← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ: فأعظمت هَذَا الْخطاب، وتنصلت، واعتذرت، وَوَقع فِي قلبِي، فِي الْحَال، أَن هَذَا غَايَة الْبَغي، وَأَن الله سيحوج ابْنه إِلَى ابْني ويتحقق مَا قَالَه، فَمَا مَضَت مديدة، حَتَّى فرج الله عني. ثمَّ قَالَ لي: يَا بني، إِن رفعك الزَّمَان، وَوضع ابْنه، حَتَّى يحْتَاج إِلَيْك، فَأحْسن إِلَيْهِ. قَالَ: وَضرب الدَّهْر ضربه، فَمَا عرفت لأبي مَرْوَان خَبرا، حَتَّى رَأَيْته الْيَوْم، فَكَانَ مَا شاهدتم، ثمَّ أَمر بِطَلَب أبي مَرْوَان، فأحضر، فوهب لَهُ مَالا، وخلع عَلَيْهِ، وَحمله، وقلده ديوَان الْبَرِيد والخرائط. قَالَ أَبُو الْحسن: فَمَا زَالَ يتقلده مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت، إِلَى آخر وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَإِنَّهُ مَاتَ فِيهَا، وَقد تقلده ثَلَاثِينَ سنة أَو أَكثر. وَكَانَ يكْتب إِلَى عبيد الله، أول مَا كَاتبه، بعد تَقْلِيده الدِّيوَان، عبد الْوَزير وخادمه، عبد الْملك بن مُحَمَّد، فَأَرَادَ عبيد الله أَن يتكرم عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْت ابْن وَزِير، وَمَا أحب أَن تتعبد لي، فَاكْتُبْ اسْمك فَقَط على الْكتب. فَقَالَ: لَا تسمح نَفسِي بذلك، وَلَكِن أكتب: عبد الْملك بن مُحَمَّد، عبد الْوَزير وخادمه. فَقَالَ: افْعَل، فَكتب ذَلِك، فَصَارَت عَادَة لَهُ يكْتب بهَا إِلَى جَمِيع الوزراء من بعده، إِلَى أَن مَاتَ فِي وزارة ابْن الْفُرَات الثَّالِثَة، فَصَارَ كالمترتب عَلَيْهِم بِمَا عَامله بِهِ من ذَلِك عبيد الله، وَغلب عَلَيْهِ أَن عرف بِأبي مَرْوَان الخرائطي، وَنسي نسبه إِلَى ابْن الزيات، إِلَّا من كَانَ يعرفهُ من الْكتاب وَغَيرهم، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة من الشُّيُوخ.

стр. 422

أَسد كالح وكبش ناطح وكلب نابح وجدت فِي بعض الْكتب، بِغَيْر أَسَانِيد: أَن عبيد الله بن زِيَاد، لما بنى دَاره الْبَيْضَاء بِالْبَصْرَةِ، بعد قتل الْحُسَيْن ﵇، صور على بَابهَا رُءُوسًا مقطعَة، وصور فِي دهليزها، أسدا، وكبشا، وكلبا، وَقَالَ: أَسد كالح، وكبش ناطح، وكلب نابح. فَمر بِالْبَابِ أَعْرَابِي، فَرَأى ذَلِك، فَقَالَ: أما إِن صَاحبهَا لَا يسكنهَا إِلَّا لَيْلَة وَاحِدَة لَا تتمّ. فَرفع الْخَبَر إِلَى ابْن زِيَاد، فَأمر بالأعرابي، فَضرب، وَحبس. فَمَا أَمْسَى حَتَّى قدم رَسُول ابْن الزبير، إِلَى قيس بن السّكُون، ووجوه أهل الْبَصْرَة، فِي أَخذ الْبيعَة لَهُ، ودعا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَأَجَابُوهُ، وراسل بَعضهم بَعْضًا فِي الْوُثُوب عَلَيْهِ من ليلتهم، فأنذره قوم كَانَت لَهُ صنائع عِنْدهم، فهرب من دَاره فِي ليلته تِلْكَ، واستجار بالأزد، فأجاروه، وَوَقعت الْحَرْب الْمَشْهُورَة بَينهم

стр. 423

وَبَين بني تَمِيم بِسَبَبِهِ، حَتَّى أَخْرجُوهُ، فألحقوه بِالشَّام، وَكسر الْحَبْس، فَخرج الْأَعرَابِي. وَلم يعد ابْن زِيَاد إِلَى دَاره، وَقتل فِي وقْعَة الخازر.

стр. 424

القرمطي يبْعَث رَسُولا إِلَى المعتضد حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي، قَالَ: سَمِعت الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، يَقُول: لما أسرني أَبُو سعيد الجنابي القرمطي، وَكسر الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ أنفذه المعتضد معي لقتاله، وحصلت فِي يَده أَسِيرًا، أَيِست من الْحَيَاة. فَإِنِّي يَوْمًا على تِلْكَ الصُّورَة، إِذْ جَاءَنِي رَسُوله، فَأخذ قيودي، وَغير

стр. 425

ثِيَابِي، وأدخلني إِلَيْهِ، فَسلمت، وَجَلَست. فَقَالَ لي: أَتَدْرِي لما استدعيتك؟ قلت: لَا قَالَ: أَنْت رجل عَرَبِيّ، وَمن الْمحَال أَن أستودعك أَمَانَة فتخفرها، وَلَا سِيمَا مَعَ مني عَلَيْك بِنَفْسِك. فَقلت: هُوَ ذَاك. فَقَالَ: إِنِّي فَكرت، فَإِذا لَا طائل فِي قَتلك، وَأَنا فِي نَفسِي رِسَالَة إِلَى المعتضد، لَا يجوز أَن يُؤَدِّيهَا غَيْرك، فَرَأَيْت إطلاقك، وتحميلك إِيَّاهَا، فَإِن حَلَفت لي أَنَّك تؤديها سيرتك إِلَيْهِ، فَحَلَفت لَهُ. فَقَالَ: تَقول لَهُ: يَا هَذَا لم تخرق هيبتك، وَتقتل رجالك، وتطمع أعداءك فِي نَفسك، وتتبعها فِي طلبي، وإنفاذ الجيوش إِلَيّ، وَإِنَّمَا أَنا رجل مُقيم فِي فلاة، لَا زرع فِيهَا وَلَا ضرع، وَلَا غلَّة وَلَا بلد، وَقد رضيت لنَفْسي بخشونة الْعَيْش، والأمن على المهجة، والعز بأطراف الرماح، وَمَا اغتصبتك بَلَدا كَانَ فِي يدك، وَلَا أزلت سلطانك عَن عمل جليل، وَمَعَ هَذَا، فوَاللَّه لَو أنفذت إِلَيّ جيشك كُله، مَا جَازَ أَن تظفر بِي، وَلَا تنالني؛ لِأَنِّي رجل نشأت فِي هَذَا القشف، واعتدته أَنا ورجالي، وَلَا مشقة علينا فِيهِ، وَنحن فِي أوطاننا مستريحون، وَأَنت تنفذ جيشك من الجيوش والثلج، وَالريحَان والند، فيجيئون من الْمسَافَة الْبَعِيدَة، وَالطَّرِيق الشاسع، وَقد قَتلهمْ السّفر قبل قتالنا، وَإِنَّمَا غرضهم أَن يبلوا عذرا فِي موافقتنا سَاعَة، ثمَّ يهربون، وَإِن ثبتوا فَإِن مَا يلحقهم

