← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أهْدر عبد الْملك دَمه فَدَعَا فَأَمنهُ وَأحسن إِلَيْهِ بَلغنِي أَنه جنى رجل جِنَايَة على عهد عبد الْملك بن مَرْوَان، فأهدر دَمه وَدم من يؤويه، وَأمر بِطَلَبِهِ، فتحاماه النَّاس كلهم. فَكَانَ يسيح فِي الْجبَال والبراري، وَلَا يذكر اسْمه، فيضاف الْيَوْم واليومين، فَإِذا عرف طرد وَلم يدع أَن يسْتَقرّ. قَالَ الرجل: فَكنت أسيح يَوْمًا فِي بطن وَاد، فَإِذا بشيخ أَبيض الرَّأْس واللحية، عَلَيْهِ ثِيَاب بَيَاض، وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، فقنت إِلَى جنبه. فَلَمَّا سلم انْفَتَلَ إِلَيّ، وَقَالَ لي: من أَنْت؟ قلت: رجل أخافني السُّلْطَان، وَقد تحاماني النَّاس، فَلم يجرني أحد من خلق الله تَعَالَى، فَأَنا أسيح فِي هَذِه البراري، خَائفًا على نَفسِي. قَالَ: فَأَيْنَ أَنْت عَن السَّبع؟ قلت: وَأي سبع؟ قَالَ: تَقول: سُبْحَانَ الله الْإِلَه الْوَاحِد، الَّذِي لَيْسَ غَيره أحد، سُبْحَانَ الدَّائِم الَّذِي لَيْسَ يعادله شَيْء، سُبْحَانَ الدَّائِم الْقَدِيم، الَّذِي لَا ند لَهُ وَلَا عديل، سُبْحَانَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت، سُبْحَانَ الَّذِي هُوَ كل يَوْم شَأْن، سُبْحَانَ الَّذِي خلق مَا يرى، وَمَا لَا يرى، سُبْحَانَ الَّذِي علم كل شَيْء بِغَيْر تَعْلِيم، اللَّهُمَّ

стр. 142

إِنِّي أَسأَلك بِحَق هَذِه الْكَلِمَات وحرمتهن، أَن تفعل بِي كَذَا وَكَذَا، وأعادهن عَليّ، فحفظتهن. قَالَ الرجل: وفقدت صَاحِبي، فَألْقى الله تَعَالَى الْأَمْن فِي قلبِي، وَخرجت من وقتي مُتَوَجها إِلَى عبد الْملك، فوقفت بِبَابِهِ، واستأذنت عَلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَ: أتعلمت السحر؟ قلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن كَانَ من شأني كَذَا وَكَذَا، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة. فأمنني، وَأحسن إِلَيّ.

стр. 143

يَا كاشف الضّر بك اسْتَغَاثَ من اضْطر وَأَخْبرنِي صديق لي: أَن بعض أَصْحَابنَا من الْكتاب، دفع إِلَى محنة صعبة، فَكَانَ من دُعَائِهِ: يَا كاشف الضّر، بك اسْتَغَاثَ من اضْطر. قَالَ: وَقد رَأَيْته نقش ذَلِك على خَاتمه، وَكَانَ يردد الدُّعَاء بِهِ، فكشف الله محنته عَن قريب.

стр. 144

سُلَيْمَان بن وهب يتَخَلَّص من حَبسه بِدُعَاء صَادف استجابة حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد الله حمد بن مُحَمَّد القنائي، ابْن أُخْت الْحسن بن مخلد. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: قَالَ لي أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن عَليّ بن عِيسَى، فِي كَلَام جرى بَيْننَا، غير هَذَا، طَوِيل: كَانَ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، ابْن الْجراح عمَّة الْحسن بن مخلد، وَكَانَ أبي عرفني أَنه أَشَارَ على المقتدر بِاللَّه، وَقد استشاره

стр. 145

فِيمَن يقلده الوزارة، قَالَ: فأسميت لَهُ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، وَأَبا عِيسَى أَخا أبي صَخْرَة، وَأَبا زنبور، وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحسن المادرائيين.

стр. 146

قَالَ: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب، يَقُول: كَانَ المتَوَكل، أَغيظ النَّاس على إيتاخ، وَذكر حَدِيثا طَويلا، وصف فِيهِ كَيفَ قبض المتَوَكل على إيتاخ وابنيه بِبَغْدَاد، لما رَجَعَ من الْحَج، بيد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب، قَالَ فِيهِ قَالَ: سُلَيْمَان بن وهب: سَاعَة قبض على إيتاخ بِبَغْدَاد،

стр. 147

قبض عَليّ بسر من رأى، وسلمت إِلَى عبيد الله بن يحيى. وَكتب المتَوَكل إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، بِدُخُول سر من رأى، ليتقوى بِهِ على الأتراك، لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه بضعَة عشر ألفا، ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وَشدَّة شوكتهم. فَلَمَّا دخل إِسْحَاق سامراء، أَمر المتَوَكل بتسليمي إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا عدوي، ففصل لَحْمه عَن عظمه، هَذَا كَانَ يلقاني فِي أَيَّام المعتصم، فَلَا يبدأني بِالسَّلَامِ، فأبدأه بِهِ لحاجتي إِلَيْهِ، فَيرد عَليّ كَمَا يرد الْمولى على عَبده، كل مَا دبره إيتاخ، فَعَن رَأْيه. فأخذني إِسْحَاق، وقيدني بِقَيْد ثقيل، وألبسني جُبَّة صوف، وحبسني فِي

стр. 148

كنيف، وأغلق عَليّ خَمْسَة أَبْوَاب، فَكنت لَا أعرف اللَّيْل من النَّهَار. فأقمت على ذَلِك عشْرين يَوْمًا، لَا يفتح عَليّ الْبَاب إِلَّا دفْعَة وَاحِدَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، يدْفع إِلَى فِيهَا خبز وملح جريش، وَمَاء حَار، فَكنت آنس بالخنافس، وَبَنَات وردان، وأتمنى الْمَوْت من شدَّة مَا أَنا فِيهِ. فَعرض لي لَيْلَة من اللَّيَالِي، أَن أطلت الصَّلَاة، وسجدت، فتضرعت إِلَى الله تَعَالَى، ودعوته بالفرج، وَقلت فِي دعائي: اللَّهُمَّ، إِن كنت تعلم أَنه كَانَ لي فِي دم نجاح بن سَلمَة صنع، فَلَا تخلصني مِمَّا أَنا فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَنه لَا صنع لي فِيهِ، وَلَا فِي الدِّمَاء الَّتِي سفكت، فَفرج عني. فَمَا استتممت الدُّعَاء، حَتَّى سَمِعت صَوت الأقفال تفتح، فَلم أَشك أَنه الْقَتْل، ففتحت الْأَبْوَاب، وَجِيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي. فَقلت لحاجبه: سَأَلتك بِاللَّه، اصدقني عَن أَمْرِي. فَقَالَ: مَا أكل الْأَمِير الْيَوْم شَيْئا، لِأَنَّهُ أغْلظ عَلَيْهِ فِي أَمرك، وَذَلِكَ أَن

