Полный текст (1 589 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ذَلِك، فَيجْعَل ابْن الزيات الصَّبِي شبحا، ويتولى التَّدْبِير فيتلفنا، وَقد امتنعنا لفرط الْغم من الْأكل.
فَلَمَّا دخل علينا إيتاخ، لم نشك أَنه قد حضر لبلية، فأطلقنا، وعرفنا الصُّورَة، فدعونا للخليفة، وَلأَحْمَد بن أبي دؤاد، وانصرفنا إِلَى مَنَازلنَا لَحْظَة، ثمَّ خرجنَا، فوقفنا لأبي عبد الله دؤاد على الطَّرِيق، نَنْتَظِر عوده من دَار الْخَلِيفَة عشيا.
فحين رَأَيْنَاهُ ترجلنا لَهُ، فَقَالَ: لَا تَفعلُوا، وأكبر ذَلِك، ومنعنا من التَّرَجُّل، فَلم نمتنع ودعونا لَهُ وشكرناه.
فَوقف حَتَّى ركبنَا وسايرناه، وَأخذ يخبرنا بالْخبر، وَنحن نشكره، وَهُوَ يستصغر مَا فعل، وَيَقُول: هَذَا أقل حقوقكم، وَكَانَ الَّذِي لقِيه أَنا وَأحمد بن الخصيب.
وَقَالَ لنا: ستعلمان مَا أَفعلهُ مستأنفا.
ثمَّ رَجَعَ ابْن أبي دؤاد إِلَى دَار الْخَلِيفَة عشيا، فَقَالَ لَهُ الواثق: قد تبركت بِرَأْيِك يَا أَبَا عبد الله، وَوجدت خفَّة من الْعلَّة، ونشطت للْأَكْل، فَأكلت وزن خَمْسَة دَرَاهِم خبْزًا بصدر دراج.
فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تِلْكَ الْأَيْدِي الَّتِي كَانَت تَدْعُو عَلَيْك غدْوَة، صَارَت تَدْعُو لَك عَشِيَّة، وَيَدْعُو لَك بسببهم خلق كثير من رعيتك،
стр. 387
إِلَّا أَنهم قد صَارُوا على دور خراب، وأحوال قبيحة، بِلَا فرش، وَلَا كسْوَة، وَلَا دَوَاب، وَلَا ضيَاع، موتى جوعا وهزالا.
قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: فِي الخزائن والاصطبلات بقايا مَا أَخذ مِنْهُم، فَلَو أمرت أَن ينظر فِي ذَلِك، فَكل من وجد لَهُ شَيْء بَاقٍ من هَذَا رد عَلَيْهِ، وأطلقت لَهُم ضياعهم، لعاشوا، وخف الْأَلَم وتضاعف الدُّعَاء، وقويت الْعَافِيَة.
قَالَ: فَوَقع عني بذلك، فَوَقع عَنهُ أَحْمد بن أبي دؤاد.
فَمَا شعرنَا من الْغَد، إِلَّا وَقد رجعت علينا نعمتنا، وَمَات الواثق بعد ثَلَاثَة أَيَّام.
وَفرج الله عَنَّا بِابْن أبي دؤاد، وَبقيت لَهُ هَذِه المكرمة الْعَظِيمَة فِي أعناقنا.
وَقد ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس هَذَا الْخَبَر، فِي كتاب الوزراء، عَن مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان، بِمَا يقرب من هَذِه الْأَلْفَاظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه لم يذكر أَنه كَانَ مَعَهم فِي الْحَبْس أَحْمد بن الخصيب.
جـ - إنقاذ أبي دلف من موت مُحَقّق
حَدثنِي أبي ﵁، فِي المذاكرة، بِإِسْنَاد لست أقوم عَلَيْهِ؛ لِأَنِّي لم أكتبه فِي الْحَال، قَالَ: كَانَ ابْتِدَاء الْعَدَاوَة بَين أبي عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد وَبَين الإفشين،
стр. 388
أَن الإفشين كَانَ أغرى المعتصم بِأبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ؛ لعداوة كَانَت بَينهمَا، فسلمه إِلَيْهِ المعتصم، فأجمع على قَتله من يَوْمه ذَاك.
وَبلغ الْخَبَر أَبَا دلف، فارتحل على ابْن أبي دؤاد، فَاسْتَجَارَ بِهِ، وعرفه مَا قد أشرف عَلَيْهِ.
فجَاء ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم ليسأله عَن أمره، فَوَجَدَهُ نَائِما، فكره أَن
стр. 389
يقيمه وينبهه، وَخَافَ أَن يشرع الإفشين فِي قتل أبي دلف، فجَاء إِلَى الإفشين، فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ، بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ أَن تحدث على الْقَاسِم بن عِيسَى حَادِثَة، وَالله لَئِن فعلت لأَقْتُلَنك، وَلم يكن المعتصم أرْسلهُ، وَلَا قَالَ لَهُ شَيْئا.
فرهب الإفشين أَن يقتل أَبَا دلف.
وَعَاد ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَيْسَ الْكذَّاب من أصلح بَين النَّاس» ، فَقَالَ خيرا، ومنَّى خيرا، وَقد أدّيت عَنْك رِسَالَة أَحييت بهَا أهل بَيت من الْمُسلمين، وكففت بهَا أسياف خلق من الْعَرَب، بَلغنِي أَن الإفشين عزم على قتل الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فأديت إِلَيْهِ عَنْك رِسَالَة هِيَ كَذَا وَكَذَا، فحقنت دم الرجل، ونعشت عِيَاله، وكففت عَنْك عصيان عجل وَمن يتبعهَا مِمَّن يتعصب لَهُ، فيتفق عَلَيْك من ذَلِك مَا تغتم بِهِ، وَالرجل فِي يَده مشف على الْقَتْل.
فَقَالَ لَهُ المعتصم: قد أَحْسَنت.
وَوجه الإفشين إِلَى ابْن أبي دؤاد: لَا تَأتِينِي، وَلَا تقربني.
فَقَالَ للرسول: أتؤدي عني كَمَا أدّيت إِلَيّ؟ قَالَ: قل.
قَالَ: قل لَهُ: مَا آتِيك تعززا من ذلة، وَلَا تكثرا من قلَّة، وَإِنَّمَا أَنْت رجل ساعدك زمَان، ورفعك سُلْطَان، فَإِن جئْتُك فَلهُ، وَإِن تَأَخَّرت عَنْك فلنفسك.
أَخْبرنِي القَاضِي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع القَاضِي، قَالَ: أخبرنَا مُوسَى بن جَعْفَر، أَخُو يعِيش الْكَاتِب، قَالَ:
стр. 390
كَانَ أَحْمد بن أبي دؤاد حِين ولي المعتصم الْخلَافَة، عادى الإفشين وحرض عَلَيْهِ المعتصم، وَذكر حَدِيثا طَويلا، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
ثمَّ قَالَ فِيهِ: وَكَانَ سَبَب الْعَدَاوَة بَين أَحْمد بن أبي دؤاد، وَبَين الإفشين، أَن الإفشين أَرَادَ قتل أبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فَاسْتَجَارَ بِابْن أبي دؤاد، ثمَّ ذكر نَحوا مِمَّا ذكرته عَن أبي ﵁، إِلَّا أَنه لم يقل فِي خَبره أَن ابْن أبي دؤاد جَاءَ إِلَى المعتصم فَوَجَدَهُ نَائِما، ثمَّ عَاد فَوَجَدَهُ قد انتبه، وَقَالَ فِي آخر حَدِيثه: وَإِنَّمَا أَنْت رجل رفعتك دولة، فَإِن جِئْت فلهَا وَإِن قعدت فعنك.
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ أَبُو دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فِي جملَة من كَانَ مَعَ الإفشين خيذر بن كاوس لما خرج لمحاربة بابك، ثمَّ تنكر لَهُ، فَوجه من جَاءَهُ بِهِ ليَقْتُلهُ.
وَبلغ المعتصم الْخَبَر، فَبعث إِلَيْهِ بِأَحْمَد بن أبي دؤاد، وَقَالَ لَهُ: أدْركهُ، وَمَا أَرَاك تُدْرِكهُ، واحتل فِي خلاصه مِنْهُ كَيفَ شِئْت.
قَالَ أَحْمد: فمضيت ركضا حَتَّى وافيته، فَإِذا أَبُو دلف وَاقِف بَين يَدَيْهِ، وَقد أَخذ بِيَدِهِ غلامان لَهُ تركيان، فرميت بنفسي على الْبسَاط، وَكنت إِذا جِئْته دَعَا لي بمصلى.
فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا حملك على هَذَا؟ قلت: أَنْت أجلستني هَذَا الْمجْلس، ثمَّ كَلمته فِي الْقَاسِم بن عِيسَى، وَسَأَلته فِيهِ، وخضعت لَهُ، فَجعل لَا يزْدَاد إِلَّا غلظة.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك مِنْهُ، قلت: هَذَا عبد، وَقد أغرقت فِي الرقة مَعَه فَلم تَنْفَع، وَلَيْسَ إِلَّا أَخذه بالرهبة.
فَقُمْت، وَقلت: كم تراك قدرت فِي نَفسك تقتل أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاحِدًا بعد وَاحِد، وتخالف أمره فِي قَائِد بعد قَائِد؟ قد حملت إِلَيْك هَذِه الرسَالَة عَن
стр. 391
أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَمَا تَقول؟ فَقل، وذل، حَتَّى لصق بِالْأَرْضِ، وَبَان لي الِاضْطِرَاب فِيهِ.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، نهضت إِلَى أبي دلف، فَأخذت بِيَدِهِ، وَقلت: قد أَخَذته بِأَمْر أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: لَا تفعل، يَا أَبَا عبد الله.
