← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فَجَلَست يومي لَا أرى من أعرف، وخدم يدْخلُونَ وَيخرجُونَ، وَطَعَام عَظِيم ينْقل، وهم يَقُولُونَ: اللَّيْلَة تزف فُلَانَة، اسْم زَوْجَتي، إِلَى زَوجهَا، هَاهُنَا. فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أثر الْجُوع فِي، وأقفلت الْأَبْوَاب، وأيست من الْجَارِيَة، فَبَقيت أَطُوف فِي الدَّار، إِلَى أَن وَقعت على المطبخ، فَإِذا قوم طباخون جُلُوس، فاستطعمت مِنْهُم، فَلم يعرفوني، وظنوا أَنِّي بعض الوكلاء، فقدموا إِلَيّ زيرباجة، فَأكلت مِنْهَا، وغسلت يَدي بأشنان كَانَ فِي المطبخ، وَأَنا مستعجل لِئَلَّا يفْطن بِي، وظننت أَنِّي قد نقيت من رِيحهَا، وعدت إِلَى مَكَاني. فَلَمَّا انتصف اللَّيْل إِذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت إِلَيّ، وَجَاءُوا بهَا فجلوها عَليّ، وَأَنا أقدر أَن ذَلِك فِي النّوم، وَلَا أصدق فَرحا بِهِ، وَقد كَادَت مرارتي تَنْشَق فَرحا وسرورًا، ثمَّ خلوت بهَا، وَانْصَرف النَّاس. فحين تقدّمت إِلَيْهَا وقبلتها، رفستني فرمت بِي عَن المنصة، وَقَالَت: أنْكرت أَن تفلح يَا عَامي، أَو تصلح يَا سفلَة، وَقَامَت لتخرج. فتعلقت بهَا، وَقبلت يَديهَا ورجليها، وَقلت: عرفيني ذَنبي، واعملي بعده مَا شِئْت.

стр. 1437

فَقَالَت: وَيلك، تَأْكُل، وَلَا تغسل يدك؟ وَأَنت تُرِيدُ أَن تختلي بمثلي؟ فَقلت: اسمعي قصتي، واعملي مَا شِئْت بعد ذَلِك. فَقَالَت: قل. فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَلَمَّا بلغت أَكْثَرهَا، قلت: وَعلي، وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لَا أكلت بعد هَذَا زيرباجة، إِلَّا غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة. فَأَشْفَقت، وتبسمت، وصاحت: يَا جواري، فجَاء مِقْدَار عشر جواري ووصائف، فَقَالَت: هاتم شَيْئا للْأَكْل. فَقدمت إِلَيْنَا مائدة حَسَنَة، وألوان فاخرة، من مَوَائِد الْخُلَفَاء، فأكلنا جَمِيعًا، واستدعت شرابًا، فشربنا، أَنا وَهِي، وغنى لنا بعض أُولَئِكَ الوصائف. وقمنا إِلَى الْفراش، فَدخلت بهَا، وَإِذا هِيَ بكر، فافتضضتها، وَبت بليلة من ليَالِي الْجنَّة، وَلم نفترق أسبوعًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، إِلَى أَن انْقَضتْ وَلِيمَة الْأُسْبُوع. فَلَمَّا كَانَ من غَد، قَالَت لي: إِن دَار الْخَلِيفَة لَا تحْتَمل الْمقَام فِيهَا أَكثر من هَذَا، وَمَا تمّ لأحد أَن يدْخل فِيهَا بعروس غَيْرك، وَذَلِكَ لعناية السيدة بِي، وَقد أعطتني خمسين ألف دِينَار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بِخَارِج الْقصر أَمْوَال وذخائر أضعافها، وَكلهَا لَك، فَاخْرُج، وَخذ مَعَك مَالا، واشتر لنا دَارا حَسَنَة، عَظِيمَة الاتساع، يكون فِيهَا بُسْتَان حسن، وَتَكون كَثِيرَة الْحجر،

стр. 1438

وَلَا تضيق على نَفسك، كَمَا تضيق نفوس التُّجَّار، فَإِنِّي مَا تعودت أسكن إِلَّا فِي الْقُصُور، وَاحْذَرْ من أَن تبْتَاع شَيْئا ضيقا، فَلَا أسْكنهُ، وَإِذا ابتعت الدَّار، فعرفني، لأنقل إِلَيْك مَالِي، وجواري، وَأَنْتَقِلَ إِلَيْك. فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة. فَسلمت إِلَيّ عشرَة آلَاف دِينَار، فأخذتها، وأتيت إِلَى دَاري، واعترضت الدّور، حَتَّى ابتعت مَا وَافق اخْتِيَارهَا، فَكتبت إِلَيْهَا بالْخبر، فنقلت إِلَيّ تِلْكَ النِّعْمَة بأسرها، وَمَعَهَا مَا لم أَظن قطّ أَنِّي أرَاهُ، فضلا عَن أَنِّي أملكهُ، وأقامت عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سنة، أعيش مَعهَا عَيْش الْخُلَفَاء، وأتجر فِي خلال ذَلِك، لِأَن نَفسِي لم تسمح لي بترك تِلْكَ الصَّنْعَة، وَإِبْطَال الْمَعيشَة، فتزايد مَالِي وجاهي، وَولدت لي هَؤُلَاءِ الشَّبَاب، وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلَاده، وَمَاتَتْ رَحمهَا الله، وَبَقِي عَليّ مضرَّة الزيرباجة، إِذا أكلتها، غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.

стр. 1439

إِسْحَاق الْموصِلِي يتطفل ويقترح حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني رَحمَه الله تَعَالَى، إملاء من حفظه، وكتبته عَنهُ فِي أصُول سماعاتي مِنْهُ، وَلم يحضرني كتابي، فأنقله مِنْهُ، فأثبته من حفظي، وتوخيت أَلْفَاظه بجهدي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: غَدَوْت يَوْمًا، وَأَنا ضجر من مُلَازمَة دَار الْخلَافَة، والخدمة فِيهَا، فركبت بكرَة، وعزمت على أَن أَطُوف الصَّحرَاء، وأتفرج بهَا. فَقلت لغلماني: إِن جَاءَ رَسُول الْخَلِيفَة، فعرفوه أَنِّي بكرت فِي مُهِمّ لي، وأنكم لَا تعرفُون أَيْن تَوَجَّهت. ومضيت، وطفت مَا بدا لي، ثمَّ عدت وَقد حمي النَّهَار، فوقفت فِي شَارِع المخرم، فِي الظل، عِنْد جنَاح رحب فِي الطَّرِيق، لأستريح. فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم يَقُود حمارا فارهًا، عَلَيْهِ جَارِيَة راكبة، تحتهَا منديل دبيقي، وَعَلَيْهَا من اللبَاس الفاخر مَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَرَأَيْت لَهَا قوامًا حسنا، وطرفًا فاتنًا، وشمائل ظريفة، فحدست أَنَّهَا مغنية. فَدخلت الدَّار الَّتِي كنت وَاقِفًا عَلَيْهَا، وعلقها قلبِي فِي الْوَقْت علوقًا شَدِيدا، لم أستطع مَعَه البراح. فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى أقبل رجلَانِ شابان جميلان، لَهما هيأة تدل على قدرهما، راكبان، فَاسْتَأْذَنا، فَأذن لَهما، فَحَمَلَنِي حب الْجَارِيَة على أَن نزلت

стр. 1440

مَعَهُمَا، وَدخلت بدخولهما، فظنا أَن صَاحب الدَّار دَعَاني، وَظن صَاحب الدَّار أَنِّي مَعَهُمَا. فَجَلَسْنَا، فَأتي بِالطَّعَامِ فأكلنا، وبالشراب فَوضع، وَخرجت الْجَارِيَة، وَفِي يَدهَا عود، فرأيتها حسناء، وَتمكن مَا فِي قلبِي مِنْهَا، وغنت غناء صَالحا، وشربنا. وَقمت قومة للبول، فَسَأَلَ صَاحب الْمنزل من الفتيين عني، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَا يعرفاني، فَقَالَ: هَذَا طفيلي، وَلكنه ظريف، فأجملوا عشرته. وَجئْت، فَجَلَست، وغنت الْجَارِيَة فِي لحن لي: ذكرتك إِذْ مرّت بِنَا أمّ شادن ... أَمَام المطايا تستريب وتطمح من المولعات الرمل أدماء حرّة ... شُعَاع الضُّحَى فِي متنها يتوضّح فأدته أَدَاء صَالحا، ثمَّ غنت أصواتًا فِيهَا من صنعتي: الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس أوحشت بعد أَهلهَا ... فَهِيَ قفر بسابس فَكَانَ أَثَرهَا فِيهِ أصلح من الأول، ثمَّ غنت أصواتًا من الْقَدِيم والمحدث، وغنت فِي أضعافها من صنعتي، فِي شعري: قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عَنْك جانبا

