Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
فَقَالَ لَهُ النخاس: أخرج الْجَارِيَة، فقد حضر المُشْتَرِي.
فَدخل الْبَيْت، وَإِذا الْجَارِيَة قد خرجت فِي الْقَمِيص الغليظ الَّذِي كَانَ على الْفَتى بِعَيْنِه، وَهِي فِيهِ، مَعَ خشونته، كَأَنَّهَا فِي الْحلِيّ وَالْحلَل، لحسن وَجههَا، وَفِي يَدهَا عود.
فَأمرهَا جَعْفَر بِالْغنَاءِ، فَجَلَست، وَضربت ضربا حسنا، واندفعت تغني:
إِن يمس حبلك بعد طول تواصلٍ ... خلقا وَيُصْبِح بَيتكُمْ مَهْجُورًا
فَلَقَد أَرَانِي والجديد إِلَى بلَى ... دهرًا بوصلك رَاضِيا مَسْرُورا
جذلًا بِمَا لي عنْدكُمْ لَا أَبْتَغِي ... بَدَلا بوصلك خلة وعشيرا
كنت المنى وأعزّ من وطئ الْحَصَى ... عِنْدِي وَكنت بِذَاكَ مِنْك جَدِيرًا
ثمَّ غلبها الْبكاء حَتَّى منعهَا من الْغناء، وَسَمعنَا من الْبَيْت نحيب الْفَتى، وَقَامَت الْجَارِيَة تتعثر فِي أذيالها، حَتَّى دخلت الْبَيْت، وَارْتَفَعت لَهما ضجة بالبكاء والشهيق، حَتَّى ظننا أَنَّهُمَا قد مَاتَا، وهممنا بالانصراف.
فَإِذا بالفتى قد خرج وَعَلِيهِ ذَلِك الْقَمِيص بِعَيْنِه، فَقَالَ: أَيهَا الْقَوْم، أعذروني فِيمَا أَفعلهُ وأقوله.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قل.
فَقَالَ: أشهد الله تَعَالَى، وأشهدكم، أَن هَذِه الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وأسألكم أَن تزوجوني بهَا.
قَالَ: فتحير جَعْفَر أسفا على الْجَارِيَة، ثمَّ قَالَ لَهَا: أتحبين أَن أزَوجك.
من مَوْلَاك؟ قَالَت: نعم.
стр. 1402
فقرر الصَدَاق، وخطب، وَزوجهَا بِهِ، ثمَّ أقبل على الْفَتى، وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على هَذَا؟ فَقَالَ: حَدِيثي طَوِيل، إِن نشطت لَهُ حدثتك بِهِ.
فَقَالَ: لَا أقل من أَن نَسْمَعهُ، فَلَعَلَّنَا أَن نبسط عذرك.
فَقَالَ: أَنا فلَان ابْن فلَان، وَكَانَ أبي من وُجُوه أهل هَذَا الْبَلَد، ومياسيره، وَهَذَا عَارِف بذلك، وَأَوْمَأَ إِلَى النخاس.
وأسلمني أبي إِلَى الْكتاب، وَكَانَت لأمي صبية قريب سني من سنّهَا، وَهِي جاريتي هَذِه، وَكَانَت معي فِي الْمكتب، تتعلم مَا أتعلم، وتنصرف معي.
فبلغت، ثمَّ بطلت من الْكتاب، وتعلمت الْغناء، فَكنت لمحبتي لَهَا أتعلمه مَعهَا، وَتعلق قلبِي بهَا، وأحببتها حبًّا شَدِيدا.
وَبَلغت أَنا أَيْضا، فخطبني وُجُوه أهل الْبَصْرَة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت لَهُ الزّهْد فِي التَّزْوِيج، ونشأت متوفرًا على الْأَدَب، متقلبًا فِي نعم أبي، غير متعرض لما يتَعَرَّض لَهُ الْأَحْدَاث، لتَعلق قلبِي بالصبية، ورغبة أهل الْبَلَد تزداد فِي، وَعِنْدهم أَن عفتي لصلاح، وَمَا كَانَت إِلَّا لتَعلق قلبِي بالجارية، وَأَن شهوتي لَا تتعداها لأحد.
وَبلغ حذقها فِي الْغناء إِلَى مَا قد سمعتموه، فعزمت أُمِّي على بيعهَا، وَهِي لَا تعلم مَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأحسست بِالْمَوْتِ، واضطررت إِلَى أَن حدثت أُمِّي عَن الصُّورَة، فَحدثت أبي، فَاجْتمع رأيهما على أَن وهبا لي الْجَارِيَة، وجهزاها
стр. 1403
كَمَا يُجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت عَليّ، وَعمل لنا عرس حسن، ونعمت مَعهَا دهرًا طَويلا.
ثمَّ مَاتَ أبي، وَخلف لي مَالا كثيرا، فَلم أحسن أَن أرب نعْمَته، وأسأت التَّدْبِير فِيهَا، وأسرعت فِي الْأكل وَالشرب والقيان، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجذر فِي الْيَوْم الْوَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو أَكثر.
فَأوجب ذَلِك أَن تلفت النِّعْمَة، وأفضت الْحَال إِلَى نقض الدَّار وَبيع مَا فِيهَا، حَتَّى صرت إِلَى مَا ترى، وَأَنا على هَذَا مُنْذُ سِنِين.
فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْت، وَبَلغنِي دُخُول الْخَلِيفَة، ووزيره، وَأهل مَمْلَكَته، الْبَصْرَة، قلت لَهَا: يَا ستي، اعلمي أَن شبابك قد بلي، وَأَن عمرك فِي الشَّقَاء يَنْقَضِي، وَبِاللَّهِ، إِن نَفسِي تالفة من فراقك، وَلَكِنِّي أُؤْثِر تلفهَا مَعَ وصولك إِلَى نعْمَة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لَعَلَّ أَن يشتريك بعض هَؤُلَاءِ الأكابر، فتحصلي مَعَه فِي رغد عَيْش، فَإِن مت بعْدك فَذَاك الَّذِي أوثر، وَيكون كل وَاحِد منا قد تخلص من الشَّقَاء، وَإِن حكم الله تَعَالَى عَليّ بِالْبَقَاءِ، صبرت على قَضَائِهِ.
فَبَكَتْ من ذَلِك، وقلقت، ثمَّ قَالَت: افْعَل مَا تحب.
فَخرجت إِلَى هَذَا النخاس، فأطلعته على أَمْرِي، وَقد كَانَ يسمع غناءها أَيَّام نعمتي، وَعرف حَالهَا وحالي، وأعلمته أَنِّي لَا أعرضها إِلَّا عِنْدِي، فَإِنَّهَا، وَالله، مَا طرقت رجلهَا خَارج بَاب الدَّار قطّ، وقصدت بذلك أَن يَرَاهَا المُشْتَرِي، وَلَا تدخل بيُوت النَّاس، وَلَا إِلَى السُّوق، وَإِنَّهَا لم يكن لَهَا مَا تلبسه إِلَّا قَمِيصِي هَذَا، وَهُوَ مُشْتَرك بَيْننَا، ألبسهُ أَنا إِذا خرجت لأبتاع الْقُوت، وتتشح هِيَ بإزارها، وَإِذا جِئْت إِلَى الْبَيْت، ألبستها إِيَّاه، وأتشح أَنا بالإزار.
стр. 1404
فَلَمَّا حصل من يعترضها، وَخرجت فغنتكم، لَحِقَنِي من القلق والبكاء لفراقها أَمر عَظِيم، فَدخلت إِلَيّ، وَقَالَت: يَا هَذَا، مَا أعجب أَمرك، أَنْت مللتني، وَأَرَدْت بيعي وفراقي، وتبكي هَذَا الْبكاء؟ فَقلت لَهَا: يَا هَذِه، إِن فِرَاق نَفسِي أسهل عَليّ من فراقك، وَإِنَّمَا أردْت أَن تتخلصي من هَذَا الشَّقَاء.
فَقَالَت: وَالله، لَو ملكتُ مِنْك مَا ملكتَ مني، مَا بِعْتُك أبدا، وأموت جوعا وعريًا، فَيكون الْمَوْت هُوَ الَّذِي يفرق بَيْننَا.
فَقلت: أَتُرِيدِينَ أَن تعلمي صدق قولي؟ قَالَت: نعم.
قلت: هَل لَك أَن أخرج السَّاعَة إِلَى المُشْتَرِي فأعتقك بَين يَدَيْهِ وأتزوجك، ثمَّ أَصْبِر مَعَك على مَا نَحن فِيهِ إِلَى أَن يَأْذَن الله تَعَالَى بفرج أَو موت؟ فَقَالَت: إِن كَانَ قَوْلك صَادِقا، فافعل مَا بدا لَك من هَذَا، فَمَا أُرِيد غَيره.
