← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قَالَ: وَأديت من المَال نيفا وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار، ثمَّ نظر لي ابْن الْفُرَات بِالْبَاقِي وصرفني إِلَى منزلي، وتخلص دمي. وأقمت فِي بَيْتِي سِنِين، وبابي مسدود، لَا أرى أحدا، إِلَّا فِي الشاذ، وتوفرت على دراسة الْفِقْه، وَالنَّظَر فِي الْعلم، إِلَى أَن من الله بالفرج، فكشف مَا بِي، وأخرجت من بَيْتِي إِلَى ولَايَة الْأَعْمَال.

стр. 457

قضى ليلته مُعَلّقا فِي بادهنج وَيُشبه هَذَا الحَدِيث، ويقاربه، وَإِن لم يكن فِي الْحَقِيقَة من بَاب من خرج من حبس، إِلَّا أَنه من أَخْبَار الْفرج فِي الْجُمْلَة، مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، صهر أبي مُحَمَّد المهلبي الْوَزير، قَالَ: سَمِعت دلويه، كَاتب صافي الحرمي، يتحدث، قَالَ: كَانَ فِي دَار المقتدر بِاللَّه، عريف على بعض الفراشين، يخدمني وصافيا إِذا أَقَمْنَا فِي دَار الْخَلِيفَة، فَفَقَدته فِي الدَّار، وظننته عليلا، فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، رَأَيْته فِي بعض الطّرق، بزِي التُّجَّار، وَقد شَاب. فَقلت: فلَان؟ قَالَ: نعم، عَبدك يَا سَيِّدي. فَقلت: مَا هَذَا الشيب فِي هَذِه الشُّهُور الْيَسِيرَة، وَمَا هَذَا الزي؟ وَأَيْنَ كنت؟ فلجلج. فَقلت لغلماني: احملوه إِلَى دَاري، وَقلت: حَدثنِي حَدِيثك.

стр. 458

فَقَالَ: على أَن لي الْأمان والكتمان. فَقلت: نعم. فَقَالَ: كَانَ الرَّسْم الَّذِي تعرفه على كل عريف فِي الدَّار من الفراشين، أَن يدْخل يَوْمًا من الْأَيَّام، هُوَ وَمن مَعَه فِي عرافته، إِلَى دور الْحرم، لرش الخيوش الَّتِي فِيهَا. فبلغت النّوبَة إِلَيّ، فِي يَوْم كنت فِيهِ مخمورا، فَدخلت، وَمَعِي رجالي، إِلَى دَار فُلَانَة، وَذكر حظية جليلة من حظايا المقتدر بِاللَّه، لرش الخيش. فلعظم مَا كنت فِيهِ من الْخمار، مَا رششت قربتي، وَلم أخرج بِخُرُوج الرِّجَال، وَقلت لَهُم: امضوا، فهاتوا قربكم لإتمام الرش، فَإِذا رششتموها فأنبهوني، فَإِنِّي نَائِم هُنَا. وَدخلت خلف الخيش، إِلَى بَاب بادهنج تخرج مِنْهُ ريح طيبَة، فَنمت،

стр. 459

وَغلب عَليّ النّوم، إِلَى أَن جَاءَ الفراشون، وفرغوا من رش الخيش، وَخَرجُوا وَلم ينبهوني. وَتَمَادَى بِي النّوم، فَمَا انْتَبَهت إِلَّا بحركة فِي الخيش، فَقُمْت، فَإِذا أَنا قد أمسيت، وَإِذا صَوت نسَاء فِي الخيش، فَعلمت أَنِّي مقتول إِن أحس بِي، وتحيرت فَلم أدر مَا أعمل، فَدخلت البادهنج، وَكَانَ ضيقا، فَجعلت رجْلي على حائطي البادهنج وتسلقت فِيهِ، ووقفت مُعَلّقا، أترقب أَن يفْطن لي، فأقتل. وَإِذا بنسوة فراشات يكنسن الخيش، فَلَمَّا فرغن من ذَلِك فرشنه، وعبي فِيهِ مجْلِس الشَّرَاب. وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ المقتدر بِاللَّه، وعدة جواري، فَجَلَسَ وجلسن وَأخذ الْجَوَارِي فِي الْغناء، وَأَنا أسمع ذَلِك كُله، وروحي تكَاد تخرج، فَإِذا أعييت، نزلت فَجَلَست فِي أَرض البادهنج، فَإِذا استرحت، وَخفت أَن يفْطن بِي، عدت فتسلقت، إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ عَن للمقتدر أَن جذب إِلَيْهِ حظيته الَّتِي هِيَ صَاحِبَة تِلْكَ الدَّار، فَانْصَرف بَاقِي الْجَوَارِي، وخلا الْموضع، فواقع المقتدر بِاللَّه الْجَارِيَة، وَأَنا أسمع حركتهما وكلامهما، ثمَّ نَامَا فِي مكانهما، وَلَا سَبِيل لي إِلَى النّوم لَحْظَة وَاحِدَة، لما أقاسي من الْخَوْف. ففكرت فِي أَن أخرج وأصعد إِلَى بعض السطوح، ثمَّ علمت أَنِّي إِن فعلت ذَلِك، تعجلت الْقَتْل، وَلم يجز أَن أنجو. فَلم تزل حَالي تِلْكَ إِلَى أَن انتبه المقتدر بِاللَّه فِي السحر، وَخرج من الْموضع.

стр. 460

فَلَمَّا كَانَ من غَد نصف النَّهَار، جَاءَ عريف آخر من الفراشين، وَمَعَهُ رِجَاله، فرشوا الخيش، فَخرجت فاختلطت بهم. فَقَالُوا: أيش تعْمل هَهُنَا؟ فأومأت إِلَيْهِم بِالسُّكُوتِ، وَقلت: الله، الله، فِي دمي، فَإِن حَدِيثي طَوِيل، فتذمموا أَن يفضحوني. وَقَالَ بَعضهم: مَا بَال لحيتك قد شابت؟ فَقلت: لَا أعلم، وَأخذت مَاء من قربَة بَعضهم، فرطبت بِهِ قربتي، وَخرجت بخروجهم. فَلَمَّا صرت فِي مَوضِع من دَار الْخَلِيفَة، وَقعت مغشيا عَليّ، وركبتني حمى عَظِيمَة وَذهب عَقْلِي، فَحَمَلَنِي الفراشون إِلَى منزلي، وَأَنا لَا أَعقل، فأقمت مبرسما مُدَّة طَوِيلَة. وَقد كنت عَاهَدت الله تَعَالَى، وَأَنا فِي البادهنج، إِن هُوَ خلصني، أَن لَا أخدم أحدا أبدا، وَلَا أشْرب النَّبِيذ، وأقلعت عَن أَشْيَاء تبت مِنْهَا. فَلَمَّا تفضل الله تَعَالَى بالعافية، وفيت بِالنذرِ، وبعت أَشْيَاء كَانَت لي، وضممتها إِلَى دَرَاهِم كَانَت عِنْدِي، ولزمت دكانا لحميي أتعلم فِيهِ التِّجَارَة مَعَه، وأتجر، وَتركت الدَّار، فَمَا عدت إِلَيْهَا إِلَى الْآن، وَلَا أَعُود أبدا إِلَى خدمَة النَّاس، وَلَا أنقض مَا تبت مِنْهُ. قَالَ: وَرَأَيْت لحيته وَقد كثر فِيهَا الشيب.