стр. 1441

قد بلغت الَّذِي أردْت ... وَإِن كنت لاعبا واعترفنا بِمَا أدّعيت ... وَإِن كنت كَاذِبًا فَكَانَ أصلح مَا غنته، فاستعدته مِنْهَا لأصححه لَهَا، فَأقبل عَليّ رجل مِنْهُم، فَقَالَ: مَا رَأَيْت طفيليًا أصفق مِنْك وَجها، لم ترض بالتطفيل حَتَّى اقترحت، وَهَذَا تَصْدِيق للمثل: طفيلي ويقترح، فأطرقت، وَلم أجبه، وَجعل صَاحبه يكفه عني، فَلَا يكف. ثمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة، وتأخرت، فَأخذت الْعود وشددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إِلَى موضعي، فَصليت، وعادوا، وَأخذ الرجل فِي عربدته عَليّ، وَأَنا صَامت. وَأخذت الْجَارِيَة الْعود، وجسته، فأنكرت حَاله، وَقَالَت: من مس عودي؟ فَقَالُوا: مَا مَسّه أحد. قَالَت: بلَى، وَالله، قد مَسّه حاذق مُتَقَدم، وَشد طبقته، وَأَصْلحهُ إصْلَاح مُتَمَكن من صَنعته. فَقلت لَهَا: أَنا أصلحته. قَالَت: بِاللَّه عَلَيْك، خُذْهُ، فَاضْرب بِهِ. فَأَخَذته، وَضربت بِهِ مبدأ عجيبًا، فِيهِ نقرات محركة، فَمَا بَقِي فِي الْمجْلس أحد إِلَّا وثب فَجَلَسَ بَين يَدي. وَقَالُوا: بِاللَّه عَلَيْك يَا سيدنَا، أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم نَفسِي أَيْضا، أَنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَإِنِّي، وَالله، لأتيه على الْخَلِيفَة، وَأَنْتُم تشتموني الْيَوْم، لِأَنِّي تملحت مَعكُمْ بِسَبَب

стр. 1442

هَذِه الْجَارِيَة، وَوَاللَّه، لَا نطقت بِحرف، وَلَا جَلَست مَعكُمْ، أَو تخْرجُوا هَذَا المعاند. ونهضت لأخرج، فتعلقوا بِي، فَلم أرجع، فلحقتني الْجَارِيَة، فتعلقت بِي، فلنت، وَقلت: لَا أَجْلِس، حَتَّى تخْرجُوا هَذَا البغيض. فَقَالَ لَهُ صَاحبه: من هَذَا كنت أَخَاف عَلَيْك، فَأخذ يعْتَذر. فَقلت: أَجْلِس، وَلَكِنِّي، وَالله، لَا أنطق بِحرف وَهُوَ حَاضر، فَأخذُوا بِيَدِهِ، فأخرجوه. فَبَدَأت أُغني الْأَصْوَات الَّتِي غنتها الْجَارِيَة من صنعتي، فطرب صَاحب الْبَيْت طَربا شَدِيدا، وَقَالَ: هَل لَك فِي أَمر أعرضه عَلَيْك؟ فَقلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تقيم عِنْدِي شهرا، وَالْجَارِيَة لَك بِمَا لَهَا من كسْوَة. فَقلت: أفعل. فأقمت عِنْده ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَا يعرف أحد أَيْن أَنا، والمأمون يطلبني فِي كل مَوضِع، فَلَا يعرف لي خَبرا. فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، سلم إِلَيّ الْجَارِيَة وَالْخَادِم، وَجئْت بهَا إِلَى منزلي، وَكَانَ أهل منزلي فِي أقبح صُورَة لتأخري عَنْهُم. وَركبت إِلَى الْمَأْمُون من وقتي، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: يَا إِسْحَاق، وَيحك، أَيْن كنت؟ فَأَخْبَرته بخبري. فَقَالَ: عَليّ بِالرجلِ السَّاعَة، فدللتهم على بَيته، فأحضر، فَسَأَلَهُ الْمَأْمُون عَن الْقِصَّة، فَأخْبرهُ بهَا. فَقَالَ: أَنْت ذُو مُرُوءَة، وسبيلك أَن تعان عَلَيْهَا، فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم.

стр. 1443

وَقَالَ: لَا تعاشر ذَلِك المعربد السّفل. فَقَالَ: معَاذ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ لي: أحضر الْجَارِيَة، فأحضرته إِيَّاهَا، فغنته. فَقَالَ لي: قد جعلت لَهَا نوبَة كل يَوْم ثلاثاء، تغنيني من وَرَاء الستارة، مَعَ الْجَوَارِي، وَأمر لَهَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم. فربحت، وَالله، بِتِلْكَ الرّكْبَة، وأربحت.

стр. 1444

أَنْت طَالِق إِن لم تَكُونِي أحسن من الْقَمَر وَوجدت فِي بعض الْكتب: أَن عِيسَى بن مُوسَى، كَانَ يحب زَوجته حبا شَدِيدا، فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: أَنْت طَالِق، إِن لم تَكُونِي أحسن من الْقَمَر. فَنَهَضت، واحتجبت عَنهُ، وَقَالَت: قد طلقتني، فَبَاتَ بليلة عَظِيمَة. فَلَمَّا أصبح غَدا إِلَى الْمَنْصُور، وَأخْبرهُ الْخَبَر، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن تمّ طَلاقهَا، تلفت نَفسِي غمًا، وَكَانَ الْمَوْت أحب إِلَيّ من الْحَيَاة. وَظهر للمنصور مِنْهُ جزع شَدِيد، فأحضر الْفُقَهَاء، واستفتاهم، فَقَالَ جَمِيع من حضر، قد طلقت، إِلَّا رجلا من أَصْحَاب أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ سكت. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: مَا لَك لَا تَتَكَلَّم؟ فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،] وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سُورَة التِّين: ١-٤] فَلَا شَيْء أحسن من الْإِنْسَان. فَقَالَ الْمَنْصُور لعيسى بن مُوسَى: قد فرج الله تَعَالَى عَنْك، وَالْأَمر كَمَا قَالَ، فأقم على زَوجتك. وراسلها أَن أطيعي زَوجك، فَمَا طلقت.

стр. 1445

مَا ثَمَانِيَة وَأَرْبَعَة وَاثْنَانِ أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن بشار الْأَنْبَارِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبيد، عَن الْهَيْثَم بن عدي، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: قدم علينا عمر بن هُبَيْرَة الْكُوفَة، فَأرْسل إِلَى عشرَة، أَنا أحدهم، من وُجُوه أهل الْكُوفَة، فسمرنا عِنْده. ثمَّ قَالَ: يحدثني كل رجل مِنْكُم أُحدوثةً، وابدأ أَنْت يَا أَبَا عَمْرو. فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، أحديث الْحق، أم حَدِيث الْبَاطِل؟ فَقَالَ: بل حَدِيث الْحق. فَقلت: إِن أمرء الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ، آلي ألية، أَن لَا يتَزَوَّج بِامْرَأَة حَتَّى يسْأَلهَا عَن ثَمَانِيَة، وَأَرْبَعَة، واثنين، فَجعل يخْطب النِّسَاء، فَإِذا سَأَلَهُنَّ عَنْهَا، قُلْنَ: أَرْبَعَة عشر.

стр. 1446

فَبينا هُوَ يسير فِي اللَّيْل، وَإِذا هُوَ بِرَجُل يحمل ابْنة لَهُ صَغِيرَة، كَأَنَّهَا الْقَمَر لتمه، فَأَعْجَبتهُ. فَقَالَ لَهَا: يَا جَارِيَة، مَا ثَمَانِيَة، وَأَرْبَعَة، وَاثْنَانِ؟ فَقَالَت: أما الثَّمَانِية: فأطباء الكلبة، وَأما الْأَرْبَعَة: فأخلاف النَّاقة، وَأما الِاثْنَان: فثديا الْمَرْأَة. فَخَطَبَهَا من أَبِيهَا، فَزَوجهُ مِنْهَا، واشترطت هِيَ عَلَيْهِ، أَن تسأله لَيْلَة يَأْتِيهَا، عَن ثَلَاث خِصَال، فَجعل لَهَا ذَلِك، على نَفسه، وعَلى أَن يَسُوق لَهَا مائَة من الْإِبِل، وَعشرَة أعبد، وَعشر وصائف، وَثَلَاثَة أَفْرَاس، فَفعل ذَلِك. ثمَّ إِنَّه بعث عبدا لَهُ إِلَى الْمَرْأَة، وَأهْدى إِلَيْهَا نحيًا من سمن، ونحيًا من عسل، وحلةً من قصب. فَنزل العَبْد بِبَعْض الْمِيَاه، فنشر الْحلَّة، ولبسها، فتعلقت بشجرة فانشقت، وَفتح النحيين، وَأطْعم أهل المَاء مِنْهُمَا. ثمَّ قدم على حَيّ الْمَرْأَة وهم خلوف، فَسَأَلَهَا عَن أَبِيهَا، وَأمّهَا، وأخيها، وَدفع إِلَيْهَا هديتها. فَقَالَت: أعلم مَوْلَاك، أَن أبي ذهب يقرب بَعيدا، وَيبعد قَرِيبا، وَأَن أُمِّي ذهبت تشق النَّفس نفسين، وَأَن أخي يُرَاعِي الشَّمْس، وَأَن سماءكم