فَخرجت إِلَيْكُم فَكَانَ مني مَا قد علمْتُم، فاعذروني.
فَقَالَ جَعْفَر الْوَزير: أَنْت مَعْذُور، ونهض، ونهضت مَعَه، والنخاس مَعنا.
فَلَمَّا قدم حِمَاره ليركب، دَنَوْت مِنْهُ، وَقلت: يَا سُبْحَانَ الله، مثلك فِي جودك، يرى مثل هَذِه المكرمة، فَلَا ينتهز الفرصة فِيهَا؟ وَالله، لقد تقطع قلبِي عَلَيْهِمَا.
فَقَالَ: وَيحك، وقلبي، وَالله، كَذَلِك، وَلَكِن غيظي من فَوت الْجَارِيَة إيَّايَ يَمْنعنِي من التكرم عَلَيْهِ.
فَقلت: وَأَيْنَ الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب؟ فَقَالَ: صدقت وَالله.
стр. 1405
ثمَّ الْتفت إِلَى النخاس، فَقَالَ: كم كَانَ الْخَادِم سلم إِلَيْك عِنْد ركوبنا، لتشتري بِهِ الْجَارِيَة؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فَقَالَ: مَعَ غلامي.
فَقَالَ لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إِلَى الْفَتى، وقولا لَهُ: يكتسي ويركب ويجيئني، لأحسن إِلَيْهِ وأستخدمه.
فرجعنا إِلَى الْفَتى، فَإِذا هُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: قد عجل الله فرجك، اعْلَم أَن الَّذِي خرج من عنْدك هُوَ الْوَزير جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، وَقد أَمر لَك بِهَذَا، وَهُوَ يَقُول لَك كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَصعِقَ، حَتَّى قلت قد تلف، ثمَّ أَفَاق، فَأقبل يَدْعُو لجَعْفَر، ويشكرني.
وَكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فَحَمدَ الله على مَا وهبه لَهُ، وَعَاد إِلَى دَاره وَأَنا مَعَه.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء، جِئْنَا إِلَى الرشيد، فَأقبل يسْأَل جَعْفَر خَبره فِي يَوْمه، وَهُوَ يُخبرهُ، إِلَى أَن قصّ عَلَيْهِ حَدِيث الْفَتى وَالْجَارِيَة.
فَقَالَ لَهُ الرشيد: فَمَا عملت مَعَه؟ فَأخْبرهُ.
فاستصوب رَأْيه، وَقَالَ: وقّع لَهُ برزق سلطاني فِي رسم أَرْبَاب النعم، فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا، واعمل بِهِ بعد ذَلِك مَا شِئْت.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَنَا الْفَتى رَاكِبًا بِثِيَاب حَسَنَة، وهيأة جميلَة، فَإِذا
стр. 1406
بِهِ من أحلى النَّاس كلَاما، وأتمهم أدبًا.
فَحَملته إِلَى جَعْفَر، وأوصلته إِلَى مَجْلِسه، فَأمر بتسهيل وُصُوله إِلَيْهِ، وخلطه بحاشيته، وَوَقع لَهُ عَن الْخَلِيفَة بِمَا رسم لَهُ، وَعَن نَفسه بِشَيْء آخر.
وشاع حَدِيثه فِي الْبَصْرَة، وَفِي أهل الْعَسْكَر، فَلم يبْق فيهم متغزل، وَلَا متظرف، إِلَّا أهْدى لَهُ شَيْئا جَلِيلًا، فَمَا خرجنَا من الْبَصْرَة إِلَّا وَهُوَ رب نعْمَة صَالِحَة.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذَا، مَا ذكره أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن جُمْهُور الْعمي الْبَصْرِيّ الْكَاتِب، فِي كتاب (السمار والندامى) : أَن الرشيد لما حج وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي،. . . فَأخْبرنَا بالْخبر على قريب مَا روينَاهُ وَذَكَرْنَاهُ، وَأَن الْجَارِيَة بدأت وغنت بِصَوْت من صناعَة إِبْرَاهِيم، وَهُوَ:
نمّت عليّ الزفرة الصاعدة ... وملّني الْعَائِد والعائدة
يَا ربّ كم فرّجت من كربَة ... عنّي فهذي المرّة الْوَاحِدَة
وَأَن الَّذِي حضر لتقليب الْجَارِيَة، الرشيد وجعفر بن يحيى متنكرين، ومعهما إِبْرَاهِيم الْموصِلِي والنخاس، وَأَنَّهُمْ انصرفوا، وَقَطعُوا الثّمن بِمِائَة ألف دِرْهَم،
стр. 1407
ثمَّ عَادوا وَالْمَال مَعَهم، فَأمروا بِإِعَادَة التقليب، فَخرجت الْجَارِيَة، فغنت بِصَوْت، الْغناء فِيهِ لإِبْرَاهِيم، وَهُوَ:
وَمن عَادَة الدُّنْيَا بأنّ صروفها ... إِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمة ... وَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ للثأر طَالب
ثمَّ ذكر بَقِيَّة الحَدِيث على قريب من هَذَا، وَفِي الْخَبَر الأول زيادات، لَيست فِي خبر ابْن جُمْهُور.
стр. 1408
من مَكَارِم يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي
وَبَلغنِي خبر لجَعْفَر بن يحيى، مَعَ جَارِيَة، يُقَارب هَذَا الْخَبَر، أَخْبرنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي ﵁، على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن الصَّلْت الْحمانِي، قَالَ: حَدثنَا مُفْلِح وسنبر النخاسان، قَالَا: أرسل إِلَيْنَا جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي، يطْلب جَارِيَة قوالة، ذَات أدب وظرف، على صفة ذكرهَا وَحدهَا، فَمَا زلنا نحرص على طلبَهَا، ونتواصف من يعرف عَنْهَا مثل ذَلِك.
وَإِلَى جانبنا شيخ من أهل الْكُوفَة يسمع كلامنا، فَأقبل علينا، وَقَالَ: عِنْدِي بغية الْوَزير، فانهضوا إِن شِئْتُم لتنظروا إِلَيْهَا.
قَالَ: فنهضنا مَعَه، حَتَّى إِذا وصلنا إِلَى دَاره، وجدناها ظَاهِرَة الاختلال، وَوجدنَا فِيهَا مسحًا خلقا، وَثَلَاث قصبات عَلَيْهَا مسرجة، فارتبنا بقوله لنا،
стр. 1409
لما ظهر من سوء حَاله.
ثمَّ أخرج إِلَيْنَا جَارِيَة كَأَنَّهَا، وَالله، فلقَة قمر، تتثنى كالقضيب، فاستقرأناها، فَقَرَأت آيَات من الْقُرْآن، حركت منا مَا كَانَ سَاكِنا، وأتبعتها بقصيدة مليحة، شوقتنا، وأطربتنا.
فَقُلْنَا لَهَا: أصانعة؟ وأشرنا إِلَى يَدهَا.
فَقَالَت: نعم، تعلمت الْعَمَل بِالْعودِ وَأَنا صَغِيرَة.
فَقُلْنَا: فغنينا بِهِ.
فَقَالَت: سُبْحَانَ الله، هَل يصلح أَن أستجيب لذَلِك إِلَّا لمولى مَالك إِن دَعَاني إِلَيْهِ أَجَبْته.
قَالَ: وَرَاح الرَّسُول إِلَى جَعْفَر، فَأخْبرهُ بِمَا شَاهده.
فَلم يَتَمَالَك جَعْفَر، لما سمع بِصفة الْجَارِيَة، حَتَّى استنهض الرَّسُول إِلَى مجْلِس الشَّيْخ، وَهُوَ يتبعهُ، حَتَّى عاينه، وَسَأَلَهُ إخْرَاجهَا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا رَآهَا جَعْفَر أعجب بهَا قبل أَن يستنطقها، ثمَّ إِنَّه استنطقها، فَأخذت بِمَجَامِع قلبه.
فَقَالَ لمولاها: قل مَا شِئْت؟ فَقَالَ الشَّيْخ: لست أحدث أمرا حَتَّى أستأذنها، وَلَوْلَا الضّر الَّذِي نَحن فِيهِ لما عرضتها، لَكِن حَالي كَمَا يُشَاهِدهُ الْوَزير من فقر، وضر، وَدين كثير قد فدحني، وَمن أَجله فَارَقت وطني، وَعرضت على البيع ثَمَرَة فُؤَادِي.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: مَا مقدارها فِي نَفسك إِن أردْت بيعهَا؟
стр. 1410
فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف دِينَار.
