Полный текст (1 589 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فَخرجت مَعَه لِئَلَّا تذْهب الْجمال أصلا، فَكنت مَعَ جمالي أخدمها فِي الطَّرِيق.
فَلَمَّا قربنا من حلوان سل الأكراد مِنْهَا جملا محملًا، فَبَلغهُ الْخَبَر، فأحضرني، وَقَالَ: أَنْت سرقت الْجمل بِمَا عَلَيْهِ، فَقلت: غلمانك يعلمُونَ أَن الأكراد سلوه.
فَقَالَ: الأكراد إِنَّمَا جَاءُوا بمواطأة مِنْك، ثمَّ أَمر بضربي، وتقييدي، وطرحي على بعض جمالي.
فَلَمَّا وردنا الحضرة أنفذت إِلَى الْحَبْس، وَأخذ الْجمال، وَلم يكن لي متظلم، وَلَا مُذَكّر وَلَا مُتَكَلم، فطال حبسي، وطالت بِي المحنة إِلَى الْآن.
فَقَالَ لبَعض الخدم: امْضِ السَّاعَة إِلَى فلَان الْعَامِل، واقعد على دماغه، وَلَا تَبْرَح، أَو يرد عَلَيْهِ جماله أَو قيمتهَا على مَا يُرِيد، فَإِذا قبض ذَلِك، فاحمله إِلَى الخزانة، واكسه كسْوَة حَسَنَة، وادفع إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِينَارا، واصرفه مصاحبا.
ثمَّ قَالَ لصَاحب الشرطة: فِي حَبسك رجل يعرف بفلان بن فلَان الْحداد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أحضرنيه السَّاعَة، فَأحْضرهُ.
فَقَالَ لَهُ: مَا قصتك؟ قَالَ: أَنا رجل حبست بظُلْم، أَنا رجل من أهل الشَّام، وَكَانَت لي نعْمَة فَزَالَتْ، فهربت من بلدي واتصلت محنتي إِلَى أَن وافيت الحضرة طلبا للتَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ حَتَّى كدت أتلف جوعا.
فسالت عَن عمل أعمله لَيْلًا لأتوفر نَهَارا على طلب التَّصَرُّف، وَأنْفق فِي النَّهَار مَا أكسبه لَيْلًا، فأرشدت إِلَى حداد يعْمل لَيْلًا، فقصدته، فاستأجرني
стр. 562
بدرهم فِي كل لَيْلَة، وَكنت أعمل مَعَه، وَكَانَ مَعَه غُلَام آخر يضْرب بالمطرقة، فأفسد ذَلِك الْغُلَام على الْحداد نعلا كَانَ يضْربهَا، فاغتاظ عَلَيْهِ، ورماه بالنعل الْحَدِيد على قلته، فَتلف للْوَقْت، فهرب الْحداد، وَبقيت أَنا فِي الْموضع متحيرا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أمضي، وأحس الحارس فِي الْحَال بِمَا رابه فِي الدّكان، فهجم عَليّ فوجدني قَائِما، والغلام مَيتا فَلم يشك أَنِّي الْقَاتِل، فَقبض عَليّ ورفعني، فحبست إِلَى الْآن، فَقَالَ لصَاحب الشرطة: خل عَنهُ.
وَقَالَ لخادم آخر: خُذْهُ فَغير حَاله، وادفع إِلَيْهِ خمس مائَة دِينَار، ودعه ينْصَرف مصاحبا.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون، الْحَمد الله الَّذِي وفقني لهَذَا الْفِعْل، فَفرج عني، فَقلت: كَيفَ تكلّف أَمِير الْمُؤمنِينَ النّظر فِي هَذَا بِنَفسِهِ، فِي مثل هَذَا الْوَقْت؟ فَقَالَ: وَيحك إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي رجلا يَقُول لي: فِي حَبسك رجلَانِ مظلومان، يُقَال لأَحَدهمَا: مَنْصُور الْجمال، وَالْآخر: فلَان بن فلَان الْحداد، فأطلقهما السَّاعَة وَأحسن إِلَيْهِمَا وأنصفهما، فانتبهت مذعورا، ثمَّ نمت.
فَمَا استثقلت حَتَّى رَأَيْت الشَّخْص بِعَيْنِه، يَقُول لي: وَيلك آمُرك أَن تطلق رجلَيْنِ مظلومين فِي حَبسك، قد طَال مكثهما، وَأَن تنصفهما وتحسن إِلَيْهِمَا، فَلَا تفعل، وَترجع تنام؟ لقد هَمَمْت أَن أوجعك، فكاد يمد يَده إِلَيّ.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله، فَكَأَنِّي قبلت يَده، وَقلت: يَا رَسُول الله، مَا عرفتك، وَلَو عرفتك مَا تجاسرت على تَأْخِير أَمرك.
стр. 563
قَالَ: قُم، فاعمل فِي أَمرهمَا السَّاعَة، بِمَا أَمرتك بِهِ، فانتبهت مذعورا، فاستدعيتك لتشاهد مَا يجْرِي.
فَقلت: هَذِه عناية من رَسُول الله ﷺ بأمير الْمُؤمنِينَ، واهتمام بِمَا يصلح دينه، وَيثبت ملكه، ومنة عَظِيمَة عَلَيْهِ، لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ .
فَقَالَ: امْضِ فقد أزعجناك، فعدت إِلَى حُجْرَتي.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عشيا، دخلت إِلَيْهِ وَهُوَ جَالس للشُّرْب على الرَّسْم فَأَحْبَبْت أَن أعرف الجلساء مَا جرى البارحة، ليسر هُوَ بذلك، وَكنت أعرف من طبعه أَنه يحب الإطراء والمدح، وَنشر مَا هَذَا سَبيله، فَإِنَّهُ إِذا عمل جميلا أَكثر من ذكره، وتبجح بِهِ، وَإِن كَانَ صَغِيرا.
فَقلت لَهُ: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يخبر خدمه، بِمَا كَانَ من المعجزة البارحة، وعناية رَسُول الله ﷺ بخلافته.
فَقَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَقلت: إحضاري البارحة، وإحضار صَاحب الشرطة، وَالْجمال، والحداد، ورؤياه النَّبِي ﷺ ، وَمَا أمره بِهِ فيهمَا، وَمَا تقدم بِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ من إنصافهما.
فَقَالَ: وَالله مَا أذكر من هَذَا شَيْئا، وَمَا كنت إِلَّا سَكرَان، ونائما طول لَيْلَتي، وَمَا انْتَبَهت.
فَقلت: بلَى يَا سَيِّدي.
فتنكر، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون قد صرت تغالطني وتخادعني بِالْكَذِبِ؟
стр. 564
فَقلت: أعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه، هَذَا أَمر مَشْهُور فِي الدَّار عِنْد الخدم الْخَاصَّة وَصَاحب الشرطة نَفسه، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وشرحتها.
فاستدعى الخدم، فتحدثوا بِمثل مَا ذكرته، فأظهر تَعَجبا شَدِيدا، وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم، وبالبراءة من رَسُول الله ﷺ ، وبالنفي من الْعَبَّاس، أَنه لَا يذكر شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يعلم أَنه كَانَ نَائِما، وَلَا رأى مناما، وَلَا انتبه، وَلَا جلس، وَلَا استدعى أحدا، وَلَا أَمر بِأَمْر.
فَمَا رَأَيْت أعجب من هَذَا الْمَنَام وَالْحَال، وَلَا أطرف من هَذَا الِاتِّفَاق فِي نسيانه بعد ذَلِك.
وَوجدت فِي خبر آخر، قريب من هَذَا، وَلَا يذكر فِيهِ حَدِيث الأترج، وَذكر فِيهِ أَن اسْم الْجمال، كَانَ نصرا، وَأَنه كَانَ من نهاوند، وَله جمال يكريها، وَأَن صَاحب المعونة، اكترى مِنْهُ عشْرين جملا، وَحمل عَلَيْهَا عشْرين رجلا من الأكراد أسرى، ليحملهم إِلَى الحضرة، فَسَار الْجمال مَعَهم، فهرب مِنْهُم فِي بعض الطَّرِيق وَاحِد، فَوَقع لصَاحب المعونة أَن نصرا الْجمال هربه، فقيده، وَحمله مَكَانَهُ، فَلَمَّا دخلُوا الحضرة، أنفذ الْجمال مَعَ الْقَوْم، إِلَى الْحَبْس، وَأخذ صَاحب المعونة جماله.
стр. 565
أَبُو بكر المادرائي يولي عَاملا وَهُوَ على صهوة جَوَاده
وحَدثني أَبُو مُحَمَّد الصلحي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ المادرائي بِمصْر، وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا، عَظِيم الْحَال وَالنعْمَة والجاه، قديم الرياسة والولايات الْكِبَار للأعمال، وَقد وزر لخماوريه بن أَحْمد بن طولون، وتقلد مصر مَرَّات، وعاش سِتا وَتِسْعين سنة، وَمَات فِي سنة نَيف وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، قَالَ: كنت أكتب لخمارويه بن أَحْمد بن طولون، فِي حداثتي، فركبتني الأشغال، وقطعني ترادف الْأَعْمَال عَن تصفح أَحْوَال المتعطلين.