стр. 1447

انشقت، وَأَن وعائيكما نضبا. فَقدم الْغُلَام على مَوْلَاهُ، وَأخْبرهُ بِمَا قَالَت. فَقَالَ: أما قَوْلهَا: ذهب أبي يقرب بَعيدا، وَيبعد قَرِيبا، فَإِن أَبَاهَا ذهب يحالف قوما على قومه. وَأما قَوْلهَا: ذهبت أُمِّي تشق النَّفس نفسين، فَإِن أمهَا ذهبت تقبل امْرَأَة. وَأما قَوْلهَا: إِن أخي يُرَاعِي الشَّمْس، فَإِن أخاها فِي سرح لَهُ يرعاها، فَهُوَ ينْتَظر وجوب الشَّمْس ليروح. وَأما قَوْلهَا: إِن سماءكم انشقت، فَإِن الْحلَّة الَّتِي بعثت بهَا مَعَك انشقت. وَأما قَوْلهَا: إِن وعائيكما نضبا، فَإِن النحيين الَّذين بعثت بهما نقصا، فأصدقني. فَقَالَ: يَا مولَايَ، إِنِّي نزلت بِمَاء من مياه الْعَرَب، فسألوني عَن نسبي، فَأَخْبَرتهمْ أَنِّي ابْن عمك، ونشرت الْحلَّة فلبستها، وتجملت بهَا، فعلقت بشجرة، فانشقت، وَفتحت النحيين، فأطعمت مِنْهُمَا أهل المَاء. فَقَالَ: أولى لَك. ثمَّ سَاق مائَة من الْإِبِل، وَخرج نَحْوهَا، وَمَعَهُ الْغُلَام، فَنزلَا منزلا. فَقَامَ الْغُلَام ليسقي، فعجز، فأعانه امْرُؤ الْقَيْس، فَرمى بِهِ الْغُلَام فِي الْبِئْر، وَانْصَرف حَتَّى أَتَى الْمَرْأَة بِالْإِبِلِ، فَأخْبرهُم أَنه زَوجهَا. فَقيل لَهَا: قد جَاءَ زَوجك. فَقَالَت: وَالله، لَا أَدْرِي أهوَ زَوجي أم لَا، وَلَكِن انحروا لَهُ جزورًا،

стр. 1448

وأطعموه من درتها وذنبها، فَفَعَلُوا، فَأكل مَا أطعموه. فَقَالَت: اسقوه لَبَنًا حازرًا وَهُوَ الحامض، فَشرب. فَقَالَت: أفرشوا لَهُ عِنْد الفرث وَالدَّم، ففرشوا لَهُ، فَنَامَ. فَلَمَّا أَصبَحت، أرْسلت إِلَيْهِ: إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك. فَقَالَ: سَلِي عَمَّا بدا لَك. فَقَالَت: مِم تختلج شفتاك؟ فَقَالَ: لتقبيلي فَاك. فَقَالَت: مِم يختلج كشحاك؟ قَالَ: لالتزامي إياك. فَقَالَت: مِم يختلج فخذاك؟ فَقَالَ: لتوركي إياك. فَقَالَت: عَلَيْكُم بِالْعَبدِ، فشدوا أَيْدِيكُم بِهِ، فَفَعَلُوا. قَالَ: وَمر قوم، فَاسْتَخْرَجُوا امرء الْقَيْس من الْبِئْر، فَرجع إِلَى حيه، وَاسْتَاقَ مائَة من الْإِبِل، وَأَقْبل إِلَى امْرَأَته. فَقيل لَهَا: قد جَاءَ زَوجك. فَقَالَت: وَالله، مَا أَدْرِي أهوَ زَوجي أم لَا، وَلَكِن أنحروا لَهُ جزورًا، وأطعموه من كرشها وذنبها، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَتَوْهُ بذلك، قَالَ: أَيْن الكبد والسنام والملحة، وأبى أَن يَأْكُل.

стр. 1449

فَقَالَت: أسقوه لَبَنًا حازرًا، فَأبى أَن يشرب، وَقَالَ: أَيْن الضَّرْب والزبد؟ فَقَالَت: افرشوا لَهُ عِنْد الفرث وَالدَّم، فَأبى أَن ينَام، وَقَالَ: افرشوا لي فَوق التلعة الْحَمْرَاء، واضربوا لي عَلَيْهَا خباء. ثمَّ أرْسلت إِلَيْهِ تَقول: هَات شرطي عَلَيْك فِي الْمسَائِل الثَّلَاث، فَأرْسل إِلَيْهَا سَلِي عَمَّا شِئْت. فَقَالَت: مِم تختلج شفتاك؟ قَالَ: لشربي المشعشعات. قَالَت: مِم يختلج كشحاك؟ قَالَ: للبسي الحبرات. قَالَت: فمم يختلج فخذاك؟ قَالَ: لركوبي السابقات. فَقَالَت: هَذَا هُوَ زَوجي، فَعَلَيْكُم بِهِ، واقتلوا العَبْد، فَقَتَلُوهُ، وَأَقْبل امْرُؤ الْقَيْس على الْجَارِيَة. فَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: لَا خير فِي سَائِر الحَدِيث اللَّيْلَة، بعد حَدِيثك يَا أَبَا عَمْرو، وَلنْ يأتينا أحد بِأَعْجَب مِنْهُ، فقمنا، وانصرفنا، وَأمر لي بجائزة.

стр. 1450

أَخْبَار قيس ولبنى وجدت فِي كتاب الأغاني الْكَبِير، لأبي الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، الَّذِي أجَاز لي رِوَايَته، فِي جملَة مَا أجَازه لي، أَخْبَار قيس بن ذريح اللَّيْثِيّ، فَقَالَ فِي صدرها: أَخْبرنِي بِخَبَر قيس بن ذريح ولبنى امْرَأَته، جمَاعَة من مَشَايِخنَا، فِي قصَص مُتَّصِلَة ومتقطعة، وأخبار منظومة ومنثورة، فألفت جَمِيع ذَلِك ليتسق حَدِيثه، إِلَّا مَا جَاءَ مُنْفَردا، وَحسن إِخْرَاجه عَن جملَة النّظم، فَذَكرته على حِدته. فَمِمَّنْ أخبرنَا بِخَبَرِهِ أَحْمد بن عبد الْعَزِيز الْجَوْهَرِي، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، وَلم يتجاوزه إِلَى غَيره، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَيُّوب عَن ابْن قُتَيْبَة. وَالْحسن بن عَليّ، عَن مُحَمَّد بن أبي السّري، عَن هِشَام مُحَمَّد الْكَلْبِيّ، وعَلى رِوَايَته أَكثر الْمعول. وَنسخت أَيْضا من أخباره الْمَنْظُومَة، أَشْيَاء ذكرهَا القحذمي، عَن رِجَاله، وخَالِد بن كُلْثُوم عَن نَفسه، وَمن روى عَنهُ، وخَالِد بن جميل. ونتفًا حَكَاهَا اليوسفي صَاحب الرسائل، عَن أَبِيه، عَن أَحْمد بن حَمَّاد، عَن جميل، عَن ابْن أبي جنَاح الكعبي، وحكيت كل مُتَّفق فِيهِ مُتَّصِلا، وكل مُخْتَلف فِي مَعَانِيه مَنْسُوبا إِلَى رَاوِيه، قَالُوا جَمِيعًا:

стр. 1451

كَانَ منزل فِي ظَاهر الْمَدِينَة لذريح، وَهُوَ أَبُو قيس، وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ من حَاضِرَة الْمَدِينَة. فَمر قيس فِي بعض حَوَائِجه، ذَات يَوْم، بحي من بني كَعْب بن خُزَاعَة، والحي خلوف، فَوقف على خباء لبنى بنت الْحباب الْكَعْبِيَّة، واستسقى مَاء، فسقته، وَخرجت إِلَيْهِ بِهِ، وَكَانَت امْرَأَة مديدة الْقَامَة، شهلاء، حلوة المنظر وَالْكَلَام، فَلَمَّا رَآهَا وَقعت فِي نَفسه، وَشرب من المَاء. فَقَالَت لَهُ: أتنزل عندنَا؟ قَالَ: نعم، فَنزل بهم، وَجَاء أَبوهَا، فَنحر لَهُ وأكرمه. وَانْصَرف قيس، وَفِي قلبه من لبنى حر لَا يطفأ، فَجعل ينْطق بالشعر فِيهَا حَتَّى شاع خَبره، وَرُوِيَ شعره فِيهَا. وأتاها يَوْمًا آخر، وَقد اشْتَدَّ وجده بهَا، فَسلم، فظهرت لَهُ، وَردت سَلَامه، ورحبت بِهِ، فَشكى إِلَيْهَا مَا يجد بهَا، وَمَا يلقى من حبها، فَبَكَتْ وَشَكتْ إِلَيْهِ مثل ذَلِك، فَعرف كل وَاحِد مِنْهُمَا، مَا لَهُ عِنْد صَاحبه. ثمَّ انْصَرف إِلَى أَبِيه، فَأعلمهُ بِحَالهِ، وَسَأَلَهُ أَن يُزَوجهُ إِيَّاهَا، فَأبى عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا بني عَلَيْك بِإِحْدَى بَنَات عمك، فهن أَحَق بك، وَكَانَ ذريح كثير المَال، وَأحب أَن لَا يخرج مَاله إِلَى غَرِيبَة. فَانْصَرف قيس، وَقد سَاءَهُ مَا خاطبه بِهِ أَبوهُ، فَأتى أمه وشكى ذَلِك إِلَيْهَا، واستعان بهَا على أَبِيه، فَلم يجد عِنْدهَا مَا يحب.

