Полный текст (1 589 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
قَالَ: هَذَا حقل دلالتك على المهناة بنت الْهَيْثَم الشَّيْبَانِيّ، الَّتِي أَظْفرنِي الله مِنْهَا بِمَا كَانَت أمنيتي تقصر عَنهُ، وَهِي أنفذت إِلَيْك بِهَذَا من مَالهَا، وَلَك من مَالِي ضعفه.
فَقلت: كَيفَ كَانَ خَبَرهَا؟ فَقَالَ: إِنَّك لما انصرفت، أنفذت رسلًا إِلَى الْبَادِيَة، أَثِق بعقولهم وأمانتهم، فَمَا زَالُوا يسْأَلُون عَنْهَا، حَتَّى ظفروا بهَا، فحملوها، ووليها مَعهَا، فتزوجتها، فَرَأَيْت مِنْهَا مَا زَاد على مَا كَانَ زرعه حَدِيثك عَنْهَا فِي نَفسِي، وَقد أفضت عَلَيْهَا من دنياي، بِحَسب تمكنها من قلبِي، فسألتني عَن سَبَب طلبي إِيَّاهَا، فَأَخْبَرتهَا بخبرك، وكتبت أستزيرك لأعرفك هَذَا، وأقضي حَقك، وَقد أمرت لَك بِعشْرين ألف دِرْهَم، وَعشر تخوت ثِيَاب.
قَالَ عبد الحميد: وَكَانَت أم عدَّة من أَوْلَاده.
стр. 667
بَين ابْن أبي الْبَغْل عَامل أَصْبَهَان وَأحد طلاب التَّصَرُّف
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم سعد بن عبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل يتقلد بلدنا، فَقدم عَلَيْهِ شيخ من الْكتاب يطْلب التَّصَرُّف، وَأورد عَلَيْهِ كتبا من الحضرة، يذكرُونَ فِيهَا طول عطلته، وَمحله من الصِّنَاعَة، ويسألونه تصريفه، فَسلم إِلَيْهِ الْكتب، فَتَركهَا ابْن أبي الْبَغْل بَين يَدَيْهِ، وَكَانَت كَثِيرَة، وَكَانَ فِيهِ حِدة وضجرة، فاستكثرها، وفض مِنْهَا وَاحِدًا، فقرأه، وَأَقْبل على شغله، من غير أَن يقْرَأ بَاقِي الْكتب.
فَقَالَ لَهُ الرجل: إِن رَأَيْت أَن تقف على بَاقِي الْكتب.
فضجر، وتغيظ، وَقَالَ: أَلَيْسَ كلهَا فِي معنى وَاحِد؟ قد وَالله بلينا بكم يَا متعطلين، كل يَوْم يصير إِلَيْنَا مِنْكُم وَاحِد يُرِيد تَصرفا، لَو كَانَت
стр. 668
خَزَائِن الأَرْض لي، لكَانَتْ قد نفدت، يَا هَذَا، مَالك عِنْدِي تصرف، وَلَا عمل شاغر فأرده إِلَيْك، وَلَا فِي مَالِي فضل فأبرك، فدبر أَمرك بِحَسب ذَلِك، هَذَا وَالرجل سَاكِت.
فَلَمَّا سكن ابْن أبي الْبَغْل، قَامَ الرجل، وَقَالَ: أحسن الله جزاءك وَفعل بك وصنع، وأسرف فِي الشُّكْر وَالدُّعَاء لَهُ، وَولى منصرفا.
فَقَالَ ابْن أبي الْبَغْل: ردُّوهُ، فَرجع.
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، هُوَ ذَا تسخر مني، على أَي شَيْء تشكرني؟ على إياسي لَك من التَّصَرُّف، أَو على قطع رجائك من الصِّلَة، أَو قَبِيح ردي لَك، أَو ضجري عَلَيْك؟ أم تُرِيدُ خدعتي بِهَذَا الْفِعْل؟ فَقَالَ: وَالله، مَا أُرِيد خداعك، وَمَا كَانَ مِنْك من قَبِيح الرَّد فَغير مُنكر، لِأَنَّك سُلْطَان، ولحقك ضجر، وَلَعَلَّ الْأَمر كَمَا ذكرته من كَثْرَة الواردين عَلَيْك، وَقد بعلت بهم، وَاتفقَ لقُوَّة نحسي، أَن كَانَ هَذَا الرَّد الْقَبِيح وَقع فِي بَابي، وَلم أشكرك إِلَّا فِي مَوضِع الشُّكْر، لِأَنَّك صدقتني عَمَّا فِي نَفسك من أول وهلة، وأعتقت عنقِي من رق الطمع، وأرحتني من التَّعَب بِالْغُدُوِّ والرواح إِلَيْك، وخدمة قوم أستشفع بهم إِلَيْك، وكشفت لي مَا أدبر بِهِ نَفسِي، وكسوتي جَدِيدَة، وَبَقِيَّة نفقتي معي، ولعلي أتحمل بهَا إِلَى بلد آخر، فِي وَجه أحد سواك.
قَالَ: فَأَطْرَقَ ابْن أبي الْبَغْل، وَمضى الرجل، فَرفع رَأسه، فاستدعاه، وَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأمر لَهُ بصلَة، وَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه، إِلَى أَن أقلدك مَا يصلح لَك، فَإِنِّي أرى فِيك مصطنعا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام قَلّدهُ عملا جَلِيلًا، وصلحت حَال الرجل مَعَه.
стр. 669
بَين جحظة الْبَرْمَكِي ومحبرة بن أبي عباد الْكَاتِب
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، عَن جحظة، أَنه قَالَ: اتَّصَلت عَليّ إضاقة، حَتَّى بِعْت فِيهَا كل مَا أملك، وَبقيت وَلَيْسَ فِي دَاري غير البواري، فَأَصْبَحت يَوْمًا أفلس من طنبور مقطع الأوتار، ففكرت فِي الْحِيلَة، فَوَقع لي أَن أكتب إِلَى محبرة الْكَاتِب، وَكنت أجاوره بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ منقرسا، يلازم بَيته، حَتَّى صَار لَا يُمكنهُ الْحَرَكَة، إِلَّا أَن يحمل فِي محفة، وَكَانَ ظريفا، عَظِيم النِّعْمَة، كثير الشّرْب والقصف، فأتطايب عَلَيْهِ، ليدعوني، أَو يبرني بِشَيْء، فَكتبت إِلَيْهِ:
стр. 670
مَاذَا ترى فِي جدي ... وبرمة بوارد
وقهوة ذَات لون ... يَحْكِي خدود الخرائد
ومسمع يتَغَنَّى ... من آل يحيى بن خَالِد
إِن المضيع لهَذَا ... نزر الْمُرُوءَة بَارِد
قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا بمحفة محبرة، يحملهَا غلمانه، إِلَى دَاري، وَأَنا جَالس على بَابهَا.
فَقلت: لم جِئْت، وَمن دعَاك؟ قَالَ: أَنْت.
قلت: إِنَّمَا قلت مَاذَا ترى، وعنيت فِي مَنْزِلك، وَلم أقل أَنه عِنْدِي، وبيتي وَالله أفرع من فؤاد أم مُوسَى.
فَقَالَ: قد جِئْت الْآن، وَلَا أرجع، وَلَكِن أحضر من دَاري، مَا أُرِيد.
فَقلت: ذَاك إِلَيْك، فَدخل الدَّار، فَلم ير فِيهَا إِلَّا بَارِية.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن، هَذَا وَالله فقر مدقع.