стр. 461

ابْن الْفُرَات يصفح عَمَّن أَسَاءَ إِلَيْهِ حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، لما ولي الوزارة الأولى، وجد سُلَيْمَان بن الْحسن يتقلد مجْلِس الْمُقَابلَة فِي ديوَان الْخَاصَّة، من قبل عَليّ بن عِيسَى، والديوان كُله، إِذْ ذَاك، إِلَى عَليّ بن عِيسَى، فقلد أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، سُلَيْمَان، الدِّيوَان بأسره، فَأَقَامَ يتقلده نَحْو سنتَيْن. فَقَامَ لَيْلَة فِي دَار ابْن الْفُرَات يُصَلِّي الْمغرب، فَسَقَطت من كمه رقْعَة، فرآها بعض من حضر، فَأَخذهَا، وَلم يفْطن لَهَا سُلَيْمَان، وَقرأَهَا فَوَجَدَهَا سِعَايَة، بِخَطِّهِ، بِابْن الْفُرَات وأسبابه، إِلَى المقتدر بِاللَّه، وسعيا لِابْنِ عبد الحميد، كَاتب السيدة، فِي الوزارة فتقرب بهَا إِلَى ابْن الْفُرَات، فَقبض على سُلَيْمَان فِي الْوَقْت، وأنفذه فِي زورق مطبق إِلَى وَاسِط، فحبسه بهَا، وصادره، وعذبه، فَكَانَ فِي الْعَذَاب دهرا، وأيس مِنْهُ، فَبلغ ابْن الْفُرَات، أَن أم سُلَيْمَان بن الْحسن قد مَاتَت بِبَغْدَاد، وَأَنَّهَا كَانَت

стр. 462

تتمنى رُؤْيَته قبل مَوتهَا، فَاغْتَمَّ لذَلِك، وتذكر الْمَوَدَّة بَينه وَبَين أَبِيه الْحسن بن مخلد، فَبَدَأَ، وَكتب إِلَيْهِ بِخَطِّهِ كتابا، أَقْرَأَنِيهِ سُلَيْمَان بن الْحسن بعد سِنِين كَثِيرَة من تِلْكَ الْحَال، فحفظته، ونسخته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: ميزت، أكرمك الله، بَين حَقك وجرمك، فَوجدت الْحق يُوفي على الجرم، وتذكرت من سالف حرمتك، فِي الْمنَازل الَّتِي فِيهَا ربيت، وَبَين أَهلهَا غذيت، مَا ثناني إِلَيْك، وعطفني عَلَيْك، وأعادني لَك إِلَى أفضل مَا عهِدت، وأجمل مَا ألفت، فثق، أكرمك الله، بذلك، وأسكن إِلَيْهِ، وعول فِي صَلَاح مَا اخْتَلَّ من أَمرك عَلَيْهِ، وَاعْلَم أَنِّي أراعي فِيك حُقُوق أَبِيك، الَّتِي تقوم بتوكيد السَّبَب، مقَام اللحمة وَالنّسب، وتسهل مَا عظم من جنايتك، وتقلل مَا كثر من إساءتك، وَلنْ أدع مراعاتها والمحافظة عَلَيْهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقد قلدتك أَعمال دستميسان لسنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وبقايا مَا قبلهَا، وكتبت إِلَى أَحْمد بن مُحَمَّد بن حبش، بِحمْل عشرَة آلَاف دِرْهَم إِلَيْك، فتقلد هَذِه الْأَعْمَال، وَأثر فِيهَا أثرا جميلا يبين عَن كفايتك وَيُؤَدِّي إِلَى مَا أبغيه من زيادتك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 463

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: أَحْمد بن حبش هَذَا، كَانَ وَكيل ابْن الْفُرَات فِي ضيَاعه بواسط.

стр. 464

أَرَادَ أَن يسير بسيرة الْحجَّاج فَقَتَلُوهُ وجدت فِي بعض الْكتب: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ولى مُحَمَّد بن يزِيد، مولى الْأَنْصَار إفريقية، فَكَانَ حسن السِّيرَة فِيهَا، فَلَمَّا مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز، وَولي يزِيد بن عبد الْملك الْأَمر، صرفه، وَولى يزِيد ابْن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج بن يُوسُف. فَلَمَّا ورد يزِيد إفريقية، حبس مُحَمَّد بن يزِيد، وتسلط عَلَيْهِ، وطالبه بأموال لم تكن عِنْده.

стр. 465

ثمَّ إِن يزِيد بن أبي مُسلم أجمع أَن يصنع بِأَهْل إفريقيه، مثل مَا صنع الْحجَّاج بن يُوسُف بِأَهْل الْعرَاق، فِي رده من من الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، إِلَى بدله ورستاقه، وَأَخذهم بالخراج، فَبلغ ذَلِك أهل إفريقية، فتراسلوا فِي قَتله، وتساعوا فِيهِ سرا حَتَّى تمّ لَهُم أَمرهم، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَتَلُوهُ، وَقد سجد، وَجَاءُوا إِلَى حَبسه، فأخرجوا مُحَمَّد بن يزِيد، فَردُّوهُ إِلَى الْإِمَارَة، وَكَتَبُوا إِلَى يزِيد بن عبد الْملك: إِنَّا لم نخلع يدا من طَاعَة، وَلَكِن يزِيد ابْن أبي مُسلم سامنا مَا لَا يرضى بِهِ الله ، وَلَا الْمُسلمُونَ، من كَيْت وَكَيْت، فقتلناه، وولينا مُحَمَّد بن يزِيد، ووصفوا جميل سيرته. فَكتب إِلَيْهِم يزِيد: إِنِّي لم أَرض مَا صنع يزِيد ابْن أبي مُسلم، وَقد أمرت مُحَمَّدًا عَلَيْكُم. وَقد مضى هَذَا الْخَبَر بروايات غير هَذِه الرِّوَايَة، وسياقة غير هَذِه السِّيَاقَة، فِيمَا تقدم من هَذَا الْكتاب.

