← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فَلَمَّا رَأَيْت العنوان نَاقص الدُّعَاء، علمت أَن الْقَاسِم بن عبيد الله قد مَاتَ، وَأَن الْعَبَّاس بن الْحسن قد تقلد الوزارة، فَلم أتمالك نَفسِي فَرحا وسرورا بالسلامة فِي نَفسِي، وَزَوَال الْخَوْف عني. وقرأت الْكتاب، فَإِذا هُوَ بِصِحَّة الْخَبَر، ويأمرني بِالْخرُوجِ إِلَى مصر، وتقلد الْأَمَانَة على الْحُسَيْن بن أَحْمد المادرائي. قَالَ عَليّ بن الْفَتْح: فَخرج ابْن بسطَام إِلَى مصر، وَلم يزل يتقلد الْأَمَانَة على الْحُسَيْن بن أَحْمد إِلَى أَن تقلد عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات الوزارة، فقلده مصر وأعمالها، قَالَ: فَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ.

стр. 492

الْعلوِي الصُّوفِي يحتال للخلاص من سجن المعتصم حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، بِالْبَصْرَةِ، فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، بِكِتَاب المبيضة، لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن عمار، فِي خبر الْعلوِي الصُّوفِي، الْخَارِج بالجوزجان، على المعتصم، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ عبد الله بن طَاهِر حاربه، وأسره، وَبعث بِهِ إِلَى المعتصم، وَهُوَ بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ:

стр. 493

حدثت أَن المعتصم أَمر أَن يبْنى حبس فِي بُسْتَان مُوسَى، كَانَ الْقيم بِهِ مسرور مولى الرشيد. قَالَ: وَكنت أرى أَعلَى هَذَا الْبناء من دجلة إِذا ركبتها، إِذْ كَانَ كالبئر الْعَظِيمَة، قد حفرت إِلَى المَاء، أَو قريب مِنْهُ، ثمَّ بني فِيهَا بِنَاء على هَيْئَة المنارة، مجوف من بَاطِنه، وَهُوَ من دَاخله مدرج، قد حفر فِيهِ، فِي مَوَاضِع من التدريج، مستراحات، وَبني فِي كل مستراح شَبِيها بِالْبَيْتِ، يجلس فِيهِ رجل وَاحِد، كَأَنَّهُ على مِقْدَاره، يكون مكبوبا على وَجهه، لَا يُمكنهُ أَن يجلس فِيهِ، وَلَا يمد رجلَيْهِ، فَلَمَّا قدم مُحَمَّد، حبس فِي بَيت فِي أَسْفَل ذَلِك الْحَبْس، فَلَمَّا اسْتَقر فِيهِ أَصَابَهُ من الْجهد لضيقه، وظلمته، وَمن الْبرد أَمر عَظِيم، لنداوة الْموضع ورطوبته، فكاد أَن يتْلف من سَاعَته. فَتكلم بِكَلَام دَقِيق سَمعه من كَانَ فِي أعالي الْبِئْر مِمَّن وكل بالموضع، فَقَالَ: إِن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد قَتْلِي، فالساعة أَمُوت، وَإِن لم يكن يُرِيد قَتْلِي فقد أشفيت عَلَيْهِ. فَأخْبر المعتصم بذلك، فَقَالَ: مَا أُرِيد قَتله، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ، فَأخْرج وَقد زَالَ عقله، وأغمي عَلَيْهِ، فَطرح فِي الشَّمْس، وطرحت عَلَيْهِ اللحف، وَأمر بحبسه فِي بَيت كَانَ قد بني فِي الْبُسْتَان، فَوْقه غرفَة، وَكَانَ فِي

стр. 494

الْبَيْت خلاء إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، وَفِي الغرفة أَيْضا خلاء آخر إِلَى سطحها، فَلم يزل مَحْبُوسًا فِيهِ حَتَّى تهَيَّأ لَهُ الْخُرُوج فِي لَيْلَة الْفطر سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ. قَالَ: فَحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَهُوَ ابْن عَم أَبِيه، قَالَ: أَصبَحت يَوْم الْفطر، وَأَنا أتهيأ للرُّكُوب إِلَى الْمصلى، فَأَنا أَشد منطقتي فِي وسطي، وَقد لبست ثِيَابِي أبادر الرّكُوب إِلَى الْمصلى، فَمَا راعني إِلَّا مُحَمَّد بن الْقَاسِم، قد دخل إِلَى منزلي، فملأني رعْبًا وذعرا. وَقلت لَهُ: كَيفَ تخلصت؟ فَقَالَ: أَنا أدبر أَمْرِي فِي التَّخَلُّص مُنْذُ حبست، وَوصف لي الْخَلَاء الَّذِي كَانَ فِي الْبَيْت الَّذِي حبس فِيهِ إِلَى الغرفة الَّتِي فَوْقه، والخلاء الَّذِي كَانَ فِي الغرفة إِلَى سطحها. قَالَ: وَأدْخل معي يَوْم حبست لبد، فَكَانَ وطائي وفراشي. قَالَ: وَكنت أرى بغرش، وَهِي قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، حِبَالًا تعْمل من لبود، وتضفر كَمَا يفعل بالسيور، فتجيء أحكم شَيْء، فسولت لي نَفسِي أَن أعمل من اللبد الَّذِي تحتي حبلا، وَكَانَ على بَاب الْبَيْت قوم موكلون بِي يحفظونني، لَا يدْخل عَليّ أحد مِنْهُم، إِنَّمَا يكلموني من خلف الْبَاب ويناولوني من تَحْتَهُ مَا أتقوت بِهِ. فَقلت لَهُم: إِن أظفاري قد طَالَتْ جدا، وَقد احتجت إِلَى مقراض، فَجَاءَنِي رجل يمِيل إِلَى مَذْهَب الزيدية، بمقراض أحد جانبيه منقوش كَأَنَّهُ مبرد.

стр. 495

وَقلت لَهُم: إِن فِي هَذَا الْبَيْت فَارًّا قد آذوني، ويقذرونني إِذا قربوا مني، فَاقْطَعُوا لي جَرِيدَة من النّخل أطردهم بهَا. فَقطعُوا لي من بعض نخل الْبُسْتَان جَرِيدَة، فرموا بهَا إِلَيّ، وَكنت لَا أَزَال أضْرب بهَا فِي الْبَيْت، أريهم أَنِّي أطْرد الفار، وأسمعهم صَوتهَا أَيَّامًا، ثمَّ قشرت الخوص عَنْهَا، وقطعتها على مِقْدَار مَا ظَنَنْت أَنه يعْتَرض فِي ذَلِك الْخَلَاء إِذا رميت بهَا، فضممت مَا قطعته مِنْهَا بعضه إِلَى بعض، وقصصت اللبد، وفتلت مِنْهُ حبلا، على مَا كنت أرى يعْمل بغرش، ثمَّ شددت مَا قطعته من الجريدة فِي رَأس الْحَبل، ثمَّ رميت بِهِ فِي الكوة، وعالجته مرَارًا حَتَّى اعْترض فِيهَا، ثمَّ اعتمدت عَلَيْهَا وصعدت إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَفعلت ذَلِك مرَارًا، فِي أَيَّام كَثِيرَة، وتمكنت من الْحَرَكَة؛ لِأَنِّي بردت بِجَانِب المقراض إِحْدَى حلقتي الْقَيْد، وَلم يمكنني أَن أبرد الْأُخْرَى، فَكنت إِذا أردْت الْحَرَكَة، شددت الْقَيْد مَعَ ساقي، وأتحرك، وَقد صرت مُطلقًا. فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه اللَّيْلَة، وَقد شغل النَّاس بالعيد، وَانْصَرف من كَانَ على الْبَاب من الموكلين، فَلم أحس مِنْهُم أحدا إِلَّا شَيخا وَاحِدًا كنت أسمع كَلَامه وحركته، وأطلع فَأرَاهُ. فَصَعدت بَين العشائين إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَأَشْرَفت، فَإِذا المعتصم يفْطر وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ، والشموع تزهر، فَرَجَعت. فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل صعدت وَالنَّاس نيام، وَنزلت إِلَى الْبُسْتَان، فَإِذا فِيهِ قَائِد وَمَعَهُ جمَاعَة، فصاح بِي بَعضهم: من أَنْت؟

стр. 496

قلت: مديني من أَصْحَاب الْحمام، وَكَانَ فِي الْبُسْتَان مِنْهُم جمَاعَة يشرفون على أَمر الْحمام. فَقَالَ لي: إِلَى أَيْن تخرج السَّاعَة، اطرَح نَفسك حَتَّى تصبح، وتفتح الْأَبْوَاب، فطرحت نَفسِي بَينهم، حَتَّى فتح بَاب الْبُسْتَان فِي الْغَلَس، وَقد تحرّك النَّاس، فصرت إِلَى دجلة لأعبر، فَوجدت الشَّيْخ الَّذِي كَانَ بَقِي من الموكلين بِي يُرِيد العبور، فَنزلت لأعبر، فَطلب مني الملاح قِطْعَة، فَقلت لَهُ: مَا معي شَيْء، أَنا رجل غَرِيب ضَعِيف الْحَال. فَقَالَ لي الشَّيْخ: اعبر، فَأَنا أعْطِيه عَنْك، وَأَعْطَاهُ الشَّيْخ عني قِطْعَة، وعبرت حَتَّى جئْتُك. قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن: فَقلت لَهُ: وَالله، مَا منزلي لَك بِموضع، فَاخْرُج عني من ساعتك، وَلَا تقم فِيهِ لَحْظَة، وَركبت إِلَى الْمصلى. فَصَارَ إِلَى منزل رجل من الشِّيعَة، فأخفاه.

