← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حَالهَا، وَلَا تعرف إِلَى الْآن، إِلَّا بالعلوية الزمنة. فَمضى على هَذَا الحَدِيث سنُون كَثِيرَة، وَجرى بيني وَبَين القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، الْمَعْرُوف بِابْن قريعة، مذاكرة بالمنامات، فَحَدثني بِحَدِيث مَنَام هَذِه العلوية، وقصتها، وعلتها، على مثل مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد، وَقَالَ: وَأَنا كنت أحمل إِلَيْهَا جرايتها من عِنْد تجني، جَارِيَة الْوَزير أبي مُحَمَّد المهلبي، وكسوتها على طول السنين، وَسمعت مِنْهَا هَذَا الْمَنَام، ورأيتها تمشي بعد ذَلِك صَحِيحَة، بِلَا قلبة، وتجيء إِلَى تجني، وتجني

стр. 597

زوجتها بالعلوي، وأعطتني مَالا، فَقُمْت بتجهيزها، وأمرها، حَتَّى أعرس بهَا زَوجهَا، وَهِي إِلَى الْآن من خِيَار النِّسَاء. قَالَ مؤلف الْكتاب: وحَدثني بعد هَذَا جمَاعَة أسكن إِلَيْهِم من أهل شَارِع دَار الرَّقِيق، بِخَبَر هَذِه العلوية، على قريب من هَذَا، وَهِي بَاقِيَة إِلَى حِين معرفتي بخبرها فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَثَلَاث مائَة. ثمَّ كنت فِي سنة سبع وَسبعين وَثَلَاث مائَة عِنْد أبي الْفَتْح أَحْمد بن عَليّ بن هَارُون المنجم، فَرَأَيْت فِي دَاره بدرب سُلَيْمَان من شَارِع دَار الرَّقِيق وَأَنا عِنْده، امْرَأَة عجوزا، قد دخلت، فأعظمها. فَقلت: من هَذِه؟ فَقَالَ: العلوية الزمنة، صَاحِبَة الْمَنَام، وَكَانَت تمشي بخفها وإزارها. فسألتها أَن تجْلِس، فَفعلت، واستخبرتها، فحدثتني، فَقَالَت: اعتللت من برسام، وَأَنا فِي حُدُود عشْرين سنة من عمري، ثمَّ انجلى عني، وَقد لحق حقوي شَيْء أزمنني، فَكنت مطروحة على الْفراش سبعا

стр. 598

وَعشْرين سنة، لَا أقدر أَن أقعد، وَلَا أقوم أصلا، وأنجو فِي موضعي، وأغسل، وَكنت مَعَ ذَلِك، لَا أجد ألما. ثمَّ بعد سِنِين كَثِيرَة من علتي، رَأَيْت النَّبِي ﷺ ، فِي مَنَامِي، وَأَنا أَقُول لَهُ: يَا جدي، ادْع الله أَن يفرج عني، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا وقتك. ثمَّ رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁، فَقلت لَهُ: أما ترى مَا أَنا فِيهِ، فاسأل رَسُول الله أَن يَدْعُو لي، أَو ادْع لي أَنْت، فَكَأَنَّهُ قد دافعني. ثمَّ توالت عَليّ بعد ذَلِك رؤيتي لَهما فِي النّوم، فَجرى بيني وَبَينهمَا قريب من هَذَا، وَرَأَيْت الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄، وَكَأَنِّي أسأَل كل وَاحِد مِنْهُمَا الدُّعَاء بالعافية، فَلَا يفعل. فَلَمَّا مَضَت سبع وَعِشْرُونَ سنة لَحِقَنِي ألم شَدِيد، أَيَّامًا فِي حقوي فقاسيت مِنْهُ شدَّة شَدِيدَة، فَأَقْبَلت أبْكِي، وأدعو الله بالفرج. فَرَأَيْت لَيْلَة فِي مَنَامِي، النَّبِي ﷺ ، فعرفته؛ لِأَنِّي كنت أرَاهُ طول تِلْكَ السنين على صُورَة وَاحِدَة، وَكَأَنِّي أَقُول لَهُ: يَا جدي، مَتى يفرج الله عني؟ فَكَأَنَّهُ أَدخل يَده فِي طرف كمي، وجس بدني، من أَوله إِلَى آخِره، حَتَّى بلغ حقوي، فَوضع يَده عَلَيْهِ، وَتكلم بِكَلَام لَا أفهمهُ، ثمَّ ردني على قفاي، كَمَا كنت نَائِمَة، وَقَالَ: قد فرج الله عَنْك، فقومي. فَقلت: كَيفَ أقوم؟ فَقَالَ: هَاتِي يدك، فأعطيته يَدي، فأقعدني. ثمَّ قَالَ: قومِي على اسْم الله. فَقُمْت، ثمَّ خطا بِي خطوَات يسيرَة، وَقَالَ: قد عوقبت. فانتبهت، وَأَنا مستلقية على ظَهْري، كَمَا كنت نَائِمَة، إِلَّا أنني فرحانة،

стр. 599

فرمت الْقعُود، فَقَعَدت لنَفْسي وحدي، ودليت رجْلي من السرير، فتدلتا، فرمت الْقيام عَلَيْهِمَا، فَقُمْت، ومشيت، فَقلت للْمَرْأَة الَّتِي تخدمني: لست آمن أَن يشيع خبري، فيتكاثر النَّاس عَليّ، فيؤذوني، وَأَنا ضيعفة من الْأَلَم الَّذِي لَحِقَنِي، إِلَّا أَنِّي كنت لما انْتَبَهت، لم أحس بِشَيْء من الْأَلَم، وَلم أجد غير ضعف يسير. فَقلت: اكْتُمِي أَمْرِي يَوْمَيْنِ، إِلَى أَن صلحت قوتي فيهمَا، وزادت قدرتي على الْمَشْي وَالْحَرَكَة، وَفَشَا خبري، وَكثر النَّاس عَليّ، فَلَا أعرف إِلَى الْآن، إِلَّا بالعلوية الزمنة. فسألتها عَن نَسَبهَا، فَقَالَت: أَنا فَاطِمَة بنت عَليّ بن الْحسن بن الْقَاسِم بن عبد الله بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃، لم تذكر لي غير هَذَا، وَلَا سَأَلتهَا عَنهُ.