وَكَانَ ببابي شيخ من شُيُوخ الْكتاب قد طَالَتْ عطلته، وَقد غفلت عَن تصريفه.
стр. 566
فَرَأَيْت لَيْلَة فِي مَنَامِي أبي، وَكَأَنَّهُ يَقُول لي: وَيحك يَا بني، أما تَسْتَحي من الله، أَن تتشاغل بأعمالك، وَالنَّاس ببابك يتلفون ضرا وهزالا؟ هُوَ ذَا فلَان، شيخ من شُيُوخ الْكتاب، قد أفْضى أمره إِلَى أَن تقطع سراويله، فَمَا أمكنه أَن يَشْتَرِي بدله، أحب أَن لَا تغفل أمره أَكثر من هَذَا.
فانتبهت مُتَعَجِّبا، واعتقدت الْإِحْسَان إِلَى الشَّيْخ من غَد، ونمت، فَأَصْبَحت وَقد أنسيت أمره.
فركبت إِلَى دَار خمارويه بن أَحْمد، فَإِنِّي لأسير إِذْ ترَاءى لي الشَّيْخ على دويبة لَهُ ضَعِيفَة، فَأَهوى ليترجل لي، فانكشف فَخذه، فَإِذا هُوَ لابس خفا بِلَا سَرَاوِيل.
فحين وَقعت عَيْني على ذَلِك ذكرت الْمَنَام، فَقَامَتْ قيامتي، فوقفت فِي موضعي، واستدعيته، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، مَا حل لَك مَا صنعت بِنَفْسِك من تَركك إذكاري بِأَمْرك، أما كَانَ فِي الدُّنْيَا من يُوصل لَك رقْعَة، أَو يُخَاطب فِي أَمرك؟ الْآن قد قلدتك النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة، ورزقتك رزقها وَهُوَ فِي كل شهر مِائَتَا دِينَار، وأطلقت لَك من خزانتي ألف دِينَار مَعُونَة، وَأمرت لَك من الثِّيَاب والحملان بِكَذَا وَكَذَا، فاقبض ذَلِك واخرج، فَإِن حسن أثرك فِي عَمَلك، زدتك، وَفعلت بك وصنعت.
وضممت إِلَيْهِ من يتنجز لَهُ ذَلِك.
стр. 567
أدْرك أَبَا مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي
حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي التنوخي، قَالَ: خرج أخي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن يُوسُف، يقْصد أخانا أَبَا يَعْقُوب إِسْحَاق بن يُوسُف، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِمصْر، وَمَعَهُ زَوْجَة كَانَت لأبي يَعْقُوب إِسْحَاق بِبَغْدَاد، وبنية لَهُ مِنْهَا، وَمضى.
فَلَمَّا عَاد حَدثنِي أَنه سلك فِي قافلة كَبِيرَة، من هيت على طَرِيق السماوة، يُرِيد: دمشق، قَالَ: فَلَمَّا حصلنا فِي أعماق السماوة، أخفرتنا خفراؤنا، وَجَاء قوم من الْأَعْرَاب، فظاهروهم علينا، وأظهروا أَنهم من غَيرهم، وَقَطعُوا علينا، فَاسْتَاقُوا ركائبنا، فَبَقيت أَنا وَالنَّاس مطرحين على المَاء الَّذين كُنَّا نزلنَا عَلَيْهِ بِلَا جمل، وَلَا زَاد، وَلَا دَلِيل، فأيسنا من الْحَيَاة.
فَقلت للنَّاس: إِن الْمَوْت لَا بُد مِنْهُ على كل حَال، أَقَمْنَا فِي أماكننا أم
стр. 568
سرنا، فَلِأَن نسير فِي طلب الْخَلَاص فَلَعَلَّ الله أَن يَرْحَمنَا ويخلصنا، أولى من أَن نموت هَهُنَا، وَإِن متْنا فِي سيرنا كَانَ أعذر.
فساعدوني، وسرنا يَوْمنَا وليلتنا، وَأَنا أحمل الصبية ابْنة أخي؛ لِأَن أمهَا عجزت عَن حملهَا، وَكلما طَال علينا الطَّرِيق، وَلم نر إنْسَانا وَلَا محجة، أحسسنا بِالْهَلَاكِ، وَمَات منا قوم، وَأَنا خلال ذَلِك، قد بدأت بِقِرَاءَة ختمة، وَأَنا متشاغل بهَا، وبالدعاء.
إِلَى أَن وقعنا فِي الْيَوْم الثَّانِي، على حلَّة أَعْرَاب، فأنكرونا، فَلم أعمل عملا، حَتَّى ولجت بَيت امْرَأَة مِنْهُم، فَأَمْسَكت ذيلها، وَكنت سَمِعت أَن الْإِنْسَان إِذا عمل ذَلِك أَمن شرهم، وَوَجَب حَقه عَلَيْهِم، ثمَّ تفرقنا فِي الْبيُوت.
وَاخْتلفت أَحْوَال النَّاس، فَأَما أَنا، فَإِن صَاحب الْبَيْت الَّذِي نزلت عَلَيْهِ، لما رأى هيبتي ودرسي لِلْقُرْآنِ، أكرمني، وَلم أزل أحادثه وأرفق بِهِ.
فَقَالَ لي: مَا تشَاء؟ فَقلت: تركبني وَهَذِه الْمَرْأَة، وَهَذِه الصبية رَاحِلَة، وتسير مَعنا إِلَى دمشق على رَاحِلَة أُخْرَى، بزاد وَمَاء، حَتَّى أُعْطِيك ثمن راحلتك وأهبها لَك، وأقضي حَقك بعد هَذَا.
قَالَ: فتذمم واستحيا، وقدرت أَنِّي إِذا دخلت دمشق، وجدت بهَا
стр. 569
من أصدقاء أخي، من آخذ مِنْهُ مَا أُرِيد.
فكساني الْأَعرَابِي، وكسا الْمَرْأَة والصبية، ووطأ لي رَاحِلَة، وَحمل مَعنا من المَاء والزاد كفايتنا، وَركب هُوَ رَاحِلَة أُخْرَى، وَكَانَ أَكثر من وصل مَعنا إِلَى ذَلِك الْموضع، قد تَأتي لَهُ مثل مَا تَأتي لي، فصرنا رفْقَة صَالِحَة الْعدَد.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، شارفنا دمشق مَعَ طُلُوع الشَّمْس، فَإِذا بِأَهْلِهَا قد خَرجُوا يستقبلوننا، وكل من لَهُ صديق أَو معرفَة، يسْأَل عَنهُ، وَقد بَلغهُمْ خبر الْقطع، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان يسْأَل عني، بكنيتي ونسبي.
فَقلت: هأناذا.
فَعدل إِلَيّ، وَقَالَ: أَنْت أَبُو مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ: إِلَيّ، وَأخذ بِخِطَام رَاحِلَتي، وتبعني الْأَعرَابِي براحلته، حَتَّى دَخَلنَا مَعَ الرجل دمشق.
فجَاء بِنَا الرجل، إِلَى دَار حَسَنَة سَرِيَّة، تدل على نعْمَة حَسَنَة، فأنزلنا، وَلم أَشك أَنه صديق لأخي.
فَنزلت، وأنزلت الْأَعرَابِي معي، وَأخذت جمالنا، وأدخلنا الْحمام، وألبست خلعة نظيفة، وَفعل بِالْمَرْأَةِ والصبية مثل ذَلِك، وأقمت عِنْده يَوْمَيْنِ فِي خفض عَيْش، لَا أسأله عَن شَيْء، وَلَا يسألني.
стр. 570
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث، قَالَ: مَا صُورَة هَذَا الْأَعرَابِي مَعَك؟ فَأَخْبَرته بِمَا أَخذنَا مِنْهُ.
فَقَالَ لي: خد مَا تُرِيدُ من المَال.
فَقلت: أُرِيد كَذَا وَكَذَا دِينَارا، فَأَعْطَانِي ذَلِك، فَدَفَعته إِلَى الْأَعرَابِي، وسلمت إِلَيْهِ جمليه.
وَسَأَلت الرجل أَن يزوده زادا كثيرا، لَا يكون مثله فِي الْبَادِيَة، فَأخْرج لَهُ شَيْئا كثيرا، وَخرج الْأَعرَابِي شاكرا.
فَقَالَ لي الرجل: إِلَى أَيْن تُرِيدُ من الْبِلَاد، وَكم يَكْفِيك من النَّفَقَة؟ فَلَمَّا قَالَ لي ذَلِك، ارتبت بِهِ، وَقلت: لَو كَانَ هَذَا من أصدقاء أخي الَّذين كاتبهم بتفقدي، لَكَانَ يعرف مقصدي.