стр. 149

أَمِير الْمُؤمنِينَ وبخه بسببك، وَقَالَ: سلمت إِلَيْك سُلَيْمَان بن وهب تسمنه أَو تستخرج مَاله؟ فَقَالَ الْأَمِير: أَنا صَاحب سيف، وَلَا أعرف المناظرة على الْأَمْوَال ووجوهها، وَلَو قرر أمره على شَيْء لطالبته بِهِ. فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْكتاب بالاجتماع عِنْد الْأَمِير لمناظرتك، وإلزامك مَالا يُؤْخَذ بِهِ خطك، وتطالب بِهِ، وَقد اجْتَمعُوا، واستدعيت لهَذَا. قَالَ: فَحملت إِلَى الْمجْلس، فَإِذا فِيهِ مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج، وَالْحسن بن مخلد، صَاحب ديوَان الضّيَاع، وَأحمد بن إِسْرَائِيل الْكَاتِب، وَأَبُو نوح عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، كَاتب الْفَتْح بن خاقَان،

стр. 150

وَدَاوُد بن الْجراح، صَاحب الزِّمَام، فطرحت فِي آخر الْمجْلس. فشتمني إِسْحَاق أقبح شتم، وَقَالَ: يَا فَاعل، يَا صانع، تعرضني لاستبطاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله، لأفرقن بَين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأَرْض أحب إِلَيْك من ظهرهَا، أَيْن الْأَمْوَال؟ . فاحتججت بنكبة ابْن الزيات لي. فبدرني الْحسن بن مخلد، فَقَالَ: أخذت من النَّاس أَضْعَاف مَا أدّيت، وعادت يدك إِلَى كتبة إيتاخ، فَأخذت ضيَاع السُّلْطَان، واقتطعها لنَفسك، وحزتها سَرقَة إِلَيْك، وَأَنت تغلها ألفي ألف دِرْهَم، وتتزيا بزِي الوزراء، وَقد بقيت عَلَيْك من تِلْكَ المصادرة جملَة لَام تؤدها، وَأخذت الْجَمَاعَة تواجهني بِكُل قَبِيح، إِلَّا مُوسَى بن عبد الْملك، فَإِنَّهُ كَانَ ساكتا لصداقة كَانَت بيني وَبَينه. فَأقبل من بَينهم على إِسْحَاق، وَقَالَ: يَا سَيِّدي، أتأذن لي فِي الْخلْوَة بِهِ لأفصل أمره؟ قَالَ: افْعَل. فاستدناني، فَحملت إِلَيْهِ، فسارني، وَقَالَ: عَزِيز عَليّ يَا أخي حالك، وَبِاللَّهِ لَو كَانَ خلاصك بِنصْف مَا أملكهُ لفديتك بِهِ، وَلَكِن صُورَتك قبيحة، وَمَا أملك إِلَّا الرَّأْي، فَإِن قبلت مني، رَجَوْت خلاصك، وَإِن

стр. 151

خالفتني، فَأَنت، وَالله، هَالك. قَالَ: فَقلت: لَا أخالفك. قَالَ: الرَّأْي أَن تكْتب خطك بِعشْرَة آلَاف ألف دِرْهَم، تؤديها فِي عشرَة أشهر، عِنْد انْقِضَاء كل شهر ألف ألف دِرْهَم، وتترفه عَاجلا مِمَّا أَنْت فِيهِ. فَسكت سكُوت مبهوت، فَقَالَ لي: مَا لَك؟ . فَقلت لَهُ: وَالله، مَا أرجع إِلَى ربعهَا، إِلَّا بعد بيع عقاري، وَمن يَشْتَرِي مني وَأَنا منكوب، وَكَيف يتوفر لي الثّمن وَأَنا على هَذِه الْحَالة؟ . فَقَالَ: أَنا أعلم أَنَّك صَادِق، وَلَكِن احرس نَفسك عَاجلا بِعظم مَا تبذله، ويطمع فِيهِ من جهتك، وَأَنا من وَرَاء الْحِيلَة لَك فِي شَيْء أميل بِهِ رَأْي الْخَلِيفَة من جهتك، يعود إِلَى صلاحك، وَالله الْمعِين، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَا تتعجل الْمَوْت، وَلَو لم تستفد إِلَّا الرَّاحَة مِمَّا أَنْت فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا، لكفى. قَالَ: فَقلت: لست أتهم ودك وَلَا رَأْيك، وَأَنا أفعل مَا تَقول. فَأقبل على الْجَمَاعَة، وَقَالَ: يَا سادتي، إِنِّي قد أَشرت عَلَيْهِ أَن يكْتب خطه بِشَيْء لَا يطيقه، فضلا عَمَّا هُوَ أَكثر مِنْهُ، ورجوت أَن نعاونه بِأَمْوَالِنَا وجاهنا، ليمشي أمره، وَقد واقفته ليكتب بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالُوا: الصَّوَاب لَهُ أَن يفعل هَذَا. فَدَعَا لي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَأخذ خطي بِالْمَالِ على نجومه، فَلَمَّا أَخذه، قَامَ قَائِما، وَقَالَ لإسحاق: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل قد صَار عَلَيْهِ للسُّلْطَان، أعزه الله، مَال، وسبيله أَن يرفه، وتحرس نَفسه، وينقل من هَذِه الْحَال