стр. 426

من وعثاء السّفر وَشدَّة الْجهد أكبر أعواننا عَلَيْهِم، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أحقق عَلَيْهِم حَتَّى ينهزمون، وَإِن استراحوا، فأقاموا، وَكَانُوا عددا لَا قبل لنا بِهِ، فيهزمونا، لَا يقدر جيشك على أَكثر من هَذَا، فأنهزم عَنْهُم مِقْدَار عشْرين فرسخا، وأجول فِي الصَّحرَاء شهرا، ثمَّ أكبسهم على غرَّة، فأقتلهم، وَإِن لم يستو لي هَذَا، وَكَانُوا متحرزين، فَمَا يُمكنهُم الطّواف خَلْفي فِي البراري والصحاري، ثمَّ لَا يحملهم الْبَلَد فِي الْمقَام، وَلَا الزَّاد، إِن كَانُوا كثيرين، فَإِن انْصَرف الْجُمْهُور مِنْهُم، وَبَقِي الْأَقَل، فهم قَتْلَى سيوفي، فِي أول يَوْم ينْصَرف الْجَيْش، وَيبقى من يتَخَلَّف، هَذَا إِن سلمُوا من وباء هَذَا الْبَلَد، ورداءة مَائه وهوائه الَّذِي لَا طَاقَة لَهُم بِهِ، لأَنهم نشئوا فِي ضِدّه، وربوا فِي غَيره، وَلَا عَادَة لأجسامهم بِالصبرِ عَلَيْهِ، ففكر فِي هَذَا، وَانْظُر، هَل يَفِي تعبك، وتغريرك بجيشك وعسكرك، وإنفاقك الْأَمْوَال، وتجهيزك الرِّجَال، وتكلفك هَذِه الأخطار، وتحملك هَذِه المشاق، بطلبي، وَأَنا مَعَ هَذَا خَالِي الذرع مِنْهَا، سليم النَّفس وَالْأَصْحَاب من جَمِيعهَا، وهيبتك تنخرق فِي الْأَطْرَاف عِنْد مُلُوكهَا، كلما جرى عَلَيْك من هَذَا شَيْء، ثمَّ لَا تظفر من بلدي بطائل، وَلَا تصل مِنْهُ إِلَى مَال وَلَا حَال، فَإِن اخْتَرْت بعد هَذَا محاربتي، فاستخر الله وأنفذ من شِئْت، وَإِن أَمْسَكت فَذَاك إِلَيْك. قَالَ: ثمَّ جهزني، وأنفذني مَعَ عشرَة من أَصْحَابه إِلَى الْكُوفَة، فسرت مِنْهَا إِلَى الحضرة. وَدخلت على المعتضد، فتعجب من سلامتي، وَقَالَ: مَا خبرك؟ فَقلت: شَيْء أذكرهُ سرا لأمير الْمُؤمنِينَ.

стр. 427

فتشوف إِلَيْهِ، وخلا بِي، فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة بأسرها، فرأيته يتمعط فِي جلده غيظا، حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيسير إِلَيْهِ بِنَفسِهِ. وَخرجت من بَين يَدَيْهِ، فَمَا رَأَيْته ذكره بعد ذَلِك بِحرف.

стр. 428

كفي بالأجل حارسا حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَهد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي بعض المواصلة، من ثِقَات أهل الْموصل: أَن فَاطِمَة بنت أَحْمد بن عَليّ الهزارمردي الْكرْدِي، زَوْجَة نَاصِر الدولة، أم أبي تغلب ابْنه، اتهمت عَاملا كَانَ لَهَا، يُقَال لَهُ: ابْن أبي قبيصَة، من أهل الْموصل، بخيانة فِي مَالهَا، فقبضت عَلَيْهِ، وحبسته فِي قلعتها. ثمَّ رَأَتْ أَن تقتله، فَكتبت إِلَى المتَوَكل بالقلعة، بقتْله، فورد عَلَيْهِ الْكتاب، وَكَانَ لَا يحسن أَن يقْرَأ وَلَا أَن يكْتب، وَلَيْسَ عِنْده من يقْرَأ وَيكْتب إِلَّا ابْن أبي قبيصَة، فَدفع الْمُوكل بِهِ الْكتاب إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: اقرأه عَليّ.

стр. 429

فَلَمَّا رأى فِيهِ الْأَمر بقتْله قَرَأَ الْكتاب بأسره، إِلَّا حَدِيث الْقَتْل، ورد الْكتاب عَلَيْهِ. قَالَ ابْن أبي قبيصَة: ففكرت، وَقلت: أَنا مقتول، وَلَا آمن أَن يرد كتاب آخر فِي هَذَا الْمَعْنى، ويتفق حُضُور من يقْرَأ وَيكْتب غَيْرِي فَينفذ فِي الْأَمر، وسبيلي أَن أحتال بحيلة، فَإِن تمت سلمت، وَإِن لم تتمّ فَلَيْسَ يلحقني أَكثر من الْقَتْل الَّذِي أَنا حَاصِل فِيهِ. قَالَ: فتأملت القلعة، فَإِذا فِيهَا مَوضِع يمكنني أَن أطرح نَفسِي مِنْهُ إِلَى أَسْفَلهَا، إِلَّا أَن بَينه وَبَين الأَرْض أَكثر من ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع، وَفِيه صَخْر لَا يجوز أَن يسلم مَعَه من يَقع عَلَيْهِ. قَالَ: فَلم أجسر، ثمَّ ولد لي الْفِكر أَن تَأَمَّلت الثَّلج قد سقط عدَّة لَيَال، وَقد غطى تِلْكَ الصخور، وَصَارَ فَوْقهَا مِنْهُ أَمر عَظِيم، يجوز إِن سَقَطت عَلَيْهِ وَكَانَ فِي أَجلي تَأْخِير، أَن تنكسر يَدي أَو رجْلي وَأسلم، قَالَ: وَكنت مُقَيّدا، فَقُمْت لما نَام النَّاس، وطرحت نَفسِي من الْموضع، قَائِما على رجْلي، فحين حصلت فِي الْهَوَاء نَدِمت وَأَقْبَلت أسْتَغْفر الله، وأتشهد، وأغمضت عَيْني حَتَّى لَا أرى كَيفَ أَمُوت، وجمعت رجْلي بعض الْجمع؛ لِأَنِّي كنت سَمِعت قَدِيما أَن من اتّفق لَهُ أَن يسْقط قَائِما من مَكَان عَال، إِذا جمع رجلَيْهِ، ثمَّ أرسلهما إِذا بَقِي بَينه وَبَين الأَرْض ذِرَاع أَو أَكثر قَلِيلا فَإِنَّهُ يسلم، وتنكسر حِدة السقطة، وَيصير كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة من سقط من ذراعين. قَالَ: فَفعلت ذَلِك، فَلَمَّا سَقَطت إِلَى الأَرْض، ذهب عني أَمْرِي، وَزَالَ عَقْلِي، ثمَّ ثاب إِلَيّ عَقْلِي، فَلم أجد مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يلحقني من ألم السقطة من ذَلِك الْمَكَان، فَأَقْبَلت أجس أعضائي شَيْئا شَيْئا، فأجدها سَالِمَة، وَقمت وَقَعَدت، وحركت يَدي ورجلي، فَوجدت ذَلِك سليما كُله، فحمدت الله تَعَالَى على هَذِه الْحَال.