стр. 600

أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ يرى مناما فيتوب عَن فعل الْمُنكر حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَهد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْقَاسِم السَّعْدِيّ يحدث أبي بِبَغْدَاد، قَالَ: كنت وَأَنا حدث السن، مشغوفا بِغُلَام لبي شغفا شَدِيدا، منهمكا مَعَه فِي الْفساد، فَكَانَ رُبمَا هجرني، فأترضاه بِكُل مَا أقدر عَلَيْهِ، حَتَّى يرضى. قَالَ: وَإنَّهُ غضب عَليّ مرّة غَضبا شَدِيدا، فهرب، واستتر عني خَبره، فلحقني من الْحيرَة والوله، مَا قطعني عَن النّظر فِي أَمْرِي، وصيرني كَالْمَجْنُونِ، وَاجْتَهَدت فِي صرف ذَلِك عني فَمَا انْصَرف. وَحضر وَقت خُرُوج النَّاس إِلَى الحائر، على ساكنه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكتبت رقْعَة أسأَل الله فِيهَا الْفرج مِمَّا أَنا فِيهِ، وأتوسل إِلَى الله تَعَالَى بالحسين بن عَليّ ﵄، ودفعتها إِلَى بعض من خرج، وَسَأَلته أَن يَدْفَعهَا فِي نَاحيَة من الْقَبْر. وَكَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، فَفَزِعت إِلَى الله، فِي كشف مَا بِي، وتفردت بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء، قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ حَملَنِي النّوم.

стр. 601

فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي فِي مَقَابِر قُرَيْش، وَالنَّاس مجتمعون فِيهَا، إِذْ قيل: قد جَاءَ الْحُسَيْن بن عَليّ، وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ ، للزيارة. فتشوفت لرؤيتهما، فَإِذا بالحسين، فِي صُورَة كهل، حسن الْوَجْه، بدراعة، وعمامة، وخف، قد أقبل، وَمَعَهُ فَاطِمَة ﵍، متنقبة بنقاب أَبيض، وَمِلْحَفَة بَيْضَاء. فاعترضت الْحُسَيْن، وَقلت: يَابْنَ رَسُول الله، كتبت إِلَيْك رقْعَة فِي حَاجَة لي، فَإِن رَأَيْت أَن تعْمل فِيهَا؟ فَلم يجبني، وَدخل إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى ﵃، وَدخلت فَاطِمَة ﵍ مَعَه، وَكَأن قوما قد وقفُوا يمْنَعُونَ النَّاس من الدُّخُول إِلَيْهَا، فمل أزل أكابس وأتوصل، إِلَى أَن دخلت، فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْخطاب، فَلم يجبني. فَقلت لفاطمة: يَا سيدة النِّسَاء، إِن رَأَيْت أَن تعملي فِي أَمْرِي. فَقَالَت: على أَن تتوب؟ فَقلت: نعم. فَقَالَت: الله؟ فَقلت: الله. فكررت ذَلِك عَليّ ثَلَاثًا، ثمَّ أَوْمَأت إِلَى جمَاعَة مِمَّن كَانُوا قيَاما، فَقَالَت: خذوه، فأخذوني، ونزعت خَاتمًا من يَدهَا فَدَفَعته إِلَيْهِم، وخاطبتهم بِمَا لم أفهمهُ، فحملوني حَتَّى غبت من عينهَا، وأضجعوني وحلوا سراويلي وشدوا

стр. 602

ذكري بخيط حَلَبِيّ، وَوَضَعُوا على الشد طينا وختموه بالخاتم. فورد عَليّ من الْأَلَم أَمر عَظِيم أنبهني، فانتبهت وَقد أثر الْخَيط فِي الْموضع، وَصَارَ أثر الْخَاتم كَأَنَّهُ الجديري، مستديرا حول الْموضع، ثمَّ قَالَ لأبي: إِن شِئْت كشفت لَك فأريتك، فقد أريته لجَماعَة، فَقَالَ: لَا أستحل النّظر إِلَى ذَلِك. قَالَ السَّعْدِيّ: فَأَصْبَحت من غَد، وَمَا فِي قلبِي أَلْبَتَّة من الْغُلَام شَيْء، وابتعت الْجَوَارِي، فَكنت أطأهن، لَا أنكر من جماعي شَيْئا. ثمَّ طالبتني بالغلمان، فدافعتها مُدَّة، ثمَّ غلبتني الشَّهْوَة، فاستدعيت غُلَاما، فَلم أقدر عَلَيْهِ، واسترخى الْعُضْو، وَبَطل، فَلَمَّا فارقته، أنعظت، فعاودته، فاسترخى، فجربت ذَلِك على عدَّة غلْمَان، فَكَانَت صُورَتي وَاحِدَة فجددت تَوْبَة ثَانِيَة، وَمَا نقضتها بعد ذَلِك. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَكَانَ أَبُو عَليّ الْقَارئ الضَّرِير، قد سمع معي هَذَا الْخَبَر من السَّعْدِيّ، فَأَخْبرنِي بعد مُدَّة طَوِيلَة، وَحلف لي على ذَلِك، أَنه رأى فَاطِمَة ﵂، فِي النّوم، قَالَ: فَقلت لَهَا: يَا سيدتي، مَنَام السَّعْدِيّ الَّذِي حَكَاهُ صَحِيح؟ فَقَالَت: نعم.

стр. 603

أَبُو جَعْفَر بن بسطَام لَهُ قصَّة فِي رغيف حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، قَالَ: كَانَ ابْن الْفُرَات، يتبع أَبَا جَعْفَر بن بسطَام بالأذية، ويقصده بالمكاره، فلقي مِنْهُ فِي ذَلِك شَدَائِد كَثِيرَة. وَكَانَت أم أبي جَعْفَر قد عودته مُنْذُ كَانَ طفْلا، أَن تجْعَل لَهُ فِي كل لَيْلَة، تَحت مخدته الَّتِي ينَام عَلَيْهَا، رغيفا من الْخبز، فَإِذا كَانَ فِي غَد، تَصَدَّقت بِهِ، عَنهُ. فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة من أذية ابْن الْفُرَات لَهُ، دخل إِلَى ابْن الْفُرَات فِي شَيْء احْتَاجَ إِلَى ذَلِك فِيهِ، فَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات: لَك مَعَ أمك خبر فِي رغيف؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: لَا بُد أَن تصدقني. فَذكر أَبُو جَعْفَر الحَدِيث، فحدثه بِهِ على سَبِيل التطايب بذلك من أَفعَال النِّسَاء. فَقَالَ ابْن الْفُرَات: لَا تفعل، فَإِنِّي بت البارحة، وَأَنا أدبر عَلَيْك تدبيرا لَو تمّ لاستأصلتك، فَنمت، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن بيَدي سَيْفا مسلولا، وَقد قصدتك لأقتلك بِهِ، فاعترضتني أمك بِيَدِهَا رغيف تترسك بِهِ مني، فَمَا وصلت إِلَيْك، وانتبهت. فَعَاتَبَهُ أَبُو جَعْفَر على مَا كَانَ بَينهمَا، وَجعل ذَلِك طَرِيقا إِلَى

стр. 604

استصلاحه، وبذل لَهُ من نَفسه مَا يُريدهُ من حسن الطَّاعَة، وَلم يبرح حَتَّى أرضاه، وصارا صديقين. وَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات: وَالله، لَا رَأَيْت مني بعْدهَا سوءا أبدا.