стр. 497

حسن سيرته كَانَت سَبَب اعتقاله وَحدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْأَثْرَم، فِي كتاب المبيضة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنِي هَاشم بن أَحْمد بن الْأَشْهب الْبَغَوِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن رَبَاح الْجَوْهَرِي، قَالَ: حَدثنِي الْمفضل بن حَمَّاد الْكُوفِي، من أَصْحَاب الْحسن بن صَالح بن حَيّ، بوفاة عِيسَى بن زيد بن عَليّ، بِالْكُوفَةِ، وَكَيف ستر ذَلِك عَن الْمهْدي، فَذكر حَدِيثا طَويلا، قَالَ فِيهِ: لما تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار على الرشيد، بِحسن طَريقَة أَحْمد بن عِيسَى بن زيد، وميل النَّاس إِلَيْهِ، أَمر بِحمْلِهِ، فَحمل إِلَى بَغْدَاد، وَمَعَهُ الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵃، وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد بن الْقَاسِم الصُّوفِي الْخَارِج بخراسان فِي أَيَّام المعتصم، فحبسا عِنْد الْفضل بن الرّبيع، فَكَانَا فِي حَبسه فِي دَاره الشارعة على دجلة، قرب رَأس الجسر، بمشرعة الصخر. وَكَانَ حسن الصَّنِيع إِلَيْهِمَا، يؤتيان بمائدة كمائدته الَّتِي تُوضَع بَين يَدَيْهِ، ويواصلان من الْحَلْوَى والفاكهة، والثلج فِي الصَّيف، بِمثل مَا يكون على

стр. 498

مائدته، فَإِذا أكلا، رفعت من بَين أَيْدِيهِمَا، وَوضعت بَين أَيدي الموكلين بهما. فأكلا يَوْمًا من الْأَيَّام، وَرفعت الْمَائِدَة فَجعلت بَين يَدي الموكلين بهما، فَأَكَلُوا، وَأَكْثرُوا، وَدخل وَقت القائلة، فَنَامُوا ١٠٦ م، فَخرج أَحْمد بن عِيسَى إِلَى حب فِي نَاحيَة الدهليز، فَرَأى الْقَوْم نياما، فغرف من الْحبّ، بالكوز الَّذِي مَعَه، ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ للقاسم: يَا هَذَا اعْلَم أَنِّي قد رَأَيْت فرْصَة بَيِّنَة، وَهَؤُلَاء نيام، وَالْبَاب غير مقفل، لم يحكموا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ إغلاقه، فَاخْرُج بِنَا. فَقَالَ لَهُ الْقَاسِم: أنْشدك الله، فَإنَّك تعلم، أَنا فِي عَافِيَة من كثير مِمَّا فِيهِ أهل الحبوس، وَالْفضل محسن إِلَيْنَا. فَقَالَ لَهُ أَحْمد: دَعْنِي مِنْك، وَاعْلَم أَن الْعَلامَة بيني وَبَيْنك، أَن أغرف من الْحبّ، فَإِن تحرّك الْقَوْم رجعت إِلَيْك، وَكَانَت علتي ظَاهِرَة بسب الْكوز، وَإِن لم يتحركوا، فَأَنا وَالله خَارج، وتاركك بموضعك، وَاعْلَم أَنَّك لَا تسلم بعدِي. ثمَّ خرج، فغرف من الْحبّ بالكوز، ثمَّ طَرحه من قامته، قَالَ: وَكَانَ أطول مني ومنك، فَمَا تحرّك أحد مِنْهُم، ثمَّ انثنى عَليّ، وَقَالَ: قد رَأَيْت مَا استظهرت بِهِ لَك ولنفسي، وَأَنا وَالله خَارج، ثمَّ مضى، وَاتبعهُ الْقَاسِم، ففتحا الْبَاب، وخرجا، فَقَالَا: لَا نَجْتَمِع فِي طَرِيق، وَلَكِن موعدنا، مَوضِع كَذَا.

стр. 499

فَلَمَّا جازا العتبة بِخَمْسِينَ ذِرَاعا، لقيهمَا غُلَام للفضل بن الرّبيع، مدنِي، أعرف بهما من أَنفسهمَا، فبهت الْغُلَام لما رآهما، فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَحْمد، بكمه، كالآمر بغضب: تَنَح، فَمَا ملك الْغُلَام نَفسه أَن تنحى، ثمَّ كَانَ عزمه أَن يَسْتَقِيم فِي طَرِيقه ذَاك، فَلَمَّا بلي من الْغُلَام بِمَا بلي، عدل عَن تِلْكَ الطَّرِيق، وَسَار فِي طَرِيق أُخْرَى للاستظهار على الْغُلَام، وأسرع حَتَّى نجا، وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث.

стр. 500

مُحَمَّد الحمداني يحل مَحل أَخِيه فِي إِمَارَة الْموصل وَمن طريف مَا شَاهَدْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب: أَن أَبَا تغلب، فضل الله، عدَّة الدولة، ابْن نَاصِر الدولة أبي مُحَمَّد، استوحش من أَخِيه مُحَمَّد، بعد موت أَبِيهِمَا، فَقبض عَلَيْهِ، واستصفى مَاله، وَقبض عقاره وضياعه، وَنعمته،

стр. 501

وَثقله بالحديد، وأنفذه إِلَى القلعة الْمَعْرُوفَة بأردمشت، وَهِي مَشْهُورَة حَصِينَة، من أَعمال الْموصل، فحبسه بهَا فِي مطمورة، ووكل بحفظه عجوزا يَثِق بهَا، جلدَة ضابطة، يُقَال لَهَا: نازبانو، وأمرها أَن لَا توصل إِلَيْهِ أحدا، وَلَا تعرفه خَبرا، وَأَن تخفي مَوْضِعه عَن جَمِيع شحنة القلعة وحفظتها، فَفعلت ذَلِك، فَأَقَامَ على حَاله تِلْكَ نَحْو ثَمَان سِنِين. ثمَّ اتّفق أَن انحدر أَبُو تغلب معاونا لعز الدولة أبي مَنْصُور بختيار بن

стр. 502

معز الدولة أبي الْحُسَيْن، ومعهما العساكر، يقصدان بَغْدَاد لمحاربة عضد الدولة، وتاج الْملَّة أبي شُجَاع، وَخرج للقائهما، فَكَانَت بَينهم الْوَاقِعَة الْعَظِيمَة بقصر الجص، وَقتل فِيهَا عز الدولة بختيار، وَانْهَزَمَ أَبُو تغلب، فَدخل الْموصل، وَخَافَ من تخلص أَخِيه مُحَمَّد، فَكتب إِلَى غُلَام لَهُ، كَانَت القلعة مسلمة إِلَيْهِ، يُقَال لَهُ: طاشتم، أَن يُمكن صَالح بن بانويه، رَئِيس الأكراد، وَكَانَ كالشريك لطاشتم فِي حفظ القلعة، من أَخِيه مُحَمَّد بن نَاصِر الدولة، ليمضي فِيهِ مَا أمره بِهِ، وَكتب إِلَى صَالح، يَأْمُرهُ بقتل مُحَمَّد، فمكن طاشتم صَالحا مِنْهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الدُّخُول على مُحَمَّد، ليَقْتُلهُ، منعت نازبانو من ذَلِك، وَقَالَت: لَا أمكن مِنْهُ، إِلَّا بِكِتَاب يرد عَليّ من أبي تغلب. وشارف عضد الدولة الْموصل، وأجفل عَنْهَا أَبُو تغلب، وكردته العساكر،