стр. 430

وَأخذت صَخْرَة، وَكَانَ الْحَدِيد الَّذِي فِي رجْلي قد صَار كالزجاج لشدَّة الْبرد، قَالَ: فضربته ضربا شَدِيدا، فانكسر، وَطن الْجَبَل حَتَّى ظَنَنْت أَن سيسمعه من فِي القلعة لعظمه، فيتنبهون على صَوته، فَسلم الله من هَذَا أَيْضا، وَقطعت تكي، فشددت بِبَعْضِهَا الْقَيْد على ساقي، وَقمت أَمْشِي فِي الثَّلج. فمشيت طَويلا، ثمَّ خفت أَن يرى أثري من غَد فِي الثَّلج على المحجة فيطلبوني، ويتبعوني، فَلَا أفوتهم، فعدلت عَن المحجة، إِلَى نهر، يُقَال لَهُ: الحابور، فَلَمَّا صرت على شاطئه، نزلت فِي المَاء إِلَى ركبتي، وَأَقْبَلت أَمْشِي كَذَلِك فرسخا، حَتَّى انْقَطع أثري، وخفي مَكَان رجْلي، ثمَّ خرجت لما كَادَت أطرافي تسْقط من الْبرد، فمشيت على شاطئه، ثمَّ عدت أَمْشِي فِيهِ، وَرُبمَا حصلت فِي مَوضِع لَا أقدر على الْمَشْي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يكون جرفا، فأسبح. فأمشي على ذَلِك أَرْبَعَة فراسخ، حَتَّى حصلت فِي خيم فِيهَا قوم، فأنكروني، وهموا بِي، فَإِذا هم أكراد، فقصصت عَلَيْهِم قصتي واستجرت بهم، فرحموني، وغطوني، وأوقدوا بَين يَدي نَارا، وأطعموني، وستروني، وانْتهى الطّلب من غَد إِلَيْهِم، فَمَا أعْطوا خبري أحدا.

стр. 431

فَلَمَّا انْقَطع الطّلب سيروني، فَدخلت الْموصل مستترا. وَكَانَ نَاصِر الدولة بِبَغْدَاد، إِذْ ذَاك، فانحدرت إِلَيْهِ، فَأَخْبَرته بخبري كُله، فعصمني من زَوجته، وَأحسن إِلَيّ، وصرفني.

стр. 432

يرتجع من مَال مصادرته مائَة ألف دِينَار حَدثنِي أَبُو عَليّ بن أبي عبد الله الْحُسَيْن بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي، قَالَ: سَمِعت أبي يحدث، قَالَ: لما نكبني المقتدر، وَأخذ مني تِلْكَ الْأَمْوَال الْعَظِيمَة، أَصبَحت يَوْمًا فِي الْحَبْس آيس مَا كنت من الْفرج. فَأَتَانِي خَادِم، فَقَالَ: الْبُشْرَى. فَقلت: مَا الْخَبَر؟ قَالَ: قُم، فقد أطلقت. فَقُمْت مَعَه فاجتاز بِي فِي بعض الطّرق فِي دَار الْخلَافَة، يُرِيد إخراجي إِلَى دَار السيدة، لتَكون هِيَ الَّتِي تُطَلِّقنِي؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي

стр. 433

شفعت فيَّ، فَوَقَعت عَيْني فِي جوازي على أعدال خيش لي أعرفهَا، وَكَانَ مبلغها مائَة عدل. فَقلت للخادم: أَلَيْسَ هَذَا من الخيش الَّذِي حمل من دَاري؟ قَالَ: بلَى. فتأملته، فَإِذا هُوَ بشده وعلاماته، وَكَانَت هَذِه الأعدال قد حملت إِلَيّ من مصر، وَفِي كل عدل مِنْهَا ألف دِينَار، من مَال كَانَ لي بِمصْر، كتبت بِحمْلِهِ، فخافوا عَلَيْهِ من الطَّرِيق، فجعلوه فِي أعدال الخيش؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يكَاد يحملهُ اللُّصُوص، لَو وَقَعُوا عَلَيْهِ، فَلَا يَفْطنُون لما فِيهِ، فوصلت سَالِمَة، ولاستغنائي عَن المَال، لم أخرجه من الأعدال، وَتركته بِحَالهِ فِي بَيت من دَاري، وأقفلت عَلَيْهِ، وتوخيت أَيْضا بذلك ستر حَدِيثه، فتركته شهورا على حَاله لأنقله فِي وَقت آخر كَمَا أُرِيد. وكبست، فَأخذ الْجَيْش فِي جملَة مَا أَخذ من دَاري، ولخسته عِنْدهم تهاونوا بِهِ، وَلم يعرف أحد مَا فِيهِ، فَطرح فِي تِلْكَ الدَّار. فَلَمَّا رَأَيْته بشده، طمعت فِي خُلَاصَة، وَالْحِيلَة فِي ارتجاعه فَسكت، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام من خروجي، راسلت السيدة، ورققتها، وشكوت حَالي إِلَيْهَا، وسألتها أَن تدفع إِلَيّ ذَلِك الخيش؛ لِأَنَّهُ لَا قدر لَهُ عِنْدهم، وَأَنا أنتفع بِثمنِهِ. قَالَ: فاستحمقتني، وَقَالَت: أَي شَيْء قدر الخيش؟ ردُّوهُ عَلَيْهِ، فَسلم إِلَيّ بأسره. ففتحته، وَأخذت مِنْهُ الْمِائَة ألف دِينَار، مَا ضَاعَ لي مِنْهَا دِينَار وَاحِد، وَأخذت من الخيش مَا أحتاج إِلَيْهِ، وبعت بَاقِيه بجملة وافرة. فَقلت فِي نَفسِي: قد بقيت لي بَقِيَّة إقبال جَيِّدَة.

стр. 434

قد ينْتَفع الْإِنْسَان فِي نكبته بِالرجلِ الصَّغِير حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت حَامِد بن الْعَبَّاس، يَقُول: رُبمَا انْتفع الْإِنْسَان فِي نكبته بِالرجلِ الصَّغِير، أَكثر من منفعَته بالكبير، فَمن ذَلِك: أَن إِسْمَاعِيل بن بلبل، لما حَبَسَنِي، جعلني فِي يَد بواب كَانَ يَخْدمه قَدِيما. قَالَ: وَكَانَ رجلا حرا، فأحسنت إِلَيْهِ، وبررته، وَكنت أعْتَمد على عناية أبي الْعَبَّاس بن الْفُرَات بِي، وَكَانَ ذَلِك البواب، لقديم خدمته لإسماعيل، يدْخل إِلَى مجالسه الْخَاصَّة، وَيقف بَين يَدَيْهِ، وَلَا يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك، لسالف خدمته. فَصَارَ إِلَيّ فِي بعض اللَّيَالِي، فَقَالَ: قد حرد الْوَزير على ابْن الْفُرَات بسببك،

стр. 435

وَقَالَ لَهُ: مَا يكسر المَال على حَامِد غَيْرك، وَلَا بُد من الْجد فِي مُطَالبَته بباقي مصادرته، وسيدعوك الْوَزير فِي غَد إِلَى حَضرته ويهددك. فشغل ذَلِك قلبِي، فَقلت لَهُ: هَل عنْدك من رَأْي؟ قَالَ: نعم، تكْتب رقْعَة إِلَى رجل من معامليك تعرف شحه وضيق نَفسه، تلتمس مِنْهُ لِعِيَالِك ألف دِرْهَم، يقرضك إِيَّاهَا، وتلتمس مِنْهُ أَن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إِلَيْك، فَإِنَّهُ لشحه يردك بِعُذْر، وتحتفظ بالرقعة، فَإِذا طالبك الْوَزير أخرجتها لَهُ على غير مواطأة، وَقلت لَهُ: قد أفضت حَالي إِلَى هَذَا، فَلَعَلَّ ذَلِك ينفعك. قَالَ: فَفعلت مَا قَالَه، وَجَاءَنِي الْجَواب بِالرَّدِّ كَمَا خمنا، فشددت الرقعة معي فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أخرجني الْوَزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وَأَقْرَأْته إِيَّاهَا، ورققته، وتكلمت بِمَا أمكن، فاستحيا، وَكَانَ ذَلِك سَبَب خفَّة أَمْرِي، وَزَوَال محني. فَلَمَّا تقلدت فِي أَيَّام عبيد الله بن سُلَيْمَان مَا تقلدت سَأَلت عَن البواب، فاجتذبته إِلَى خدمتي، وَكنت أجري عَلَيْهِ خمسين دِينَارا فِي كل شهر، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن.