فَقلت لَهُ: كم كاتبك أخي أَن تدفع إِلَيّ؟ قَالَ: وَمن أَخُوك؟ قلت: أَبُو يَعْقُوب الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي، الْكَاتِب بِمصْر.
فَقَالَ: وَالله، مَا سَمِعت بِهَذَا الِاسْم قطّ، وَلَا أعرفهُ.
فورد عَليّ أعجب مورد، وَقلت لَهُ: يَا هَذَا، إِنِّي ظننتك صديقا لأخي، وَأَن مَا عاملتني بِهِ من الْجَمِيل من أَجله، فانبسطت إِلَيْك بِالطَّلَبِ، وَلَو لم أعتقد هَذَا لانقبضت، فَمَا السَّبَب فِيمَا عاملتني بِهِ؟ فَقَالَ: أَمر هُوَ أوكد من أَمر أَخِيك، يجب أَن يكون انبساطك إِلَيْهِ أتم.
فَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِن خبر الْوَقْعَة بالقافلة الَّتِي كنت فِيهَا، بلغنَا فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا،
стр. 571
فَمَا بَقِي كَبِير أحد بِدِمَشْق، إِلَّا وَردت عَلَيْهِ مُصِيبَة عَظِيمَة، إِمَّا بذهاب مَال، أَو بغم على صديق، غَيْرِي، فَإِنِّي لم يكن لي شَيْء من ذَلِك يتَعَلَّق قلبِي بِهِ، واتعد النَّاس لِلْخُرُوجِ، لتلقي المنقطعين، وَإِصْلَاح أَحْوَالهم، وَلم أعزم أَنا.
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم، وَهُوَ يَقُول لي: أدْرك أَبَا مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي، وأغثه، وَأصْلح شَأْنه بِمَا يبلغهُ مقْصده، فَلَمَّا أَصبَحت، خرجت مَعَ النَّاس، فَسَأَلت عَنْك، فَكَانَ مَا رَأَيْت، والآن اذكر مَا تريده.
فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا، لم أقدر مَعَه على خطابه مُدَّة، ثمَّ نظرت إِلَى مَا يبلغنِي مصر، فطلبته مِنْهُ، فَأَخَذته، وأصلحت أَمْرِي، وَسَأَلت الرجل عَن اسْمه، فَقَالَ: أَنا فلَان بن فلَان الصَّابُونِي، ذكره أَبُو مُحَمَّد، وأنسيه أَبُو الْحسن.
قَالَ: فَلَمَّا بلغت إِلَى مصر، حدثت أخي بِالْحَدِيثِ، فَعجب مِنْهُ، وَبكى.
قَالَ أَبُو الْحسن: وَضرب الدَّهْر ضربه، وَورد أَبُو يَعْقُوب أخي إِلَى بَغْدَاد بعد سِنِين، فتذاكرنا هَذَا الحَدِيث.
فَقَالَ أخي: لما عرفني أخي أَبُو مُحَمَّد، مَا عَامله بِهِ ابْن الصَّابُونِي الدِّمَشْقِي هَذَا، جعلته صديقا لي، فَكنت أكاتبه.
فَلَمَّا وَردت إِلَى دمشق، وجدت حَاله قد اختلت، لمحن لحقته، فَوهبت لَهُ ضيعتي بِدِمَشْق، وَكَانَت جليلة الْغلَّة وَالْقيمَة، فسلمتها إِلَيْهِ، مُكَافَأَة لما عَامل بِهِ أَبَا مُحَمَّد أخي.
стр. 572
اعتقلهم الْوَزير ابْن الزيات وأطلقوا لمَوْت الواثق
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء) ، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ الباقطائي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: قَالَ لي أَحْمد بن الْمُدبر: لما أَمر مُحَمَّد بن عبد الْملك بحبسي، أدخلت محبسا فِيهِ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَسليمَان بن وهب، وهما يطالبان، فَجعلت فِي بَيت ثَالِث، فَكُنَّا نتحدث وَنَأْكُل جَمِيعًا، وَرُبمَا أَدخل إِلَيْنَا النَّبِيذ، فنشرب.
وَكَانَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل شَدِيد الْجُبْن، وَكَانَ يُنكر علينا، ويمنعنا أَن نتحدث بِشَيْء، أَو نرجو لأنفسنا.
فَجَاءَنِي يَوْمًا سُلَيْمَان بن وهب، فَقَالَ لي: رَأَيْت البارحة فِي نومي، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: يَمُوت الواثق إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَقُمْ بِنَا إِلَى أبي جَعْفَر نحدثه.
فَقلت: وَالله، إِن سمع بِهَذَا أَبُو جَعْفَر، ليشقن ثَوْبه، وليسدن أُذُنه خوفًا.
стр. 573
فَقَالَ لي: قُم على كل حَال، فقمنا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَأخْبرهُ سُلَيْمَان بِمَا رأى.
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَنْت أجسر النَّاس، وأشدهم جِنَايَة على نَفسك وعلينا، إِنَّمَا تُرِيدُ أَن يسمع هَذَا فنقتل.
فَقَالَ لَهُ: فتكتب هَذِه الرُّؤْيَا عنْدك، لتمتحن صدقهَا.
فنفر، وَقَالَ: أَنا لَا أكتب مثل هَذَا، فكتبته أَنا فِي رقْعَة صَغِيرَة.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثَّلَاثِينَ، دخل عَليّ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَقَالَ لي: يَا أَبَا الْحسن، هَذَا يَوْم الثَّلَاثِينَ، فأخرجت الرقعة، فَإِذا هُوَ قد حفظ الْيَوْم، وَمضى يَوْمنَا إِلَى آخِره.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، لم نشعر إِلَّا وَالْبَاب يدق دقا شَدِيدا، وَصَاح بِنَا صائح: الْبُشْرَى، قد مَاتَ الواثق، اخْرُجُوا.
فَقَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: قومُوا بِنَا، فقد حقق الله الرُّؤْيَا، وأتانا بالفرج، وصدقت الرُّؤْيَا.
فَقَالَ سُلَيْمَان بن وهب: كَيفَ نمشي مَعَ بعد مَنَازلنَا؟ وَلَكِن نوجه من يجيئنا بِمَا نركب.
فاغتاظ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَقَالَ: نعم، نقعد، حَتَّى يجلس خَليفَة آخر، فَيُقَال لَهُ: إِن فِي الْحَبْس جمَاعَة من الْكتاب عَلَيْهِم أَمْوَال، فيأمر بالتوثيق منا، إِلَى أَن ينظر فِي أمرنَا، قُم عافاك الله، حَتَّى نمر.
فَخرج، وَخَرجْنَا على أَثَره.
فَقبل أَن نخرج من بَاب الهاروني، سمعنَا رجلَيْنِ يَقُول أَحدهمَا للْآخر: سَأَلَ الْخَلِيفَة جَعْفَر المتَوَكل عَمَّن فِي الْحَبْس، فَقيل: فِيهِ جمَاعَة من الْكتاب،
стр. 574
فَقَالَ: يكونُونَ فِيهِ إِلَى أَن نَنْظُر فِي أُمُورهم.
فجددنا فِي الْمَشْي وقصدنا غير مَنَازلنَا، واستترنا.
وبحثنا عَن الْأَخْبَار، فَبَلغنَا إِقْرَار الْخَلِيفَة مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة عَن جماعتنا، نعرفه خبرنَا واتساع آمالنا فِيهِ، ونستأذنه فِيمَا نعمل.
فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ الرقعة وَقع على ظهرهَا: لم استخفيتم؟ وَلَيْسَ مِنْكُم إِلَّا من عنايتي تخصه، ورأيي فِيهِ جميل، أما أَبُو أَيُّوب فقد تكلم فِي حَقه أَبُو مَنْصُور إيتاخ، واستوهبه، فوهب لَهُ، وَأمرت بإحضاره ليخلع عَلَيْهِ، فليحضر، وَأما أَبُو جَعْفَر فَإِنَّهُ طُولِبَ بِمَا لَا يلْزمه، وَقد وضحت حجَّته فِي بُطْلَانه، فليصر إِلَيّ، وَأما أَبُو الْحسن فَإِنَّهُ قذف بباطل، فاظهروا جَمِيعًا، واثقين بِمَا عِنْدِي من حياطتكم ورعايتكم.
فصرنا إِلَيْهِ جَمِيعًا، وَزَالَ عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ، فَخلع على سُلَيْمَان خَاصَّة.
