Полный текст (1 589 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
سُؤال الْأَمِير لي عَنْهَا؟ فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، وَامْتنع النّوم عني، فَأخذ يحدثني وَأَنا جَالس فِي فِرَاشِي، إِذْ جَاءَنِي رَسُول الرشيد، فارتعت لَهُ ارتياعا شَدِيدا، وَلم أعبأ بالمنام، وَخفت أَن يُرِيدنِي لسوء يوقعه بِي.
فَقلت: أدافعه إِلَى أَن تطلع الشَّمْس، ثمَّ يكون دخولي الدَّار نَهَارا، فَإِن كَانَ أرادني لغيلة لم تتمّ.
فتقاطرت رسله حَتَّى أعجلوني عَن الرَّأْي، واضطروني إِلَى الرّكُوب فِي الْحَال، فَدخلت إِلَيْهِ وَأَنا شَدِيد الْجزع، وَهُوَ جَالس فِي فرَاشه ينتحب.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: سَأَلتك بِاللَّه يَا أخي هَل رَأَيْت اللَّيْلَة فِي مَنَامك شَيْئا؟ فَقلت: نعم، السَّاعَة رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي.
فَلَمَّا قلت لَهُ ذَلِك ازْدَادَ بكاؤه، ثمَّ قَالَ لي: وَيحك، بِاللَّه، شكوتني إِلَيْهِ وَسَأَلته أَن يَدْعُو عَليّ؟ فَقلت: قد كَانَ ذَلِك، وَلكنه قَالَ كَذَا وَكَذَا، وشرحت لَهُ مَا قَالَ.
فَقَالَ: السَّاعَة وَالله، جَاءَنِي فِي مَنَامِي، فَقص عَليّ جَمِيع مَا ذكرت، وَقد وفى بوعده، وَالله لأمتثلن أمره، ولأصلن رَحِمك، كم دينك؟ قلت: كَذَا وَكَذَا، فَأمر بِقَضَائِهِ.
وَقَالَ: لَا تَبْرَح، حَتَّى أُصَلِّي وَأخرج، فأعقد لَك على دمشق، فانتظرت حَتَّى وَجَبت الصَّلَاة، فصلى، وَجَاء وَقت جُلُوسه، فَجَلَسَ، واستدعاني فأظهر تكرمتي، وَعقد لي لِوَاء على دمشق، وَأمر النَّاس، فَسَارُوا معي إِلَى منزلي، فَعَاد جاهي، وصلحت حَالي.
стр. 632
يرى مناما وَهُوَ مَحْبُوس فيطلق من حَبسه
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْمُقْرِئ، الشَّاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفضل مَيْمُون بن هَارُون، قَالَ: حَدثنِي مُوسَى بن عبد الْملك، قَالَ: رَأَيْت وَأَنا فِي الْحَبْس، كَأَن قَائِلا يَقُول لي:
لَا زلت تعلو بك الجدود ... نعم وحفت بك السُّعُود
أبشر فقد نلْت مَا تُرِيدُ ... يبيد أعداءك المبيد
لم يمهلوا ثمَّ لم يقالوا ... بل يفعل الله مَا يُرِيد
فاصبر فَصَبر الْفَتى حميد ... واشكر فَفِي شكرك الْمَزِيد
стр. 633
فانتبهت، وَقد طفىء السراج، فطلبت شَيْئا، حَتَّى كتبت الأبيات على الْحَائِط، وأصبحت وَقد قويت نَفسِي.
قَالَ: فَمَا مضى على ذَلِك إِلَّا أَيَّام يسيرَة حَتَّى أطلقت.
стр. 634
يكره شخصا على الْعَمَل ثمَّ يحْبسهُ ويعذبه
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، كتاب الْفرج بعد الشدَّة والضيقة، قَالَ: قَالَ تَوْبَة الْعَنْبَري: أكرهني يُوسُف بن عمر على الْعَمَل، فَلَمَّا رجعت حَبَسَنِي حَتَّى لم يبْق فِي رَأْسِي شَعْرَة سَوْدَاء.
فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ لي: يَا تَوْبَة أطالوا حَبسك؟ قلت: أجل.
فَقَالَ: سل الله الْعَفو والعافية، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ثَلَاثًا،
стр. 635
فَاسْتَيْقَظت، فكتبتها، وتوضأت، وَصليت مَا شَاءَ الله، ثمَّ جعلت أَدْعُو حَتَّى وَجَبت صَلَاة الصُّبْح، فصليتها.
فجَاء حرسي، فَقَالَ: أَيْن تَوْبَة الْعَنْبَري، فَحَمَلَنِي فِي قيودي، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ، وَأَنا أَتكَلّم، بِهن، فَلَمَّا رَآنِي، أَمر بإطلاقي.
قَالَ تَوْبَة: فعلمتها فِي السجْن رجلا، فَقَالَ: إِنِّي لم أدع إِلَى عَذَاب قطّ، فقلتهن، إِلَّا خلوا عني، فجيء بِي يَوْمًا إِلَى الْعَذَاب، فَجعلت أتذكرهن، فَلَا أذكرهن، حَتَّى جلدت مائَة سَوط، فذكرتهن بعد، فدعوت بِهن، فَخلوا عني.
حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا حَاتِم بن عبد الله، أَنه حدث عَن سيار بن حَاتِم، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن مطر، قَالَ: حَدثنَا تَوْبَة الْعَنْبَري، فَذكر مثله، وَزَاد فِيهِ، فقيدني، فَمَا زلت فِي السجْن، حَتَّى لم يبْق فِي رَأْسِي شَعْرَة سَوْدَاء.
стр. 636
رأى فِي مَنَامه أَن قد أخرجت من دَاره اثْنَتَا عشرَة جَنَازَة
وروى الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه أَيْضا، عَن معمر بن الْمثنى، عَن عَليّ بن الْقَاسِم، قَالَ: حَدثنِي رجل قَالَ: رَأَيْت فِي الْمَنَام، أَيَّام الطَّاعُون، أَنهم أخرجُوا من دَاري اثْنَتَيْ عشرَة جَنَازَة، وَأَنا وعيالي اثْنَا عشر نفسا، فَمَاتَ عيالي، وَبقيت وحدي، فاغتممت، وضاق صَدْرِي.
فَخرجت من الدَّار ثمَّ رجعت فِي الْغَد، فَإِذا لص قد دخل ليَسْرِق، فطعن فِي الدَّار، فَمَاتَ، وأخرجت مِنْهَا جنَازَته.
وسري عني مَا كنت فِيهِ، ووهب الله الْعَافِيَة والسلامة.
стр. 637
وهب بن مُنَبّه يصاب بالإملاق ثمَّ يُعْطِيهِ الله من فَضله
ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه الْفرج بعد الشدَّة: أَن وهب بن مُنَبّه، قَالَ: أملقت حَتَّى قنطت أَو كدت، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، وَمَعَهُ شَيْبه بالفستقة، فَدَفعهَا إِلَيّ.
وَقَالَ: افضض، ففضضتها فَإِذا حريرة.
فَقَالَ: انشر، فنشرتها فَإِذا فِيهَا ثَلَاثَة أسطر ببياض: لَا يَنْبَغِي لمن عرف عَن الله عدله، أَو عقل عَن الله أمره، أَن يستبطىء الله فِي رزقه.
