← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ادْع الله لي. فَقَالَ: إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك، فاعتضد بِاللَّه، واحفظني فِي وَلَدي، فانتبهت، وَكَأَنِّي أسمع كَلَامه لسرعة الْمَنَام. فوثقت بأنني أتقلد الْخلَافَة، وقويت نَفسِي، وَزَالَ خوفي، فَقلت لغلام لم يكن معي فِي الْحَبْس غَيره: إِذا أَصْبَحْنَا فَامْضِ فابتع لي خَاتمًا، وانقش على فصه أَحْمد المعتضد بِاللَّه، وجئني بِهِ. فَمضى، وَفعل، وأتاني بِهِ، فلبسته، وَقلت: إِذا وليت الْخلَافَة جعلت لقبي المعتضد بِاللَّه. ثمَّ أخذت أقطع ضيق صَدْرِي فِي الْحَبْس، بتصفح أَحْوَال الدُّنْيَا، والفكر فِي تَدْبِير عمَارَة الخراب مِنْهَا، وَوجه فتح المنغلق، وَتَعْيِين الْعمَّال للنواحي، والأمراء فِي الْبِلَاد. ثمَّ أخذت رقْعَة، فَكتبت، بدر: الْحَاجِب، عبيد الله بن سُلَيْمَان: الْوَزير، فلَان: أَمِير الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: عَامل الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: للديوان الْفُلَانِيّ، إِلَى أَن أتيت على مَا فِي نَفسِي من ذَلِك، ثمَّ دفعتها للغلام، وَقلت لَهُ: احتفظ بِهَذِهِ، فَإِن دمي ودمك مرتهنان بِمَا فِيهَا، فحفظها. فَمَا مضى إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى لحقت الْمُوفق غشية، لم يشك الغلمان مَعهَا أَنه قد مَاتَ، فأخرجوني، فَأتوا بِي إِلَى بَيت فِيهِ الْمُوفق، فَلَمَّا رَأَيْته علمت أَنه غير ميت، فَجَلَست عِنْده، وَأخذت يَده أقبلها وأترشفها، فأفاق، فَلَمَّا رَآنِي أفعل ذَلِك، أظهر التقبل لي، وَأَوْمَأَ إِلَى الغلمان، أَن قد أَحْسَنْتُم فِيمَا فَعلْتُمْ.

стр. 527

ثمَّ مَاتَ الْمُوفق فِي ليلته تِلْكَ، وَوليت مَكَانَهُ، فابتدأت بتقرير الْأُمُور، على مَا كنت قَرّرته فِي الرقعة، ثمَّ وليت الْخلَافَة، فأمضيت بقايا تِلْكَ التدبيرات كلهَا. قَالَ لي أبي: قَالَ لي ابْن حمدون: مَا عرض المعتضد فِي أَيَّامه للعلويين، وَلَا آذاهم، وَلَا قتل مِنْهُم أحدا.

стр. 528

سُلَيْمَان بن وهب يتفاءل بمنام رَآهُ وَهُوَ مَحْبُوس حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الحصيبي، ابْن بنت ابْن الْمُدبر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفضل مَيْمُون بن هَارُون بن مخلد بن أبان الْكَاتِب، قَالَ عَليّ بن هِشَام: وَمَيْمُون هَذَا، هُوَ جد أبي الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، كَاتب المتقي فِي أَيَّام أَبِيه، ووزيره لما اسْتخْلف، قَالَ: كَانَت بيني وَبَين أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب، مَوَدَّة وكيدة، فَلَمَّا تسهلت محنته بعد قتل إيتاخ، صرت إِلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس مُقَيّد، إِلَّا أَنه مرفه فِي الْكسْوَة، وَكبر الدَّار، والفرش، وَحسن الْخدمَة، وَقد صلحت حَاله بِالْإِضَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أول نكبته من الضَّرْب والتضييق. فَحَدثني: أَنه رأى فِي ليلته تِلْكَ، فِي مَنَامه، كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ: اصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور قَالَ: فصرت إِلَى أَخِيه أبي عَليّ الْحسن بن وهب، فَحَدَّثته بذلك، فسر بِهِ، وَكَانَ كالمستتر الْمُمْتَنع عَن لِقَاء السُّلْطَان، فَعمل شعرًا ضمنه الْبَيْت، وسألني إيصاله إِلَى أَخِيه أبي أَيُّوب سُلَيْمَان، فَأَخَذته، وأدخلته إِلَيْهِ، وَهُوَ: الدمع من عَيْني أَخِيك غزير ... فِي لَيْلَة ونهاره محدور بِأبي وَأمي خطوك الْمَقْصُور ... أمقيد، ومصفد، وأسير؟

стр. 529

وَزَادَنِي غَيره، فِي غير هَذِه الرِّوَايَة: مَاذَا بقلب أَخِيك مذ فارقته ... ليكاد من شوق إِلَيْك يطير فَكَأَنَّمَا هُوَ قرحَة مقروفة ... مِنْهَا البلابل والهموم تثور فكر يجول بهَا الضَّمِير كَأَنَّمَا ... يذكو بهَا حول الشغاف سعير وجوى دخيل لَيْسَ يعلم كنهه ... مِمَّا يلاقيه أَخ وعشير فيظنه أخدانه متسليا ... والبث فِي أحشائه مَسْتُور رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى: مَا كنت أحسبني أعيش ومهجتي ... تَحت الخطوب تَدور حَيْثُ تَدور قلقا فَإنَّك بالعزاء جدير ... وعَلى النوائب مُنْذُ كنت صبور عثرات مثلك فِي الزَّمَان كَثِيرَة ... ولهن بعد مثابة وحبور إِن تمس فِي حلق الْحَدِيد فحشوها ... مِنْك السماحة والندى وَالْخَيْر والفصل للشبهات رَأْيك ثاقب ... فِيهَا يضيء سداده وينير وَزَادَنِي غَيره أَيْضا: وَتحمل العبء الثقيل بثقله ... مِنْك المجرب عزمه المخبور رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى: فاصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادها ... أحد سواك وحظك الموفور

стр. 530

وَالله مرجو لكربتنا مَعًا ... وعَلى الَّذِي نرجوه مِنْهُ قدير قَالَ: فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أطلق سُلَيْمَان بن وهب، ثمَّ انْتهى بعد سِنِين إِلَى الوزارة. وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه: (كتاب الوزراء) ، على قريب من هَذَا؛ إِلَّا أَنه أَتَى من الشّعْر ببيتين فَقَط.

стр. 531

لم يقْصد النِّهَايَة دَار الْحسن بن مخلد لِأَنَّهُ كَانَ متعطلا حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفرج مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَفْص الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مخلد، أول من رفعني، واستخلفني على ديوَان الضّيَاع، فَكنت أخلفه عَلَيْهِ، إِلَى أَن ولي شُجَاع بن الْقَاسِم الوزارة، مَعَ كتبة أوتامش، فِي أَيَّام المستعين، فَاشْتَدَّ جزع أبي مُحَمَّد مِنْهُ.