فَقلت: هُوَ مَا ترى.
стр. 671
فانفذ إِلَى دَاره، فجاءوه بفرش حَسَنَة، وَآلَة، وقماش، وآنية، وَطَعَام كثير من مطبخه، وألوان الْأَشْرِبَة، والفواكه، والمشام، وعبي الْمجْلس، وفرش الْفرش، وَجلسَ يَوْمه يشرب على غنائي وغناء مغنية دعوتها لَهُ كَانَت تألفني.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، سلم إِلَيّ غُلَامه كيسا فِيهِ ألفا دِرْهَم، ورزمة ثِيَاب صحاحا ومقطوعة من فاخر الثِّيَاب , واستدعى محفته فَجَلَسَ فِيهَا، وشيعته.
فَلَمَّا بلغ آخر الصحن، قَالَ: مَكَانك يَا أَبَا الْحسن، فَكل مَا فِي دَارك هُوَ لَك، فَلَا تدع أحدا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا.
وَقَالَ للغلمان: اخْرُجُوا بَين يَدي، فَخَرجُوا، وأغلقت بَابي على قماش يُسَاوِي ألوفا كَثِيرَة.
стр. 672
تَاجر خراساني يجد الْفرج عِنْد صَاحبه الْكَرْخِي
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد العبقسي، عَن بعض تجار الكرخ بِبَغْدَاد، قَالَ: كنت أعامل رجلا من الخراسانية، أبيع لَهُ فِي كل موسم مَتَاعا، فأنتفع من سمسرته بألوف دَرَاهِم.
فَلَمَّا كَانَ سنة من السنين تَأَخّر عني، فأثر ذَلِك فِي حَالي، وتواترت عَليّ محن، فأغلقت دكاني وَجَلَست فِي بَيْتِي، مستترا من دين لَحِقَنِي، أَربع سِنِين.
فَلَمَّا كَانَ فِي وَقت الْحَاج، تتبعت نَفسِي خبر الْخُرَاسَانِي، طَمَعا فِي إصْلَاح أَمْرِي بِهِ، فمضيت إِلَى سوق يحيى، فَلم أعْط لَهُ خَبرا، فَرَجَعت، فَنزلت الجزيرة وَأَنا تَعب مغموم.
стр. 673
وَكَانَ يَوْمًا حارا، فَنزلت إِلَى دجلة، فتغسلت، وصعدت، فابتل مَوضِع قدمي، فَقلعت رجْلي قِطْعَة من الرمل، انكشفت عَن سير.
فَلبِست ثِيَابِي، وَجَلَست مفكرا أولع بالسير، فَلم أزل أجره حَتَّى ظهر لي هميان مَوْصُول بِهِ، فَأَخَذته، فَإِذا هُوَ مَمْلُوء دَنَانِير، فأخفيته تَحت ثِيَابِي، ووافيت منزلي، فَإِذا فِيهِ ألف دِينَار.
فَقَوِيت نَفسِي قُوَّة شَدِيدَة، وعاهدت الله ، أَنه مَتى صلحت حَالي، وعادت، أَن أعرف الْهِمْيَان، فَمن أَعْطَانِي صفته، رَددته عَلَيْهِ.
واحتفظت بالهميان، وأصلحت أَمْرِي مَعَ غرمائي، وَفتحت دكاني، وعدت إِلَى رسمي من التِّجَارَة والسمسرة، فَمَا مَضَت إِلَّا ثَلَاث سِنِين حَتَّى حصل فِي ملكي أُلُوف دَنَانِير.
وَجَاء الْحَج، فتتبعتهم لأعرف الْهِمْيَان، فَلم أجد من يُعْطِنِي صفته، فعدت إِلَى دكاني.
فَبَيْنَمَا أَنا جَالس، إِذا رجل قَائِم حِيَال دكاني، أَشْعَث، أغبر، وافي السبال، فِي خلقَة سُؤال الخراسانية، وزيهم، فظننته سَائِلًا، فأومأت إِلَى دريهمات لأعطيه، فأسرع الِانْصِرَاف، فارتبت بِهِ، فَقُمْت، وَلَحِقتهُ، وتأملته، فَإِذا هُوَ صَاحِبي الَّذِي كنت أنتفع بسمسرته فِي السّنة بألوف الدَّرَاهِم.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، مَا الَّذِي أَصَابَك؟ وبكيت رَحْمَة لَهُ.
فَبكى، وَقَالَ: حَدِيثي طَوِيل.
стр. 674
فَقلت: الْبَيْت، وَحَمَلته إِلَى منزلي، فأدخلته الْحمام، وألبسته ثيابًا نظافا، أطعمته، وَسَأَلته عَن خَبره.
فَقَالَ: أَنْت تعرف حَالي ونعمتي، وَإِنِّي أردْت الْخُرُوج إِلَى الْحَج فِي آخر سنة جِئْت إِلَى بَغْدَاد، فَقَالَ لي أَمِير الْبَلَد، عِنْدِي قِطْعَة ياقوت أَحْمَر كَالْكَفِّ، لَا قيمَة لَهَا عظما وجلالة، وَلَا تصلح إِلَّا للخليفة، فَخذهَا مَعَك، فبعها لي بِبَغْدَاد، واشتر لي من ثمنهَا مَتَاعا طلبه، من عطر، وطرف، بِكَذَا وَكَذَا، وأحمل الْبَاقِي مَالا.
فَأخذت الْقطعَة الْيَاقُوت، وَهِي كَمَا قَالَ، فجعلتها فِي هميان جلد، من صفته كَيْت وَكَيْت، وَوصف الْهِمْيَان الَّذِي وجدته، وَجعلت فِي الْهِمْيَان ألف دِينَار عينا من مَالِي، وَحَمَلته فِي وسطي.
فَلَمَّا جِئْت إِلَى بَغْدَاد، نزلت أسبح عشيا فِي الجزيرة الَّتِي بسوق يحيى، وَتركت الْهِمْيَان وثيابي بِحَيْثُ ألاحظها.
فَلَمَّا صعدت من دجلة، لبست ثِيَابِي عِنْد غرُوب الشَّمْس، وأنسيت الْهِمْيَان، فَلم أذكرهُ إِلَى أَن أَصبَحت، فعدت أطلبه، فَكَأَن الأَرْض ابتلعته.
فهونت على نَفسِي الْمُصِيبَة، وَقلت: لَعَلَّ قيمَة الْحجر ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، أغرمها لَهُ.
فَخرجت إِلَى الْحَج، فَلَمَّا رجعت، حاسبتك على ثمن متاعي، واشتريت للأمير مَا أَرَادَهُ، وَرجعت إِلَى بلدي، فأنفذت إِلَى الْأَمِير مَا اشْتَرَيْته، وأتيته، فَأَخْبَرته بخبري.
وَقلت لَهُ: خُذ مني تَمام ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، عوضا عَن الْحجر.
فطمع فِي، وَقَالَ: قِيمَته خَمْسُونَ ألف دِينَار، وَقبض عَليّ، وعَلى جَمِيع مَا أملكهُ من مَال ومتاع، وَأنزل بِي صنوف المكاره، حَتَّى أشهد عَليّ فِي جَمِيع
стр. 675
أملاكي، وحبسني سبع سِنِين، كنت يردد عَليّ فِيهَا الْعَذَاب.
فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه السّنة، سَأَلَهُ النَّاس فِي أَمْرِي، فأطلقني.