стр. 575
من شعر سُلَيْمَان بن وهب لما حبس
قَالَ: وَفِي هَذِه الحبسة كتب سُلَيْمَان بن وهب إِلَى أَخِيه الْحسن بن وهب فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّد بن عَبدُوس:
هَل رَسُول وَكَيف لي برَسُول ... إِن ليلِي ليل السقيم العليل
هَل رَسُول إِلَى أخي وشقيقي ... لَيْت أَنِّي مَكَان ذَاك الرَّسُول
يَا أخي لَو ترى مَكَاني فِي الْحَبْس ... وحالي وزفرتي وعويلي
وعثاري إِذا أردْت قيَاما ... وقعودي فِي مثقلات الكبول
لرأيت الَّذِي يغمك فِي الْأَعْدَاء ... أَن يسلكوا جَمِيعًا سبيلي
هَذِه جملَة أَرَانِي غَنِيا ... مَعهَا عَن أذاك بالتفصيل
وَلَعَلَّ الْإِلَه يَأْتِي بصنع ... وخلاص وفرجة عَن قَلِيل
وَذكر أبياتا أخر، تَمامًا لهَذِهِ الأبيات، لم أذكرها؛ لِأَنَّهَا لَيست من هَذَا الْمَعْنى، ثمَّ قَالَ: وَقد ذكر مُحَمَّد بن دَاوُد، فِي كِتَابه الْمُسَمّى كتاب (الوزراء) من خُرُوج سُلَيْمَان بن وهب من حبس الواثق غير هَذَا، قَالَ فِي كِتَابه: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان، واقتص مُحَمَّد بن عَبدُوس، قصَّة طَوِيلَة، لَيْسَ فِيهَا ذكر مَنَام، فَذَكرتهَا أَنا فِي كتابي هَذَا، فِي بَاب من خرج من حبس
стр. 576
أَو أسر أَو اعتقال، إِلَى سراح وسلامة وَصَلَاح حَال، ورويتها عَن عَليّ بن عِيسَى، عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان، بِأَلْفَاظ قَوِيَّة، أقوى من الْأَلْفَاظ الَّتِي أوردهَا ابْن عَبدُوس، وَلم أذكرها هَهُنَا؛ لِأَن هَذَا الْخَبَر مُخْتَصّ بالمنامات، فَجَعَلته فِي بَابه، وأوردت تِلْكَ الْقِصَّة فِي الْبَاب الْمُفْرد لأمثالها.
стр. 577
بَين الْوَزير المهلبي وَالْحُسَيْن السمري
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الحطمي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد السمري كَاتب الدِّيوَان بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد المهلبي، فِي وزارته قبض عَليّ بِالْبَصْرَةِ، وطالبني بِمَال وحبسني حَتَّى يئست من الْفرج، فَرَأَيْت لَيْلَة فِي الْمَنَام، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: اطلب من ابْن الراهبوني دفترا خلقا عِنْده، على ظَهره دُعَاء، فَادع الله بِهِ، فَإِنَّهُ يفرج عَنْك، وَكَانَ ابْن الراهبوني هَذَا، صديقا لي من تناء أهل وَاسِط مُقيما بِالْبَصْرَةِ.
فَلَمَّا كَانَ من غَد، جَاءَنِي، فَقلت لَهُ: عنْدك دفتر على ظَهره دُعَاء.
فَقَالَ لي: نعم.
قلت: جئني بِهِ، فَجَاءَنِي بِهِ، فَرَأَيْت مَكْتُوبًا على ظَهره: اللَّهُمَّ أَنْت أَنْت، انْقَطع الرَّجَاء إِلَّا مِنْك، وخابت الآمال إِلَّا فِيك، صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، وَلَا تقطع اللَّهُمَّ مِنْك رجائي، وَلَا رَجَاء من يرجوك فِي شَرق الأَرْض وغربها، يَا قَرِيبا غير بعيد، وَيَا شَاهدا لَا يغيب، وَيَا غَالِبا غير مغلوب، اجْعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجا، وارزقني رزقا وَاسِعًا من حَيْثُ لَا أحتسب، إِنَّك على كل شَيْء قدير.
стр. 578
قَالَ: فواصلت الدُّعَاء بذلك، فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أخرجني المهلبي من الْحَبْس، وقلدني الإشراف على أَحْمد الطَّوِيل، فِي أَعماله بأسافل الأهواز.
قَالَ لي أَبُو الْحسن الْأنْصَارِيّ: قَالَ لي أَبُو عَليّ زَكَرِيَّا بن يحيى الْكَاتِب النَّصْرَانِي، حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عبد الله السمري، وكتبت عَنهُ الدُّعَاء، ونقلته، وحفظته، وتقلبت بِي الْأَحْوَال، فَكتبت لأبي جَعْفَر ممله، صَاحب مائدة معز الدولة، فاعتقلني بعد مُدَّة، ونكبني، فواصلت الدُّعَاء بِهِ، فأطلقني بعد أَيَّام يسيرَة
стр. 579
رأى فِي الْمَنَام أَن غناهُ بِمصْر
حَدثنِي أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الْبَغْدَادِيّ، صَاحب كَانَ لأبي، وَكَانَ قَدِيما يخْدم القاضيين أَبَا عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، وَابْنه أَبَا الْحُسَيْن فِي دورهما، وَكَانَت جدته تعرف بسمسمة، قهرمانة كَانَت فِي دَار القَاضِي أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف ﵀، قَالَ: كَانَ فِي جوَار القَاضِي قَدِيما، رجل انتشرت عَنهُ حِكَايَة، وَظهر فِي يَده مَال جليل، بعد فقر طَوِيل، وَكنت أسمع أَن أَبَا عمر حماه من السُّلْطَان، فَسَأَلت عَن الْحِكَايَة، فدافعني طَويلا، ثمَّ حَدثنِي، قَالَ: ورثت عَن أبي مَالا جَلِيلًا، فأسرعت فِيهِ وأتلفته حَتَّى أفضيت إِلَى بيع أَبْوَاب دَاري وسقوفها، وَلم يبْق لي من الدُّنْيَا حِيلَة، وَبقيت مُدَّة بِلَا قوت إِلَّا من غزل أُمِّي، فتمنيت الْمَوْت.
فَرَأَيْت لَيْلَة فِي النّوم، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: غناك بِمصْر، فَاخْرُج إِلَيْهَا.
فبكرت إِلَى أبي عمر القَاضِي، وتوسلت إِلَيْهِ بالجوار، وبخدمة كَانَت من أبي لِأَبِيهِ، وَسَأَلته أَن يزودني كتابا إِلَى مصر؛ لأتصرف بهَا، فَفعل، وَخرجت.
فَلَمَّا حصلت بِمصْر أوصلت الْكتاب، وَسَأَلت التَّصَرُّف، فسد الله عَليّ الْوُجُوه حَتَّى لم أظفر بِتَصَرُّف، وَلَا لَاحَ لي شغل.
ونفدت نفقتي، فَبَقيت متحيرا، وفكرت فِي أَن أسأَل النَّاس، وأمد يَدي على الطَّرِيق، فَلم تسمح نَفسِي، فَقلت: أخرج لَيْلًا، وأسأل، فَخرجت بَين العشاءين، فَمَا زلت أَمْشِي فِي الطَّرِيق، وتأبى نَفسِي الْمَسْأَلَة، ويحملني الْجُوع
стр. 580
عَلَيْهَا، وَأَنا مُمْتَنع، إِلَى أَن مضى صدر من اللَّيْل.
فلقيني الطَّائِف، فَقبض عَليّ، ووجدني غَرِيبا، فَأنْكر حَالي، فَسَأَلَنِي عَن خبري، فَقلت: رجل ضَعِيف، فَلم يصدقني، وبطحني، وضربني مقارع.
فَصحت: أَنا أصدقك.
فَقَالَ: هَات.
فقصصت عَلَيْهِ قصتي من أَولهَا إِلَى آخرهَا، وَحَدِيث الْمَنَام.
فَقَالَ لي: أَنْت رجل مَا رَأَيْت أَحمَق مِنْك، وَالله لقد رَأَيْت مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، فِي النّوم، كَأَن رجلا يَقُول لي: بِبَغْدَاد فِي الشَّارِع الْفُلَانِيّ، فِي الْمحلة الْفُلَانِيَّة، فَذكر شارعي، ومحلتي، فَسكت، وأصغيت إِلَيْهِ، وَأتم الشرطي الحَدِيث، فَقَالَ: دَار يُقَال لَهَا: دَار فلَان، فَذكر دَاري، واسمي، فِيهَا بُسْتَان، وَفِيه سِدْرَة، وَكَانَ فِي بُسْتَان دَاري سِدْرَة، وَتَحْت السِّدْرَة مدفون ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فَامْضِ، فَخذهَا، فَمَا فَكرت فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا الْتفت إِلَيْهِ، وَأَنت يَا أَحمَق، فَارَقت وطنك، وَجئْت إِلَى مصر بِسَبَب مَنَام.