стр. 1452

فَأتى الْحُسَيْن بن عَليّ، سَلام الله عَلَيْهِمَا، فَشكى مَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: أَنا أكفيك. فَمضى مَعَه إِلَى أبي لبنى، فَلَمَّا بصر بِهِ، وثب إِلَيْهِ، وأعظمه، وَقَالَ: يَابْنَ رَسُول الله، مَا جَاءَ بك إِلَيّ؟ أَلا بعثت إِلَيّ فآتيك؟ قَالَ: قد جئْتُك خاطبًا ابْنَتك لبنى، لقيس بن ذريح، وَقد عرفت مَكَانَهُ مني. فَقَالَ: يَابْنَ بنت رَسُول الله، مَا كنت لأعصي لَك أمرا، وَمَا بِنَا عَن الْفَتى رَغْبَة، وَلَكِن أحب الْأَمريْنِ إِلَيْنَا، أَن يخطبها ذريح علينا، وَأَن يكون ذَلِك عَن أمره، فَإنَّا نَخَاف أَن يسمع أَبوهُ بِهَذَا، فَيكون عارًا ومسبة علينا. فَأتى الْحُسَيْن سَلام الله عَلَيْهِ ذريحًا، وَقَومه مجتمعون، فَقَامُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ مثل قَول الْخُزَاعِيّ. فَقَالَ: يَا ذريح، أَقْسَمت عَلَيْك بحقي، إِلَّا خطبت لبنى لابنك قيس. فَقَالَ: السّمع وَالطَّاعَة لأمرك. وَخرج مَعَه فِي وُجُوه قومه، حَتَّى أَتَى حَيّ لبنى، فَخَطَبَهَا ذريح من أَبِيهَا على ابْنه قيس، فَزَوجهُ بهَا، وزفت إِلَيْهِ. فَأَقَامَ مَعهَا مُدَّة، لَا يُنكر أَحدهمَا من صَاحبه شَيْئا.

стр. 1453

وَكَانَ قيس أبر النَّاس بِأُمِّهِ، فألهته لبنى وعكوفه عَلَيْهَا عَن بعض ذَلِك، فَوجدت أمه فِي نَفسهَا، وَقَالَت: لقد شغلت هَذِه الْمَرْأَة ابْني عَن بري. وَلم تَرَ للْكَلَام موضعا حَتَّى مرض قيس مَرضا شَدِيدا، فَلَمَّا برِئ، قَالَت أمه لِأَبِيهِ: لقد خشيت أَن يَمُوت قيس وَلم يتْرك خلفا، وَقد حرم الْوَلَد من هَذِه الْمَرْأَة، وَأَنت ذُو مَال، فَيصير مَالك إِلَى الْكَلَالَة، فَزَوجهُ غَيرهَا، لَعَلَّ الله يرزقه ولدا، وألحت عَلَيْهِ فِي ذَلِك. فأمهل ذريح حَتَّى اجْتمع قومه، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا قيس، إِنَّك اعتللت هَذِه الْعلَّة وَلَا ولد لَك، وَلَا لي سواك، وَهَذِه الْمَرْأَة لَيست بولود، فَتزَوج إِحْدَى بَنَات عمك لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يهب لَك ولدا تقر بِهِ عَيْنك وأعيننا. فَقَالَ قيس: لست متزوجًا غَيرهَا أبدا. فَقَالَ أَبوهُ: يَا بني، فَإِن مَالِي كثير، فتسر بالإماء. فَقَالَ: وَلَا أسوءها بِشَيْء أبدا. قَالَ أَبوهُ: فَإِنِّي أقسم عَلَيْك إِلَّا طَلقتهَا. فَأبى، وَقَالَ: الْمَوْت، وَالله، أسهل عَليّ من ذَلِك، وَلَكِنِّي أخيرك خصْلَة من خِصَال. فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تتَزَوَّج أَنْت، فَلَعَلَّ الله أَن يرزقك ولدا غَيْرِي. فَقَالَ: مَا فِي فضل لذَلِك. قَالَ: فَدَعْنِي أرحل عَنْك بأهلي، وأصنع مَا كنت صانعًا، لَو كنت مت فِي علتي هَذِه. فَقَالَ: وَلَا هَذَا. قَالَ: فأدع لبنى عنْدك، وأرتحل عَنْك إِلَى أَن أسلوها، فَإِنِّي مَا تحب

стр. 1454

نَفسِي أَن أعيش، وَتَكون لبنى غَائِبَة عني أبدا، وَأَن لَا تكون فِي حبالي. فَقَالَ: لَا أرْضى بذلك، أَو تطلقها، وَحلف لَا يكنه سقف بَيت أبدا، حَتَّى يُطلق لبنى. وَكَانَ يخرج فيقف فِي حر الشَّمْس، وَيَجِيء قيس فيقف إِلَى جَانِبه، فيظله بردائه، وَيصلى هُوَ بَحر الشَّمْس، حَتَّى يفِيء الْفَيْء عَنهُ، وينصرف إِلَى لبنى، فيعانقها، ويبكي، وتبكي مَعَه. وَتقول لَهُ: يَا قيس، لَا تُطِع أَبَاك، فتهلك، وتهلكني مَعَك. فَيَقُول لَهَا: مَا كنت لأطيع أحدا فِيك أبدا. فَيُقَال: إِنَّه مكث كَذَلِك سنة، ثمَّ طَلقهَا لأجل وَالِده، فَلم يطق الصَّبْر عَنْهَا. قَالَ ابْن جريج: أخْبرت أَن عبد الله بن صَفْوَان لَقِي ذريحًا أَبَا قيس، فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على أَن فرقت بَين قيس ولبنى، أما علمت أَن عمر بن الْخطاب ﵁، قَالَ: مَا أُبَالِي فرقت بَين الرجل وَامْرَأَته، أَو مشيت إِلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ. وروى هَذَا الحَدِيث، إِبْرَاهِيم بن يسَار الرَّمَادِي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: قَالَ الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉ لذريح بن سنة، أبي قيس: أحل لَك أَن فرقت بَين قيس ولبنى، أما أَنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁، يَقُول: مَا أُبَالِي فرقت بَين الرجل وَامْرَأَته، أَو مشيت إِلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ. قَالَ أَبُو الْفرج: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن معِين، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: حَدثنَا

стр. 1455

ابْن جريج، قَالَ: أخبرنَا عمر بن أبي نصر، عَن لَيْث بن عَمْرو، أَنه سمع قيس بن ذريح يَقُول ليزِيد بن سُلَيْمَان: هجرني أبواي، اثْنَتَيْ عشرَة سنة، أَسْتَأْذن عَلَيْهِمَا، فيرداني، حَتَّى طَلقتهَا. قَالُوا: فَلَمَّا بَانَتْ لبنى مِنْهُ، بطلاقه إِيَّاهَا، وَفرغ من الْكَلَام، لم يلبث حَتَّى استطير عقله، ولحقه مثل الْجُنُون، وَجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وَبَلغهَا الْخَبَر، فَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا ليحملها، وَقيل: أَقَامَت حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، وَقيس يدْخل إِلَيْهَا، فَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا ليحملها، فَأقبل أَبوهَا بهودج على نَاقَة، وَمَعَهُ إبل، ليحمل أثاثها. فَلَمَّا رأى قيس ذَلِك، أقبل على جاريتها، وَقَالَ: وَيحك، مَا دهاني فِيكُم؟ فَقَالَت: لَا تَسْأَلنِي، وسل لبنى. فَذهب ليلم بخبائها، فَمَنعه قَومهَا، وَأَقْبَلت عَلَيْهِ امْرَأَة من قَومهَا، وَقَالَت: وَيحك تسْأَل، كَأَنَّك جَاهِل أَو متجاهل، هَذِه لبنى ترحل اللَّيْلَة أَو غَدا. فَسقط مغشيًا عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق، وَبكى بكاء كثيرا، ثمَّ أنشأ يَقُول: وإنّي لمفنٍ دمع عَيْني بالبكا ... حذار الَّذِي قد كَانَ أَو هُوَ كَائِن وَقَالُوا غَدا أَو بعد ذَاك بليلة ... فِرَاق حبيب لم يبن وَهُوَ بَائِن وَمَا كنت أخْشَى أَن تكون منيّتي ... بكفّيك إِلَّا أنّ مَا حَان حائن قَالَ أَبُو الْفرج: فِي هَذِه الأبيات غناء، وَلها أَخْبَار قد ذكرت فِي أَخْبَار الْمَجْنُون قيس بن الملوح، مَجْنُون بني عَامر، ثمَّ ذكر أَبُو الْفرج بعد هَذَا عدَّة قطع من شعر قيس بن ذريح. ثمَّ قَالَ: قَالُوا: فَلَمَّا ارتحل بهَا أَبوهَا إِلَى قَومهَا، أتبعهَا مَلِيًّا، ثمَّ علم أَن