стр. 436

أَبُو الْعَتَاهِيَة يحبس لامتناعه عَن قَول الشّعْر أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد ابْن أبي الْعَتَاهِيَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: لما امْتنعت من قَول الشّعْر وَتركته، أَمر الْمهْدي بحبسي فِي سجن الجرائم، فأخرجت من بَين يَدَيْهِ إِلَى الْحَبْس. فَلَمَّا أدخلته دهشت، وَذهل عَقْلِي، وَرَأَيْت منْظرًا هالني. فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي فِيهِ، أَو رجلا آنس بمجالسته، فَإِذا أَنا بكهل حسن السمت نظيف الثَّوْب، تبين عَلَيْهِ سيماء الْخَيْر، فقصدته، فَجَلَست إِلَيْهِ من غير أَن أسلم عَلَيْهِ، أَو أسأله عَن شَيْء من أمره، لما أَنا فِيهِ من الْجزع والحيرة. فَمَكثت كَذَلِك مَلِيًّا، وَأَنا مطرق مفكر فِي حَالي، فَأَنْشد الرجل: تعودت مس الضّر حَتَّى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إِلَى الصَّبْر وصيرني يأسي من النَّاس واثقا ... بِحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي قَالَ: فاستحسنت الْبَيْتَيْنِ، وتبركت بهما، وثاب إِلَيّ عَقْلِي، فَأَقْبَلت على الرجل، فَقلت لَهُ: تفضل، أعزّك الله، بِإِعَادَة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.

стр. 437

فَقَالَ لي: وَيحك يَا إِسْمَاعِيل، وَلم يكنني، مَا أَسْوَأ أدبك، وَأَقل عقلك ومروءتك، دخلت، فَلم تسلم عَليّ تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم، وَلَا توجعت لي توجع الْمُبْتَلى للمبتلى، وَلَا سَأَلتنِي مَسْأَلَة الْوَارِد على الْمُقِيم، حَتَّى إِذا سَمِعت مني بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لم يَجْعَل الله فِيك فضلا، وَلَا أدبا، وَلَا جعل لَك معاشا غَيره، لم تتذكر مَا سلف مِنْك فتتلافاه، وَلَا اعتذرت مِمَّا قَدمته، وفرطت فِيهِ من الْحق، حَتَّى استنشدتني مبتدئا، كَأَن بَيْننَا أنسا قَدِيما، أَو معرفَة سالفة، أَو صُحْبَة تبسط المنقبض. فَقلت لَهُ: تعذرني متفضلا، فَإِن دون مَا أَنا فِيهِ مَا يدهش. فَقَالَ: وَفِي أَي شَيْء أَنْت؟ أَنْت إِنَّمَا تركت قَول الشّعْر الَّذِي كَانَ بِهِ قوام جاهك عِنْدهم، وسببك إِلَيْهِم، فحبسوك حَتَّى تَقوله، وَأَنت لَا بُد أَن تَقوله، فَتطلق وَأَنا يدعى بِي السَّاعَة، فأطالب بإحضار عِيسَى بن زيد، وَهُوَ ابْن رَسُول الله، ﷺ ، فَإِن دللت عَلَيْهِ، لقِيت الله بدمه، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ، خصمي فِيهِ، وَإِن لم أفعل، قتلت، فَأَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك، وَأَنت ترى احتسابي وصبري. فَقلت: يَكْفِيك الله ، وأطرقت خجلا مِنْهُ. فَقَالَ لي: لَا أجمع عَلَيْك التوبيخ وَالْمَنْع، اسْمَع الْبَيْتَيْنِ واحفظهما، فأعادهما عَليّ مرَارًا حَتَّى حفظتهما.

стр. 438

ثمَّ دعِي بِهِ وَبِي، فَلَمَّا قمنا، قلت لَهُ: من أَنْت أعزّك الله؟ قَالَ: أَنا حَاضر، صَاحب عِيسَى بن زيد. فأدخلنا على الْمهْدي، فَلَمَّا وقفنا بَين يَدَيْهِ، قَالَ لَهُ: أَيْن عِيسَى بن زيد؟ قَالَ: مَا يدريني أَيْن عِيسَى بن زيد، طلبته، وأخفته، فهرب مِنْك فِي الْبِلَاد، وأخذتني، فحبستني، فَمن أَيْن أَقف على مَوضِع هارب مِنْك وَأَنا مَحْبُوس؟ قَالَ لَهُ: فَأَيْنَ كَانَ متواريا، وَمَتى آخر عَهْدك بِهِ، وَعند من لَقيته؟ قَالَ: مَا لَقيته مُنْذُ توارى، وَلَا أعرف عَنهُ خَبرا. قَالَ: وَالله، لتدلني عَلَيْهِ، أَو لَأَضرِبَن عُنُقك السَّاعَة. فَقَالَ: اصْنَع مَا بدا لَك، أَنا أدلك على ابْن رَسُول الله ﷺ لتقتله، وَألقى الله ، وَرَسُوله، وهما مطالبان لي بدمه؟ وَالله لَو كَانَ بَين جلدي، وثوبي، مَا كشفت عَنهُ. فَقَالَ: اضربوا عُنُقه. فَقدم، فَضربت عُنُقه من سَاعَته. ثمَّ دَعَاني، فَقَالَ: أَتَقول الشّعْر، أَو ألحقك بِهِ؟ فَقلت: بل أَقُول الشّعْر. قَالَ: أَطْلقُوهُ. قَالَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه: والبيتان اللَّذَان سمعهما أَبُو الْعَتَاهِيَة، من حَاضر، هما فِي شعره الْآن.

стр. 439

قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ: وأنشدني بعض أَصْحَابنَا بَيْتا آخر، زِيَادَة: إِذا أَنا لم أقنع من الدَّهْر بِالَّذِي ... تكرهت مِنْهُ طَال عتبي على الدَّهْر وَوجد على مسطرة عَليّ بن أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى بَيت رَابِع لهَذَا، وَهُوَ: ووسع صَدْرِي للأذى كَثْرَة الْأَذَى ... وَقد كنت أَحْيَانًا يضيق بِهِ صَدْرِي

стр. 440

الْفَيْض بن أبي صَالح ومروءته وجدت فِي كتاب أعطانيه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْعَزِيز بن إِبْرَاهِيم، ابْن حَاجِب النُّعْمَان، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتب الْوَزير المهلبي، على ديوَان السوَاد، وَذكر أَنه نسخه من كتاب أعطَاهُ إِيَّاه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، وَكَانَ فِيهِ إصلاحات بِخَط أبي الْحُسَيْن بن مابنداد، قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الإسكافي: كَانَ دَاوُد، كَاتب أم جَعْفَر: قد حبس وَكيلا لَهَا، وَجب لَهَا عَلَيْهِ فِي حسابه مِائَتَا ألف دِرْهَم، فَكتب الرجل إِلَى عِيسَى بن فلَان، وَإِلَى سهل بن الصَّباح، وَكَانَ صديقين لَهُ، يسألهما الرّكُوب إِلَى دَاوُد فِي أمره، فركبا إِلَيْهِ. فلقيهما الْفَيْض بن أبي صَالح، فَسَأَلَهُمَا عَن خبرهما، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ لَهما: أتحبان أَن أكون مَعَكُمَا.

