثِر تلفهَا مَعَ وصولك إِلَى نعْمَة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لَعَلَّ أَن يشتريك بعض هَؤُلَاءِ الأكابر، فتحصلي مَعَه فِي رغد عَيْش، فَإِن مت بعْدك فَذَاك الَّذِي أوثر، وَيكون كل وَاحِد منا قد تخلص من الشَّقَاء، وَإِن حكم الله تَعَالَى عَليّ بِالْبَقَاءِ، صبرت على قَضَائِهِ.
فَبَكَتْ من ذَلِك، وقلقت، ثمَّ قَالَت: افْعَل مَا تحب.
فَخرجت إِلَى هَذَا النخاس، فأطلعته على أَمْرِي، وَقد كَانَ يسمع غناءها أَيَّام نعمتي، وَعرف حَالهَا وحالي، وأعلمته أَنِّي لَا أعرضها إِلَّا عِنْدِي، فَإِنَّهَا، وَالله، مَا طرقت رجلهَا خَارج بَاب الدَّار قطّ، وقصدت بذلك أَن يَرَاهَا المُشْتَرِي، وَلَا تدخل بيُوت النَّاس، وَلَا إِلَى السُّوق، وَإِنَّهَا لم يكن لَهَا مَا تلبسه إِلَّا قَمِيصِي هَذَا، وَهُوَ مُشْتَرك بَيْننَا، ألبسهُ أَنا إِذا خرجت لأبتاع الْقُوت، وتتشح هِيَ بإزارها، وَإِذا جِئْت إِلَى الْبَيْت، ألبستها إِيَّاه، وأتشح أَنا بالإزار.
стр. 1404
فَلَمَّا حصل من يعترضها، وَخرجت فغنتكم، لَحِقَنِي من القلق والبكاء لفراقها أَمر عَظِيم، فَدخلت إِلَيّ، وَقَالَت: يَا هَذَا، مَا أعجب أَمرك، أَنْت مللتني، وَأَرَدْت بيعي وفراقي، وتبكي هَذَا الْبكاء؟ فَقلت لَهَا: يَا هَذِه، إِن فِرَاق نَفسِي أسهل عَليّ من فراقك، وَإِنَّمَا أردْت أَن تتخلصي من هَذَا الشَّقَاء.
فَقَالَت: وَالله، لَو ملكتُ مِنْك مَا ملكتَ مني، مَا بِعْتُك أبدا، وأموت جوعا وعريًا، فَيكون الْمَوْت هُوَ الَّذِي يفرق بَيْننَا.
فَقلت: أَتُرِيدِينَ أَن تعلمي صدق قولي؟ قَالَت: نعم.
قلت: هَل لَك أَن أخرج السَّاعَة إِلَى المُشْتَرِي فأعتقك بَين يَدَيْهِ وأتزوجك، ثمَّ أَصْبِر مَعَك على مَا نَحن فِيهِ إِلَى أَن يَأْذَن الله تَعَالَى بفرج أَو موت؟ فَقَالَت: إِن كَانَ قَوْلك صَادِقا، فافعل مَا بدا لَك من هَذَا، فَمَا أُرِيد غَيره.
فَخرجت إِلَيْكُم فَكَانَ مني مَا قد علمْتُم، فاعذروني.
فَقَالَ جَعْفَر الْوَزير: أَنْت مَعْذُور، ونهض، ونهضت مَعَه، والنخاس مَعنا.
فَلَمَّا قدم حِمَاره ليركب، دَنَوْت مِنْهُ، وَقلت: يَا سُبْحَانَ الله، مثلك فِي جودك، يرى مثل هَذِه المكرمة، فَلَا ينتهز الفرصة فِيهَا؟ وَالله، لقد تقطع قلبِي عَلَيْهِمَا.
فَقَالَ: وَيحك، وقلبي، وَالله، كَذَلِك، وَلَكِن غيظي من فَوت الْجَارِيَة إيَّايَ يَمْنعنِي من التكرم عَلَيْهِ.
فَقلت: وَأَيْنَ الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب؟ فَقَالَ: صدقت وَالله.
стр. 1405
ثمَّ الْتفت إِلَى النخاس، فَقَالَ: كم كَانَ الْخَادِم سلم إِلَيْك عِنْد ركوبنا، لتشتري بِهِ الْجَارِيَة؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فَقَالَ: مَعَ غلامي.
فَقَالَ لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إِلَى الْفَتى، وقولا لَهُ: يكتسي ويركب ويجيئني، لأحسن إِلَيْهِ وأستخدمه.
فرجعنا إِلَى الْفَتى، فَإِذا هُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: قد عجل الله فرجك، اعْلَم أَن الَّذِي خرج من عنْدك هُوَ الْوَزير جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، وَقد أَمر لَك بِهَذَا، وَهُوَ يَقُول لَك كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَصعِقَ، حَتَّى قلت قد تلف، ثمَّ أَفَاق، فَأقبل يَدْعُو لجَعْفَر، ويشكرني.
وَكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فَحَمدَ الله على مَا وهبه لَهُ، وَعَاد إِلَى دَاره وَأَنا مَعَه.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء، جِئْنَا إِلَى الرشيد، فَأقبل يسْأَل جَعْفَر خَبره فِي يَوْمه، وَهُوَ يُخبرهُ، إِلَى أَن قصّ عَلَيْهِ حَدِيث الْفَتى وَالْجَارِيَة.
فَقَالَ لَهُ الرشيد: فَمَا عملت مَعَه؟ فَأخْبرهُ.
فاستصوب رَأْيه، وَقَالَ: وقّع لَهُ برزق سلطاني فِي رسم أَرْبَاب النعم، فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا، واعمل بِهِ بعد ذَلِك مَا شِئْت.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَنَا الْفَتى رَاكِبًا بِثِيَاب حَسَنَة، وهيأة جميلَة، فَإِذا
следующие страницы →