стр. 605

بَيْنَمَا كَانَ يترقب الْقَتْل وافاه الْفرج فِي مثل لمح الْبَصَر ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه، كتاب (الوزراء) ، عَن أبي الْعَبَّاس بن الْفُرَات، عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن يُونُس، عَن أَبِيه، أَنه كَانَ يكْتب لرجاء بن أبي الضَّحَّاك، وَهُوَ بِدِمَشْق، وَأَن عَليّ بن إِسْحَاق بن يحيى بن معَاذ، كَانَ يتقلد خلَافَة صول أرتكين على المعونة بِدِمَشْق، فَوَثَبَ على رَجَاء، فَقتله، وَقبض على جمَاعَة من أَسبَابه، وَأمر بحبسي، فحبست فِي يَدي سجان كَانَ جارا لي، فَكَانَ يأتيني بالْخبر سَاعَة بساعة. فَدخل إِلَيّ، وَقَالَ: قد أخرج رَأس صَاحبك رَجَاء على قناة. ثمَّ جَاءَنِي، وَقَالَ: قد قتل مطببه، ثمَّ جَاءَنِي، فَقَالَ: قد قتل ابْن عَمه، ثمَّ جَاءَنِي، فَقَالَ: قد قتل كَاتبه الآخر. ثمَّ قَالَ: السَّاعَة، وَالله، يدعى بك لتقتل، فقد سَمِعت نبأ ذَلِك، فنالني جزع شَدِيد، وَخرج السجان، فأقفل الْبَاب عَليّ. فدعي بِي، فدافع عني، وَقَالَ: الْبَيْت الَّذِي هُوَ فِيهِ مقفل، والمفتاح مَعَ

стр. 606

شَرِيكي، والساعة يَجِيء، وَبعث فِي طلبه. فنالني فِي تِلْكَ السَّاعَة نُعَاس، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي، كَأَنِّي ارتطمت فِي طين كثير، وَكَأَنِّي قد خرجت، وَمَا بل قدمي مِنْهُ شَيْء، فَاسْتَيْقَظت وتأولت الْفرج، وَسمعت حَرَكَة شَدِيدَة، فَلم أَشك أَنَّهَا لطلبي، فعاودني الْجزع. فَدخل السجان، فَقَالَ: أبشر، فقد أَخذ الْجند عَليّ بن إِسْحَاق فحبسوه. فَلم ألبث حَتَّى جَاءَنِي الْجند، فأخرجوني، وَجَاءُوا بِي إِلَى مجْلِس عَليّ بن إِسْحَاق الَّذِي كَانَ فِيهِ جَالِسا، وقدامه دَوَاة وَكتاب قد كَانَ كتبه إِلَى المعتصم فِي تِلْكَ السَّاعَة، يُخبرهُ بِخَبَر قَتله رَجَاء، وَجعل لَهُ ذنوبا، ولنفسه معاذير. وَسَماهُ رَجَاء الْمَجُوسِيّ، وَالْكَافِر، فخرقت الْكتاب، وكتبت بالْخبر كَمَا يجب إِلَى المعتصم. فحبس طَويلا، ثمَّ أظهر الوسواس، وَتكلم فِيهِ أَحْمد بن أبي دؤاد فَأطلق.

стр. 607

الْمَنْصُور يرى مناما فيرفع الظلامة عَن مَحْبُوس وجدت فِي بعض الْكتب: أَن الْمَنْصُور اسْتَيْقَظَ من مَنَامه لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَهُوَ مذعور لرؤيا رَآهَا، فصاح بِالربيعِ، وَقَالَ لَهُ: صر السَّاعَة إِلَى الْبَاب الثَّانِي الَّذِي يَلِي بَاب الشَّام فَإنَّك ستصادف هُنَاكَ رجلا مجوسيا مُسْتَندا إِلَى الْبَاب الْحَدِيد، فجئني بِهِ، فَمضى الرّبيع مبادرا، وَعَاد والمجوسي مَعَه. فَلَمَّا رَآهُ الْمَنْصُور، قَالَ: نعم، هُوَ هَذَا، مَا ظلامتك؟ قَالَ: إِن عاملك بالأنبار جاورني فِي ضَيْعَة لي، فسامني أَن أبيعه إِيَّاهَا، فامتنعت؛ لِأَنَّهَا معيشتي، وَمِنْهَا أقوت عيالي، فغصبني إِيَّاهَا. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: فَبِأَي شَيْء دَعَوْت قبل أَن يصير إِلَيْك رَسُولي؟ قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ إِنَّك حَلِيم ذُو أَنَاة، وَلَا صَبر لي على أناتك. فَقَالَ الْمَنْصُور للربيع: أشخص هَذَا الْعَامِل، وَأحسن أدبه، وانتزع ضَيْعَة هَذَا الموجسي من يَده، وَسلمهَا إِلَى هَذَا الْمَجُوسِيّ، وابتع من الْعَامِل ضيعته، وَسلمهَا إِلَيْهِ أَيْضا. فَفعل الرّبيع ذَلِك كُله فِي بعض نَهَار يَوْم، وَانْصَرف الْمَجُوسِيّ، وَقد فرج الله عَنهُ، وزاده، وَأحسن إِلَيْهِ.

стр. 608

صَاحب الشرطة بِبَغْدَاد يرى مناما يرشده إِلَى الْقَاتِل وَيُبرئ فيجا مَظْلُوما وجدت فِي كتاب: حدث الْقَاسِم بن كرسوع، صَاحب أبي جَعْفَر محبرة، قَالَ: كَانَ ابْن أبي عون، صَاحب الشرطة، قد وعد محبرة أَنه يَجِيئهُ للإقامة عِنْده، وَالشرب مصطبحا على ستارته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، وَتعلق قلب محبرة بتأخره، فَبعث غُلَاما لَهُ يَطْلُبهُ وَيعرف خَبره فِي تَأَخره. فَعَاد إِلَى محبرة، وَقَالَ: وجدته فِي مجْلِس الشرطة، يضْرب رجلا بالسياط، وَذكر أَنه يَجِيء السَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، جَاءَ ابْن أبي عون، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: أفسدت صبوحنا، وشغلت قلبِي بتأخرك، فَمَا سَبَب ذَلِك؟