قَالَ: فَأَعْطَانِي الله بعْدهَا، فَأكْثر.
стр. 638
درس فِي الإيثار
وَذكر أَيْضا عَن الْوَاقِدِيّ، أَنه قَالَ: أضقت إضاقة شَدِيدَة، وهجم شهر رَمَضَان، وَأَنا بِغَيْر نَفَقَة، فَضَاقَ ذرعي بذلك، فَكتبت إِلَى صديق لي علوي، أسأله أَن يقرضني ألف دِرْهَم، فَبعث إِلَيّ بهَا فِي كيس مختوم، فتركتها عِنْدِي.
فَلَمَّا كَانَ عشي ذَلِك الْيَوْم، وَردت عَليّ رقْعَة صديق لي، يسألني إسعافه لنفقة شهر رَمَضَان، بِأَلف دِرْهَم، فوجهت إِلَيْهِ بالكيس بِخَاتمِهِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْغَد، جَاءَنِي صديقي الَّذِي اقْترض مني، والعلوي الَّذِي اقترضت مِنْهُ فَسَأَلَنِي الْعلوِي عَن خبر الدَّرَاهِم، فَقلت: صرفتها فِي مُهِمّ.
فَأخْرج الْكيس بختمه، وَضحك، وَقَالَ: وَالله لقد قرب هَذَا الشَّهْر وَمَا عِنْدِي إِلَّا هَذِه الدَّرَاهِم، فملا كتبت إِلَيّ وجهت بهَا إِلَيْك، وكتبت إِلَى صديقنا هَذَا، أقترض مِنْهُ ألف دِرْهَم، فَوجه إِلَيّ بالكيس، فَسَأَلته عَن الْقِصَّة، فشرحها، وَقد جئْنَاك لنقتسمها، وَإِلَى أَن ننفقها يَأْتِي الله بالفرج.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَقلت لَهما، لست أَدْرِي أَيّنَا أكْرم، فقسمناها، وَدخل شهر رَمَضَان، فأنفقت أَكثر مَا حصل مِنْهَا، وضاق صَدْرِي، وَجعلت أفكر فِي أَمْرِي.
стр. 639
فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، إِذْ بعث إِلَيّ يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي فِي سحرة يَوْم، فصرت إِلَيْهِ.
فَقَالَ: يَا واقدي، رَأَيْتُك البارحة فِيمَا يرى النَّائِم، وَأَنت على حَال دلتني على أَنَّك فِي غم شَدِيد وأذى، فاشرح لي أَمرك.
فشرحته، إِلَى أَن بلغت حَدِيث الْعلوِي، وصديقي وَالْألف دِرْهَم، فَقَالَ: مَا أردي أَيّكُم أكْرم، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَلَهُمَا بِعشْرين ألف، وقلدني الْقَضَاء.
стр. 640
الْبَاب السَّابِع
من استنقذ من كرب وضيق خناق بِإِحْدَى حالتي عمد أَو اتِّفَاق
,
مُحَمَّد بن زيد الْعلوِي يضْرب مثلا عَالِيا فِي النبل
حَدثنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني الْكَاتِب، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن زيد الْعلوِي، الدَّاعِي بطبرستان، إِذا افْتتح الْخراج، نظر مَا فِي بَيت المَال من خراج السّنة الَّتِي قبلهَا، فَفرق فِي قبائل قُرَيْش قسطا، على دعوتهم، وَفِي الْأَنْصَار، وَفِي الْفُقَهَاء، وَأهل الْقرَاءَات، وَسَائِر طَبَقَات النَّاس، حَتَّى يفرق جَمِيع مَا بَقِي.
فَجَلَسَ سنة من السنين، يفرق المَال، على مَا كَانَ يفعل، فَلَمَّا فرغ من بني هَاشم، دَعَا بِسَائِر بني عبد منَاف، فَقَامَ رجل، فَقَالَ لَهُ: من أَي بني عبد منَاف أَنْت؟ فَسكت.
стр. 641
قَالَ: لَعَلَّك من ولد مُعَاوِيَة؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: فَمن أَي وَلَده أَنْت؟ فَسكت.
قَالَ: لَعَلَّك من ولد يزِيد؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: بئس الِاخْتِيَار اخْتَرْت لنَفسك، من قصدك بَلَدا ولَايَته لآل أبي طَالب، وعندك ثأرهم فِي سيدهم وَإِخْوَته وَبني عَمه، وَقد كَانَت لَك مندوحة عَنْهُم بِالشَّام وَالْعراق، عِنْد من يتَوَلَّى جدك، وَيُحب رفدك، فَإِن كنت جِئْت عَن جهل بِهَذَا مِنْك فَمَا يكون بعد جهلك شَيْء، وَإِن كنت جِئْت متمريا بهم، فقد خاطرت بِنَفْسِك.
فَنظر إِلَيْهِ العلويون نظرا شَدِيدا، فصاح بهم مُحَمَّد، وَقَالَ: كفوا عافاكم الله، كأنكم تظنون أَن فِي قتل هَذَا دركا أَو ثأرا بالحسين بن عَليّ ﵄، وَأي جرم لهَذَا؟ إِن الله قد حرم أَن تطالب نفس بِغَيْر مَا اكْتسبت، وَالله، لَا يعرض لَهُ أحد إِلَّا أقدته بِهِ، واسمعوا حَدِيثا أحدثكُم بِهِ، يكون قدوة لكم فِيمَا تستأنفون من أُمُوركُم.
حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، قَالَ: عرض على الْمَنْصُور، سنة حج، جَوْهَر فاخر، فَعرفهُ، وَقَالَ: هَذَا كَانَ لهشام بن عبد الْملك، وَهَذَا بِعَيْنِه، قد بَلغنِي خَبره، عِنْد ابْنه مُحَمَّد، وَمَا بَقِي مِنْهُم أحد غَيره.
стр. 642
ثمَّ قَالَ الرّبيع: إِذا كَانَ غَدا، وَصليت بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَحصل النَّاس فِيهِ، فأغلق الْأَبْوَاب كلهَا، ووكل بهَا ثقاتك من الشِّيعَة، واقفلها وَافْتَحْ للنَّاس بَابا وَاحِدًا، وقف عَلَيْهِ، فَلَا يخرج إِلَّا من عَرفته.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، فعل الرّبيع مَا أمره بِهِ، وَتبين مُحَمَّد بن هِشَام الْقِصَّة، فَعلم أَنه هُوَ الْمَطْلُوب، وَأَنه مَأْخُوذ، فتحير.
وَأَقْبل مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵈ على أثر ذَلِك، فَرَآهُ متحيرا، وَهُوَ لَا يعرفهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَرَاك متحيرا فَمن أَنْت؟ وَلَك أَمَان الله التَّام الْعَام، وَأَنت فِي ذِمَّتِي حَتَّى أخلصك.
فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْملك، فَمن أَنْت؟ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب.
فَقَالَ مُحَمَّد بن هِشَام: عِنْد الله احتسب نَفسِي.
قَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، فَإنَّك لست قَاتل زيد، وَلَا فِي قَتلك إِدْرَاك ثَأْره، وَأَنا الْآن بخلاصك، أولى مني بِإِسْلَامِك، وَلَكِن تعذرني فِي مَكْرُوه أتناولك بِهِ، وقبيح أخاطبك بِهِ، يكون فِيهِ خلاصك بِمَشِيئَة الله تَعَالَى.
قَالَ: أَنْت وَذَاكَ.
قَالَ: فَطرح رِدَاءَهُ على رَأسه وَوَجهه، ولببه بِهِ، وَأَقْبل يجره.
فَلَمَّا وَقعت عين الرّبيع عَلَيْهِ، لطمه لطمات، وَجَاء بِهِ إِلَى الرّبيع، وَقَالَ:
стр. 643
يَا أَبَا الْفضل، إِن هَذَا الْخَبيث جمال من أهل الْكُوفَة، أكراني جماله ذَاهِبًا وراجعا، وَقد هرب مني فِي هَذَا الْوَقْت، وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عَلَيْهِ بذلك بَيِّنَة، فتضم إِلَيّ حرسيين يصيران بِهِ معي إِلَى القَاضِي، ويمنعان الْخُرَاسَانِي من عراره.
فضم إِلَيْهِ حرسيين، وَقَالَ: امضيا مَعَه.
فَلَمَّا بعد عَن الْمَسْجِد، قَالَ لَهُ: يَا خَبِيث، تُؤدِّي إِلَيّ حَقي؟ قَالَ: نعم يَا ابْن رَسُول الله.
فَقَالَ للحرسيين: انصرفا، وَأطْلقهُ مُحَمَّد.
فَقبل مُحَمَّد بن هِشَام رَأسه، وَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته، ثمَّ أخرج جوهرا لَهُ قدر، فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: تشرفني يَا سَيِّدي بِقبُول هَذَا مني.
فَقَالَ: يَا ابْن عَم، إِنَّا أهل بَيت، لَا نقبل على الْمَعْرُوف مُكَافَأَة، وَقد تركت لَك دم زيد، وَهُوَ أعظم من متاعك، فَانْصَرف راشدا، ووار شخصك، حَتَّى يخرج هَذَا الرجل، فَإِنَّهُ مجد فِي طَلَبك، فَمضى، وتوارى.
قَالَ: ثمَّ أَمر مُحَمَّد بن زيد، الدَّاعِي بطبرستان، للأموي، بِمثل مَا أَمر بِهِ لسَائِر بني عبد منَاف، وَضم إِلَيْهِ جمَاعَة من موَالِيه، وَأمرهمْ أَن يخرجُوا مَعَه إِلَى الرّيّ، ويأتوه بِكِتَاب بسلامته.
فَقَامَ الْأمَوِي، فَقبل رَأسه، وَمضى وَمَعَهُ الْقَوْم، حَتَّى وصل إِلَى مأمنه، وجاءوه بِكِتَاب بسلامته.
стр. 644
بَين الْإِسْكَنْدَر وَملك الصين
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قَالَ: قَرَأت فِي بعض الْأَخْبَار للأوائل، أَن الْإِسْكَنْدَر لما انْتهى إِلَى الصين، وحاصر ملكهَا، أَتَاهُ حَاجِبه، وَقد مضى من اللَّيْل شطره، فَقَالَ لَهُ: هَذَا رَسُول ملك الصين بِالْبَابِ، يسْتَأْذن عَلَيْك.
فَقَالَ: أدخلهُ.
فَوقف بَين يَدي الْإِسْكَنْدَر، وَسلم , وَقَالَ: إِن رأى الْملك أَن يخليني، فعل.
فَأمر الْإِسْكَنْدَر من بِحَضْرَتِهِ بالانصراف، وَبَقِي حَاجِبه، فَقَالَ: إِن الَّذِي جِئْت لَهُ لَا يحْتَمل أَن يسمعهُ غَيْرك.
فَقَالَ: فتشوه، ففتش، فَلم يُوجد مَعَه شَيْء من السِّلَاح.
فَوضع الْإِسْكَنْدَر بَين يَدَيْهِ سَيْفا مسلولا، وَأخرج حَاجِبه، وكل من كَانَ عِنْده، وَقَالَ لَهُ: قف بمكانك، وَقل مَا شِئْت.
فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَنا ملك الصين، لَا رَسُوله، وَقد جِئْت أَسأَلك عَمَّا تريده، فَإِن كَانَ مِمَّا يُمكن الانقياد إِلَيْهِ، وَلَو على أشق الْوُجُوه، قبلته، وغنيت أَنا وَأَنت عَن الْحَرْب.
قَالَ الْإِسْكَنْدَر: وَمَا آمنك مني؟
стр. 645
قَالَ: علمي بأنك رجل عَاقل، وَلَيْسَ بَيْننَا عَدَاوَة، وَلَا مُطَالبَة بذحل، وَأَنت تعلم أَنَّك إِن قتلتني لم يكن ذَلِك سَببا لِأَن يسلم إِلَيْك أهل الصين ملكهم، وَلم يمنعهُم قَتْلِي من أَن ينصبوا لأَنْفُسِهِمْ ملكا غَيْرِي، ثمَّ تنْسب أَنْت إِلَى غير الْجَمِيل، وضد الحزم.
فَأَطْرَقَ الْإِسْكَنْدَر، وَعلم أَنه رجل عَاقل، فَقَالَ: الَّذِي أريده مِنْك، ارْتِفَاع مملكتك لثلاث سِنِين عَاجلا، وَنصف ارتفاعها فِي كل سنة.
قَالَ: هَل غير ذَلِك شَيْء؟ قَالَ: لَا قَالَ: قد أَجَبْتُك.
قَالَ: فيكف يكون حالك حِينَئِذٍ؟ قَالَ: أكون قَتِيل أول محَارب، وأكلة أول مفترس.
قَالَ: فَإِن قنعت مِنْك بارتفاع ثَلَاث سِنِين، كَيفَ يكون حالك؟ قَالَ: أصلح مِمَّا كَانَت، وأفسح مُدَّة.
قَالَ: فَإِن قنعت مِنْك بارتفاع سنة؟ قَالَ: يكون ذَلِك كمالا لأمر ملكي، وموفيا لجَمِيع لذاتي.
قَالَ: فَإِن اقتصرت مِنْك على ارْتِفَاع السُّدس؟ قَالَ: يكون السُّدس موفرا، وَيكون الْبَاقِي للجيش ولسائر الْأَسْبَاب.
قَالَ: قد اقتصرت مِنْك على هَذَا، فشكره، وَانْصَرف.
فَلَمَّا طلعت الشَّمْس، أقبل جَيش ملك الصين حَتَّى طبق الأَرْض، وأحاط بِجَيْش الْإِسْكَنْدَر حَتَّى خَافُوا الْهَلَاك، وتواثب أَصْحَابه فَرَكبُوا، واستعدوا للحرب.
فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ طلع ملك الصين، وَعَلِيهِ التَّاج، وَهُوَ رَاكب،
стр. 646
فَلَمَّا رأى الْإِسْكَنْدَر، ترجل.
فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَر: غدرت؟ قَالَ: لَا وَالله.