стр. 532

فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك، فَقَالَ: هَذَا رجل حمَار، لَا يغار على صناعته، وَهُوَ مَعَ هَذَا من أَشد النَّاس حِيلَة وشرا، وَهُوَ يعرف كبر نَفسِي، وَصغر نَفسه، وَقد بَدَأَ بِأبي جَعْفَر أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَصَرفهُ عَن ديوَان الْخراج، ونكبه، ونفاه إِلَى أنطاكية، وَلست آمن أَن يَجْعَلنِي فِي أَثَره. قَالَ: فَمَا مضى إِلَّا أُسْبُوع، حَتَّى ظهر أَن أَبَا مُوسَى عِيسَى بن فرخان شاه القنائي الْكَاتِب قد سعى مَعَ شُجَاع فِي تقلد ديوَان الضّيَاع، ثمَّ تقلده صارفا لِلْحسنِ بن مخلد، وخلع عَلَيْهِ، فازداد جزع الْحسن، وأغلق بَابه، وَقطع الرّكُوب. فَبَيْنَمَا أَنا عِنْده فِي بعض العشيات، إِذْ أَتَت رقْعَة من شُجَاع، يستدعيه، ويؤكد عَلَيْهِ فِي البدار، فارتاع، ونهض، وَتعلق قلبِي بِهِ، فَقَعَدت أنْتَظر، إِلَى أَن عَاد، وَهُوَ مغموم مكروب. فَقلت: مَا خبرك؟ قَالَ: قد فرغ شُجَاع من التَّدْبِير عَليّ، وَذَلِكَ أَنه قد صَحَّ عِنْدِي بعد افتراقنا، أَن أوتامش قَالَ البارحة لبَعض خواصه: قد ثقلنا على شُجَاع، وحملناه مَالا يُطيق من كتبتي والوزارة، وَتَركنَا هَذَا الشَّيْخ الْحسن بن مخلد، متعطلا، وَلَا بُد أَن يفرج لَهُ شُجَاع عَن كتبتي، أَو الوزارة، لأقلده أَحدهَا، فَلَمَّا بلغ ذَلِك شجاعا، أنفذ إِلَيّ فِي الْوَقْت. فَلَمَّا لَقيته السَّاعَة، قَالَ لي: يَا أَبَا مُحَمَّد، أَنْت شَيْخي، ورئيسي، وَأَنت اصطنعتني، وَأَنا معترف بِالْحَقِّ لَك، وَآخر مَا لَك عِنْدِي من الإنعام

стр. 533

أَن قلدتني عمالة همذان، فانتقلت مِنْهَا إِلَى هَذِه الْمرتبَة، والأمير يحذرك الحذر كُله، وَقد أَقَامَ على أَنه لَا بُد من نكبتك وإفقارك، فللحال الَّتِي بَيْننَا، مَا أَقمت على الِامْتِنَاع عَلَيْهِ من هَذَا، وَسَأَلته فِي أَمرك، وَبعد أَن جرت خطوب، تقرر أَن لَا تجاوره، وتشخص إِلَى بَغْدَاد، ورضيته بذلك، وصرفت عَنْك النكبة، وَقد أَمرنِي بإخراجك من ساعتك، وَمَا زلت مَعَه حَتَّى استنظرته لَك ثَلَاثَة أَيَّام، أَولهَا يَوْمنَا هَذَا، فاعمل على هَذَا، وَأَنَّك تمْضِي إِلَى بلد الْأَمر وَالنَّهْي فِيهِ إِلَى أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر، وَهُوَ صديقك، ويخدمك النَّاس كلهم، وَلَا تخْدم أحدا، وتقرب من ضيعتك. فأظهرت لَهُ الشُّكْر، وضمنت لَهُ الْخُرُوج، وَأَنا خَائِف مِنْهُ أَن يدعني حَتَّى أخرج آلتي وحرمي، ثمَّ يقبض على ذَلِك كُله، وينكبني. فَقلت: الْوَجْه أَن تفرق جَمِيع مَالك وحرمك والأمتعة وَالدَّوَاب، وتودعه ثقاتك، وإخوانك، من وُجُوه قواد الأتراك وكتابهم، وتطرح الثّقل الَّذِي لَا قيمَة

стр. 534

لَهُ من خيش وستائر وأسرة وَآلَة المطبخ فِي الزواريق، وتجلس فِي الحراقة الْعَجَائِز اللواتي لَا تفكر فِيهِنَّ، ليظن أَنَّهُنَّ الْحرم، وتجتهد أَن يكون خُرُوجك ظَاهرا، وَلَا تكاشف بالاستتار، بل على سَبِيل توق ومراوغة، فَإِذا حصلت بِبَغْدَاد، دبرت أَمرك حِينَئِذٍ بِمَا ترى. فَقَالَ: هَذَا رَأْي صَحِيح، وَأخذ يصلح أمره على هَذَا. فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث، لم أنم أَكثر اللَّيْل، فكرا فِيهِ، وغما بأَمْره، ثمَّ نمت لما غلبتني عَيْني، فَرَأَيْت فِي السحر كَأَن قَائِلا يَقُول لي: لَا تغتم، فقد ركب الأتراك من أَصْحَاب وصيف وبغا، إِلَى أوتامش وكاتبه شُجَاع، وَقد هجموا عَلَيْهِمَا، وقتلوهما، وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُمَا. فانتبهت مروعا، وَوجدت الْوَقْت حِين انفجار الصُّبْح، فَصليت، وَركبت إِلَى الْحسن بن مخلد، فَدخلت إِلَيْهِ من بَاب لَهُ غامض؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أغلق أبوابه الْمَعْرُوفَة، فَسَأَلته عَن خَبره. فَقَالَ: هَذَا آخر الْأَجَل، وَقد خفت أَن يعاجلني شُجَاع بِالْقَبْضِ عَليّ، وَقد أغلقت أبوابي، واستظهرت بغلمان يراعون رسله، فَإِن جَاءُوا وَرَأَوا أَمَارَات الشَّرّ مِنْهُم، خرجت من هَذَا الْبَاب الغامض، وَأَن يسْأَلُوا عَن شُجَاع،

стр. 535

فَإِن كَانَ فِي دَاره قَالُوا لمن جَاءَ يطلبني: إِنَّه فِي دَار الْأَمِير، وَإِن كَانَ فِي دَار الْأَمِير، قَالُوا للرسل: إِنَّه فِي دَار شُجَاع، مدافعة عني حَتَّى أهرب، قَالَ: فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فتضاحك، وَقَالَ: مَا ظننتك بِهَذِهِ الْغَفْلَة، نَحن فِي الْيَقَظَة على مَا ترى، كَيفَ يَصح لنا خبرك فِي مَنَامك؟ هَذَا إِنَّمَا نمت وَأَنت تتمنى خلاصي، فَرَأَيْت ذَلِك فِي مَنَامك. فَخرجت من عِنْده أُرِيد دَاري، فلقيني جمَاعَة فِي الطَّرِيق، فعرفوني أَن الأتراك قد ركبُوا بِالسِّلَاحِ، فعدت إِلَى منزلي، وأغلقت بَابي، ووصيت عيالي بِحِفْظ الدَّار، ثمَّ عدت، فَدخلت إِلَى الْحسن، فَأَخْبَرته بالْخبر، فَأمر بمراعاة الْأَمر. فَمَا زلنا نتعرف الْأَخْبَار، سَاعَة بساعة، إِلَى أَن جَاءَ النَّاس فعرفونا أَن الأتراك قتلوا شجاعا، ثمَّ دخل رجل، فَقَالَ: أَنا رَأَيْت السَّاعَة رَأس أوتامش، وَصَحَّ الْخَبَر بِقَتْلِهِمَا جَمِيعًا. ونهبت سامراء كلهَا، فَمَا أفلت أحد من النهب أحسن من إفلات الْحسن بن مخلد؛ لِأَن مَاله كُله كَانَ قد حصل عِنْد القواد وكتابهم، فَلم يضع مِنْهُ شَيْء، وَكَانَ متعطلا، فَلم يقْصد النهابة دَاره، وَمَا أمسينا إِلَّا فِي أتم سرُور وَفَرح؛ لِأَنَّهُ فرج عَنَّا بِمَا لم يكن فِي حسابنا.