стр. 152

ويغير زيه، يرد جاهه، بإنزاله دَارا كَبِيرَة، وإخدامه بفرش وَآلَة حَسَنَة، وإخدامه خداما بَين يَدَيْهِ، وَيُمكن من لِقَاء من يُؤثر لقاءه من معامليه، وَمن يحب لقاءه من أَهله وَولده وحاشيته، ليجد فِي حمل المَال الْحَال عَلَيْهِ، قبل مَحَله، ونعينه نَحن، وَيبِيع أملاكه، ويرتجع ودائعه مِمَّن هِيَ عِنْده. فَقَالَ إِسْحَاق: السَّاعَة أفعل ذَلِك، وأبلغه جَمِيع مَا ذكرت، وَأمكنهُ مِنْهُ، ونهضت الْجَمَاعَة. فَأمر إِسْحَاق بفك حديدي، وإدخالي الْحمام، وَجَاءَنِي بخلعة حَسَنَة، وَطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، نَهَضَ إِلَيّ، وَلم يكن فِي مَجْلِسه أحد، وَاعْتذر إِلَى مِمَّا خاطبني بِهِ، وَقَالَ: أَنا صَاحب سيف، ومأمور، وَقد لَحِقَنِي الْيَوْم من أَجلك سَماع كل مَكْرُوه، حَتَّى امْتنعت عَن الطَّعَام غما بِأَن أبتلى بقتلك، أَو يعتب الْخَلِيفَة عَليّ من أَجلك، وَإِنَّمَا خاطبتك بذلك، لإِقَامَة عذر عِنْد هَؤُلَاءِ الأشرار، ليبلغوا الْخَلِيفَة ذَلِك، وَجَعَلته وقاية لَك من الضَّرْب وَالْعَذَاب، فشكرته، وَقلت مَا حضرني من الْكَلَام. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، حولني إِلَى دَار كَبِيرَة، وَاسِعَة، حَسَنَة، مفروشة، ووكل بِي فِيهَا، على إِحْسَان عشرَة وإجلال، فاستدعت كل من أريده، وتسامع بِي أَصْحَابِي، فجاءوني وَفرج الله عني. وَمَضَت سَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقد أَعدَدْت ألف ألف دِرْهَم، مَال النَّجْم

стр. 153

الأول، وَأَنا أتوقع أَن يحل، فأطالب، فأؤديه، فَإِذا بمُوسَى بن عبد الْملك قد دخل إِلَيّ، فَقُمْت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أبشر. فَقلت: مَا الْخَبَر يَا سَيِّدي؟ . فَقَالَ: ورد كتاب عَامل مصر، بمبلغ مَال مصر لهَذِهِ السّنة مُجملا فِي مبلغ الْحمل والنفقات، إِلَى أَن ينفذ حسابه مفصلا، فَقَرَأَ عبيد الله ذَلِك على المتَوَكل، فَوَقع إِلَى ديواني بِإِخْرَاج الْعبْرَة لمصر، ليعرف أثر الْعَامِل، فأخرجت ذَلِك من ديوَان الْخراج والضياع، لِأَن مصر تجْرِي فِي ديوَان الْخراج والضياع وَينفذ حِسَابهَا إِلَى الديوانين، كَمَا قد علمت، وَجعلت سنتك الَّتِي توليت فِيهَا عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعْدهَا السنين النَّاقِصَة عَن سنتك، تلطفا فِي خلاصك، وَجعلت أَقُول: النُّقْصَان فِي سنة كَذَا عَن سنة كَذَا وَكَذَا الَّتِي صدرناها، كَذَا وَكَذَا ألفا. فَلَمَّا قَرَأَ عبيد الله الْعَمَل على المتَوَكل، قَالَ: فَهَذِهِ السّنة الوافرة، من كَانَ يتَوَلَّى عمالتها؟ . فَقلت أَنا: سُلَيْمَان بن وهب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ المتَوَكل: فَلم لَا يرد إِلَيْهَا؟

стр. 154

فَقلت: وَأَيْنَ سُلَيْمَان بن وهب؟ ذَاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر. فَقَالَ: تزَال عَنهُ الْمُطَالبَة، ويعان بِمِائَة ألف دِرْهَم، ويعجل إِخْرَاجه. فَقلت: وَترد ضيَاعه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ليرْجع جاهه. قَالَ: وَيفْعل ذَلِك، وَقد تقدم إِلَى عبيد الله بِهَذَا، واستأذنته فِي إخراجك، فَأذن لي، فَقُمْ بِنَا إِلَى الْوَزير، وَقد كَانَ دخل إِلَى إِسْحَاق برسالة الْخَلِيفَة بإطلاقي. فَخرجت من وقتي، وَلم أؤد من مَال النَّجْم الأول حَبَّة وَاحِدَة، ورددته إِلَى مَوْضِعه. وَجئْت إِلَى عبيد الله، فَوَقع لي بِمِائَة ألف دِرْهَم مَعُونَة على سَفَرِي، وَدفع إِلَيّ عهدي على مصر، فَخرجت إِلَيْهَا.

стр. 155

دَعْوَة مستجابة حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْأَهْوَازِي أحد شُهُود أبي بهَا. عَن مسرور بن عبد الله الأستادي، قَالَ: حزبني أَمر ضقت بِهِ ذرعا، فَأتيت يحيى بن خَالِد الْأَزْرَق، وَكَانَ مستجاب الدعْوَة، فرآني مكروبا قلقا، فَقَالَ لي: مَا شَأْنك؟ فَقلت: دفعت إِلَى كَيْت وَكَيْت. فَقَالَ لي: اسْتَعِنْ بِالصبرِ، فَإِن الله وعد الصابرين خيرا. فَقلت لَهُ: ادْع لي، فحرك شَفَتَيْه بِشَيْء لَا أعلم مَا هُوَ، فَانْصَرَفت على جملتي من القلق، فَلَمَّا أَصبَحت أَتَانِي الْفرج بِإِذن الله تَعَالَى. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَيحيى بن خَالِد هَذَا، هُوَ جد عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى الْأَهْوَازِي الْكَاتِب، وَعبد الله هَذَا جدي لأمي.

стр. 156

دُعَاء لشفاء الْعِلَل حَدثنِي عبد الله بن أَحْمد بن داسة الْبَصْرِيّ، قَالَ: اعتللت عِلّة شَدِيدَة، أَيِست فِيهَا من نَفسِي، على شدَّة كنت فِيهَا، فعادني بعض أَصْحَاب أبي مُحَمَّد سهل بن عبد الله التسترِي، فَقَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد سهل، يَدْعُو الله فِي علله، بِدُعَاء مَا دَعَا بِهِ أحد إِلَّا عوفي. فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: قل: اللَّهُمَّ اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وَعَافنِي من بلائك. قَالَ: فواصلت الدُّعَاء بذلك، فعوفيت.