فَقلت: قد فعلت، وأخرجت الْقَاسِم، وَحَمَلته على دَابَّة، ووافيت المعتصم.
فَلَمَّا بصر بِي، قَالَ: بك يَا أَبَا عبد الله وريت زنادي، ثمَّ سرد عَليّ خبري مَعَ الإفشين، حَدِيثا مَا أَخطَأ فِيهِ حرفا.
ثمَّ سَأَلَني: هَل هُوَ كَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرته أَنه لم يُخطئ حرفا وَاحِدًا.
وَأَخْبرنِي أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، الْمَعْرُوف بالحاتمي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي جدك المظفر بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن ثوابة، قَالَ: كَانَ الإفشين نقم على أبي دلف الْعجلِيّ، وَهُوَ مضموم إِلَيْهِ فِي حَرْب بابك، أَشْيَاء، فَلَمَّا ظفر ببابك، وَقدم سر من رأى، شكاه إِلَى المعتصم، وَسَأَلَهُ ليأمره بِهِ، فَفعل، ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُطلق يَده عَلَيْهِ، فَلم يفعل، وَكَانَ أَحْمد بن أبي دؤاد متعصبا لأبي دلف، يَقُول للمعتصم: إِن الإفشين ظَالِم لَهُ، وَإِنَّمَا نقم عَلَيْهِ نصيحته فِي محاربة بابك، وجده فِيهَا، وَدفعه مَا كَانَ الإفشين يذهب إِلَيْهِ من مطاولة الْأَيَّام، وإنفاق الْأَمْوَال وانبساط الْيَد فِي الْأَعْمَال، وَتَركه مُتَابَعَته على ذَلِك.
فألح الإفشين على المعتصم بِاللَّه فِي إِطْلَاق يَده عَلَيْهِ، وَكَانَ للإفشين قدر جليل عِنْد المعتصم، يدْخل عَلَيْهِ بِغَيْر إِذن.
стр. 392
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وأنبأنا أَبُو عبد الله بن أبي دؤاد، قَالَ: دخلت على المعتصم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، لم يدعني الْيَوْم أَبُو الْحسن الإفشين حَتَّى أطلقت يَده على الْقَاسِم بن عِيسَى.
فَقُمْت من بَين يَدَيْهِ، وَمَا أبْصر شَيْئا خوفًا على أبي دلف، ودخلني أَمر عَظِيم، وَخرجت فركبت دَابَّتي، وسرت أَشد سير من الْجَوْسَقِ إِلَى دَار الإفشين بِقرب الْمَطِيرَة، أُؤَمِّل أَن أدْرك أَبَا دلف قبل أَن يحدث الإفشين عَلَيْهِ حَادِثَة.
فَلَمَّا وقفت بِبَابِهِ، كرهت أَن أَسْتَأْذن فَيعلم أَنِّي قد حضرت بِسَبَب أبي دلف، فيعجل عَلَيْهِ فَدخلت على دَابَّتي إِلَى الْموضع الَّذِي كنت أنزل فِيهِ، وأوهمت حَاجِبه أَنِّي قد جِئْت برسالة المعتصم، ثمَّ نزلت، فَرفع السّتْر، فَدخلت، فَوجدت الإفشين فِي مَوْضِعه، وَأَبُو دلف مُقَيّد بالحديد بَين يَدَيْهِ فِي نطع، وَهُوَ يقرعه ويخاطبه بأشد غضب وَأعظم مُخَاطبَة.
فحين قربت مِنْهُ أمسك فَسلمت، وَأخذت مجلسي، ثمَّ قلت للإفشين: قد عرفت حرمتي بأمير الْمُؤمنِينَ، وخدمتي إِيَّاه، وَمَوْضِعِي عِنْده، وموقعي من رَأْيه، وتفرده بالصنيعة عِنْدِي وَالْإِحْسَان، وَعلمت مَعَ ذَلِك ميلي إِلَيْك، ومحبتي لَك، وَقد رغبت إِلَيْك فِيمَا يرغب فِيهِ مثلي إِلَى مثلك، مِمَّن رفع الله قدره، وَأجل خطره وَأَعْلَى همته.
فَقَالَ: كل مَا قلت كَمَا قلت، وكل مَا أردْت فَهُوَ مبذول لَك، خلا هَذَا الْجَالِس، فَإِنِّي لَا أشفعك فِيهِ.
فَقلت: مَا جئْتُك إِلَّا فِي أمره، وَلَا ألتمس مِنْك غَيره، وَلَوْلَا شدَّة غضبك، وَمَا تتوعده بِهِ من الْقَتْل، لَكَانَ فِي جميل عفوك مَا يُغني عَن كلامك، وَلَكِنِّي لما عرفت غيظك، وَمَا تنقمه عَلَيْهِ احتجت، مَعَ موقعه مني، إِلَى كلمة فِي أمره، واستيهاب عَظِيم جرمه، إِذْ كَانَ مثلك فِي جلالتك إِنَّمَا يسْأَل جلائل الْأُمُور.
стр. 393
فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، هَذَا رجل طلب دمي، وَلم تقنعه إِزَالَة نعمتي، وَلَا سَبِيل إِلَى تشفيعك فِيهِ، وَلَكِن هَذَا بَيت مَالِي، وَهَذِه ضياعي، وكل مَا أملك بَين يَديك، فَخذ من ذَلِك كُله مَا أردْت.
فَقلت: بَارك الله لَك فِي أموالك وَثَمَرهَا، لم آتِك فِي هَذَا، وَإِنَّمَا أَتَيْتُك فِي مكرمَة يبْقى لَك فَضلهَا، وَحسن أحدوثتها، وتعتقد بهَا منَّة فِي عنقِي، وَلَا أَزَال مرتهنا فِي شكرها.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي فِي هَذَا شَيْء أَلْبَتَّة.
فَقلت لَهُ: الْقَاسِم بن عِيسَى فَارس الْعَرَب وشريفها، فاستبقه، وأنعم عَلَيْهِ، فَإِن لم تره لهَذَا أَهلا، فهبه للْعَرَب كلهَا، وَأَنت تعلم أَن مُلُوك الْعَجم لم تزل تفضل على مُلُوك الْعَرَب، وَمن ذَلِك مَا كَانَ من كسْرَى إِلَى النُّعْمَان حَتَّى ملكه، وَأَنت الْآن بَقِيَّة الْعَجم وشريفها، وَالقَاسِم شرِيف الْعَرَب، فَكُن الْيَوْم شريفا من الْعَجم أنعم على شرِيف من الْعَرَب وَعَفا عَنهُ.
فَقَالَ: مَا عِنْدِي فِي هَذَا جَوَاب إِلَّا مَا سَمِعت، وتنكر، وتبينت الشَّرّ فِي وَجهه.
فَقلت فِي نَفسِي: أنصرف، وأدع هَذَا يقتل أَبَا دلف؟ لَا وَالله، وَلَكِن أمثل بني يَدَيْهِ قَائِما، وأكلمه، فَلَعَلَّهُ أَن يستحي، فَقُمْت، وتوهمني أُرِيد الِانْصِرَاف، فتحفز لي.
فَقلت: لست أُرِيد الِانْصِرَاف، وَإِنَّمَا مثلت بَين يَديك قَائِما، صَابِرًا، رَاغِبًا، ضارعا، سَائِلًا، مستوهبا هَذَا الرجل مِنْك.
فَكَانَ جَوَابه أغْلظ.
فتحيرت، وَقلت فِي نَفسِي: أنكب على رَأسه، فأقبله، فدخلني من
стр. 394
ذَلِك أنف شَدِيد، وَقلت فِي نَفسِي: أقبل رَأس هَذَا الأقلف؟ لَا يكون هَذَا أبدا.
ثمَّ راجعتني الشَّفَقَة على أبي دلف، فَقبلت رَأسه، وضرعت إِلَيْهِ، فَلم يجبني، فأخذني مَا قدم وَمَا حدث.
فَجَلَست، وَقلت لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، قد طلبت مِنْك، وضرعت إِلَيْك، وَوضعت خدي لَك، ومثلت بَين يَديك، وَقبلت رَأسك، فشفعني واصرفني شاكرا، فَهُوَ أجمل بك.
فَقَالَ: لَا وَالله، مَا عِنْدِي غير الَّذِي قلته لَك.
فَقلت لَهُ: أَنا رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك، وَهُوَ يَقُول لَك: لَا تحدث فِي الْقَاسِم بن عِيسَى حَدثا، فَإنَّك إِن قتلته قتلت بِهِ.
قَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول هَذَا بعد أَن أطلق يَدي عَلَيْهِ؟ قلت: نعم، أَنا رَسُوله إِلَيْك بِمَا قلته لَك، فَإِن كنت فِي الطَّاعَة فاسمع وأطع، وَإِن كنت قد خلعت، فَقل: لَا طَاعَة، ونفضت فِي وَجهه يَدي، ونهضت.
فاضطرب حَتَّى لم يقدر أَن يَدْعُو لي بدابتي.
وَركبت، فأغذذت السّير إِلَى المعتصم؛ لأخبره الْخَبَر، وَبِمَا اضطررت إِلَيْهِ من تأدية رسَالَته، لِأَنِّي علمت أَنه لم يقل لي مَا قَالَه، إِلَّا وَهُوَ يحب اسْتِبْقَاء أبي دلف.