فَقَالَ جَعْفَر: فَهَل لَك أَن تأمرها بِأَن تغنينا؟ فَأقبل الشَّيْخ عَلَيْهَا فاستدناها، وأمرها أَن تغني، فَأخذت الْعود، وأصلحته، ثمَّ استعبرت، وغنت بِصَوْت، الْغناء من صَنْعَة إِبْرَاهِيم:
وَمن عَادَة الأيّام أنّ صروفها ... إِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمةً ... وَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ بالثأر طَالب
قَالَ: ثمَّ أَنَّهَا أَلْقَت الْعود من يَدهَا، وصرخت، وصرخ الشَّيْخ، وَجعلا ينتحبان.
ثمَّ إِن الشَّيْخ أقبل على جَعْفَر وَمن مَعَه، وَقَالَ: أشهدكم أَنِّي قد أعتقتها، وَجعلت عتقهَا صَدَاقهَا، وَالله، لَا ملكهَا أحد أبدا.
فَغَضب جَعْفَر، وَأَقْبل من حضر على الشَّيْخ يؤنبونه ويستجهلونه، وَيَقُولُونَ لَهُ: ضيعت هَذَا المَال الْجَلِيل، وعجلت، وجهلت.
فَقَالَ الشَّيْخ: النَّفس أولى أَن يبْقى عَلَيْهَا من المَال، والرازق الله ، وَعَاد جَعْفَر إِلَى أَبِيه فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ من الرجل وَالْجَارِيَة.
فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: فَمَا صنعت بهما؟ قَالَ: تركتهما وانصرفت.
فَقَالَ لَهُ: وَيحك، مَا أنصفت يَا وَلَدي، أَو مَا أنفت على نَفسك أَن تفرق بَين متحابين مثلهمَا، مقترين، فقيرين، أَو تَنْصَرِف عَنْهُمَا، وَلَا تجبر حَالهمَا؟ أرضيت أَن يكون الْكُوفِي أسمح مِنْك.
ودعا بِغُلَام، فَحمل مَعَه إِلَى الشَّيْخ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار على بغال.
стр. 1411
فَلَمَّا وصل المَال إِلَى الشَّيْخ قبله وَأَخذه، وَحمد الله ، ودعا لجَعْفَر ولوالده، وَعَاد بِالْمَالِ وَالْجَارِيَة إِلَى منزله بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ فَرح مسرور، وَقد فرج الله عَنهُ.
стр. 1412
أَيْن نوال ابْن جَعْفَر من نوال ابْن معمر
وَوجدت فِي بعض كتبي: أَن عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو غَسَّان، قَالَ: أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: اشْترى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵄ جَارِيَة من مولدات أهل مَكَّة، كَانَ يتعشقها غُلَام من أَهلهَا، وَقدم فِي أمرهَا إِلَى الْمَدِينَة، فَنزل قَرِيبا من منزل عبد الله بن جَعْفَر، ثمَّ جعل يلطف عبد الله بطرائف مَكَّة، حَتَّى عرفت الْجَارِيَة أَنه ورد.
وَجعلت الْجَارِيَة تراسله، فأدخلته لَيْلَة فِي إصطبل دَوَاب عبد الله بن جَعْفَر، فعثر عَلَيْهِ السائس، فَأعْلم عبد الله بن جَعْفَر، وَأَتَاهُ بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: مَالك، قبحك الله، أبعد تحرمك بِنَا تصنع مثل هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّك ابتعت الْجَارِيَة، وَكنت لَهَا محبًا، وَكَانَت تَجِد بِي مثل ذَلِك.
قَالَ: فَدَعَا بالجارية، وسألها، فَجَاءَت بِمثل قصَّة الْفَتى.
فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا، فَهِيَ لَك.
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بقريب، عشق عبد السَّلَام بن أبي سُلَيْمَان، مولى مُسلم، جَارِيَة لآل طَلْحَة، يُقَال لَهَا: رواح، وَرَجا أَن يَفْعَلُوا بِهِ مِثْلَمَا فعل ابْن جَعْفَر بالفتى الْمَكِّيّ، فَلم يفعل الطلحيون ذَلِك، فَسَأَلَ فِي ثمنهَا، حَتَّى اجْتمع لَهُ، فاشتراها مِنْهُم.
فَقَالَ عبد السَّلَام فِي ذَلِك:
стр. 1413
وَأَيْنَ فَلَا تعدل نوال ابْن جَعْفَر ... وَأَيْنَ لعمري من نوال ابْن معمر
يطير لَدَى الجنّات هَذَا لفضله ... ويرفضّ هَذَا فِي الْجَحِيم المسعّر
стр. 1414
ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى رجل من المتفقهة
وَقد كَانَ فِيمَا يُقَارب عصرنا مثل هَذَا، وَهُوَ مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد الْجِرْجَانِيّ الْفَقِيه، قَالَ: كُنَّا ندرس على أبي إِسْحَاق الْمروزِي الشَّافِعِي، وَكَانَ يدرس عَلَيْهِ مَعنا فَتى من أهل خُرَاسَان، لَهُ وَالِد هُنَاكَ، وَكَانَ يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل سنة، مَعَ الْحَاج، قدر نَفَقَة السّنة.
فَاشْترى جَارِيَة، فَوَقَعت فِي نَفسه، وألفها، وألفته، وَكَانَت مَعَه سِنِين.
وَكَانَ رسمه أَن يستدين فِي كل سنة، دينا، بِقدر مَا يعجز من نَفَقَته، فَإِذا جَاءَ مَا أنفذه أَبوهُ إِلَيْهِ، قضى دينه، وَأنْفق الْبَاقِي مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى الِاسْتِدَانَة.
فَلَمَّا كَانَ سنة من السنين، جَاءَ الْحَاج، وَلَيْسَ مَعَهم نَفَقَة من أَبِيه.
فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب ذَلِك، فَقَالُوا لَهُ: إِن أَبَاك أعتل عِلّة عَظِيمَة صعبة، واشتغل بِنَفسِهِ، فَلم يتَمَكَّن من إِنْفَاذ شَيْء إِلَيْك.
стр. 1415
قَالَ: فقلق الْفَتى قلقًا شَدِيدا، وَجعل غرماؤه يطالبونه كالعادة، فِي قَضَاء الدَّين وَقت الْمَوْسِم، فاضطر، وَأخرج الْجَارِيَة إِلَى النخاسين، فعرضها.
وَكَانَ الْفَتى ينزل بِالْقربِ من منزلي، وَكُنَّا نصطحب إِلَى منزل الْفَقِيه، وَلَا نكاد نتفارق.
فَبَاعَ الْجَارِيَة بِأَلف دِرْهَم وَكسر، وعزم على أَن يفرق مِنْهَا على غُرَمَائه قدر مَالهم، ويتمون بِالْبَاقِي.
وَكَانَ قلقًا، موجعًا، متحيرًا، عِنْد رجوعنا من النخاسين.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل إِذا ببابي يدق، فَقُمْت ففتحته، فَإِذا بالفتى.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: قد امْتنع عَليّ النّوم، وَقد غلبتني وَحْشَة الْجَارِيَة، والشوق إِلَيْهَا.
وَوَجَدته من القلق على أَمر عَظِيم، حَتَّى أنْكرت عقله، فَقلت: مَا تشَاء؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَقد سهل عَليّ أَن ترجع الْجَارِيَة إِلَى ملكي، وأبكر غَدا فَأقر لغرمائي بمالهم، وأحبس فِي حبس القَاضِي، إِلَى أَن يفرج الله تَعَالَى عني، ويجيئني من خُرَاسَان مَا أَقْْضِي بِهِ ديني فِي الْعَام الْمقبل، وَتَكون الْجَارِيَة فِي ملكي.
فَقلت لَهُ: أَنا أكفيك ذَلِك فِي غَد إِن شَاءَ الله، وأعمل فِي رُجُوع الْجَارِيَة إِلَيْك، إِذا كنت قد وطنت نَفسك على هَذَا.
قَالَ: فبكرنا إِلَى السُّوق، فسألنا عَمَّن اشْترى الْجَارِيَة.
فَقَالُوا: امْرَأَة من دَار أبي بكر بن أبي حَامِد، صَاحب بَيت المَال.
стр. 1416
فَجِئْنَا إِلَى مجْلِس الْفَقِيه، فشرحت لأبي إِسْحَاق الْمروزِي بعض حَدِيث الْفَتى، وَسَأَلته أَن يكْتب رقْعَة إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، يسْأَله فِيهَا فسخ البيع، وَالْإِقَالَة، وَأخذ الثّمن، ورد الْجَارِيَة، فَكتب رقْعَة مُؤَكدَة فِي ذَلِك.
فَقُمْت، وَأخذت بيد الْخُرَاسَانِي صديقي، وَجِئْنَا إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَإِذا هُوَ فِي مجْلِس حافل، فأمهلنا حَتَّى خف، ثمَّ دَنَوْت أَنا والفتى، فعرفني، وسألني عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي، فَقلت: هَذِه رقعته خَاصَّة فِي حَاجَة لَهُ.