стр. 536

اتخذ من رُؤْيا ادّعى أَنه رَآهَا سَببا للتخلص من حبس سيف الدولة حَدثنِي أَبُو الْفرج المَخْزُومِي، الْمَعْرُوف بالببغاء الشَّاعِر، قَالَ: كَانَ بحلب بزاز يعرف بِأبي الْعَبَّاس بن الْمَوْصُول، اعتقله سيف الدولة، بخراج كَانَ عَلَيْهِ، مُدَّة، وَكَانَ الرجل حاذقا بالتعبير للرؤيا. فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، كنت بِحَضْرَة سيف الدولة، وَقد وصلت إِلَيْهِ رقْعَة الْبَزَّاز، يسْأَله فِيهَا حُضُور مَجْلِسه، فَأمر بإحضاره. وَقَالَ: لأي شَيْء سَأَلت الْحُضُور؟ فَقَالَ: لعلمي أَنه لَا بُد أَن يُطلقنِي الْأَمِير سيف الدولة من الاعتقال، فِي هَذَا الْيَوْم. قَالَ: وَمن أَيْن علمت ذَلِك؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي، فِي آخر اللَّيْل، رجلا قد سلم إِلَيّ مشطا، وَقَالَ لي: سرح لحيتك، فَفعلت ذَلِك، فتأولت التسريح، سراحا من شدَّة واعتقال، وَلكَون الْمَنَام فِي آخر اللَّيْل، حكمت أَن تَأْوِيله يَصح

стр. 537

سَرِيعا، ووثقت بذلك، فَجعلت الطَّرِيق إِلَيْهِ مَسْأَلَة الْحُضُور، لأستعطف الْأَمِير. فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنت التَّأْوِيل، وَالْأَمر على مَا ذكرت، وَقد أطلقتك، وسوغتك خراجك فِي هَذِه السّنة. فَخرج الرجل يشكره وَيَدْعُو لَهُ.

стр. 538

خراساني يودع بدرة من المَال لَدَى أبي حسان الزيَادي فيسارع إِلَى إنفاقها أَخْبرنِي القَاضِي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف وَكِيع القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سهل الرَّازِيّ القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حسان الزيَادي القَاضِي، قَالَ: جَاءَنِي رجل من أهل خُرَاسَان، فأودعني بدرة دَرَاهِم، فأخذتها مَضْمُونَة، وَكنت مضيقا، فأسرعت فِي إنفاقها، وَكَانَ قد عزم الْمُودع على الْحَج، ثمَّ بدا لَهُ، فَعَاد يطْلبهَا فاغتممت، وَقلت لَهُ: تعود إِلَيّ من غَد.

стр. 539

ثمَّ فزعت إِلَى الله تَعَالَى، ودعوته، وَركبت بغلتي فِي الْغَلَس، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أتوجه، وعبرت الجسر وَأخذت نَحْو المخرم، وَمَا فِي نَفسِي أحد أقصده، فاستقبلني رجل رَاكب، فَقَالَ: إِلَيْك بعثت. فَقلت: من بَعثك؟ فَقَالَ: دِينَار بن عبد الله، فَأَتَيْته، وَهُوَ جَالس. فَقَالَ لي: مَا حالك؟ قلت: وَمَا ذَاك؟ فَقَالَ: وَمَا نمت اللَّيْلَة إِلَّا أَتَانِي آتٍ، فَقَالَ: أدْرك أَبَا حسان. فَحَدَّثته بحديثي، فَدَعَا بِعشْرين ألف دِرْهَم، فَدَفعهَا إِلَيّ، فَرَجَعت، فَصليت فِي مَسْجِدي الْغَدَاة، وَجَاء الرجل، فَدفعت إِلَيْهِ مَاله، وأنفقت الْبَاقِي. وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، من طَرِيق آخر، فَحَدثني طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الشَّاهِد، وقرأته بِالْإِجَازَةِ عَن طَلْحَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل نطاحة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سهل الرَّازِيّ القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حسان الزيَادي القَاضِي، قَالَ: أضقت إضاقة بلغت بهَا إِلَى الْغَايَة، حَتَّى ألح عَليّ الخباز، والقصاب، والبقال، وَسَائِر المعاملين، وَلم تبْق لي حِيلَة. فَإِنِّي يَوْمًا من الْأَيَّام على تِلْكَ الْحَال، مفكرا فِي أَمْرِي، كَيفَ أعمل، وَكَيف أحتال، إِذْ دخل عَليّ غلامي، فَقَالَ: بِالْبَابِ حَاج يسْتَأْذن عَلَيْك. فَقلت: أدخلهُ.

стр. 540

فَدخل عَليّ رجل خراساني، فَسلم، وَقَالَ: أَنْت أَبُو حسان؟ قلت: نعم، فَمَا حَاجَتك؟ قَالَ: أَنا رجل غَرِيب، أُرِيد الْحَج، وَمَعِي جملَة مَالِي، وَهُوَ عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَقد أحضرته فِي بدرة معي أَسأَلك أَن تقبضها وتدعها قبلك، إِلَى أَن أَقْْضِي حجي، وأرجع، فَإِنِّي غَرِيب، وَمَا أعرف أحدا فِي هَذَا الْبَلَد. فَقلت: هَات البدرة. فسلمها إِلَيّ، وَخرج بعد أَن وزن مَا فِيهَا. فَلَمَّا خرج، فتحتها على الْفَوْر، وأحضرت المعاملين، فَقضيت جَمِيع ديوني، واتسعت بِالْبَاقِي، وَقلت: أضمنها فِي مَالِي إِلَى أَن يعود من الْحَج، وَإِلَى أَن يَجِيء، يَأْتِي الله بفرج من عِنْده. فَكنت فِي يومي ذَاك، فِي سَعَة، وَأَنا فَرح، لست أَشك فِي خُرُوج الْخُرَاسَانِي. فَلَمَّا أَصبَحت من الْغَد، دخل عَليّ الْغُلَام، فَقَالَ: الْخُرَاسَانِي الَّذِي أودعك البدرة، بِالْبَابِ. فَقلت: أدخلهُ. فَدخل، وَقَالَ: اعْلَم أَنِّي كنت عَازِمًا على الْحَج، ثمَّ ورد عَليّ خبر وَفَاة أبي، وَقد عزمت على الرُّجُوع إِلَى بلدي، فتفضل عَليّ بِإِعَادَة البدرة الَّتِي أَعطيتك أمس. فورد عَليّ أَمر عَظِيم، لم يرد عَليّ مثله قطّ، وتحيرت، وَلم أدر بِمَا أُجِيبهُ، ثمَّ فَكرت، فَقلت: مَاذَا أَقُول لَهُ؟ إِن جحدته قدمني إِلَى القَاضِي، واستحلفني

стр. 541

فَكَانَت الفضيحة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والهتك، وَإِن دافعته صَاح وهتكني. فَقلت لَهُ: نعم، عافاك الله، إِن منزلي هَذَا لَيْسَ بالحريز، وَلما أخذت مِنْك البدرة، أنفذتها إِلَى مَوضِع أحرز مِنْهُ، فتعود إِلَيّ غَدا، لأسلمها إِلَيْك. فَانْصَرف، وَبقيت متحيرا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، وَعظم عَليّ الْأَمر جدا، فأدركني اللَّيْل، وفكرت فِي بكور الْخُرَاسَانِي، فَلم يأخذني النّوم، وَلَا قدرت على الغمض. فَقُمْت إِلَى الْغُلَام، فَقلت: أَسْرج البغلة. فَقَالَ: يَا مولَايَ، هَذَا أول اللَّيْل، إِلَى أَيْن تمْضِي؟ فَرَجَعت إِلَى فِرَاشِي، فَإِذا النّوم مُمْتَنع عَليّ، فَلم أزل أقوم إِلَى الْغُلَام، وَهُوَ يردني، حَتَّى فعلت ذَلِك مَرَّات، وَأَنا لَا يأخذني الْقَرار. وطلع الْفجْر، فأسرج الْغُلَام البغلة، فركبت، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أتوجه، فطرحت عنان البغلة، وَأَقْبَلت أفكر وَهِي تسير، حَتَّى بلغت الجسر فعدلت بِي إِلَيْهِ، فتركتها فعبرت. ثمَّ قلت: إِلَى أَيْن أعبر، إِلَى أَيْن أتوجه؟ وَلَكِن إِن رجعت، رَأَيْت الْخُرَاسَانِي على بَابي، وَلَكِن أدعها تمْضِي حَيْثُ شَاءَت، فمضت البغلة، فَلَمَّا عبرت البغلة الجسر، أخذت بِي يمنة، نَاحيَة دَار الْمَأْمُون، وتركتها،