فانتهيت إِلَى الْجَوْسَقِ فِي وَقت حَار، والحجاب جَمِيعًا نيام، وَالدَّار خَالِيَة، فَدخلت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى ستر الدَّار الَّتِي فِيهَا المعتصم، فَجَلَست، وَقلت:
стр. 395
إِن جَاءَ الإفشين دخلت مَعَه وتكلمت، وَإِن سَأَلَ الْوُصُول، أخْبرت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخَبَر كُله.
فَبينا أَنا كَذَلِك، إِذْ خرج خَادِم من وَرَاء السّتْر، فعرفته، ثمَّ دخل، وَخرج، فَقَالَ: ادخل.
فَدخلت، وَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما لي حُرْمَة؟ أما لي ذمام؟ أما لي حق؟ أما فِي فضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ وَنعمته عِنْدِي، مَا تجب رعايته؟ فَقَالَ: مَا لَك يَا أَبَا عبد الله؟ مَا قصتك؟ اجْلِسْ، فَجَلَست.
ثمَّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قلت لي الْيَوْم فِي الْقَاسِم بن عِيسَى قولا علمت مَعَه أَنَّك أردْت استبقاءه وحقن دَمه، فمضيت من فوري إِلَى أبي الْحسن الإفشين، ثمَّ قصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة إِلَى مَوضِع الرسَالَة الَّتِي أديتها عَنهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي كل ذَلِك يتغيظ، ويفتل سباله، حَتَّى إِذا أردْت أَن أعرفهُ الرسَالَة الَّتِي أديتها عَنهُ، قطع، وَقَالَ: يمْضِي قَاضِي، وصنيعتي أَحْمد بن أبي دؤاد إِلَى خيذر، فيخضع لَهُ، وَيقف بَين يَدَيْهِ، وَيقبل رَأسه، فَلَا يشفعه؟ قتلني الله إِن لم أَقتلهُ، يكررها.
فَمَا استوفى كَلَامه، حَتَّى رفع السّتْر وَدخل الإفشين، فَلَقِيَهُ بأكبر الْبر وَالْإِكْرَام، وَأَجْلسهُ بِقُرْبِهِ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْوَقْت الْحَار يَا أَبَا الْحسن؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، رجل قد عرفت مَا نالني مِنْهُ، وَأَنه طلب دمي، وَقد أطلقت يَدي عَلَيْهِ، يجيئني هَذَا، وَيَقُول لي: إِنَّك بعثت إِلَيّ تَأْمُرنِي أَن لَا أحدث فِيهِ حَدثا، وَأَنِّي إِن قتلته قتلت بِهِ؟ قَالَ: فَغَضب، وَقَالَ: أَنا أَرْسلتهُ إِلَيْك، فَلَا تحدث على الْقَاسِم بن عِيسَى حَدثا.
فَنَهَضَ الإفشين مغضبا يدمدم، واتبعته لأتلافاه، فصاح بِي المعتصم:
стр. 396
ارْجع يَا أَبَا عبد الله، فَرَجَعت، وَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه كَانَ بَقِي شَيْء مِمَّا جرى مني قطعتني بكلامك عَن ذكره لَك.
قَالَ: تَعْنِي الرسَالَة؟ قلت: نعم.
قَالَ: قد فهمتها، وَالقَاسِم يوافيك العشية، فاحذر أَن تفوه بِشَيْء مِمَّا جرى.
وَمضى الإفشين، فَأطلق الْقَاسِم، وخلع عَلَيْهِ، وَحمله، فَجَاءَنِي الْقَاسِم من العشية.
وَمَا أخْبرت بِالْحَدِيثِ حَتَّى قتل الإفشين، وَمَات المعتصم.
стр. 397
الصريفيني الْكَاتِب يعلم الْعمَّال حسن الصّرْف
حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عِيسَى، وَأَبا الْحسن الْإِيَادِي الْكَاتِب، يَقُولَانِ: إنَّهُمَا سمعا عبيد الله بن سُلَيْمَان، يَقُول: كنت بِحَضْرَة أبي، فِي ديوَان الْخراج بسر من رأى، وَهُوَ يَتَوَلَّاهُ، إِذْ ذَاك، إِذْ دخل علينا أَحْمد بن خَالِد الصريفيني الْكَاتِب، فَقَامَ لَهُ أبي قَائِما فِي مَجْلِسه، وَأَقْعَدَهُ فِي صَدره، وتشاغل بِهِ، وَلم ينظر فِي عمل حَتَّى نَهَضَ، ثمَّ قَامَ مَعَه، وَأمر غلمانه بِالْخرُوجِ بَين يَدَيْهِ.
فاستعظمت أَنا، وكل من فِي الدِّيوَان ذَلِك؛ لِأَن رسم أَصْحَاب الدَّوَاوِين، صغارهم وكبارهم، أَن لَا يقومُوا فِي الدِّيوَان لأحد من خلق الله ، مِمَّن يدْخل إِلَيْهِم.
стр. 398
وَتبين ذَلِك أبي فِي وَجْهي، فَقَالَ لي: يَا بني، إِذا خلونا، فسلني عَن السَّبَب فِيمَا عملته مَعَ هَذَا الرجل.
قَالَ: وَكَانَ أبي يَأْكُل فِي الدِّيوَان، وينام فِيهِ، وَيعْمل عشيا.
فَلَمَّا جلسنا نَأْكُل، لم أذكرهُ، على أَن رَأَيْت الطَّعَام قد كَاد يَنْقَضِي، فَقَالَ لي: يَا بني شغلك الطَّعَام عَن إذكاري بِمَا قلت لَك أَن تذكرني بِهِ؟ فَقلت: لَا، وَلَكِن أردْت أَن يكون ذَلِك على خلْوَة.
فَقَالَ: يَا بني، هَذَا وَقت خلْوَة، ثمَّ قَالَ: أَلَيْسَ قد أنْكرت، أَنْت والحاضرون، قيامي لِأَحْمَد بن خَالِد، فِي دُخُوله وَخُرُوجه، وَمَا عاملته بِهِ؟ فَقلت: بلَى.
قَالَ: كَانَ هَذَا يتقلد مصر، فَصَرَفته عَنْهَا، وَقد كَانَت طَالَتْ مدَّته فِيهَا، فتتبعته، فوطئت آثَار رجل لم أجد أجمل مِنْهُ آثارا، وَلَا أعف عَن أَمْوَال السُّلْطَان والرعية، وَلَا رَأَيْت رعية لعامل أشكر من رَعيته لَهُ.
وَكَانَ الْحُسَيْن الْخَادِم الْمَعْرُوف بعرق الْمَوْت صَاحب الْبَرِيد بِمصْر، من أصدق النَّاس لَهُ، وَكَانَ مَعَ هَذَا من أبْغض النَّاس، وأشدهم اضطرابا فِي أخلاقه، فَلم أتعلق عَلَيْهِ بِحجَّة.
وَوَجَدته قد أخر رفع الْحساب لسنة مُتَقَدّمَة ولسنته الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَلم يستتمها لصرفي لَهُ عَنْهَا، وَلم ينفذهُ إِلَى الدِّيوَان، فَسَمتْهُ أَن يحط من الدخل، وَأَن يزِيد فِي النَّفَقَات والأرزاق، وَيكسر من البقايا، فِي كل سنة مائَة ألف دِينَار،
стр. 399
لآخذها لنَفْسي، فَامْتنعَ من ذَلِك فأغلظت لَهُ، وتوعدته، وَنزلت مَعَه إِلَى مائَة ألف وَاحِدَة للسنتين، وَحلفت بأيمان مُؤَكدَة، أَنِّي لَا أقنع مِنْهُ بِأَقَلّ مِنْهَا.
فَأَقَامَ على امْتِنَاعه، وَقَالَ: أَنا لَا أخون لنَفْسي، فَكيف أخون لغيري وأزيل مَا قَامَ بِهِ جاهي من العفاف؟ فقيدته وحبسته، فَلم يجب، وَأقَام مُقَيّدا فِي الْحَبْس شهورا.
وَكتب عرق الْمَوْت، صَاحب الْبَرِيد، إِلَى المتَوَكل يضْرب عَليّ، وَيحلف أَن أَمْوَال مصر لَا تفي بنفقتي ومئونتي، ويصف أَحْمد بن خَالِد، وَيذكر ميل الرّعية إِلَيْهِ، وعفته.
فَبينا أَنا ذَات يَوْم على الْمَائِدَة آكل، إِذْ وَردت عَليّ رقْعَة أَحْمد بن خَالِد، يسألني استدعاءه لمهم يلقيه إِلَيّ، فَلم أَشك أَنه قد غَرَض بالقيد وَالْحَبْس، وَقد عزم على الاستجابة لمرادي.
فَلَمَّا غسلت يَدي دَعوته، فاستخلاني، فأخليته، فَقَالَ: أما آن لَك يَا سَيِّدي أَن ترق لي مِمَّا أَنا فِيهِ، من غير ذَنْب أذنبته إِلَيْك، وَلَا جرم، وَلَا قديم ذحل، وَلَا عَدَاوَة.
стр. 400
فَقلت: أَنْت اخْتَرْت لنَفسك هَذَا، وَلَو أجبتني إِلَى مَا قد سَمِعت يَمِيني عَلَيْهِ، لتخلصت، فاستجب لما أُرِيد مِنْك.
فَأخذ يستعطفني، فَجَاءَنِي ضد مَا قدرته فِيهِ، وغاظني، فشتمته، وَقلت: هَذَا الْأَمر المهم الَّذِي ذكرت فِي رقعتك أَنَّك تُرِيدُ أَن تلقيه إِلَيّ هُوَ أَن تستعطفني، وتسخر مني، وتخدعني.
فَقَالَ: يَا سَيِّدي، فَلَيْسَ عنْدك الْآن غير هَذَا؟ فَقلت: لَا.