فَلَمَّا قَرَأَهَا، قَالَ لي: أَنْت صَاحب الْجَارِيَة؟ قلت: لَا، وَلكنه صديقي هَذَا، وأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَسبب بيع الْجَارِيَة.
فَقَالَ: وَالله، مَا أعلم أَنِّي ابتعت جَارِيَة فِي هَذِه الْأَيَّام، وَلَا ابتيعت لي.
فَقلت: إِن امْرَأَة جَاءَت وابتاعتها، وَذكرت أَنَّهَا من دَارك.
قَالَ: يجوز.
ثمَّ قَالَ: يَا فلَان، فَجَاءَهُ خَادِم، فَقَالَ لَهُ: امْضِ إِلَى دور الْحرم، فاسأل عَن جَارِيَة اشْتريت أمس، فَلم يزل يدْخل وَيخرج من دَار إِلَى دَار، حَتَّى وَقع عَلَيْهَا، فَرجع إِلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: أعثرت عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: أحضرها، فأحضرها.
فَقَالَ لَهَا: من مَوْلَاك؟ فأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي.
فَقَالَ لَهَا: أفتحبين أَن أردك عَلَيْهِ؟ فَقَالَت: وَالله، لَيْسَ مثلك يَا مولَايَ من يخْتَار عَلَيْهِ، وَلَكِن لمولاي عَليّ حق التربية.
فَقَالَ: هِيَ كيسة عَاقِلَة، خُذْهَا.
стр. 1417
قَالَ: فَأخْرج الْخُرَاسَانِي الْكيس من كمه، وَتَركه بِحَضْرَتِهِ.
فَقَالَ للخادم: امْضِ إِلَى الْحرم، وَقل لَهُنَّ: مَا كنتن وعدتن بِهِ هَذِه الْجَارِيَة من إِحْسَان، فعجلنه السَّاعَة.
قَالَ: فجَاء الْخَادِم بأَشْيَاء لَهَا قدر وَقِيمَة، فَدَفعهَا إِلَيْهَا.
ثمَّ قَالَ للخراساني: خُذ كيسك فَاقْض مِنْهُ دينك، ووسع بباقيه على نَفسك وعَلى جاريتك، والزم الْعلم، فقد أجريت عَلَيْك فِي كل شهر قفيز دَقِيق، ودينارين، تستعين بهَا على أَمرك.
قَالَ: فوَاللَّه مَا انْقَطَعت عَن الْفَتى، حَتَّى مَاتَ أَبُو بكر بن أبي حَامِد.
стр. 1418
ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى صيرفي
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وجدت هَذَا الْخَبَر مستفيضًا بِبَغْدَاد، وأخبرت بِهِ على جِهَات مُخْتَلفَة، وَهَذَا أبينها، وأصحها إِسْنَادًا، إِلَّا أنني أذكر بعض الطّرق الْأُخْرَى الَّتِي بلغتني: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي شيخ من دَار الْقطن بِبَغْدَاد، قَالَ: كَانَ لأبي بكر بن أبي حَامِد مكرمَة طريفة، وَهِي أَن رجلا يعرف بِعَبْد الْوَاحِد بن فلَان الصَّيْرَفِي، بَاعَ جَارِيَته، وَكَانَ يهواها، على أبي بكر بن أبي حَامِد، يَعْنِي صَاحب بَيت المَال، بِثَلَاث مائَة دِينَار.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل، استوحش لَهَا وَحْشَة شَدِيدَة، ولحقه من الهيمان، والقلق، وَالْجُنُون، والأسف على فراقها، مَا مَنعه من النّوم، ولحقه من الْبكاء والسهر، مَا كَادَت تخرج نَفسه مَعَه.
فَلَمَّا أصبح خرج إِلَى دكانه يتشاغل بِالنّظرِ فِي أمره، فَلم يكن لَهُ إِلَى ذَلِك سَبِيل.
وَزَاد عَلَيْهِ القلق والشوق، فَأخذ ثمن الْجَارِيَة، وَجَاء إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَدخل عَلَيْهِ، ومجلسه حافل، فَسلم، وَجلسَ فِي أخريات النَّاس، إِلَى أَن تقوضوا.
стр. 1419
فَلَمَّا لم يبْق غَيره، أنكر ابْن أبي حَامِد حَاله، فَقَالَ لَهُ: إِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها.
فَسكت، وَجَرت دُمُوعه، وشهق.
فرفق بِهِ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: قل، عافاك الله، وَلَا تستح.
فَقَالَ لَهُ: بِعْت أمس، جَارِيَة كَانَت لي، وَكنت أحبها، واشتريت لَك، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَقد أحسست بِالْمَوْتِ أسفا على فراقها.
وَأخرج الثّمن فَوَضعه بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَنا أَسأَلك أَن ترد عَليّ حَياتِي، بِأخذ هَذِه الدَّنَانِير، وإقالتي من البيع.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: لما كَانَت بِهَذَا الْمحل من قَلْبك لم بعتها؟ فَقَالَ: أَنا رجل صيرفي، وَكَانَ رَأس مَالِي ألف دِينَار، فَلَمَّا اشْتَرَيْتهَا، تشاغلت بهَا عَن لُزُوم الدّكان، فَبَطل كسبي، وَكنت أنْفق عَلَيْهَا من رَأس المَال نَفَقَة لَا يحتملها حَالي، فَلَمَّا مَضَت مُدَّة، خشيت الْفقر، وَنظرت، فَإِذا أَنا لم يبْق معي من رَأس المَال إِلَّا الثُّلُث أَو أقل، وَصَارَت تطالبني من النَّفَقَة، بِمَا لَو أطعتها فِيهِ، ذهبت هَذِه الْبَقِيَّة، وحصلت على الْفقر.
فَلَمَّا منعتها، ساءت أخلاقها ونغصت عيشي، فَقلت أبيعها، وأدير ثمنهَا فِيمَا أختل من حَالي، وتستقيم عيشتي، وأستريح من أذاها، وأتصبر على فراقها، وَلم أعلم أَنه يلحقني هَذَا الْأَمر الْعَظِيم، وَقد آثرت الْآن الْفقر، وَأَن تحصل الْجَارِيَة عِنْدِي، أَو أَن أَمُوت، فَهُوَ أسهل عَليّ مِمَّا أَنا فِيهِ.
فَقَالَ ابْن أبي حَامِد: يَا فلَان، فجَاء خَادِم أسود.
فَقَالَ لَهُ: أخرج الْجَارِيَة الَّتِي اشْتريت لنا بالْأَمْس.
قَالَ: فأخرجت جاريتي.
стр. 1420
فَقَالَ: يَا بني، إِن مثلي لَا يطَأ قبل الِاسْتِبْرَاء، وَوَاللَّه، مَا وَقعت عَيْني على الْجَارِيَة، مُنْذُ اشْتريت، إِلَّا السَّاعَة، وَقد وهبتها لَك فَخذهَا، وَخذ دنانيرك، بَارك الله لَك فيهمَا.
ثمَّ قَالَ للخادم: هَات ألف دِرْهَم، فجَاء بهَا.
فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: قد كنت عولت على أَن أكسوك، فجَاء من أَمر مَوْلَاك مَا رَأَيْت وَلم أر من الْمُرُوءَة مَنعه مِنْك، فَخذي هَذِه الدَّرَاهِم، واتسعي بهَا فِي نَفَقَتك، وَلَا تحملي مَوْلَاك مَا لَا يُطيق، فتحصلين عِنْد من لَا يعرف قدرك كمعرفته، وَلَك عَليّ ألف دِرْهَم فِي كل سنة، يَجِيء مَوْلَاك فيأخذها لَك، إِذا شكرك، وَرَضي طريقتك.
قَالَ: فَقَامَ الرجل، وَقبل يَدَيْهِ، وَجعل يبكي، وَيَدْعُو لَهُ.
وَلم يزل المَال واصلًا إِلَيْهِ فِي كل سنة، حَتَّى مَاتَ ابْن أبي حَامِد.
стр. 1421
الْحسن بن سهل يحسن إِلَى الفسطاطي التَّاجِر
وَيُشبه هَذَا الحَدِيث، مَا وجدته فِي كتاب أعطانيه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْعَزِيز بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن حَاجِب النُّعْمَان، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتب الْوَزير المهلبي على ديوَان السوَاد، وَذكر إِنَّه نسخه من كتاب أعطَاهُ إِيَّاه أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، وَكَانَ فِيهِ إصلاحات بِخَط ابْن مابنداذ.
اشْترى الْحسن بن سهل، من الفسطاطي التَّاجِر، جَارِيَة بِأَلف دِينَار، فَحملت إِلَى منزل الْحسن، وَكتب للفسطاطي بِثمنِهَا.