فَلم يمكنني الْمقَام ببلدي، وَتحمل شماتة الْأَعْدَاء، فَخرجت على وَجْهي أعالج الْفقر، بِحَيْثُ لَا أعرف، وَجئْت مَعَ الْحَج الْخُرَاسَانِي، أَمْشِي أَكثر الطَّرِيق، وَلَا أَدْرِي مَا أعمل، فَجئْت إِلَيْك لأشاورك فِي معاش أتعلق بِهِ.
فَقلت: قد رد الله عَلَيْك بعض ضالتك، هَذَا الْهِمْيَان الَّذِي وَصفته، عِنْدِي، وَكَانَ فِيهِ ألف دِينَار أَخَذتهَا، وعاهدت الله تَعَالَى، أنني ضامنها لمن يعطيني صفة الْهِمْيَان، وَقد أَعْطَيْتنِي أَنْت صفته، وَعلمت أَنه لَك، وَقمت، فَجِئْته بكيس فِيهِ ألف دِينَار.
وَقلت لَهُ: تعيش بِهَذَا فِي بَغْدَاد، فَإنَّك لَا تعدم خيرا إِن شَاءَ الله.
فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي الْهِمْيَان بِعَيْنِه عنْدك، لم يخرج عَن يدك؟ قلت: نعم.
فشهق شهقة، ظَنَنْت أَنه قد مَاتَ مَعهَا، وَغشيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاق بعد سَاعَة، قَالَ لي: أَيْن الْهِمْيَان؟ فَجِئْته بِهِ، فَطلب سكينا، فَأَتَيْته بهَا، فخرق أَسْفَل الْهِمْيَان، وَأخرج مِنْهُ حجر ياقوت أَحْمَر، أشرق مِنْهُ الْبَيْت، وَكَاد يَأْخُذ بَصرِي شعاعه، وَأَقْبل يشكرني، وَيَدْعُو لي.
فَقلت لَهُ: خُذ دنانيرك.
فَحَلَفت بِكُل يَمِين، لَا يَأْخُذ مِنْهَا إِلَّا ثمن نَاقَة، ومحمل، وَنَفَقَة تبلغه، فَبعد كل جهد أَخذ ثَلَاث مائَة دِينَار، وأحلني من الْبَاقِي، وَأقَام عِنْدِي، إِلَى أَن عَاد الْحَاج، فَخرج مَعَهم.
стр. 676
فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل، جَاءَنِي بقريب مِمَّا كَانَ يجيئني بِهِ سَابِقًا من الْمَتَاع.
فَقلت لَهُ: أَخْبرنِي خبرك.
فَقَالَ: مضيت، فشرحت لأهل الْبَلَد خبري، وأريتهم الْحجر، فجَاء معي وُجُوههم إِلَى الْأَمِير، أعلموه الْقِصَّة، وخاطبوه فِي إنصافي.
فَأخذ الْحجر، ورد عَليّ جَمِيع مَا كَانَ أَخذه مني، من مَتَاع، وعقار، وَغير ذَلِك، ووهب لي من عِنْده مَالا.
وَقَالَ: اجْعَلنِي فِي حل مِمَّا عَذَّبْتُك وآذيتك، فأحللته.
وعادت نعمتي إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ، وعدت إِلَى تجارتي ومعاشي، وكل هَذَا بِفضل الله تَعَالَى وبركتك، ودعا لي.
وَكَانَ يجيئني بعد ذَلِك، حَتَّى مَاتَ.
стр. 677
أضاع هِمْيَانه فِي طَرِيق الْحَج ووجده أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي: قَالَ حَدثنِي أبي: أَن رجلا حج، وَفِي وَسطه هميان فِيهِ دَنَانِير وجواهر، قيمَة الْجَمِيع ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وَكَانَ الْهِمْيَان ديباج أسود.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق، جلس يَبُول، فانحل الْهِمْيَان من وَسطه وَسقط، وَلم يعلم بذلك إِلَّا بعد أَن سَار من الْموضع فراسخ.
وَاتفقَ أَن رجلا جَاءَ على أَثَره، فَجَلَسَ يَبُول مَكَانَهُ، فَرَأى الْهِمْيَان، فَأَخذه، وَكَانَ لَهُ دين، فحفظه.
قَالَ الرجل: فَلم يُؤثر فِي قلبِي ذَهَابه، لِكَثْرَة مَالِي، فاحتسبته عِنْد الله تَعَالَى، وتغافلت.
وَكَانَ معي تِجَارَة بأموال عَظِيمَة، فَقضيت حجي، وعدت إِلَى بلدي.
فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين، افْتَقَرت لمحن توالت عَليّ، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء،
стр. 678
فهربت على وَجْهي من بلدي، وَقد أفضيت إِلَى الصَّدَقَة عَليّ، وزوجتي معي، فأويت إِلَى بعض الْقرى، فَنزلت فِي خَان خراب.
فَأصَاب زَوْجَتي الطلق، وَمَا أملك غير دانق وَنصف فضَّة، وَكَانَت لَيْلَة مطيرة، فَولدت.
стр. 679
فَقَالَت: يَا هَذَا، السَّاعَة أَمُوت، فَأخْرج، وَخذ لي شَيْئا أتقوى بِهِ.
فَخرجت أتخبط فِي الظلمَة والمطر، حَتَّى جِئْت إِلَى بقال فوقفت عَلَيْهِ، فكلمني بعد كل جهد، فشرحت لَهُ حَالي، فرحمني، وَأَعْطَانِي بِتِلْكَ الْقطعَة حلبة، وزيتا، أغلاهما عِنْده، وأعارني غضارة جعلته فِيهَا، فمشيت أُرِيد موضعي، فزلقت , فَانْكَسَرت الغضارة، وَذهب مَا فِيهَا.
فورد عَليّ أَمر عَظِيم، مَا ورد عَليّ مثله قطّ، وَأَقْبَلت ألطم، وأبكي، وأصيح، فَإِذا بِرَجُل قد أخرج رَأسه من شباك فِي دَار، وَقَالَ: وَيلك، مَالك تبْكي، مَا تدعنا ننام، فشرحت لَهُ قصتي.
فَقَالَ: هَذَا الْبكاء كُله بِسَبَب دانق وَنصف؟ فتداخلني من الْغم أَكثر من الأول، فَقلت: يَا هَذَا، وَالله، مَا لما ذهب عِنْدِي مَحل، وَلَكِن بُكَائِي رَحْمَة لنَفْسي مِمَّا دفعت إِلَيْهِ، وَإِن زَوْجَتي وَوَلَدي السَّاعَة يموتان جوعا، وَوَاللَّه، وَإِلَّا فعلي وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لقد حججْت فِي سنة كَذَا، وَأَنا أملك من المَال، مَا ذهب مني هميان فِيهِ دَنَانِير وجواهر بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار، مَا فَكرت فِيهِ، وَهُوَ ذَا تراني الْآن أبْكِي بِسَبَب دانق وَنصف فضَّة، فاسأل الله الْعَافِيَة والسلامة، وَلَا تعيرني فتبتلى بِمثل بلواي.
فَقَالَ لي: بِاللَّه عَلَيْك، مَا كَانَ صفة هميانك؟ فلطمت رَأْسِي، وَقلت: مَا يقنعك مَا خاطبتني بِهِ وَمَا ترَاهُ من صُورَتي، وقيامي فِي الطين والمطر، حَتَّى تتلهى بِي، وَأي شَيْء يَنْفَعنِي وينفعك من صفة همياني، وَقد ضَاعَ من كَذَا وَكَذَا سنة، ومشيت.