стр. 157

غُلَام نازوك وَكتاب الْعَطف حَدثنِي أَبُو الْحسن احْمَد بن يُوسُف الْأَزْرَق، بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، عَن أبي الْحُسَيْن بن البواب الْمُقْرِئ، قَالَ: كَانَ يصحبنا على الْقُرْآن، رجل مَسْتُور صَالح، يكنى أَبَا أَحْمد، وَكَانَ يكْتب كتب الْعَطف للنَّاس، فَحَدثني يَوْمًا، قَالَ: بقيت يَوْمًا بِلَا شَيْء، وَأَنا جَالس فِي دكاني، وَقد دَعَوْت الله أَن يسهل قوتي، فَمَا استتممت الدُّعَاء، حَتَّى فتح بَاب دكاني غُلَام أَمْرَد، حسن الْوَجْه جدا، فَسلم عَليّ وَجلسَ. فَقلت لَهُ: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: أَنا عبد مَمْلُوك، وَقد طردني مولَايَ، وَغَضب عَليّ، وَقَالَ: انْصَرف عني إِلَى حَيْثُ شِئْت، وَمَا أَعدَدْت لنَفْسي من أطرحها عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا الْوَقْت، وَلَا أعرف من أقصده، وَقد بقيت متحيرا فِي أَمْرِي، وَقيل لي إِنَّك تكْتب كتب الْعَطف، فَاكْتُبْ لي كتابا. فَكتب لَهُ الْكتاب الَّذِي كنت أكتبه، وَهُوَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،

стр. 158

الْحَمد لله رب الْعَالمين إِلَى آخر ال ﴿ [، والمعوذتين، وَسورَة الْإِخْلَاص، و: الْكُرْسِيّ، و] لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الْحَشْر: ٢١] . . . إِلَى آخر ال ﴿ [، وكتبت آيَات الْعَطف، وَهِي:] لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [سُورَة الْأَنْفَال: ٦٣] . . . الْآيَة، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرّوم: ٢١] إِلَى آخر الْآيَة، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمرَان: ١٠٣] إِلَى آخر الْآيَة. وَقلت لَهُ: خُذ هَذِه الرقعة، فشدها على عضدك الْأَيْمن، وَلَا تعلقهَا عَلَيْك إِلَّا وَأَنت طَاهِر. فَأَخذهَا وَقَامَ وَهُوَ يبكي، وَطرح بَين يَدي دِينَارا عينا، فداخلتني لَهُ رَحْمَة، فَصليت رَكْعَتَيْنِ، ودعوت لَهُ أَن يَنْفَعهُ الله بِكِتَاب، وَيرد عَلَيْهِ قلب

стр. 159

مَوْلَاهُ، وَجَلَست. فَمَا مَضَت إِلَّا ساعتان، وَإِذا بِأبي الْجُود، خَليفَة عَجِيب، غُلَام نازوك، وَكَانَ خَلِيفَته على الشرطة، قد جَاءَنِي، فَقَالَ لي: أجب الْأَمِير نازوك، فارتعت. فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، وأركبني بغلا، وَجَاء بِي إِلَى دَار نازوك، فتركني فِي الدهليز وَدخل.

стр. 160

فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أدخلت، فَإِذا نازوك جَالس فِي دست عَظِيم، وَبَين يَدَيْهِ الغلمان قيَاما سماطين، نَحْو ثَلَاث مائَة غُلَام وَأكْثر، وكاتبه الْحُسَيْن جَالس بَين يَدَيْهِ، وَرجل آخر لَا أعرفهُ. فارتعت، وأهويت لأقبل الأَرْض، فَقَالَ: مَه، عافاك الله، لَا تفعل، هَذَا من سنَن الجبارين، وَمَا نُرِيد نَحن هَذَا، اجْلِسْ يَا شيخ، وَلَا تخف، فَجَلَست. فَقَالَ لي: جَاءَك الْيَوْم غُلَام أَمْرَد، فَكتبت لَهُ كتابا للْعَطْف؟ قلت: نعم. قَالَ: اصدقني عَمَّا جرى بَيْنكُمَا، حرفا، حرفا. فأعدته عَلَيْهِ، حَتَّى لم أدع كلمة، وتلوت عَلَيْهِ الْآيَات الَّتِي كتبتها. فَلَمَّا بلغت إِلَيّ قَول الْغُلَام: أَنا عبد مَمْلُوك، وَمَا أَعدَدْت لنَفْسي من أقصده فِي هَذِه الْحَال، وَلَا أعرف أحدا ألجأ إِلَيْهِ، وَقد طردني مولَايَ، بَكَيْت لما تداخلني من رَحْمَة لَهُ، وأريته الدِّينَار الَّذِي أعطانيه، فَدَمَعَتْ عينا نازوك وتجلد، وَاسْتوْفى الحَدِيث. وَقَالَ: قُم يَا شيخ، بَارك الله عَلَيْك، وَمهما عرضت لَك من حَاجَة، أَو لِجَار لَك، أَو صديق فسلنا إِيَّاهَا، فَإنَّا نقضيها، وَأكْثر عندنَا وانبسط فِي هَذِه الدَّار، فَإنَّك غير مَحْجُوب عَنْهَا، فدعوت لَهُ وَخرجت. فَلَمَّا صرت خَارج بَاب الْمجْلس، إِذا بِغُلَام قد أَعْطَانِي قرطاسا فِيهِ ثَلَاث مائَة دِرْهَم، فَأَخَذته وَخرجت. فَلَمَّا صرت فِي الدهليز، إِذا بالفتي، فَعدل بِي إِلَى مَوضِع وأجلسني.