فَقَالَ: إِذا كَانَ لَيْسَ غير هَذَا، فاقرأ يَا سَيِّدي هَذَا.
وَأخرج إِلَيّ كتابا لطيفا مَخْتُومًا فِي ربع قرطاس ففضضته، فَإِذا هُوَ بِخَط المتَوَكل الَّذِي أعرفهُ إِلَيّ بالانصراف، وَتَسْلِيم مَا أتولاه إِلَى أَحْمد بن خَالِد، وَالْخُرُوج إِلَيْهِ مِمَّا يلْزَمنِي، وَرفع الْحساب إِلَيْهِ، والامتثال لأَمره.
فورد عَليّ ذَلِك أقبح مورد، لقرب عهد الرجل بشتمي لَهُ، وَأَنه فِي الْحَال تَحت مكارهي وحديدي فَأَمْسَكت مبهوتا.
وَلم ألبث أَن دخل أَمِير الْبَلَد فِي أَصْحَابه وغلمانه، فَوكل بداري، وَجَمِيع مَا أملكهُ وبأصحابي وغلماني وجهابذتي، وكتابي، وَجعلت أزحف من الصَّدْر حَتَّى صرت بَين يَدي أَحْمد بن خَالِد، وَهُوَ فِي قيوده.
فَدَعَا أَمِير الْبَلَد بحداد، ففك قيوده، فمددت رجْلي؛ ليوضع فيهمَا الْقَيْد، فَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب، ضم أقدامك، ووثب قَائِما، وَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب: أَنْت قريب عهد بعمالة هَذَا الْبَلَد، وَلَا منزل لَك فِيهِ، وَلَا صديق، ومعك حرم وحاشية كَبِيرَة، وَلَيْسَ تسعك إِلَّا هَذِه الدَّار، وَكَانَت دَار العمالة،
стр. 401
وَأَنا أجد عدَّة مَوَاضِع، وَلَيْسَ لي كَبِير حَاشِيَة، وَمن نكبة خرجت، فأقم بمكانك.
وَخرج، وَصرف التَّوْكِيل عني، وَعَن الدَّار، وَأخذ كتابي وأسبابي إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرف قلت لغلماني: هَذَا الَّذِي نرَاهُ فِي النّوم، انْظُرُوا من وكل بِنَا؟ فَقَالُوا: مَا وكل بِنَا أحد.
فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا، وَمَا صليت الْعَصْر حَتَّى عَاد إِلَيّ جَمِيع من حمله مَعَه من المتصرفين وَالْكتاب والجهابذة، وَقَالُوا: أَخذ خطوطنا بِرَفْع الْحساب، وأمرنا بالملازمة، وأطلقنا، فازداد عجبي.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، باكرني مُسلما، ورحت إِلَيْهِ فِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم مُسلما عَلَيْهِ.
فأقمت على ذَلِك ثَلَاثِينَ يَوْمًا، يَغْدُو إِلَيّ، وأروح إِلَيْهِ، وَرُبمَا غَدَوْت أَنا، وَرَاح هُوَ وهداياه، وألطافه تَأتِينِي فِي كل يَوْم من الْفَاكِهَة، والثلج، وَالْحَيَوَان والحلوى.
فَلَمَّا كَانَ بعد ثَلَاثِينَ يَوْمًا، جَاءَنِي، فَقَالَ لي: قد عشقت مصر يَا أَبَا أَيُّوب، وَالله مَا هِيَ طيبَة الْهَوَاء، وَلَا عذبة المَاء، وَإِنَّمَا تطيب بِالْولَايَةِ والاكتساب، وَلَو دخلت إِلَى سر من رأى، لما أَقمت إِلَّا شهرا حَتَّى تتقلد أجل الْأَعْمَال.
فَقلت لَهُ: وَالله، مَا أَقمت إِلَّا توقعا لأمرك فِي الْخُرُوج.
فَقَالَ: أَعْطِنِي خطّ كاتبك، بِأَن عَلَيْهِ الْقيام بِالْحِسَابِ، واخرج فِي حفظ الله، فأحضرت كاتبي، وَأخذ خطه كَمَا أَرَادَ، وتسلمه، وَقَالَ: اخْرُج فِي أَي وَقت شِئْت.
стр. 402
فَخرجت من غَد، فَخرج هُوَ وأمير الْبَلَد وخاصته، ووجوه أَهله، فشيعوني إِلَى ظَاهر الْبَلَد، وَقَالَ لي: تقيم فِي أول منزل على خَمْسَة فراسخ، إِلَى أَن أزيح عِلّة قَائِد يصحبك إِلَى الرملة، فَإِن الطَّرِيق فَاسد.
فاستوحشت من ذَلِك، وَقلت: هَذَا إِنَّمَا غرني حَتَّى أخرج كل مَا أملكهُ، فيتمكن مِنْهُ فِي ظَاهر الْبَلَد، فيقبضه، ثمَّ يردني إِلَى الْحَبْس وَالتَّوْكِيل والمطالبة، ويحتج عَليّ بِكِتَاب يذكر أَنه ورد عَلَيْهِ ثَانِيًا.
فَخرجت، وأقمت بالمرحلة الَّتِي أَمر بهَا، مستسلما، متوقعا للشر، إِلَى أَن رَأَيْت أَوَائِل عَسْكَر مقبل من مصر.
فَقلت: لَعَلَّه الْقَائِد الَّذِي يُرِيد أَن يصحبني، أَو لَعَلَّه الَّذِي يُرِيد أَن يقبض عَليّ بِهِ، فَأمرت غلماني بِمَعْرِِفَة الْخَبَر.
فَقَالُوا: قد جَاءَ أَحْمد بن خَالِد الْعَامِل بِنَفسِهِ.
فَلم أَشك إِلَّا أَن الْبلَاء قد ورد بوروده، فَخرجت من مضربي، فَلَقِيته وسلمت عَلَيْهِ، فَلَمَّا جلس، قَالَ: أخلونا، فَلم أَشك أَنه للقبض عَليّ، فطار عَقْلِي، فَقَامَ من كَانَ عِنْدِي، وَلم يبْق غَيْرِي وَغَيره.
فَقَالَ: أعلم أَن أيامك لم تطل بِمصْر، وَلَا حظيت بكبير فَائِدَة، وَذَلِكَ الْبَاب الَّذِي سألتنيه فِي ولايتك فَلم أَسْتَجِب إِلَيْهِ، إِنَّمَا أخرت الْإِذْن لَك فِي الِانْصِرَاف من أول الْأَمر إِلَى الْآن؛ لِأَنِّي تشاغلت بالفراغ لَك مِنْهُ، وَقد حططت من الِارْتفَاع، وزدت فِي النَّفَقَات، فِي كل سنة خَمْسَة عشر ألف دِينَار، تكون للسنتين ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَهُوَ يقرب وَلَا يظْهر،
стр. 403
وَيكون أيسر مِمَّا أردته مني ذَلِك الْوَقْت، وَقد تشاغلت بِهِ حَتَّى جمعته لَك، وَهَذَا المَال على البغال قد جئْتُك بِهِ، فَتقدم إِلَى من يتسلمه.
فتقدمت بِقَبْضِهِ، وَقبلت يَده، وَقلت: وَالله، قد فعلت يَا سَيِّدي مَا لم تَفْعَلهُ البرامكة، فَأنْكر ذَلِك، وتقبض مِنْهُ، وَقبل يَدي.
وَقَالَ: هَهُنَا شَيْء آخر أُرِيد أَن تقبله.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَمْسَة آلَاف دِينَار قد استحققتها من أرزاقي، فامتنعت من ذَلِك، وَقلت: فِيمَا تفضلت بِهِ كِفَايَة.
فَحلف بِالطَّلَاق، أَنِّي أقبلها مِنْهُ، فَقَبلتهَا.
ثمَّ قَالَ: وَهَهُنَا ألطاف من هَدَايَا مصر، أَحْبَبْت أَن أصحبك إِيَّاهَا، فَإنَّك تمْضِي إِلَى كتاب الدَّوَاوِين ورؤساء الحضرة، فَيَقُولُونَ لَك: وليت مصر، فَأَيْنَ نصيبنا من هَدَايَاهَا؟ وَلم تطل أيامك، فتعد لَهُم ذَلِك، وَقد جمعت لَك مِنْهُ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ هَذَا الثبت.
وَأخرج إِلَيّ درجا فِيهِ ثَبت جَامع لكل شَيْء فِي الدُّنْيَا حسن طريف، جليل الْقدر، من ثِيَاب دبيقي، وقصب، وخدم، وبغال، ودواب، وحمير، وفرش، وَطيب، وجوهر، حَتَّى أَقْلَام ومداد، مَا يكون قِيمَته مَالا كثيرا.
فَأمرت بتسلمه، وزدت فِي شكره.
فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي، أَنا مغرى بحب الْفرش، وَقد اسْتعْمل
стр. 404
لي فرش بَيت أرمني، وَهُوَ عشر مصليات بمخادها، ومساندها، ومساورها، ومطارحها، وبسطها، وَهُوَ مَذْهَب بطرز مذهبَة، قد قَامَ عَليّ بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، على شدَّة احتياطي، وَقد أهديته لَك، فَإِن أهديته للوزير عَبدك، وَإِن أهديته للخليفة ملكته بِهِ، وَإِن أبقيته لنَفسك وتجملت بِهِ، كَانَ أحب إِلَيّ، قَالَ: وَحمله، فَمَا رَأَيْت مثله قطّ، وَلَا سمحت نَفسِي بإهدائه إِلَى أحد،
стр. 405
وَلَا اسْتِعْمَاله، وَمَا ابتذلت مِنْهُ شَيْئا غير هَذَا الصَّدْر وَمُسْنَده ومساوره، يَوْم إعذارك، أفتلومني على أَن أقوم لهَذَا الرجل، يَا بني؟ فَقلت: لَا وَالله يَا أَبَت، وَلَا على مَا هُوَ أَكثر من الْقيام، لَو كَانَ مستطاعا، فَكَانَ أبي بعد ذَلِك، إِذا صرف رجلا، عَامله بِكُل جميل، وَيَقُول: علمنَا أَحْمد بن خَالِد حسن الصّرْف، أحسن الله جزاءه.