стр. 542

وَمَرَّتْ، فَلم أزل كَذَلِك إِلَى أَن قربت من درا الْمَأْمُون، وَالدُّنْيَا بعد مظْلمَة. فَإِذا فَارس قد تَلقانِي، فَنظر فِي وَجْهي، ثمَّ سَار وَتَرَكَنِي، ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: أَلَسْت أَبَا حسان الزيَادي؟ فَقلت: بلَى. قَالَ: إِلَيْك بعثت. فَقلت: مَا تُرِيدُ، رَحِمك الله، وَمن بعث بك؟ فَقَالَ: الْأَمِير الْحسن بن سهل. فَقلت: وَمَا يُرِيد مني الْحسن بن سهل؟ ثمَّ قلت: امْضِ بِنَا، فَمضى حَتَّى اسْتَأْذن على الْحسن بن سهل، فَدخلت إِلَيْهِ.

стр. 543

فَقَالَ: يَا أَبَا حسان، مَا خبرك، وَكَيف حالك، وَلم انْقَطَعت عَنَّا؟ فَقلت: لأسباب، وَذَهَبت لأعتذر عَن التَّخَلُّف. فَقَالَ: دع هَذَا عَنْك، أَنْت فِي لوثة، وَفِي أَمر مَا هُوَ، فَإِنِّي رَأَيْتُك فِي النّوم، فِي تَخْلِيط كثير. فشرحت لَهُ قصتي، من أَولهَا إِلَى أَن لَقِيَنِي صَاحبه، وَدخلت عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَا يغمك الله يَا أَبَا حسان، هَذِه بدرة للخراساني، مَكَان بدرته، وَهَذِه بدرة أُخْرَى تتسع بهَا، فَإِذا نفدت أعلمنَا. فَرَجَعت من سَاعَتِي، فَدفعت للخراساني بدرته، واتسعت بِالْبَاقِي، وَفرج الله عني، فَلهُ الْحَمد. وحَدثني بِهَذَا الحَدِيث أَيْضا، أَبُو الْفرج مُحَمَّد بن جَعْفَر، من ولد صَالح صَاحب الْمصلى، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي حسان الزيَادي، وَكَانَ مُحدثا بِبَغْدَاد، ثِقَة، مَشْهُورا، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، قَالَ: كنت وليت الْقَضَاء من قبل أبي يُوسُف القَاضِي ﵀، ثمَّ صرفت، وتعطلت، وأضقت إضاقة شَدِيدَة، وركبني دين فادح، لخباز، وبقال، وقصاب، وعطار، وبزاز، وَغَيرهم، حَتَّى قطعُوا معاملتي لِكَثْرَة مَالهم عَليّ، وإياسهم من أَن أقضيهم، فتضاعفت إضاقتي، واشتدت حيرتي. فَإِنِّي يَوْمًا بمسجدي، قد صليت بأَهْله الْغَدَاة، ثمَّ انفتلت أدرس أَصْحَابِي الْفِقْه إِذْ جَاءَنِي رجل خراساني، وَذكر الحَدِيث على نَحْو مَا ذكره

стр. 544

طَلْحَة إِلَّا أَنه لم يقل فِيهِ جملَة: فَإلَى. . . .، وَقَالَ أَبُو الْفرج فِي حَدِيثه: فَلَمَّا بلغت مربعة الخرسي، استقبلني موكب فِيهِ شموع ونفاطات، قد أَضَاء مِنْهُ الطَّرِيق، فَصَارَ كالنهار، فطلبت زقاقا أستخفي فِيهِ، حَتَّى يجوز الموكب، فَلم أجد، فَإِذا بِرَجُل من الموكب، يَقُول: أَبُو حسان وَالله، فتأملته، فَإِذا هُوَ دِينَار بن عبد الله، فَسلمت عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِلَيْك جِئْت، أرسل إِلَيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّاعَة، وَأَمرَنِي أَن أركب إِلَيْك بنفسي، وأحضره إياك. فمضيت مَعَه، حَتَّى أدخلني على الْمَأْمُون. فَقَالَ لي الْمَأْمُون: مَا قصتك؟ فَإِنِّي رَأَيْتُك فِي النّوم البارحة، وَالنَّبِيّ ﷺ ، يَأْمُرنِي بإغاثتك. فَحَدَّثته بحديثي. فَقَالَ الْمَأْمُون: أعْطوا أَبَا حسان ثَلَاث بدر، وولاني الرّيّ، وَأَمرَنِي بِالْخرُوجِ إِلَيْهَا. قَالَ: فعدت إِلَى بَيْتِي وَمَا طلع الْفجْر، فَلَمَّا كَانَ وَقت صَلَاتي فِي مَسْجِدي، خرجت، وَإِذا بالخراساني، فَلَمَّا قضيت الصَّلَاة، أدخلته إِلَى الْبَيْت، فأخرجت إِلَيْهِ الْبَدْر.

стр. 545

فَلَمَّا رَآهَا، قَالَ: مَا هَذَا؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وأعطيته بدرة مِنْهَا، فَأَخذهَا وَانْصَرف. وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء) ، فِي أَخْبَار دِينَار بن عبد الله: أَن رَسُوله لَقِي أَبَا حسان فِي الطَّرِيق، فَقَالَ لَهُ: قسمت شَيْئا على عيالنا، فَذكرت عِيَالك، فأنفذت إِلَيْك عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَأَخذهَا، وَرجع من الطَّرِيق، وباكره الْخُرَاسَانِي فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا كلهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أنْفق جَمِيع مَال الْخُرَاسَانِي، ثمَّ عَاد من غَد إِلَى دِينَار، فَعرفهُ وشكره وعرفه الحَدِيث. فَقَالَ: فَكَأَنَّمَا قضينا الْخُرَاسَانِي فِي مَاله، ثمَّ أَمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم أُخْرَى، وَلم يذكر ابْن عَبدُوس فِي خَبره ذكر الْمَنَام. وحَدثني أبي هَذَا الحَدِيث فِي المذاكرة، قَالَ: حَدثنِي شيخ، ذكره أبي وأنسيته أَنا، عَن أبي حسان الزيَادي، بِنَحْوِ مَا ذكره مُحَمَّد بن جَعْفَر فِي حَدِيثه، إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ: إِن الْخُرَاسَانِي قَالَ فِي حَدِيثه لأبي حسان: إِن رَجَعَ الْحجَّاج وَلم ترني قد رجعت إِلَيْك، فَاعْلَم أَنِّي هَلَكت، والبدرة هبة مني إِلَيْك، وَإِن رجعت فَهِيَ لي، ثمَّ يتقارب لفظ الْحَدِيثين، إِلَى أَن لقِيه فِي الْجَانِب الشَّرْقِي قوم فَلَمَّا رَآهُمْ تنحى عَن طريقهم، فَلَمَّا رَأَوْهُ بطيلسان بَادرُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا لَهُ: أتعرف منزل رجل يُقَال لَهُ: أَبُو حسان الزيَادي؟ فَقَالَ: أَنا هُوَ فَقَالُوا لَهُ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَحمل، فَأدْخل إِلَى الْمَأْمُون. فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟

стр. 546

فَقَالَ: رجل من أَصْحَاب أبي يُوسُف القَاضِي من الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث. قَالَ: بِأَيّ شَيْء تكنى؟ فَقَالَ: بِأبي حسان. فَقَالَ: بِمَاذَا تعرف؟ فَقَالَ: بالزيادي، وَلست مِنْهُم، وَإِنَّمَا نزلت فيهم، فنسبت إِلَيْهِم. فَقَالَ: قصتك، فشرحت لَهُ قصتي. فَبكى بكاء شَدِيدا، وَقَالَ: وَيحك، مَا تركني رَسُول الله أَن أَنَام بسببك، أَتَانِي فِي أول اللَّيْل فَقَالَ: أغث أَبَا حسان الزيَادي، فانتبهت وَلم أعرفك، واعتمدت السُّؤَال عَنْك، وَأثبت اسْمك ونسبك ونمت، فَأَتَانِي، فَقَالَ كمقالته، فانتبهت منزعجا، ثمَّ نمت، فَأَتَانِي، وَقَالَ: وَيحك، أغث أَبَا حسان، فَمَا تجاسرت على النّوم، وَأَنا ساهر، وَقد بثثت فِي طَلَبك، ثمَّ أَعْطَانِي عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ: هَذِه للخراساني، ثمَّ أَعْطَانِي عشرَة آلَاف دِرْهَم أُخْرَى، وَقَالَ: اتَّسع بِهَذِهِ، وَأصْلح أَمرك، وَعمر دَارك، واشتر مركوبا سريا، وثيابا حَسَنَة، وعبدا يمشي بَين يَدي دابتك، ثمَّ أَعْطَانِي ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ: جهز بهَا بناتك، وزوجهن، فَإِذا كَانَ يَوْم الموكب، فصر إِلَيّ، حَتَّى أقلدك عملا جَلِيلًا، وَأحسن إِلَيْك. فَخرجت وَالْمَال بَين يَدي مَحْمُول، حَتَّى أتيت مَسْجِدي، فَصليت الْغَدَاة، والتفت فَإِذا الْخُرَاسَانِي بِالْبَابِ، فأدخلته إِلَى الْبَيْت، وأخرجت بدرة فدفعتها إِلَيْهِ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذِه بدرتي، أُرِيد مَالِي بِعَيْنِه. فقصصت عَلَيْهِ قصتي، فَبكى، وَقَالَ: وَالله لَو صدقني فِي أول الْأَمر عَن خبرك لما طالبتك، وَأما الْآن، فوَاللَّه لَا دخل مَالِي شَيْء من مَال هَؤُلَاءِ، وَأَنت فِي حل، وَانْصَرف.

стр. 547

فأصلحت أَمْرِي، وبكرت يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْمَأْمُون، فَدخلت، وَهُوَ جَالس جُلُوسًا عَاما. فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ استدناني، ثمَّ أخرج عهدا من تَحت مُصَلَّاهُ، وَقَالَ: هَذَا عَهْدك على قَضَاء الْمَدِينَة الشرقية من الْجَانِب الغربي من مَدِينَة السَّلَام، وَقد أجريت عَلَيْك فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا، فَاتق الله تدم عَلَيْك عناية رَسُول الله ﷺ . فَعجب النَّاس من كَلَام الْمَأْمُون وسألوني عَن مَعْنَاهُ، فَأَخْبَرتهمْ الْخَبَر، فانتشر. فَمَا زَالَ أَبُو حسان قَاضِي الشرقية، إِلَى آخر أَيَّام الْمَأْمُون.

стр. 548

حَبسه الْمهْدي وَأطْلقهُ الرشيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: حَدثنِي بشر بن مُوسَى الْأَسدي، قَالَ: أَخْبرنِي بعض الهاشميين، قَالَ: حبس الْمهْدي يَعْقُوب بن دَاوُد وزيره، فطال حَبسه، فَرَأى فِي مَنَامه، كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ: قل: يَا رَفِيق، يَا شفيق، أَنْت رَبِّي الْحقيق، ادْفَعْ عني الضّيق، إِنَّك على كل شَيْء قدير. قَالَ: فقلتها، فَمَا شَعرت إِلَّا بالأبواب تفتح، ثمَّ أدخلت على الرشيد، فَقَالَ: أَتَانِي الَّذِي أَتَاك، فاحمد الله . وخلى سبيلي. وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذَا، فحدثنا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي خَالِد بن يزِيد الْأَزْدِيّ. وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو بكر

стр. 549

مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الله الْمقدمِي القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد المعي، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يَعْقُوب بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي أبي: حَبَسَنِي الْمهْدي فِي بِئْر بنيت عَلَيْهَا قبَّة، فَكنت فِيهَا خمس عشرَة سنة، حَتَّى مضى صدر من خلَافَة الرشيد، وَكَانَ يدلى لي فِي كل يَوْم رغيف وكوز مَاء، وأؤذن بأوقات الصَّلَاة، فَلَمَّا كَانَ رَأس ثَلَاث عشرَة سنة، أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: حنا على يُوسُف رب فَأخْرجهُ ... من قَعْر جب وبئر حولهَا غمم فحمدت الله تَعَالَى، وَقلت: أَتَانِي الْفرج، ثمَّ مكثت حولا لَا أرى شَيْئا، فَلَمَّا كَانَ رَأس الْحول، أَتَانِي ذَلِك الْآتِي، فَقَالَ: عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إِنَّه ... لَهُ كل يَوْم فِي خليقته أَمر ثمَّ أَقمت حولا لَا أرى شَيْئا، ثمَّ أَتَانِي ذَلِك الْآتِي، بعد الْحول، فَقَالَ: عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب فَيَأْمَن خَائِف ويفك عان ... وَيَأْتِي أَهله النائي الْغَرِيب

стр. 550

فَلَمَّا أَصبَحت، نوديت، فَظَنَنْت أَنِّي أؤذن بِالصَّلَاةِ، فدلي إِلَيّ حَبل، وَقيل لي: شدّ بِهِ وسطك، فَفعلت، فأخرجوني، فَلَمَّا تَأَمَّلت الضَّوْء، غشي بَصرِي، فَأخذ من شعري، وألبست ثيابًا، وأدخلت إِلَى مجْلِس، فَقيل لي: سلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ: لست بِهِ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْهَادِي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ: لست بِهِ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام، يَا يَعْقُوب بن دَاوُد، وَالله مَا شفع أحد فِيك إِلَيّ، غير أَنِّي حملت اللَّيْلَة صبية لي على عنقِي، فَذكرت حملك إيَّايَ على عُنُقك، فرثيت لَك من الْمحل الَّذِي كنت فِيهِ، فأخرجتك، ثمَّ أكرمني، وَقرب مجلسي. ثمَّ إِن يحيى بن خَالِد تنكر لي، كَأَنَّهُ خَافَ أَن أغلب على الرشيد دونه، فخفته، فاستأذنت فِي الْحَج، فَأذن لي. فَلم يزل مُقيما بِمَكَّة، حَتَّى مَاتَ بهَا.