قَالَ: فَمَا هَذَا الْجَيْش؟ قَالَ: إِنِّي أردْت أَن أريك أنني لم أطعك من قلَّة وَلَا من ضعف، وَأَنت ترى هَذَا الْجَيْش، وَمَا غَابَ عَنْك مِنْهُ أَكثر، وَلَكِنِّي رَأَيْت الْعَالم الْأَكْبَر مُقبلا عَلَيْك، مُمكنا لَك مِمَّن هُوَ أقوى مِنْك، وَأكْثر عددا، وَمن حَارب الْعَالم الْأَكْبَر غلب، فَأَرَدْت طَاعَته بطاعتك والذلة لأَمره بالذلة لَك.
فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر: لَيْسَ مثلك من يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء، فَمَا رَأَيْت بيني وَبَيْنك أحدا يسْتَحق التَّفْضِيل، وَالْوَصْف بِالْعقلِ، غَيْرك، وَقد أعفيتك من جَمِيع مَا أردته مِنْك، وَأَنا منصرف عَنْك.
فَقَالَ ملك الصين: أما إِذْ فعلت ذَلِك، فلست تخسر.
فَلَمَّا انْصَرف الْإِسْكَنْدَر، أتبعه ملك الصين، من الْهَدَايَا، بِضعْف مَا كَانَ قَرَّرَهُ مَعَه.
стр. 647
بَين إِسْحَاق الْموصِلِي وَغُلَامه فتح
أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بعد مَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن يحيى، قَالَ: كَانَ لإسحاق الْموصِلِي غُلَام يُقَال لَهُ: فتح، يسْقِي المَاء لأهل دَاره على بغلين من بغاله دَائِما.
قَالَ إِسْحَاق: فَقلت لَهُ يَوْمًا: أيش خبرك يَا فتح؟ قَالَ: خبري أَن لَيْسَ فِي هَذِه الدَّار أَشْقَى مني ومنك، أَنْت تطعم أهل الدَّار الْخبز، وَأَنا أسقيهم المَاء.
فاستظرفت قَوْله، وضحكت مِنْهُ، وَقلت لَهُ: فَأَي شَيْء تحب؟ قَالَ: تعتقني، وتهب لي البغلين، لأستقي عَلَيْهِمَا لنَفْسي.
فَفعلت.
стр. 648
أنسب بَيت قالته الْعَرَب
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج، قَالَ: حَدثنِي خلف بن وضاح، قَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن صَفْوَان الجُمَحِي، قَالَ: حملت دينا بعسكر الْمهْدي، فَركب الْمهْدي يَوْمًا بَين أبي عبيد الله، وَعمر بن بزيع وَأَنا وَرَاءه فِي موكبه على برذون قطوف، فَقَالَ: مَا أنسب بَيت قالته الْعَرَب؟ فَقَالَ أَبُو عبيد الله: قَول امْرِئ الْقَيْس:
وَمَا ذرفت عَيْنَاك إِلَّا لتضربي ... بسهميك فِي أعشار قلب مقتل
فَقَالَ: هَذَا أَعْرَابِي قح.
стр. 649
فَقَالَ عمر بن بزيع: قَول كثير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ:
أُرِيد لأنسى ذكرهَا فَكَأَنَّمَا ... تمثل لي ليلى بِكُل سَبِيل
فَقَالَ: مَا هَذَا بِشَيْء، وَمَا لَهُ يُرِيد أَن ينسى ذكرهَا، حَتَّى تمثل لَهُ؟ فَقلت: عِنْدِي حَاجَتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: الْحق بِي.
فَقلت: لَا لحاق بِي، لَيْسَ ذَلِك فِي دَابَّتي.
فَقَالَ: احملوه على دَابَّة.
قلت: هَذَا أول الْفَتْح، فَحملت على دَابَّة، فلحقته.
فَقَالَ: مَا عنْدك؟ فَقلت: قَول الْأَحْوَص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ:
إِذا قلت إِنِّي مشتف بلقائها ... فَحم التلاقي بَيْننَا زادني سقما
فَقَالَ: أَحْسَنت، حَاجَتك؟ قلت: عَليّ دين.
قَالَ: اقضوا دينه.
فقضي ديني.
стр. 650
تقلد الْإِنْفَاق على عسكرين فَأفَاد فِي أقل من شهر سبع مائَة ألف دِرْهَم
ذكر ابْن عَبدُوس فِي كِتَابه، كتاب الوزراء: حدث أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد، قَالَ: قَالَ لي الريان بن الصَّلْت: كنت فِي خدمَة الْفضل بن سهل، فِيمَا كنت فِيهِ، من ثقته واستنامته، على مَا كنت عَلَيْهِ.
فدعاني فِي وَقت من الْأَوْقَات، إِلَى أَن يضم إِلَيّ أَرْبَعَة آلَاف من الشاكرية والجند، ويقودني عَلَيْهِم، ويجريني مجْرى قواده، فامتنعت عَلَيْهِ من ذَلِك، وأعلمته أَنِّي لَا أقوم بذلك، وَلَا أصلح لَهُ، وَلَا آمن أَن أتقلد مِنْهُ مَا يَقع فِيهِ التَّقْصِير، فَيسْقط حظي عِنْده، ومنزلتي لَدَيْهِ.
فَأنْكر ذَلِك عَليّ أَشد الْإِنْكَار، وعاودني فِيهِ مرَارًا، فَلم أجبه إِلَيْهِ، فَلَمَّا رأى إقامتي على الِامْتِنَاع، جفاني، وَأعْرض عني، وامتدت الْأَيَّام على هَذَا، حَتَّى أداني ذَلِك إِلَى الاختلال الشَّديد الَّذِي أضرّ بِي.
فَدخل إِلَيّ غلامي يَوْمًا، فَأَعْلمنِي أَنه لَا نَفَقَة عِنْده، وَلَا مُضْطَرب لَهُ فِي احتيالها، لِامْتِنَاع التُّجَّار عَن إِعْطَائِهِ، لتأخر مَالهم علينا عَنْهُم، وَأَنه لَا علف لدوابنا، وَلَا قوت لنا.
стр. 651
فأومأت إِلَى عِمَامَة ملحم كَانَت بحضرتي، وأمرته بِبَيْعِهَا، وَصرف ثمنهَا فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَبَاعَهَا بِثمَانِيَة دَرَاهِم.
وَورد عَليّ فِي ذَلِك الْيَوْم كتاب وَكيلِي على أَهلِي، بِمَدِينَة السَّلَام، يعلمني ضيق الْأَمر عَلَيْهِ فِيمَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَته للعيال، وَإنَّهُ التمس من التُّجَّار مِقْدَار ألفي دِرْهَم، فَلم يُجِيبُوهُ إِلَيْهَا، فَعظم عَليّ مَا ورد من ذَلِك، وَضَاقَتْ بِي الْمذَاهب.
فَبَيْنَمَا أَنا قَاعد فِي عَشِيَّة يومي ذَلِك، إِذْ أَتَانِي الْفضل يَأْمُرنِي بِحُضُور الدَّار، وَالْمقَام فِيهَا، إِلَى عِنْد خُرُوجه من دَار الْمَأْمُون، فحضرتها بعد صَلَاة الْعَتَمَة، فأقمت، إِلَى أَن خرج الْفضل فِي وَقت السحر، فَلَقِيته، وَبَين يَدَيْهِ خرائط كَثِيرَة مَحْمُولَة.