стр. 406
الْخَلِيفَة المعتضد يتخبر على وزيره
حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الْكَاتِب، الَّذِي كَانَ زوج ابْنه أبي مُحَمَّد المهلبي، وخليفته على الوزارة، وَكَانَ جده مُحدثا، قَالَ: حَدثنِي شُيُوخ الْكتاب: أَن الْقَاسِم بن عبيد الله الْوَزير، لما انْفَرد بالوزارة بعد موت أَبِيه، كَانَ يحب الشّرْب، واللعب، وَيخَاف أَن يتَّصل ذَلِك بالمعتضد، فيستنقصه، وينسبه إِلَى الصبيانية والتهوك فِي اللَّذَّات، والتشاغل عَن الْأَعْمَال، وَكَانَ لَا يشرب إِلَّا فِي الْأَحَايِين، على أخْفى وأستر مَا يُمكنهُ.
وَأَنه خلا يَوْمًا مَعَ جواريه، وَلبس من ثيابهن المصبغات، وأحضر فواكه كَثِيرَة، وَشرب، وَلعب، من نصف النَّهَار إِلَى نصف اللَّيْل، ونام بَقِيَّة ليلته، وَبكر إِلَى المعتضد على رسمه للْخدمَة، فَمَا أنكر شَيْئا.
وَبكر فِي الْيَوْم الثَّانِي، فحين وَقعت عين المعتضد عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا قَاسم، مَا كَانَ عَلَيْك لَو دَعوتنَا إِلَى خلوتك، وألبستنا مَعَك من ثِيَابك المصبغات.
قَالَ: فَقبل الأَرْض، وورى عَن الصدْق، وَأظْهر الشُّكْر على هَذَا الْبسط، وَخرج وَقد كَاد أَن يتْلف غما لوقوف المعتضد على هَذَا السِّرّ، وَكَيف رقى إِلَيْهِ، وَأَنه إِذا لم يخف عَلَيْهِ هَذَا الْقدر من أمره، فَكيف تخفى عَلَيْهِ مرافقه، فجَاء إِلَى دَاره كئيبا.
стр. 407
وَكَانَ لَهُ دَاره صَاحب خبر جلد يرفع إِلَيْهِ الْأُمُور، فَأحْضرهُ، وعرفه مَا جرى بَينه وَبَين المعتضد، وَقَالَ لَهُ: ابحث لي عَمَّن أخرج هَذَا الْخَبَر، فَإِن فعلت، زِدْت فِي رزقك وأجزتك بِكَذَا وَكَذَا، وَإِن لم تخرجه نفيتك إِلَى عمان، وَحلف لَهُ على الْأَمريْنِ.
فَخرج صَاحب الْخَبَر من حَضرته متحيرا كئيبا، لَا يدْرِي مَا يعْمل فِي يَوْمه ذَلِك، مفكرا كَيفَ يجْتَهد ويحتال، فَمَا وَقع لَهُ رَأْي يعْمل عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحب الْخَبَر: فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، بكرت إِلَى دَار الْقَاسِم، زِيَادَة بكور على مَا جرى بِهِ رسمي، لفرط قلقي وسهري تِلْكَ اللَّيْلَة، ومحبتي للبحث.
فَجئْت وَلم يفتح بَاب دَار الْقَاسِم بعد، فَجَلَست، فَإِذا بِرَجُل زمن يزحف، فِي ثِيَاب المكدين، وَمَعَهُ مخلاة، كَمَا تكون مَعَ المكدين.
فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَاب جلس إِلَى أَن فتح، فسابقني إِلَى الدُّخُول، فولع بِهِ البوابون، وَقَالُوا لَهُ: أَي شَيْء خبرك يَا فلَان؟ وصفعوه، ومازحوه، ومازحهم، وطايبهم، وشتموه وشتمهم، وَجلسَ فِي الدهليز.
стр. 408
فَقَالَ: الْوَزير يركب الْيَوْم؟ قَالُوا: نعم، السَّاعَة يركب.
قَالَ: وَأي وَقت نَام البارحة؟ قَالُوا: وَقت كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا رَأَيْته يسْأَل عَن هَذَا، خمنت عَلَيْهِ أَنه صَاحب خبر، فأصغيت إِلَيْهِ، وَلم أره أَنِّي حافل بأَمْره وَهُوَ يسْأَل، إِلَى أَن لم يبْق شَيْئا يجوز أَن يُعلمهُ البوابون، عَمَّن وصل إِلَى الْوَزير، وَمن لم يصل، وَمَتى خَرجُوا، إِلَّا سَأَلَهُمْ عَنهُ، وحدثوه هم، أَحَادِيث أخر، على سَبِيل الفضول.
ثمَّ زحف فَدخل إِلَى حَيْثُ أَصْحَاب الستور، فَأخذ مَعَهم فِي مثل ذَلِك، وَأخذُوا مَعَه فِي مثله.
ثمَّ زحف، فَدخل إِلَى دَار الْعَامَّة.
فَقلت لأَصْحَاب الستور: من هَذَا؟ فَقَالُوا: رجل زمن فَقير أبله طيب، يدْخل الدَّار يتَصَدَّق ويتطايب فيهب لَهُ الغلمان والمتصرفون.
فتبعته إِلَى أَن دخل المطبخ، فَسَأَلَ عَمَّا أكل الْوَزير، وَمن كَانَ مَعَه على الْمَائِدَة، وكل وَاحِد يُخبرهُ بِشَيْء، ثمَّ خرج يزحف، حَتَّى دخل حجرَة الشَّرَاب، فَلم يزل يبْحَث عَنهُ كل شَيْء، فَيحدث بِهِ، ثمَّ خرج إِلَى خزانَة الْكسْوَة، فَكَانَت صورته كَذَلِك، ثمَّ جَاءَ إِلَى مجْلِس الْكتاب فِي الدِّيوَان، فَتصدق، وَأَقْبل يسمع مَا يجْرِي، وَيسْأل الصَّبِي بعد الصَّبِي، وَالْحَدَث بعد الْحَدث، عَن الشَّيْء بعد الشَّيْء، ويستخبر الْخَبَر، فِي كل مَوضِع من تِلْكَ الْمَوَاضِع، ويستقيه، ويخلط الْجد بالمزح والتطايب بِكَلَامِهِ، وَالْأَخْبَار تنجر إِلَيْهِ، وتتساقط
стр. 409
عَلَيْهِ وَالْقطع والزلات تجيئه، وَهُوَ يمْلَأ المخلاة، فَلَمَّا فرغ من هَذَا أقبل رَاجعا يُرِيد الْبَاب.
إِلَى هُنَا بِاتِّفَاق الرِّوَايَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ أَحدهمَا فِي حَدِيثه.
فَلَمَّا بلغ الْبَاب، قبضت عَلَيْهِ، وأدخلت بَيْتا، وأقفلت عَلَيْهِ، وَجَلَست على بَابه، فَلَمَّا خلا الْوَزير أعلمته بِهِ، فَقَالَ: أحضرني الرجل.
وَقَالَ الآخر: فَلَمَّا بلغ الْبَاب تَبعته، فَخرج حَتَّى جَاءَ إِلَى مَوضِع من الْخلد، فَدخل إِلَيْهِ فوقفت أنتظره، فَإِذا هُوَ بعد سَاعَة، قد خرج شَابًّا بِثِيَاب حسان، مَاشِيا، بِغَيْر قلبة، فتبعته حَتَّى جَاءَ إِلَى دَار بِقرب دَار الْخَادِم الْمُوكل بِحِفْظ دَار ابْن طَاهِر، فَدَخلَهَا.
فَسَأَلت عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِه دَار فلَان الْهَاشِمِي، رجل متجمل.
فرصدت إِلَى وَقت الْمغرب، فجَاء خَادِم من دَار ابْن طَاهِر، فدق الْبَاب، فَكَلمهُ من خوخة لَهُ، فَفتح لَهُ، وَرمي إِلَيْهِ برقعة لَطِيفَة، فَأَخذهَا الْخَادِم وَانْصَرف، فَجئْت، فطلبت من الْوَزير غلمانا، فَسلم إِلَيّ مَا طلبت، فبكرت فِي السحر على الدَّار الَّتِي فِي الْخلد، فَإِذا بِالرجلِ قد جَاءَ بزيه الَّذِي
стр. 410
دخل بِهِ دَاره بِقرب دَار ابْن طَاهِر، فكبسته فِي الْموضع، فَإِذا هُوَ قد نزع تِلْكَ الثِّيَاب، وَلبس ثِيَاب المكدين الَّتِي رَأَيْتهَا عَلَيْهِ أَولا.
فَحَملته، وغطيت وَجهه، وكتمت أمره، حَتَّى أدخلته دَار الْقَاسِم، وَدخلت إِلَيْهِ، فقصصت عَلَيْهِ الْخَبَر.
اتّفقت الْآن الرِّوَايَتَانِ.
فَلَمَّا فرغ الْقَاسِم من شغله، استدعاه، فَقَالَ لَهُ: اصدقني عَن أَمرك، أَولا ترى ضوء الدُّنْيَا، وَلَا تخرج من هَذِه الْحُجْرَة، وَالله، أبدا.