стр. 551

حَدثنِي أبي فِي المذاكرة بِإِسْنَاد لَهُ، وَكَانَ فِي الْخَبَر: أَن الْمهْدي حَبسه قي بِئْر، ووكل أمره إِلَى خَادِم لَهُ، واستحلفه أَن لَا يخبر بِخَبَرِهِ أحدا من الْخلق كلهم، فَكَانَ الْخَادِم الْمُوكل بِهِ، ينزل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم رغيفين، ودورق مَاء، مِنْهُ شربه وَطهُوره، وَفِي الْبِئْر مَوضِع يتَطَهَّر فِيهِ، فَكَانَ كَذَلِك خمس عشرَة سنة. فَلَمَّا كَانَ بعد خمس عشرَة سنة ١١٥ م سَأَلَ عَنهُ الرشيد، فَقيل لَهُ: سلم إِلَى فلَان الْخَادِم، وَذكر أَنه مَاتَ. فأحضر الْخَادِم، وَسَأَلَهُ عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّه مَاتَ. فاستثبته، فَرَأى كلَاما مُخْتَلفا، فجد بِهِ، فَقَالَ: لَا أعرف غير مَوته، فهدده، فَأَقَامَ على الْإِنْكَار، إِلَى أَن استحضر الرشيد المقارع. فاقل: أَنا أصدق، استحلفني أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، أَلا أخبر بِخَبَرِهِ أحدا من الْخلق أبدا. فأكرهه الرشيد، فَدلَّ على الْبِئْر الَّتِي هُوَ فِيهَا، ثمَّ تتفق الرِّوَايَات. قَالَ: فَلَمَّا وقف بَين يَدي الرشيد، وَسلم، قَالَ لَهُ الرشيد، مخفيا كَلَامه، من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: الْمهْدي. قَالَ: قد مضى لحَال سَبيله، فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَسلم. فَقَالَ: قُولُوا لَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟

стр. 552

قَالَ: الْهَادِي. قَالَ: قد مضى لحَال سَبيله، فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَسلم. فَقَالَ: قُولُوا لَهُ، من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: هَارُون، ثمَّ تتفق الرِّوَايَتَانِ. وَرُوِيَ لي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر، وَهُوَ أَضْعَف عِنْدِي، غير أَنِّي أجيء بِهِ كَمَا بَلغنِي، فَحدثت بروايات مُخْتَلفَة، قَالُوا: حدث عبد الله بن أَيُّوب، قَالَ: رَأَيْت يَعْقُوب بن دَاوُد فِي الطوف، فَقلت لَهُ: كَيفَ كَانَ سَبَب خُرُوجك؟ قَالَ: كنت فِي المطبق حَتَّى خفت على بَصرِي، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ لي: يَا يَعْقُوب كَيفَ ترى مَكَانك؟ فَقلت: وَمَا سؤالك؟ أما ترى مَا أَنا فِيهِ، أَلَيْسَ يَكْفِيك هَذَا؟ فَقَالَ: أَسْبغ الْوضُوء، وصل أَربع رَكْعَات، وَقل: يَا محسن، يَا مُجمل، يَا منعم، يَا مفضل، يَا ذَا الْفضل وَالنعَم، يَا عَظِيم، يَا ذَا الْعَرْش الْعَظِيم، اجْعَل لي مِمَّا أَنا فِيهِ فرجا ومخرجا. فانتبهت، وَقلت فِي نَفسِي: هَذَا فِي النّوم، وَرجعت إِلَى نَفسِي، فَحفِظت الدُّعَاء، وَقمت، فَتَوَضَّأت، وَصليت، ودعوت بِهِ، فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح، جَاءُونِي، فأخرجوني. فَقلت: مَا دَعَاني إِلَّا ليقتلني. فَلَمَّا رَآنِي، أَوْمَأ إِلَيْهِم، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْحمام، فنظفوه، وأتوني بِهِ، فطابت نَفسِي، وسجدت شكرا لله تَعَالَى، فأطلت السُّجُود. فَقَالُوا لي: قُم.

стр. 553

فَقَالَ لَهُم الرشيد: دَعوه مَا دَامَ سَاجِدا، ثمَّ رفعت رَأْسِي، ثمَّ مُضِيّ بِي إِلَى الْحمام. فَلَمَّا خرجت خلع عَليّ، ثمَّ ضرب بِيَدِهِ على ظَهْري، وَقَالَ لي: يَا يَعْقُوب، لَا يمنن عَلَيْك أحد بمنة، فَمَا زلت مُنْذُ اللَّيْلَة قلقا بِأَمْرك.

стр. 554

الْمهْدي يُطلق علويا من حَبسه لمنام رَآهُ وجدت فِي بعض الْكتب: أَن الْمهْدي استحضر صَاحب شرطته لَيْلًا، وَقد انتبه من نَومه فَزعًا، فَقَالَ لَهُ: ضع يدك على رَأْسِي، واحلف بِمَا أستحلفك بِهِ. قَالَ: فَقلت: يَدي تقصر عَن رَأس أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن عَليّ وَعلي، وَحلفت بأيمان الْبيعَة أَنِّي أمتثل مَا تَأمر بِهِ. فَقَالَ: صر إِلَى المطبق، واطلب فلَانا الْعلوِي الْحُسَيْنِي، فَإِذا وجدته فَأخْرجهُ وخيره بَين الْإِقَامَة عندنَا مُطلقًا مكرما محبورا، وَبَين الْخُرُوج إِلَى أَهله، فَإِن اخْتَار الْخُرُوج قدت إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، وأعطيته كَذَا وَكَذَا، وَإِن اخْتَار الْمقَام أَعْطيته كَذَا وَكَذَا، وَهَذِه توقيعات بذلك. فأخذتها وصرت إِلَى من أزاح علتي فِي الْجَمِيع، وَجئْت إِلَى المطبق، فطلبت الْفَتى، فَأخْرج إِلَيّ وَهُوَ كالشن الْبَالِي، فعرفته أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعرضت عَلَيْهِ الْحَالين، فَاخْتَارَ الْخُرُوج إِلَى أَهله بِالْمَدِينَةِ، فَسلمت إِلَيْهِ الصِّلَة والحملان. فَلَمَّا جَاءَ ليركب ويمضي، قلت: بِالَّذِي فرج عَنْك، هَل تعلم مَا دَعَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى إطلاقك؟ قَالَ: إِنِّي وَالله، كنت اللَّيْلَة نَائِما، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ ، فِي مَنَامِي، وَقد أيقظني، وَقَالَ: يَا بني ظلموك؟ قلت: نعم، يَا رَسُول الله. قَالَ: قُم، فصل رَكْعَتَيْنِ، وَقل بعد الْفَرَاغ، يَا سَابق الْفَوْت، وَيَا سامع الصَّوْت، وَيَا ناشز الْعِظَام بعد الْمَوْت، صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، وَاجعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجا، إِنَّك تعلم وَلَا أعلم، وتقدر وَلَا أقدر، وَأَنت علام الغيوب، يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ.

стр. 555

قَالَ: فَقُمْت، وَصليت، وَجعلت أكرر الْكَلِمَات، حَتَّى دعوتني. قَالَ: فحمدت الله على توفيقي لمسألته، وعدت إِلَى الْمهْدي، فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ: صدق وَالله، لقد أَتَانِي رَسُول الله ﷺ فِي النّوم، فَأمرنِي بِإِطْلَاقِهِ. وَفِي خبر آخر: لقد أَتَانِي زنجي فِي فِرَاشِي، بعمود حَدِيد، فَقَالَ لي: أطلق فلَانا الْعلوِي الْحُسَيْنِي وَإِلَّا قتلتك، فانتبهت فَزعًا، فَمَا جسرت على النّوم، حَتَّى جئتني، فَأمرت بِإِطْلَاقِهِ.

стр. 556

الْمُعْتَمد يُطلق بريئين من حَبسه لمنام رَآهُ حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن يزِيد المهلبي، قَالَ: كُنَّا لَيْلَة بَين يَدي الْمُعْتَمد على الله، فَحمل عَلَيْهِ النَّبِيذ ١١٧ م، فَجعل يخْفق بِرَأْسِهِ نعاسا. فَقَالَ: لَا يبرحن أحد، ثمَّ نَام مِقْدَار نصف سَاعَة، وانتبه، وَكَأَنَّهُ مَا شرب شَيْئا. فَقَالَ: أحضروا لي من الْحَبْس رجلا يعرف بمنصور الْجمال، فأحضر. فَقَالَ لَهُ: مُنْذُ كم أَنْت مَحْبُوس؟ فَقَالَ: مُنْذُ ثَلَاث سِنِين. قَالَ: فأصدقني عَن خبرك؟ قَالَ: أَنا رجل من أهل الْموصل، كَانَ لي جمل أعمل عَلَيْهِ وأعود بكرائه على عيلتي، فَضَاقَ الْكسْب عَليّ بالموصل، فَقلت: أخرج إِلَى سر من رأى فَإِن الْعَمَل ثمَّ أَكثر، فَخرجت.