стр. 441

قَالَا: نعم. فصاروا إِلَى دَاوُد، فكلموه فِي إِطْلَاق الرجل، فَقَالَ: أكتب إِلَى أم جَعْفَر، فَكتب إِلَيْهَا، يعلمهَا خبر الْقَوْم وحضورهم، ومسألتهم إِطْلَاق الْوَكِيل. فَوَقَعت فِي الرقعة أَن يعرفهُمْ مَا وَجب لَهَا عَلَيْهِ من المَال، وَيُعلمهُم أَنه لَا سَبِيل على إِطْلَاقه دون أَدَاء المَال. قَالَ: فأقرأهم التوقيع، فَقَالَ عِيسَى وَسَهل بن الصَّباح: قد قضينا حق الرجل، وَقد أَبَت أم جَعْفَر أَن تطلقه إِلَّا بِالْمَالِ، فَقومُوا ننصرف. فَقَالَ لَهما الْفَيْض بن أبي صَالح: كأنا إِنَّمَا جِئْنَا لنؤكد حبس الرجل. قَالَا لَهُ: فَمَاذَا نصْنَع؟ قَالَ: نُؤَدِّي المَال عَنهُ. قَالَ: ثمَّ أَخذ الدواة، فَكتب إِلَى وَكيله فِي حمل المَال عَن الرجل كتابا دَفعه إِلَى دَاوُد كَاتب أم جَعْفَر، وَقَالَ: قد أزحنا علتك فِي المَال، فادفع إِلَيْنَا صاحبنا. قَالَ: لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك، حَتَّى أعرفهَا الْخَبَر. قَالَ: فَكتب إِلَيْهَا بالْخبر، فَوَقَعت فِي رقعته: أَنا أولى بِهَذِهِ المكرمة من الْفَيْض بن أبي صَالح، فاردد عَلَيْهِ كِتَابه بِالْمَالِ، وادفع إِلَيْهِ الرجل، وَقل لَهُ: لَا يعاود مثل مَا كَانَ مِنْهُ. قَالَ: وَلم يكن الْفَيْض يعرف الرجل، وَإِنَّمَا ساعد عِيسَى وسهلا على الْكَلَام فِي أمره.

стр. 442

كَيفَ تخلص أعشى هَمدَان من أسر الديلم أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي الْحسن بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عليل الْعَنزي، عَن مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأَسدي، عَن ابْن كناسَة. وحَدثني مَسْعُود بن بشر، عَن أبي عُبَيْدَة، والأصمعي. وَوَافَقَ روايتهم الْهَيْثَم بن عدي، عَن حَمَّاد الراوية، قَالَ: كَانَ أعشى هَمدَان، أَبُو المصبح، مِمَّن أغزاه الْحجَّاج بلد الديلم، ونواحي دستى، فَأسر، فَلم يزل أَسِيرًا فِي أَيدي الديلم مُدَّة. ثمَّ إِن بِنْتا للعلج الَّذِي كَانَ أسره، رَأَتْهُ، فهويته، فَصَارَت إِلَيْهِ لَيْلًا، وأمكنته من نَفسهَا، فَأصْبح، وَقد وَاقعهَا ثَمَانِي مَرَّات.

стр. 443

فَقَالَت لَهُ الديلمية: يَا معشر الْمُسلمين، هَكَذَا تَفْعَلُونَ بنسائكم؟ فَقَالَ لَهَا: هَكَذَا نَفْعل كلنا بنسائنا. فَقَالَت لَهُ: بِهَذَا الْعَمَل نصرتم، أَفَرَأَيْت إِن خلصتك أَن تصطفيني لنَفسك؟ فَقَالَ لَهَا: نعم، وعاهدها. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، حلت قيوده، وَأخذت بِهِ طَرِيقا تعرفه، حَتَّى خلصته. فَقَالَ شَاعِر من أسراء الْمُسلمين: وَمن كَانَ يفْدِيه من الْأسر مَاله ... فهمدان تفديها الْغَدَاة أيورها وَقَالَ الْأَعْشَى، يذكر مَا لحقه من أسر الديلم لَهُ: لمن الظعائن سيرهن تزحف ... عوم السفين إِذا تقاعس مجذف وَذكر أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ القصيدة، وَهِي طَوِيلَة، اخْتَرْت مِنْهَا مَا تعلق بالفرج بعد الشدَّة، وَهُوَ قَوْله: أَصبَحت رهنا للعداة مكبلا ... أمسي وَأصْبح فِي الأداهم أرسف وَلَقَد أَرَانِي قبل ذَلِك نَاعِمًا ... جذلان آبى أَن أضام وآنف واستنكرت ساقي الوثاق وساعدي ... وَأَنا امْرُؤ بَادِي الأشاجع أعجف وأصابني قوم وَكنت أصيبهم ... فَالْآن أَصْبِر للزمان وَأعرف وَإِذا تصبك من الْحَوَادِث نكبة ... فاصبر لَهَا فلعلها تتكشف ويروى: فَكل مُصِيبَة ستكشف.

стр. 444

يحتال للخلاص من حبس نجاح بن سَلمَة وَذكر ابْن عَبدُوس فِي أَخْبَار الوزراء: أَن نجاح بن سَلمَة، حبس إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر مكايدة لِأَخِيهِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّام المتَوَكل. فَلَمَّا طَال حبس إِبْرَاهِيم، وَلم يجد حِيلَة فِي الْخَلَاص، عمل أبياتا، وأنفذها إِلَى المسدود الطنبوري، وَسَأَلَهُ أَن يعْمل فِيهَا لحنا، ويغني بهَا المتَوَكل، فَإِذا سَأَلَ عَن قَائِلهَا، عرفه أَنَّهَا لَهُ. فَفعل المسدود ذَلِك، وَسَأَلَهُ المتَوَكل، فَقَالَ: لعبدك إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر، فَذكره، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ. والأبيات هِيَ: بِأبي من بَات عِنْدِي ... طَارِقًا من غير وعد بَات يشكو ألم الشوق ... وأشكو فرط وجدي وتجنى فَبكى فانهل ... در فَوق ورد فيد تَحت يَد طورا ... وخد فَوق خد

стр. 445

يهب أحد أَتْبَاعه خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم وَذكر أَيْضا أَن إِسْحَاق بن سعد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى المروروذي صَاحب يحيى بن خاقَان، عَنهُ، قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون ألزمني خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم، فأعلمته أَنِّي لَا أملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم، وَحلفت لَهُ على ذَلِك، بأيمان مُغَلّظَة، اجتهدت فِيهَا، فَلم يقبل مني، وحبسني عِنْد أَحْمد بن هِشَام، وَكَانَ بيني وَبَينه شَرّ قد اشْتهر وَعرف، وَكَانَ يتقلد الحرس. فَقَالَ أَحْمد للموكلين بِي: احفظوه واحذروا أَن يسم نَفسه. فَفطن الْمَأْمُون لمراده، فَقَالَ: لَا يَأْكُل يحيى بن خاقَان، وَلَا يشرب إِلَّا مَا يُؤْتى بِهِ من منزله. قَالَ: فأقمت على ذَلِك مُدَّة، فَوجه إِلَيّ الْحسن بن سهل بِأَلف ألف دِرْهَم، وَوجه إِلَيّ فرج الرخجي بِأَلف ألف دِرْهَم، وَوجه إِلَيّ حميد الطوسي