стр. 1456

أَبَاهَا يسوءه أَن يسير مَعهَا، ويمنعه ذَلِك، فَوقف ينظر إِلَيْهَا ويبكي، حَتَّى غَابُوا عَن عَيْنَيْهِ، فكر رَاجعا، فَنظر إِلَى أثر خف بَعِيرهَا، فأكب عَلَيْهِ يقبله، وَرجع يقبل مَوضِع مجلسها، وَأثر قدميها، فليم على ذَلِك، وعنفه قومه فِي تَقْبِيل التُّرَاب، فَقَالَ: وَمَا أَحْبَبْت أَرْضكُم وَلَكِن ... أقبّل إِثْر من وطئ الترابا لقد لاقيت من كلفي بلبنى ... بلَاء مَا أسيغ لَهُ شرابًا إِذا نَادَى الْمُنَادِي باسم لبنى ... عييت فَمَا أُطِيق لَهُ جَوَابا ثمَّ ذكر أَبُو الْفرج قطعا من شعر قيس، وأخبارًا من أخباره منشورة، بأسانيد مُفْردَة على الْإِسْنَاد الَّذِي رويته عَنهُ هَهُنَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَوَاضِع من الحَدِيث الَّذِي جمع فِيهِ من أسانيده، وأتى بسياقة يطول عَليّ أَن أذكرها فِي كتابي هَذَا، جُمْلَتهَا عَظِيم مَا لحق قيس من التململ، والسهر، والحزن، والأسفار، والبكاء الْعَظِيم، والجزع المفرط، وإلصاق خَدّه بِالْأَرْضِ على آثارها، وَخُرُوجه فِي أَثَرهَا، وشم رائحتها، وعتابه نَفسه فِي طَاعَة أَبِيه على طَلاقهَا. ثمَّ اعتل عِلّة أشرف مِنْهَا على الْمَوْت، فَجمع لَهُ أَبوهُ فتيات الْحَيّ يعللنه، ويحدثنه، طَمَعا فِي أَن يسلو عَن لبنى، ويعلق بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ، فيزوجه مِنْهَا، فَلم يفعل، وقصة لَهُ مَعَ طَبِيب أحضر لَهُ، وَقطع شعر كَثِيرَة لقيس فِي خلال ذَلِك. ثمَّ إِن أَبَا لبنى شكا قيسا إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَذكر تعرضه لَهَا بعد الطَّلَاق. فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم بهدر دَمه إِن تعرض لَهَا، فَكتب مَرْوَان بذلك إِلَى صَاحب المَاء.

стр. 1457

ثمَّ إِن أَبَاهَا زَوجهَا، فَبلغ ذَلِك قيسا، فَاشْتَدَّ جزعه، وَجعل يبكي أَشد بكاء، وأتى حِلَّةَ قَومهَا، فَنزل عَن رَاحِلَته، وَجعل يتَعَمَّد فِي موضعهَا، ويمرغ خَدّه على ترابها، ويبكي أحر بكاء، ثمَّ قَالَ قصيدته الَّتِي رَوَاهَا أَبُو الْفرج، الَّتِي أَولهَا: إِلَى الله أَشْكُو فقد لبنى كَمَا شكا ... إِلَى الله فقد الْوَالِدين يَتِيم وَذكر بعد هَذَا أَخْبَارًا لَهُ مَعهَا، واجتماعات عفيفة كَانَت بَينهمَا، بحيل طريفة، ووجدها بِهِ، وبكاءها فِي طَلاقهَا، وإنكار زَوجهَا، الَّذِي تزَوجهَا بعد قيس، ذَلِك عَلَيْهَا، ومكاشفتها لَهُ، وَعلة أُخْرَى لحقت قيسا، واشتهارهما، وافتضاحهما، وَمَا لحق قيسا ولبنى من الخبل، واختلال الْعقل، وَقطع شعر كَثِيرَة لقيس أَيْضا فِي خلال ذَلِك، وَأَن قيسا مضى إِلَى ابْن أبي عَتيق، فَمضى بِهِ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة، ومدحه وشكى إِلَيْهِ مَا جرى عَلَيْهِ، فرق لَهُ، ورحمه، وَأخذ لَهُ كتاب أَبِيه بِأَن يُقيم حَيْثُ أحب، وَلَا يعْتَرض لَهُ أحد، وأزال مَا كتب بِهِ إِلَى مَرْوَان، من هدر دَمه، وَقطع شعر كَثِيرَة أُخْرَى لقيس فِي خلال ذَلِك، وأخبار مُفْردَة، ومفصلة. ثمَّ قَالَ: وَقد اخْتلف فِي أَكثر أَمر قيس ولبنى، وَذكر كلَاما يَسِيرا فِي ذَلِك، والجميع فِي نَيف وَعشْرين ورقة.

стр. 1458

وَذكر القحذمي: أَن ابْن أبي عَتيق، صَار إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ، وَجَمَاعَة من قُرَيْش وَقَالَ لَهُم: إِن لي حَاجَة أحب أَن تقضوها، وَأَنا أستعين بجاهكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْهَا. قَالُوا: ذَلِك مبذول لَك منا، فَاجْتمعُوا بِيَوْم وعدهم فِيهِ، فَمضى بهم إِلَى زوج لبنى، فَلَمَّا رَآهُمْ، أعظم مَسِيرهمْ إِلَيْهِ، وأكبره. فَقَالُوا: قد جئْنَاك بأجمعنا فِي حَاجَة لِابْنِ أبي عَتيق. فَقَالَ: هِيَ مقضية كائنة مَا كَانَت. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: قد قضيتها كائنة مَا كَانَت؟ قَالَ: نعم. قَالَ: تهب لي الْيَوْم لبنى زَوجتك، وَتُطَلِّقهَا ثَلَاثًا. قَالَ: فَإِنِّي أشهدكم أَنَّهَا طَالِق ثَلَاثًا. فاستحيا الْقَوْم، وَاعْتَذَرُوا، وَقَالُوا: وَالله، مَا عرفنَا حَاجته، وَلَو علمنَا أَنَّهَا هَذِه، مَا سألناك إِيَّاهَا. قَالَ ابْن أبي عَائِشَة: فَعوضهُ الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉ عَن ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم. وَحمل ابْن أبي عَتيق، لبنى مَعَه، فَلم تزل عِنْده، حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، وَسَأَلَ الْقَوْم أَبَاهَا، فَزَوجهَا قيسا، وَلم تزل مَعَه حَتَّى مَاتَ. فَقَالَ قيس يمدح ابْن أبي عَتيق: جزى الرَّحْمَن أفضل مَا يجازي ... على الْإِحْسَان خيرا من صديق فقد جرّبت إخْوَانِي جَمِيعًا ... فَمَا ألفيت كَابْن أبي عَتيق

стр. 1459

سعى فِي جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فِيهِ عَن الطَّرِيق وأطفأ لوعة كَانَت بقلبي ... أغصّتني حَرَارَتهَا بريقي قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: يَا حَبِيبِي، أمسك عَن هَذَا الحَدِيث، فَمَا سَمعه أحد إِلَّا ظنني قوادًا.

стр. 1460

عشق جَارِيَة زَوجته فوهبتها لَهُ وَوجدت فِي بعض كتبي: قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة: كَانَت لزوجتي جَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه، فعلقتها، وَعلمت زَوْجَتي بذلك، فحجبتها عني، فَاشْتَدَّ مَا بِي من الوجد عَلَيْهَا، وقاسيت شدَّة شَدِيدَة. فَبينا أَنا ذَات لَيْلَة نَائِم، ومولاتها زَوْجَتي إِلَى جَانِبي، إِذْ رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن الْجَارِيَة حيالي، وَأَنا أبْكِي، إِذْ لَاحَ لي إِنْسَان فأنشدني: وقفت حيالك أذري الدُّمُوع ... وأخلط بالدمع منّي دَمًا وأشكو الَّذِي بِي إِلَى عاذلي ... وَلَا خير فِي الحبّ أَن يكتما رضيت بِمَا لَيْسَ فِيهِ رضَا ... بِتَسْلِيم طرفك إِن سلّما فتهت عليّ وأقصيتني ... وأعزز عليّ بِأَن أرغما قَالَ: فانتبهت فَزعًا مَرْعُوبًا، ودعوت بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَجَلَست فِي فِرَاشِي، وكتبت الشّعْر. فَقَالَت لي زَوْجَتي: مَاذَا تصنع؟ فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة والرؤيا. فَقَالَت: هَذَا كُله من حب فُلَانَة؟ قد وهبتها لَك.