قَالَ: فقوي بذلك قلبِي، وأطلقني الطَّائِف، فَبت فِي بعض الْمَسَاجِد، وَخرجت مَعَ السحر من مصر، فَقدمت بَغْدَاد، فَقطعت السِّدْرَة، وأثرت تحتهَا، فَوجدت قمقما فِيهِ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فَأَخَذته، وَأَمْسَكت يَدي، ودبرت أَمْرِي، فَأَنا أعيش من تِلْكَ الدَّنَانِير، من فضل مَا ابتعت مِنْهَا من ضَيْعَة وعقار إِلَى الْيَوْم.
стр. 581
خُزَيْمَة بن هازم يصرف الْحَرَّانِي ويعقد لَهُ على طَرِيق الْفُرَات
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج عبد الْوَاحِد المَخْزُومِي الحنطبي، عَن عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله التغلبي، قَالَ: كَانَ من بقايا شُيُوخ خُرَاسَان، مِمَّن يلْزم دَار الْعَامَّة بسر من رأى، شيخ يكنى أَبَا عصمَة، وَكَانَ يحدثنا كثيرا، بأخبار الدولة وَأَهْلهَا، فحدثنا يَوْمًا: أَن خُزَيْمَة بن خازم كَانَ يجلس فِي دَاره للنَّاس، فِي كل يَوْم ثلاثاء، فَلَا يحجب عَنهُ أحد، وَلَا يسْتَأْذن لمن يدْخل، إِنَّمَا يدْخلُونَ أَرْسَالًا، بِغَيْر إِذن، فَمن كَانَ من الْأَشْرَاف ووجوه النَّاس، سلم وَانْصَرف، وَمن كَانَ من طلاب الْحَوَائِج، أَو خطاب التَّصَرُّف، دفع رقعته إِلَى الْحَاجِب، فيجتمع النَّاس ويدخلون، فَيعرض رقاعهم عَلَيْهِ.
стр. 582
وَكَانَ قد أفرد لهَذَا كَاتبا حصيفا، يُقَال لَهُ: الْحسن بن مسلمة، يتصفح الرّقاع قبل عرضهَا عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ يجوز أَن يُوقع عَنهُ فِيهِ بِخَطِّهِ، وَقع وَسلمهُ إِلَى أربابه، وَمَا كَانَ لَا بُد من وُقُوفه عَلَيْهِ، وتوقيعه فِي بِخَطِّهِ، أوقفهُ عَلَيْهِ، وَمن كَانَ من النَّاس زَائِرًا، أَو مسترفدا، عرضت رقعته عَلَيْهِ، فَيكون هُوَ الْموقع فِيهَا بِمَا يرَاهُ.
فَلَا يكَاد ينْصَرف أحد من ذَلِك الْجمع الْعَظِيم المفرط، إِلَّا وَهُوَ مسرور بِقَضَاء حَاجته.
قَالَ أَبُو عصمَة: وَكَانَ مِمَّن يتَصَرَّف فِي الْأَعْمَال، رجل من الْأَعْرَاب، ذُو لِسَان وفصاحة، يُقَال لَهُ: حَامِد بن عَمْرو الْحَرَّانِي، وَكَانَ فِيهِ إلحاح شَدِيد، وملازمة تَامَّة إِذا تعطل، فيؤذي بذلك ويبرم.
وَكَانَ يُخَاطب خُزَيْمَة فِي أَيَّام الثُّلَاثَاء، وَلَا يقنع بذلك، حَتَّى يلازم بَابه كل يَوْم، وَإِذا ركب خاطبه على الطَّرِيق، وَرُبمَا تعرض لَهُ فِي دَار الْخَلِيفَة فخاطبه، وَلم يكن فِي طبع خُزَيْمَة احْتِمَال مثل ذَلِك.
قَالَ أَبُو عصمَة: فَحَدثني الْحسن بن مسلمة، كَاتب خُزَيْمَة، قَالَ: نظر خُزَيْمَة إِلَى هَذَا الرجل فِي دَاره، وَكَانَ قد لقِيه فِي الطَّرِيق، فخاطبه قبل ذَلِك بِيَوْم، وأضجره، وَوَافَقَ من خُزَيْمَة ضجرا بِشَيْء حدث من أُمُور المملكة، مَعَ مَا فِيهِ من الجبروتية وَالْكبر.
فحين خاطبه الرجل صَاح فِيهِ، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ من دَاره إخراجا عنيفا، ثمَّ دَعَاني، فَقَالَ: وَالله، لَئِن دخل هَذَا دَاري، لَأَضرِبَن عُنُقه، وَلَئِن وقف لي على طَرِيق، أَو كلمني فِي دَار السُّلْطَان، لَأَضرِبَن عُنُقه، فَأخْبرهُ بذلك، وحذره، وَتقدم إِلَى البوابين والحجاب بِمَنْعه، وَكَانَ خُزَيْمَة إِذا وعد أَو توعد، فَلَيْسَ إِلَّا الْوَفَاء.
стр. 583
فَخرجت إِلَى الْحجاب والبوابين وَأَصْحَاب المقارع، فبالغت فِي تحذيرهم، وتهديدهم، وعرفتهم مَا قَالَ، وَأَنه حلف أَن تضرب أَعْنَاقهم إِذا خالفوا، وأكدت الْوَصِيَّة بجهدي، مستظهرا لنَفْسي.
وَخرجت إِلَى خَارج الدَّار، فَوجدت الرجل قَائِما، فأعلمته أَن دَمه مُرْتَهن بنظرة ينظرها إِلَيْهِ خُزَيْمَة فِي دَار السُّلْطَان، أَو على بَابه، أَو فِي الطَّرِيق، وحذرته تحذيرا شَدِيدا، وخوفته من سفك دَمه، وَأَن لَا يَجْعَل عَلَيْهِ سَبِيلا، فشكرني على تحذيره، وَانْصَرف كئيبا.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا من الْغَد، غَدَوْت إِلَى دَار خُزَيْمَة على رسمي، للملازمة، فَلَمَّا دَنَوْت من الْبَاب، إِذا بِالرجلِ وَاقِفًا كَمَا كَانَ يقف منتظرا لركوبه.
فَعظم ذَلِك عَليّ، وَقلت: يَا هَذَا، أما تخَاف الله؟ أَتُحِبُّ أَن تقتل نَفسك؟ أما تعرف الرجل؟ فَقَالَ: وَالله، مَا أتيت هَذَا عَن جهل مني وَلَا اغترار، بل أَتَيْته على أصل قوي، وَسبب وثيق، وسترى من لطف الله مَا يَسُرك، وتعجب مِنْهُ.
قَالَ الْحسن: فَزَاد عجبي مِنْهُ، وَدخلت الدَّار، فصادفت خُزَيْمَة فِي صحن الدَّار يُرِيد الرّكُوب، فحين نظر إِلَيّ، قَالَ: مَا فعل حَامِد بن عَمْرو؟ قلت: رَأَيْته السَّاعَة بِالْبَابِ، وَقد تهددته، فَلَمَّا رَأَيْته الْيَوْم بِالْبَابِ تعجبت من جَهله وَعوده، مَعَ مَا أعذرت إِلَيْهِ من الْوَعيد، وأمرته بالانصراف، فَأَجَابَنِي بِجَوَاب لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَنا بَرِيء من فعله.
فَقَالَ: بِأَيّ شَيْء أجابك؟ فَأَخْبَرته، فَسكت خُزَيْمَة، وَخرج فَركب، فحين رَآهُ حَامِد ترجل لَهُ.
стр. 584
فصاح بِهِ: لَا تفعل، والحقني إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ وَسَار خُزَيْمَة، فَدخل دَار الرشيد، ودخلنا مَعَه إِلَى حَيْثُ جرت عادتنا أَن نبلغه من الدَّار، فَجَلَسْنَا فِيهِ، وَمضى خُزَيْمَة يُرِيد الْخَلِيفَة، وَجَاء حَامِد فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي.
فَقلت لَهُ: أصدقني عَن خبرك، وَالسَّبَب فِي جسارتك على خُزَيْمَة، وَلينه لَك بعد الغلظة، وعرفته مَا جرى بيني وَبَين خُزَيْمَة ثَانِيًا.
فَقَالَ: طب نفسا، فَمَا أبدي لَك شَيْئا إِلَّا بعد بُلُوغ آخر الْأَمر.
فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك، إِذْ دعِي حَامِد إِلَى حَيْثُ كَانَ مرسوما بِأَن يدْخلهُ من يخلع عَلَيْهِ، فتحيرت فَلم يكن بأسرع من أَن خرج وَعَلِيهِ الْخلْع، وَبَين يَدَيْهِ لِوَاء قد عقد لَهُ على طَرِيق الْفُرَات بأسره، فَقُمْت إِلَيْهِ وهنأته.
وَقلت: وَلَا السَّاعَة تُخبرنِي الْخَبَر؟ فَقَالَ: مَا فَاتَ شَيْء، وودعني وَمضى، فأقمت بمكاني إِلَى أَن خرج خُزَيْمَة، فسرت مَعَه إِلَى دَاره، فَلَمَّا اسْتَقر دَعَاني، فَسَأَلَنِي عَن أُمُور جرت.