فَقَالَ: صليت صَلَاة اللَّيْل؟ قلت: نعم.
فَقَالَ: لكني مَا صليت، فَكُن هَاهُنَا إِلَى أَن أُصَلِّي، فصلى، ثمَّ انْفَتَلَ من صلَاته، فدعاني.
فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا هَذِه الخرائط؟ قلت: لَا.
قَالَ: هَذِه ثَمَانِي وَسِتُّونَ خريطة وَردت، وقرأتها، وأجبت عَنْهَا بخطي فدعوت الله لَهُ بِحسن المعونة والتوفيق.
ثمَّ قَالَ لي: يَا رَيَّان، إِن أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن سهل قد دفع إِلَى وَاسِط،
стр. 652
وَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يمده بِدِينَار بن عبد الله ونعيم بن خازم فِي عشرَة آلَاف رجل، وَأَن يقلدك الْإِنْفَاق عَلَيْهِم فِي عسكريهما، وَأَن يجرى لَك فِي كل شهر عشرَة آلَاف دِرْهَم، ولكاتبك ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، ولقراطيسك ألف دِرْهَم، وَأَن يوظف لَك على كل عَسْكَر عشرَة أجمال لحملك، أَو مائَة دِينَار عوضا
стр. 653
عَنْهَا، ثمَّ أَمر لي فِي ذَلِك الْوَقْت، أَن تحمل إِلَيّ أرزاق ثَلَاثَة أشهر، فَمَا صليت الصُّبْح حَتَّى حمل إِلَيّ اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم، وَأخذ فِي تجهيز العسكرين.
قَالَ: وَبعث إِلَيّ الْفضل بفرس من دوابه وَأَمرَنِي أَن أبْعث بِهِ إِلَى نعيم بن خازم، وأعلمه أَنه خصّه بِهِ، وَأَنه من خيله الَّتِي يركبهَا، فوجهت بِهِ إِلَى نعيم بن خازم، فأظهر السرُور والابتهاج بذلك، والتعظيم لَهُ، ووهب لغلامي عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَبعث إِلَيّ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
فَكتبت بذلك إِلَى الْفضل، فَكتب على رقعتي: أردد على نعيم مَا بعث بِهِ إِلَيْك، وَمَا وهب لغلامك، واقبض لنَفسك عوضا مِنْهُ، مائَة وَعشْرين ألف دِرْهَم.
ثمَّ أَمر بعد أَيَّام لدينار، بِسبع مائَة ألف دِرْهَم صلَة ومعونة، ولنعيم بن خازم بِخمْس مائَة ألف دِرْهَم، فَبعثت بهَا إِلَيْهِمَا، فَبعث إِلَيّ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
فَكتبت إِلَى الْفضل رقْعَة، فأعلمته فِيهَا بِمَا فعلاه، فَوَقع على ظهرهَا: اقبل من دِينَار مَا بعث بِهِ إِلَيْك، واردد إِلَى نعيم مَا بعث بِهِ، واقبض لنَفسك عوضا من ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم.
قَالَ: وسرنا عَن مرو، فَلَمَّا صرنا فِي الطَّرِيق، ورد عَليّ كتاب الْفضل، يَأْمُرنِي فِيهِ، أَن أحمل إِلَى دِينَار ألف ألف دِرْهَم وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم، وَإِلَى نعيم ألف ألف دِرْهَم، فَفعلت، فَحمل إِلَيّ دِينَار مائَة ألف دِرْهَم، وَخمسين ألف دِرْهَم، وَبعث إِلَيّ نعيم مائَة ألف دِرْهَم، فَقبلت من دِينَار مَا بعث بِهِ، ورددت على نعيم مَا بعث بِهِ، حَسْبَمَا حد لي فِي رقعتي الأولى وَالثَّانيَِة، وَلم أكتب بالْخبر فِي ذَلِك إِلَى الْفضل، لِئَلَّا يتَوَهَّم عَليّ استدعاء الْعِوَض، وَكتب لَهُ بذلك صَاحب خبر، كَانَ لَهُ فِي السِّرّ علينا، فَوَقع على ظهر كِتَابه إِلَيّ،
стр. 654
قد علمت أَنَّك أَمْسَكت عَن الْكِتَابَة إِلَيّ بِمَا فعله نعيم ودينار، وَمَا كَانَ من ردك على نعيم مَا بعث بِهِ، لِئَلَّا أتوهم عَلَيْك الاستدعاء للصلة، وَقد رَأَيْت أَن تقبض لنَفسك عوضا عَن ذَلِك مِائَتي ألف دِرْهَم.
قَالَ الريان: فَلم تمض سَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، حَتَّى حصل عِنْدِي سبع مائَة ألف دِرْهَم.
стр. 655
الْمَأْمُون بخراسان يَنْقَلِب حَاله من أَشد الضّيق إِلَى أفسح الْفرج
وَذكر فِي كِتَابه عَن جِبْرِيل بن بختيشوع، فِي خبر طَوِيل أَنه سمع الْمَأْمُون يَقُول: كَانَ لي بخراسان يَوْم عَجِيب، فَأولى الله فِيهِ بإحسانه جميلا، لما توجه طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، كَمَا قد عرفتموه من ضعف طَاهِر وَقُوَّة عَليّ، وقر فِي نفوس عسكري جَمِيعًا، أَن طَاهِرا ذَاهِب وَلحق أَصْحَابِي إضاقة شَدِيدَة، وَظَهَرت فيهم خلة عَظِيمَة، ونفد مَا كَانَ معي، فَلم يبْق مِنْهُ لَا قَلِيل وَلَا كثير وأفضيت إِلَى حَال كَانَ أصلح مَا فِيهَا الْهَرَب، فَلم أدر إِلَى أَيْن أهرب، وَلَا كَيفَ آخذ، وَبقيت حائرا متفكرا.
فَأَنا وَالله كَذَلِك وَكنت نازلا فِي دَار أَبْوَابهَا حَدِيد، ولي مستشرفات أَجْلِس فِيهَا إِذا شِئْت، وَعدد غلماني سِتَّة عشر غُلَاما، لَا أملك غَيرهم، وَإِذا بالقواد والجيش جَمِيعًا قد شغبوا، وطلبوا أَرْزَاقهم، ووافوا جَمِيعًا يشتموني، ويتكلمون بِكُل قَبِيح.
стр. 656
فَكَانَ الْفضل بن سهل بَين يَدي، فَأمر بإغلاق الْأَبْوَاب، وَقَالَ لي: قُم فاصعد إِلَى الْمجْلس الَّذِي يستشرف فِيهِ، إشفاقا عَليّ من دُخُولهمْ، وَسُرْعَة أَخذهم إيَّايَ، وتعليلا لي بالصعود.
فَقلت: الْقَوْم يدْخلُونَ السَّاعَة، فيأخذوني، فَلِأَن أكون بموضعي، أصلح.
فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي اصْعَدْ، فوَاللَّه، مَا تنزل إِلَّا خَليفَة.