стр. 161

فَقلت: مَا خبرك؟ فَقَالَ: أَنا غُلَام الْأَمِير، وَكَانَ قد طردني، وَغَضب عَليّ، فَلَمَّا أَن جئْتُك، واحتبست عنْدك، طلبني، فَرَجَعت مَعَ رسله. فَقَالَ لي: أَيْن كنت؟ فصدقته الحَدِيث، فَلم يصدقني، وَأمر بإحضارك، فَلَمَّا اتفقنا فِي الحَدِيث، وَخرجت السَّاعَة، أحضرني، وَقَالَ: يَا بني، أَنْت السَّاعَة من أجل غلماني عِنْدِي، وأمكنهم من قلبِي، وأخصهم بِي، إِذْ كنت لما غضِبت عَلَيْك مَا غَيْرك ذَلِك عَن محبتي، وَالرَّغْبَة فِي خدمتي، وَطلب الْحِيَل فِي الرُّجُوع إِلَيّ , وانكشف لي أَنَّك مَا أَعدَدْت لنَفسك، بعد الله، سواي، وَلَا عرفت وَجها تلجأ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرِي، فَمَا ترى بعد هَذَا إِلَّا كل مَا تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أَعلَى مَرَاتِب نظرائك، وَلَعَلَّ الله سُبْحَانَهُ اسْتَجَابَ فِيك دُعَاء هَذَا الرجل الصَّالح، ونفعك بِالْآيَاتِ، فَبِأَي شَيْء كافأت الرجل؟ . فَقلت: مَا أَعْطيته غير ذَلِك الدِّينَار. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، قُم إِلَى الخزانة، فَخذ مِنْهَا مَا تُرِيدُ، وأعطه. فَأخذت مِنْهَا هَذَا القرطاس، وجئتك بِهِ، فَخذه، وَأَعْطَانِي أَيْضا خمس مائَة دِرْهَم، وَقَالَ لي: الزمني، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك. فَجِئْته بعد مديدة، فَإِذا هُوَ قَائِد جليل، وَقد بلغ بِهِ نازوك تِلْكَ الْمنزلَة، فوصلني بصلَة جليلة، وَصَارَ لي عدَّة على الدَّهْر وذخيرة.

стр. 162

جور أبي عبد الله الْكُوفِي حَدثنِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد المهندس، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مَرْوَان الجامدي، قَالَ: ظَلَمَنِي أَحْمد بن عَليّ بن سعيد الْكُوفِي، وَهُوَ يتقلد وَاسِط لناصر الدولة، وَقد تقلد إمرة الْأُمَرَاء بِبَغْدَاد، وَكنت أحد من ظلم، فظلمني، وَأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفا وَأَرْبَعين كرا أرزا، بِالنِّصْفِ من حق الرَّقَبَة، بِغَيْر

стр. 163

تَأْوِيل وَلَا شُبْهَة، سوى مَا أَخذه بِحَق بَيت المَال، وظلم فِيهِ أَيْضا، فتظلمت إِلَيْهِ، وكلمته، فَلم يَنْفَعنِي مَعَه شَيْء، وَكَانَ الْكر الْأرز بِالنِّصْفِ، إِذْ ذَاك، بِثَلَاثِينَ دِينَارا. فَقلت لَهُ: قد أَخذ مني سَيِّدي مَا أَخذ، وَالله، مَا أهتدي أَنا وعيالي، إِلَى مَا سوى ذَلِك، وَمَا لي مَا أقوتهم بِهِ بَاقِي سنتي، وَلَا مَا أعمر بِهِ ضيعتي، وَقد طابت نَفسِي أَن تطلق لي من جملَته عشرَة أكرار، وجعلتك من الْبَاقِي فِي حل. فَقَالَ: مَا إِلَى هَذَا سَبِيل. فَقلت: فخمسة أكرار. فَقَالَ: لَا أفعل. فَبَكَيْت، وَقبلت يَده، ورققته، وَقلت: هَب لي ثَلَاثَة أكرار، وَتصدق عَليّ بهَا، وَأَنت من الْجَمِيع فِي حل. فَقَالَ: لَا وَالله، وَلَا أرزة وَاحِدَة. فتحيرت، وَقلت: فَإِنِّي أتظلم مِنْك إِلَى الله تَعَالَى. فَقَالَ لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، وَيكسر الْمِيم، بِلِسَان أهل الْكُوفَة. فَانْصَرَفت منكسر الْقلب، مُنْقَطع الرَّجَاء، فَجمعت عيالي، وَمن زلنا نَدْعُو عَلَيْهِ ليَالِي كَثِيرَة، فهرب من وَاسِط فِي اللَّيْلَة الْحَادِيَة عشرَة من أَخذه الْأرز، فَجئْت إِلَى البيدر، والأرز مطروح، فَأَخَذته، وَحَمَلته إِلَى منزلي، وَمَا عَاد الْكُوفِي بعْدهَا إِلَى وَاسِط، وَلَا أَفْلح.

стр. 164

من طريف مَا اتّفق لِابْنِ مقلة فِي نكبته الَّتِي أدته إِلَى الوزارة وحَدثني غير من الْكتاب، عَمَّن سمع أَبَا عَليّ بن مقلة، لما عَاد من فَارس وزيرا، يحدث، قَالَ: من طريف مَا اتّفق لي فِي نكبتي هَذِه الَّتِي أدتني إِلَى الوزارة، أنني أَصبَحت

стр. 165

وَأَنا مَحْبُوس مُقَيّد فِي حجرَة من دَار ياقوت، أَمِير فَارس، وَقد لَحِقَنِي من الْيَأْس من الْفرج وضيق الصَّدْر مَا أقنطني وَكَاد يذهب بعقلي، وَكُنَّا، أَنا وَفُلَان محبوسين، مقيدين، فِي بَيت وَاحِد من الْحُجْرَة، إِلَّا أَنا على سَبِيل ترفيه وإكرام. فَدخل علينا كَاتب لياقوت، وَكَانَ كثيرا مَا يجيئنا برسالته، فَقَالَ: الْأَمِير يقرئكما السَّلَام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عَلَيْكُمَا قَضَاء حَاجَة إِن كَانَت لَكمَا. فَقلت لَهُ: تقْرَأ ﵇، وَتقول لَهُ: قد، وَالله، ضَاقَ صَدْرِي، واشتهيت أَن أشْرب على غناء طيب، فَإِن جَازَ أَن يسامحنا بذلك سرا، ويتخذ بِهِ منَّة عَليّ ويدا، تفضل بذلك. فَقَالَ لي الْمَحْبُوس الَّذِي كَانَ معي: يَا هَذَا، مَا فِي قُلُوبنَا فضل لذَلِك. فَقلت لِلْكَاتِبِ: أد عني مَا قلت لَك.