فَأخذ الْكتاب إِلَى من أَحَالهُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَانْصَرف إِلَى منزله، فَوَجَدَهُ مفروشًا نظيفًا، وَفِيه ريحَان قد عبي تعبية حَسَنَة، ونبيذ قد صفي.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟
стр. 1422
فَقيل لَهُ: جاريتك الَّتِي بعتها السَّاعَة، قد أعدت لَك هَذَا لتنصرف إِلَيْهَا، فبعتها قبل انصرافك.
قَالَ: فَقَامَ الفسطاطي، فَرجع إِلَى الْحسن.
وأحضر الْحسن الْجَارِيَة، فَرَأى زيًا حسنا، ونظافةً، وتزينت بزينة لم تَرَ من مثلهَا، مَعَ مَا رأى فِيهَا من الْحسن وَالْجمال، والبهاء والكمال، فَهُوَ يجيل الْفِكر وَالنَّظَر فِيهَا، إِذْ رَجَعَ الفسطاطي إِلَيْهِ، وَهُوَ كَالْمَجْنُونِ المخبول، وَقَالَ: أَقلنِي بيع الْجَارِيَة، أقالك الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
فَقَالَ: مَا إِلَى هَذَا سَبِيل، وَمَا دخلت قطّ دَارنَا جَارِيَة، فَخرجت مِنْهَا.
قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِنَّه الْمَوْت الْأَحْمَر.
قَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَقص عَلَيْهِ قصَّته، وحبه لَهَا، وتلهفه عَلَيْهَا، وَأَنه لم يقدر على فراقها وَأَن النَّدَم قد لحقه، والشوق قد تمكن من فُؤَاده، وَأَنه إِن دَامَ ذَلِك عَلَيْهِ، كَانَ فِيهِ تلف نَفسه، وَبكى، وَلم يزل يتَضَرَّع لَهُ.
فرق لَهُ الْحسن، وأحضر الْجَارِيَة من سَاعَته، وَقَالَ لَهَا: هَل لَك فِي مَوْلَاك رَغْبَة؟ فَقَالَت: أَيهَا الْأَمِير، فِي مثله يرغب، فَرد الْجَارِيَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه الْألف دِينَار، لَك هبة، لَا يرجع إِلَى ملكي مِنْهَا دِينَار وَاحِد.
فَأخذ الفسطاطي الْجَارِيَة وَالدَّنَانِير، وَقَالَ: الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وَهَذِه الْألف دِينَار صَدَاقهَا، ثمَّ كتب كتابها.
وَعَاد إِلَى منزله، وَجلسَ مَعَ جَارِيَته على مَا أعدته لَهُ.
стр. 1423
الأشتر وجيداء
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن قدامَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو العيناء، قَالَ: كنت أجالس مُحَمَّد بن صَالح بن عبد الله بن مُوسَى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وَكَانَ قد حمل إِلَى المتَوَكل أَسِيرًا، فحبسه مُدَّة، ثمَّ أطلقهُ المتَوَكل، وَكَانَ أَعْرَابِيًا فصيحًا، فَحَدثني يَوْمًا قَالَ: حَدثنِي نمير بن مخلف الْهِلَالِي، وَكَانَ حسن الْوَجْه جدا، قَالَ: كَانَ منا فَتى يُقَال لَهُ بشر بن عبد الله، وَيعرف بالأشتر، وَكَانَ يهوى جَارِيَة من قومه، يُقَال لَهَا: جيداء، وَكَانَت ذَات زوج.
وشاع خَبره فِي حبها، فَمنع مِنْهَا، وضيق عَلَيْهِ، حَتَّى لم يقدر أَن يلم بهَا.
فَجَاءَنِي ذَات يَوْم، وَقَالَ: يَا أخي، قد بلغ مني الوجد، وضاق عَليّ سَبِيل الصَّبْر، فَهَل تساعدني على زيارتها؟ قلت: نعم فركبت، وسرنا، حَتَّى نزلنَا قَرِيبا من حيها، فكمن فِي مَوضِع.
فَقَالَ لي: اذْهَبْ إِلَى الْقَوْم فَكُن ضيفًا لَهُم، وَلَا تذكر شَيْئا من أمرنَا،
стр. 1424
حَتَّى ترى راعية لجيداء صفتهَا كَذَا وَكَذَا، فأعلمها خبري، وواعدها بوعد.
فمضيت وَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ، وَلَقِيت الراعية فخاطبتها، فمضت إِلَى جيداء، وعادت إِلَيّ، فَقَالَت: قل لَهُ: موعدك اللَّيْلَة عِنْد الشجيرات.
فَلَمَّا كَانَ الْوَقْت الَّذِي وعدتنا فِيهِ، إِذا بجيداء قد أَقبلت، فَوَثَبَ الأشتر إِلَيْهَا، فَقبل بَين عينيها.
فَقُمْت موليا عَنْهُمَا، فَقَالَا: نقسم عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت، فوَاللَّه، مَا بَيْننَا مَا نستره عَنْك، فَرَجَعت، وَجَلَسْنَا نتحدث.
فَقَالَ لَهَا: يَا جيداء، أما فِيك حِيلَة لنتعلل اللَّيْلَة؟ فَقَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَن نعود إِلَى مَا تعرف من الْبلَاء والشدة.
فَقَالَ: مَا من ذَلِك بُد، وَلَو وَقعت السَّمَاء على الأَرْض.
فَقَالَت: هَل فِي صَاحبك هَذَا من خير؟ فَقلت: إِي وَالله.
فخلعت ثِيَابهَا، ودفعتها إِلَيّ، وَقَالَت: البسها، وَأَعْطِنِي ثِيَابك، فَفعلت.
فَقَالَت: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي، فَإِن زَوجي سيأتيك بعد الْعَتَمَة، وَيطْلب مِنْك الْقدح ليحلب فِيهِ الْإِبِل، فَلَا تَدْفَعهُ إِلَيْهِ من يدك، فَهَذَا فعلي بِهِ، ودعه بَين يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ سيذهب ويحلب، ثمَّ يَأْتِيك بِهِ ملآن لَبَنًا، وَيَقُول: هاك غبوقك، فَلَا تَأْخُذهُ مِنْهُ، حَتَّى تطيل نكدك عَلَيْهِ، ثمَّ خُذْهُ، أَو دَعه حَتَّى يَضَعهُ هُوَ، ثمَّ لست ترَاهُ حَتَّى تصبح.
قَالَ: فَذَهَبت، وَفعلت مَا أَمرتنِي بِهِ، وَجَاءَنِي بالقدح، فَلم آخذه مِنْهُ،
стр. 1425
وأطلت عَلَيْهِ النكد، ثمَّ أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، فاختلفت أَيْدِينَا، فانكفأ الْقدح.
فَقَالَ: إِن هَذَا لطماح مفرط، وَضرب بِيَدِهِ إِلَى سَوْطه، ثمَّ تناولني بِهِ، وَضرب ظَهْري، فَجَاءَت أمه، وَأُخْته، فانتزعوني من يَده، بعد أَن زَالَ عَقْلِي، وهممت أَن أجأه بالسكين.
فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْدِي، لم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى دخلت أم جيداء، تؤنبني، وتكلمني، فلزمت الصمت والبكاء.
فَقَالَت: يَا بنية، اتقِي الله، وأطيعي بعلك، وَأما الأشتر فَلَا سَبِيل لَك إِلَيْهِ، وَهَا أَنا أبْعث إِلَيْك بأختك لتؤنسك، وَمَضَت.
ثمَّ بعثت إِلَيّ بالجارية، فَجعلت تكلمني، وَتَدْعُو على من ضَرَبَنِي، وَأَنا سَاكِت، ثمَّ اضطجعت إِلَى جَانِبي.
فشددت يَدي على فمها، وَقلت: يَا جَارِيَة، إِن أختك مَعَ الأشتر، وَقد قطع ظَهْري بِسَبَبِهَا، وَأَنت أولى بسترها مني، وَإِن تَكَلَّمت بِكَلِمَة فضحتها، وَأَنا لست أُبَالِي.
فاهتزت مثل الْقَضِيب فَزعًا، فطمنتها، وطيبت قَلبهَا، فَضَحكت، وَبَات معي مِنْهَا أظرف النَّاس، وَلم نزل نتحدث حَتَّى برق الصُّبْح، فَخرجت، وَجئْت إِلَى صَاحِبي.
فَقَالَت جيداء: مَا الْخَبَر؟ فَقلت: سَلِي أختك عَن الْخَبَر، فلعمري إِنَّهَا عَالِمَة بِهِ، وَدفعت إِلَيْهَا ثِيَابهَا،
стр. 1426
وأريتها ظَهْري، فَجَزِعت، وبكت، وَمَضَت مسرعة، وَجعل الأشتر يبكي، وَأَنا أحدثه بقصتي، وارتحلنا.