стр. 466

فتْنَة تثور بِبَغْدَاد فتفرج عَن بَرِيء مَحْبُوس حَدثنِي البهلول بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ، الْوَكِيل على أَبْوَاب الْقُضَاة بِبَغْدَاد، وَيعرف بالناقد،

стр. 467

قَالَ: كنت أقيم خبر المحبسين فِي المطبق بِمَدِينَة السَّلَام، فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه، فَرَأَيْت فِي المطبق رجلا مغلولا، على ظَهره لبنة من حَدِيد، فِيهَا سِتُّونَ رطلا، فَسَأَلته عَن قصَّته، فَقَالَ: أَنا وَالله مظلوم. فَقلت لَهُ: كَيفَ كَانَ أَمرك؟ قَالَ: كنت لَيْلَة من اللَّيَالِي، فِي دَعْوَة صديق لي بسوق يحيى، فَخرجت من عِنْده مغلسا، وَفِي الْوَقْت فضل وَأَنا لَا أعلم، فَلَمَّا صرت فِي قِطْعَة من الشَّارِع، فَإِذا مشاعل الطَّائِف، فرهبته، وَلم أدر مَا أعمل، فَرَأَيْت شريجة مشوشة،

стр. 468

ففتحتها، وَدخلت، ورددتها كَمَا كَانَت، وَقمت فِي الدّكان، ليجوز الطَّائِف وَأخرج. وَبلغ الطَّائِف الْموضع، فَرَأى الشريجة مشوشة، فَقَالَ: فتشوا هَذِه الدّكان، فَدخلت الرجالة بمشعل، رَأَيْت فِي ضوئه رجلا فِي أَرض الدّكان مذبوحا، على صَدره سكين، فَجَزِعت. فَرَأى الرجالة ذَلِك الرجل، ورأوني قَائِما، فَلم يشكوا فِي أَنِّي الْقَاتِل. فأخذني صَاحب الشرطة فحبسني، ثمَّ عرضت فَضربت ضربا شَدِيدا، وعوقبت أصنافا من الْعُقُوبَات، وَأَنا أنكر، وَعِنْدهم أَنِّي أتجلد، وهم يزيدونني، فَاجْتمع أَهلِي، وَكَانَت لَهُم شعب بِأَسْبَاب السُّلْطَان، فتكلموا فِي واستشهدوا خلقا كثيرا على سيرتي، فَبعد شَدَائِد ألوان، أعفيت من الْقَتْل، ونقلت إِلَى المطبق وثقلت بِهَذَا الْحَدِيد، وَتركت على هَذِه الصُّورَة مُنْذُ سِتّ عشرَة سنة ٩٨ م. قَالَ: فاستعظمت محنته، وبهت من حَدِيثه، فَقَالَ: مَا لَك، وَالله مَا آيس مَعَ هَذَا من فضل الله ، فَإِن من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرجا. قَالَ: فوَاللَّه، مَا خرج كَلَامه من فِيهِ، حَتَّى ارْتَفَعت ضجة عَظِيمَة، وَكسر الْحَبْس، ووصلت الْعَامَّة إِلَى المطبق ومطاميره وأخرجوا كل من هُنَاكَ، وَخرج الرجل فِي جُمْلَتهمْ. وانصرفت وَأَنا أُرِيد منزلي، وَإِذا نازوك قد قتل، والفتنة قد ثارت، وَفرج الله عَن الرجل، وَعَن جَمِيع أهل الحبوس.

стр. 469

الصدفة تنجي عَامل كوثى من الْقَتْل وَبَلغنِي عَن رجل من أهل كوثى، قَالَ: كَانَ يتقلد بلدنا رجل عَامل من قبل أبي الْحسن بن الْفُرَات، فِي بعض وزاراته، فَافْتتحَ الْخراج وَاشْتَدَّ فِي الْمُطَالبَة. وَكَانَ فِي أَطْرَاف الْبَلَد قوم من الْعَرَب قد زرعوا من الأَرْض مَا لَا يتجاسر الأكرة على زراعته، وَكَانَ الْعمَّال يسامحونهم بِبَعْض مَا يجب عَلَيْهِم من الْخراج. فطالبهم هَذَا الْعَامِل بالخراج على التَّمام أُسْوَة بالأكرة، وأحضر أحدهم فحقق عَلَيْهِ الْمُطَالبَة، وَهُوَ مُمْتَنع، فَأمر بصفعه، فصفع حَتَّى أدّى الْخراج، وَانْصَرف، فَشَكا إِلَى بني عَمه، فتوافقوا على كبس الْعَامِل لَيْلًا، وَقَتله، وراسلوا فِي ذَلِك غَيرهم من الْعَرَب، واتعدوا لليلة بِعَينهَا. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي تليه تِلْكَ اللَّيْلَة، ورد إِلَى النَّاحِيَة عَامل آخر، صارفا للْأولِ، فَقبض عَلَيْهِ، وصفعه، وضربه بالمقارع، وَأخذ خطه بِمَال، وَقَيده، وَأمر بِأَن يحمل إِلَى قَرْيَة أُخْرَى على فراسخ من الْبَلَد، فحبس فِيهَا، ووكل بِهِ عشرَة من الرجالة، وسيره مرّة مَاشِيا، وَمرَّة على حمَار من حمير الشوك، فكاد مِمَّا لحقه أَن يتْلف، وَحصل فِي تِلْكَ الْقرْيَة. وَكَانَ لَهُ غُلَام قد رباه، وَهُوَ خصيص بِهِ، عَارِف بِجَمِيعِ أُمُوره، فهرب عِنْد وُرُود الصَّارِف، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، لم يشْعر المصروف الْمَحْبُوس إِلَّا بغلامه الَّذِي رباه قد دخل عَلَيْهِ، وَكَانَ مَجِيئه إِلَيْهِ أَشد عَلَيْهِ من جَمِيع مَا لحقه إشفاقا

стр. 470

على الْغُلَام، وعَلى نَفسه مِمَّا يعرفهُ الْغُلَام، أَن يكون قد دلّ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: وَيحك، وَقعت فِي أَيْديهم؟ فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: من هم؟ هَات رجلك حَتَّى أكسر قيودك، وَتقوم فَتدخل بَغْدَاد. فَقَالَ لَهُ: وَأَيْنَ الرجالة الموكلون بِي؟ فَقَالَ: يَا مولَايَ قد فرج الله عَنْك، وهربت الرجالة. قَالَ: فَمَا السَّبَب؟ قَالَ: إِن الْأَعْرَاب الَّذين كنت صفعت مِنْهُم وَاحِدًا، وطالبتهم بالخراج، كبسوا البارحة دَار العمالة، وَعِنْدهم أَنَّك أَنْت الْعَامِل، وَكَانُوا قد عمِلُوا على قَتلك، وَلم يكن عِنْدهم خبر صرفك، وَلَا خبر وُرُود هَذَا الْعَامِل، فَقَتَلُوهُ على أَنه أَنْت، وَقد هرب أَصْحَابه، وَأهل الْبَلَد كَافَّة، فَقُمْ حَتَّى نمشي إِلَى بَغْدَاد، لَا يبلغهم خبر كونك هُنَا، فيقصدوك، ويقتلوك. فَكسر الْقَيْد، وَقَامَ هُوَ وَغُلَامه، يمشيان على غير جادة، إِلَى أَن بعدا، ودخلا قَرْيَة، واستأجرا مِنْهَا مَا ركبا إِلَى بَغْدَاد. وَلَقي المصروف الْوَزير، وشنع على الْمَقْتُول، وَقَالَ: قد أفسد النَّاحِيَة، وأثار فتْنَة مَعَ الْعَرَب، فأقره الْوَزير على النَّاحِيَة، وَضم إِلَيْهِ جَيْشًا. فَعَاد إِلَى كوثى، وتحصن بالجيش، وساس أمره مَعَ الْعَرَب، إِلَى أَن صَالحهمْ، وَحط لَهُم من الْخراج عَمَّا كمان طالبهم بِهِ، وأجرى أَمرهم على رسومهم، وَسَكنُوا إِلَيْهِ وَسكن إِلَيْهِم، وَزَالَ خَوفه واستقام لَهُ أَمر عمله.