стр. 166

قَالَ: السّمع وَالطَّاعَة , وَمضى، وَعَاد فَقَالَ: الْأَمِير يَقُول لَك: نعم، وكرامة وعزازة، أَي: وَقت شِئْت. فَقلت: السَّاعَة. فَلم تمض إِلَّا سَاعَة، حَتَّى جَاءُوا بِالطَّعَامِ، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف الْمجْلس، فَجَلَست أَنا والمحبوس الَّذِي معي فِي القيدين. وَقلت لَهُ: تعال، حَتَّى نشرب، ونتفاءل بِأول صَوت تغنيه الْمُغنيَة، فِي سرعَة الْفرج مِمَّا نَحن فِيهِ فَلَعَلَّهُ يَصح الفأل. فَقَالَ: أما أَنا فَلَا أشْرب، فَلم أزل أرْفق بِهِ حَتَّى شرب، فَكَانَ أول صَوت غنته الْمُغنيَة:. تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وَقَالُوا لراعي الذود موعدك السبت وَلَكنهُمْ بانوا وَلم أدر بَغْتَة ... وأفظع شَيْء حِين يفجؤك البغت قَالَ أَبُو عَليّ: ذكر الْمبرد فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالكامل، الْبَيْت الأول، وَرَوَاهُ لمُحَمد بن يسير. فَقَالَ لي: مَا هَذَا مِمَّا يتفاءل بِهِ، وَأي معنى فِيهِ، مِمَّا يدل على فرجنا؟ فَقلت: مَا هُوَ إِلَّا فأل مبارك، وَأَنا أَرْجُو أَن يفرق الله بَيْننَا وَبَين هَذِه الْحَالة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا، وَيبين الْفرج وَالصَّلَاح، يَوْم السبت. قَالَ: وأخذنا فِي شربنا يَوْمنَا، وسكرنا، وانصرفت الْمُغنيَة، وَمَضَت الْأَيَّام. فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت، وَقد مضى من النَّهَار ساعتان، إِذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وَقمت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيهَا الْوَزير، الله، الله، فِي أَمْرِي،

стр. 167

وَأَقْبل إِلَى مسرعا، وعانقني، وأجلسني، وَأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، وَلم يكن عِنْدِي علم بِشَيْء من الْأَمر، وَلَا مُقَدّمَة لَهُ. فَاخْرُج إِلَى كتابا ورد عَلَيْهِ من القاهر بِاللَّه، يُعلمهُ فِيهِ بِمَا جرى على المقتدر، ومبايعة النَّاس لَهُ بالخلافة، ويأمره بِأخذ الْبيعَة على من بِفَارِس من الْأَوْلِيَاء، وَفِيه تَقْلِيده إيَّايَ الوزارة، ويأمره بطاعتي، وَسلم إِلَيّ أَيْضا كتابا من القاهر، يَأْمُرنِي فِيهِ بِالنّظرِ فِي أَمْوَال فَارس، والأولياء بهَا، واستصحاب مَا يمكنني من المَال، وتدبير أَمر الْبَلَد بِمَا أرَاهُ، والبدار إِلَى حَضرته، وَأَنه اسْتخْلف لي، إِلَى أَن أحضر، الكلوذاني. فحمدت الله كثيرا، وشكرته، وَإِذا الْحداد وَاقِف، فتقدمت إِلَيْهِ بفك قيودي وقيود الرجل، وَدخلت الْحمام، وأصلحت أَمْرِي وَأمر الرجل، وَخرجت،

стр. 168

فَنَظَرت فِي الْأَعْمَال وَالْأَمْوَال، وجمعت مَالا جَلِيلًا فِي أَيَّام يسيرَة، وقررت أُمُور الْبَلَد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إِلَى الحضرة، حَتَّى جَلَست هَذَا الْمجْلس، وَفرج الله عَنَّا.

стр. 169

أَبُو أَيُّوب يرفع شكواه إِلَى الله تَعَالَى برقعة يعلقها فِي الْمِحْرَاب قَالَ: مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) : وجدت بِخَط أبي عَليّ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْكَاتِب، حَدثنِي أَحْمد بن أبي الْأَصْبَغ، قَالَ: وجهني عبيد الله بن يحيى، إِلَى أبي أَيُّوب، ابْن أُخْت أبي الْوَزير، أَيَّام تقلد أبي صَالح عبد الله بن مُحَمَّد بن يزْدَاد الوزارة، وَكَانَ ابْن يزْدَاد،

стр. 170

يقْصد أَبَا أَيُّوب ويعاديه. فَقَالَ لي عبيد الله: القه، وَسَهل عَلَيْهِ الْأَمر، وَقل لَهُ: أَرْجُو أَن يَكْفِيك الله شَره. فوصلت إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَقد علق فِي محرابه رقْعَة، فأنكرتها، وَأديت إِلَيْهِ الرسَالَة. فَقَالَ لي: قل لَهُ: جعلت فدَاك، لست أغتم بِشَيْء، لِأَن أمره قريب، وَقد رفعت فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى قصَّة إِذْ أعجزني المخلوقون، أما ترَاهَا معلقَة فِي الْقبْلَة؟ فكاد يغلبني الضحك، فضبطت نَفسِي، وانصرفت إِلَى عبيد الله، فَحَدَّثته الحَدِيث، فَضَحِك مِنْهُ. قَالَ: فوَاللَّه، مَا مَضَت بِابْن يزْدَاد إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى سخط عَلَيْهِ وَصرف. فاتفق لأبي أَيُّوب الْفرج، وَنزل بِابْن يزْدَاد الْمَكْرُوه، فِي مثل الْمدَّة الَّتِي تخرج فِيهَا التوقيعات فِي الْقَصَص.

стр. 171

أَبُو نصر الوَاسِطِيّ يتظلم إِلَى الإِمَام مُوسَى الكاظم برقعة علقها على قَبره قَالَ: مؤلف الْكتاب: وَأَنا شاهدت مثل هَذَا، وَذَلِكَ أَن أَبَا الْفرج مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشَّرّ على النَّاس، وَالظُّلم لَهُم، بِخِلَاف مَا كَانَ يقدر فِيهِ، وَكنت أحد من ظلمه، فَإِنَّهُ أَخذ ضيعتي بالأهواز، وأقطعها بالحقين، وأخرجها عَن يَدي.