стр. 503

فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الطّلب، وَورد عَلَيْهِ كتاب من القلعة بِمَا قَالَت نازبانو، فَإلَى أَن يُجيب عَنهُ، أحَاط عَسَاكِر عضد الدولة بالقلعة، ونازلوها، فَانْقَطع مَا بَين أبي تغلب وَبَينهَا، فَلم يصل إِلَيْهَا كتاب، وَفتحهَا عضد الدولة بعد شهور، بِأَن واطأه صَالح، بِالْقَبْضِ على طاشتم، وَكتب إِلَيْهِ يعرفهُ بِمَا عمله، ويستأمره فِيمَا يعمله. وَكَانَ لمُحَمد خصي أسود مَمْلُوك، يَلِي أَمر دَاره، اسْمه نَاصح، وَكَانَ بعد الْقَبْض على مُحَمَّد، قد وَقع إِلَى عضد الدولة، وَهُوَ بِفَارِس، فَصَارَ من وُجُوه خدمه، وَحضر مَعَه وقْعَة قصر الجص، فَلَمَّا ورد خبر فتح القلعة، أذكرهُ نَاصح بوعد كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي إِطْلَاق مَوْلَاهُ مُحَمَّد، إِذا فتح القلعة، فَكتب بِأَن يطْلب مُحَمَّد فِي القلعة، فَإِن وجد حَيا، أطلق وأنفذ بِهِ إِلَيْهِ مكرما، فحين دخل صَالح، وَمَعَهُ من صعد إِلَى القلعة من أَصْحَاب عضد الدولة، إِلَى مُحَمَّد فِي محبسه، جزع جزعا شَدِيدا، وَلم يشك أَنهم يُرِيدُونَ قَتله، بِأَمْر أبي تغلب، فَأخذ يتَضَرَّع، وَيَقُول: مَا يَدْعُو أخي إِلَى قَتْلِي. فَقَالَ لَهُ صَالح: لَا خوف عَلَيْك إِنَّمَا أمرنَا الْملك أَن نطلقك، وتمضي إِلَيْهِ مكرما، فقد ملك هَذِه الْبِلَاد. فَقَالَ: أغلب ملك الرّوم على هَذِه النواحي، وَفتح القلعة؟ قَالُوا: لَا، وَلَكِن الْملك عضد الدولة. قَالَ: الَّذِي كَانَ بشيراز؟ قَالُوا: نعم، وَقد جَاءَ إِلَى بَغْدَاد. قَالَ: وَأَيْنَ بختيار؟ قَالُوا: قتل. قَالَ: وَأَبُو تغلب؟

стр. 504

قَالُوا: انهزم وَدخل إِلَى بِلَاد الرّوم. قَالَ: وَأَيْنَ عضد الدولة؟ قَالُوا: بالموصل، وَهُوَ ذَا نحملك إِلَيْهِ مكرما. فَسجدَ حِينَئِذٍ، وَبكى بكاء شَدِيدا، ثمَّ حمد الله، فأرادوا فك قيوده، فَقَالَ: لَا أمكن من ذَلِك، إِلَّا أَن يُشَاهد حَالي الْملك. فَحمل إِلَى الْموصل إِلَى عضد الدولة، فرأيته وَقد أصعد بِهِ مُقَيّدا من الْمعبر الَّذِي عبر فِيهِ فِي دجلة، إِلَى دَار أبي تغلب الَّتِي نزل بهَا عضد الدولة بالموصل، وَكنت أَنا إِذْ ذَاك أتقلدها لَهُ، وَجَمِيع مَا فَتحه مِمَّا كَانَ فِي يَد أبي تغلب مُضَافا إِلَى حلوان، وَقطعَة من طَرِيق خُرَاسَان، فَرَأَيْت مُحَمَّدًا يمشي فِي قيوده، حَتَّى دخل إِلَيْهِ، فَقبل الأَرْض بَين يَدي عضد الدولة، ودعا لَهُ، وشكره، فَأخْرج إِلَى حجرَة من الدَّار، فَأخذ حديده، وَحمل على فرس فاره بمركب ذهب، وَقيد بَين يَدَيْهِ خمس دَوَاب بمراكب فضَّة مذهبَة، وَخمْس بجلالها، وَثَلَاثُونَ بغلا محملة مَالا صامتا، وَمن صنوف الثِّيَاب الفاخرة،

стр. 505

والفرش السّري، وَالطّيب، والآلات المرتفعة الْقدر، وَنقل إِلَى دَار قد فرغت لَهُ، وفرشت بفرش حسن، وملئت بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الصفر، والآلات، والعلوفات، وَالْحَيَوَان، والحلوى، وأطعمة نقلت إِلَيْهِ من المطبخ، وأنبذة، وَغير ذَلِك. ثمَّ أقطعه بعد أَيَّام، إقطاعا بِثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، وولاه إِمَارَة بَلَده وأعماله، وَجَمِيع مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَبُو تغلب.

стр. 506

أسره الرّوم فِي أَيَّام مُعَاوِيَة وأطلقوه فِي أَيَّام عبد الْملك روى حميد، كَاتب إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، أَن إِبْرَاهِيم حَدثهُ، أَن مخلدا الطَّبَرِيّ، كَاتب الْمهْدي على ديوَان السِّرّ، حَدثهُ أَن سالما مولى هِشَام بن عبد الْملك، وكاتبه على ديوَان الرسائل، أخبرهُ، أَنه كَانَ فِي ديوَان عبد الْملك يتَعَلَّم كَمَا يتَعَلَّم الْأَحْدَاث فِي الدَّوَاوِين، إِذْ ورد كتاب صَاحب يُرِيد الثغور الشامية، على عبد الْملك، يُخبرهُ فِيهِ أَن خيلا من الرّوم تراءت للْمُسلمين، فنفروا إِلَيْهَا، ثمَّ عَادوا وَمَعَهُمْ رجل كَانَ قد أسر فِي أَيَّام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، فَذكر أَن الرّوم لما تواقفوا مَعَ الْمُسلمين، أخبروهم أَنهم لم يَأْتُوا لِحَرْب، وَإِنَّمَا جَاءُوا بِهَذَا الْمُسلم ليسلموه إِلَى الْمُسلمين؛ لِأَن عَظِيم الرّوم أَمرهم بذلك. وَذكر صَاحب الْبَرِيد، أَن النافرين ذكرُوا، أَنهم سَأَلُوا الْمُسلم عَمَّا قَالَ الرّوم، فَوَافَقَ قَوْله قَوْلهم، وَذكر أَن الرّوم قد أَحْسنُوا إِلَيْهِ، فانصرفوا عَنْهُم، وَإِنِّي سَأَلته عَن سَبَب مخرجه، فَذكر أَنه لَا يخبر بذلك أحدا دون أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَأمر عبد الْملك بإشخاص الْمُسلم إِلَيْهِ، فأشخص إِلَى دمشق. فَلَمَّا دخل على عبد الْملك، قَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: قَتَّات بن رزين اللَّخْمِيّ. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: كَذَا كَانَ فِي الأَصْل الَّذِي نقلت مِنْهُ: قَتَّات، وَأَظنهُ خطأ؛ لِأَن الْمَشْهُور قباث بن رزين اللَّخْمِيّ، وَقد روى الحَدِيث عَن

стр. 507

عَليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ، عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، أَو لَعَلَّه غَيره، وَالله أعلم. رَجَعَ الحَدِيث: أسكن فسطاط مصر فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالحمراء، أسرت فِي زمن مُعَاوِيَة، وطاغية الرّوم إِذْ ذَاك توما بن مَرْزُوق. فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: فَكيف كَانَ فعله بكم؟ قَالَ: لم أجد أحدا أَشد عَدَاوَة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله مِنْهُ، إِلَّا أَنه كَانَ حَلِيمًا، فَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي أَيَّامه أحسن أحوالا مِنْهُم فِي أَيَّام غَيره، إِلَى أَن أفْضى الْأَمر إِلَى ابْنه ليون، فَقَالَ فِي أول مَا ملك: إِن الأسرى إِذا طَال أسرهم فِي بلد أنسوا بِهِ، وَلَو كَانَ على غَايَة الرداءة، وَلَيْسَ شَيْء أنكأ لقُلُوبِهِمْ من نقلهم من بلد إِلَى بلد، فَأمر بِاثْنَيْ عشر قدحا، فَكتب على رَأس كل قدح اسْم بطرِيق من بطارقة الْبلدَانِ، وَيضْرب بِالْقداحِ فِي كل سنة أَربع مَرَّات، فَمن خرج اسْمه فِي الْقدح الأول، حول إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ، فاحتبسهم عِنْده شهرا، ثمَّ إِلَى الثَّانِي، ثمَّ إِلَى الثَّالِث، ثمَّ تُعَاد القداح بعد ذَلِك. فَكُنَّا لَا نصير عِنْد أحد من البطارقة، إِلَّا قَالَ لنا: احمدوا الله حَيْثُ لم يبتلكم ببطريق البرجان، فَكُنَّا نرتاع لذكره، وَنَحْمَد رَبنَا إِذْ لم يبتلنا بِهِ، فَمَكثْنَا على ذَلِك سِنِين. ثمَّ ضربت القداح، فَخرج الأول وَالثَّانِي لبطريقين، وَالثَّالِث لبطريق البرجان، فَمر بِنَا فِي الشَّهْرَيْنِ غم كَبِير، نترقب الْمَكْرُوه. ثمَّ انْقَضى الشهران، فحملنا إِلَيْهِ، فَرَأَيْنَا على بَابه من الْجمع خلاف مَا كُنَّا نعاين، ورأينا من زبانيته من الغلظة خلاف مَا كُنَّا نرى، ثمَّ وصلنا إِلَيْهِ،