стр. 471

الْأمين يغاضب عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ثمَّ يرضى عَنهُ أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: أَنبأَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: قَالَ: حَدثنِي هبة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، عَن أَبِيه، قَالَ: غضب عَليّ الْأمين فِي بعض هناته، فسلمني إِلَى كوثر الْخَادِم، فحبسني فِي سرداب، وأغلقه عَليّ، فَمَكثت فِيهِ لَيْلَتي. فَلَمَّا أَصبَحت، إِذا أَنا بشيخ قد خرج عَليّ من زَاوِيَة السرداب، فَدفع إِلَيّ وسطا، فَأكلت، ثمَّ أخرج إِلَيّ قنينة شراب، فَشَرِبت، وَقَالَ: غن لي:

стр. 472

لي مُدَّة لَا بُد أبلغهَا ... فَإِذا انْقَضتْ أَيَّامهَا مت لَو ساورتني الْأسد ضارية ... لغلبتها مَا لم يجي الْوَقْت فغنيته، وسمعني كوثر، فَصَارَ إِلَى مُحَمَّد الْأمين، فَقَالَ لَهُ: قد جن عمك، هُوَ جَالس يُغني بَكَيْت وَكَيْت. فَأمر بإحضاري، فَحَضَرت، وأخبرته بالقصة، فَرضِي عني، وَأمر لي بِسبع مائَة ألف دِرْهَم.

стр. 473

يتخلصون من المحنة بأيسر الْأَسْبَاب أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: أَخْبرنِي النوري الصُّوفِي، قَالَ: لما كَانَت المحنة، ورميت أَنا وَجَمَاعَة من الصُّوفِيَّة بالْكفْر، أَخذنَا، فأودعنا المطبق أَيَّامًا، ثمَّ عرضنَا على ابْن الشاه، وَكَانَ الْوَالِي، وأغري بسفك دمائنا، فَعمل على ذَلِك، وأخرجنا للمسائلة، وترديد الْعَذَاب، وإمراره علينا قبل الْقَتْل، وَكُنَّا تعاقدنا أَن لَا نتكلم حَتَّى يكفينا صَاحب الْأَمر. فَقَالَ للرقام: أَنْت الْقَائِل: إِن قولي بِسم الله، لجة من نور؟ قَالَ: فَسكت، على العقد. وَحضر من ذَوي الأقدار والمنزلة من استعطف ابْن الشَّاة علينا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بالتوقف فِي أمرنَا، وَالزِّيَادَة فِي استيضاح مَا قرفنا بِهِ. فَقَالَ ابْن الشَّاة للرقام: أَنْت صوفي، ولعلك تأولت قَوْلك: بِسم الله نورا، وقولك: الْحَمد لله، بعد فراغك نورا. فصاح الرقام صَيْحَة عَظِيمَة: لحنت أَيهَا الْأَمِير. قَالَ النوري: فوَاللَّه لقد أضحكني على مَا بِي.

стр. 474

فَقَالَ لَهُ الْأَمِير: قد صرت تنظر فِي النَّحْو بعدِي، حَتَّى صرت تعرف اللّحن من الصَّوَاب؟ فَقَالَ لَهُ: حاشاك أَيهَا الْأَمِير من اللّحن الَّذِي هُوَ الْخَطَأ، وَإِنَّمَا عنيت بِقَوْلِي لحنت، أَي: فطنت، بِمَعْنى الصُّوفِيَّة. فَقَالَ ابْن الشاه: فِي الدُّنْيَا أحد يَرْمِي مثل هَذَا وَأَضْرَابه بالزندقة؟ وَأمر بتخلية سبيلنا. فتخلصنا مِمَّا كُنَّا فِيهِ، وَمِمَّا نحاذره، وكفينا بأضعف الْأَسْبَاب وأيسرها.

стр. 475

عبد الله بن طَاهِر يُطلق الطوسي من حَبسه حبس عبد الله بن طَاهِر، مُحَمَّد بن أسلم الطوسي، فَكتب إِلَيْهِ بعض إخوانه يعزيه عَن مَكَانَهُ. فَأَجَابَهُ: كتبت إِلَيّ تعزيني، وَإِنَّمَا كَانَ يجب أَن تهنيني، أريت الْعَجَائِب، وَعرضت عَليّ المصائب، إِنِّي رَأَيْت الله تَعَالَى يتحبب إِلَى من يُؤْذِيه، فَكيف من يُؤْذى فِيهِ، إِنِّي نزلت بَيْتا سَقَطت فِيهِ عني فروض وَحُقُوق، مِنْهَا الْجُمُعَة، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وعيادة الْمَرِيض، وَقَضَاء حُقُوق الإخوان، وَمَا نزلت بَيْتا خيرا لي فِي ديني مِنْهُ. فَأخْبر بذلك ابْن طَاهِر، فَقَالَ: نَحن فِي حَاجَة إِلَى ابْن أسلم، أَطْلقُوهُ، فأفرج عَنهُ.

стр. 476

الْمَأْمُون يغْضب على فرج الرخجي ثمَّ يرضى عَنهُ، ويقلده فَارس والأهواز وَكَانَ الْمَأْمُون قد غضب على فرج الرخجي، فَكَلمهُ عبد الله بن طَاهِر، ومسرور الْخَادِم، فِي إِطْلَاقه. قَالَ فرج: فَبت لَيْلَتي، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ لي: لما أَتَى فرجا من ربه فرج جِئْنَا إِلَى فرج نبغي بِهِ الفرجا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، لم أشعر إِلَّا واللواء قد عقد لي على ولَايَة فَارس والأهواز، وَأطلق لي خمس مائَة ألف دِرْهَم مَعُونَة. فَإِذا أَبُو الينبغي الشَّاعِر على الْبَاب، وَقد كتبت هَذَا الْبَيْت فِي رقْعَة. فَقلت لَهُ: مَتى قلته؟ قَالَ لي: البارحة، فِي الْوَقْت الَّذِي رَضِي عَنْك فِيهِ. فَأمرت لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.