стр. 172

فأصعدت إِلَى بَغْدَاد متظلما إِلَيْهِ من الْحَال، فَمَا أنصفني، على حرمات كَانَت بيني وَبَينه، وَكنت أتردد إِلَى مَجْلِسه، فَرَأَيْت فِيهِ شَيخا من شُيُوخ الْعمَّال، يعرف بِأبي نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ، أحد من كَانَ يتَصَرَّف فِي عمالات بنواحي الأهواز، وَكَانَ صديقا لي، فَسَأَلته عَن أمره، فَذكر أَن الْحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ضمن أَعمال الْخراج والضياع بنهر تيرى، وَبهَا منزل أبي نصر هَذَا، وَأَنه طَالبه بظُلْم لَا يلْزمه، فَبعد عَن الْبَلَد، فكبس دَاره، وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ فِيمَا أَخذ، عهد ضيَاعه كلهَا، وَأَنه حضر للوزير مُحَمَّد بن الْعَبَّاس متظلما مِنْهُ، فَلَمَّا عرف الْحسن بن بختيار ذَلِك، أنفذ بالعهد إِلَى الْوَزير، وَقَالَ لَهُ: قد أهديت إِلَيْك هَذِه الضّيَاع، فَقبل الْوَزير مِنْهُ ذَلِك، وَكتب إِلَى وَكيله فِي ضيعته بالأهواز، فَأدْخل يَده فِي ضياعي، وَقد تظلمت إِلَيْهِ، فَلم ينصفني. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، دخلت المشهد بمقابر قُرَيْش، فزت مُوسَى بن

стр. 173

جَعْفَر، وَعدلت إِلَى مَوضِع الصَّلَاة لأصلي، فَإِذا بِقصَّة معلقَة، بِخَط أبي نصر هَذَا، وَقد كتبهَا إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر، يتظلم فِيهَا من مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، ويشرح أمره، ويتوسل فِي الْقِصَّة، بِمُحَمد، وَعلي، وَفَاطِمَة، وَالْحسن وَالْحُسَيْن، وَبَاقِي الْأَئِمَّة ﵈، أَن يَأْخُذ لَهُ بِحقِّهِ من مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، ويخلص لَهُ ضيَاعه. فَلَمَّا قَرَأت الورقة، عجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا، وَوَقع عَليّ الضحك، لِأَنَّهَا قصَّة إِلَى رجل ميت، وَقد علقها عِنْد رَأسه، وَكنت عرفت أَبَا نصر بِمذهب الإمامية الاثنى عشرِيَّة، فَظَنَنْت أَنه مَعَ هَذَا الِاعْتِقَاد كَانَ أكبر قَصده أَن يشنع على الْوَزير بالقصة عِنْد قبر مُوسَى بن جَعْفَر ﵇، وَكَانَ كثير الزِّيَارَة لَهُ، أَيَّام وزارته، وَقبلهَا، وَبعدهَا، ليعلم أَن الرجل على مذْهبه، فيتذمم من ظلمه، ويرهب الدُّعَاء فِي ذَلِك الْمَكَان، فَانْصَرَفت. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، كنت فِي المشهد، وَجَاء الْوَزير، فرأيته يُلَاحظ الرقعة، فَعلمت أَنه قد قَرَأَهَا، وَمضى على هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وَمَا رهب الْقِصَّة،

стр. 174

وَلَا أنصف الرجل. وامتدت محنة الرجل شهورا، ورحل مُحَمَّد بن الْعَبَّاس إِلَى الأهواز، للنَّظَر فِي أَبْوَاب المَال، وَتَقْرِير أَمر الْعمَّال، وأقمت أَنا بِبَغْدَاد، لِأَنَّهُ لم يكن أنصفني، وَلَا طمعت فِي إنصافه إيَّايَ لَو صحبته، وَانْحَدَرَ أَبُو نصر فِي جملَة من انحدر مَعَه. فَلَمَّا صَار بالمأمونية قَرْيَة حِيَال سوق الأهواز، وَهُوَ يُرِيد دُخُولهَا من غَد ورد من بَغْدَاد كتاب إِلَى بختكين التركي مولى معز الدولة، الْمَعْرُوف بآزاذرويه، وَكَانَ يتقلد الْحَرْب وَالْخَرَاج، وبالأهواز وكورها، فَقبض عَلَيْهِ، وَقبض على أَمْوَاله، وَقَيده، وَمضى أَبُو نصر إِلَى ضيَاعه، فَأدْخل يَده فِيهَا، وكفي مَا كَانَ من أَمر الْوَزير، واستقرت ضيَاعه فِي يَده إِلَى الْآن. وأقمت أَنا سِنِين أتظلم من تِلْكَ المحنة الَّتِي ظَلَمَنِي فِيهَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، فَمَا أنصفني أحد، وأيست، وَخرجت تِلْكَ الضَّيْعَة من يَدي، فَمَا عَادَتْ إِلَى الْآن. وَصَحَّ لأبي نصر، بِقِصَّتِهِ، مَا لم يَصح لي، وَكَانَت محنته ومحنتي وَاحِدَة، ففاز هُوَ بتعجيل الْفرج بهَا، من حَيْثُ لم يغلب على ظَنِّي أَن أطلب الْفرج مِنْهُ.

стр. 175

أَحْمد بن أبي خَالِد، يبلغهُ أَن جَارِيَة لَهُ توطئ فرَاشه غَيره قَالَ: مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء: إِن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي. قَالَ: كنت أكتب لِأَحْمَد بن أبي خَالِد، فَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا، فرأيته مطرقا، مفكرا، مغموما، فَسَأَلته عَن الْخَبَر. فَأخْرج إِلَيّ رقْعَة، فَإِذا فِيهَا أَن حظية من أعز جواريه عِنْده، يُخَالف إِلَيْهَا، وتوطئ فرَاشه غَيره، وَيسْتَشْهد فِي الرقعة، بخادمين كَانَا ثقتين عِنْده. وَقَالَ لي: دَعَوْت الخادمين، فَسَأَلتهمَا عَن ذَلِك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على الْإِنْكَار، فضربتهما، وأحضرت لَهما آلَة الْعَذَاب، فاعترفا بِكُل مَا فِي الرقعة على الْجَارِيَة، وَإِنِّي لم أذق أمس وَلَا الْيَوْم طَعَاما، وَقد هَمَمْت بقتل الْجَارِيَة. فَوجدت بَين يَدَيْهِ مُصحفا، ففتحته لأتفاءل بِمَا يخرج فِيهِ، فَكَانَ أول مَا وَقعت عَيْني عَلَيْهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَة، فشككت فِي صِحَة الحَدِيث، وأريته مَا خرج بِهِ الفأل.