стр. 609

فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي، كَأَنِّي بكرت بلَيْل لأجيك، وَلَيْسَ بَين يَدي إِلَّا غُلَام وَاحِد، فسرت فِي خراب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب، لأجيء إِلَى رحبة الجسر، فَإِنِّي لأسير فِي الْقَمَر، إِذْ رَأَيْت شَيخا بهيا نظيف الثَّوْب، على رَأسه قلنسوة لاطية، وَفِي يَده عكاز، فَسلم عَليّ، وَقَالَ: إِنِّي أرشدك إِلَى مَا فِيهِ مثوبة: فِي حَبسك فيج مظلوم، وافى من الْمَدَائِن،

стр. 610

فِي وَقت ضيق، فاتهم بِأَنَّهُ قتل رجلا، وَهُوَ بَرِيء من دَمه، وَقد ضرب وَحبس، وَقَاتل الرجل غَيره، وَهُوَ فِي غرفَة وسطى من ثَلَاث غرف مَبْنِيَّة على طاق العكي بالكرخ، واسْمه فلَان بن فلَان، ابْعَثْ من يَأْخُذهُ، فَإنَّك ستجده سَكرَان، عُرْيَان، بسراويل، وَفِي يَده سكين مخضبة بِالدَّمِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا ترى، وَأطلق الفيج البائس. قلت: أفعل، وانتبهت، فركبت، وسرت، حَتَّى وافيت رحبة الجسر، فَقلت: مَا حدث فِي هَذِه اللَّيْلَة؟

стр. 611

فَقَالُوا: وجدنَا هَذَا الْقَتِيل، وَهَذَا الفيج مَعَه، فضربناه، وَلم يقر. فَرَأَيْت بِهِ أثر ضرب عَظِيم، فَسَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: أَنا مَعْرُوف بِالْمَدَائِنِ بسلامة الطَّرِيقَة، ومعاشي التفيج، أنفذني فلَان بن فلَان من الْمَدَائِن، إِلَى فلَان بن فلَان من أهل بَغْدَاد، بِهَذِهِ الْكتب، وَأخرج إضبارة، فَدخلت أَوَائِل بَغْدَاد وَقت الْعَتَمَة، فوجت فِي الطَّرِيق رجلا مقتولا، فَجَزِعت، وَلم أدر أَيْن آخذ، فَأَنا على حَالي إِذْ أدركني الأعوان، فظنوني قتلته، وَوَاللَّه مَا أعرفهُ، وَلَا رَأَيْته قطّ، وَقد حبسوني وضربوني، فَالله، الله، فِي دمي. فَقلت: قد فرج الله عَنْك، انْطلق حَيْثُ شِئْت، ثمَّ أخذت الرجالة، ومضيت إِلَى طاق العكي، فَإِذا الثَّلَاث غرف مصطفة، فهجمت على الْوُسْطَى، فَإِذا فِيهَا رجل سَكرَان عَلَيْهَا سَرَاوِيل فَقَط، وَفِي يَده سكين مخضب بِالدَّمِ، وَهُوَ يَقُول: أَخ عَلَيْك، والك، نعم يَا سَيِّدي، أَنا جرحته، أَخُو القحبة، وَإِن مَاتَ فَأَنا قتلته، فأنزلته مكتوفا، وَبعثت بِهِ إِلَى الْحَبْس، وانحدرت إِلَى الْمُوفق، فأعلمته بِالْحَدِيثِ، فتعجب، وَتقدم إِلَيّ أَن أضْرب الْقَاتِل بالسياط إِلَى أَن يتْلف، وأصلبه فِي مَوضِع جِنَايَته، فتشاغلت بذلك إِلَى أَن فرغت مِنْهُ، ثمَّ جئْتُك.

стр. 612

عزم على قَتله ثمَّ من عَلَيْهِ وَأطْلقهُ ثمَّ يمن عَلَيْهِ ويطلقه حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، وَكَانَ ابْن أخي مُوسَى بن إِسْحَاق القَاضِي الْأنْصَارِيّ، قَالَ: كنت خرجت مَعَ أبي، وَهُوَ يكْتب لأبي جَعْفَر الْكَرْخِي مُحَمَّد بن الْقَاسِم، لما تقلد الْموصل والديارات، وَكَانَ قد ضم إِلَى أبي جَعْفَر جمَاعَة من قواد السُّلْطَان، فَلَمَّا صرنا بنصيبين كَانَ أبي قد مضى وَأَنا مَعَه إِلَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد

стр. 613

بن كشمرد مُسلما عَلَيْهِ، فتحدثا، فَسَمعته يحدثه، قَالَ: لما أسرني أَبُو طَاهِر القرمطي، فِيمَن أسره بالهبير، حَبَسَنِي وَأَبا الهيجاء،

стр. 614

والغمر، فِي ثَلَاث حجر مُتَقَارِبَة، ومكننا أَن نتزاور، ونجتمع على الحَدِيث. فمكن أَبَا الهيجاء خَاصَّة، واختص بِهِ، وَعمل على إِطْلَاقه، وشفعه فِي أَشْيَاء. فَسَأَلت أَبَا الهيجاء أَن يسْأَله إطلاقي، فوعدني، واستدعاه القرمطي، فَمضى إِلَيْهِ وَعَاد إِلَى حجرته، فَجئْت وَسَأَلته: هَل خاطبه؟ فدافعني. فَقلت: لَعَلَّك أنسيت؟ فَقَالَ: لَا وَالله، ولوددت أَنِّي مَا ذكرتك لَهُ، إِنِّي وجدته متغيظا عَلَيْك، فَقَالَ: وَالله، لَأَضرِبَن عُنُقه عِنْد طُلُوع الشَّمْس فِي غَد. ورحل أَبُو الهيجاء، فورد عَليّ أَمر عَظِيم، وعدت إِلَى حُجْرَتي، وَقد يئست من الْحَيَاة، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن قَائِلا يَقُول لي: اكْتُبْ فِي رقْعَة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من العَبْد الذَّلِيل، إِلَى الْمولى الْجَلِيل، مسني الضّر وَالْخَوْف، وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ، فَبِحَق مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، اكشف همي وحزني، وَفرج عني، واطرح هَذِه الرقعة فِي هَذَا النَّهر، وَأَوْمَأَ إِلَى ساقية كَانَت تجْرِي هُنَاكَ فِي المطبخ. فانتبهت من نومي، وكتبت الرقعة، وطرحتها فِي الساقية. فَلَمَّا كَانَ السحر استدعاني القرمطي، فَلم أَشك أَنه الْقَتْل، فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ أدناني وأجلسني، وَقَالَ: قد كَانَ رَأْيِي فِيك غير هَذَا، إِلَّا أَنِّي قد رَأَيْت تخليتك.