стр. 1461

بِاللَّه يَا طرفِي الْجَانِي على كَبِدِي أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنَا معبد الصَّغِير الْمُغنِي، مولى عَليّ بن يَقْطِين، قَالَ: كنت مُنْقَطِعًا إِلَى البرامكة، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم فِي منزلي، وَإِذا بَابي يدق، فَخرج غلامي ثمَّ رَجَعَ إِلَيّ. فَقَالَ: على الْبَاب فَتى ظَاهر الْمُرُوءَة، يسْتَأْذن عَلَيْك. فَأَذنت لَهُ، فَدخل عَليّ شَاب، مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ وَجها، وَلَا أنظف ثوبا، وَلَا أجمل زيًا، عَلَيْهِ أثر السقم ظَاهر. فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي أَنا مُنْذُ مُدَّة أحاول لقاءك، وَلَا أجد إِلَيْهِ سَبِيلا، ولي إِلَيْك حَاجَة. قلت: مَا هِيَ؟ فَأخْرج إِلَيّ ثلث مائَة دِينَار، فوضعها بَين يَدي. ثمَّ قَالَ: أَسأَلك أَن تقبلهَا، وتصنع فِي بَيْتَيْنِ قلتهما لحنًا تغنيني بِهِ. فَقلت لَهُ: هاتهما، فأنشدني: بالله يَا طرفِي الْجَانِي على كَبِدِي ... لتطفئنّ بدمعي لوعة الْحزن أَولا تؤخّر حَتَّى يحجبوا سكني ... فَلَا أرَاهُ وَلَو أدرجت فِي كفني

стр. 1462

قَالَ: فصنعت فيهمَا لحنًا، ثقيل أول، مُطلق فِي مجْرى الْوُسْطَى، ثمَّ غنيته إِيَّاه، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى ظننته قد مَاتَ. ثمَّ أَفَاق، فَقَالَ: أعد فديتك. قلت: أخْشَى أَن تَمُوت. فَقَالَ: هَيْهَات، هَيْهَات، أَنا أَشْقَى من ذَلِك، فأعد عَليّ. وَمَا زَالَ يخضع ويتضرع، حَتَّى أعدته، فَصعِقَ صعقة أَشد من الأولى، حَتَّى ظَنَنْت نَفسه قد فاظت، فَلَمَّا أَفَاق، رددت عَلَيْهِ الدَّنَانِير. وَقلت لَهُ: خُذ دنانيرك، وَانْصَرف عني، فقد قضيت حَاجَتك، وَبَلغت وطرًا مِمَّا أردته، وَلست أحب أَن أشارك فِي دمك. فَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِي الدَّنَانِير، وَهَذِه مثلهَا لَك، وَأخرج ثلث مائَة دِينَار أُخْرَى. وَقَالَ: أعد عَليّ الصَّوْت مرّة أُخْرَى، وحلال لَك دمي. فَقلت: لَا وَالله، إِلَّا على شَرط. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلت: تقيم عِنْدِي، وتتحرم بطعامي وتشرب أقداحًا من النَّبِيذ تشد قَلْبك، وتسكن بعض مَا بك، وتحدثني بقصتك. فَقَالَ: أفعل. فَأخذت الدَّنَانِير، ودعوت بِطَعَام، فَأصَاب مِنْهُ، وبالنبيذ، فَشرب أقداحًا، وغنيته بِشعر غَيره فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ يشرب ويبكي. ثمَّ قَالَ: الشَّرْط، أعزّك الله، فغنيته صَوته، فَجعل يبكي أحر بكاء، وينتحب. فَلَمَّا رَأَيْت مَا بِهِ قد خف عَمَّا كَانَ يلْحقهُ، والنبيذ قد شدّ من قوته، كررت عَلَيْهِ صَوته مرَارًا، ثمَّ قلت لَهُ: حَدثنِي حَدِيثك.

стр. 1463

فَقَالَ: أَنا رجل من أهل الْمَدِينَة، خرجت يَوْمًا متنزهًا فِي ظَاهرهَا، وَقد سَالَ العقيق، فِي فتية وأقران، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل مَا خرجنَا نَحن لَهُ، فجلسن قَرِيبا منا. وَنظرت بَينهُنَّ إِلَى فتاة كَأَنَّهَا قضيب بَان قد طله الندى، تنظر بعينين، مَا ارْتَدَّ طرفهما إِلَّا بِنَفس من يلاحظهما، فأطلنا وأطلن، حَتَّى تفرق النَّاس. وانصرفنا، وَقد أبقت بقلبي جرحا بطيئًا اندماله، فسرت إِلَى منزلي وَأَنا وقيذ. وَخرجت من غَد إِلَى العقيق، وَلَيْسَ فِيهِ أحد، فَلم أر لَهَا أثرا، ثمَّ جعلت أتتبعها فِي طرق الْمَدِينَة وأسواقها، فَكَأَن الأَرْض ابتلعتها، وسقمت، حَتَّى يئس مني أَهلِي. فأعلمت زَوْجَة أبي بذلك، فَقَالَت: لَا بَأْس عَلَيْك، هَذِه أَيَّام الرّبيع قد أَقبلت، وَهِي سنة خصب، والساعة يَأْتِي الْمَطَر، فَتخرج وَأخرج مَعَك، فَإِن النسْوَة سيجئن، فَإِذا رَأَيْتهَا اتبعتها، حَتَّى أعرف موضعهَا، ثمَّ أصل بَيْنكُمَا، وأسعى لَك فِي تَزْوِيجهَا. قَالَ: فَكَأَن نَفسِي اطمأنت، وَرجعت، وَجَاء الْمَطَر، وسال العقيق، وَخرجت

стр. 1464

مَعَ إخْوَانِي إِلَيْهِ، وَزَوْجَة أبي مَعنا، فَجَلَسْنَا مَجْلِسنَا الأول، فَمَا كُنَّا والنسوة إِلَّا كفرسي رهان، فأومأت إِلَى زَوْجَة أبي، فَجَلَست قَرِيبا مِنْهَا. وَأَقْبَلت على إخْوَانِي، فَقلت لَهُم: أحسن وَالله الْقَائِل، إِذْ يَقُول: رمتني بِسَهْم أقصد الْقلب وانثنت ... وَقد غادرت جرحا بِهِ وندوبا فَأَقْبَلت على صويحباتها، وَقَالَت: أحسن وَالله الْقَائِل، وَأحسن من أَجَابَهُ حَيْثُ يَقُول: بِنَا مثل مَا تَشْكُو فصبرًا لعلّنا ... نرى فرجا يشفي السقام قَرِيبا قَالَ: فَأَمْسَكت عَن الْجَواب، خوفًا أَن يظْهر مني مَا يفضحني وَإِيَّاهَا، وانصرفنا. وتبعتها زَوْجَة أبي، حَتَّى عرفت بَيتهَا، وَصَارَت إِلَيّ، وَأخذت بيَدي، ومضينا إِلَيْهَا، وتزاورنا، وتلاقينا على حَال مراقبة ومخالسة. حَتَّى ظهر مَا بيني وَبَينهَا، فحجبها أَهلهَا، وتشدد عَلَيْهَا أَبوهَا، فَلم أقدر عَلَيْهَا. فشكوت إِلَى أبي شدَّة مَا نالني، وَشدَّة مَا ألْقى، وَسَأَلته خطبتها. فمضيت أَنا وَأبي ومشيخة قومِي إِلَى أَبِيهَا، فخطبوها، فَقَالَ: لَو كَانَ بَدَأَ بِهَذَا من قبل أَن يشهرها، لأسعفناه بحاجته وَبِمَا ألتمس، لكنه قد فضحها، فَلم أكن لأحقق قَول النَّاس فِيهَا بتزويجه إِيَّاهَا، فَانْصَرَفت على يأس مِنْهَا وَمن نَفسِي، قَالَ معبد: فَسَأَلته أَن ينزل بقربي، فَأَجَابَنِي، وَصَارَت بَيْننَا عشرَة. ثمَّ جلس جَعْفَر بن يحيى يَوْمًا للشُّرْب، فَأَتَيْته، فَكَانَ أول صَوت غنيته بِشعر الْفَتى، فطرب عَلَيْهِ طَربا شَدِيدا، وَقَالَ: وَيحك لمن هَذَا الصَّوْت؟

стр. 1465

فَحَدَّثته فَأمر بإحضار الْفَتى، فأحضر فِي وقته، فاستعاده الحَدِيث، فَأَعَادَهُ. فَقَالَ لَهُ: هِيَ فِي ذِمَّتِي، حَتَّى أزَوجك بهَا فطابت نَفسِي وَنَفس الْفَتى، وَأقَام مَعنا ليلتنا حَتَّى أصبح. وَغدا جَعْفَر إِلَى الرشيد، فحدثه الحَدِيث، فَعجب مِنْهُ، وَأمر بإحضارنا جَمِيعًا، وَأمر بِأَن أغنيه الصَّوْت، فغنيته، وَشرب عَلَيْهِ، وَسمع حَدِيث الْفَتى. فَأمر من وقته، بِأَن يكْتب إِلَى عَامل الْحجاز، بإشخاص الرجل وَابْنَته، وَسَائِر أَهله إِلَى حَضرته. فَلم تمض إِلَّا مَسَافَة الطَّرِيق، حَتَّى أحضر، فَأمر الرشيد بإحضاره إِلَيْهِ، فأوصل، وخطب إِلَيْهِ الْجَارِيَة للفتى، فَأَجَابَهُ، فَزَوجهُ إِيَّاهَا، وَحمل الرشيد إِلَيْهِ ألف دِينَار مهرهَا، وَألف دِينَار لجهازها، وَألف دِينَار لنفقته، فِي طَرِيقه، وَأمر للفتى بألفي دِينَار. وَكَانَ الْمَدِينِيّ بعد ذَلِك من جملَة ندمائه.