فَجعلت أهزأ بِهِ، وأعجب مِنْهُ، وأحسب أَنه إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ، ليسمعني.
وأركنت للهرب من بعض أَبْوَاب الدَّار، فَلم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل، لإحاطة الْقَوْم بِالدَّار والأبواب كلهَا.
فالح عَليّ أَن أصعد، فَصَعدت وَأَنا وَجل، فَجَلَست فِي المستشرف، وَأَنا أرى الْعَسْكَر.
فَلَمَّا علمُوا بصعودي اشْتَدَّ كلبهم، وشتمهم، وضجيجهم، وبادروني بالوعيد والشتم، فأغلظت على الْفضل بن سهل وَقلت لَهُ: أَنْت جَاهِل، غررتني، وَلم تدعني أعمل برأيي، وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا مِمَّن قبل مِنْك، وَهُوَ فِي هَذَا كُله، يحلف أنني لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، وغيظي عَلَيْهِ، وتعجبي من حمقه، ومواصلة الْأَيْمَان أنني لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، مَعَ مَا أشاهده، وَالْحَال يزِيد، أَشد عَليّ مِمَّا أقاسيه من الْجند.
ثمَّ وضع الْقَوْم النَّار فِي شوك جَمَعُوهُ، وأدنوه من الدَّار، ونقبوا فِي سورها عدَّة نقوب، وثلموا مِنْهُ قِطْعَة، فَذَهَبت نَفسِي خوفًا وجزعا، وَعلمت أَنِّي بَين أَن أحترق، وَبَين أَن يصلوا إِلَيّ فيقتلوني، فهممت بِأَن ألقِي نَفسِي إِلَيْهِم، وقدرت أَنهم إِذا رأوني اسْتَحْيوا مني، وأقصروا.
وَجعل الْفضل بن سهل يقبل يَدي ورجلي، ويناشدني أَن لَا أفعل، وَيحلف لي أَنِّي لَا أنزل إِلَّا خَليفَة، وَفِي يَده الإسطرلاب، ينظر فِيهِ فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت.
стр. 657
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَليّ الْأَمر، واستحكم الْيَأْس، قَالَ لي: يَا سَيِّدي، قد وَالله أَتَاك الْفرج، أرى شَيْئا فِي الصَّحرَاء قد أقبل، وَمَعَهُ فرجنا، فازددت من قَوْله غيظا، وَأمرت غلماني بتأمل الصَّحرَاء، فَلم أر، وَلم يرَوا شَيْئا.
وجد الْقَوْم فِي الْهدم والحريق، حَتَّى هَمَمْت لما داخلني أَن أرمي بِالْفَضْلِ إِلَيْهِم.
فَقَالَ الغلمان: إِنَّا نرى فِي الصَّحرَاء شَيْئا يلوح، فَنَظَرت فَإِذا شبح، وَجعل يزِيد تبيانا، إِلَى أَن تبينوا رجلا على بغلة، ثمَّ قرب، فَإِذا هُوَ يلوح، وَقرب من الْعَسْكَر، وقويت لَهُ قُلُوبنَا، وَرَأى الْجند ذَلِك فتوقفوا، وخالطهم، فَإِذا هُوَ يَقُول: الْبُشْرَى، هَذَا رَأس عَليّ بن عِيسَى بن ماهان معي فِي المخلاة، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أَمْسكُوا عَنَّا، وانقلبوا بِالدُّعَاءِ، وَالسُّرُور بالظفر وَالْفَتْح.
فَقَالَ لي الْفضل بن سهل: يَا سَيِّدي، إئذن لي فِي إِدْخَال بَعضهم، فَأَذنت لَهُ، فَشرط عَلَيْهِم أَن لَا يدْخل إِلَّا من يُرِيد، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك، وسمى قوما من الْقَوْم، فأدخلهم.
فَكَانَ أول من دخل عَليّ، عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، فَقبل يَدي، وَسلم عَليّ بالخلافة، ثمَّ أَدخل القواد بعده، وَاحِدًا، وَاحِدًا، فَفَعَلُوا مثل ذَلِك، فأطفأ الله النائرة، ووهب السَّلامَة، وقلدني الْخلَافَة، فظفرت
стр. 658
من أَمْوَال عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، وَمَا فِي عسكره، بِمَا أَصْلحنَا بِهِ أُمُور جندنا.
ثمَّ ذكر تَمام الحَدِيث.
وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر، أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة، قَالَ: قَالَ الْفضل بن مَرْوَان: كنت مَعَ الْمَأْمُون، وَقد خرج إِلَى نواحي الإسحاقي ليتصيد فِي جمَاعَة من عسكره قَليلَة، فَذكر هَذَا الْخَبَر بِطُولِهِ، وصدره وعجزه على مَا فِي كتاب ابْن عَبدُوس، مِمَّا لم أذكرهُ، فَذكر فِيهِ هَذِه الْقطعَة من الْخَبَر، على قريب مِمَّا هِيَ مَذْكُورَة هَاهُنَا.
стр. 659
طلب الْولَايَة على بزبندات الْبَحْر وصدقات الْوَحْش
وَذكر أَيْضا فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مخلد، وَكَانَ يلقب لبد، لطول عمره، وروى عَنهُ الْمَدَائِنِي الْكَاتِب، عَن أَبِيه مخلد بن يزِيد: أَن الْمَأْمُون، أول مَا قدم الْعرَاق، خطر لَهُ أَن يُقَلّد الْأَعْمَال، الشِّيعَة الَّذين قدمُوا مَعَه من خُرَاسَان، فطالت عطلة كتاب السوَاد وعماله، وَكَانُوا يحْضرُون دَاره فِي كل يَوْم، حَتَّى ساءت أَحْوَالهم.
فَخرج يَوْمًا بعض مَشَايِخ الشِّيعَة، وَكَانَ مغفلا، فَتَأمل وُجُوههم، فَلم ير فيهم أسن من مخلد بن يزِيد، فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن أتخير نَاحيَة من نواحي الْخراج، صَالِحَة الْمرْفق، ليوقع بتقليدي إِيَّاهَا، فاختر لي نَاحيَة.
стр. 660
فَقَالَ: لَا أعرف لَك عملا أولى بك من بزبندات الْبَحْر، وصدقات الْوَحْش.
فَقَالَ لَهُ: أكتبه لي، فَكَتبهُ لي مخلد , فَعرض الشيعي الرقعة على الْمَأْمُون، وَسَأَلَ تَقْلِيده ذَلِك الْعَمَل.
فَقَالَ لَهُ: من كتب لَك هَذِه الرقعة؟ فَقَالَ: شيخ من الْكتاب، يحضر الدَّار فِي كل يَوْم.
فَقَالَ: هلمه.
فَلَمَّا دخل، قَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مَا هَذَا يَا جَاهِل؟ تفرغت لِأَصْحَابِي؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ ثِقَات يصلحون لحفظ مَا يصل إِلَى أَيْديهم من الخزائن وَالْأَمْوَال، وَأما شُرُوط الْخراج، وَحكمه، وَمَا يجب تَعْجِيل استخراجه، وَمَا يجب تَأْخِيره، وَمَا يجب إِطْلَاقه، وَمَا يجب مَنعه، وَمَا يجب إِنْفَاقه، وَمَا يجب الاحتساب بِهِ، فَلَا يعرفونه، تقليدهم يعود بذهاب الِارْتفَاع، فَإِن كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تثق بِنَا، فضم إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم رجلا منا، فَيكون الشيعي بِحِفْظ المَال، وَنحن نجمعه.