стр. 615

فَخرجت، فَإِذا على الْبَاب رَاحِلَة، وَرجل يصحبني، فركبت، وَدخلت الْبَصْرَة سالما، وَلَحِقت أَبَا الهيجاء بهَا، فَدَخَلْنَا مَعًا إِلَى بَغْدَاد.

стр. 616

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْكَاتِب دخل مصر أَجِيرا ثمَّ دَخلهَا أَمِيرا قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن زكي: كنت مَعَ صَاحِبي عِيسَى النوشري، وَكَانَ مُضَافا لمُحَمد بن سُلَيْمَان الْكَاتِب على حَرْب الطولونية، إِلَى أَن افتتحت مصر، فتقلدها عِيسَى.

стр. 617

قَالَ: قَالَ عِيسَى: خرج يَوْمًا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان إِلَى ظَاهر الْفسْطَاط، فَانْتهى بِهِ السّير إِلَى قبَّة كَانَت لِأَحْمَد بن طولون، يُقَال لَهَا: قبَّة الْهَوَاء، مطلة على النّيل وعَلى الْبر، فَجَلَسَ فِيهَا وَمَعَهُ الْحُسَيْن بن حمدَان وَجَمَاعَة من القواد، ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر كُله يفعل مَا يَشَاء. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن بن حمدَان: لَا شكّ أَن تجديدك الْحَمد لأمر. قَالَ: نعم، وَهُوَ عَجِيب طريف ذكرته السَّاعَة، وَهُوَ أَنِّي نزعت إِلَى مصر وَأَنا فِي حَال رثَّة، فِي زِيّ صغَار الأتباع، فَضَاقَ عَليّ المعاش بهَا؟ فاتصلت بلؤلؤ الطولوني، فَأجرى عَليّ دينارين فِي كل شهر، وصيرني مشرفا فِي

стр. 618

إصطبله على كراعه، فَكنت هُنَاكَ من حَيْثُ لَا يعرف وَجْهي جيدا، وَلَا أقدم على الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أحضرني، فَقَالَ: وَيحك من أَيْن يعرفك الْأَمِير؟ يَعْنِي: أَحْمد بن طولون. فَقلت: وَالله، مَا رَآنِي قطّ، وَلَا وَقعت عينه عَليّ إِلَّا فِي الطَّرِيق، وَلَا محلي مَحل من يتَصَدَّى للقائه. فَقَالَ: دَعَاني السَّاعَة، وَهُوَ فِي قبَّة الْهَوَاء، فَقَالَ: مَعَك رجل أشقر أشهل، يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن سُلَيْمَان. فَقلت: مَا أعرفهُ. فَقَالَ: بل هُوَ فِي جنبتك، فَأَبْعَده عَنْك، فَإِنِّي رَأَيْته البارحة وَفِي يَده مكنسة يكنس دَاري بهَا، فتوق وَيحك، وَلَا تتعرف إِلَى أحد من حَاشِيَته، وأقرني على أَمْرِي، فامتثلت أمره. وَمَضَت لهَذَا الحَدِيث شهور، ثمَّ دَعَاني ثَانِيَة، فَقَالَ: وَيحك، مَاذَا بليت بِهِ مِنْك، وبليت أَنْت بِهِ من هَذَا الْأَمِير؟ دَعَاني بعدة من أَصْحَاب الرسائل، فوافيته وَأَنا فِي غَايَة الوجل، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمرتك بِصَرْف مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَزْرَق الْأَشْقَر؟ فَقلت: قد عرفتك يَا سَيِّدي أَنِّي مَا استخدمت من هَذِه سَبيله، وَلَا وَقعت لي عَلَيْهِ عين.

стр. 619

فَقَالَ: كذبت، هُوَ مَعَك فِي إصطبلك، فَأخْرجهُ السَّاعَة عَن الْبَلَد، فَإِنِّي قد رَأَيْته البارحة فِي النّوم، وَفِي يَده مكنسة، وَهُوَ يكنس بِهِ سَائِر حجري وداري، ونسأل الله الْكِفَايَة. فَقلت للؤلؤ: وَأي ذَنْب لَيْسَ يَا سَيِّدي فِي الأحلام؟ فَقَالَ لي: صدقت، فاستتر إِلَى أَن يتناسى الْأَمِير ذكرك، فَفعلت، وَكَانَ يجْرِي عَليّ ذَلِك الرزق، وَأَنا لَا أعمل شَيْئا. فَلَمَّا تهَيَّأ من إِنْفَاذ لُؤْلُؤ إِلَى الشَّام مَا تهَيَّأ، نهضت مَعَه، وتخلف عَنهُ كِتَابه، لما كَانُوا علموه من تغير حَاله عِنْد صَاحبه، فأدناني، وقربني، وأجرى عَليّ فِي كل شهر عشرَة دَنَانِير، وحملني على دَابَّة وبغل، فلزمت خدمته، وكفيته، واستحمدت إِلَيْهِ، فزادني من رَأْيه، وَلم ينْتَه إِلَى الْعَريش، حَتَّى تنبه أَحْمد بن طولون على استيحاش لُؤْلُؤ، فَكتب إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى مصر، فشاورني، فأشرت عَلَيْهِ بالانحدار إِلَى نواحي ديار مُضر، وَأخذ مَا يستهدف لَهُ من المَال، وَلم أترك غَايَة إِلَّا أتيتها فِي تضريبه وتأليبه، حَتَّى أوردته مَدِينَة السَّلَام. ثمَّ تقلبت بِي الْأَحْوَال فِي خدمَة السُّلْطَان، وخدمة الدول، وَتُوفِّي أَحْمد بن طولون، وَقتل أَبُو الْجَيْش، وجيش ابْنه، وَتَوَلَّى بعدهمْ هَارُون بن خمارويه،

стр. 620

فاختصصت أَنا بالقاسم بن عبيد الله، فقلدني ديوَان الْجَيْش، ثمَّ ندبني لمحاربة هَارُون، وَضم إِلَيّ القواد وَالرِّجَال، وَكَانَ فيهم لُؤْلُؤ صَاحِبي، وَكَانَ أَصْغَر الْجَمَاعَة حَالا، وأحقرهم شَأْنًا، خَالِيا من الرِّجَال والكراع، فَلم أقصر فِي إصْلَاح حَاله، وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ، وَمَعْرِفَة حَقه. فَلم أدن من الشَّام حَتَّى تَلقانِي بدر الحمامي، وتلاه طغج بن جف مسرعا، وصرت إِلَى مصر، فَلَمَّا شارفتها وثب شَيبَان بن أَحْمد بن طولون وَمن تَابعه من جند مصر، فَقتلُوا هَارُون، وَتَوَلَّى شَيبَان الْأَمر بعده، وانثال إِلَيّ القواد فِي الْأمان وَلحق بهم شَيبَان، وتخلف الرجالة وَقطعَة من الفرسان، وأظهروا الْخلاف، فأوقعت بهم، وأفنيتهم قتلا وأسرا، وَدخلت فسطاط مصر عنْوَة، وحويت النعم والمهج، وأشخصت الطولونية عَن الْبَلَد إِلَى الحضرة، حَتَّى لم يبْق مِنْهُم أحد. وَصَحَّ بذلك مَنَام أَحْمد بن طولون، فسبحان الَّذِي مَا شَاءَ فعل، وإياه نسْأَل خير مَا تجْرِي بِهِ أقداره، وَأَن يخْتم لنا بِخَير برحمته.