وَقَالَ: أَظُنك أنْكرت مَا جرى من أَمر حَامِد؟ قلت: إِي وَالله، أَيهَا الْأَمِير.
قَالَ: فاسمع الْخَبَر، اعْلَم أَنِّي كنت فِي نِهَايَة الغيظ عَلَيْهِ، وَأمرت فِيهِ بِمَا عملته أمس، فَلَمَّا كَانَ البارحة، رَأَيْته فِي النّوم، كَأَنَّهُ قَائِم يُصَلِّي، وَقد رفع يَدَيْهِ إِلَى الله يَدْعُو عليَّ.
стр. 585
فَصحت بِهِ: لَا تفعل، لَا تفعل، وادن مني، فَانْفَتَلَ من صلَاته، وَجَاء حَتَّى وقف بَين يَدي.
فَقلت لَهُ: مَا يحملك على أَن تَدْعُو عَليّ؟ فَقَالَ: لِأَنَّك أهنتني، واستخففت بِي، وهددتني بِالْقَتْلِ ظلما، وَقطعت أملي من طلب رِزْقِي وقوتي، وَأَنا أشكوك إِلَى الله، وَأَسْتَعِينهُ عَلَيْك.
وَكَأَنِّي أَقُول لَهُ: طب نفسا، وَلَا تدع عَليّ، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك غَدا، وأوليك عملا، واستيقظت.
فعجبت من الْمَنَام، وَعلمت أَنِّي قد ظلمت الرجل، وَقلت فِي نَفسِي: شيخ من الْعَرَب، لَهُ سنّ وَشرف، أَسَأْت إِلَيْهِ بِغَيْر جرم، وأرعبته، وماذا عَلَيْهِ إِذا لج فِي طلب الرزق؟ وَعلمت أَن الَّذِي رَأَيْته فِي مَنَامِي موعظة فِي أمره، وحث على حفظ النعم، وَأَن لَا أنفرها بقلة الشُّكْر، وَاسْتِعْمَال الظُّلم.
فاعتقدت أَن أوليه، كَمَا وعدته فِي النّوم، فَكَانَ مَا رَأَيْت.
قَالَ الْحسن بن مسلمة: فَقَوِيت رَأْيه فِي هَذَا، ودعوت لَهُ، وانصرفت، فَجَاءَنِي من الْعشي حَامِد، مُسلما، ومودعا، ليخرج إِلَى عمله.
فَقلت لَهُ: هَات الْآن خبرك.
فَقَالَ: نعم، انصرفت من بَاب خُزَيْمَة موجع الْقلب، قلقا، مرتاعا.
فَأخْبرت عيالي، فَصَارَ فِي دَاري مأتم، وبكاء عَظِيم، وَلم أطْعم أَنا، وَلَا هم شَيْئا يَوْمنَا وليلتنا، وأمسيت كَذَلِك.
فَلَمَّا هدأت الْعُيُون تَوَضَّأت، واستقبلت الْقبْلَة، فَصليت مَا شَاءَ الله، وتضرعت إِلَى الله، ودعوته بإخلاص نِيَّة، وَصدق طوية، وأطلت، فحملتني عَيْني، فَنمت وَأَنا ساجد فِي الْقبْلَة.
стр. 586
فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي على حَالي فِي الصَّلَاة وَالدُّعَاء، وَكَأن خُزَيْمَة قد وقف عَليّ، وَأَنا أَدْعُو، فصاح بِي: لَا تفعل، لَا تفعل، واغد عَليّ، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك، وأوليك، فانتبهت مذعورا، وَقد قويت نَفسِي، فَقلت: أبكر إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ الله أَن يطْرَح فِي قلبه الرقة، فَغَدَوْت إِلَيْهِ، فَكَانَ مَا رَأَيْت.
قَالَ الْحسن: فَكثر تعجبي لِاتِّفَاق المنامين، فَقلت لحامد، لقد أَخْبرنِي الْأَمِير بِمثل مَا ذكرته، لم يخرم مِنْهُ حرفا، وبكرت إِلَى خُزَيْمَة، فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فَعجب مِنْهُ، وأحضر حامدا حَتَّى سمع مِنْهُ ذَلِك، وَأمر لَهُ بكسوة وصلَة وحملان، وَلم يزل بعد ذَلِك يتَعَمَّد إكرامه.
стр. 587
بَين الْوَزير عَليّ بن عِيسَى والعطار الْكَرْخِي
وَيُقَارب هَذَا حديثان، حَدثنِي بِأَحَدِهِمَا بعض أهل بَغْدَاد: أَن عطارا من أهل الكرخ، كَانَ مَشْهُورا بالستر وَالْأَمَانَة، فَرَكبهُ دين، وَقَامَ من دكانه، وَلزِمَ بَيته مستترا، وَأَقْبل على الدُّعَاء وَالصَّلَاة، إِلَى أَن صلى لَيْلَة الْجُمُعَة صَلَاة كَثِيرَة، ودعا، ونام، فَرَأى النَّبِي ﷺ فِي مَنَامه، وَهُوَ يَقُول لَهُ: اقصد عَليّ بن عِيسَى، وَكَانَ إِذْ ذَاك وزيرا، فقد أَمرته أَن يدْفع إِلَيْك أَربع مائَة دِينَار، فَخذهَا وَأصْلح بهَا أَمرك.
قَالَ الرجل: وَكَانَ عَليّ سِتّ مائَة دِينَار دينا، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، قلت: قد قَالَ النَّبِي ﷺ : «من رَآنِي فِي مَنَامه فقد رَآنِي، فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي» ، فَلم لَا أقصد الْوَزير.
فَلَمَّا صرت بِبَابِهِ، منعت من الْوُصُول إِلَيْهِ، فَجَلَست إِلَى أَن ضَاقَ صَدْرِي، وهممت بالانصراف، فَخرج الشَّافِعِي صَاحبه، وَكَانَ يعرفنِي معرفَة ضَعِيفَة، فَأَخْبَرته الْخَبَر.
فَقَالَ: يَا هَذَا، الْوَزير وَالله فِي طَلَبك مُنْذُ السحر إِلَى الْآن، وَقد سَأَلَني
стр. 588
عَنْك فأنسيتك، وَمَا عرفك أحد، وَالرسل مبثوثة فِي طَلَبك، فَكُن بمكانك، ثمَّ رَجَعَ فَدخل، فَلم يكن بأسرع من أَن دعِي بِي، فَدخلت إِلَى عَليّ بن عِيسَى.
فَقَالَ لي: مَا اسْمك؟ قلت: فلَان بن فلَان الْعَطَّار.
قَالَ: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم.
قَالَ: أحسن الله إِلَيْك فِي قصدك إيَّايَ، فوَاللَّه مَا تهنأت بعيش مُنْذُ البارحة، فَإِن رَسُول الله ﷺ ، جَاءَنِي البارحة فِي مَنَامِي، فَقَالَ: أعْط فلَان بن فلَان الْعَطَّار من أهل الكرخ أَربع مائَة دِينَار يصلح بهَا شَأْنه، فَكنت الْيَوْم فِي طَلَبك، وَمَا عرفك أحد.
فَقلت: إِن رَسُول الله ﷺ ، جَاءَنِي البارحة، فَقَالَ لي كَيْت وَكَيْت.
قَالَ: فَبكى عَليّ بن عِيسَى، وَقَالَ: أَرْجُو أَن تكون هَذِه عناية من رَسُول الله ﷺ بِي.
ثمَّ قَالَ: هاتوا ألف دِينَار، فجاءوه بهَا عينا.
فَقَالَ: خُذ مِنْهَا أَربع مائَة دِينَار، امتثالا لأمر رَسُول الله ﷺ ، وست مائَة دِينَار هبة مني لَك.
فَقلت: أَيهَا الْوَزير مَا أحب أَن أزداد على عَطاء رَسُول الله ﷺ شَيْئا، فَإِنِّي أَرْجُو الْبركَة فِيهِ، لَا فِيمَا عداهُ.
فَبكى عَليّ بن عِيسَى، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْيَقِين، خُذ مَا بدا لَك.
فَأخذت أَربع مائَة دِينَار، وانصرفت، فقصصت قصتي على صديق لي، وأريته الدَّنَانِير، وَسَأَلته أَن يقْصد غرمائي، ويتوسط بيني وَبينهمْ، فَفعل.
وَقَالُوا: نمهله بِالْمَالِ ثَلَاث سِنِين.
стр. 589
فَقلت: لَا، وَلَكِن يَأْخُذُونَ مني الثُّلُث عَاجلا، والثلثين فِي سنتَيْن، فِي كل سنة ثلثا، فرضوا بذلك، وأعطيتهم مِائَتي دِينَار، وَفتحت دكاني بالمائتي دِينَار الْبَاقِيَة.
فَمَا حَال الْحول إِلَّا وَمَعِي ألف دِينَار، فَقضيت ديني، وَمَا زَالَ مَالِي يزِيد، وحالي يصلح، وَالْحَمْد لله.