стр. 1427
أقسم أَن يغسل يَده أَرْبَعِينَ مرّة إِذا أكل زيرباجة
حَدثنِي أَبُو الْفرج أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن النَّرْسِي من أهل بَاب الشَّام بِبَغْدَاد، وَقد كَانَ خلف أَبَا الْحسن عَليّ بن أبي طَالب بن البهلول التنوخي على الْقَضَاء بهيت، وَمَا عَلمته إِلَّا ثِقَة، قَالَ: سَمِعت فلَان التَّاجِر، يحدث أبي، وأسمى التَّاجِر، وأنسيته أَنا، قَالَ: حضرت عِنْد صديق لي من البزازين، وَكَانَ مَشْهُورا، فِي دَعْوَة، فَقدم فِي جملَة طَعَامه، زيرباجة، وَلم يأكلها، فامتنعنا من أكلهَا.
فَقَالَ: أحب أَن تَأْكُلُوا مِنْهَا، وتعفوني من أكلهَا، فَلم ندعه حَتَّى أكل.
فَلَمَّا غسلنا أَيْدِينَا، انْفَرد يغسل يَده، ووقف غُلَام يعد عَلَيْهِ الْغسْل، حَتَّى قَالَ لَهُ: قد غسلت يدك أَرْبَعِينَ مرّة، فَقطع الْغسْل.
стр. 1428
فَقُلْنَا لَهُ: مَا سَبَب هَذَا؟ فَامْتنعَ، فألححنا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَاتَ أبي وسني نَحوا من عشْرين سنة، وَخلف عَليّ حَالا صَغِيرَة، وأوصاني قبل مَوته بِقَضَاء دُيُون عَلَيْهِ، وملازمة السُّوق، وَأَن أكون أول دَاخل إِلَيْهِ، وَآخر خَارج مِنْهُ، وَأَن أحفظ مَالِي.
فَلَمَّا مَاتَ، قضيت دينه، وحفظت مَا خَلفه لي، ولزمت الدّكان، فَرَأَيْت فِي ذَلِك مَنَافِع كَثِيرَة.
فَبينا أَنا جَالس يَوْمًا وَلم يتكامل السُّوق، وَإِذا بِامْرَأَة راكبة على حمَار، وعَلى كفله منديل دبيقي، وخادم يمسك بالعنان، فَنزلت عِنْدِي.
فأكرمتها، وَوَثَبْت إِلَيْهَا، وسألتها عَن حَاجَتهَا، فَذكرت ثيابًا.
فَسمِعت، وَالله، نَغمَة، مَا سَمِعت قطّ أحسن مِنْهَا، وَرَأَيْت وَجها لم أر مثله، فَذهب عني عَقْلِي، وعشقتها فِي الْحَال.
فَقلت لَهَا: تصبرين حَتَّى يتكامل السُّوق، وآخذ لَك مَا تريدين، فَفعلت، وَأخذت تحادثني، وَأَنا فِي الْمَوْت عشقًا لَهَا.
وَخرج النَّاس، فَأخذت لَهَا مَا أَرَادَت، فجمعته، وَركبت وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف وَاحِد، وَكَانَ مَا قِيمَته خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.
فَلَمَّا غَابَتْ عني أَفَقْت، وأحسست بالفقر، فَقلت: محتالة، خدعتني بِحسن وَجههَا، ورأتني حَدثا، فاستغرتني، وَلم أكن سَأَلتهَا عَن منزلهَا، وَلَا طالبتها بِالثّمن، لدهشتي بهَا.
فكتمت خبري لِئَلَّا أفتضح، وأتعجل الْمَكْرُوه، وعولت على غلق دكاني،
стр. 1429
وَبيع كل مَا فِيهَا، وأوفي النَّاس ثمن مَتَاعهمْ، وأجلس فِي بَيْتِي مُقْتَصرا على غلَّة يسيرَة من عقار كَانَ خَلفه لي أبي.
فَلَمَّا كَانَ بعد أُسْبُوع، إِذا بهَا قد باكرتني، وَنزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا أنسيت مَا كنت فِيهِ وَقمت لَهَا.
فَقَالَت: يَا فَتى، تأخرنا عَنْك، وَمَا شككنا أَنا قد روعناك، وظننت أَنا قد احتلنا عَلَيْك.
فَقلت: قد رفع الله قدرك عَن هَذَا.
فاستدعت الْمِيزَان، فوفتني دَنَانِير قدر مَا قلت لَهَا عَن ثمن الْمَتَاع، وأخرجت تذكرة بمتاع آخر.
فأجلستها أحادثها، وأتمتع بِالنّظرِ إِلَيْهَا إِلَى أَن تَكَامل السُّوق، وَقمت، وَدفعت إِلَى كل إِنْسَان مَا كَانَ لَهُ، وَطلبت مِنْهُم مَا أَرَادَت، فأعطوني، فجئتها بِهِ، فَأَخَذته وانصرفت، وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف.
فَلَمَّا غَابَتْ عني نَدِمت، وَقلت: المحنة هَذِه، أعطتني خَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَأخذت مني مَتَاعا بِأَلف دِينَار، والآن إِن لم أقع لَهَا على خبر، فَلَيْسَ إِلَّا الْفقر، وَبيع مَتَاع الدّكان، وَمَا قد ورثته من عقار.
وتطاولت غيبتها عني أَكثر من شهر وَأخذ التُّجَّار يشددون عَليّ فِي الْمُطَالبَة، فعرضت عقاري، وأشرفت على الهلكة.
فَأَنا فِي ذَلِك، وَإِذا بهَا قد نزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا زَالَ عني الْفِكر فِي المَال، ونسيت مَا كنت فِيهِ، وَأَقْبَلت عَليّ تحادثني، وَقَالَت: هَات الطيار، فوزنت لي بِقِيمَة الْمَتَاع دَنَانِير.
стр. 1430
فَأخذت أطاولها فِي الْكَلَام، فبسطتني، فكدت أَمُوت فَرحا وسرورًا، إِلَى أَن قَالَت: هَل لَك زَوْجَة؟ فَقلت: لَا وَالله يَا سيدتي، وَمَا أعرف امْرَأَة قطّ، وبكيت.
فَقَالَت: مَا لَك؟ قلت: خير، وهِبْتُهَا ثُمَّ قُمْتُ وَأَخَذْتُ بِيَدِ الْخَادِمِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، وَأَخْرَجْتُ لَهُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ سِتَّهُ.
فَضَحِك، وَقَالَ: إِنَّهَا هِيَ، وَالله، أعشق مِنْك لَهَا، وَمَا بهَا حَاجَة إِلَى مَا اشترته مِنْك، وَإِنَّمَا تجيئك محبَّة لمطاولتك، فخاطبها بِمَا تُرِيدُ، فَإِنَّهَا تقبله، وتستغني عني.
فعدت، وَكنت قلت لَهَا: إِنِّي أمضي لأنقد الدَّنَانِير، فَلَمَّا عدت، قَالَت: نقدت الدَّنَانِير؟ وضحكت، وَقد كَانَت رأتني مَعَ الْخَادِم.
فَقلت لَهَا: يَا ستي، الله، الله، فِي دمي، وخاطبتها بِمَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأعجبها ذَلِك، وَقبلت الْخطاب أحسن الْقبُول.
وَقَالَت: الْخَادِم يجيئك برسالتي بِمَا تعْمل عَلَيْهِ، وَقَامَت وَلم تَأْخُذ مني شَيْئا، فوفيت النَّاس أَمْوَالهم، وحصلت ربحا وَاسِعًا، واغتممت خوفًا من انْقِطَاع السَّبَب بيني وَبَينهَا، وَلم أنم لَيْلَتي قلقًا وخوفًا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام جَاءَنِي الْخَادِم، فأكرمته، ووهبت لَهُ دَنَانِير لَهَا صُورَة، وَسَأَلته عَنْهَا.
فَقَالَ: هِيَ، وَالله، عليلة من شوقها إِلَيْك.
فَقلت: فاشرح لي أمرهَا؟
стр. 1431
فَقَالَ: هَذِه صبية ربتها السيدة أم أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتدر بِاللَّه، وَهِي من أخص جواريها عِنْدهَا، وأحضاهن، وأحبهن إِلَيْهَا.
وَإِنَّهَا اشتهت رُؤْيَة النَّاس، وَالدُّخُول وَالْخُرُوج، فتوصلت حَتَّى صَارَت القهرمانة، وَصَارَت تخرج فِي الْحَوَائِج، فترى النَّاس.