وَإِذا هُوَ قد خرج يَصِيح بِي: تَعَالَى خُذ هَذَا، فقدرته يتَصَدَّق عَليّ، فَجِئْته.
стр. 680
فَقَالَ: أيش صفة هميانك؟ وَقبض على يَدي، فَلم أقدر أتخلص مِنْهُ، فوصفت لَهُ همياني.
فَقَالَ لي: ادخل، فَدخلت منزله.
فَقَالَ: أَيْن زَوجتك؟ فَقلت: فِي الخان الْفُلَانِيّ.
فأنفذ غلمانه، فَأتوا بهَا، فَأدْخلهَا إِلَى حرمه، فأصلحوا أمرهَا، وأطعموها مَا احْتَاجَت إِلَيْهِ، وكساني كسْوَة حَسَنَة، وأدخلني الْحمام، وأصبحت عِنْده فِي عيشة طيبَة.
فَقَالَ لي: أقِم عِنْدِي أَيَّامًا لأضيفك، فأقمت عِنْده عشرَة أَيَّام، فَكَانَ يعطيني فِي كل يَوْم عشْرين دِينَارا، وَأَنا متحير من عَظِيم بره، بعد شدَّة جفائه.
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالَ لي: أَي شَيْء تتصرف فِيهِ؟ فَقلت: كنت تَاجِرًا.
فَقَالَ: أقِم عِنْدِي، وَأَنا أَعطيتك رَأس مَال فتتجر فِي شركتي.
فَقلت: أفعل.
فَدفع إِلَيّ مِائَتي دِينَار، وَقَالَ لي: أتجر بهَا هَاهُنَا.
فَقلت: هَذَا معاش، قد أغناني الله تَعَالَى بِهِ، يجب أَن ألزمهُ، فَلَزِمته.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، ربحنا، فَجِئْته، فَقلت لَهُ: خُذ ربحك.
فَقَالَ لي: اجْلِسْ , فَجَلَست.
فَأخْرج إِلَى همياني، وَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ فحين رَأَيْته، شهقت شهقة غشي عَليّ مِنْهَا.
ثمَّ أَفَقْت بعد سَاعَة، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، أملك أَنْت أم نَبِي؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي ممتحن بِحِفْظ هميانك مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، فَلَمَّا سَمِعتك تِلْكَ اللَّيْلَة تَقول مَا قلته، وأعطيتني علامته، أردْت أَن أُعْطِيك هُوَ،
стр. 681
فَخَشِيت أَن تَنْشَق مرارتك من الْفَرح، فأعطيتك تِلْكَ الدَّنَانِير الَّتِي أوهمتك أَنَّهَا هبة لَك، وَإِنَّمَا أَعطيتك ذَلِك كُله من هميانك، وَالدَّنَانِير المائتان، قرض، فَخذ هميانك واجعلني فِي حل.
فَأَخَذته، ودعوت لَهُ، ورددت عَلَيْهِ الْقَرْض، وَرجعت إِلَى بلدي، وبعت الْجَوْهَر وأضفت ثمنه إِلَى الدَّنَانِير، واتجرت بهَا، فَمَا مَضَت إِلَّا سنيات، حَتَّى صرت صَاحب عشرَة آلَاف دِينَار، وصلحت حَالي، فَأَنا فِي فضل الله تَعَالَى، أعيش إِلَى الْآن.
стр. 682
الْوَزير عَليّ بن عِيسَى يَقُول: لَيْتَني تمنيت الْمَغْفِرَة
حَدثنِي أَبُو سهل بن زِيَاد الْقطَّان، صَاحب عَليّ بن عِيسَى، قَالَ: كنت مَعَ عَليّ بن عِيسَى بِمَكَّة، حِين نفي إِلَيْهَا، فَدَخَلْنَا فِي حر شَدِيد، وَقد كدنا نتلف، فَطَافَ عَليّ بن عِيسَى، وسعى، وَجَاء فألفى نَفسه كالميت من الْحر والتعب، وقلق قلقا شَدِيدا.
وَقَالَ: أشتهي على الله ، شربة مَاء بثلج.
فَقلت لَهُ: يَا سيدنَا، تعلم أَن هَذَا مَا لَا يُوجد بِهَذَا الْمَكَان.
فَقَالَ: هُوَ كَمَا قلت، وَلَكِن نَفسِي ضَاقَتْ عَن ستر هَذَا، فاستروحت إِلَى المنى.
قَالَ: وَخرجت من عِنْده، فَرَجَعت إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام، فَمَا استقررت
стр. 683
فِيهِ، حَتَّى نشأت سَحَابَة، فأبرقت، وأرعدت رعدا مُتَّصِلا شَدِيدا، ثمَّ جَاءَت بمطر يسير، وَبرد كثير.
فبادرت إِلَى الغلمان، فَقلت: اجْمَعُوا، فجمعنا شَيْئا كثيرا، وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى نَائِما.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْمغرب، خرج إِلَى الصَّلَاة، فَقلت لَهُ: أَنْت وَالله مقبل، والنكبة زائلة، وَهَذِه عَلَامَات الإقبال، فَاشْرَبْ الثَّلج كَمَا طلبت.
وجئته إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بأقداح مَمْلُوءَة بالأشربة والأسوقة، مكبوسة بالبرد، فَأقبل يسْقِي ذَلِك من كَانَ بِقُرْبِهِ من الصُّوفِيَّة والمجاورين والضعفاء، ويستزيد، وَنحن نأتيه بِمَا عندنَا من ذَلِك، وَكلما قلت لَهُ: اشرب، يَقُول: حَتَّى يشرب النَّاس.
فخبأت من الْبرد مِقْدَار خَمْسَة أَرْطَال، وَقلت لَهُ: لم يبْق شَيْء.
فَقَالَ: الْحَمد لله، لَيْتَني كنت تمنيت الْمَغْفِرَة، بَدَلا من تمني الثَّلج، فلعلي كنت أجَاب.
стр. 684
فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيّ بَيته حَلَفت عَلَيْهِ أَن يشرب، فَمَا زلت أداريه حَتَّى شرب مِنْهُ بِقَلِيل مَاء وَسَوِيق، وتقوت بِهِ بَاقِي ليلته.
стр. 685
فَتى ورث مَالا فأتلفه ثمَّ آل أمره إِلَى صَلَاح
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، أَيْضا، عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ يجاورنا بِبَغْدَاد فَتى من أَوْلَاد الْكتاب، ورث مَالا جَلِيلًا، فأتلفه فِي القيان، وَأكله إسرافا، حَتَّى لم يبْق مِنْهُ شَيْء، وَاحْتَاجَ إِلَى نقض دَاره، فَلم يبْق مِنْهَا غير بَيت يكنه.
فَحَدثني بعض من كَانَ يعاشره وَانْقطع عَنهُ لما افْتقر، قَالَ: قصدته يَوْمًا بعد انقطاعي عَنهُ نَحْو سنة، لأعرف خَبره، فَدخلت إِلَيْهِ، فَوَجَدته نَائِما فِي ذَلِك الْبَيْت، فِي يَوْم بَارِد، على حَصِير خلق، قد تُوطأ قطنا
стр. 686
كَأَنَّهُ حَشْو فرَاش، وتغطى بِقطن كَانَ فِي لِحَاف، فَهُوَ بَين ذَلِك الْقطن كَأَنَّهُ السفرجل.