стр. 1466

بِهِ من غير دائه وَهُوَ صَالح أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سرت إِلَى سر من رأى بعد قدومي من الْحَج، فَدخلت إِلَى الواثق بِاللَّه، فَقَالَ: بِأَيّ شَيْء أطرفتني من الْأَحَادِيث الَّتِي استفدتها من الْأَعْرَاب وأشعارهم؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جلس إِلَيّ فَتى من الْأَعْرَاب فِي بعض الْمنَازل، فحاورني، فَرَأَيْت مِنْهُ أحلى مَا رَأَيْت من الفتيان، منْظرًا، وحديثًا، وظرفًا، وأدبًا. فاستنشدته، فأنشدني: سقى الْعلم الْفَرد الَّذِي فِي ظلاله ... غزالان مكتنّان مؤتلفان إِذا أمنا ألتفّا بجيد تواصلٍ ... وطرفاهما للريب مسترقان أردتهما ختلًا فَلم أستطعهما ... ورميًا ففاتاني وَقد قتلاني ثمَّ تنفس تنفسًا، ظَنَنْت أَنه قد قطع حيازيمه. فَقلت لَهُ: مَا لَك بِأبي أَنْت؟ فَقَالَ: وَرَاء هذَيْن الجبلين شجني، وَقد حيل بيني وَبَين الْمُرُور بِهَذِهِ الْبِلَاد، ونذروا دمي، فَأَنا أتمتع بِالنّظرِ إِلَى هذَيْن الجبلين، تعللًا بهما، إِذا قدم الْحَاج، ثمَّ يُحَال بيني وَبَين ذَلِك. فَقلت لَهُ: زِدْنِي مِمَّا قلت، فأنشدني:

стр. 1467

إِذا مَا وَردت المَاء فِي بعض أَهله ... حُضُور فعرّض بِي كأنّك مازح فَإِن سَأَلت عنّي حُضُور فَقل لَهَا ... بِهِ غيرٌ من دائه وَهُوَ صَالح فَأمرنِي الواثق، فَكتبت الشعرين. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَاني، فَقَالَ لي: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي أحد الشعرين لحنًا، فاسمعه، فَإِن ارتضيته أظهرناه، وَإِن رَأَيْت فِيهِ مَوضِع إصْلَاح أصلحناه. ثمَّ غَنِي لنا بِهِ من وَرَاء الستارة، فَكَانَ فِي غَايَة الْجَوْدَة، وَكَذَلِكَ كَانَ يصنع إِذا وضع لحنًا. فَقلت لَهُ: أحسن، وَالله، صانعه، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: بحياتي؟ فَقلت: إِي وحياتك، وَحلفت لَهُ بِمَا وثق بِهِ. فَأمر لي برطل، فَشَربته، ثمَّ أَخذ الْعود، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، دَعَاني، فَقَالَ: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي الشّعْر الآخر لحنًا، وَأمر فغني بِهِ، فَكَانَ حَالي مثل الْحَال فِي الشّعْر الأول، وَحلفت لَهُ على جودته، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. ثمَّ قَالَ: هَل قضيت حق حَدِيثك؟ فَقلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَأتم نعْمَته عَلَيْك. فَقَالَ: وَلَكِنَّك لم تقض حق الْأَعرَابِي، وَلَا سَأَلتنِي معونته على أمره؟ وَقد سبقت مسألتك، وكتبت بِخَبَرِهِ إِلَى صَاحب الْحجاز، وأمرته بتجهيزه، وخطبة

стр. 1468

الْمَرْأَة لَهُ، وَحمل صَدَاقهَا إِلَى قَومهَا عَنهُ من مالنا، فَفعل. فَقبلت يَده، وَقلت: السَّبق إِلَى المكارم لَك، وَأَنت أولى بهَا من غَيْرك من سَائِر النَّاس. قَالَ: أَبُو الْفرج: وصنعة الواثق فِي الشعرين جَمِيعًا من الرمل.

стр. 1469

عمر بن أبي ربيعَة والجعد بن مهجع العذري وحَدثني أَبُو الْفرج الْقرشِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: نسخت من كتاب مُحَمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد، قَالَ: ذكر الرياشي قَالَ: قَالَ حَمَّاد الراوية: أتيت فِي مَكَّة، إِلَى حَلقَة فِيهَا عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، فتذاكرنا العذريين، وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: كَانَ لي صديق من بني عذرة يُقَال لَهُ: الْجَعْد بن مهجع، وَكَانَ أحد بني سلامان، وَكَانَ يلقى من الصبابة، مثل الَّذِي أَلْقَاهُ بِالنسَاء، على أَنه كَانَ لَا عاهر الْخلْوَة، وَلَا سريع السلوة. وَكَانَ يوافي الْمَوْسِم فِي كل سنة، فَإِذا غَابَ عَن وقته، ترجحت عَنهُ الْأَخْبَار، وتوكفت لَهُ الْأَسْفَار، حَتَّى يقدم. فغمني ذَات سنة إبطاؤه، حَتَّى قدم حَاج عذرة، فَأتيت الْقَوْم أنْشد صَاحِبي، فَإِذا غُلَام قد تنفس الصعداء، وَقَالَ: عَن أبي المسهر تسْأَل؟ قلت: نعم، وإياه أردْت.

стр. 1470

فَقَالَ: هَيْهَات، هَيْهَات، أصبح، وَالله، أَبُو المسهر، لَا ميئوس مِنْهُ فيهمل، وَلَا مرجو فيعلل، أصبح، وَالله، كَمَا قَالَ الْقَائِل: لعمري مَا حبّي لأسماء تاركي ... أعيش وَلَا أَقْْضِي بِهِ فأموت فَقلت: مَا الَّذِي بِهِ؟ فَقَالَ: مثل الَّذِي بك، من تهتككما فِي الضلال، وجركما أذيال الخسار، كأنكما لم تسمعا بجنة وَلَا نَار. فَقلت: وَمن أَنْت مِنْهُ، يَابْنَ أخي؟ قَالَ: أَخُوهُ. فَقلت لَهُ: يَابْنَ أخي، مَا مَنعك أَن تسلك مسلكه من الْأَدَب، وَأَن تركب مِنْهُ مركبه إِلَّا أَنَّك وإياه كالبجاد وَالْبرد، لَا ترقعه وَلَا يرقعك. ثمَّ صرفت وَجه نَاقَتي، وَأَنا أَقُول: أرائحة حجّاج عذرة وجهة ... ولمّا يرح فِي الْقَوْم جعد بن مهجع خليلان نشكو مَا نلاقي من الْهوى ... مَتى مَا يقل أسمع وَإِن قلت يسمع أَلا لَيْت شعري أيّ شَيْء أَصَابَهُ ... فلي زفرات هجن مَا بَين أضلعي فَلَا يبعدنك الله خلًّا فإنّني ... سألقى كَمَا لاقيت فِي الحبّ مصرعي ثمَّ انْطَلَقت حَتَّى وقفت موقفا من عَرَفَات، فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بِإِنْسَان قد تغير لَونه، وَسَاءَتْ هيأته، فأدنى نَاقَته من نَاقَتي، ثمَّ خَالف بَين أعناقهما، وعانقني وَبكى، حَتَّى اشْتَدَّ بكاؤه. فَقلت: مَا وَرَاءَك؟ فَقَالَ: برح العذل، وَطول المطل، ثمَّ أنشأ يَقُول:

стр. 1471

لَئِن كَانَت عديّة ذَات لبّ ... لقد علمت بِأَن الحبّ دَاء ألم تنظر إِلَى تَغْيِير جسمي ... وأنّي لَا يفارقني الْبكاء وأنّي لَو تكلّفني سواهَا ... لخفّ الْكَلم وانكشف الغطاء وأنّ معاشري وَرِجَال قومِي ... حتوفهم الصبابة والّلقاء إِذا العذريّ مَاتَ خليّ ذرعٍ ... فَذَاك العَبْد يبكيه الرشاء فَقلت: يَا أَبَا المسهر، إِنَّهَا سَاعَة تضرب إِلَيْهَا أكباد الْإِبِل من شَرق الأَرْض وغربها، فَلَو دَعَوْت الله تَعَالَى، كنت مؤملًا لَك أَن تظفر بحاجتك. قَالَ: فتركني، وَأَقْبل على الدُّعَاء، فَلَمَّا تدلت الشَّمْس للغروب، وهم النَّاس أَن يفيضوا، سمعته يتَكَلَّم بِشَيْء، فأصغيت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ يَقُول: يَا ربّ كلّ غدْوَة وروحة ... من محرمٍ يشكو الضنا ولوحه أَنْت حسيب الْخطب يَوْم الدوحة فَقلت: وَمَا يَوْم الدوحة؟ فَقَالَ: وَالله لأخبرنك وَلَو لم تَسْأَلنِي، ثمَّ أقبل عَليّ، وَقَالَ: أَنا رجل ذُو مَال من نعم وَشاء، وَذُو المَال لَا يصدره القل، وَلَا يرويهِ الثماد. وَأَنِّي خشيت عَام أول على مَالِي التّلف، وقطر الْغَيْث أَرض كلب، فانتجعت أخوالًا لي مِنْهُم، فأوسعوا لي عَن صدر الْمجْلس، وسقوني جمة المَاء، وَكنت مَعَهم فِي خير أخوال.