стр. 621

شفَاه مَنَام رَآهُ أحد أَصْحَابه حَدثنِي أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالببغاء، قَالَ: اعتللت بحلب عِلّة، جف مِنْهَا بدني كُله، فَكنت كالخشبة، لَا أقدر على أَن أتحرك أَو أحرك، وَنحل جسمي، وتقلبت بِي أعلال مُتَّصِلَة متضادة صعبة، فَمَكثت حَلِيف الْفراش ثَلَاث سِنِين، وآيسني الْأَطِبَّاء من الْبُرْء، وَقَطعُوا مداواتي. وَكَانَ لي صديق شيخ يعرف بِأبي الْفرج بن دارم، من أهل بلدي، يَعْنِي: نَصِيبين، مُقيم بحلب، مواظب على عيادتي، وملازم لي، وَكَانَ لفرط اغتمامه بِي، وَأَن الْأَطِبَّاء قد آيسوه مني، يظْهر لي من الْجزع عَليّ أمرا يؤلم قلبِي، ويؤيسني من نَفسِي، ثمَّ تجَاوز ذَلِك إِلَى التَّصْرِيح باليأس، وتوطيني عَلَيْهِ، ثمَّ تعدى هَذَا إِلَى أَن صَار لَا يملك دمعته إِذا خاطبني. فضعفت عَن تحمل هَذَا، وتضاعفت بِهِ علتي، وخارت مَعَه قوتي، فاعتقدت أَن أَقُول لغلامي أَن يترصده، فَإِذا جَاءَ الرجل إِلَيّ قَالَ لَهُ عني: إِنِّي لَا أستحسن حجابه، وَإِن علتي تضاعفت مِمَّا أشاهده، وأسمعه مِنْهُ، ويسأله أَن يَنْقَطِع عني، أَو يقطع مخاطبتي بِمَا فِيهِ إِيَاس لي، وقررت عزمي على هَذَا فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَلم أخاطب بِهِ غلامي.

стр. 622

فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة، باكرني ابْن دارم، فحين وَقعت عَيْني عَلَيْهِ، تثاقلت بِهِ خوفًا من أَن يسْلك معي مذْهبه، وهممت أَن أفْتَتح خطابه بِمَا كنت عزمت على مراسلته بِهِ، فَسَبَقَنِي بِأَن قَالَ لي: جئْتُك مبشرا. فَقلت: بِمَاذَا؟ قَالَ: رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي، كَأَنِّي بالرقة، وَالنَّاس يهرعون إِلَى زِيَارَة قُبُور الشُّهَدَاء. قَالَ أَبُو الْفرج: وهم جمَاعَة مِمَّن قتل بصفين مَعَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، مِنْهُم عمار بن يَاسر، حملُوا إِلَى ظَاهر الرقة، فدفنوا بهَا، وَالْحَال فِي ذَلِك مَشْهُور، والقبور إِلَى الْآن مغشية معمورة. قَالَ لي ابْن دارم: وَرَأَيْت كَأَن أَكثر النَّاس مطيفون بقبة، فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل لي: هِيَ على قبر عمار بن يَاسر ﵁، فقصدتها، وطفت بهَا،

стр. 623

فَإِذا الْقَبْر مَكْشُوف، وَفِيه رجل شيخ، بِثِيَاب بيض، وَفِي رَأسه ضربات بَيِّنَة دامية، وعَلى لحيته دم، وَالنَّاس يسألونه فَيُجِيبهُمْ، فلحقتني حيرة، وَلم أدر عَمَّا أسأله. فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، لَعَلَّك عَارِف بِأبي الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر المَخْزُومِي الْمَعْرُوف بالببغاء. فَقَالَ: نعم، أَنا عَارِف بِهِ. فَقلت: أيعيش أم لَا؟ فَقَالَ: نعم، يعِيش، وَيبرأ، وَلَكِن أَنْت لَك ابْن فاحذر عَلَيْهِ من عِلّة تلْحقهُ قَرِيبا، واستيقظت. وَأخذ يهنيني بالعافية، وَيَقُول: سرني مَا جرى، وَلَكِن قد أوحشني فِي أَمر ابْني، وأسأل الله تَعَالَى الْكِفَايَة. قَالَ أَبُو الْفرج: وَكَانَ للرجل ابْن، لَهُ نَحْو الثَّلَاثِينَ سنة، وَهُوَ فِي الْحَال معافى، فَلَمَّا مَضَت خَمْسَة أَيَّام من الرُّؤْيَا حم الْفَتى، وتزايدت علته، فَمَاتَ فِي الْيَوْم الرَّابِع عشر من يَوْم حم، فَقَوِيت نَفسِي فِي صِحَة الْمَنَام، وَمَا مضى على موت الْفَتى إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أدبر مرضِي، وَلم تزل الْعَافِيَة تقوى إِلَى أَن عوفيت، وعادت صحتي كَمَا كَانَت بعد مُدَّة يسيرَة.

стр. 624

رأى الْإِسْكَنْدَر رُؤْيا تبعها انتصاره على دَارا ملك الْفرس وجدت فِي بعض الْكتب: أَنه لما اشتدت الْحَرْب بَين الْإِسْكَنْدَر، وَبَين دَارا بن دَارا، استظهر دَارا عَلَيْهِ، وأشرف الْإِسْكَنْدَر على الْهَلَاك، وأيس من النَّصْر، وَحَال الشتَاء بَينهمَا، فَانْصَرف الْإِسْكَنْدَر إِلَى مُعَسْكَره، مغموما مهموما ليلته، ثمَّ نَام. فَرَأى فِي مَنَامه، كَأَنَّهُ صارع دَارا، فصرعه دَارا، فانتبه، وَقد كربه ذَلِك، وَزَاد فِي همه وغمه. فَقص رُؤْيَاهُ على بعض فلاسفته، فَقَالَ: أبشر أَيهَا الْملك بالغلبة والنصر، فَإنَّك تغلب دَارا على الأَرْض، لِأَنَّك كنت تَلِيهَا لما صرعك. فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة انهزم دَارا، وَقتل، وَجَاءُوا بِرَأْسِهِ إِلَى الْإِسْكَنْدَر.