стр. 508

فَتبين لنا من فظاظته وغلظته، مَا أيقنا مَعَه بالهلكة، ثمَّ دَعَا بالحدادين، فَأمر بتقييد الْمُسلمين بأمثال مَا كَانَ يقيدهم بِهِ غَيره، فَلم يزل الْحَدِيد يعْمل فِي رجل وَاحِد وَاحِد، حَتَّى صال الْحداد إِلَيّ، فَنَظَرت إِلَى وَجه البطريق، فرأيته قد نظر إِلَيّ نظرا بِخِلَاف الْعين الَّتِي كَانَ ينظر بهَا إِلَى غَيْرِي، ثمَّ كلمني بِلِسَان عَرَبِيّ، فَسَأَلَنِي عَن اسْمِي ونسبي ومسكني، بِمثل مَا سَأَلَني عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ، فصدقته عَمَّا سَأَلَني عَنهُ. ثمَّ قَالَ لي: كَيفَ حفظك لكتابكم؟ فأعلمته أَنِّي حَافظ. قَالَ: اقْرَأ آل عمرَان، فَقَرَأت مِنْهَا خمسين آيَة. فَقَالَ: إِنَّك لقارئ فصيح، ثمَّ سَأَلَني عَن روايتي للشعر، فأعلمته أَنِّي راوية. فاستنشدني لجَماعَة من الشُّعَرَاء، فَقَالَ: إِنَّك لحسن الرِّوَايَة. ثمَّ قَالَ لخليفته: إِنِّي قد ومقت هَذَا الرجل، فَلَا تحدده. ثمَّ قَالَ: وَلَيْسَ من الْإِنْصَاف أَن أسوءه فِي أَصْحَابه، ففك الْحَدِيد عَن جَمَاعَتهمْ، وَأحسن مثواهم، وَلَا تقصر فِي قراهم. ثمَّ دَعَا صَاحب مطبخه، فَقَالَ لَهُ: لست أطْعم طَعَاما، مَا دَامَ هَذَا الْعَرَبِيّ عِنْدِي، إِلَّا مَعَه، فاحذر أَن تدخل مطبخي مَا لَا يحل للْمُسلمين أكله، وَأَن تجْعَل الْخمر فِي شَيْء من طبيخك، ثمَّ دَعَا بِمَائِدَتِهِ، واستدناني حَتَّى قعدت إِلَى جَانِبه. فَقلت لَهُ: فدتك نَفسِي وبأبي أَنْت، وَأحب أَن تُخبرنِي من أَي الْعَرَب أَنْت؟

стр. 509

فَضَحِك، وَقَالَ: لست أعرف لمسألتك جَوَابا؛ لِأَنِّي لست عَرَبيا فأجيبك على سؤالك. فَقلت لَهُ: مَعَ هَذِه الفصاحة بِالْعَرَبِيَّةِ؟ فَقَالَ: إِن كَانَ الْعلم بِاللِّسَانِ ينْقل الْإِنْسَان من جنسه إِلَى جنس من حفظ لِسَانه، فَأَنت إِذا رومي، فَإِن فصاحتك بِلِسَان الرّوم لَيست بِدُونِ فصاحتي بِلِسَان الْعَرَب، فعلى قِيَاس قَوْلك يَنْبَغِي أَن تكون روميا، وأكون أَنا عَرَبيا. فصدقت قَوْله، وأقمت عِنْده خمس عشرَة لَيْلَة، لم أكن مُنْذُ خلقت، فِي نعْمَة، أكبر مِنْهَا. فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة سِتّ عشرَة، فَكرت أَن الشَّهْر قد مضى نصفه، وَأَن اللَّيَالِي تقربني من الِانْتِقَال إِلَى غَيره، فَبت مغموما. وَصَارَ رَسُوله إِلَيّ فِي الْيَوْم السَّادِس عشر، يدعوني إِلَى طَعَامه، فَلَمَّا حضر الطَّعَام بَين أَيْدِينَا، رأى أكلي مقصرا عَمَّا كَانَ يعْهَد، فَضَحِك، ثمَّ قَالَ لي: أحسبك يَا عَرَبِيّ، لما مضى نصف الشَّهْر، فَكرت فِي أَن الْأَيَّام تقربك من الِانْتِقَال عني إِلَى غَيْرِي مِمَّن لَا يعاملك بِمثل معاملتي، وَلَا يكون عيشك مَعَه مثل عيشك معي، فسهرت، واعتراك لذَلِك غم غير طَعَامك، فأعلمته أَنه قد صدق. فَقَالَ: مَا أَنا إِن لم أحسن الِاخْتِيَار لصديقي بَحر، وَقد أمنك الله مِمَّا حذرت، وَلم ألبث فِي الْيَوْم الَّذِي وصلت إِلَيّ فِيهِ، حَتَّى سَأَلت الْملك، فصيرك عِنْدِي، مَا كنت فِي أَرض الرّوم، فلست تنقل عَن يَدي، وَلَا تخرج مِنْهَا إِلَّا إِلَى بلدك، وَأَرْجُو أَن يسبب الله ذَلِك على يَدي، فطابت نَفسِي، وَلم أزل مُقيما عِنْده، إِلَى أَن انْقَضى الشَّهْر. فَلَمَّا انْقَضى ضرب بِالْقداحِ، فَخرج الأول، وَالثَّانِي، وَالثَّالِث، لبطارقة غير الَّذِي نَحن عِنْده، فحول أَصْحَابِي، وَبقيت وحدي.

стр. 510

وتغديت فِي ذَلِك الْيَوْم مَعَ البطريق، وَكَانَ من عادتي أَن أنصرف من عِنْده بعد غدائي إِلَى إخْوَانِي من الْمُسلمين، فنتحدث، ونأنس، ونقرأ الْقُرْآن، ونجمع الصَّلَوَات، ونتذاكر الْفَرَائِض، وَيسمع بَعْضنَا من بعض مَا حفظ من الْعلم وَغَيره، فَانْصَرَفت ذَلِك الْيَوْم بعد غدائي إِلَى الْموضع الَّذِي كنت أصير إِلَيْهِ، وَفِيه السلمون، فَلم أر فِيهِ أحدا إِلَّا الْكَفَرَة، فَضَاقَ صَدْرِي ضيقا تمنيت مَعَه أَنِّي كنت مَعَ أَصْحَابِي، فَبت بليلة صعبة لم أطْعم فِيهَا الغمض، وأصبحت أكسف خلق الله بَالا، وأسوأهم حَالا. وَصَارَ إِلَيّ الرَّسُول فِي وَقت الْغَدَاء، فصرت إِلَيْهِ، فَتبين الْغم فِي أسرة وَجْهي، ومددت يَدي إِلَى الطَّعَام، فَرَأى مد يَدي إِلَيْهِ، خلاف مدي الَّذِي كَانَ يعرف، فَضَحِك، ثمَّ قَالَ: أحسبك اغتممت لفراق أَصْحَابك؟ فأعلمته أَنه صدق، وَسَأَلته: هَل عِنْده حِيلَة فِي ردهم إِلَى يَده. فَقَالَ: إِن الْملك لم ير أَن ينْقل أَصْحَابك من يَدي إِلَى يَد غَيْرِي إِلَّا ليغمهم بِمَا يفعل، وَمن الْمحَال أَن يدع تَدْبيره فِي الْإِضْرَار بهم، لميلي إِلَيْك ومحبتي لَك، وَلَيْسَ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَاب حِيلَة، فَسَأَلته أَن يسْأَل الْملك إخراجي عَن يَده، وضمي إِلَى أَصْحَابِي أكون مَعَهم حَيْثُ كَانُوا. فَقَالَ: وَلَا فِي هَذَا أَيْضا حِيلَة؛ لِأَنِّي لَا أستجيز أَن أنقلك من سَعَة إِلَى ضيق، وَمن كَرَامَة إِلَى هوان، وَمن نعْمَة إِلَى شقاء. فَلَمَّا قَالَ ذَلِك، تبين فِي الانكسار وَغَلَبَة الْغم، فَقَالَ لي: بلغ بك الْغم إِلَى النِّهَايَة؟ فَأَخْبَرته: أَنه قد بلغ بِي الْغم، أَن اخْتَرْت الْمَوْت على الْحَيَاة، لعلمي

стр. 511

أَنه لَا رَاحَة لي بِغَيْرِهِ. فَقَالَ لي: إِن كنت صَادِقا فقد دنا فرجك. فَسَأَلته عَمَّا دله على ذَلِك، فَقَالَ لي: إِنِّي وَقعت فِي نكبات أَشد هولا مِمَّا أَنْت فِيهِ، وَكَانَ عَاقبَتهَا الْفرج. وأعلمني أَن بطرقة بَلَده لم تزل فِي آبَائِهِ يتوارثونها، وَأَن عَددهمْ كَانَ كثيرا، وَلم يبْق غير أَبِيه وَعَمه، وَكَانَت البطرقة إِلَى عَمه دون أَبِيه، فَأَبْطَأَ على أَبِيه وَعَمه الْوَلَد، فبذلا للمتطببين الْكثير من الْأَمْوَال لعلاجهما بِمَا يصلح الرِّجَال للنِّسَاء، إِلَى أَن بَطل الْعم، ويئس من الانتشار، فصرف بعض الْأَطِبَّاء عنايته إِلَى معالجة أبي البطريق، فعلقت أمه بِهِ. فَلَمَّا علم الْعم أَنه قد علقت أمه بِهِ، جمع عدَّة من الحبالى، من أَلْسِنَة مُخْتَلفَة، مِنْهَا الْعَرَبِيّ، والرومي، والإفرنجي، والصقلابي، والخزري، وَغير ذَلِك، فوضعن فِي دَاره. فَلَمَّا وضعت البطريق أمه، أَمر بتصيير أُولَئِكَ النِّسَاء كُلهنَّ مَعَه، وَتقدم إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ، أَلا تكَلمه إِلَّا بلسانها. فَلم تستتم لَهُ أَربع سِنِين، حَتَّى تكلم بِكُل الْأَلْسِنَة الَّتِي لأمهاته اللَّاتِي أرضعنه. ثمَّ أَمر بتصيير ملاعبيه ومؤدبيه من جَمِيع أَجنَاس النِّسَاء اللواتي ربينه، فَكَانُوا يعلمونه الْكِتَابَة، وَقِرَاءَة كتبهمْ فَلم تمر عَلَيْهِ تسع سِنِين، حَتَّى عرف ذَلِك كُله. ثمَّ أَمر عَمه أَن يضم إِلَيْهِ جمَاعَة من الفرسان يعلمونه الثقافة والمناولة