стр. 477

مَحْبُوس يتحدث عَن هَلَاك الْحجَّاج قَالَ عمَارَة بن عقبَة، من آل سلمى بن المهير، حَدثنِي ملازم بن حرَام الْحَنَفِيّ، عَن عَمه ملازم بن قريب الْحَنَفِيّ، قَالَ: كنت فِي حبس الْحجَّاج بِسَبَب الحرورية، فحبس مَعنا رجل، فَأَقَامَ حينا لَا نَسْمَعهُ يتَكَلَّم بِكَلِمَة. حَتَّى كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ الْحجَّاج فِي اللَّيْلَة الَّتِي تليه، أقبل غراب فِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم، فَوَقع على حَائِط السجْن، فنعق. فَقَالَ لَهُ الرجل: وَمن يقدر على مَا تقدر عَلَيْهِ يَا غراب؟ ثمَّ نعق الثَّانِيَة، فَقَالَ: مثلك من بشر بِخَير، يَا غراب. ونعق الثَّالِثَة، فَقَالَ لَهُ: من فِيك إِلَى السَّمَاء يَا غراب. فَقُلْنَا لَهُ: مَا سمعناك تَكَلَّمت مُنْذُ حبست إِلَى السَّاعَة، فَمَا دعَاك إِلَى مَا قلت؟ فَقَالَ: إِنَّه نعق الأولى، فَقَالَ: وَقعت على ستْرَة الْحجَّاج.

стр. 478

فَقلت: وَمن يقدر على مَا تقدر عَلَيْهِ؟ ثمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَة: إِن الْحجَّاج وجع. فَقلت: مثلك من بشر بِخَير. ثمَّ نعق الثَّالِث، فَقَالَ: اللَّيْلَة يَمُوت الْحجَّاج. فَقلت: من فِيك إِلَى السَّمَاء. ثمَّ قَالَ: إِن انبلج الصُّبْح قبل أَن أخرج، فَلَيْسَ عَليّ بَأْس، وَإِن دعيت قبل الصُّبْح، فستضرب عنقِي، ثمَّ تلبثون ثَلَاثًا لَا يدْخل عَلَيْكُم أحد، ثمَّ يستدعى بكم فِي الْيَوْم الرَّابِع فتطالبون بالكفلاء، فَمن وجد لَهُ كَفِيلا، خلي سَبيله، وَمن لم يُوجد لَهُ كَفِيل، فَلهُ ويل طَوِيل. فَلَمَّا دخل اللَّيْل سمعنَا الصُّرَاخ على الْحجَّاج، وَأخذ الرجل قبل الصُّبْح فَضربت عُنُقه، ثمَّ لم يدْخل علينا أحد ثَلَاثَة أَيَّام. فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع استدعينا، فَطلب منا الكفلاء، حَتَّى صَار الْأَمر إِلَيّ، فَلم يكن لي كَفِيل. فَمَكثت طَويلا حَتَّى خفت أَن أرد إِلَى الْحَبْس، فَتقدم رجل فضمنني. فَقلت لَهُ: من أَنْت يَا عبد الله، حَتَّى أشكرك. فَقَالَ: اذْهَبْ، فلست بمسئول عَنْك أبدا. فَانْطَلَقت.

стр. 479

يحسن إِلَى كَاتب بغا الْكَبِير على غير معرفَة مِنْهُ لَهُ وَقَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الإسكافي: كنت أكتب لبغا الْكَبِير، فصرفني، ونكبني، وَأخذ مَالِي وضياعي، وحبسني بعد ذَلِك، وتهددني، ونالني مِنْهُ كل مَكْرُوه. فَإِنِّي لفي حَبسه، إِذْ سَمِعت حَرَكَة، فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل لي: قد وافى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، صَاحب الشرطة. فَقلت: إِنَّمَا حضر لعقوبتي، فطارت نَفسِي جزعا. فَلم ألبث أَن دعيت، فَحملت إِلَيْهِ فِي قيودي، وَعلي ثِيَاب فِي نِهَايَة الْوَسخ، فأدخلت عَلَيْهِ كالميت لما بِي ولعظيم الْخَوْف، فَلَمَّا وَقعت عين إِسْحَاق عَليّ، تَبَسم، فسكنت نَفسِي. فَقَالَ لي بغا: إِن أخي أَبَا الْعَبَّاس، يَعْنِي: عبد الله بن طَاهِر، كتب إِلَيّ يشفع فِي أَمرك، وَقد شفعته، وأزلت عَنْك الْمُطَالبَة، ورضيت عَنْك، ورددت عَلَيْك ضياعك، فَانْصَرف إِلَى مَنْزِلك. فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا، لعظم مَا ورد على قلبِي من السرُور، ففكت قيودي، وغيرت حَالي، وانصرفت. فَبت لَيْلَتي، وبكرت فِي السحر إِلَى إِسْحَاق لأشكره، وأسأله عَمَّا أوجب

стр. 480

مَا جرى؛ لِأَنَّهُ شَيْء مَا طمعت فِيهِ، وَلَا كَانَت لي وَسِيلَة إِلَى أبي الْعَبَّاس وَلَا إِسْحَاق، فَلَقِيته، وشكرته، ودعوت لَهُ وَلأبي الْعَبَّاس، وَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك. فَقَالَ: ورد عَليّ كتاب الْأَمِير أبي الْعَبَّاس يَقُول: قد كَانَت كتب أبي مُوسَى بغا ترد عَليّ بمخاطبات توجب الْأنس والخلطة، وَتلْزم الشُّكْر والْمنَّة، ثمَّ تَغَيَّرت فبحثت عَن السَّبَب، فَعلمت أَن ذَلِك الْكَاتِب صرف، وَأَنه منكوب، وَحقّ لمن أحسن عشرتنا، ووكد الْمحبَّة بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا، حَتَّى بَان لنا موقعه، وعرفنا مَوْضِعه لما صرف، أَن نرعى حَقه، فصر، أبقاك الله، إِلَى أخي أبي مُوسَى، وسله فِي أَمر كَاتبه المصروف، عني، واستصفحه عَمَّا فِي نَفسه مِنْهُ، واستطلقه، وسله رده إِلَى كتبته، وَإِن كَانَ مَا يُطَالِبهُ بِهِ مِمَّا لَا ينزل عَنهُ، فأده عَنهُ من مالنا، كَائِنا مَا كَانَ. فَلَقِيته، فَفعل مَا رَأَيْت، وَأَنا أعاود الْخطاب فِي استكتابك، وَقد أَمر لَك الْأَمِير بِكَذَا وَكَذَا، من المَال، فَخذه. فَأَخَذته، وشكرته، ودعوت للأميرين، وانصرفت. فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام، حَتَّى ردني إِسْحَاق إِلَى كِتَابَة بغا بشفاعة أبي الْعَبَّاس، وَرجعت حَالي ونعمتي.