فَقلت لَهُ: وَيحك، بلغت إِلَى هَذَا الْحَد.
فَقَالَ: هُوَ مَا ترى.
فَقلت: فَهَل لَك حَاجَة.
قَالَ: أَو تقضيها؟ فَظَنَنْت أَنه يطْلب مني شَيْئا أسعفه بِهِ، فَقلت: إِي وَالله.
فَقَالَ: أشتهي أَن تحملنِي إِلَى بَيت فُلَانَة الْمُغنيَة، حَتَّى أَرَاهَا، وَهِي الَّتِي كَانَ يتعشقها، وأتلف مَاله عَلَيْهَا.
وَبكى، فرحمته، فمضيت إِلَى منزلي، فَأَتَيْته من ثِيَابِي بِمَا لبسه، وأدخلته الْحمام، وَحَمَلته إِلَى بَيْتِي، فأطعمته، وبخرته، وذهبنا إِلَى دَار الْمُغنيَة.
فَلَمَّا رأتنا، لم تشك أَن حَاله قد صلحت، وَأَنه قد جاءها بِدَرَاهِم، فبشت فِي وَجهه، وَسَأَلته عَن حَاله، فصدقها عَن حَاله، حَتَّى انْتهى إِلَى ذكر الثِّيَاب، وَأَنَّهَا لي.
فَقَالَت لَهُ فِي الْحَال: قُم، قُم.
فَقَالَ: لم؟ فَقَالَت: لِئَلَّا تَجِيء ستي، فتراك، وَلَيْسَ مَعَك شَيْء، فتحرد عَليّ، لم أدخلتك، فَاخْرُج برا، حَتَّى أصعد فأكلمك من فَوق، فَخرج، وَجلسَ ينْتَظر أَن تخاطبه من روزنة فِي الدَّار، إِلَى الطَّرِيق، فأقلبت عَلَيْهِ مرقة سكباج،
стр. 687
فصيرته آيَة ونكالا.
فَبكى، وَقَالَ لي: بلغ أَمْرِي إِلَى هَذَا؟ أشهد الله، وأشهدك، أَنِّي تائب.
فَضَحكت مِنْهُ، وَقلت: أَي شَيْء تنفعك التَّوْبَة الْآن وَقد افْتَقَرت؟ فرددته إِلَى بَيته، ونزعت ثِيَابِي عَنهُ، وَتركته بَين الْقطن، كَمَا كَانَ أَولا، وحملت ثِيَابِي فغسلتها وانقطعت عَنهُ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا.
وَبعد نَحْو ثَلَاث سِنِين، بَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم بِبَاب الطاق، إِذا أَنا بِغُلَام يطْرق لرجل رَاكب، فَرفعت رَأْسِي، فَإِذا بِهِ على برذون فاره، بمركب فضَّة، خَفِيف، مليح، وَثيَاب حَسَنَة، وَكَانَ أَولا يركب من الدَّوَابّ أفخرها، وَمن المراكب أثقلها.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: يَا فلَان، فَعلمت أَن حَاله قد صلحت، فَقبلت فخده.
وَقلت: سَيِّدي أَبُو فلَان.
قَالَ: نعم، قد صنع الله تَعَالَى، وَله الْحَمد، الْبَيْت، الْبَيْت، فتبعته إِلَى منزله، فَإِذا بِالدَّار الأولة، قد رمها، وجصصها، من غير بَيَاض، وطبقها، وَبنى فِيهَا مجلسين مُتَقَابلين، وخزائن، ومستراح، وَجعل بَاقِي مَا كَانَ فِيهَا، صحنا كَبِيرا، وَقد صَارَت حَسَنَة، غير أَنَّهَا لَيست بذلك الْأَمر الأول.
فَأَدْخلنِي إِلَى حجرَة مِنْهَا، كَانَ يَخْلُو فِيهَا قَدِيما، قد أَعَادَهَا كأحسن
стр. 688
مَا كَانَت، وفيهَا فرش حَسَنَة، وَفِي دَاره ثَلَاثَة غلْمَان، قد جعل كل خدمتين إِلَى وَاحِد مِنْهُم، وَقد أَقَامَ على حرمه خَادِمًا كَانَ لِأَبِيهِ، وَله سائس هُوَ شاكريه، وَشَيخ بواب كَانَ يَصْحَبهُ قَدِيما، ووكيل يتسوق لَهُ.
فَجَلَسَ، وأجلسني، وأحضر فَاكِهَة قَليلَة، فِي آلَة مقتصدة مليحة، وَجَاءُوا بعْدهَا بِطَعَام نظيف، كَاف، غير مُسْرِف وَلَا مقصر، فأكلنا، ثمَّ نَام، وَلم تكن تِلْكَ عَادَته، ومدت ستارة، وأحضرت مشام ورياحين، فِي صواني وزبديات، والجميع متوسط مليح، غير مُسْرِف فانتبه، فصلى وتبخر بِقِطْعَة ند وبخرني بِقِطْعَة عود مطرى، وَقدم بَين يَدَيْهِ صينية فِيهَا من مطبوخ الْعِنَب شَيْء حسن، وَقدم بَين يَدي صينية فِيهَا نَبِيذ التَّمْر، جيد.
فَقلت: يَا سَيِّدي مَا هَذِه الترتيبات الَّتِي لست أعرفهَا.
стр. 689
فَقَالَ: دع مَا مضى، فَإِن الْحَال لَا تحْتَمل الْإِسْرَاف، فَأقبل يشرب، وَأَنا أساعده، فتغنى من وَرَاء الستارة، ثَلَاث جواري فِي نِهَايَة طيب الْغناء، كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أطيب من الَّتِي أنْفق عَلَيْهَا مَاله.
فَلَمَّا طابت أَنْفُسنَا، قَالَ لي: تذكر أيامنا الأولة؟ قلت: نعم.
قَالَ: أَنا الْآن فِي نعْمَة متوسطة، وَمَا قد أفدته من الْعقل، وَالْعلم بِأَمْر الدُّنْيَا وَأَهْلهَا يسليني عَمَّا ذهب مني، وَهُوَ ذَا ترى فرشي، وآلتي، ومركوبي، وَإِن لم يكن ذَلِك بالعظيم المفرط، فَفِيهِ جمال، وبلاغ، وتنعم، وكفاية، وَهُوَ مغن عَن الْإِسْرَاف، والتخرق، والتبذير، وَقد تخلصت من تِلْكَ الشدَّة، تذكر يَوْم عاملتني فُلَانَة الْمُغنيَة، بِمَا عاملتني؟ قلت: نعم وَالْحَمْد لله الَّذِي كشف ذَلِك عَنْك، فَمن أَيْن هَذِه النِّعْمَة؟ قَالَ: مَاتَ مولى لأبي، وَابْن عَم لي، فِي يَوْم وَاحِد بِمصْر، فَحصل لي من تركتهما أَرْبَعُونَ ألف دِينَار، فوصل أَكْثَرهَا إِلَيّ، وَأَنا بَين الْقطن كَمَا رَأَيْتنِي، فحمدت الله، واعتقدت التَّوْبَة من التبذير، وَأَن أدبر مَا رزقته، فعمرت هَذِه الدَّار بِأَلف دِينَار، واشتريت الْفرش، والآلة، والجواري بِتِسْعَة آلَاف دِينَار، وسلمت إِلَى بعض التُّجَّار الثِّقَات، ألفي دِينَار، يتجر لي بهَا، وأودعت بطن الأَرْض عشرَة آلَاف دِينَار، للحوادث، وابتعت بِالْبَاقِي ضَيْعَة تغل لي فِي كل سنة نفقتي هَذِه الَّتِي شاهدتها، فَمَا أحتاج إِلَى قرض، وَلَا استزادة، وَلَا تقبل غلَّة، إِلَّا وَعِنْدِي بَقِيَّة من الْغلَّة الأولة، فَأَنا أتقلب فِي نعْمَة الله، ، كَمَا ترى، وَمن تَمام النِّعْمَة، إِنِّي لَا أعاشرك، وَلَا أحدا مِمَّن كَانَ يحسن لي السَّرف، يَا غلْمَان، أَخْرجُوهُ.