стр. 446

بِأَلف ألف دِرْهَم، وأضفت ذَلِك إِلَى مَا كَانَ عِنْدِي، واضطربت حَتَّى جمعت خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم. فَلَمَّا اجْتمعت، كتبت إِلَى الْمَأْمُون بِحُضُور المَال الَّذِي ألزمني إِيَّاه، فَأمر بإحضاري، فَدخلت إِلَيْهِ، وَبَين يَدَيْهِ أَحْمد بن أبي خَالِد، وَعَمْرو بن مسْعدَة، وَعلي بن هِشَام. فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: أولم تُخبرنِي وتحلف لي أَنَّك لَا تملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم، فَمن أَيْن لَك هَذَا المَال؟ فصدقته عَن أمره، وقصصت الْقِصَّة عَلَيْهِ. فَأَطْرَقَ طَويلا، ثمَّ قَالَ لي: قد وهبته لَك. فَقَالَ لَهُ الْحُضُور: أتهب لَهُ خَمْسَة آلَاف ألف، وَلَيْسَ فِي بَيت المَال دِرْهَم وَاحِد، وَأَنت مُحْتَاج إِلَى مَا دون ذَلِك بِكَثِير؟ فَلَو أَخَذته مِنْهُ قرضا، فَإِذا جَاءَك مَال رَددته عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُم: أَنا على المَال أقدر من يحيى، وَقد وهبته لَهُ. فَرددت إِلَى الْقَوْم مَا كَانُوا حملوه، وتخلصت.

стр. 447

يتنازل لأحد أَتْبَاعه عَن عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (أَخْبَار الوزراء) : ذكر الْفضل بن مَرْوَان، أَن مُحَمَّد بن يزْدَاد سعى إِلَى الْمَأْمُون بِعَمْرو بن بهنوى. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: يَا فضل، خُذ عمرا إِلَيْك، وَقَيده، وضيق عَلَيْهِ، ليصدق عَمَّا صَار إِلَيْهِ من مَال الْفَيْء، فقد اختان مَالا عَظِيما، وطالبه بِهِ. فَقلت: نعم، وَأمرت بإحضار عَمْرو، فأحضر، فأخليت لَهُ حجرَة فِي دَاري، وأقمت لَهُ مَا يصلحه، وتشاغلت عَنهُ بِأُمُور السُّلْطَان، فِي يومي وَفِي الْغَد. فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث، أرسل إِلَيّ عَمْرو يسألني الدُّخُول عَلَيْهِ، فَدخلت، فَأخْرج إِلَيّ رقْعَة، قد أثبت فِيهَا كل مَا يملكهُ من الدّور، والضياع، وَالْعَقار، وَالْأَمْوَال والفرش، وَالْكِسْوَة والجوهر، والقماش والكراع، وَمَا يجوز

стр. 448

بَيْعه من الرَّقِيق، وَكَانَ قيمَة ذَلِك عشرُون ألف ألف دِرْهَم، وسألني أَن أوصل رقعته إِلَى الْمَأْمُون، وأعلمه أَن عمرا قد جعله من ذَلِك كُله فِي حل وسعة. فَقلت لَهُ: مهلا، فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أكبر قدرا من أَن يسلبك مَالك كُله، ونعمتك عَن آخرهَا. فَقَالَ عَمْرو: إِنَّه لَكمَا وصفت فِي كرمه، وَلَكِن السَّاعِي لَا ينَام عني وَلَا عَنْك، وَقد بَلغنِي مَا أمرت بِهِ فِي أَمْرِي من الغلظة، وَمَا عاملتني بضد ذَلِك، وَقد طبت نفسا بِأَن أَشْتَرِي عدل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْرِي، وَرضَاهُ عني، بِجَمِيعِ مَالِي. فَلم أزل أنزلهُ، حَتَّى وافقته على عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، وَقلت لَهُ: هَذَا شطر مَالك، وَهُوَ صَالح لِلْفَرِيقَيْنِ، وَأخذت خطه بِالْتِزَام ذَلِك صلحا عَن جَمِيع مَا جرى على يَده. وصرت على الْمَأْمُون، فَوجدت مُحَمَّد بن يزْدَاد، وَقد سبقني إِلَيْهِ، وَهُوَ يكلمهُ، فَلَمَّا رَآنِي قطع الْكَلَام وَخرج. فَقَالَ لي الْمَأْمُون: يَا فضل. قلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا هَذِه الجرأة مِنْك علينا؟ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنا عبد طَاعَتك وغرسك. فَقَالَ: أَمرتك بالتضييق على النبطي عَمْرو بن بهنوى، فقابلت أَمْرِي بالضد، ووسعت عَلَيْهِ، وأقمت لَهُ الْإِنْزَال. فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن عمرا يُطَالب بأموال عَظِيمَة، وَلم آمن أَن أجعَل محبسه فِي بعض الدَّوَاوِين فيبذل مَالا يرغب فِي مثله، فيتخلص، فَجعلت محبسه فِي دَاري، وأشرفت على طَعَامه وَشَرَابه؛ لأحرس لَك نَفسه،

стр. 449

فَإِن كثيرا من النَّاس خانوا السُّلْطَان، وتمتعوا بالأموال، ثمَّ طولبوا بهَا، فاحتيل عَلَيْهِم، أَن يتلفوا، ويفوز بالأموال غَيرهم. قَالَ الْفضل: وَإِنَّمَا أردْت بذلك تسكين غضب الْمَأْمُون عَليّ، وَلم أعرض الرقعة عَلَيْهِ، وَلَا أعلمته مَا جرى بيني وَبَين عَمْرو؛ لِأَنِّي لم آمن سورته فِي ذَلِك الْوَقْت، لاشتداد غَضَبه. فَقَالَ لي: سلم عمرا إِلَى مُحَمَّد بن يزْدَاد، قَالَ: فوجهت من سَاعَتِي، من سلم عمرا إِلَى مُحَمَّد بن يزْدَاد، فَلم يزل يعذبه بأنواع الْعَذَاب، ليبذل لَهُ شَيْئا، فَلم يفعل. فَلَمَّا رأى أَصْحَابه وعماله، مَا قد ناله، جمعُوا لَهُ بَينهم ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم، وسألوا عمرا أَن يبذلها لمُحَمد بن يزْدَاد، فبذلها، فَصَارَ مُحَمَّد إِلَى الْمَأْمُون متبجحا بهَا، فأوصل الْخط بهَا إِلَى الْمَأْمُون، وَأَنا وَاقِف. فَقَالَ الْمَأْمُون: يَا فضل، ألم أعلمك، أَن غَيْرك أقوم بأمورنا مِنْك، وأطوع لما نأمره بِهِ؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَرْجُو أَن أكون فِي حَال استبطاء أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله، أبلغ فِي طَاعَته من غَيْرِي. فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذِه رقْعَة عَمْرو بن بهنوى بِثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم. فَقلت: وَمَا اجترأت عَلَيْهِ قطّ جرأتي عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْيَوْم، فَإِنِّي خرجت إِلَى إضبارة كَانَت مَعَ غلامي، فَأخذت الرقعة مِنْهَا مسرعا، وَقلت: وَالله، لأعلمن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي مَعَ رفقي، أبلغ فِي حياطة أَمْوَاله من غَيْرِي مَعَ غلظته وأريته رقْعَة عَمْرو الَّتِي كَانَ كتبهَا لي، وحدثته بحَديثه عَن آخِره.