стр. 176

وَقلت: دَعْنِي أتلطف فِي كشف هَذَا. قَالَ: افْعَل. فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بِأَحَدِهِمَا، فَقَالَ: النَّار وَلَا الْعَار، وَذكر أَن امْرَأَة ابْن أبي خَالِد، أَعطَتْهُ ألف دِينَار، وَسَأَلته الشَّهَادَة على الْجَارِيَة، وأحضرني الْكيس مَخْتُومًا بِخَاتم الْمَرْأَة، وأمرته أَن لَا يذكر شَيْئا إِلَّا بعد أَن يُوقع بِهِ الْمَكْرُوه، ليَكُون أثبت للْخَبَر، ودعوت الآخر، فاعترف بِمثل ذَلِك أَيْضا. فبادرت إِلَى أَحْمد بالبشارة، فَمَا وصلت إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءَتْهُ رقْعَة الْحرَّة، تعلمه أَن الرقعة الأولى كَانَت من فعلهَا، غيرَة عَلَيْهِ من الْجَارِيَة، وَأَن جَمِيع مَا فِيهَا بَاطِل، وَأَنَّهَا حملت الخادمين على ذَلِك، وَأَنَّهَا تائبة إِلَى الله تَعَالَى من هَذَا الْفِعْل وَأَمْثَاله. فَجَاءَتْهُ بَرَاءَة الْجَارِيَة من كل وَجه فسر بذلك، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ، وَأحسن إِلَى الْجَارِيَة.

стр. 177

سَبَب خُرُوج أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر إِلَى الشَّام حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الشَّاهِد، الْمُقْرِئ، الْمَعْرُوف بِغُلَام ابْن مُجَاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر، قَالَ: كَانَ بَدْء خروجي إِلَى الشَّام، أَن المتَوَكل خرج يتنزه بالمحمدية، فَخَلا بِهِ

стр. 178

الْكتاب هُنَاكَ، فأحكموا على الْقِصَّة وَأَنا لَا أعلم، ثمَّ بعثوا إِلَيّ، وَأَنا لَا أَدْرِي، فَحَضَرت وهم مجتمعون، فَقَالُوا لي: وَكَانَ الْمُخَاطب لي مُوسَى بن عبد الْملك. فَقَالَ لي: قد جرت أَسبَاب أوجبت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر أَن تخرج إِلَى الرقة، فكم تحْتَاج لنفقتك؟ فَقلت: أما خروجي، فالسمع وَالطَّاعَة لأمير الْمُؤمنِينَ، وَأما الَّذِي أحتاج إِلَيْهِ للنَّفَقَة، فَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم. فَمَا بَرحت، حَتَّى دفعت إِلَيّ، وَقَالُوا: اخْرُج السَّاعَة. فَقلت: أودع أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالُوا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل. فَقلت: أصلح من شأني. فَقَالُوا: وَلَا هَذَا، وَأخذ مُوسَى يعرض لي، أَن السُّلْطَان قد سخط عَليّ، وَأَن الصَّوَاب الْخُرُوج، وَترك الْخلاف. وَأَقْبل يَقُول: إِن السُّلْطَان إِذا سخط على الرجل، فَالصَّوَاب لذَلِك الرجل أَن يَنْتَهِي إِلَى أمره كُله، وَأَن لَا يُرَاجِعهُ فِي شَيْء، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن التباعد عَن السُّلْطَان، لَهُ فِيهِ الْحَظ. فَقلت: يَكْفِي الله ويلطف.

стр. 179

فوكلوا بِي جمَاعَة، حَتَّى خرجت من الْبَلَد، وَأَنا فِي حَالَة، الْأسر عِنْدِي أحسن مِنْهَا وَأطيب، وحثوا بِي السّير. فَلَمَّا قاربت الرقة، وَأَرَدْت الدُّخُول إِلَيْهَا، أدركنا اللَّيْل، فَإِذا بأعرابي فِي نَاحيَة عني، وَمَعَهُ إبل يحدوها، وَيَقُول: كم مرّة حفت بك المكاره ... خار لَك الله وَأَنت كَارِه قَالَ: وَلم يزل يُكَرر ذَلِك، فحفظته، وتبركت بالفأل، وَدخلت الرقة، فَلم أقِم بهَا إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، حَتَّى ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ إِلَى الشَّام للتعديل، وأجرى على مائَة ألف دِرْهَم، وَذكر أَن هَذَا عمل جليل، كَانَ الْمَأْمُون خرج فِيهِ بِنَفسِهِ، لجلالته وَعظم خطره، وَأَنه رَآنِي أَهلا لَهُ. فَخرجت، فَرَأَيْت كل مَا أحب، حَتَّى لَو بذلت لي الْعرَاق بأسرها، على فِرَاق تِلْكَ النَّاحِيَة، مَا سمحت نفسا بذلك، فَللَّه الْحَمد والْمنَّة. وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي جدك أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُدبر، وَكَانَ جده لأمه، وحَدثني أَنه لم يره قطّ، أَن المتَوَكل خرج إِلَى المحمدية سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ متنزها، فَأَتَانِي رَسُوله، وأحضرني، فَحَضَرت، فَوجدت عبيد الله بن يحيى،

стр. 180

وَالْحسن بن مخلد، وَأحمد بن الخصيب، وَجَمَاعَة من الْكتاب حضورا. فَقَالَ لي عبيد الله بن يحيى: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: قد فسد علينا أَمر الرقة، ثمَّ ذكر نَحوا من الحَدِيث الأول، إِلَّا أَنه لم يكن فِيهِ إِطْلَاق ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، بل قَالَ: فَخرجت وَمَا أقدر على نَفَقَة، ففكرت فِيمَن أقصده، واستعين بِمَالِه، فَمَا ذكرت غير الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، وَكَانَت بيني وَبَينه وَحْشَة، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة حملت نَفسِي على الصعب فِيهَا، فَوجه إِلَيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار، فتحملت بهَا. . . ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، على سِيَاقَة الْخَبَر الأول، إِلَّا أَنه قَالَ: إِن الَّذِي أجري عَلَيْهِ، لما أَمر بِالْخرُوجِ للتعديل، فِي كل شهر مائَة ألف وَعشْرين ألف دِرْهَم. قَالَ: فشخصت إِلَيْهَا، وَلَو أَعْطَيْت الْآن بقصري فِيهَا، سر من رأى كلهَا، مَا سمحت نفسا بذلك. وَكَانَ قصره بالرملة، وَكَانَ جَلِيلًا.
следующие страницы →