قَالَ: فأخرجت، فوَاللَّه مَا أذن لي بعْدهَا فِي الدُّخُول عَلَيْهِ.
стр. 690
أَبُو يُوسُف القَاضِي يَأْكُل اللوزينج بالفستق
وحَدثني أبي، قَالَ: بَلغنِي أَن أَبَا يُوسُف صحب أَبَا حنيفَة، ليتعلم الْعلم، على فقر وَشدَّة، وَكَانَت أمة تحتال لَهُ فِيمَا يتقوته يَوْمًا بِيَوْم، فَطلب يَوْمًا مَا يَأْكُل، فَجَاءَتْهُ بغضارة مغطاة، فكشفها، فَإِذا فِيهَا دفاتر.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَت: هَذَا الَّذِي أَنْت مشتغل بِهِ نهارك أجمع، فَكل مِنْهُ.
فَبكى، وَبَات جائعا، وَتَأَخر عَن الْمجْلس من الْغَد، حَتَّى احتال فِيمَا أكله، ثمَّ مضى إِلَى أبي حنيفَة، فَسَأَلَهُ عَن سَبَب تَأَخره، فَصدقهُ.
فَقَالَ لَهُ: أَلا عَرفتنِي فَكنت أمدك؟ وَلَا يجب أَن تغتم، فَإِنَّهُ إِن طَال عمرك، فستأكل اللوزينج بالفستق.
قَالَ: فَلَمَّا خدمت الرشيد، واختصصت بِهِ، قدم بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا، جَام
стр. 691
فِيهِ لوزينج بفستق، فدعاني إِلَيْهِ، فحين أكلت مِنْهُ، ذكرت أَبَا حنيفَة، فَبَكَيْت، وحمدت الله تَعَالَى، فَسَأَلَنِي الرشيد عَن قصتي، فَأَخْبَرته.
стр. 692
الشَّيْخ الْخياط وأذانه فِي غير وَقت الْأَذَان
حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي: أَن شَيخا من التُّجَّار، كَانَ لَهُ على بعض القواد، مَال جليل بِبَغْدَاد، فماطله بِهِ، وجحده إِيَّاه، واستخف بِهِ.
قَالَ: فعزمت على التظلم إِلَى المعتضد، لِأَنِّي كنت تظلمت إِلَى عبيد الله بن سُلَيْمَان الْوَزير، فَلم يَنْفَعنِي ذَلِك.
فَقَالَ لي بعض إخْوَانِي: عَليّ أَن آخذ لَك المَال، وَلَا تحْتَاج إِلَى أَن تتظلم إِلَى الْخَلِيفَة، قُم معي السَّاعَة، فَقُمْت مَعَه.
стр. 693
فجَاء بِي إِلَى خياط فِي سوق الثُّلَاثَاء، يخيط، ويقرىء الْقُرْآن فِي مَسْجِد، فَقص عَلَيْهِ قصتي، فَقَامَ مَعنا.
فَلَمَّا مشينا، تَأَخَّرت، وَقلت لصديقي: لقد عرضت هَذَا الشَّيْخ، وإيانا، لمكروه عَظِيم، هَذَا إِذا حصل على بَاب الرجل، صفع، وصفعنا مَعَه، هَذَا لم يلْتَفت إِلَى شَفَاعَة فلَان، وَفُلَان، وَلم يفكر فِي الْوَزير، فَكيف يفكر فِي هَذَا الْفَقِير؟ فَضَحِك، وَقَالَ: لَا عَلَيْك، امش، واسكت.
فَجِئْنَا إِلَى بَاب الْقَائِد، فحين رأى غلمانه الْخياط، أعظموه وأهووا التَّقْبِيل يَده، فَمَنعهُمْ من ذَلِك، وَقَالُوا: مَا جَاءَ بك أَيهَا الشَّيْخ، فَإِن صاحبنا رَاكب، فَإِن كَانَ لَك أَمر يتم بِنَا بادرنا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَادْخُلْ، واجلس إِلَى أَن يَجِيء، فَقَوِيت نَفسِي بذلك، ودخلنا وَجَلَسْنَا.
وَجَاء الْقَائِد، فَلَمَّا رأى الشَّيْخ أعظمه إعظاما تَاما، وَقَالَ: لست أنزع ثِيَابِي، أَو تَأْمُرنِي بِأَمْرك.
فخاطبه فِي أَمْرِي، فَقَالَ: وَالله، مَا عِنْدِي إِلَّا خَمْسَة آلَاف دِرْهَم تسأله أَن يَأْخُذهَا، وأعطيه رهنا فِي بَاقِي مَاله.
فبادرت إِلَى الْإِجَابَة، فأحضر الدَّرَاهِم، وحليا بِقِيمَة الْبَاقِي، فقبضت
стр. 694
ذَلِك مِنْهُ، وأشهدت عَلَيْهِ الرجل، وصديقي، أَن الرَّهْن عِنْدِي إِلَى أجل فَإِن حل الْأَجَل وَلم يُعْطِنِي، فقد وكلني فِي بَيْعه، وَقبض مَالِي من ثمنه، فخرجنا، وَقد أجَاب إِلَى ذَلِك.
فَلَمَّا بلغنَا مَسْجِد الْخياط، قلت لَهُ: قد رد الله تَعَالَى عَليّ هَذَا المَال بسببك، فَأحب أَن تَأْخُذ مِنْهُ مَا أَحْبَبْت، بِطيبَة من قلبِي.
فَقَالَ: مَا أسْرع مَا كافأتني على الْجَمِيل بالقبيح، انْصَرف، بَارك الله لَك فِي مَالك.
فَقلت: قد بقيت لي حَاجَة.
قَالَ: قل.
قلت: تُخبرنِي عَن سَبَب طَاعَته لَك، مَعَ تهاونه بِأَكْثَرَ أهل الدولة.
فَقَالَ: قد بلغت مرادك، فَلَا تقطعني عَن شغلي، وَمَا أعيش بِهِ.
فألححت عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنا رجل أُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْمَسْجِد، وأقرىء الْقُرْآن، مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة، ومعاشي من هَذِه الْخياطَة، لَا أعرف غَيرهَا.
وَكنت مُنْذُ دهر، قد صليت الْمغرب، وَخرجت أُرِيد منزلي، فاجتزت بتركي كَانَ فِي هَذِه الدَّار، وَامْرَأَة جميلَة مجتازة، وَقد تعلق بهَا وَهُوَ سَكرَان، ليدخلها دَاره، وَهِي ممتنعة تستغيث، وَلَيْسَ من أحد يغيثها، أَو يمنعهُ مِنْهَا، وَتقول فِي جملَة كَلَامهَا: إِن زَوجي قد حلف عَليّ بِالطَّلَاق، أَن لَا أَبيت برا، فَإِن بيتني، خرب بَيْتِي، مَعَ مَا يرتكبه مني من الْفَاحِشَة.