قَالَ: وتؤمنني؟ قَالَ: أَنْت آمن، فَنَهَضَ لَا قلبة بِهِ.
فتحير الْقَاسِم، وَقَالَ لَهُ: خبرك؟ فَقَالَ: أَنا فلَان الْهَاشِمِي، وَأَنا رجل متجمل، وَأَنا أتخبر عَلَيْك للمعتضد، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَأنزل فِي درب يَعْقُوب، بِقرب دَار ابْن طَاهِر، وَيجْرِي عَليّ المعتضد فِي كل شهر خمسين دِينَارا، فَأخْرج كل يَوْم من بَيْتِي، بالزي الَّذِي لَا يُنكره جيراني، فَأدْخل دَارا فِي الْخلد، بيَدي مِنْهَا بَيت بِأُجْرَة، فيظن أَهلهَا أَنِّي مِنْهُم، وَلَا يُنكرُونَ تَغْيِير الزي.
فَأخْرج من هُنَاكَ بِهَذِهِ الثِّيَاب، وأتزامن من الْموضع وألبس لحية فَوق لحيتي، مُخَالفَة للون لحيتي، حَتَّى إِذا لَقِيَنِي فِي الطَّرِيق، بالِاتِّفَاقِ، بعض من يعرفنِي، أنكرني.
فأمشي زحفا من الْخلد إِلَى دَارك، فأعمل جَمِيع مَا حَكَاهُ صَاحب خبرك، وأستقي أخبارك من غلمانك، وهم لَا يعْرفُونَ غرضي، فَيخْرجُونَ إِلَيّ من الْأَسْرَار، بالاسترسال، مَا لَو بذل لَهُم فِيهِ الْأَمْوَال مَا خَرجُوا بِهِ.
ثمَّ أخرج فأجيء إِلَى موضعي من الْخلد، فأغير ثِيَابِي، وَأعْطِي ذَلِك الَّذِي
стр. 411
اجْتمع لي فِي المخلاة للمكدين، وألبس ثِيَابِي الَّتِي يعرفنِي بهَا جيراني، وأعود إِلَى منزلي، فَآكل، وأشرب، وألعب، بَقِيَّة يومي.
فَإِذا كَانَ الْمغرب جَاءَنِي خَادِم من خدم دَار ابْن طَاهِر، مَنْدُوب لهَذَا، فأرمي إِلَيْهِ من روزنة لي، رقْعَة فِيهَا خبر ذَلِك الْيَوْم، وَلَا أفتح لَهُ بَابي.
فَإِذا كَانَ بعد تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا، جَاءَنِي الْخَادِم، فَأنْزل إِلَيْهِ، فَأعْطِيه رقْعَة ذَلِك الْيَوْم، ويعطيني جاري ذَلِك الشَّهْر.
وَلَوْلَا أَنِّي لم أر صَاحب خبرك، وَلَا فطنت لَهُ، لما تمّ عَليّ هَذَا، وَلَو كنت لحظته لَحْظَة وَاحِدَة، مَا خَفِي عَليّ أَنه صَاحب خبر، ولكنت أرجع من الْموضع الَّذِي أرَاهُ فِيهِ، فَلَا يعرف خبري، وَبعد ذَلِك، فَإِنَّمَا تمّ عَليّ هَذَا؛ لِأَن أَجلي قد حضر، فَالله، الله فِي دمي.
فَقَالَ لَهُ: اصدقني عَمَّا رفعته إِلَى المعتضد عني، فحدثه بأَشْيَاء رَفعهَا، مِنْهَا خبر الثِّيَاب المصبغة.
قَالَ: فحبسه الْقَاسِم أَيَّامًا، وأخفى أمره، وأنفذني إِلَى منزله، وَقَالَ: رَاع أَمرهم، وَانْظُر مَا يجْرِي.
فمضيت إِلَى دَاره الَّتِي وصفهَا بدرب يَعْقُوب، فَجَلَست إِلَى الْمغرب، فجَاء الْخَادِم، فصاح بِهِ.
فَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: مَا رَجَعَ الْيَوْم، وَهَذِه لم تكن عَادَته قطّ، وَقد، وَالله، أشفقنا أَن يكون قد حدث عَلَيْهِ حَادث لَا نعرفه، وَقَامَت قيامتنا فَانْصَرف الْخَادِم، وانصرفت.
وعدت أَيْضا الْمغرب من الْغَد، وَجَاء الْخَادِم، فَقَالُوا لَهُ: قد، وَالله، أيسنا مِنْهُ، وَلَا نشك فِي أَنه قد هلك، والمأتم قد أقيم عَلَيْهِ فِي منزل أَبِيه وعمومته.
стр. 412
فَانْصَرف الْخَادِم، وَجئْت إِلَى الْقَاسِم بالْخبر.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، ركب الْقَاسِم إِلَى المعتضد، فحين رَآهُ استدناه وساره، وَقَالَ لَهُ: يَا قَاسم، بحياتي، أطلق الْهَاشِمِي المتزامن، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَنت آمن بعْدهَا أَن أنصب عَلَيْك صَاحب خبر، وَوَاللَّه لَئِن حدثت بِهِ حَادِثَة، لَا عرفت فِي دَمه غَيْرك.
فَقبل الأَرْض، وتلجلج وَانْصَرف، فَعَاد إِلَى منزله، وَحمد الله إِذْ لم يعجل عَلَيْهِ بِسوء، وَأخْبرنَا الْخَبَر، وَجَاء بالهاشمي، فَخلع عَلَيْهِ، وَوَصله بِمَال لَهُ قدر، وَصَرفه.
وانقطعت أخباره عَن المعتضد.
стр. 413
الْوَزير عبيد الله بن سُلَيْمَان
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن شَهْرَان، الْمُتَكَلّم، الْقَاص، من أهالي عَسْكَر مكرم، بهَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: قَالَ لي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح: جلس عبيد الله بن سُلَيْمَان، يَوْمًا، للمظالم، فِي دَار المعتضد، وَهُوَ وَزِير، فَتقدم إِلَيْهِ عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، يتظلم من أَحْمد بن إِسْرَائِيل بِسَبَب الضَّيْعَة الْمَعْرُوفَة بتاصيت، فَنظر فِي أمره، وَقَالَ لَهُ: أَنْت عمر بن مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: وَأَيْنَ كنت؟ فَقص عَلَيْهِ أمره وَخَبره، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن سَكرَان؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّة يَوْمنَا ذَلِك، خلا، وَكنت أَنا وابناه بَين يَدَيْهِ، فَتحدث، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا أعجب مَا كنت فِيهِ الْيَوْم، فَلم نَسْأَلهُ عَن ذَلِك إجلالا لَهُ.
стр. 414
فَقَالَ: قَالَ لي أَبُو أَيُّوب ﵀: إِنَّه كَانَ فِي أَيَّام الواثق، فِي تِلْكَ الْمُلَازمَة وَالْبَلَاء وَالضَّرْب وَلبس الصُّوف والقيد، وَإنَّهُ حمل إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات ليناظره وَيَردهُ إِلَى محبسه.
فَوضع بَين يَدَيْهِ على تِلْكَ الْحَال، فَجعل يناظره، وَالْحسن بن وهب، كَاتبه حِينَئِذٍ، فَرُبمَا تكلم بِالْكَلِمَةِ يرققه بهَا عَلَيْهِ، وَرُبمَا أمسك، وَمُحَمّد دائب فِي الغلظة على أبي أَيُّوب، والتشفي مِنْهُ، إِذْ مر بعض الخدم بصبي يحملهُ، مزين، مخضوب، وَعَلِيهِ لبوس مثله من أَوْلَاد الْمُلُوك.
فَقَالَ مُحَمَّد للخادم: هاته، فقربه إِلَيْهِ، فَقبله، وترشفه، وضمه إِلَيْهِ، وَجعل يلاعبه، فحانت مِنْهُ التفاتة إِلَى أبي أَيُّوب، فَإِذا دمعته قد سبقته، وَهُوَ يمسحها بالجبة الصُّوف الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: مَا الَّذِي أبكاك؟ فَقَالَ: خير، أصلحك الله.
فَقَالَ: وَالله، لَا تَبْرَح، أَو تُخبرنِي بِالْأَمر على حَقِيقَته.
فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبُو عَليّ الْحسن بن وهب، قَالَ لَهُ: أَنا أصدقك، إِنَّه لما رأى عمر، متعك الله بِهِ، وَجَعَلنَا جَمِيعًا فدَاه، ذكر ابْنا لَهُ فِي مثل سنه.
قَالَ: وَمَا سمه؟ قَالَ: عبيد الله.
قَالَ: وَكَانَا ولدا فِي شهر وَاحِد.
فَالْتَفت إِلَيْهِ كالهازئ، فَقَالَ لَهُ: أتراه يقدر أَن يكون ابْنه هَذَا وزيرا.
стр. 415
قَالَ الْحسن: فَلَمَّا أَمر بِحمْلِهِ إِلَى محبسه الْتفت إِلَيّ، وَقَالَ: لَوْلَا أَن هَذَا الْأَمر من أُمُور السُّلْطَان الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى التَّقْصِير فِي مثله، لما سؤتك فِيهِ، وَلَو أعانني على نَفسه لخلصته.
فَقَالَ لَهُ الْحسن: وَالله، مَا رَأَيْته مُنْذُ حبس، فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بالعدول بِهِ إِلَى بعض الْمجَالِس، وَالْإِذْن فِي الْقيام إِلَيْهِ، وَالْخلْوَة بِهِ، لأشير عَلَيْهِ بامتثال أَمرك.