стр. 625

رُؤْيا عبد الله بن الزبير وتعبيرها قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَمثل هَذَا مَا هُوَ مَشْهُور فِي رِوَايَات أَصْحَاب الْأَخْبَار وَالسير، أَن عبد الله بن الزبير رأى فِي مَنَامه، كَأَنَّهُ صارع عبد الْملك بن مَرْوَان، فصرع عبد الْملك، وسمره على الأَرْض بأَرْبعَة أوتاد. فَأرْسل رَاكِبًا إِلَى الْبَصْرَة، وَأمره أَن يلقى مُحَمَّد بن سِيرِين، ويقص الرُّؤْيَا عَلَيْهِ، وَلَا يذكر لَهُ من أنفذه. فَأَتَاهُ وقص عَلَيْهِ الْمَنَام، فَقَالَ لَهُ ابْن سِيرِين: من رأى هَذَا؟ قَالَ: أَنا رَأَيْته فِي رجل بيني وَبَينه عَدَاوَة. فَقَالَ: لَيْسَ هَذِه رُؤْيَاك، هَذِه رُؤْيا ابْن الزبير أَو عبد الْملك، أَحدهمَا فِي الآخر. فَسَأَلَهُ الْجَواب، فَقَالَ: مَا أفسرها أَو تصدقني، فَلم يصدقهُ، فَامْتنعَ من التَّفْسِير، فَانْصَرف الرَّاكِب إِلَى ابْن الزبير، فَأخْبرهُ بِمَا جرى. فَقَالَ لَهُ: ارْجع إِلَيْهِ، واصدقه، أنني رَأَيْتهَا فِي عبد الْملك.

стр. 626

فَرجع الرَّاكِب إِلَى ابْن سِيرِين، وَصدقه، فَقَالَ لَهُ: قل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن عبد الْملك يَغْلِبك على الأَرْض، ويلي هَذَا الْأَمر من وَلَده لظهره أَرْبَعَة، بِعَدَد الْأَوْتَاد الَّتِي سمرته بهَا على الأَرْض.

стр. 627

رأى فِي مَنَامه أَنه قد صرع خَصمه فَكَانَ تَعْبِير رُؤْيَاهُ أَن الْخصم هُوَ الْمُنْتَصر حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ، الْكَاتِب، الْمُقِيم كَانَ بِالْبَصْرَةِ، إِلَى أَن مَاتَ، قَالَ: لما سعى أَبُو أَحْمد طَلْحَة بن الْحسن بن الْمثنى، مَعَ جَيش أبي الْقَاسِم بن أبي عبد الله البريدي، فِي أَن يقبضوا عَلَيْهِ، ويحبسوه عِنْد أبي أَحْمد، إِلَى

стр. 628

أَن يرد الْمُطِيع لله، أَو جَيش لَهُ إِلَى الْبَصْرَة، فيملكوها، ويتسلمون مِنْهُ أَبَا الْقَاسِم البريدي، وَكَانَت الْقِصَّة الْمَشْهُورَة فِي ذَلِك. فبلغني ذَلِك، فخلوت بِأبي أَحْمد، وَكنت أكتب لَهُ حِينَئِذٍ، وَكَانَ لَا يحتشمني فِي أُمُوره، وثنيته عَن هَذَا الرَّأْي، وعرفته وُجُوه الْغَلَط فِيهِ، والمخاطرة بدمه وَنعمته، وَهُوَ غير قَابل لمشورتي، إِلَى أَن أكثرت عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: اعْلَم أنني قد رَأَيْت رُؤْيا أَنا بهَا واثق فِي تَمام مَا قد شرعت فِيهِ من الْقَبْض على هَذَا الرجل. فعجبت فِي نَفسِي من رجل يُخَالف الحزم الظَّاهِر، والرأي الْوَاضِح، من أجل مَنَام، ثمَّ قلت لَهُ: مَا الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: رَأَيْت كَأَن حَيَّة عَظِيمَة، قد خرجت عَليّ من حَائِط هَذَا العرضي، قَالَ: وَكَانَ جَالِسا فِي عرضي دَاره، قَالَ: فَكَأَنِّي قد رميتها، فأثبتها فِي الْحَائِط. فحين قَالَ أَبُو أَحْمد: أثبتها فِي الْحَائِط، ذكرت تَأْوِيل مَنَام ابْن الزبير، وقص الْمَنَام الَّذِي ذكرته، فَسبق إِلَى قلبِي، أَن تَأَول مَنَام أبي أَحْمد، أَنه قد أثبت عدوه فِي حَائِطه، وَأَن عدوه سيغلبه على الْبَلَد. قَالَ: فَأَمْسَكت، وَقطعت الْكَلَام، فَمَا مَضَت إِلَّا مُدَّة يسيرَة، حَتَّى شاع التَّدْبِير، وَصَحَّ الْخَبَر بِهِ عِنْد أبي الْقَاسِم البريدي، فبادر إِلَى الْقَبْض على

стр. 629

فائق الأعسر، وَكَانَ هُوَ الَّذِي نَدبه أَبُو أَحْمد للقبض على البريدي، وَأَن يكون أَمِير الْبَلَد، إِلَى أَن يرد جَيش الْخَلِيفَة، فقرره، فَأقر بالْخبر على شَرحه، فَقبض أَبُو الْقَاسِم على أبي أَحْمد بعد قَبضه على فائق بيومين أَو ثَلَاثَة، فاستصفاه، وَأَهله، وَولده، ثمَّ قَتله بعد ذَلِك بأيام.