стр. 481

كَيفَ تخلص عمر بن هُبَيْرَة من السجْن حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي سُلَيْمَان بن أبي شيخ، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن زِيَاد، قَالَ: كَانَ عمر بن هُبَيْرَة، واليا على الْعرَاق، ولاه يزِيد بن عبد الْملك، فَلَمَّا مَاتَ يزِيد بن عبد الْملك، واستخلف هِشَام، قَالَ عمر بن هُبَيْرَة: سيولي هِشَام الْعرَاق، أحد الرجلَيْن، سعيدا الْحَرَشِي،

стр. 482

أَو خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، فَإِن ولى ابْن النَّصْرَانِيَّة، خَالِدا، فَهُوَ الْبلَاء. فولى هِشَام خَالِدا الْعرَاق، فَدخل واسطا، وَقد أذن عمر بِالصَّلَاةِ، وَقد تهَيَّأ، واعتم، وَبِيَدِهِ الْمرْآة يُسَوِّي عمَامَته، إِذْ قيل لَهُ: هَذَا خَالِد قد دخل، فَقَالَ عمر: هَكَذَا تقوم السَّاعَة، تَأتي بَغْتَة. فَتقدم خَالِد، وَأخذ عمر بن هُبَيْرَة، فقيده، وَألبسهُ مدرعة صوف، فَقَالَ لَهُ: يَا خَالِد، بئس مَا سننت على أهل الْعرَاق، أما تخَاف أَن تصرف فتبتلى بِمثل هَذَا؟ فَلَمَّا طَال حَبسه، جَاءَ موَالِيه، واكتروا دَارا بِجَانِب الْحَبْس، ثمَّ نقبوا مِنْهَا سربا إِلَى الْحَبْس، واكتروا دَارا إِلَى جَانب سور الْمَدِينَة، مَدِينَة وَاسِط، فَلَمَّا جَاءَت اللَّيْلَة الَّتِي أَرَادوا أَن يخرجوه فِيهَا من الْحَبْس، وَقد أفْضى النقب إِلَى الْحَبْس، فَأخْرج فِي السرب، ثمَّ خرج من الدَّار يمشي، حَتَّى بلغ الدَّار الَّتِي إِلَى جَانب السُّور، وَقد نقب فِي السُّور نقب إِلَى خَارج الْمَدِينَة، وَقد هيأت لَهُ خيل، فَركب وَسَار، وَعلم بِهِ بعد مَا أَصْبحُوا، وَقد كَانَ أظهر عِلّة قبل ذَلِك ليمسكوا عَن تفقده فِي كل وَقت. فَأتبعهُ خَالِد، سعيد الْحَرَشِي، فَلحقه، وَبَينه وَبَين الْفُرَات شَيْء يسير، فتعصب لَهُ وَتَركه.

стр. 483

فَقَالَ الفرزدق فِي ذَلِك: وَلما رَأَيْت الأَرْض قد سد ظهرهَا ... وَلم يبْق إِلَّا بَطنهَا لَك مخرجا دَعَوْت الَّذِي ناداه يُونُس بعد مَا ... ثوى فِي ثَلَاث مظلمات ففرجا خرجت وَلم يمنن عَلَيْك سفاهة ... سوى زَائِد التَّقْرِيب من آل أعوجا فَأَصْبَحت تَحت الأَرْض قد سرت لَيْلَة ... وَمَا سَار سارٍ مثلهَا حِين أدلجا قَالَ سُلَيْمَان بن أبي شيخ: فَحَدثني ابْن أبي خيرة، عَن أبي الحبحاب،

стр. 484

قَالَ: حَدثنِي خازم، مولى ابْن هُبَيْرَة، قَالَ: كنت مَعَ عمر بن هُبَيْرَة حِين هرب من السجْن، فسرنا حَتَّى بلغنَا دمشق، بعد الْعَتَمَة، فَأتى مسلمة بن عبد الْملك، فأجاره، وأنزله مَعَه فِي بَيته، وَصلى مسلمة خلف هِشَام الصُّبْح. فَلَمَّا دخل هِشَام دَاره اسْتَأْذن عَلَيْهِ مسلمة، فَأذن لَهُ، فَدخل. فَقَالَ لَهُ هِشَام: يَا أَبَا سعيد، أَظن ابْن هُبَيْرَة قد طرقك اللَّيْلَة. قَالَ: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقد أجرته، فهبه لي. قَالَ: قد وهبته لَك.

стр. 485

كَيفَ تخلص قيسبة بن كُلْثُوم من أسره أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْقرشِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: ذكر ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: خرج قيسبة بن كُلْثُوم السكونِي، وَكَانَ ملكا، يُرِيد الْحَج، وَكَانَت الْعَرَب تحج فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَا يعرض بَعْضهَا لبَعض. فَمر ببني عَامر بن عقيل، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ، وأسروه، وَأخذُوا مَاله، وكل مَا كَانَ مَعَه، وألقوه فِي الْقد، فَمَكثَ فِيهِ ثَلَاث سِنِين، وشاع فِي الْيمن، أَن الْجِنّ استطارته. فَبَيْنَمَا هُوَ فِي يَوْم شَدِيد الْبرد، فِي بَيت عَجُوز مِنْهُم، آيس من الْفرج،

стр. 486

إِذْ قَالَ لَهَا: أَتَأْذَنِينَ لي أَن آتِي الأكمة، فأتشرق عَلَيْهَا؟ فقد أضرّ بِي الْبرد. فَقَالَت لَهُ: نعم، وَكَانَت عَلَيْهِ جُبَّة حبرَة، لم يتْرك عَلَيْهِ غَيرهَا. فَمشى فِي قيوده حَتَّى صعد الأكمة، ثمَّ أقبل يضْرب ببصره نَحْو الْيمن، وتغشاه عِبْرَة، فَبكى، ثمَّ رفع طرفه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاء فرج لي مِمَّا أَصبَحت فِيهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك، إِذْ عرض لَهُ رَاكب يسير، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن أقبل، فَأقبل عَلَيْهِ الرَّاكِب، فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك؟ قَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيد الْيمن. قَالَ: وَمن أَنْت؟ قَالَ: أَبُو الطمحان القيني، فاستعبر قيسبة. فَقَالَ أَبُو الطمحان: من أَنْت؟ فَإِنِّي أرى عَلَيْك سِيمَا الْخَيْر ولباس الْمُلُوك، وَأَنت بدار لَيْسَ فِيهَا ملك. فَقَالَ: أَنا قيسبة بن كُلْثُوم السكونِي، خرجت عَام كَذَا وَكَذَا حَاجا، فَوَثَبَ عَليّ أهل هَذَا الْحَيّ، وصنعوا بِي مَا ترى وكشف لَهُ عَن أغلاله وقيوده، فاستعبر لَهُ أَبُو الطمحان. فَقَالَ لَهُ قيسبة: هَل لَك فِي مائَة نَاقَة حَمْرَاء؟ قَالَ: مَا أحوجني إِلَى ذَلِك.