فَقَالَ: افْعَل.
فَقُمْت إِلَى أبي أَيُّوب، وتعانقنا، وبكينا طَويلا.
فَقَالَ لي: قبل كل شَيْء، رَأَيْت أعجب من بغيه عَليّ، وَقَوله بالتطانز والهزء: أتراه يقدر أَن ابْنه هَذَا يكون وزيرا، فَكيف يَأْمَن أَن يكون هَذَا؟ وَالله إِنِّي لأرجو أَن يبلغ الله ابْني الوزارة، ويتقدم إِلَيْهِ عمر متظلما.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم، تقدم إِلَيّ عمر متظلما، وَمَا كنت رَأَيْته قبل ذَلِك، وَلَا عرفت لَهُ خَبرا.
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، من وَجه آخر، فَحَدثني بِهِ أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَتْح الْمَعْرُوف بالمطوق، مناولة، من كِتَابه كتاب (مَنَاقِب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عبد الله بن عمر بن حَفْص الْكَاتِب، عَن أَبِيه، أبي الْقَاسِم عبد الله، أَو عَن أبي الْقَاسِم مَيْمُون بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد، الشَّك من المطوق، قَالَ: كُنَّا فِي مجْلِس أبي الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان، وَهُوَ وَزِير، فِي يَوْم من
стр. 416
أَيَّام جُلُوسه للمظالم، فَوَقَعت بِيَدِهِ قصَّة، فقرأها، وَتوقف سَاعَة كالمفكر، ثمَّ قَالَ: عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَأدْخل إِلَيْهِ.
فَقَالَ: أَنْت عمر؟ قَالَ: نعم، أعز الله الْوَزير، أَنا عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك.
فتوقف أَيْضا سَاعَة، ثمَّ قَامَ إِلَى خلوته، وَلم يطلّ، وَعَاد إِلَى مَوْضِعه، فَوَقع لَهُ بجار، وَنزل، وصلَة، وَلم يزل مفكرا، إِلَى أَن تقوض النَّاس، وخلا الْمجْلس مِمَّن يحتشم.
فَقَالَ لنا: وقفتم على خبر هَذَا الرجل؟ قُلْنَا: وقفنا على مَا كَانَ من أَمر الْوَزير ببره، وَلم نقف على السَّبَب.
فَقَالَ: أخْبركُم بحَديثه، حَدثنِي أَبُو أَيُّوب ﵀، قَالَ: كنت فِي يَد مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، يطالبني، وَأَنا منكوب، وَكَانَ يحضرني فِي كل يَوْم، بِغَيْر سَبَب، وَلَا مُطَالبَة، إِلَّا ليكيدني، وَأَنا فِي قيودي، وَعلي جُبَّة صوف، وَكَانَ أخي الْحسن يكْتب بَين يَدَيْهِ، وَلم يكن يتهيأ لَهُ شَيْء فِي أَمْرِي، إِلَّا أَنه كَانَ إِذا رَآنِي مُقبلا استقبلني، فَإِذا رجعت إِلَى موضعي شيعني، إِذْ أقبل فِي يَوْم من الْأَيَّام خَادِم لمُحَمد، وَمَعَهُ ابْن لَهُ صَغِير، فَوَثَبَ كل من فِي الْمجْلس، إِلَى الصَّبِي، يقبلونه، وَيدعونَ لَهُ سواي، فَإِنِّي كنت مَشْغُولًا بنفسي، فَلم أتحرك، وَأخذ الصَّبِي، وضمه إِلَيْهِ، وَقَالَ لي: يَا سُلَيْمَان، لِمَ لَمْ تفعل بِهَذَا الصَّبِي، مَا فعله من فِي الْمجْلس؟ فَقلت: شغلني مَا أَنا فِيهِ.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّك لم تطق ذَلِك عَدَاوَة لِأَبِيهِ وَله، وَكَأَنِّي بك، وَقد ذكرت عبيد الله، وأملت فِيهِ الآمال، وَالله لَا رَأَيْت شَيْئا مِمَّا تؤمله فِيهِ،
стр. 417
وأسرف بعد ذَلِك فِي الإسماع، فَعلمت أَنه قد بغى، ووثقت بجميل عَادَة الله تَعَالَى، وَأَنه سيبلغني مَا آمله فِيك عنادا لبغيه.
قَالَ: وَلم تمض إِلَّا مُدَّة يسيرَة، حَتَّى سخط المتَوَكل على مُحَمَّد بن عبد الْملك، وقلدني مناظرته، وإحصاء مَتَاعه، فوافيت دَاره، فَرَأَيْت ذَلِك الْخَادِم بِعَيْنِه، وَمَعَ ذَلِك الصَّبِي يبكي.
فَقلت: مَا خبر هَذَا الصَّبِي يبكي؟ فَقيل: قد منع من كل مَاله، وَأدْخل فِي الإحصاء.
فَقلت: لَا بَأْس عَلَيْهِ، وسلمت إِلَيْهِ جَمِيع مَا كَانَ باسمه.
فَيَنْبَغِي، يَا بني، إِن تهيأت لَك حَال، وَرَأَيْت الصَّبِي عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك، أَن تحسن إِلَيْهِ، وَأَن تقَابل نعْمَة الله فِيهِ وفيك، بِمَا يجب لَهَا.
فَلَمَّا رَأَيْته هَذَا الْوَقْت، ذكرت مَا قَالَه أبي، فامتثلت مَا أَشَارَ بِهِ، وَأَنا أتقدم بعد الَّذِي فعلت بِهِ، إِلَى أبي الْحُسَيْن بتصريفه.
وَكَانَت لعمر حَرَكَة قويت بهَا حَاله عِنْد أبي الْحُسَيْن، إِلَى أَن اسْتَخْلَفَهُ فِي دَار أبي النَّجْم بدر، وَبَين يَدَيْهِ.
حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ بن مقلة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد الديناري.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وحَدثني أَبُو عبد الله زنجي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، قَالَ: وحَدثني أَبُو عبد الله الباقطائي، قَالُوا كلهم: كُنَّا بِحَضْرَة عبيد الله بن سُلَيْمَان، أول وزارته للمعتضد، وَقد حضر رجل رث الْهَيْئَة، بِثِيَاب غِلَاظ، فَعرض عَلَيْهِ رقْعَة، وَكَانَ جَالِسا للمظالم، فقرأها
стр. 418
قِرَاءَة متأمل لَهَا، مفكرا مُتَعَجِّبا، ثمَّ قَالَ: نعم وكرامة، ثَلَاث مَرَّات، أفعل مَا قَالَ أبي، لَا مَا قَالَ أَبوك، وَكرر هَذَا القَوْل ثَلَاث مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لَهُ: عد إِلَى وَقت الْعَصْر؛ لأنظر فِي أَمرك.
وَقَالَ لبدر العدامي حَاجِبه: إِذا حضر فأوصله إِلَيّ.
ثمَّ قَالَ: إِذا خلونا فذكروني خبر هَذَا؛ لأحدثكم بِحَدِيث عَجِيب، وَأتم الْمجْلس.
ثمَّ قَامَ، واستراح، ودعانا للطعام، فَلَمَّا حَضَرنَا، وأكلنا أَكثر الْأكل، قَالَ: مَا أَرَاكُم أذكرتموني حَدِيث صَاحب الرقعة؟ فَقُلْنَا: أنسينا.
قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت فِي محبس مُحَمَّد بن عبد الْملك، فِي أَيَّام الواثق، لما صادرني عَن كِتَابَة إيتاخ، على أَربع مائَة ألف دِينَار، وَقد أدّيت مِنْهَا مِائَتي ألف ونيفا وَأَرْبَعين ألفا، فأحضرني يَوْمًا، وطالبني بِالْبَاقِي، وجد بِي، وأرهقني، وَلم يرض مني إِلَى أَن أجبْت إِلَى أَن أؤدي خمسين ألف دِينَار، قَاطِعَة للمصادرة، على أَن يُطلق ضياعي.
قَالَ: وَنحن فِي ذَلِك، وَلم يَأْخُذ خطي بعد، إِذْ خرج إِلَيْهِ خَادِم من دَار الْحرم برقعة، فقرأها، ونهض، وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ أخي أَبُو عَليّ الْحسن بن وهب، وَهُوَ غَالب على أمره، إِلَّا أَنه يخافه أَن يكلمهُ فِي أَمْرِي.
فَلَمَّا قَامَ الْوَزير رمى إِلَيّ أخي برقعة لَطِيفَة، فَوَقَعت فِي حجري، فَإِذا فِيهَا: جَاءَنِي الْخَبَر السَّاعَة فِي دَارك، أَن قد رزقت ابْنا، خلقا سويا، وَهُوَ جسم بِغَيْر اسْم، فَمَا تحب أَن يُسمى ويكنى؟
стр. 419
فَقلت: عبيد الله، أَبُو الْقَاسِم.
فَكتب بذلك فِي الْحَال إِلَى منزلي.
قَالَ: وتداخلني سرُور بذلك، وَقُوَّة نفس، وَحدثت نَفسِي بأنك تعيش، وتبلغ، وأنتفع بك.
قَالَ: وَعَاد مُحَمَّد إِلَى مَجْلِسه، وَأعَاد خطابي فَلم أَسْتَجِب لَهُ، إِلَى مَا كنت أجبْت إِلَيْهِ، وَأخذت أدافع.
فَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب، مَا الَّذِي ورد عَلَيْك بعدِي؟ أرى عَيْنَيْك ووجهك، بِخِلَاف مَا فارقتك عَلَيْهِ مُنْذُ سَاعَة.