стр. 630

الرشيد يولي أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي دمشق بَلغنِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، قَالَ: كنت فِي جفوة شَدِيدَة من أخي الرشيد، أثرت فِي جاهي، ونقصت حَالي، وأفضيت مَعهَا إِلَى الْإِضَافَة بِتَأْخِير أرزاقي، وَظُهُور اطراحه إيَّايَ، فاختلت لذَلِك أحوالي، وركبني دين فادح، فَبلغ بِي القلق والفكر فِيهِ لَيْلَة من اللَّيَالِي، مبلغا شَدِيدا، ونمت فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي وَاقِف بَين يَدي أبي الْمهْدي، وَهُوَ يسألني عَن حَالي، وَأَنا أَشْكُو إِلَيْهِ مَا نكبني بِهِ الرشيد، وأنهيت إِلَيْهِ حَالي، وَأَنا أَقُول: ادْع الله عَلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَكَأَنَّهُ يَقُول: اللَّهُمَّ أصلح ابْني هَارُون، يكررها ثَلَاثًا. فَكَأَنِّي أَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَشْكُو إِلَيْك ظلم هَارُون لي، وَأَسْأَلك أَن تَدْعُو عَلَيْهِ، فتدعو لَهُ. فَقَالَ: وَمَا عَلَيْك، إِن أصلحه الله لَك وللكافة، أَن يبْقى على حَاله، هُوَ ذَا أمضي إِلَيْهِ السَّاعَة، وآمره أَن يرجع لَك، وَيَقْضِي دينك، ويوليك جند دمشق. فكأنني أومي إِلَيْهِ بسبابتي، وَأَقُول لَهُ: دمشق، دمشق، اسْتِقْلَالا لَهَا. فَيَقُول لي: حركت مسبحتك اسْتِقْلَالا لدمشق، فَكلما خف مِنْهَا حظك، كَانَ فِي الْعَاقِبَة أَجود لَك. فانتبهت، وأحضرت رجلا كَانَ مؤدبي فِي أَيَّام الْمهْدي، فَسَأَلته عَن المسبحة، فَقَالَ: كَانَ عبد الله بن الْعَبَّاس، يُسَمِّي السبابَة: المسبحة، فَمَا

стр. 631

سُؤال الْأَمِير لي عَنْهَا؟ فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، وَامْتنع النّوم عني، فَأخذ يحدثني وَأَنا جَالس فِي فِرَاشِي، إِذْ جَاءَنِي رَسُول الرشيد، فارتعت لَهُ ارتياعا شَدِيدا، وَلم أعبأ بالمنام، وَخفت أَن يُرِيدنِي لسوء يوقعه بِي. فَقلت: أدافعه إِلَى أَن تطلع الشَّمْس، ثمَّ يكون دخولي الدَّار نَهَارا، فَإِن كَانَ أرادني لغيلة لم تتمّ. فتقاطرت رسله حَتَّى أعجلوني عَن الرَّأْي، واضطروني إِلَى الرّكُوب فِي الْحَال، فَدخلت إِلَيْهِ وَأَنا شَدِيد الْجزع، وَهُوَ جَالس فِي فرَاشه ينتحب. فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: سَأَلتك بِاللَّه يَا أخي هَل رَأَيْت اللَّيْلَة فِي مَنَامك شَيْئا؟ فَقلت: نعم، السَّاعَة رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي. فَلَمَّا قلت لَهُ ذَلِك ازْدَادَ بكاؤه، ثمَّ قَالَ لي: وَيحك، بِاللَّه، شكوتني إِلَيْهِ وَسَأَلته أَن يَدْعُو عَليّ؟ فَقلت: قد كَانَ ذَلِك، وَلكنه قَالَ كَذَا وَكَذَا، وشرحت لَهُ مَا قَالَ. فَقَالَ: السَّاعَة وَالله، جَاءَنِي فِي مَنَامِي، فَقص عَليّ جَمِيع مَا ذكرت، وَقد وفى بوعده، وَالله لأمتثلن أمره، ولأصلن رَحِمك، كم دينك؟ قلت: كَذَا وَكَذَا، فَأمر بِقَضَائِهِ. وَقَالَ: لَا تَبْرَح، حَتَّى أُصَلِّي وَأخرج، فأعقد لَك على دمشق، فانتظرت حَتَّى وَجَبت الصَّلَاة، فصلى، وَجَاء وَقت جُلُوسه، فَجَلَسَ، واستدعاني فأظهر تكرمتي، وَعقد لي لِوَاء على دمشق، وَأمر النَّاس، فَسَارُوا معي إِلَى منزلي، فَعَاد جاهي، وصلحت حَالي.

стр. 632

يرى مناما وَهُوَ مَحْبُوس فيطلق من حَبسه حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْمُقْرِئ، الشَّاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفضل مَيْمُون بن هَارُون، قَالَ: حَدثنِي مُوسَى بن عبد الْملك، قَالَ: رَأَيْت وَأَنا فِي الْحَبْس، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: لَا زلت تعلو بك الجدود ... نعم وحفت بك السُّعُود أبشر فقد نلْت مَا تُرِيدُ ... يبيد أعداءك المبيد لم يمهلوا ثمَّ لم يقالوا ... بل يفعل الله مَا يُرِيد فاصبر فَصَبر الْفَتى حميد ... واشكر فَفِي شكرك الْمَزِيد

стр. 633

فانتبهت، وَقد طفىء السراج، فطلبت شَيْئا، حَتَّى كتبت الأبيات على الْحَائِط، وأصبحت وَقد قويت نَفسِي. قَالَ: فَمَا مضى على ذَلِك إِلَّا أَيَّام يسيرَة حَتَّى أطلقت.

стр. 634

يكره شخصا على الْعَمَل ثمَّ يحْبسهُ ويعذبه وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، كتاب الْفرج بعد الشدَّة والضيقة، قَالَ: قَالَ تَوْبَة الْعَنْبَري: أكرهني يُوسُف بن عمر على الْعَمَل، فَلَمَّا رجعت حَبَسَنِي حَتَّى لم يبْق فِي رَأْسِي شَعْرَة سَوْدَاء. فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ لي: يَا تَوْبَة أطالوا حَبسك؟ قلت: أجل. فَقَالَ: سل الله الْعَفو والعافية، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ثَلَاثًا،

стр. 635

فَاسْتَيْقَظت، فكتبتها، وتوضأت، وَصليت مَا شَاءَ الله، ثمَّ جعلت أَدْعُو حَتَّى وَجَبت صَلَاة الصُّبْح، فصليتها. فجَاء حرسي، فَقَالَ: أَيْن تَوْبَة الْعَنْبَري، فَحَمَلَنِي فِي قيودي، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ، وَأَنا أَتكَلّم، بِهن، فَلَمَّا رَآنِي، أَمر بإطلاقي. قَالَ تَوْبَة: فعلمتها فِي السجْن رجلا، فَقَالَ: إِنِّي لم أدع إِلَى عَذَاب قطّ، فقلتهن، إِلَّا خلوا عني، فجيء بِي يَوْمًا إِلَى الْعَذَاب، فَجعلت أتذكرهن، فَلَا أذكرهن، حَتَّى جلدت مائَة سَوط، فذكرتهن بعد، فدعوت بِهن، فَخلوا عني. حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا حَاتِم بن عبد الله، أَنه حدث عَن سيار بن حَاتِم، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن مطر، قَالَ: حَدثنَا تَوْبَة الْعَنْبَري، فَذكر مثله، وَزَاد فِيهِ، فقيدني، فَمَا زلت فِي السجْن، حَتَّى لم يبْق فِي رَأْسِي شَعْرَة سَوْدَاء.
следующие страницы →