стр. 512

وَجَمِيع مَا يتعلمه الفرسان، وَتقدم بِمَنْعه من سُكْنى الْمنَازل، وَأمر أَن ينزل فِي الْمضَارب، وَأَن يمْنَع من أكل اللَّحْم إِلَّا مَا يصيده طَائِر يحملهُ على يَدَيْهِ، أَو كلب يسْعَى بَين يَدَيْهِ، أَو صيد بسهمه، فَكَانَت تِلْكَ حَاله حَتَّى استوفى عشر سِنِين، ثمَّ مَاتَ عَمه، وَولي أَبوهُ البطرقة بعد عَمه، وَأمره بالقدوم عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ، وَرَأى فهمه، وأدبه، وشمائله، اشْتَدَّ عجبه بِهِ، فسمح لَهُ بِمَا لم تكن الْمُلُوك تسمح بِهِ لأولادها، وَأعد لَهُ الْمضَارب والفساطيط الديباج، وَضم إِلَيْهِ جمَاعَة كثيفة من الفرسان ووسع على الْجَمِيع فِي كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ورده إِلَى سُكْنى الْمضَارب، وَأَخذه بالاستبعاد عَن منَازِل أَبِيه. قَالَ البطريق: فَلَمَّا تمت لي خمس عشرَة سنة، ركبت يَوْمًا لارتياد مَكَان أكون فِيهِ، فبصرت بغدير مَاء قدرت طوله ألف ذِرَاع وَعرضه مَا بَين ثَلَاث مائَة ذِرَاع إِلَى أَربع مائَة ذِرَاع، فَأمرت بِضَرْب مضاربي عَلَيْهِ، وتوجهت إِلَى الصَّيْد، فرزقت مِنْهُ فِي ذَلِك الْيَوْم، مَا لم أطمع فِي مثله كَثْرَة، وَنزلت فِي بعض الْمضَارب فَأمرت الطباخين، فطبخوا لي مَا اشْتهيت من الطَّعَام، ثمَّ نصبت الْمَائِدَة بَين يَدي. فَإِنِّي لأنظر إِلَى الطبيخ يغْرف، إِذْ سَمِعت ضجة عَظِيمَة، فَمَا فهمت خَبَرهَا حَتَّى رَأَيْت رُءُوس أَصْحَابِي تتساقط عَن أبدانهم، فتنحيت عَن مَكَاني

стр. 513

الَّذِي كنت فِيهِ، وخلعت الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَليّ، ولبست ثِيَاب بعض عَبِيدِي، ثمَّ ضربت ببصري يمنة ويسرة، فَلم أر حَولي إِلَّا مقتولا، وَإِذا فَاعل ذَلِك بِأَصْحَابِي منسر من مناسر البرجان. ثمَّ أسرت كَمَا يؤسر العبيد، وَاحْتمل جَمِيع مَا كَانَ مَعنا، من مضرب وَغَيره، وصاروا بِي إِلَى ملك البرجان. فَلَمَّا رَآنِي، وَلم يكن لَهُ ولد ذكر، أَمر بالتوسعة عَليّ، وَأَن أكون وَاقِفًا عِنْد رَأسه، وسماني ابْنه. وَكَانَ للْملك بنت، وَكَانَ بهَا مغرما، وَكَانَ قد علمهَا الفروسية، ومساورة الفرسان، ومساهمتهم ومراكضتهم. فَقَالَ، وَأَنا حَاضر، لجَماعَة من بطارقته: من مِنْكُم يتَوَجَّه إِلَى ملك الرّوم، فيجيئني بكاتب من بَلَده؛ ليعلم ابْني الْكِتَابَة. فأعلمته أَن رَسُوله لَا يَأْتِيهِ بأكتب مني. فَأمرنِي أَن أكتب بَين يَدَيْهِ، فَكتبت، فَاسْتحْسن خطي، وقرنه بكتب كَانَت ترد عَلَيْهِ من وَالِدي، فَرَأى خطي أَجود مِنْهَا، فَدفع إِلَيّ ابْنَته، وَأَمرَنِي أَن أعلمها الْكِتَابَة، فهويتها، وهويتني. فَمَكثت معي حَتَّى استوفت ثَلَاث عشرَة سنة، ثمَّ عدت إِلَيّ يَوْمًا وَهِي باكية، فَقلت لَهَا: مَا يبكيك يَا سيدتي؟ فَقَالَت: دَعْنِي، يحِق لي الْبكاء، فسألتها عَن السَّبَب. فَقَالَت: كنت جالسة بَين يَدي أبي وَأمي فِي هَذِه اللَّيْلَة، فغلبتني عَيْني،

стр. 514

فَنمت، فَسمِعت أبي يَقُول لأمي: أرى ثديي ابْنَتك قد تفلكا، وَأرى هَذَا الرُّومِي قد غلظ كَلَامه، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يجتمعا بعد هَذَا الْوَقْت، فَإِذا جَلَست غَدا مَعَه، فابعثي إِلَيْهِمَا من يفرق بَينهمَا، حَتَّى لَا يَرَاهَا، وَلَا ترَاهُ. قَالَ البطريق: وَمن سنة البرجان، أَن يكون الرجل يخْطب لابنته زوجا، حَتَّى يُزَوّجهَا، وَلَا يخْطب لَهَا إِلَّا من تختاره الْبِنْت. قَالَ البطريق: فَقلت لابنَة الْملك، إِذا سَأَلَك أَبوك، من تحبين أَن أَخطب لَك من الرِّجَال فَقولِي: لست أُرِيد إِلَّا هَذَا الرُّومِي. فَغضِبت، وَقَالَت: كَيفَ يجوز أَن أسأَل أبي أَن يزوجني بِعَبْد؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: مَا جعلني الله عبدا، وَأَنا ابْن ملك، وَأبي ملك الرّوم. قَالَ البطريق: وَأهل البرجان، يسمون البطريق الرُّومِي الَّذِي يتَوَلَّى حد برجان: ملك الرّوم. فسألتني: هَل أخْبرتهَا بِحَق؟ فأعلمتها أَنه حق. فَمَا انْقَضى كلامنا، حَتَّى جَاءَ رَسُول الْملك، ففرقوا بَيْننَا، وَلم يمض بعد ذَلِك، إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى دَعَاني الْملك، فَدخلت عَلَيْهِ، فَرَأَيْت أَمَارَات الشَّرّ مستحكمة فِي وَجهه. فَقَالَ لي: يَا شقي، مَا حملك على الْكَذِب فِي نسبك؟ وَأَنا أحكم على من انتسب إِلَى غير أَبِيه بِالْقَتْلِ. فَقلت لَهُ: مَا انتسبت إِلَى غير أبي. فَقَالَ لي: أَتَقول إِنَّك ابْن ملك الرّوم؟ فأعلمته أَنِّي أَقُول ذَلِك، ودعوته إِلَى الْكَشْف عَنهُ.