وَقد، وَالله، حدثت السيدة بحديثك، وسألتها أَن تزَوجهَا مِنْك، فَقَالَت: لَا أفعل، أَو أرى الرجل، فَإِن كَانَ يستحقك، وَإِلَّا لَا أدعك واختيارك.
وتحتاج إِلَى أَن تتحيل فِي إدخالك إِلَى الدَّار بحيلة، إِن تمت وصلت إِلَى تَزْوِيجهَا، وَإِن انكشفت ضربت عُنُقك، فَمَا تَقول؟ فَقلت: أَصْبِر على هَذَا.
فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْلَة، فأعبر إِلَى المخرم، وادخل الْمَسْجِد الَّذِي بنته السيدة على شاطئ دجلة، وعَلى حَائِطه الْأَخير مِمَّا يَلِي دجلة، اسْمهَا مَكْتُوب بالآجر الْمَقْطُوع، فَبت فِيهِ.
قَالَ أَبُو الْفرج بن النَّرْسِي: وَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي قد سد بَابه الْآن سبكتكين، الْحَاجِب الْكَبِير، مولى معز الدولة، الْمَعْرُوف بجاشنكير، وأضافه إِلَى ميدان
стр. 1432
دَاره، وَجعله مصلى لِغِلْمَانِهِ.
قَالَ الرجل: فَلَمَّا كَانَ قبل الْمغرب مضيت إِلَى المخرم، فَصليت فِي الْمَسْجِد العشاءين، وَبت فِيهِ.
فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر، إِذا بطيار لطيف قد قدم، وخدم قد نزلُوا وَمَعَهُمْ صناديق فارغة، فجعلوها فِي الْمَسْجِد، وَانْصَرفُوا، وَبَقِي وَاحِد مِنْهُم، فتأملته، فَإِذا هُوَ الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.
ثمَّ صعدت الْجَارِيَة واستدعتني، فَقُمْت، وعانقتها، وَقبلت يَدهَا، وقبلتني قبلات كَثِيرَة، وضمتني، وبكيت، وبكت.
وتحدثنا سَاعَة، ثمَّ أجلستني فِي وَاحِد من الصناديق، وَكَانَ كَبِيرا، وأقفلته.
وَأَقْبل الخدم يتراجعون بِثِيَاب، وَمَاء ورد، وعطر، وَأَشْيَاء قد أحضروها من مَوَاضِع، وَهِي تفرق فِي بَاقِي الصناديق، وتقفل، ثمَّ حملت الصناديق فِي الطيار، وَانْحَدَرَ.
فلحقني من النَّدَم أَمر عَظِيم، وَقلت: قتلت نَفسِي لشَهْوَة لَعَلَّهَا لَا تتمّ، وَلَو تمت مَا ساوت قتل نَفسِي، وَأَقْبَلت أبْكِي، وأدعو الله ، وَأَتُوب، وأنذر النذور، إِلَى أَن حملت الصناديق بِمَا فِيهَا، ليجاز بهَا فِي دَار الْخَلِيفَة، وَحمل صندوقي خادمان أَحدهمَا الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.
وَهِي كلما اجتازت بطَائفَة من الخدم الموكلين بِأَبْوَاب الْحرم، قَالُوا: نُرِيد نفتش الصناديق، فتصيح على بَعضهم، وتشتم بَعضهم، وتداري بَعضهم.
إِلَى أَن انْتَهَت إِلَى خَادِم ظننته رَئِيس الْقَوْم، فخاطبته بخضوع وذلة، فَقَالَ لَهَا: لَا بُد من فتح الصناديق وَبَدَأَ بصندوقي فأنزله.
стр. 1433
فحين أحسست بذلك ذهب عَقْلِي، وَغَابَ عَليّ أَمْرِي، وبلت فِي الصندوق فرقا، فَجرى بولِي حَتَّى خرج من خلله.
فَقَالَت: يَا أستاذ، أهلكتني، وأهلكت التُّجَّار، وأفسدت علينا مَتَاعا بِعشْرَة آلَاف دِينَار فِي الصندوق مَا بَين ثِيَاب مصبغات، وقارورة فِيهَا أَرْبَعَة أمنان من مَاء زَمْزَم، قد انقلبت وَجَرت على الثِّيَاب، والساعة تستحيل ألوانها.
فَقَالَ: خذي صندوقك، أَنْت وَهُوَ، إِلَى لعنة الله، ومري.
فَحمل الخادمان صندوقي، وأسرعا بِهِ، وتلاحقت الصناديق.
فَمَا بَعدنَا سَاعَة حَتَّى سَمعتهَا تَقول: ويلاه، الْخَلِيفَة، فَعِنْدَ ذَلِك مت، وَجَاءَنِي مَا لم أحتسبه.
فَقَالَ لَهَا الْخَلِيفَة: والك، يَا فُلَانَة، أَي شَيْء فِي صناديقك؟
стр. 1434
فَقَالَت: ثِيَاب للسيدة.
فَقَالَ: افتحيها حَتَّى أَرَاهَا.
فَقَالَت: يَا مولَايَ، السَّاعَة تفتحها ستنا بَين يَديك.
فَقَالَ: مري، هوذا أجي.
فَقَالَت للخدم: أَسْرعُوا، وَدخلت حجرَة، ففتحت صندوقي، وَقَالَت: اصْعَدْ تِلْكَ الدرجَة، فَفعلت، وَأخذت بعض مَا فِي تِلْكَ الصناديق، فَجَعَلته فِي صندوقي، وأقفلته.
وَجَاء المقتدر، فَحملت الصناديق إِلَى بَين يَدَيْهِ، ثمَّ عَادَتْ إِلَيّ، فطيبت نَفسِي، وقدمت لي طَعَاما وَشَرَابًا، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وأقفلت الْحُجْرَة، وَمَضَت.
فَلَمَّا كَانَ من غَد جَاءَتْنِي، فَصَعدت إِلَيّ، وَقَالَت: السَّاعَة تَجِيء السيدة لتراك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ فَمَا كَانَ بأسرع من أَن جَاءَت السيدة، فَجَلَست على كرْسِي، وَفرقت جواريها، وَلم يبْق مَعهَا غير وَاحِدَة مِنْهُنَّ، ثمَّ أنزلتني الْجَارِيَة.
فحين رَأَيْت السيدة قبلت الأَرْض، وَقمت فدعوت لَهَا.
فَقَالَت لجاريتها: نعم مَا اخْتَرْت لنَفسك هُوَ، وَالله، كيس، عَاقل، ونهضت.
فَقَامَتْ مَعهَا صَاحِبَتي وتبعتها، وَأَتَتْ إِلَيّ بعد سَاعَة، وَقَالَت:
стр. 1435
أبشر فقد، وَالله، وَعَدتنِي أَن تزَوجنِي بك، وَمَا بَين أَيْدِينَا عقبَة إِلَّا الْخُرُوج.
فَقلت: يسلم الله تَعَالَى.
فَلَمَّا كَانَ من غَد حَملتنِي فِي الصندوق، وَخرجت كَمَا دخلت، وَكَانَ الْحِرْص على التفتيش أقل، وَتركت فِي الْمَسْجِد الَّذِي حملت مِنْهُ فِي الصندوق، وَقمت بعد سَاعَة، ومضيت إِلَى منزلي، وتصدقت، ووفيت بنذري.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، جَاءَنِي الْخَادِم برقعتها، بخطها الَّذِي أعرفهُ، وكيس فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار عينا، وَهِي تَقول فِي رقعتها: أَمرتنِي السيدة بإنفاذ هَذَا الْكيس من مَالهَا إِلَيْك، وَقَالَت: اشْتَرِ ثيابًا، ومركوبًا، وَغُلَامًا يسْعَى بَين يَديك، وَأصْلح بِهِ ظاهرك، وتجمل بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ، وتعال يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، وقف حَتَّى تطلب، وَتدْخل على الْخَلِيفَة، وتتزوج بِحَضْرَتِهِ.
فأجبت على الرقعة، وَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مِنْهَا مَا قَالُوهُ، واحتفظت بِالْبَاقِي.
وَركبت بغلتي يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، ووقفت، وَجَاءَنِي من استدعاني، فَأَدْخلنِي على المقتدر، وَهُوَ على السرير، والقضاة، والهاشميون، والحشم، قيام، فداخلتني هَيْبَة عَظِيمَة، فَخَطب بعض الْقُضَاة، وزوجني، وَخرجت.
فَلَمَّا صرت فِي بعض الممرات، عدل بِي إِلَى دَار عَظِيمَة، مفروشة بأنواع الْفرش الفاخر، والآلات، والخدم، فأجلست، وَتركت وحدي، وَانْصَرف من أجلسني.