стр. 487

قَالَ: أنخ، فَأَنَاخَ. ثمَّ قَالَ: أَمَعَك سكين؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ارْفَعْ لي عَن رحلك، فَرفع لَهُ عَن رَحْله، حَتَّى بدا خشب مُؤخر الرحل. فَكتب عَلَيْهِ بالمسند، وَلَيْسَ يكْتب بِهِ غير أهل الْيمن: بلغن كِنْدَة الْمُلُوك جَمِيعًا ... حَيْثُ سَارَتْ بالأكرمين الْجمال أَن ردوا الْخَيل بالخميس عجالا ... واصدروا عَنهُ والروايا ثقال هزئت جارتي وَقَالَت عجيبا ... إِذْ رأتني فِي جيدي الأغلال إِن تريني عاري الْعِظَام أَسِيرًا ... قد براني تضعضع واختلال فَلَقَد أقدم الكتيبة بِالسَّيْفِ ... عَليّ السِّلَاح والسربال وَكتب تَحت الشّعْر إِلَى أَخِيه، أَن يدْفع لأبي الطمحان مائَة نَاقَة حَمْرَاء، ثمَّ قَالَ لَهُ: أَقْْرِئ هَذَا قومِي، فَإِنَّهُم سيعطونك مائَة نَاقَة حَمْرَاء. فَخرج تسير بِهِ نَاقَته، حَتَّى أَتَى حَضرمَوْت، فتشاغل بِمَا ورد لَهُ، وَنسي أَمر قيسبة، حَتَّى فرغ من حَوَائِجه. ثمَّ سمع نسْوَة من عَجَائِز الْيمن، يتذاكرن قيسبة، ويبكين، فَذكر أمره، فَأتى أَخَاهُ الجون بن مَالك، وَهُوَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأمه، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَنا أدلك على قيسبة، وَقد جعل لي مائَة نَاقَة حَمْرَاء. فَقَالَ: هِيَ لَك.

стр. 488

فكشف لَهُ عَن الرحل، فَلَمَّا قَرَأَهُ الجون بن مَالك، أَمر لَهُ بِمِائَة نَاقَة حَمْرَاء، ثمَّ أَتَى قيس بن معدي كرب الْكِنْدِيّ، أَبَا الأشعب بن قيس، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِن أخي فِي بني عَامر بن عقيل أَسِيرًا، فسر معي بقومك لنخلصه. فَقَالَ لَهُ قيس: تسير تَحت لِوَائِي، حَتَّى أطلب ثأرك وأنجدك، وَإِلَّا فَامْضِ راشدا. فَقَالَ لَهُ الجون: مس السَّمَاء أيسر من ذَلِك، وأهون عَليّ مِمَّا جِئْت بِهِ. فضجت السّكُون، ثمَّ فاءوا، وَرَجَعُوا، وَقَالُوا لَهُ: وَمَا عَلَيْك من هَذَا؟ هُوَ ابْن عمك، وَيطْلب لَك بثأرك، فأنعم لَهُ بذلك. وَسَار قيس، وَسَار مَعَه الجون تَحت لوائه، وَكِنْدَة والسكون مَعَه، فَهُوَ أول يَوْم اجْتمعت فِيهِ السّكُون وَكِنْدَة لقيس وَبِه أدْرك الشّرف، فَسَار حَتَّى أوقع ببني عَامر بن عقيل، فَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة، واستنقذ قيسبة، فَقَالَ فِي ذَلِك سَلامَة بن صبيح الْكِنْدِيّ: لَا تشتمونا إِذْ جلبنا لكم ... ألفي كميت كلهَا سلهبه نَحن أبلنا الْخَيل فِي أَرْضكُم ... حَتَّى ثَأْرنَا مِنْكُم قيسبه واعترضت من دونهَا مذْحج ... فصادفوا من خَيْلنَا مشغبه

стр. 489

جَاءَهُ الْفرج من حَيْثُ لم يحْتَسب حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق الْكَاتِب، ابْن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: كنت، وَأَنا حدث، أتعلم فِي ديوَان زِمَام السوَاد، بَين يَدي كَاتب فِيهِ، يُقَال لَهُ: أَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَتْح، وَيعرف بالمطوق، عَاشَ إِلَى بعد سنة عشْرين وَثَلَاث مائَة، وَأخرج إِلَيْنَا كتابا قد عمله فِي أَخْبَار الوزراء، مُنْذُ وَفَاة عبيد الله بن خاقَان، إِلَى آخر أَيَّام القاهر بِاللَّه، أَو بعْدهَا، الشَّك من أبي الْحسن أَحْمد بن يُوسُف، وَسَماهُ: كتاب (مَنَاقِب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، فَقَرَأَ علينا بعضه، وَأخْبرنَا بِالْبَاقِي مناولة. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَأَعْطَانِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف، هَذَا الْكتاب، مناولة، فَوجدت فِيهِ: أَن الْقَاسِم بن عبيد الله اعتقل أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن بسطَام فِي دَاره أَيَّامًا، لِأَشْيَاء كَانَت فِي نَفسه عَلَيْهِ،

стр. 490

وَأَرَادَ أَن يُوقع بِهِ، فَلم يزل ابْن بسطَام، يداريه، ويلطف بِهِ، إِلَى أَن أطلقهُ، وقلده آمد، وَمَا يتَّصل بهَا من الْأَعْمَال، وَأخرجه إِلَيْهَا، وَفِي نَفسه مَا فِيهَا، ثمَّ نَدم على ذَلِك، فَوجه إِلَيْهِ فِي آخر أَيَّام وزارته بقائد يُقَال لَهُ عَليّ بن حبش، ابْن أخي قوصرة، ووكله بِهِ، فَكَانَ يَأْمر وَينْهى فِي عمله، وَهُوَ مُوكل بِهِ فِي دَاره، خَائِف على نَفسه، لما ظهر من إقدام الْقَاسِم على الْقَتْل. قَالَ ابْن بسطَام: فَأَنا أخوف مَا كنت على حَالي وَنَفْسِي، وَلَيْسَ عِنْدِي خبر، حَتَّى ورد عَليّ كتاب عنوانه، لأبي الْعَبَّاس، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، من الْعَبَّاس بن الْحسن.

стр. 491

فَلَمَّا رَأَيْت العنوان نَاقص الدُّعَاء، علمت أَن الْقَاسِم بن عبيد الله قد مَاتَ، وَأَن الْعَبَّاس بن الْحسن قد تقلد الوزارة، فَلم أتمالك نَفسِي فَرحا وسرورا بالسلامة فِي نَفسِي، وَزَوَال الْخَوْف عني. وقرأت الْكتاب، فَإِذا هُوَ بِصِحَّة الْخَبَر، ويأمرني بِالْخرُوجِ إِلَى مصر، وتقلد الْأَمَانَة على الْحُسَيْن بن أَحْمد المادرائي. قَالَ عَليّ بن الْفَتْح: فَخرج ابْن بسطَام إِلَى مصر، وَلم يزل يتقلد الْأَمَانَة على الْحُسَيْن بن أَحْمد إِلَى أَن تقلد عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات الوزارة، فقلده مصر وأعمالها، قَالَ: فَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ.