стр. 515

فَقَالَ: لست أحتاج إِلَى كشف أَمرك برَسُول أرْسلهُ ليعرف خبرك، وَلَكِن لي أَشْيَاء أمتحنك بهَا، فأعرف صدقك من كَذبك، فدعوته إِلَى كشفها بِمَا شَاءَ. فَدَعَا بِدَابَّة، ولبد، وسرج، ولجام، فَأمرنِي بتناول الدَّابَّة، فَأخذت الدَّابَّة من يَد السائس، ثمَّ أَمرنِي بِأخذ اللبد، فَأَخَذته، ثمَّ أَمرنِي بإلقائة على الدَّابَّة، فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ، ثمَّ أَمرنِي بتناول السراج، فَأَخَذته، ثمَّ أَمرنِي بشد الحزام، والثفر، واللبب، وَأخذ اللجام وإلجام الدَّابَّة، فَفعلت ذَلِك، ثمَّ أَمرنِي بركوب الدَّابَّة، فركبت، وَأَمرَنِي بالسير فسرت، وَأَمرَنِي بالإقبال والإدبار، فَفعلت، ثمَّ أَمرنِي بالنزول، فَنزلت. فَقَالَ، عِنْد ذَلِك: أشهد أَنه ابْن ملك الرّوم؛ لِأَنَّهُ أَخذ الدَّابَّة أَخذ ملك، وَعمل سَائِر الْأَشْيَاء مِثْلَمَا تعمله الْمُلُوك، فَاشْهَدُوا أَنِّي قد زَوجته ابْنَتي. فَلَمَّا قَالُوا شَهِدنَا، قَالَ: لَا تشهدوا. فَلَمَّا سَمِعت قَوْله: لَا تشهدوا، تخوفت أَن يَأْتِي على نَفسِي. ثمَّ قَالَ لي: لم أتوقف عَن الشَّهَادَة رَغْبَة عَنْك، وَلَكنَّا لنا شَرط لَا نقدر أَن نخالفه، وَلم نَأْمَن أَن تضطر إِلَيْهِ، فنحملك على شرطنا، وَهُوَ مَا لم نخبرك بِهِ، ونوقفك عَلَيْهِ، فنكون قد ظَلَمْنَاك، أَو نَدع لَك سنة بلدنا، فنكون قد فارقنا سنتنا، إِن سنتنا يَا رومي، أَن لَا نفرق بَين الزَّوْجَيْنِ إِذا مَاتَ أَحدهمَا، فَإِن مَاتَ الرجل قبل الْمَرْأَة، نومناها مَعَه فِي نعشه، وحملناهما مَعًا، حَتَّى ننزلهما إِلَى بِئْر هِيَ مأوى مَوتَانا، وَجَعَلنَا مَعَهُمَا طَعَاما وَشَرَابًا لثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ أنزلناهما على الْبِئْر، فَإِذا صَارا إِلَى قَرَارهَا سيبنا الحبال عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ إِن مَاتَت الْمَرْأَة قبل الرجل، جعلناها فِي سريرها، وَجَعَلنَا زَوجهَا مَعهَا، وصيرناهما جَمِيعًا فِي الْبِئْر، فَإِن رضيت بِهَذِهِ السّنة فَبَارك الله لَك فِي زَوجك، وَإِن لم ترض

стр. 516

أقلناك، فلسنا نُزَوِّجك، وَلَا تستقيم لنا على خلاف سنتنا، فأحوجتني الصبابة بهَا، أَن قلت: قد رضيت بِهَذِهِ السّنة. فَأمر بتجهيزها وتسليمها إِلَيّ، وَجمع بَيْننَا، فأقمت مَعهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لَا نرى إِلَّا أَنا قد فزنا بِملك الدُّنْيَا. ثمَّ اعتلت عِلّة كَانَت مَعهَا غشية، لم يشك كل من رَآهَا إِلَّا أَنَّهَا قبضت، فجهزت بأفخر ثِيَابهَا، وجهزت مَعهَا بِمثل ذَلِك، وحملنا على نعش وَاحِد، وَركب الْملك، وَأهل المملكة، فشيعونا حَتَّى وافوا بِنَا شَفير الْبِئْر، ثمَّ شدوا أسافل السرير بالحبال، وَجعلُوا مَعنا فِي النعش طَعَاما وَشَرَابًا لثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ حطونا حَتَّى صرنا إِلَى قرارة الْبِئْر. ثمَّ أرخيت علينا الحبال، فَسقط حَبل مِنْهَا على وَجه الْجَارِيَة، فأزال الوجع مَا كَانَ بهَا من الغشي، فانتبهت، فَلَمَّا انْتَبَهت، رَأَيْت أَن الدُّنْيَا قد جمعت لي. واستمرت عَيْني على الظلمَة، فَرَأَيْت فِي الْموضع الَّذِي أَنا فِيهِ، من الْخبز الْيَابِس وَالْخمر مَاله دهر كثير، فأخذنا نتغذى بِهِ جَمِيعًا. وَكُنَّا لَا نعدم فِي يَوْم من الْأَيَّام، إِلَّا النَّادِر، سريرا يدلى فِيهِ زوجان، أَحدهمَا ميت، وَالْآخر حَيّ، فَإِن كَانَ النَّازِل رجلا حَيا، توليت أَنا قَتله، لِئَلَّا يكون مَعَ زَوْجَتي غَيْرِي، وَكَذَلِكَ إِن كَانَت الْحَيَّة امْرَأَة، تولت زَوْجَتي قَتلهَا، لِئَلَّا يكون مَعَ زَوجهَا غَيرهَا. فَمَكثْنَا فِي الْبِئْر على هَذِه الْحَال أَكثر من سنة، ثمَّ دُلي فِي الْبِئْر دلو، فَعلمت أَن مدلي الدَّلْو غير برجاني، وَأَنه لَا يدْخل ذَلِك الْموضع غير برجاني، إِلَّا رومي، وَوَقع لي أَن أقدم الْجَارِيَة قبلي، لتتخلص، ثمَّ تعرفهم حَالي، فيردوا الدَّلْو إِلَيّ، فأصعد.

стр. 517

فَحملت بنت الْملك فجعلتها فِي الدَّلْو بكسوتها، وحليها، وجواهرها، واجتذب الْقَوْم الدَّلْو، فَخرجت إِلَيْهِم الْجَارِيَة. فَإِذا الْقَوْم مماليك لأبي، وَلم ينتبهوا للسؤال عني، وهابتهم الْجَارِيَة، أَن تَقول لَهُم شَيْئا، وَقد كَانُوا رَأَوْا مَا فِيهِ أُمِّي وَأبي وَمَا غلب عَلَيْهِمَا من الْحزن لفقدي، فصاروا إِلَيْهِمَا بالجارية ليتسلون بهَا، فسرا بهَا، وسكنا إِلَيْهَا. واستمرت الهيبة لَهما بالجارية، فحصلت شَرّ مُحَصل. وَقد كَانَ لوالدي صديق، لَهُ أدب وَحِكْمَة، وَعلم بالتصوير، صور لَهما صُورَتي فِي خَشَبَة، وزوقها، وَجعلهَا فِي بَيت، وَقَالَ لأبوي: إِذا ذكرتما ابنكما، وَاشْتَدَّ غمكما، فادخلا فانظرا إِلَى هَذِه الصُّورَة، فأنكما ستبكيان بكاء كثيرا يعقبكما سلوة. فَلَمَّا صَارَت الْجَارِيَة إِلَى أَبَوي، ورأتهما يدخلَانِ ذَلِك الْبَيْت كثيرا، ويخرجان، وَقد بكيا، استوقفتهما يَوْمًا، وهما داخلان، فبصرت بالصورة، فَلَمَّا رأتها لطمت وَجههَا، ونتفت شعرهَا، ومزقت ثِيَابهَا. فَسَأَلَاهَا عَن السَّبَب فِيمَا صنعت بِنَفسِهَا، فَقَالَت: هَذِه صُورَة زَوجي، فَسَأَلَاهَا عَن اسْمه، وَاسم أَبِيه وَأمه، فأسمتهم جَمِيعًا. فَقَالَا لَهَا: فَأَيْنَ زَوجك؟ قَالَت: فِي الْبِئْر الَّتِي أخرجت مِنْهَا، فَركب أبي وَأمي فِي أَكثر أهل الْبَلَد، وَمَعَهُمْ الغلمان الَّذين أخرجُوا الْجَارِيَة من الْبِئْر، حَتَّى وافوا الْبِئْر، فدلوا الدَّلْو، وَكنت قد سللت سَيفي الَّذِي كَانَ أنزل معي من غمده، وَجعلت ذبابه بَين ثديي لأتكئ عَلَيْهِ، فَأخْرجهُ من ظَهْري، فَأَسْتَرِيح من الدُّنْيَا، لغَلَبَة الْغم عَليّ، فَوَثَبت، فَقَعَدت فِي الدَّلْو، واجتذبوني حَتَّى خرجت،