فاستطاب الْمَأْمُون رَأْيه وَكَلَامه، وَأمر بتقليد عُمَّال السوَاد وَكتابه، وَأَن يضم إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم، وَاحِدًا من الشِّيعَة، وَضم مخلد إِلَى ذَلِك الشَّيْخ، وقلده نَاحيَة جليلة.
стр. 661
الْمَنْصُور يقتل مؤدب وَلَده جَعْفَر ظلما
وَذكر فِي كِتَابه: أَن الْمَنْصُور ضم رجلا يُقَال لَهُ: فُضَيْل بن عمرَان الْكُوفِي إِلَى جَعْفَر ابْنه، يكْتب لَهُ، وَيقوم بأَمْره.
وَكَانَت لجَعْفَر حاضنة تعرف بِأم عُبَيْدَة، فثقل عَلَيْهَا مَكَان فُضَيْل، فسعت بِهِ إِلَى أبي جَعْفَر، وَادعت عِنْده أَنه يلْعَب بِجَعْفَر، فَبعث الْمَنْصُور، مَوْلَاهُ الريان، وَهَارُون بن غَزوَان، مولى عُثْمَان بن نهيك، إِلَى الفضيل وَأَمرهمَا بقتْله، وَكتب لَهما منشورا بذلك، فصارا إِلَيْهِ فقتلاه.
стр. 662
وَكَانَ الفضيل دينا، عفيفا، فَقيل للمنصور فِي ذَلِك، وَأَنه أَبْرَأ النَّاس مِمَّا قرف بِهِ، فأحضر الْمَنْصُور غُلَاما من غلمانه، وَجعل لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، إِن أدْركهُ قبل أَن يقتل، فَصَارَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قد قتل، وَلم يجِف دَمه.
واتصل خبر قَتله بِجَعْفَر بن أبي جَعْفَر، فَطلب الريان، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ، قَالَ لَهُ: وَيلك، مَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي قتل رجل مُسلم بِغَيْر جرم؟ فَقَالَ لَهُ الريان: هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، يفعل مَا يَشَاء.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا ماص بظر أمه، أُكَلِّمك بِكَلَام الْخَاصَّة، فتكلمني بِكَلَام الْعَامَّة؟ جروا بِرجلِهِ، فألقوه فِي دجلة.
قَالَ الريان: فَأخذُوا وَالله برجلي، فَقلت: أُكَلِّمك بِكَلِمَة، ثمَّ اعْمَلْ مَا شِئْت.
فَقَالَ: ردُّوهُ، فَرددت، فَقَالَ: قل.
فَقلت لَهُ: أَبوك إِنَّمَا يسْأَل عَن قتل فُضَيْل بن عمرَان وَحده؟ وَمَتى يسْأَل عَنهُ، وَقد قتل عَمه عبد الله بن عَليّ، وَقتل عبد الله بن الْحسن، وعشرات من أَوْلَاد رَسُول الله ﷺ ، وَقد قتل من أهل الدُّنْيَا مَا لَا يُحْصى
стр. 663
وَلَا يعد، هُوَ إِلَى أَن يسْأَل عَن فُضَيْل بن عمرَان جوشانة تَحت خصى فِرْعَوْن، قَالَ: فَضَحِك، وَقَالَ: خلوا عَنهُ، لَعنه الله، فَأَفلَت مِنْهُ.
стр. 664
مَالك بن طوق يتَزَوَّج المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج الحنطبي المَخْزُومِي الْكَاتِب: أَن مُحَمَّد بن عبد الحميد الْجُشَمِي قَالَ: حججْت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، فَأَنا فِي بعض الْمنَازل رَاجعا، إِذْ رَأَيْت فُقَرَاء بالبادية يستميحون، فوقفت مِنْهُم عَليّ جَارِيَة تَتَصَدَّق، بِوَجْه كَأَنَّهُ الْقَمَر حِين اسْتَدَارَ، أَو كقرن الشَّمْس حِين أنار، فَرددت طرفِي عَنْهَا، واستعذت بِاللَّه من الْفِتْنَة بهَا، فَلم تزل تذْهب وتجيء، فِيمَا بَين رجال الْحَج، وتعود إِلَى رحلي، فوقفت.
فَقلت لَهَا: أما تستحين أَن تبدين هَذَا الْوَجْه فِي مثل هَذَا الْموضع، بِحَضْرَة الْخَلَائق.
فلطمت وَجههَا، وَقَالَت:
لم أبده حَتَّى تقضت حيلتي ... فبذلته وَهُوَ الْأَعَز الأكرم
ويعز ذَاك عَليّ إِلَّا أَنه ... دهر يجور كَمَا ترَاهُ وَيظْلم
قد صنته وحجبته حَتَّى إِذا ... لم يبْق لي طمع وَمَات الْهَيْثَم
أبرزته من حجبه مقهورة ... وَالله يشْهد لي بِذَاكَ وَيعلم
كشف الزَّمَان قناعه فِي بَلْدَة ... قل الصّديق بهَا وَعز الدِّرْهَم
أَصبَحت فِي أَرض الْحجاز غَرِيبَة ... وَأَبُو ربيعَة أسرتي ومحلم
قَالَ: فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من جمَالهَا، وفصاحتها، وأدبها، وشعرها، فبررتها، وَقلت لَهَا: مَا اسْمك؟
стр. 665
قَالَت: أَنا المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ، وَكَانَ أبي جارا لبني فَزَارَة، فاعتل، واستنفد مَاله، وَتُوفِّي، وَتَرَكَنِي فقيرة، فَاحْتَجت إِلَى التكفف.
قَالَ: ورحلنا، فَلَمَّا صرنا بالرحبة، دخلت إِلَى مَالك بن طوق مُسلما، فَسَأَلَنِي عَن طريقي وسفري، وَمَا رَأَيْته من الْأَعَاجِيب فِيهِ، فَحَدَّثته بِحَدِيث الْجَارِيَة، فأعجب بِهِ، واستطرف الأبيات، وكتبها مني، ورحلت إِلَى منزلي بِالشَّام.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام من اجتماعنا، أَتَانِي رَسُوله يستزيرني، فصرت إِلَيْهِ، فَبَيْنَمَا أَنا جَالس عِنْده يَوْمًا، فَإِذا خادمان قد جَاءَا مَعَهُمَا أكياس مختومة، وتخوت ثِيَاب مشدودة، فوضعاها بَين يَدي.
فَقلت لمَالِك: مَا هَذَا؟
стр. 666
قَالَ: هَذَا حقل دلالتك على المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ، الَّتِي أَظْفرنِي الله مِنْهَا بِمَا كَانَت أمنيتي تقصر عَنهُ، وَهِي أنفذت إِلَيْك بِهَذَا من مَالهَا، وَلَك من مَالِي ضعفه.