стр. 590
طَاهِر بن يحيى الْعلوِي وجرايته من الْحَاج الْخُرَاسَانِي
وَالْخَبَر الآخر، مَا حَدثنِي بِهِ أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق، عَن أبي الْقَاسِم بن أماجور المنجم، قَالَ: كنت إِذا حججْت، دخلت على طَاهِر بن يحيى الْعلوِي، فَرَأَيْت عِنْده خراسانيا، كَانَ يحجّ فِي كل سنة، فَإِذا دخل الْمَدِينَة، جَاءَ إِلَى طَاهِر بن يحيى فَأعْطَاهُ مِائَتي دِينَار، فَكَانَت كالجراية لَهُ مِنْهُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض السنين، جَاءَ يُرِيد دَاره؛ ليعطيه المائتي دِينَار، فاعترضه رجل من أهل الْمَدِينَة، فشنع بطاهر عِنْده، وَقَالَ لَهُ: تضيع دنانيرك الَّتِي تدفعها إِلَى طَاهِر، وَهُوَ يَأْخُذهَا مِنْك وَمن غَيْرك، فيصرفها فِيمَا يكرههُ الله تَعَالَى، وَيفْعل ويصنع، وَتكلم فِيهِ بقبيح.
قَالَ الْخُرَاسَانِي: فَانْصَرَفت عَنهُ، وتصدقت بِالدَّنَانِيرِ، وَخرجت من الْمَدِينَة، وَلم ألق طَاهِرا.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الثَّانِي دخلت الْمَدِينَة، فتصدقت بِالْمَالِ، وطويت طَاهِرا.
стр. 591
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الثَّالِث تأهبت لِلْحَجِّ، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي مَنَامِي، يَقُول لي: وَيحك قبلت فِي ابْني طَاهِر قَول أعدائه، وَقطعت عَنهُ مَا كنت تبره بِهِ؟ لَا تفعل، فاقصده، وأعطه مَا فَاتَهُ، وَلَا تقطعه عَنهُ مَا اسْتَطَعْت.
قَالَ: فانتبهت فَزعًا، ونويت ذَلِك، وَأخذت صرة فِيهَا سِتّ مائَة دِينَار، وحملتها معي، فَلَمَّا صرت بِالْمَدِينَةِ بدأت بدار طَاهِر، فَدخلت عَلَيْهِ وَجَلَست، ومجلسه حفل.
فحين رَآنِي، قَالَ: يَا فلَان، لَو لم يبْعَث بك إِلَيْنَا مَا جئتنا.
فَقلت: كلمة وَافَقت أمرا، لَيْسَ إِلَّا أَن أتغافل، فَقلت: مَا معنى هَذَا الْكَلَام أصلحك الله؟ فَقَالَ: قبلت فِي قَول عَدو الله، وعدو رَسُوله، وَقطعت عادتك عني، حَتَّى لامك رَسُول الله ﷺ فِي مَنَامك وأمرك أَن تُعْطِينِي السِّت مائَة دِينَار، هَاتِهَا، وَمد يَده إِلَيّ.
فتداخلني من الدهش مَا ذهلت مَعَه، فَقلت: أصلحك الله، هَكَذَا وَالله كَانَت الْقَضِيَّة، فَمن أعلمك بذلك؟ فَقَالَ لي: بَلغنِي خبر دخولك الْمَدِينَة فِي السّنة الأولى، فَلَمَّا رَحل الْحَاج وَلم تأتني أثر ذَلِك فِي حَالي، وَسَأَلت عَن الْقِصَّة، فَعرفت أَن بعض أَعْدَائِنَا لقيك، فشنع بِي عنْدك، فآلمني ذَلِك.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْحول الثَّانِي، بَلغنِي دخولك وخروجك، وَأَنَّك قد عملت على قَوْله فيَّ فازددت غما لذَلِك.
فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ شهور، ازدادت إضاقتي، وَامْتنع مني النّوم غما لما دفعت إِلَيْهِ، فَفَزِعت إِلَى الصَّلَاة، فَصليت مَا شَاءَ الله، وَأَقْبَلت أَدْعُو بالفرج، فحملتني عَيْني فِي الْمِحْرَاب، فَنمت، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي مَنَامِي، وَهُوَ
стр. 592
يَقُول لي: لَا تهتم، فقد لقِيت فلَانا الْخُرَاسَانِي، وعاتبته على قبُوله فِيك قَول أعدائك، وأمرته أَن يحمل إِلَيْك مَا فاتك، وَلَا يقطع عَنْك بعْدهَا ذَلِك، ويبرك مَا اسْتَطَاعَ، وانتبهت، فحمدت الله وشكرته، فَلَمَّا رَأَيْتُك علمت أَن الْمَنَام جَاءَ بك.
قَالَ: فأخرجت الصرة الَّتِي فِيهَا سِتّ مائَة دِينَار، فدفعتها إِلَيْهِ، وَقبلت يَده، وَسَأَلته أَن يُحِلنِي من قبُول قَول ذَلِك الرجل فِيهِ.
стр. 593
قصَّة العلوية الزمنة
حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَهد الْأَزْدِيّ، قَالَ: كَانَ فِي شَارِع دَار الرَّقِيق، جَارِيَة علوِيَّة، أَقَامَت زمنة خمس عشرَة سنة، وَكَانَ أبي فِي جوارها، أَيَّام نزولنا بدرب المعوج من هَذ الشَّارِع، فِي دَار شَفِيع المقتدري، الَّتِي كَانَ اشْتَرَاهَا، يتفقدها، ويبرها، وَكَانَت مسجاة، لَا يُمكنهَا أَن تنْقَلب من جنب إِلَى جنب، أَو تقلب، وَلَا تقعد، أَو تقعد، وَكَانَ لَهَا من يخدمها فِي ذَلِك، وَفِي الإنجاء، وَالْأكل، لقُصُور أطرافها، وأعضائها، وَكَانَت فقيرة، إِنَّمَا قوتها وقوت خادمتها من بر النَّاس.
стр. 594
فَلَمَّا مَاتَ أبي اخْتَلَّ أمرهَا، وَبلغ تجني، أم ولد الْوَزير المهلبي خَبَرهَا، فَكَانَت تقوم بأمرها، وأجرت عَلَيْهَا جراية فِي كل شهر، وَكِسْوَة فِي كل سنة.
فباتت لَيْلَة من اللَّيَالِي على حَالهَا، وأصبحت من الْغَد، وَقد برأت، ومشت، وَقَامَت، وَقَعَدت.
وَكنت مجاورا لَهَا، وَكنت أرى النَّاس يأْتونَ بَاب دارها، فأنفذت امْرَأَة من دَاري، ثِقَة، حَتَّى شاهدتها، وَسمعتهَا تَقول: إِنِّي ضجرت بنفسي ضجرا شَدِيدا، فدعوت الله تَعَالَى بالفرج مِمَّا أَنا فِيهِ، أَو الْمَوْت، وبكيت بكاء شَدِيدا مُتَّصِلا، وَبت وَأَنا متألمة، قلقة، ضجرة، وَكَانَ سَبَب ذَلِك، أَن الْجَارِيَة الَّتِي كَانَت تخدمني تضجرت بِي، وخاطبتني بِمَا ضَاقَ صَدْرِي مَعَه.
فَلَمَّا استثقلت فِي نومي رَأَيْت كَأَن رجلا دخل عَليّ، فارتعت مِنْهُ، وَقلت لَهُ: يَا هَذَا، كَيفَ تستحل أَن تراني؟ فَقَالَ: أَنا أَبوك، فظننته أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هُوَ ذَا ترى مَا أَنا فِيهِ.
стр. 595
فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله.
فَبَكَيْت، وَقلت: يَا رَسُول الله، ادْع لي بالفرج والعافية.
فحرك شَفَتَيْه بِشَيْء لَا أفهمهُ، ثمَّ قَالَ: هَاتِي يَديك، فأعطيته يَدي، وَأَخذهمَا، وجذبني بهما، فَقُمْت.
فَقَالَ: امشي على اسْم الله.
فَقلت: كَيفَ أَمْشِي؟ فَقَالَ: هَاتِي يَديك، فَأَخذهُمَا، وَمَا زَالَ يمشي بِي، وهما فِي يَدَيْهِ سَاعَة، ثمَّ أجلسني، حَتَّى فعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لي: قد وهب الله لَك الْعَافِيَة، فاحمديه واتقيه، وَتَرَكَنِي وَمضى.
فانتبهت، وَأَنا لَا أَشك أَنه وَاقِف، لسرعة الْمَنَام، فَصحت بالخادم، فظنت أَنِّي أُرِيد الْبَوْل، فتثاقلت.
فَقلت لَهَا: وَيحك، أسرجي، فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ، فانتبهت، فوجدتني مسجاة، فشرحت لَهَا الْمَنَام.