стр. 518

فَوجدت أبي، وَأمي، وامرأتي، على شَفير الْبِئْر، وَقد أحضروا لي الدَّوَابّ لأركب وأنصرف إِلَى بلادي، وَكَانَ أبي قد صَار ملك تِلْكَ الْبِلَاد، فَلم أطعهما، وأعلمتهما أَن الأصوب الْبعْثَة إِلَى أبي الْجَارِيَة، وَأمّهَا، حَتَّى يريَا ابنتهما مِثْلَمَا رأيتماني. ففعلا ذَلِك، ووجها إِلَى أبي الْجَارِيَة، وَهُوَ صَاحب البرجان، فَخرج فِي أهل مَمْلَكَته، حَتَّى عاينها، وَأَقَامُوا عرسا جَدِيدا، وَحدثت مهادنة بَين الرّوم والبرجان جرت فِيهَا أَيْمَان مُؤَكدَة أَن لَا يعدو أَحدهمَا على صَاحبه ثَلَاثِينَ سنة، وَصَارَ الْقَوْم إِلَى بِلَادهمْ، وصرنا إِلَى مَنَازلنَا. قَالَ: وَمَات أبي، فورثت البطرقة عَنهُ، وَرزقت من بنت ملك البرجان الْوَلَد، وَأَنت يَا عَرَبِيّ، فَإِن كَانَ الْغم قد بلغ مِنْك إِلَى مَا ذكرت فقد جَاءَك الْفرج. فَمَا انْقَضى كَلَام البطريق، حَتَّى دخل عَلَيْهِ رَسُول ملك الرّوم يَدعُوهُ، فَمضى إِلَيْهِ، ثمَّ عَاد إِلَيّ، فَقَالَ: يَا عَرَبِيّ، قد جَاءَك الْفرج، كنت عِنْد الْملك، وَقد جرى ذكر الْعَرَب، ورمتهم البطارقة عَن قَوس وَاحِدَة، فَذكرُوا أَنهم لَا عقول لَهُم وَلَا آدَاب، وَأَن قهرهم الرّوم بالغلبة والاتفاق، وَلَا بِحسن التَّدْبِير. فأعلمت الْملك أَن الْأَمر بِخِلَاف مَا قَالُوا، فَإِن للْعَرَب آدابا، وأذهانا، وتدبيرا جيدا. فَقَالَ لي الْملك: أَنْت لمحبتك لضيفك الْعَرَبِيّ تفرط فِي إِعْطَاء الْعَرَب مَا لَيْسَ لَهَا، وتصفها بِمَا لَيْسَ فِيهَا. فَقلت: إِن رأى الْملك أَن يَأْذَن فِي إِحْضَار هَذَا الْعَرَبِيّ، ليجمع بَينه وَبَين هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين، ليعرف فضيلته، فَأمرنِي بحملك إِلَيْهِ. فَقلت: بئس مَا صنعت بِي؛ لِأَنِّي أَخَاف إِن غلبني أَصْحَابه أَن يستخف بِي، وَإِن غلبتهم أَن يضطغن عَليّ. فَقَالَ: هَذِه صفة الْعَامَّة، والملوك على خلَافهَا، وَأَنا أخْبرك أَنَّك إِن

стр. 519

غلبتهم جللت فِي عين الْملك، وَكنت عِنْده بمَكَان يقْضِي لَك فِيهِ حَاجَة، وَإِن غلبوك سره غَلَبَة أهل دينه لَك، فَأوجب لَك أَيْضا بِذَاكَ ذماما، وَإِن أقل مَا يرى أَن يقْضِي لَك حَاجَة، فَإِن غلبت أَو غلبت فسله إخراجك من بَلَده، وردك إِلَى بلادك، فَإِنَّهُ سَوف يفعل ذَلِك. قَالَ قباث: فَلَمَّا دخلت على الْملك، استدناني، وقربني، وأكرمني، وَقَالَ لي: نَاظر هَؤُلَاءِ البطارقة. فأعلمته، أَنِّي لَا أرْضى لنَفسِهِ بمناظرتهم، وَأَنِّي لَا أناظر إِلَّا البطريق الْأَكْبَر، فَأمر بإحضاره. فَلَمَّا دخل، سلمت عَلَيْهِ، وَقلت لَهُ: مرْحَبًا أَيهَا الشَّيْخ الْكَبِير الْقدر. ثمَّ قلت لَهُ: يَا شيخ، كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: فِي عَافِيَة. قلت: فَكيف أحوالك كلهَا؟ قَالَ: كَمَا تحب. فَقلت لَهُ: فَكيف ابْنك؟ فتضاحكت البطارقة كلهَا، وَقَالُوا: زعم البطريق، يعنون الَّذِي هُوَ صديقي أَن هَذَا أديب، وَأَن لَهُ عقلا، وَهُوَ لَا يعلم بجهله، أَن الله تَعَالَى قد صان هَذَا البطريق عَن أَن يكون لَهُ ابْن. فَقلت: كأنكم ترفعونه عَن أَن يكون لَهُ ابْن؟ قَالُوا: إِي وَالله، إِنَّا لنرفعه، إِذْ كَانَ الله رَفعه عَن ذَلِك. فَقلت: وَاعجَبا، أيجل عبد من عبيد الله، أَن يكون لَهُ ابْن، وَلَا يجل

стр. 520

الله تَعَالَى، وَهُوَ خَالق الْخَلَائق كلهَا، عَن أَن يكون لَهُ ابْن. قَالَ: فنخر البطريق نخرة أفزعتني، ثمَّ قَالَ: أَيهَا الْملك، أخرج هَذَا السَّاعَة عَن بلدك، لَا يفْسد عَلَيْك أَهله. فَدَعَا الْملك بالفرسان، فضمني إِلَيْهِم، وأحضر لي دَوَاب الْبَرِيد، وَأمر بحملي عَلَيْهَا، وتسليمي إِلَى من يَلْقَانَا فِي أَرض الْإِسْلَام من الْمُسلمين، فسلموني إِلَى من تسلمني من أهل الثغر. ثمَّ ذكر حَدِيثا لعبد الْملك، مَعَ الرجل، لَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب فأذكره، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

стр. 521

استنقذ المذحجيين من أسر بني مَازِن وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه الْفرج بعد الشدَّة، قَالَ: بَلغنِي أَن عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ، قَالَ: خرجت فِي خيل من بني زبيد، أُرِيد غطفان، فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير، وَقد انْفَرَدت عَن أَصْحَابِي، إِذْ سَمِعت صَوت رجل ينشد شعرًا، فَحفِظت مِنْهُ قَوْله: أما من فَتى لَا يخَاف العطب ... يبلغ عَمْرو بن معدي كرب بأننا ننوط فِي مَازِن ... بأرجلنا الْيَوْم نوط الْقرب فَإِن هُوَ لم يأتنا عَاجلا ... فَيكْشف عَنَّا ظلام الكرب وَإِلَّا استغثنا بِعَبْد المدان ... وَعبد المدان لَهَا إِن طلب قَالَ: فَعلمت أَنه أَسِير فِي بني مَازِن بن صعصعة، فَقلت لخيلي: قفوا حَتَّى آتيكم، فَاقْتَحَمت على الْقَوْم وحدي، فَإِذا هم يصطلون. فَقلت: أَنا أَبُو ثَوْر، أَيْن أسرى بني مذْحج؟ فَنَادَى الأسرى من الرِّجَال، وبادر الْقَوْم إِلَيّ يطلبوني، فَلم أزل أقاتلهم وأقتل مِنْهُم حَتَّى استعفوني، وَقَالُوا: إننا وَالله لنعلم، أَنَّك لم تأتنا وَحدك إِلَّا وَأَنت لَا تبالي بِنَا، فلك الأسرى فَاكْفُفْ عَنَّا خيلك.

стр. 522

فَنزلت، وأطلقت بَعضهم، وَقلت: ليحل بَعْضكُم بَعْضًا، وليركب كل وَاحِد مِنْكُم مَا وجد من الْخَيل، وَأَقْبَلت خيل فركبوها. فَقلت للأسرى: هَل علمْتُم بموضعي، حِين أنشدتم مَا سَمِعت. قَالُوا: لَا وَالله، وَمَا أَصْبَحْنَا يَوْمًا، مُنْذُ حبسنا، آيس من الْفرج من يَوْمنَا هَذَا، فَلذَلِك أَقُول: ألم ترني إِذْ ضمني الْبَلَد القفر ... سَمِعت نِدَاء يصدع الْقلب يَا عَمْرو أغثنا فَإنَّا عصبَة مذحجية ... نناط على وفر وَلَيْسَ لنا وفر فَقلت لخيلي أنطروني فإنني ... سريع إِلَيْكُم حِين ينصدع الْفجْر وأقحمت مهري حِين صادفت غرَّة ... على الطف حَتَّى قيل قد قتل الْمهْر فأنجيت أسرى مذْحج من هوَازن ... وَلم ينجهم إِلَّا السكينَة وَالصَّبْر وَنَادَوْا جَمِيعًا حل منا وثاقنا ... أَخا الْبَطْش إِن الْأَمر يحدثه الْأَمر وأبت بأسرى لم يكن بَين قَتلهمْ ... وَبَين طعاني ضَارِبًا عَنْهُم فتر يزِيد وَعمر وَالْحصين وَمَالك ... ووهب وسُفْيَان وسابعهم وبر تكلفنا يَا عَمْرو مَا لَيْسَ عندنَا ... هوَازن فَانْظُر مَا الَّذِي فعل الدَّهْر قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: أنشدنا أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين، أَولهمَا: ألم تَرَ لما ضمني الْبَلَد القفر، وَفِي الثَّانِي: نراد على وتر وَلَيْسَ لنا وفر، قَالَ: فيهمَا خَفِيف رمل بالوسطى لمُحَمد بن الْحَارِث بن بسخنر، عَن عَمْرو، قَالَ: وَذكر أَنه لِابْنِ بانه وَفِيهِمَا ثَانِي ثقيل عَن. . .

стр. 523

أَخْبرنِي بِهَذَا الْخَبَر، مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم الزَّيْنَبِي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو خَليفَة الجُمَحِي، عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَذكر نَحوه.