стр. 1436
فَجَلَست يومي لَا أرى من أعرف، وخدم يدْخلُونَ وَيخرجُونَ، وَطَعَام عَظِيم ينْقل، وهم يَقُولُونَ: اللَّيْلَة تزف فُلَانَة، اسْم زَوْجَتي، إِلَى زَوجهَا، هَاهُنَا.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أثر الْجُوع فِي، وأقفلت الْأَبْوَاب، وأيست من الْجَارِيَة، فَبَقيت أَطُوف فِي الدَّار، إِلَى أَن وَقعت على المطبخ، فَإِذا قوم طباخون جُلُوس، فاستطعمت مِنْهُم، فَلم يعرفوني، وظنوا أَنِّي بعض الوكلاء، فقدموا إِلَيّ زيرباجة، فَأكلت مِنْهَا، وغسلت يَدي بأشنان كَانَ فِي المطبخ، وَأَنا مستعجل لِئَلَّا يفْطن بِي، وظننت أَنِّي قد نقيت من رِيحهَا، وعدت إِلَى مَكَاني.
فَلَمَّا انتصف اللَّيْل إِذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت إِلَيّ، وَجَاءُوا بهَا فجلوها عَليّ، وَأَنا أقدر أَن ذَلِك فِي النّوم، وَلَا أصدق فَرحا بِهِ، وَقد كَادَت مرارتي تَنْشَق فَرحا وسرورًا، ثمَّ خلوت بهَا، وَانْصَرف النَّاس.
فحين تقدّمت إِلَيْهَا وقبلتها، رفستني فرمت بِي عَن المنصة، وَقَالَت: أنْكرت أَن تفلح يَا عَامي، أَو تصلح يَا سفلَة، وَقَامَت لتخرج.
فتعلقت بهَا، وَقبلت يَديهَا ورجليها، وَقلت: عرفيني ذَنبي، واعملي بعده مَا شِئْت.
стр. 1437
فَقَالَت: وَيلك، تَأْكُل، وَلَا تغسل يدك؟ وَأَنت تُرِيدُ أَن تختلي بمثلي؟ فَقلت: اسمعي قصتي، واعملي مَا شِئْت بعد ذَلِك.
فَقَالَت: قل.
فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَلَمَّا بلغت أَكْثَرهَا، قلت: وَعلي، وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لَا أكلت بعد هَذَا زيرباجة، إِلَّا غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.
فَأَشْفَقت، وتبسمت، وصاحت: يَا جواري، فجَاء مِقْدَار عشر جواري ووصائف، فَقَالَت: هاتم شَيْئا للْأَكْل.
فَقدمت إِلَيْنَا مائدة حَسَنَة، وألوان فاخرة، من مَوَائِد الْخُلَفَاء، فأكلنا جَمِيعًا، واستدعت شرابًا، فشربنا، أَنا وَهِي، وغنى لنا بعض أُولَئِكَ الوصائف.
وقمنا إِلَى الْفراش، فَدخلت بهَا، وَإِذا هِيَ بكر، فافتضضتها، وَبت بليلة من ليَالِي الْجنَّة، وَلم نفترق أسبوعًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، إِلَى أَن انْقَضتْ وَلِيمَة الْأُسْبُوع.
فَلَمَّا كَانَ من غَد، قَالَت لي: إِن دَار الْخَلِيفَة لَا تحْتَمل الْمقَام فِيهَا أَكثر من هَذَا، وَمَا تمّ لأحد أَن يدْخل فِيهَا بعروس غَيْرك، وَذَلِكَ لعناية السيدة بِي، وَقد أعطتني خمسين ألف دِينَار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بِخَارِج الْقصر أَمْوَال وذخائر أضعافها، وَكلهَا لَك، فَاخْرُج، وَخذ مَعَك مَالا، واشتر لنا دَارا حَسَنَة، عَظِيمَة الاتساع، يكون فِيهَا بُسْتَان حسن، وَتَكون كَثِيرَة الْحجر،
стр. 1438
وَلَا تضيق على نَفسك، كَمَا تضيق نفوس التُّجَّار، فَإِنِّي مَا تعودت أسكن إِلَّا فِي الْقُصُور، وَاحْذَرْ من أَن تبْتَاع شَيْئا ضيقا، فَلَا أسْكنهُ، وَإِذا ابتعت الدَّار، فعرفني، لأنقل إِلَيْك مَالِي، وجواري، وَأَنْتَقِلَ إِلَيْك.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَسلمت إِلَيّ عشرَة آلَاف دِينَار، فأخذتها، وأتيت إِلَى دَاري، واعترضت الدّور، حَتَّى ابتعت مَا وَافق اخْتِيَارهَا، فَكتبت إِلَيْهَا بالْخبر، فنقلت إِلَيّ تِلْكَ النِّعْمَة بأسرها، وَمَعَهَا مَا لم أَظن قطّ أَنِّي أرَاهُ، فضلا عَن أَنِّي أملكهُ، وأقامت عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سنة، أعيش مَعهَا عَيْش الْخُلَفَاء، وأتجر فِي خلال ذَلِك، لِأَن نَفسِي لم تسمح لي بترك تِلْكَ الصَّنْعَة، وَإِبْطَال الْمَعيشَة، فتزايد مَالِي وجاهي، وَولدت لي هَؤُلَاءِ الشَّبَاب، وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلَاده، وَمَاتَتْ رَحمهَا الله، وَبَقِي عَليّ مضرَّة الزيرباجة، إِذا أكلتها، غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.
стр. 1439
إِسْحَاق الْموصِلِي يتطفل ويقترح
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني رَحمَه الله تَعَالَى، إملاء من حفظه، وكتبته عَنهُ فِي أصُول سماعاتي مِنْهُ، وَلم يحضرني كتابي، فأنقله مِنْهُ، فأثبته من حفظي، وتوخيت أَلْفَاظه بجهدي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: غَدَوْت يَوْمًا، وَأَنا ضجر من مُلَازمَة دَار الْخلَافَة، والخدمة فِيهَا، فركبت بكرَة، وعزمت على أَن أَطُوف الصَّحرَاء، وأتفرج بهَا.
فَقلت لغلماني: إِن جَاءَ رَسُول الْخَلِيفَة، فعرفوه أَنِّي بكرت فِي مُهِمّ لي، وأنكم لَا تعرفُون أَيْن تَوَجَّهت.
ومضيت، وطفت مَا بدا لي، ثمَّ عدت وَقد حمي النَّهَار، فوقفت فِي شَارِع المخرم، فِي الظل، عِنْد جنَاح رحب فِي الطَّرِيق، لأستريح.
فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم يَقُود حمارا فارهًا، عَلَيْهِ جَارِيَة راكبة، تحتهَا منديل دبيقي، وَعَلَيْهَا من اللبَاس الفاخر مَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَرَأَيْت لَهَا قوامًا حسنا، وطرفًا فاتنًا، وشمائل ظريفة، فحدست أَنَّهَا مغنية.
فَدخلت الدَّار الَّتِي كنت وَاقِفًا عَلَيْهَا، وعلقها قلبِي فِي الْوَقْت علوقًا شَدِيدا، لم أستطع مَعَه البراح.
فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى أقبل رجلَانِ شابان جميلان، لَهما هيأة تدل على قدرهما، راكبان، فَاسْتَأْذَنا، فَأذن لَهما، فَحَمَلَنِي حب الْجَارِيَة على أَن نزلت
стр. 1440
مَعَهُمَا، وَدخلت بدخولهما، فظنا أَن صَاحب الدَّار دَعَاني، وَظن صَاحب الدَّار أَنِّي مَعَهُمَا.
فَجَلَسْنَا، فَأتي بِالطَّعَامِ فأكلنا، وبالشراب فَوضع، وَخرجت الْجَارِيَة، وَفِي يَدهَا عود، فرأيتها حسناء، وَتمكن مَا فِي قلبِي مِنْهَا، وغنت غناء صَالحا، وشربنا.
وَقمت قومة للبول، فَسَأَلَ صَاحب الْمنزل من الفتيين عني، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَا يعرفاني، فَقَالَ: هَذَا طفيلي، وَلكنه ظريف، فأجملوا عشرته.
وَجئْت، فَجَلَست، وغنت الْجَارِيَة فِي لحن لي:
ذكرتك إِذْ مرّت بِنَا أمّ شادن ... أَمَام المطايا تستريب وتطمح
من المولعات الرمل أدماء حرّة ... شُعَاع الضُّحَى فِي متنها يتوضّح
فأدته أَدَاء صَالحا، ثمَّ غنت أصواتًا فِيهَا من صنعتي:
الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أَهلهَا ... فَهِيَ قفر بسابس
فَكَانَ أَثَرهَا فِيهِ أصلح من الأول، ثمَّ غنت أصواتًا من الْقَدِيم والمحدث، وغنت فِي أضعافها من صنعتي، فِي شعري:
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عَنْك جانبا
следующие страницы →