فَقَالَت: أَرْجُو أَن يكون الله تَعَالَى قد وهب لَك الْعَافِيَة، هَاتِي يدك، فأعطيتها يَدي، فأجلستني.
ثمَّ قَالَت لي: قومِي، فَقُمْت مَعهَا، ومشيت متوكئة عَلَيْهَا، ثمَّ جَلَست، فَفعلت ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، الْأَخِيرَة فِيهِنَّ مشيت وحدي.
فصاحت الخادمة سُرُورًا بِالْحَال، وإعظاما لَهَا، فَقدر الْجِيرَان أَنِّي قد مت، فَجَاءُوا، فَقُمْت أَمْشِي بَين أَيْديهم.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَمَا زَالَت قوتها تزيد، إِلَى أَن رَأَيْتهَا قد جَاءَت إِلَى والدتي فِي خف وَإِزَار، بعد أَيَّام، وَلَا دَاء بهَا، فبررناها، وَهِي إِلَى الْآن بَاقِيَة، وَهِي من أصلح وَأَوْرَع أهل زَمَاننَا، وَقد تزوجت بِرَجُل علوي مُوسر، وصلحت
стр. 596
حَالهَا، وَلَا تعرف إِلَى الْآن، إِلَّا بالعلوية الزمنة.
فَمضى على هَذَا الحَدِيث سنُون كَثِيرَة، وَجرى بيني وَبَين القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، الْمَعْرُوف بِابْن قريعة، مذاكرة بالمنامات، فَحَدثني بِحَدِيث مَنَام هَذِه العلوية، وقصتها، وعلتها، على مثل مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد، وَقَالَ: وَأَنا كنت أحمل إِلَيْهَا جرايتها من عِنْد تجني، جَارِيَة الْوَزير أبي مُحَمَّد المهلبي، وكسوتها على طول السنين، وَسمعت مِنْهَا هَذَا الْمَنَام، ورأيتها تمشي بعد ذَلِك صَحِيحَة، بِلَا قلبة، وتجيء إِلَى تجني، وتجني
стр. 597
زوجتها بالعلوي، وأعطتني مَالا، فَقُمْت بتجهيزها، وأمرها، حَتَّى أعرس بهَا زَوجهَا، وَهِي إِلَى الْآن من خِيَار النِّسَاء.
قَالَ مؤلف الْكتاب: وحَدثني بعد هَذَا جمَاعَة أسكن إِلَيْهِم من أهل شَارِع دَار الرَّقِيق، بِخَبَر هَذِه العلوية، على قريب من هَذَا، وَهِي بَاقِيَة إِلَى حِين معرفتي بخبرها فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَثَلَاث مائَة.
ثمَّ كنت فِي سنة سبع وَسبعين وَثَلَاث مائَة عِنْد أبي الْفَتْح أَحْمد بن عَليّ بن هَارُون المنجم، فَرَأَيْت فِي دَاره بدرب سُلَيْمَان من شَارِع دَار الرَّقِيق وَأَنا عِنْده، امْرَأَة عجوزا، قد دخلت، فأعظمها.
فَقلت: من هَذِه؟ فَقَالَ: العلوية الزمنة، صَاحِبَة الْمَنَام، وَكَانَت تمشي بخفها وإزارها.
فسألتها أَن تجْلِس، فَفعلت، واستخبرتها، فحدثتني، فَقَالَت: اعتللت من برسام، وَأَنا فِي حُدُود عشْرين سنة من عمري، ثمَّ انجلى عني، وَقد لحق حقوي شَيْء أزمنني، فَكنت مطروحة على الْفراش سبعا
стр. 598
وَعشْرين سنة، لَا أقدر أَن أقعد، وَلَا أقوم أصلا، وأنجو فِي موضعي، وأغسل، وَكنت مَعَ ذَلِك، لَا أجد ألما.
ثمَّ بعد سِنِين كَثِيرَة من علتي، رَأَيْت النَّبِي ﷺ ، فِي مَنَامِي، وَأَنا أَقُول لَهُ: يَا جدي، ادْع الله أَن يفرج عني، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا وقتك.
ثمَّ رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁، فَقلت لَهُ: أما ترى مَا أَنا فِيهِ، فاسأل رَسُول الله أَن يَدْعُو لي، أَو ادْع لي أَنْت، فَكَأَنَّهُ قد دافعني.
ثمَّ توالت عَليّ بعد ذَلِك رؤيتي لَهما فِي النّوم، فَجرى بيني وَبَينهمَا قريب من هَذَا، وَرَأَيْت الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄، وَكَأَنِّي أسأَل كل وَاحِد مِنْهُمَا الدُّعَاء بالعافية، فَلَا يفعل.
فَلَمَّا مَضَت سبع وَعِشْرُونَ سنة لَحِقَنِي ألم شَدِيد، أَيَّامًا فِي حقوي فقاسيت مِنْهُ شدَّة شَدِيدَة، فَأَقْبَلت أبْكِي، وأدعو الله بالفرج.
فَرَأَيْت لَيْلَة فِي مَنَامِي، النَّبِي ﷺ ، فعرفته؛ لِأَنِّي كنت أرَاهُ طول تِلْكَ السنين على صُورَة وَاحِدَة، وَكَأَنِّي أَقُول لَهُ: يَا جدي، مَتى يفرج الله عني؟ فَكَأَنَّهُ أَدخل يَده فِي طرف كمي، وجس بدني، من أَوله إِلَى آخِره، حَتَّى بلغ حقوي، فَوضع يَده عَلَيْهِ، وَتكلم بِكَلَام لَا أفهمهُ، ثمَّ ردني على قفاي، كَمَا كنت نَائِمَة، وَقَالَ: قد فرج الله عَنْك، فقومي.
فَقلت: كَيفَ أقوم؟ فَقَالَ: هَاتِي يدك، فأعطيته يَدي، فأقعدني.
ثمَّ قَالَ: قومِي على اسْم الله.
فَقُمْت، ثمَّ خطا بِي خطوَات يسيرَة، وَقَالَ: قد عوقبت.
فانتبهت، وَأَنا مستلقية على ظَهْري، كَمَا كنت نَائِمَة، إِلَّا أنني فرحانة،
стр. 599
فرمت الْقعُود، فَقَعَدت لنَفْسي وحدي، ودليت رجْلي من السرير، فتدلتا، فرمت الْقيام عَلَيْهِمَا، فَقُمْت، ومشيت، فَقلت للْمَرْأَة الَّتِي تخدمني: لست آمن أَن يشيع خبري، فيتكاثر النَّاس عَليّ، فيؤذوني، وَأَنا ضيعفة من الْأَلَم الَّذِي لَحِقَنِي، إِلَّا أَنِّي كنت لما انْتَبَهت، لم أحس بِشَيْء من الْأَلَم، وَلم أجد غير ضعف يسير.
فَقلت: اكْتُمِي أَمْرِي يَوْمَيْنِ، إِلَى أَن صلحت قوتي فيهمَا، وزادت قدرتي على الْمَشْي وَالْحَرَكَة، وَفَشَا خبري، وَكثر النَّاس عَليّ، فَلَا أعرف إِلَى الْآن، إِلَّا بالعلوية الزمنة.
فسألتها عَن نَسَبهَا، فَقَالَت: أَنا فَاطِمَة بنت عَليّ بن الْحسن بن الْقَاسِم بن عبد الله بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃، لم تذكر لي غير هَذَا، وَلَا سَأَلتهَا عَنهُ.
стр. 600
أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ يرى مناما فيتوب عَن فعل الْمُنكر
حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَهد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْقَاسِم السَّعْدِيّ يحدث أبي بِبَغْدَاد، قَالَ: كنت وَأَنا حدث السن، مشغوفا بِغُلَام لبي شغفا شَدِيدا، منهمكا مَعَه فِي الْفساد، فَكَانَ رُبمَا هجرني، فأترضاه بِكُل مَا أقدر عَلَيْهِ، حَتَّى يرضى.
قَالَ: وَإنَّهُ غضب عَليّ مرّة غَضبا شَدِيدا، فهرب، واستتر عني خَبره، فلحقني من الْحيرَة والوله، مَا قطعني عَن النّظر فِي أَمْرِي، وصيرني كَالْمَجْنُونِ، وَاجْتَهَدت فِي صرف ذَلِك عني فَمَا انْصَرف.
وَحضر وَقت خُرُوج النَّاس إِلَى الحائر، على ساكنه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكتبت رقْعَة أسأَل الله فِيهَا الْفرج مِمَّا أَنا فِيهِ، وأتوسل إِلَى الله تَعَالَى بالحسين بن عَليّ ﵄، ودفعتها إِلَى بعض من خرج، وَسَأَلته أَن يَدْفَعهَا فِي نَاحيَة من الْقَبْر.
وَكَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، فَفَزِعت إِلَى الله، فِي كشف مَا بِي، وتفردت بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء، قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ حَملَنِي النّوم.
следующие страницы →