стр. 524

الْبَاب السَّادِس من فَارق شدَّة إِلَى رخاء بعد بشرى مَنَام لم يشب صدق تَأْوِيله بكذب الأحلام , مَا عرض المعتضد فِي أَيَّامه للعلويين وَلَا آذاهم وَلَا قتل مِنْهُم أحدا أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى ابْن أبي عباد الحسني، قَالَ: رأى المعتضد، وَهُوَ فِي حبس أَبِيه، كَأَن شَيخا جَالِسا على دجلة، يمد يَده إِلَى مَائِهَا فَيصير فِي يَده وتجف دجلة، ثمَّ يردهُ من يَده، فتعود دجلة كَمَا كَانَت، قَالَ: فَسَأَلت عَنهُ، فَقيل لي: هَذَا عَليّ بن أبي طَالب ﵇. فَقُمْت إِلَيْهِ، وسلمت عَلَيْهِ، فَقَالَ لي: يَا أَحْمد، إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك، فَلَا تتعرض لوَلَدي، وصنهم، وَلَا تؤذهم.

стр. 525

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وحَدثني أبي ﵀ بِهَذَا الحَدِيث، على أتم من هَذَا، بِإِسْنَاد ذكره عَن ابْن حمدون النديم، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمدون، أَو قَالَ: حَدثنِي من قَالَ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد، أَنا أشكك؛ لِأَنِّي لم أكتبه، وَإِنَّمَا حفظته فِي المذاكرة، وَلَعَلَّ الْأَلْفَاظ تزيد أَو تنقص، قَالَ: قَالَ لي المعتضد بِاللَّه، وَهُوَ خَليفَة: لما قدم أبي، وَهُوَ عليل، الْعلَّة الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَأَنا فِي حَبسه، ازْدَادَ خوفي على نَفسِي، وَلم أَشك فِي أَن إِسْمَاعِيل بن بلبل، سيحمله على قَتْلِي، أَو يحتال بحيلة يسفك بهَا دمي، إِذا وجد أبي قد ثقل، وأيس مِنْهُ. فَنمت لَيْلَة من تِلْكَ اللَّيَالِي، وَأَنا من الْخَوْف على أَمر عَظِيم، وَقد صليت صَلَاة كَثِيرَة ودعوت الله ، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كأنني قد خرجت إِلَى شاطئ دجلة، فَرَأَيْت رجلا جَالِسا على الشاطئ، يدْخل يَده فِي المَاء، فَيقبض عَلَيْهِ، فتقف دجلة، وَلَا يخرج من تَحت يَده قَطْرَة من المَاء، حَتَّى يجِف مَا تَحت يَده، ويتزايد المَاء فَوق يَده وَيقف كالطود الْعَظِيم، ثمَّ يخرج يَده من المَاء فَيجْرِي، يفعل ذَلِك مرَارًا، فهالني مَا رَأَيْت. فدنوت مِنْهُ، وسلمت عَلَيْهِ، وَقلت لَهُ: من أَنْت يَا عبد الله الصَّالح؟ فَقَالَ: أَنا عَليّ بن أبي طَالب.

стр. 526

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ادْع الله لي. فَقَالَ: إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك، فاعتضد بِاللَّه، واحفظني فِي وَلَدي، فانتبهت، وَكَأَنِّي أسمع كَلَامه لسرعة الْمَنَام. فوثقت بأنني أتقلد الْخلَافَة، وقويت نَفسِي، وَزَالَ خوفي، فَقلت لغلام لم يكن معي فِي الْحَبْس غَيره: إِذا أَصْبَحْنَا فَامْضِ فابتع لي خَاتمًا، وانقش على فصه أَحْمد المعتضد بِاللَّه، وجئني بِهِ. فَمضى، وَفعل، وأتاني بِهِ، فلبسته، وَقلت: إِذا وليت الْخلَافَة جعلت لقبي المعتضد بِاللَّه. ثمَّ أخذت أقطع ضيق صَدْرِي فِي الْحَبْس، بتصفح أَحْوَال الدُّنْيَا، والفكر فِي تَدْبِير عمَارَة الخراب مِنْهَا، وَوجه فتح المنغلق، وَتَعْيِين الْعمَّال للنواحي، والأمراء فِي الْبِلَاد. ثمَّ أخذت رقْعَة، فَكتبت، بدر: الْحَاجِب، عبيد الله بن سُلَيْمَان: الْوَزير، فلَان: أَمِير الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: عَامل الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: للديوان الْفُلَانِيّ، إِلَى أَن أتيت على مَا فِي نَفسِي من ذَلِك، ثمَّ دفعتها للغلام، وَقلت لَهُ: احتفظ بِهَذِهِ، فَإِن دمي ودمك مرتهنان بِمَا فِيهَا، فحفظها. فَمَا مضى إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى لحقت الْمُوفق غشية، لم يشك الغلمان مَعهَا أَنه قد مَاتَ، فأخرجوني، فَأتوا بِي إِلَى بَيت فِيهِ الْمُوفق، فَلَمَّا رَأَيْته علمت أَنه غير ميت، فَجَلَست عِنْده، وَأخذت يَده أقبلها وأترشفها، فأفاق، فَلَمَّا رَآنِي أفعل ذَلِك، أظهر التقبل لي، وَأَوْمَأَ إِلَى الغلمان، أَن قد أَحْسَنْتُم فِيمَا فَعلْتُمْ.

стр. 527

ثمَّ مَاتَ الْمُوفق فِي ليلته تِلْكَ، وَوليت مَكَانَهُ، فابتدأت بتقرير الْأُمُور، على مَا كنت قَرّرته فِي الرقعة، ثمَّ وليت الْخلَافَة، فأمضيت بقايا تِلْكَ التدبيرات كلهَا. قَالَ لي أبي: قَالَ لي ابْن حمدون: مَا عرض المعتضد فِي أَيَّامه للعلويين، وَلَا آذاهم، وَلَا قتل مِنْهُم أحدا.

стр. 528

سُلَيْمَان بن وهب يتفاءل بمنام رَآهُ وَهُوَ مَحْبُوس حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الحصيبي، ابْن بنت ابْن الْمُدبر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفضل مَيْمُون بن هَارُون بن مخلد بن أبان الْكَاتِب، قَالَ عَليّ بن هِشَام: وَمَيْمُون هَذَا، هُوَ جد أبي الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، كَاتب المتقي فِي أَيَّام أَبِيه، ووزيره لما اسْتخْلف، قَالَ: كَانَت بيني وَبَين أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب، مَوَدَّة وكيدة، فَلَمَّا تسهلت محنته بعد قتل إيتاخ، صرت إِلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس مُقَيّد، إِلَّا أَنه مرفه فِي الْكسْوَة، وَكبر الدَّار، والفرش، وَحسن الْخدمَة، وَقد صلحت حَاله بِالْإِضَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أول نكبته من الضَّرْب والتضييق. فَحَدثني: أَنه رأى فِي ليلته تِلْكَ، فِي مَنَامه، كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ: اصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور قَالَ: فصرت إِلَى أَخِيه أبي عَليّ الْحسن بن وهب، فَحَدَّثته بذلك، فسر بِهِ، وَكَانَ كالمستتر الْمُمْتَنع عَن لِقَاء السُّلْطَان، فَعمل شعرًا ضمنه الْبَيْت، وسألني إيصاله إِلَى أَخِيه أبي أَيُّوب سُلَيْمَان، فَأَخَذته، وأدخلته إِلَيْهِ، وَهُوَ: الدمع من عَيْني أَخِيك غزير ... فِي لَيْلَة ونهاره محدور بِأبي وَأمي خطوك الْمَقْصُور ... أمقيد، ومصفد، وأسير؟

стр. 529

وَزَادَنِي غَيره، فِي غير هَذِه الرِّوَايَة: مَاذَا بقلب أَخِيك مذ فارقته ... ليكاد من شوق إِلَيْك يطير فَكَأَنَّمَا هُوَ قرحَة مقروفة ... مِنْهَا البلابل والهموم تثور فكر يجول بهَا الضَّمِير كَأَنَّمَا ... يذكو بهَا حول الشغاف سعير وجوى دخيل لَيْسَ يعلم كنهه ... مِمَّا يلاقيه أَخ وعشير فيظنه أخدانه متسليا ... والبث فِي أحشائه مَسْتُور رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى: مَا كنت أحسبني أعيش ومهجتي ... تَحت الخطوب تَدور حَيْثُ تَدور قلقا فَإنَّك بالعزاء جدير ... وعَلى النوائب مُنْذُ كنت صبور عثرات مثلك فِي الزَّمَان كَثِيرَة ... ولهن بعد مثابة وحبور إِن تمس فِي حلق الْحَدِيد فحشوها ... مِنْك السماحة والندى وَالْخَيْر والفصل للشبهات رَأْيك ثاقب ... فِيهَا يضيء سداده وينير وَزَادَنِي غَيره أَيْضا: وَتحمل العبء الثقيل بثقله ... مِنْك المجرب عزمه المخبور رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى: فاصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور

стр. 530

وَالله مرجو لكربتنا مَعًا ... وعَلى الَّذِي نرجوه مِنْهُ قدير قَالَ: فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أطلق سُلَيْمَان بن وهب، ثمَّ انْتهى بعد سِنِين إِلَى الوزارة. وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه: (كتاب الوزراء) ، على قريب من هَذَا؛ إِلَّا أَنه أَتَى من الشّعْر ببيتين فَقَط.
следующие страницы →