стр. 557

فَلَمَّا قربت مِنْهَا، إِذا جمَاعَة من الْجند قد ظفروا بِقوم يقطعون الطَّرِيق، وَكتب صَاحب الْبَرِيد بعددهم، وَكَانُوا عشرَة، فَأَعْطَاهُمْ وَاحِد من الْعشْرَة مَالا على أَن يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مَكَانَهُ، وَأخذُوا جملي، فسألتهم بِاللَّه ، وعرفتهم خبري، فَأَبَوا، ثمَّ حبسوني، فَمَاتَ بعض الْقَوْم، وَأطلق بَعضهم، وَبقيت وحدي. فَقَالَ الْمُعْتَمد: أحضروني خمس مائَة دِينَار، فجاءوه بهَا. فَقَالَ: ادفعوها إِلَيْهِ، وأجرى عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر، وَقَالَ: اجعلوا أَمر جمالنا إِلَيْهِ. ثمَّ أقبل علينا، فَقَالَ: رَأَيْت السَّاعَة النَّبِي ﷺ ، فِي النّوم، فَقَالَ: يَا أَحْمد، وَجه السَّاعَة إِلَى الْحَبْس، وَأخرج منصورا الْجمال، فَإِنَّهُ مظلوم، وَأحسن إِلَيْهِ، فَفعلت مَا رَأَيْتُمْ. قَالَ: ثمَّ نَام من وقته، وانصرفنا. وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، بطرِيق آخر، بأتم من هَذِه الرِّوَايَة، فَحَدثني أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي، الَّذِي كَانَ كَاتب أبي بكر بن رائق، ثمَّ كتب لسيف الدولة، ثمَّ كَانَ آخر تصرف تصرفه، أَن كتب للمطيع لله، ﵀، على ضيَاع الْخدمَة، وخاص أمره، فِي وزارة أبي مُحَمَّد المهلبي لمعز الدولة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الأوارجي الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد

стр. 558

عبد الله بن حمدون النديم، قَالَ: كَانَ الْمُعْتَمد مَعَ سماحة أخلاقه، وَكَثْرَة جوده وسخائه، شَدِيد العربدة على ندمائه إِذا سكر، لَا يكَاد يسلم لَهُ من العربدة مجْلِس إِلَّا فِي الْأَقَل، فاشتهى يَوْمًا أَن يصطبح على أترج، فَاتخذ لَهُ مِنْهُ شَيْء كثير، مفرط الْعدَد، وعبي، وحزم بعضه، فاصطبح عَلَيْهِ، وَلم يدع شَيْئا من الْخلْع والصلات والحملان، إِلَّا وَعَمله مَعَ ندمائه فِي ذَلِك الْيَوْم، وخصني مِنْهُ بالكثير، وَكَانَ كثير الشّرْب، وَكَانَت علامته إِذا أَرَادَ أَن ينْهض جُلَسَاؤُهُ، أَن يلْتَفت إِلَى سَرِير لطيف، كَانَ إِذا جلس يسْتَند إِلَيْهِ، ويشيل رجلَيْهِ، كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يصعد، فَيقوم جُلَسَاؤُهُ، فَإِذا كَانَ يُرِيد النّوم صعده، فَنَامَ،

стр. 559

وَإِن لم يرد النّوم، رد رجله إِذا قمنا، وَأتم شربه مَعَ بعض خدمه، أَو حرمه. فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم، جلسنا بِحَضْرَتِهِ نهارنا أجمع، وَقطعَة من اللَّيْل، ثمَّ رد رجله إِلَى السرير فِي أول اللَّيْل، فقمنا، وَانْصَرف الجلساء إِلَى حجرَة مرسومة بهم، وانصرفت إِلَى حجرَة مرسومة بِي من بَينهم. فَلَمَّا انتصف اللَّيْل، إِذا بالخدم يدقون بَاب حُجْرَتي، فانتبهت مَرْعُوبًا، فَقَالُوا: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقُمْت، وَقلت: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، مضى يَوْمنَا وَبَعض ليلتنا، أحسن مُضِيّ، وقدرت أَنِّي أفلت من عربدته، فقد عَن لَهُ أَن يعربد عَليّ، فاستدعاني فِي هَذَا الْوَقْت. فَأَتَيْته وَأَنا فِي نِهَايَة الْجزع، أفكر كَيفَ أشاغله عَن العربدة، إِلَى أَن صرت بِحَضْرَتِهِ.

стр. 560

فَلَمَّا رَآنِي قَائِما لم يستجلسني، وَقَالَ لِخَادِمِهِ: عَليّ بِصَاحِب الشرطة السَّاعَة. فمت جزعا، وَقلت فِي نَفسِي وَأَنا وَاقِف بَين يَدَيْهِ: لم تجر عَادَته فِي العربدة باستدعاء صَاحب الشرطة، وَمَا هَذَا إِلَّا لبلية قد احتيل بهَا عَليّ عِنْده. فَأَقْبَلت أنظر إِلَيْهِ طَمَعا أَن يفاتحني بِكَلِمَة، فأداريه فِي الْجَواب، وَهُوَ لَا يرفع رَأسه عَن الأَرْض، إِلَى أَن جَاءَ صَاحب الشرطة، فَرفع رَأسه إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: فِي حَبسك رجل يعرف بفلان بن فلَان الْجمال؟ وَفِي رِوَايَة: يعرف بمنصور الْجمال؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أحضرنيه السَّاعَة. فَمضى ليحضره، فسهل عَليّ الْأَمر قَلِيلا، ووقفت، وَهُوَ لَا يخاطبني بِشَيْء، إِلَى أَن أحضر الرجل. فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَمد: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا مَنْصُور بن فلَان الْجمال. قَالَ: وَمَا قصتك؟ قَالَ: أَنا مظلوم، حبست مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، وَأَنا رجل من أهل الْجبَال، كَانَ لي جمال أعيش من فضل أجرتهَا. وَكَانَ يتقلد بلدنا فلَان الْعَامِل، فاستدعي إِلَى الحضرة، فَأخذ جمالي غصبا يَسْتَعِين بهَا فِي حمل مَتَاعه. فتظلمت إِلَيْهِ وَصحت، فَلم يَنْفَعنِي ذَلِك، وَقَالَ: إِذا صرت بالحضرة رَددتهَا عَلَيْك.

стр. 561

فَخرجت مَعَه لِئَلَّا تذْهب الْجمال أصلا، فَكنت مَعَ جمالي أخدمها فِي الطَّرِيق. فَلَمَّا قربنا من حلوان سل الأكراد مِنْهَا جملا محملًا، فَبَلغهُ الْخَبَر، فأحضرني، وَقَالَ: أَنْت سرقت الْجمل بِمَا عَلَيْهِ، فَقلت: غلمانك يعلمُونَ أَن الأكراد سلوه. فَقَالَ: الأكراد إِنَّمَا جَاءُوا بمواطأة مِنْك، ثمَّ أَمر بضربي، وتقييدي، وطرحي على بعض جمالي. فَلَمَّا وردنا الحضرة أنفذت إِلَى الْحَبْس، وَأخذ الْجمال، وَلم يكن لي متظلم، وَلَا مُذَكّر وَلَا مُتَكَلم، فطال حبسي، وطالت بِي المحنة إِلَى الْآن. فَقَالَ لبَعض الخدم: امْضِ السَّاعَة إِلَى فلَان الْعَامِل، واقعد على دماغه، وَلَا تَبْرَح، أَو يرد عَلَيْهِ جماله أَو قيمتهَا على مَا يُرِيد، فَإِذا قبض ذَلِك، فاحمله إِلَى الخزانة، واكسه كسْوَة حَسَنَة، وادفع إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِينَارا، واصرفه مصاحبا. ثمَّ قَالَ لصَاحب الشرطة: فِي حَبسك رجل يعرف بفلان بن فلَان الْحداد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أحضرنيه السَّاعَة، فَأحْضرهُ. فَقَالَ لَهُ: مَا قصتك؟ قَالَ: أَنا رجل حبست بظُلْم، أَنا رجل من أهل الشَّام، وَكَانَت لي نعْمَة فَزَالَتْ، فهربت من بلدي واتصلت محنتي إِلَى أَن وافيت الحضرة طلبا للتَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ حَتَّى كدت أتلف جوعا. فسالت عَن عمل أعمله لَيْلًا لأتوفر نَهَارا على طلب التَّصَرُّف، وَأنْفق فِي النَّهَار مَا أكسبه لَيْلًا، فأرشدت إِلَى حداد يعْمل لَيْلًا، فقصدته، فاستأجرني