стр. 450

فَلَمَّا تبين الْمَأْمُون الخطين، وَعلم أَنَّهُمَا جَمِيعًا خطّ عَمْرو، قَالَ: مَا أَدْرِي أيكما أكْرم، عَمْرو حِين شكر برك، وطاب نفسا بِالْخرُوجِ عَن ملكه بِهَذَا السَّبَب، أم أَنْت ومحافظتك على أهل النعم، وسترك عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت، وَالله لَا كنتما يَا نبطيان، أكْرم مني. وَدفع الرقعة الَّتِي أَخذهَا مُحَمَّد بن يزْدَاد من عَمْرو إِلَيّ، وَأَمرَنِي بتخريقها، وتخريق الأولة، وأنفذ من سلم عمرا من محبسه إِلَيّ، وَأَمرَنِي بِإِطْلَاقِهِ. فَخرجت من بَين يَدَيْهِ، وَفعلت ذَلِك من وقتي.

стр. 451

أَبُو عمر القَاضِي يشيب فِي لَيْلَة وَاحِدَة حدث أَبُو الْحُسَيْن عبد الله بن أَحْمد بن الْحَارِث بن عَيَّاش الحرزي الْبَغْدَادِيّ، وَكَانَ خَليفَة أبي ﵀ على الْقَضَاء بسوق الأهواز، الْمَشْهُور الَّذِي كَانَ صاهر أَبَا عمر القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي القَاضِي أَبُو عمر ﵀، قَالَ: لما جرى فِي أَمر ابْن المعتز مَا جرى، حبست وَمَا فِي لحيتي طَاقَة بَيْضَاء،

стр. 452

وَحبس معي أَبُو الْمثنى القَاضِي وَمُحَمّد بن دَاوُد الْجراح فِي دَار وَاحِدَة، فِي ثَلَاثَة أَبْيَات متلاصقة، وَكَانَ بَيْتِي فِي الْوسط. وَكُنَّا آيسين من الْحَيَاة، فَكنت، إِذا جننا اللَّيْل، حدثت أَبَا الْمثنى تَارَة، وَمُحَمّد بن دَاوُد تَارَة، وحدثاني من وَرَاء الْأَبْوَاب، ويوصي كل منا إِلَى صَاحبه، وَنحن نتوقع الْقَتْل سَاعَة بساعة. فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة، وَقد غلقت الْأَبْوَاب، ونام الموكلون بِنَا، وَنحن نتحدث فِي بُيُوتنَا، إِذْ حسسنا بِصَوْت الأقفال تفتح، فارتعنا، وَرجع كل وَاحِد منا إِلَى صدر بَيته. فَمَا شعرنَا إِلَّا وَقد فتح الْبَاب عَن مُحَمَّد بن دَاوُد، فَأخْرج، وأضجع ليذبح، فَقَالَ: يَا قوم، ذبحا كَمَا تذبح الشَّاة، أَيْن المصادرات، أَيْن أَنْتُم عَن أَمْوَالِي أفتدي بهَا نَفسِي؟ عَليّ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَمَا التفتوا إِلَى كَلَامه، وذبحوه، وَأَنا أرَاهُ من شقّ الْبَاب، وَقد أَضَاء الصحن، وَصَارَ كَأَنَّهُ نَهَار من كَثْرَة الشموع، واحتزوا رَأسه، وأخرجوه مَعَهم، وجروا جثته، فطرحت فِي بِئْر الدَّار، وغلقت الْأَبْوَاب، وَانْصَرفُوا.

стр. 453

قَالَ: فأيقنت بِالْقَتْلِ، وَأَقْبَلت على الصَّلَاة، وَالدُّعَاء، والبكاء. فَمَا مَضَت إِلَّا سَاعَات يسيرَة، حَتَّى سَمِعت أصوات الأقفال تفتح، فعاودني الْجزع، وَإِذا هم قد جَاءُوا إِلَى بَيت أبي الْمثنى القَاضِي، ففتحوه، وأخرجوه، وَقَالُوا لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ، يَا عَدو الله، يَا فَاسق، بِمَ استحللت نكث بيعتي، وخلع طَاعَتي؟ فَقَالَ: لِأَنِّي علمت، أَنه لَا يصلح للْإِمَامَة. فَقَالُوا لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد أمرنَا باستتابتك من هَذَا الْكفْر، فَإِن تبت رددناك إِلَى محبسك، وَإِلَّا قتلناك. فَقَالَ: أعوذ بِاللَّه من الْكفْر، مَا أتيت مَا يُوجب الْكفْر. قَالَ: وَأخذ يتهوس مَعَهم بِهَذَا الْكَلَام وَشبهه، وَلَا يرجع عَنهُ. فَلَمَّا أيسوا مِنْهُ، مضى بَعضهم وَعَاد، فَظَنَنْت أَنه يستثبت فِي الاسْتِئْذَان، قَالَ: ثمَّ أضجعوه، فذبحوه، وَأَنا أرَاهُ، وحملوا رَأسه، وطرحوا جثته فِي الْبِئْر. قَالَ: فَذهب عَليّ أَمْرِي، وَأَقْبَلت على الْبكاء، وَالدُّعَاء، والتضرع إِلَى الله جلّ وَعز. فَلَمَّا كَانَ وَجه السحر، وَقد سَمِعت صَوت الدبادب، وَإِذا صَوت

стр. 454

الأقفال، فَقلت: لم يبْق غَيْرِي، وَأَنا مقتول، فاستسلمت، وفتحوا الْأَبْوَاب عني، وأقاموني إِلَى الصحن، وَقَالُوا: يقل لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ، يَا فَاعل يَا صانع، مَا حملك على نكث بيعتي؟ فَقلت: الْخَطَأ، وشقوة الْجد، وَأَنا تائب إِلَى الله من هَذَا الذَّنب، قَالَ: وَأَقْبَلت أَتكَلّم بِهَذَا وَشبهه، فَمضى بَعضهم، وَعَاد، فَقَالَ: أجب، ثمَّ أسر إِلَيّ، فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، فقد تكلم فِيك الْوَزير، يعنون: ابْن الْفُرَات، وَأَنت مُسلم إِلَيْهِ، فسكنت قَلِيلا، وجاءوني بخفي، وطيلساني، وعمامتي، فَلبِست ذَلِك، وأخرجت، فجيء بِي إِلَى الدَّار الَّتِي كَانَت برسم ابْن الْفُرَات فِي دَار الْخَلِيفَة، فَلَمَّا رَآنِي، أقبل يخاطبني بِعظم جنايتي وخطئي، وَأَنا أقرّ بذلك، وأستقيل، وأتنصل.

стр. 455

ثمَّ قَالَ لي: قد وهب لي أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَنْبك، وابتعت مِنْهُ جرمك بِمِائَة ألف دِينَار، ألزمتك إِيَّاهَا. فَقلت: أَيهَا الْوَزير، مَا رَأَيْت بَعْضهَا قطّ مجتمعا. فغمزني بِأَن أسكت، وجذبني قوم من وُجُوه الْكتاب، كَانَت ورائي، فسكتوني، فَعلمت أَن الْوَزير ابْن الْفُرَات، أَرَادَ تخليصي، وحقن دمي. فَقلت: عَليّ كل مَا يَأْمر الْوَزير أعزه الله. فَقَالَ: احملوه إِلَى دَاري. قَالَ: فَأخذت، وحملت إِلَى دَاره، فقرر أَمْرِي على مائَة ألف دِينَار، على أَن أؤدي مِنْهَا النّصْف عَاجلا، وَيصير النّصْف فِي حكم الْبَاطِل على رسم المصادرات. فَلَمَّا صرت فِي دَار ابْن الْفُرَات، وسع عَليّ فِي الْمطعم، وَالْمشْرَب والملبس، وأدخلت الْحمام، ورفهت، وأكرمت. فَرَأَيْت لما خرجت من الْحمام وَجْهي فِي الْمرْآة، فَإِذا طاقات شعر قد ابْيَضَّتْ فِي مقدم لحيتي، فَإِذا أَنا قد شبت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْوَاحِدَة.