стр. 1472

ثمَّ إِنِّي عزمت على مرافقة إبلي بِمَاء لَهُم، فركبت فرسي، وسمطت خَلْفي شرابًا كَانَ أهداه إِلَيّ بَعضهم، ثمَّ مضيت. حَتَّى إِذا كنت قَرِيبا من الْحَيّ ومرعى الْغنم، رفعت لي دوحة عَظِيمَة، فَنزلت عَن فرسي، وشددته بِبَعْض أَغْصَانهَا، وَجَلَست فِي ظلها. فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ سَطَعَ غُبَار فِي نَاحيَة الْحَيّ، ثمَّ رفعت لي شخوص ثَلَاثَة، ثمَّ نظرت فَإِذا بِفَارِس يطرد مسحلًا وأتانًا، فتأملته، فَإِذا عَلَيْهِ درع أصفر، وعمامة خَز سَوْدَاء، وَإِذا فروع شعره تضرب خصريه، فَقلت: غُلَام، حَدِيث عهد بعرس، أعجلته لَذَّة الصَّيْد، فَترك ثَوْبه، وَلبس ثوب امْرَأَته. فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى طعن المسحل، وثنى بطعنة للأتان، فصرعهما، وَأَقْبل رَاجعا نحوي، وَهُوَ يَقُول: نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل فَقلت: إِنَّك تعبت، وأتعبت فرسك، فَلَو نزلت. فَثنى رجله، فَنزل، وَشد فرسه بِغُصْن من أَغْصَان الشَّجَرَة، وَألقى رمحه، وَأَقْبل حَتَّى جلس، فَجعل يحدثني حَدِيثا ذكرت بِهِ قَول أبي ذُؤَيْب: وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينه ... جنى النَّحْل فِي ألبان عوذٍ مطافل

стр. 1473

وَقمت إِلَى فرسي، فأصلحت من أمره، ثمَّ رجعت وَقد حسر الْعِمَامَة عَن رَأسه، وَإِذا غُلَام كَأَن وَجهه الدِّينَار المنقوش. فَقلت: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، مَا أعظم قدرتك، وَمَا أحسن صنعتك؟ فَقَالَ لي: مِم ذَلِك؟ فَقلت: لما راعني من جمالك، وَمَا بهرني من نورك. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي يروعك من حبيس التُّرَاب، وأكيل الدَّوَابّ؟ وَمَا يدْرِي أينعم بعد ذَلِك، أم يبتئس. قلت: لَا يصنع الله بك إِلَّا خيرا. ثمَّ تحدثنا سَاعَة، فَأقبل عَليّ، فَقَالَ: مَا الَّذِي سمطت فِي سرجك؟ قلت: شرابًا، أهداه إِلَيّ بعض أَهلِي، فَهَل لَك فِيهِ من أرب؟ فَقَالَ: أَنْت وَذَاكَ. فَأتيت بِهِ، فَشرب مِنْهُ، وَجعل، وَالله، ينكت بِالسَّوْطِ أَحْيَانًا على ثناياه، فيتبين لي أثر السَّوْط فِيهِنَّ. فَقلت: مهلا، إِنَّنِي أَخَاف أَن تكسرهن. فَقَالَ: وَلم؟ قلت: لِأَنَّهُنَّ رقاق عَذَاب. قَالَ: ثمَّ رفع صَوته يُغني: إِذا قبّل الْإِنْسَان آخر يَشْتَهِي ... ثناياه لم يَأْثَم وَكَانَ لَهُ أجرا فَإِن زَاد زَاد الله فِي حَسَنَاته ... مَثَاقِيل يمحو الله عَنهُ بهَا الوزرا قَالَ: ثمَّ قَامَ إِلَى فرسه، فَأصْلح من أمره، ثمَّ رَجَعَ، فبرقت لَهُ بارقة تَحت

стр. 1474

الدرْع، فَإِذا ثدي كَأَنَّهُ حق عاج. فَقلت: ناشدتك الله: أمْرَأَة أَنْت؟ فَقَالَت: نعم وَالله، إِلَّا أَنَّهَا تكره الْعَار، وتحب الْغَزل، ثمَّ جَلَست، فَجعلت تشرب معي، وَمَا أفقد من أنسنا شَيْئا، حَتَّى نظرت إِلَى عينيها، كَأَنَّهُمَا عينا مهاة مَذْعُورَة، فوَاللَّه، مَا راعني إِلَّا ميلها تَحت الدوحة سكرى. فزين الشَّيْطَان لي، وَالله، الْغدر، وَحسنه فِي عَيْني، ثمَّ إِن الله عصمني مِنْهُ، فَجَلَست مِنْهَا حجرَة. ثمَّ انْتَبَهت فزعة مَذْعُورَة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت فِي متن فرسها، وَقَالَت: جَزَاك الله عَن الصُّحْبَة خيرا. فَقلت: أَلا تزوديني مِنْك زادًا؟ فناولتني يَدهَا، فَقَبلتهَا، فشممت، وَالله، مِنْهَا ريح الشَّبَاب المطلول، فَذكرت قَول الشَّاعِر: كأنّها إِذْ تقضّى النّوم وانتبهت ... سيّابة مَا لَهَا عين وَلَا أثر فَقلت: وَأَيْنَ الْموعد؟ فَقَالَت: إِن لي أخوة شوسًا، وَأَبا غيورًا، وَوَاللَّه، لِأَن أسرك، أحب إِلَيّ من أَن أَضرّك، وانصرفت. فَجعلت أتبعهَا بَصرِي حَتَّى غَابَتْ، فَهِيَ، وَالله، يَا ابْن أبي ربيعَة، أحلتني هَذَا الْمحل، وأبلغتني هَذَا الْمبلغ.

стр. 1475

فَقَالَ: يَا أَبَا المسهر، إِن الْغدر بك مَعَ مَا تذكر لمليح، فَبكى، وَاشْتَدَّ بكاؤه. فَقلت: لَا تبك، فَمَا قلت لَك مَا قلت إِلَّا مازحًا، وَلَو لم أبلغ حَاجَتك إِلَّا بِمَالي وروحي لسعيت فِي ذَلِك حَتَّى أقدر عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: جزيت خيرا. فَلَمَّا انْقَضى الْمَوْسِم، شددت على نَاقَتي، وَشد على نَاقَته، ودعوت غلامي فَشد على بعير لَهُ، وحملت عَلَيْهِ قبَّة من أَدَم حَمْرَاء، كَانَت لأبي ربيعَة المَخْزُومِي، وحملت معي ألف دِينَار، ومطرف خَز، وانطلقنا، حَتَّى أَتَيْنَا بِلَاد كلب. فسألنا عَن أبي الْجَارِيَة، فوجدناه فِي نَادِي قومه، وَإِذا هُوَ سيد الْقَوْم، وَالنَّاس حوله، فوقفت على الْقَوْم، وسلمت، فَرد الشَّيْخ السَّلَام. ثمَّ قَالَ: من الرجل؟ قلت: عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي. فَقَالَ: الْمَعْرُوف غير الْمُنكر، فَمَا الَّذِي جَاءَ بك؟ قلت: جِئْت خاطبًا. قَالَ: الكفؤ وَالرَّغْبَة. قلت: إِنِّي لم آتٍ لنَفْسي من غير زهادة فِيك، وَلَا جَهَالَة بشرفك، وَلَكِنِّي أتيت فِي حَاجَة ابْن أختكم هَذَا العذري. فَقَالَ: وَالله، إِنَّه لكفي الْحسب، رفيع النّسَب، غير أَن بَنَاتِي لم ينفقن إِلَّا فِي هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، فوجمت لذَلِك. وَعرف التَّغَيُّر فِي وَجْهي، فَقَالَ: إِنِّي صانع بك مَا لم أصنع بغيرك. قلت: مثلي من شكر، فَمَا ذَاك؟ قَالَ: أخيرها، وَهِي وَمَا اخْتَارَتْ.
следующие страницы →