стр. 492

الْعلوِي الصُّوفِي يحتال للخلاص من سجن المعتصم حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، بِالْبَصْرَةِ، فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، بِكِتَاب المبيضة، لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن عمار، فِي خبر الْعلوِي الصُّوفِي، الْخَارِج بالجوزجان، على المعتصم، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ عبد الله بن طَاهِر حاربه، وأسره، وَبعث بِهِ إِلَى المعتصم، وَهُوَ بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ:

стр. 493

حدثت أَن المعتصم أَمر أَن يبْنى حبس فِي بُسْتَان مُوسَى، كَانَ الْقيم بِهِ مسرور مولى الرشيد. قَالَ: وَكنت أرى أَعلَى هَذَا الْبناء من دجلة إِذا ركبتها، إِذْ كَانَ كالبئر الْعَظِيمَة، قد حفرت إِلَى المَاء، أَو قريب مِنْهُ، ثمَّ بني فِيهَا بِنَاء على هَيْئَة المنارة، مجوف من بَاطِنه، وَهُوَ من دَاخله مدرج، قد حفر فِيهِ، فِي مَوَاضِع من التدريج، مستراحات، وَبني فِي كل مستراح شَبِيها بِالْبَيْتِ، يجلس فِيهِ رجل وَاحِد، كَأَنَّهُ على مِقْدَاره، يكون مكبوبا على وَجهه، لَا يُمكنهُ أَن يجلس فِيهِ، وَلَا يمد رجلَيْهِ، فَلَمَّا قدم مُحَمَّد، حبس فِي بَيت فِي أَسْفَل ذَلِك الْحَبْس، فَلَمَّا اسْتَقر فِيهِ أَصَابَهُ من الْجهد لضيقه، وظلمته، وَمن الْبرد أَمر عَظِيم، لنداوة الْموضع ورطوبته، فكاد أَن يتْلف من سَاعَته. فَتكلم بِكَلَام دَقِيق سَمعه من كَانَ فِي أعالي الْبِئْر مِمَّن وكل بالموضع، فَقَالَ: إِن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد قَتْلِي، فالساعة أَمُوت، وَإِن لم يكن يُرِيد قَتْلِي فقد أشفيت عَلَيْهِ. فَأخْبر المعتصم بذلك، فَقَالَ: مَا أُرِيد قَتله، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ، فَأخْرج وَقد زَالَ عقله، وأغمي عَلَيْهِ، فَطرح فِي الشَّمْس، وطرحت عَلَيْهِ اللحف، وَأمر بحبسه فِي بَيت كَانَ قد بني فِي الْبُسْتَان، فَوْقه غرفَة، وَكَانَ فِي

стр. 494

الْبَيْت خلاء إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، وَفِي الغرفة أَيْضا خلاء آخر إِلَى سطحها، فَلم يزل مَحْبُوسًا فِيهِ حَتَّى تهَيَّأ لَهُ الْخُرُوج فِي لَيْلَة الْفطر سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ. قَالَ: فَحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَهُوَ ابْن عَم أَبِيه، قَالَ: أَصبَحت يَوْم الْفطر، وَأَنا أتهيأ للرُّكُوب إِلَى الْمصلى، فَأَنا أَشد منطقتي فِي وسطي، وَقد لبست ثِيَابِي أبادر الرّكُوب إِلَى الْمصلى، فَمَا راعني إِلَّا مُحَمَّد بن الْقَاسِم، قد دخل إِلَى منزلي، فملأني رعْبًا وذعرا. وَقلت لَهُ: كَيفَ تخلصت؟ فَقَالَ: أَنا أدبر أَمْرِي فِي التَّخَلُّص مُنْذُ حبست، وَوصف لي الْخَلَاء الَّذِي كَانَ فِي الْبَيْت الَّذِي حبس فِيهِ إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، والخلاء الَّذِي كَانَ فِي الغرفة إِلَى سطحها. قَالَ: وَأدْخل معي يَوْم حبست لبد، فَكَانَ وطائي وفراشي. قَالَ: وَكنت أرى بغرش، وَهِي قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، حِبَالًا تعْمل من لبود، وتضفر كَمَا يفعل بالسيور، فتجيء أحكم شَيْء، فسولت لي نَفسِي أَن أعمل من اللبد الَّذِي تحتي حبلا، وَكَانَ على بَاب الْبَيْت قوم موكلون بِي يحفظونني، لَا يدْخل عَليّ أحد مِنْهُم، إِنَّمَا يكلموني من خلف الْبَاب ويناولوني من تَحْتَهُ مَا أتقوت بِهِ. فَقلت لَهُم: إِن أظفاري قد طَالَتْ جدا، وَقد احتجت إِلَى مقراض، فَجَاءَنِي رجل يمِيل إِلَى مَذْهَب الزيدية، بمقراض أحد جانبيه منقوش كَأَنَّهُ مبرد.

стр. 495

وَقلت لَهُم: إِن فِي هَذَا الْبَيْت فَارًّا قد آذوني، ويقذرونني إِذا قربوا مني، فَاقْطَعُوا لي جَرِيدَة من النّخل أطردهم بهَا. فَقطعُوا لي من بعض نخل الْبُسْتَان جَرِيدَة، فرموا بهَا إِلَيّ، وَكنت لَا أَزَال أضْرب بهَا فِي الْبَيْت، أريهم أَنِّي أطْرد الفار، وأسمعهم صَوتهَا أَيَّامًا، ثمَّ قشرت الخوص عَنْهَا، وقطعتها على مِقْدَار مَا ظَنَنْت أَنه يعْتَرض فِي ذَلِك الْخَلَاء إِذا رميت بهَا، فضممت مَا قطعته مِنْهَا بعضه إِلَى بعض، وقصصت اللبد، وفتلت مِنْهُ حبلا، على مَا كنت أرى يعْمل بغرش، ثمَّ شددت مَا قطعته من الجريدة فِي رَأس الْحَبل، ثمَّ رميت بِهِ فِي الكوة، وعالجته مرَارًا حَتَّى اعْترض فِيهَا، ثمَّ اعتمدت عَلَيْهَا وصعدت إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَفعلت ذَلِك مرَارًا، فِي أَيَّام كَثِيرَة، وتمكنت من الْحَرَكَة؛ لِأَنِّي بردت بِجَانِب المقراض إِحْدَى حلقتي الْقَيْد، وَلم يمكنني أَن أبرد الْأُخْرَى، فَكنت إِذا أردْت الْحَرَكَة، شددت الْقَيْد مَعَ ساقي، وأتحرك، وَقد صرت مُطلقًا. فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه اللَّيْلَة، وَقد شغل النَّاس بالعيد، وَانْصَرف من كَانَ على الْبَاب من الموكلين، فَلم أحس مِنْهُم أحدا إِلَّا شَيخا وَاحِدًا كنت أسمع كَلَامه وحركته، وأطلع فَأرَاهُ. فَصَعدت بَين العشائين إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَأَشْرَفت، فَإِذا المعتصم يفْطر وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ، والشموع تزهر، فَرَجَعت. فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل صعدت وَالنَّاس نيام، وَنزلت إِلَى الْبُسْتَان، فَإِذا فِيهِ قَائِد وَمَعَهُ جمَاعَة، فصاح بِي بَعضهم: من أَنْت؟
следующие страницы →