قَالَ: فرفقت بِهِ وَسَأَلته تَركهَا، فَضرب رَأْسِي بدبوس كَانَ فِي يَده،
стр. 695
فشجني، ولكمني، وَأدْخل الْمَرْأَة بَيته.
فصرت إِلَى منزلي، وغسلت الدَّم، وشددت الشَّجَّة، واسترحت، وَخرجت لصَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة.
فَلَمَّا صلينَا، قلت لمن معي فِي الْمَسْجِد: قومُوا بِنَا إِلَى عَدو الله، هَذَا التركي، لننكر عَلَيْهِ، وَلَا نَبْرَح، أَو نخرج الْمَرْأَة.
فَقَامُوا، وَجِئْنَا فضججنا على بَابه، فَخرج إِلَيْنَا فِي عدَّة غلْمَان، فأوقع بِنَا، وقصدني من بَين الْجَمَاعَة، فضربني ضربا عَظِيما كدت أتلف مِنْهُ، فَحَمَلَنِي الْجِيرَان إِلَى منزلي كالتالف، فعالجني أَهلِي، ونمت نوما قَلِيلا، وَقمت نصف اللَّيْل، فَمَا حَملَنِي النّوم، للألم، والفكر فِي الْقِصَّة.
فَقلت: هَذَا قد شرب طول ليلته، وَلَا يعرف الْأَوْقَات، فَلَو أَذِنت، لوقع لَهُ أَن الْفجْر قد طلع، وَأطلق الْمَرْأَة، فلحقت بَيتهَا قبل الْفجْر، فَسلمت من أحد المكروهين.
فَخرجت إِلَى الْمَسْجِد متحاملا، وصعدت المنارة، فَأَذنت، وَجَلَست
стр. 696
أطلع مِنْهَا إِلَى الطَّرِيق، أترقب خُرُوج الْمَرْأَة، فَإِن خرجت، وَإِلَّا أَقمت الصَّلَاة لِئَلَّا يشك فِي الصَّباح، فيخرجها.
فَمَا مَضَت إِلَّا سَاعَة، وَالْمَرْأَة عِنْده، حَتَّى رَأَيْت الشَّارِع قد امْتَلَأَ خيلا، ورجالا، ومشاعل، وهم يَقُولُونَ: من أذن السَّاعَة؟ فَفَزِعت، وَسكت.
ثمَّ قلت: أخاطبهم، لعَلي أستعين بهم على إِخْرَاج الْمَرْأَة، فَصحت من المنارة: أَنا أَذِنت.
فَقَالُوا لي: انْزِلْ، وأجب أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: دنا الْفرج، فَنزلت، فَإِذا بدر، وعدة غلْمَان، فَحَمَلَنِي، وأدخلني على المعتضد، فَلَمَّا رَأَيْته، هِبته، وارتعت، فسكن مني.
وَقَالَ: مَا حملك على أَن تغر الْمُسلمين بأذانك فِي غير وقته، فَيخرج ذُو الْحَاجة فِي غير وَقتهَا، ويمسك المريد للصَّوْم، فِي وَقت قد أَبَاحَ الله لَهُ الْأكل فِيهِ، وَيَنْقَطِع العسس والحرس عَن الطّواف؟ فَقلت: يؤمنني أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَأُصَدِّقهُ.
فَقَالَ: أَنْت آمن.
فقصصت عَلَيْهِ قصَّة التركي، وأريته الْآثَار.
فَقَالَ: يَا بدر، عَليّ بالغلام السَّاعَة وَالْمَرْأَة، وعزلت فِي مَوضِع.
فَمضى بدر، وأحضر الْغُلَام وَالْمَرْأَة، فَسَأَلَهَا المعتضد عَن الصُّورَة، فَأَخْبَرته بِمثل مَا أخْبرته.
فَقَالَ لبدر: بَادر بهَا السَّاعَة على زَوجهَا، مَعَ ثِقَة يدخلهَا دارها، ويشرح لزَوجهَا الْقِصَّة، ويأمره عني بالتمسك بهَا، وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا.
стр. 697
ثمَّ استدعاني، فوقفت بإزائه، فَجعل يُخَاطب الْغُلَام، وَأَنا وَاقِف أسمع.
فَقَالَ لَهُ: كم جرايتك؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: وَكم عادتك؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: وَكم صَلَاتك؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: وَكم جَارِيَة لَك؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَذكر عدَّة جواري.
قَالَ: أفما كَانَ فِيهِنَّ، وَفِي هَذِه النِّعْمَة العريضة، كِفَايَة عَن ارْتِكَاب مَعْصِيّة الله تَعَالَى، وخرق هَيْبَة السُّلْطَان، حَتَّى اسْتعْملت ذَلِك، وجاوزته إِلَى الْوُثُوب بِمن أَمرك بِالْمَعْرُوفِ؟ فأسقط الْغُلَام فِي يَده، وَلم يحر جَوَابا.
فَقَالَ: هاتوا جوالقا، ومداق الجص، وأدخلوه الجوالق، فَفَعَلُوا ذَلِك بِهِ.
وَقَالَ للفراشين: دقوه، فدقوه، وَأَنا أسمع صياحه، إِلَى أَن مَاتَ،
стр. 698
فَأمر بِهِ، فَطرح فِي دجلة، وَتقدم إِلَى بدر، أَن يحمل مَا فِي دَاره.
ثمَّ قَالَ لي: يَا شيخ، أَي شَيْء رَأَيْت من أَجنَاس الْمُنكر، كَبِيرا كَانَ أَو صَغِيرا، أَو أَي أَمر عَن لَك، فَمر بِهِ وَأنكر الْمُنكر، وَلَو على هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَى بدر فَإِن جرى عَلَيْك شَيْء، أَو لم يقبل مِنْك، فالعلامة بَيْننَا أَن تؤذن فِي مثل الْوَقْت الَّذِي أَذِنت فِيهِ، فَإِنِّي أسمع صَوْتك، وأستدعيك، وأفعل هَذَا بِمن لَا يقبل مِنْك.
فدعوت لَهُ، وانصرفت.
وانتشر الْخَبَر فِي الْأَوْلِيَاء والغلمان، فَمَا خاطبت أحدا بعْدهَا فِي إنصاف أحد، أَو كف عَن قَبِيح إِلَّا أَطَاعَنِي كَمَا رَأَيْت، خوفًا من المعتضد.
وَمَا احتجت إِلَى الْأَذَان فِي مثل ذَلِك الْوَقْت.
стр. 699
أحيحة بن الجلاح أكب على إصْلَاح ضيعته
وجدت فِي بعض الْكتب: أَن أحيحة بن الجلاح، أسْرع فِي مَاله فأتلفه مَعَ إخْوَان لَهُ، حَتَّى افْتقر، فهجروه وقطعوه، وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم فِي الشَّيْء الْيَسِير فمنعوه، فلحقته شدَّة، وضر وَجهد.