فَقلت: كَيفَ كَانَ خَبَرهَا؟ فَقَالَ: إِنَّك لما انصرفت، أنفذت رسلًا إِلَى الْبَادِيَة، أَثِق بعقولهم وأمانتهم، فَمَا زَالُوا يسْأَلُون عَنْهَا، حَتَّى ظفروا بهَا، فحملوها، ووليها مَعهَا، فتزوجتها، فَرَأَيْت مِنْهَا مَا زَاد على مَا كَانَ زرعه حَدِيثك عَنْهَا فِي نَفسِي، وَقد أفضت عَلَيْهَا من دنياي، بِحَسب تمكنها من قلبِي، فسألتني عَن سَبَب طلبي إِيَّاهَا، فَأَخْبَرتهَا بخبرك، وكتبت أستزيرك لأعرفك هَذَا، وأقضي حَقك، وَقد أمرت لَك بِعشْرين ألف دِرْهَم، وَعشر تخوت ثِيَاب.
قَالَ عبد الحميد: وَكَانَت أم عدَّة من أَوْلَاده.
стр. 667
بَين ابْن أبي الْبَغْل عَامل أَصْبَهَان وَأحد طلاب التَّصَرُّف
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم سعد بن عبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل يتقلد بلدنا، فَقدم عَلَيْهِ شيخ من الْكتاب يطْلب التَّصَرُّف، وَأورد عَلَيْهِ كتبا من الحضرة، يذكرُونَ فِيهَا طول عطلته، وَمحله من الصِّنَاعَة، ويسألونه تصريفه، فَسلم إِلَيْهِ الْكتب، فَتَركهَا ابْن أبي الْبَغْل بَين يَدَيْهِ، وَكَانَت كَثِيرَة، وَكَانَ فِيهِ حِدة وضجرة، فاستكثرها، وفض مِنْهَا وَاحِدًا، فقرأه، وَأَقْبل على شغله، من غير أَن يقْرَأ بَاقِي الْكتب.
فَقَالَ لَهُ الرجل: إِن رَأَيْت أَن تقف على بَاقِي الْكتب.
فضجر، وتغيظ، وَقَالَ: أَلَيْسَ كلهَا فِي معنى وَاحِد؟ قد وَالله بلينا بكم يَا متعطلين، كل يَوْم يصير إِلَيْنَا مِنْكُم وَاحِد يُرِيد تَصرفا، لَو كَانَت
стр. 668
خَزَائِن الأَرْض لي، لكَانَتْ قد نفدت، يَا هَذَا، مَالك عِنْدِي تصرف، وَلَا عمل شاغر فأرده إِلَيْك، وَلَا فِي مَالِي فضل فأبرك، فدبر أَمرك بِحَسب ذَلِك، هَذَا وَالرجل سَاكِت.
فَلَمَّا سكن ابْن أبي الْبَغْل، قَامَ الرجل، وَقَالَ: أحسن الله جزاءك وَفعل بك وصنع، وأسرف فِي الشُّكْر وَالدُّعَاء لَهُ، وَولى منصرفا.
فَقَالَ ابْن أبي الْبَغْل: ردُّوهُ، فَرجع.
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، هُوَ ذَا تسخر مني، على أَي شَيْء تشكرني؟ على إياسي لَك من التَّصَرُّف، أَو على قطع رجائك من الصِّلَة، أَو قَبِيح ردي لَك، أَو ضجري عَلَيْك؟ أم تُرِيدُ خدعتي بِهَذَا الْفِعْل؟ فَقَالَ: وَالله، مَا أُرِيد خداعك، وَمَا كَانَ مِنْك من قَبِيح الرَّد فَغير مُنكر، لِأَنَّك سُلْطَان، ولحقك ضجر، وَلَعَلَّ الْأَمر كَمَا ذكرته من كَثْرَة الواردين عَلَيْك، وَقد بعلت بهم، وَاتفقَ لقُوَّة نحسي، أَن كَانَ هَذَا الرَّد الْقَبِيح وَقع فِي بَابي، وَلم أشكرك إِلَّا فِي مَوضِع الشُّكْر، لِأَنَّك صدقتني عَمَّا فِي نَفسك من أول وهلة، وأعتقت عنقِي من رق الطمع، وأرحتني من التَّعَب بِالْغُدُوِّ والرواح إِلَيْك، وخدمة قوم أستشفع بهم إِلَيْك، وكشفت لي مَا أدبر بِهِ نَفسِي، وكسوتي جَدِيدَة، وَبَقِيَّة نفقتي معي، ولعلي أتحمل بهَا إِلَى بلد آخر، فِي وَجه أحد سواك.
قَالَ: فَأَطْرَقَ ابْن أبي الْبَغْل، وَمضى الرجل، فَرفع رَأسه، فاستدعاه، وَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأمر لَهُ بصلَة، وَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه، إِلَى أَن أقلدك مَا يصلح لَك، فَإِنِّي أرى فِيك مصطنعا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام قَلّدهُ عملا جَلِيلًا، وصلحت حَال الرجل مَعَه.
стр. 669
بَين جحظة الْبَرْمَكِي ومحبرة بن أبي عباد الْكَاتِب
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، عَن جحظة، أَنه قَالَ: اتَّصَلت عَليّ إضاقة، حَتَّى بِعْت فِيهَا كل مَا أملك، وَبقيت وَلَيْسَ فِي دَاري غير البواري، فَأَصْبَحت يَوْمًا أفلس من طنبور مقطع الأوتار، ففكرت فِي الْحِيلَة، فَوَقع لي أَن أكتب إِلَى محبرة الْكَاتِب، وَكنت أجاوره بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ منقرسا، يلازم بَيته، حَتَّى صَار لَا يُمكنهُ الْحَرَكَة، إِلَّا أَن يحمل فِي محفة، وَكَانَ ظريفا، عَظِيم النِّعْمَة، كثير الشّرْب والقصف، فأتطايب عَلَيْهِ، ليدعوني، أَو يبرني بِشَيْء، فَكتبت إِلَيْهِ:
стр. 670
مَاذَا ترى فِي جدي ... وبرمة بوارد
وقهوة ذَات لون ... يَحْكِي خدود الخرائد
ومسمع يتَغَنَّى ... من آل يحيى بن خَالِد
إِن المضيع لهَذَا ... نزر الْمُرُوءَة بَارِد
قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا بمحفة محبرة، يحملهَا غلمانه، إِلَى دَاري، وَأَنا جَالس على بَابهَا.
فَقلت: لم جِئْت، وَمن دعَاك؟ قَالَ: أَنْت.
قلت: إِنَّمَا قلت مَاذَا ترى، وعنيت فِي مَنْزِلك، وَلم أقل أَنه عِنْدِي، وبيتي وَالله أفرع من فؤاد أم مُوسَى.
فَقَالَ: قد جِئْت الْآن، وَلَا أرجع، وَلَكِن أحضر من دَاري، مَا أُرِيد.
فَقلت: ذَاك إِلَيْك، فَدخل الدَّار، فَلم ير فِيهَا إِلَّا بَارِية.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن، هَذَا وَالله فقر مدقع.
فَقلت: هُوَ مَا ترى.
следующие страницы →