стр. 456

قَالَ: وَأديت من المَال نيفا وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار، ثمَّ نظر لي ابْن الْفُرَات بِالْبَاقِي وصرفني إِلَى منزلي، وتخلص دمي. وأقمت فِي بَيْتِي سِنِين، وبابي مسدود، لَا أرى أحدا، إِلَّا فِي الشاذ، وتوفرت على دراسة الْفِقْه، وَالنَّظَر فِي الْعلم، إِلَى أَن من الله بالفرج، فكشف مَا بِي، وأخرجت من بَيْتِي إِلَى ولَايَة الْأَعْمَال.

стр. 457

قضى ليلته مُعَلّقا فِي بادهنج وَيُشبه هَذَا الحَدِيث، ويقاربه، وَإِن لم يكن فِي الْحَقِيقَة من بَاب من خرج من حبس، إِلَّا أَنه من أَخْبَار الْفرج فِي الْجُمْلَة، مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، صهر أبي مُحَمَّد المهلبي الْوَزير، قَالَ: سَمِعت دلويه، كَاتب صافي الحرمي، يتحدث، قَالَ: كَانَ فِي دَار المقتدر بِاللَّه، عريف على بعض الفراشين، يخدمني وصافيا إِذا أَقَمْنَا فِي دَار الْخَلِيفَة، فَفَقَدته فِي الدَّار، وظننته عليلا، فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، رَأَيْته فِي بعض الطّرق، بزِي التُّجَّار، وَقد شَاب. فَقلت: فلَان؟ قَالَ: نعم، عَبدك يَا سَيِّدي. فَقلت: مَا هَذَا الشيب فِي هَذِه الشُّهُور الْيَسِيرَة، وَمَا هَذَا الزي؟ وَأَيْنَ كنت؟ فلجلج. فَقلت لغلماني: احملوه إِلَى دَاري، وَقلت: حَدثنِي حَدِيثك.

стр. 458

فَقَالَ: على أَن لي الْأمان والكتمان. فَقلت: نعم. فَقَالَ: كَانَ الرَّسْم الَّذِي تعرفه على كل عريف فِي الدَّار من الفراشين، أَن يدْخل يَوْمًا من الْأَيَّام، هُوَ وَمن مَعَه فِي عرافته، إِلَى دور الْحرم، لرش الخيوش الَّتِي فِيهَا. فبلغت النّوبَة إِلَيّ، فِي يَوْم كنت فِيهِ مخمورا، فَدخلت، وَمَعِي رجالي، إِلَى دَار فُلَانَة، وَذكر حظية جليلة من حظايا المقتدر بِاللَّه، لرش الخيش. فلعظم مَا كنت فِيهِ من الْخمار، مَا رششت قربتي، وَلم أخرج بِخُرُوج الرِّجَال، وَقلت لَهُم: امضوا، فهاتوا قربكم لإتمام الرش، فَإِذا رششتموها فأنبهوني، فَإِنِّي نَائِم هُنَا. وَدخلت خلف الخيش، إِلَى بَاب بادهنج تخرج مِنْهُ ريح طيبَة، فَنمت،

стр. 459

وَغلب عَليّ النّوم، إِلَى أَن جَاءَ الفراشون، وفرغوا من رش الخيش، وَخَرجُوا وَلم ينبهوني. وَتَمَادَى بِي النّوم، فَمَا انْتَبَهت إِلَّا بحركة فِي الخيش، فَقُمْت، فَإِذا أَنا قد أمسيت، وَإِذا صَوت نسَاء فِي الخيش، فَعلمت أَنِّي مقتول إِن أحس بِي، وتحيرت فَلم أدر مَا أعمل، فَدخلت البادهنج، وَكَانَ ضيقا، فَجعلت رجْلي على حائطي البادهنج وتسلقت فِيهِ، ووقفت مُعَلّقا، أترقب أَن يفْطن لي، فأقتل. وَإِذا بنسوة فراشات يكنسن الخيش، فَلَمَّا فرغن من ذَلِك فرشنه، وعبي فِيهِ مجْلِس الشَّرَاب. وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ المقتدر بِاللَّه، وعدة جواري، فَجَلَسَ وجلسن وَأخذ الْجَوَارِي فِي الْغناء، وَأَنا أسمع ذَلِك كُله، وروحي تكَاد تخرج، فَإِذا أعييت، نزلت فَجَلَست فِي أَرض البادهنج، فَإِذا استرحت، وَخفت أَن يفْطن بِي، عدت فتسلقت، إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ عَن للمقتدر أَن جذب إِلَيْهِ حظيته الَّتِي هِيَ صَاحِبَة تِلْكَ الدَّار، فَانْصَرف بَاقِي الْجَوَارِي، وخلا الْموضع، فواقع المقتدر بِاللَّه الْجَارِيَة، وَأَنا أسمع حركتهما وكلامهما، ثمَّ نَامَا فِي مكانهما، وَلَا سَبِيل لي إِلَى النّوم لَحْظَة وَاحِدَة، لما أقاسي من الْخَوْف. ففكرت فِي أَن أخرج وأصعد إِلَى بعض السطوح، ثمَّ علمت أَنِّي إِن فعلت ذَلِك، تعجلت الْقَتْل، وَلم يجز أَن أنجو. فَلم تزل حَالي تِلْكَ إِلَى أَن انتبه المقتدر بِاللَّه فِي السحر، وَخرج من الْموضع.

стр. 460

فَلَمَّا كَانَ من غَد نصف النَّهَار، جَاءَ عريف آخر من الفراشين، وَمَعَهُ رِجَاله، فرشوا الخيش، فَخرجت فاختلطت بهم. فَقَالُوا: أيش تعْمل هَهُنَا؟ فأومأت إِلَيْهِم بِالسُّكُوتِ، وَقلت: الله، الله، فِي دمي، فَإِن حَدِيثي طَوِيل، فتذمموا أَن يفضحوني. وَقَالَ بَعضهم: مَا بَال لحيتك قد شابت؟ فَقلت: لَا أعلم، وَأخذت مَاء من قربَة بَعضهم، فرطبت بِهِ قربتي، وَخرجت بخروجهم. فَلَمَّا صرت فِي مَوضِع من دَار الْخَلِيفَة، وَقعت مغشيا عَليّ، وركبتني حمى عَظِيمَة وَذهب عَقْلِي، فَحَمَلَنِي الفراشون إِلَى منزلي، وَأَنا لَا أَعقل، فأقمت مبرسما مُدَّة طَوِيلَة. وَقد كنت عَاهَدت الله تَعَالَى، وَأَنا فِي البادهنج، إِن هُوَ خلصني، أَن لَا أخدم أحدا أبدا، وَلَا أشْرب النَّبِيذ، وأقلعت عَن أَشْيَاء تبت مِنْهَا. فَلَمَّا تفضل الله تَعَالَى بالعافية، وفيت بِالنذرِ، وبعت أَشْيَاء كَانَت لي، وضممتها إِلَى دَرَاهِم كَانَت عِنْدِي، ولزمت دكانا لحميي أتعلم فِيهِ التِّجَارَة مَعَه، وأتجر، وَتركت الدَّار، فَمَا عدت إِلَيْهَا إِلَى الْآن، وَلَا أَعُود أبدا إِلَى خدمَة النَّاس، وَلَا أنقض مَا تبت مِنْهُ. قَالَ: وَرَأَيْت لحيته وَقد كثر فِيهَا الشيب.
следующие страницы →