فَقلت: مَا ورد عَليّ شَيْء.
فَقَالَ: وَالله، لَئِن لم تصدقني لَأَفْعَلَنَّ بك، ولأصنعن.
فَقلت: مَا عِنْدِي مَا أصدق عَنهُ.
فَأقبل على أخي، فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي مَا شَأْنه؟ فخافه أخي، فَصدقهُ عَن الصُّورَة، فسكن.
ثمَّ قَالَ: أتعرف لأي شَيْء قُمْت أَنا؟ قلت: لَا.
قَالَ: كوتبت بِأَن ولدا ذكرا سويا قد ولد لي، فَدخلت، ورأيته، وسميته باسم أبي، وكنيته بِأبي مَرْوَان.
قَالَ سُلَيْمَان: فَقُمْت إِلَيْهِ، فهنأته، وَقبلت يَدَيْهِ، وَرجلَيْهِ، وَقلت: أَيهَا الْوَزير، هَذَا يَوْم مبارك، وَقد رزقنا الله جَمِيعًا، وَلدين، فارحمني، وارع لي حق سالف خدمتي لَك، وَاجعَل ابْني موسوما بِخِدْمَة ابْنك، يسلم مَعَه
стр. 420
فِي الْمكتب، يتَعَلَّم مَعَه، وينشوان فِي دولتك، فَيكون كَاتبا لَهُ، فَحَملته الكزازة وَالْقَسْوَة الَّتِي فِيهِ، على أَن قَالَ: يَا أَبَا أَيُّوب، أعلي تجوز، ولي تستفز وتخاتل؟ قد حدثتك نَفسك أَن ابْنك هَذَا سيبلغ المبالغ، ويؤهل للوزارة، ورجوت فِي نَوَائِب الزَّمَان، وَقلت: أَرْجُو أَن يحْتَاج ابْنه إِلَى ابْني، حَتَّى يطْلب مِنْهُ الْإِحْسَان وَالْفضل، وَأَنا أستحلفك بِاللَّه، وأحرج عَلَيْك، إِن بلغ ابْنك هَذِه الْمنزلَة، إِلَّا وَصيته، إِن جَاءَهُ ابْني لشَيْء من هَذَا، أَن لَا يحسن إِلَيْهِ.
стр. 421
قَالَ: فأعظمت هَذَا الْخطاب، وتنصلت، واعتذرت، وَوَقع فِي قلبِي، فِي الْحَال، أَن هَذَا غَايَة الْبَغي، وَأَن الله سيحوج ابْنه إِلَى ابْني ويتحقق مَا قَالَه، فَمَا مَضَت مديدة، حَتَّى فرج الله عني.
ثمَّ قَالَ لي: يَا بني، إِن رفعك الزَّمَان، وَوضع ابْنه، حَتَّى يحْتَاج إِلَيْك، فَأحْسن إِلَيْهِ.
قَالَ: وَضرب الدَّهْر ضربه، فَمَا عرفت لأبي مَرْوَان خَبرا، حَتَّى رَأَيْته الْيَوْم، فَكَانَ مَا شاهدتم، ثمَّ أَمر بِطَلَب أبي مَرْوَان، فأحضر، فوهب لَهُ مَالا، وخلع عَلَيْهِ، وَحمله، وقلده ديوَان الْبَرِيد والخرائط.
قَالَ أَبُو الْحسن: فَمَا زَالَ يتقلده مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت، إِلَى آخر وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَإِنَّهُ مَاتَ فِيهَا، وَقد تقلده ثَلَاثِينَ سنة أَو أَكثر.
وَكَانَ يكْتب إِلَى عبيد الله، أول مَا كَاتبه، بعد تَقْلِيده الدِّيوَان، عبد الْوَزير وخادمه، عبد الْملك بن مُحَمَّد، فَأَرَادَ عبيد الله أَن يتكرم عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن وَزِير، وَمَا أحب أَن تتعبد لي، فَاكْتُبْ اسْمك فَقَط على الْكتب.
فَقَالَ: لَا تسمح نَفسِي بذلك، وَلَكِن أكتب: عبد الْملك بن مُحَمَّد، عبد الْوَزير وخادمه.
فَقَالَ: افْعَل، فَكتب ذَلِك، فَصَارَت عَادَة لَهُ يكْتب بهَا إِلَى جَمِيع الوزراء من بعده، إِلَى أَن مَاتَ فِي وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَصَارَ كالمترتب عَلَيْهِم بِمَا عَامله بِهِ من ذَلِك عبيد الله، وَغلب عَلَيْهِ أَن عرف بِأبي مَرْوَان الخرائطي، وَنسي نسبه إِلَى ابْن الزيات، إِلَّا من كَانَ يعرفهُ من الْكتاب وَغَيرهم، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة من الشُّيُوخ.
стр. 422
أَسد كالح وكبش ناطح وكلب نابح
وجدت فِي بعض الْكتب، بِغَيْر أَسَانِيد: أَن عبيد الله بن زِيَاد، لما بنى دَاره الْبَيْضَاء بِالْبَصْرَةِ، بعد قتل الْحُسَيْن ﵇، صور على بَابهَا رُءُوسًا مقطعَة، وصور فِي دهليزها، أسدا، وكبشا، وكلبا، وَقَالَ: أَسد كالح، وكبش ناطح، وكلب نابح.
فَمر بِالْبَابِ أَعْرَابِي، فَرَأى ذَلِك، فَقَالَ: أما إِن صَاحبهَا لَا يسكنهَا إِلَّا لَيْلَة وَاحِدَة لَا تتمّ.
فَرفع الْخَبَر إِلَى ابْن زِيَاد، فَأمر بالأعرابي، فَضرب، وَحبس.
فَمَا أَمْسَى حَتَّى قدم رَسُول ابْن الزبير، إِلَى قيس بن السّكُون، ووجوه أهل الْبَصْرَة، فِي أَخذ الْبيعَة لَهُ، ودعا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَأَجَابُوهُ، وراسل بَعضهم بَعْضًا فِي الْوُثُوب عَلَيْهِ من ليلتهم، فأنذره قوم كَانَت لَهُ صنائع عِنْدهم، فهرب من دَاره فِي ليلته تِلْكَ، واستجار بالأزد، فأجاروه، وَوَقعت الْحَرْب الْمَشْهُورَة بَينهم
стр. 423
وَبَين بني تَمِيم بِسَبَبِهِ، حَتَّى أَخْرجُوهُ، فألحقوه بِالشَّام، وَكسر الْحَبْس، فَخرج الْأَعرَابِي.
وَلم يعد ابْن زِيَاد إِلَى دَاره، وَقتل فِي وقْعَة الخازر.
стр. 424
القرمطي يبْعَث رَسُولا إِلَى المعتضد
حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي، قَالَ: سَمِعت الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، يَقُول: لما أسرني أَبُو سعيد الجنابي القرمطي، وَكسر الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ أنفذه المعتضد معي لقتاله، وحصلت فِي يَده أَسِيرًا، أَيِست من الْحَيَاة.
فَإِنِّي يَوْمًا على تِلْكَ الصُّورَة، إِذْ جَاءَنِي رَسُوله، فَأخذ قيودي، وَغير
стр. 425
ثِيَابِي، وأدخلني إِلَيْهِ، فَسلمت، وَجَلَست.
فَقَالَ لي: أَتَدْرِي لما استدعيتك؟ قلت: لَا قَالَ: أَنْت رجل عَرَبِيّ، وَمن الْمحَال أَن أستودعك أَمَانَة فتخفرها، وَلَا سِيمَا مَعَ مني عَلَيْك بِنَفْسِك.
فَقلت: هُوَ ذَاك.
فَقَالَ: إِنِّي فَكرت، فَإِذا لَا طائل فِي قَتلك، وَأَنا فِي نَفسِي رِسَالَة إِلَى المعتضد، لَا يجوز أَن يُؤَدِّيهَا غَيْرك، فَرَأَيْت إطلاقك، وتحميلك إِيَّاهَا، فَإِن حَلَفت لي أَنَّك تؤديها سيرتك إِلَيْهِ، فَحَلَفت لَهُ.
فَقَالَ: تَقول لَهُ: يَا هَذَا لم تخرق هيبتك، وَتقتل رجالك، وتطمع أعداءك فِي نَفسك، وتتبعها فِي طلبي، وإنفاذ الجيوش إِلَيّ، وَإِنَّمَا أَنا رجل مُقيم فِي فلاة، لَا زرع فِيهَا وَلَا ضرع، وَلَا غلَّة وَلَا بلد، وَقد رضيت لنَفْسي بخشونة الْعَيْش، والأمن على المهجة، والعز بأطراف الرماح، وَمَا اغتصبتك بَلَدا كَانَ فِي يدك، وَلَا أزلت سلطانك عَن عمل جليل، وَمَعَ هَذَا، فوَاللَّه لَو أنفذت إِلَيّ جيشك كُله، مَا جَازَ أَن تظفر بِي، وَلَا تنالني؛ لِأَنِّي رجل نشأت فِي هَذَا القشف، واعتدته أَنا ورجالي، وَلَا مشقة علينا فِيهِ، وَنحن فِي أوطاننا مستريحون، وَأَنت تنفذ جيشك من الجيوش والثلج، وَالريحَان والند، فيجيئون من الْمسَافَة الْبَعِيدَة، وَالطَّرِيق الشاسع، وَقد قَتلهمْ السّفر قبل قتالنا، وَإِنَّمَا غرضهم أَن يبلوا عذرا فِي موافقتنا سَاعَة، ثمَّ يهربون، وَإِن ثبتوا فَإِن مَا يلحقهم
следующие страницы →