стр. 562

بدرهم فِي كل لَيْلَة، وَكنت أعمل مَعَه، وَكَانَ مَعَه غُلَام آخر يضْرب بالمطرقة، فأفسد ذَلِك الْغُلَام على الْحداد نعلا كَانَ يضْربهَا، فاغتاظ عَلَيْهِ، ورماه بالنعل الْحَدِيد على قلته، فَتلف للْوَقْت، فهرب الْحداد، وَبقيت أَنا فِي الْموضع متحيرا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أمضي، وأحس الحارس فِي الْحَال بِمَا رابه فِي الدّكان، فهجم عَليّ فوجدني قَائِما، والغلام مَيتا فَلم يشك أَنِّي الْقَاتِل، فَقبض عَليّ ورفعني، فحبست إِلَى الْآن، فَقَالَ لصَاحب الشرطة: خل عَنهُ. وَقَالَ لخادم آخر: خُذْهُ فَغير حَاله، وادفع إِلَيْهِ خمس مائَة دِينَار، ودعه ينْصَرف مصاحبا. ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون، الْحَمد الله الَّذِي وفقني لهَذَا الْفِعْل، فَفرج عني، فَقلت: كَيفَ تكلّف أَمِير الْمُؤمنِينَ النّظر فِي هَذَا بِنَفسِهِ، فِي مثل هَذَا الْوَقْت؟ فَقَالَ: وَيحك إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي رجلا يَقُول لي: فِي حَبسك رجلَانِ مظلومان، يُقَال لأَحَدهمَا: مَنْصُور الْجمال، وَالْآخر: فلَان بن فلَان الْحداد، فأطلقهما السَّاعَة وَأحسن إِلَيْهِمَا وأنصفهما، فانتبهت مذعورا، ثمَّ نمت. فَمَا استثقلت حَتَّى رَأَيْت الشَّخْص بِعَيْنِه، يَقُول لي: وَيلك آمُرك أَن تطلق رجلَيْنِ مظلومين فِي حَبسك، قد طَال مكثهما، وَأَن تنصفهما وتحسن إِلَيْهِمَا، فَلَا تفعل، وَترجع تنام؟ لقد هَمَمْت أَن أوجعك، فكاد يمد يَده إِلَيّ. فَقلت لَهُ: يَا هَذَا من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله، فَكَأَنِّي قبلت يَده، وَقلت: يَا رَسُول الله، مَا عرفتك، وَلَو عرفتك مَا تجاسرت على تَأْخِير أَمرك.

стр. 563

قَالَ: قُم، فاعمل فِي أَمرهمَا السَّاعَة، بِمَا أَمرتك بِهِ، فانتبهت مذعورا، فاستدعيتك لتشاهد مَا يجْرِي. فَقلت: هَذِه عناية من رَسُول الله ﷺ بأمير الْمُؤمنِينَ، واهتمام بِمَا يصلح دينه، وَيثبت ملكه، ومنة عَظِيمَة عَلَيْهِ، لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ . فَقَالَ: امْضِ فقد أزعجناك، فعدت إِلَى حُجْرَتي. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عشيا، دخلت إِلَيْهِ وَهُوَ جَالس للشُّرْب على الرَّسْم فَأَحْبَبْت أَن أعرف الجلساء مَا جرى البارحة، ليسر هُوَ بذلك، وَكنت أعرف من طبعه أَنه يحب الإطراء والمدح، وَنشر مَا هَذَا سَبيله، فَإِنَّهُ إِذا عمل جميلا أَكثر من ذكره، وتبجح بِهِ، وَإِن كَانَ صَغِيرا. فَقلت لَهُ: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يخبر خدمه، بِمَا كَانَ من المعجزة البارحة، وعناية رَسُول الله ﷺ بخلافته. فَقَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَقلت: إحضاري البارحة، وإحضار صَاحب الشرطة، وَالْجمال، والحداد، ورؤياه النَّبِي ﷺ ، وَمَا أمره بِهِ فيهمَا، وَمَا تقدم بِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ من إنصافهما. فَقَالَ: وَالله مَا أذكر من هَذَا شَيْئا، وَمَا كنت إِلَّا سَكرَان، ونائما طول لَيْلَتي، وَمَا انْتَبَهت. فَقلت: بلَى يَا سَيِّدي. فتنكر، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون قد صرت تغالطني وتخادعني بِالْكَذِبِ؟

стр. 564

فَقلت: أعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه، هَذَا أَمر مَشْهُور فِي الدَّار عِنْد الخدم الْخَاصَّة وَصَاحب الشرطة نَفسه، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وشرحتها. فاستدعى الخدم، فتحدثوا بِمثل مَا ذكرته، فأظهر تَعَجبا شَدِيدا، وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم، وبالبراءة من رَسُول الله ﷺ ، وبالنفي من الْعَبَّاس، أَنه لَا يذكر شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يعلم أَنه كَانَ نَائِما، وَلَا رأى مناما، وَلَا انتبه، وَلَا جلس، وَلَا استدعى أحدا، وَلَا أَمر بِأَمْر. فَمَا رَأَيْت أعجب من هَذَا الْمَنَام وَالْحَال، وَلَا أطرف من هَذَا الِاتِّفَاق فِي نسيانه بعد ذَلِك. وَوجدت فِي خبر آخر، قريب من هَذَا، وَلَا يذكر فِيهِ حَدِيث الأترج، وَذكر فِيهِ أَن اسْم الْجمال، كَانَ نصرا، وَأَنه كَانَ من نهاوند، وَله جمال يكريها، وَأَن صَاحب المعونة، اكترى مِنْهُ عشْرين جملا، وَحمل عَلَيْهَا عشْرين رجلا من الأكراد أسرى، ليحملهم إِلَى الحضرة، فَسَار الْجمال مَعَهم، فهرب مِنْهُم فِي بعض الطَّرِيق وَاحِد، فَوَقع لصَاحب المعونة أَن نصرا الْجمال هربه، فقيده، وَحمله مَكَانَهُ، فَلَمَّا دخلُوا الحضرة، أنفذ الْجمال مَعَ الْقَوْم، إِلَى الْحَبْس، وَأخذ صَاحب المعونة جماله.

стр. 565

أَبُو بكر المادرائي يولي عَاملا وَهُوَ على صهوة جَوَاده وحَدثني أَبُو مُحَمَّد الصلحي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ المادرائي بِمصْر، وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا، عَظِيم الْحَال وَالنعْمَة والجاه، قديم الرياسة والولايات الْكِبَار للأعمال، وَقد وزر لخماوريه بن أَحْمد بن طولون، وتقلد مصر مَرَّات، وعاش سِتا وَتِسْعين سنة، وَمَات فِي سنة نَيف وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، قَالَ: كنت أكتب لخمارويه بن أَحْمد بن طولون، فِي حداثتي، فركبتني الأشغال، وقطعني ترادف الْأَعْمَال عَن تصفح أَحْوَال المتعطلين. وَكَانَ ببابي شيخ من شُيُوخ الْكتاب قد طَالَتْ عطلته، وَقد غفلت عَن تصريفه.
следующие страницы →