فَمَاتَ بعض أَهله، فورثه مَالا، وضيعة خرابا تعرف بالزوراء، فَأخذ المَال، وَخرج على الضَّيْعَة يعمرها بِهِ، فطمع فِيهِ الْقَوْم الَّذين أنْفق مَاله عَلَيْهِم، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا جرى، يرغبونه فِي مواصلتهم، ومعاشرتهم، وَكَانَ أديبا، فَكتب إِلَيْهِم:
إِنِّي مكب على الزَّوْرَاء أعمرها ... إِن الْكَرِيم على الإخوان ذُو المَال
كل النداء إِذا ناديت يخذلني ... إِلَّا ندائي إِذا ناديت يَا مَالِي
فأيسوا مِنْهُ، وَكفوا عَنهُ، وثابت حَاله، وَحسنت ضيعته.
стр. 700
مجْلِس غناء بِمحضر الرشيد
وروى حَمَّاد، عَن أبي صَدَقَة، وَكَانَ يحضر مجْلِس الرشيد مَعَ المغنين، فَرُبمَا غنى، وَرُبمَا لم يغن، قَالَ: فَدَعَانَا الرشيد يَوْمًا، فَدَخَلْنَا، والستارة دونه، وَهُوَ من خلفهَا جَالس، فَقَالَ خَادِم من خلفهَا: عَن يَا ابْن جَامع، فَانْدفع يُغني بِهَذَا الصَّوْت:
قف بالمنازل سَاعَة فَتَأمل ... هَل بالديار لزائر من منزل
أَولا فَفِيمَ توقفي وتلددي ... وسط الديار كأنني لم أَعقل
مَا بالديار من البلى وَلَقَد أرى ... أَن سَوف يحملني الْهوى فِي محمل
وأحق من يبكي بِكُل محلّة ... عرضت لَهُ فِي منزل للمعول
عان بِكُل حمامة سجعت لَهُ ... وغمامة برقتْ بِنَوْء الأعزل
يبكي فتفضحه الدُّمُوع فعينه ... مَا عَاشَ مخضلة كفيض الْجَدْوَل
فَقَالَ الْخَادِم: ليغن هَذَا الصَّوْت مِنْكُم من كَانَ يُحسنهُ، فغنى كل من أحْسنه مِنْهُم، فَكَأَنَّهُ لم يطرب لَهُ.
стр. 701
فَأقبل الْخَادِم عَليّ، فَقَالَ: إِن كنت تحسن أَن تغنيه، فغنه.
فَقلت: نعم , فعجبوا من إقدامي على صَوت لم يستطب من جَمَاعَتهمْ، فغنيته.
فَقَالَ الْخَادِم: أَحْسَنت، وَالله، فأعده، فأعدته، وَأعَاد الِاسْتِحْسَان، وَالْأَمر بإعادته على ذَلِك سبع مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لي الْخَادِم: قُم يَا أَبَا صَدَقَة، فَادْخُلْ، حَتَّى تغني أَمِير الْمُؤمنِينَ بِحَيْثُ يراك، فَدخلت، والمغنون كلهم محجوبون، فغنيته إِيَّاه، ثَلَاث مَرَّات، فطرب فِي جَمِيعهنَّ.
стр. 702
وَقَالَ: أَحْسَنت يَا أَبَا صَدَقَة.
فَلَمَّا سَمِعت مَا خصني بِهِ من استحسانه، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لهَذَا الصَّوْت حَدِيثا عجيبا، أَفلا أحَدثك بِهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَعَلَّه يزْدَاد حسنا.
فَقَالَ: بلَى، هَات.
فَقلت: كنت يَا سَيِّدي، عبدا لبَعض آل الزبير، وَكنت خياطا مجيدا، أخيط الْقَمِيص بِدِرْهَمَيْنِ، والسراويل بدرهم، وأؤدي ضريبتي إِلَى سَيِّدي فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ، وآخذ مَا فضل عَن ذَلِك، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم منصرفا، وَقد خطت قَمِيصًا لبَعض الطالبيين، وَقد أخذت مِنْهُ دِرْهَمَيْنِ، وانصرفت إِلَى مَوضِع يجْتَمع فِيهِ المغنون، كنت أقصده إِذا فرغت من شغلي، لشغفي بِالْغنَاءِ، فَلَمَّا صرت بحذاء بركَة الْمهْدي، إِذا أَنا بسوداء على رقبَتهَا جرة، تُرِيدُ أَن تملأها من مَاء العقيق، وَهِي تغني بِهَذَا الصَّوْت، أحسن غناء يكون، فَأَصَابَنِي من الطَّرب بغنائها مَا أذهلني عَن كل شَيْء.
فَقلت لَهَا: فدَاك أبي وَأمي، ألقِي عَليّ هَذَا الصَّوْت.
فَقَالَت: استحسنته؟ فَقلت: إِي وَالله.
فَقَالَت: وَحقّ الْقَبْر وَمن فِيهِ، لَا أعدته إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَدفعت الدرهمين إِلَيْهَا، فأحدرت جرتها عَن رقبَتهَا فارغة، فَوَضَعتهَا
стр. 703
على الأَرْض، وَجَلَست عَلَيْهَا، وَكَأَنِّي أنظر إِلَى فقحتها وَقد برزت عَن الجرة نَحْو ذِرَاع، وَأَقْبَلت تلقيه عَليّ، وتوقع على الجرة، حَتَّى أَخَذته، ثمَّ أخذت الجرة على رقبَتهَا، وانصرفت.
فحين انصرفت، أنسيت الصَّوْت ولحنه، حَتَّى كَأَنِّي لم أسمعهُ قطّ، فَبَقيت متحيرا لَا أَدْرِي مَا أصنع، وانصرفت إِلَى سَيِّدي بأسوء حَال، وأكسف بَال.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فلجلجت فِي كَلَامي، وَقلت: يَا سَيِّدي، اسْمَع حَدِيثي.
فَقَالَ: يَا ابْن اللخناء، أبي تتعرض؟ فبطحني، وضربني مائَة مقرعة، وَحلق رَأْسِي ولحيتي، وَمَنَعَنِي قوتي، وَكَانَ أَرْبَعَة أرغفة، فَلم يكن شَيْء من ذَلِك، أَشد عَليّ، من ذهَاب الصَّوْت مني، وَبت لَيْلَتي أسوء خلق الله حَالا، وَأَنا لَا أعرف الْجَارِيَة، وَلَا موضعهَا وَلَا لمن هِيَ.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، خرجت وَلها أطلبها فِي الْموضع الَّذِي لقيتها فِيهِ، وأسأل الله أَن يحوج أَهلهَا إِلَى المَاء، حَتَّى تخرج لتأتيهم بِهِ، فأراها، فَلم أزل أطلبها، لَا أعمل شَيْئا إِلَى الْعَصْر.
فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بهَا قد أَقبلت، فَلَمَّا رأتني، وَمَا بِي من الوله، قَالَت لي: مَالك، أنسيت الصَّوْت؟ فَقلت: إِي وَالله، وَضربت مائَة مقرعة، ومنعت قوتي لَيْلَتي، وحلقت رَأْسِي ولحيتي.
стр. 704
فَقلت: دع هَذَا عَنْك، فَوَرَبِّ الْكَعْبَة، لاسمعته مني، فضلا عَن أَخذه إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَقلت: الله، الله، فِي فيمرن عَليّ اللَّيْلَة مثل مَا مر عَليّ البارحة، فارحميني.
فَقَالَت: قد سَمِعت الْيَمين، وَذَهَبت لتمضي.
فَقلت: اصْبِرِي، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ يعاملني، فرهنت عِنْده الجلمين، على دِرْهَمَيْنِ، وَجئْت بهما إِلَيْهَا، فأخذتهما، وجعلتهما فِي فِيهَا.
فَلَمَّا بدأت بالصوت، ذكرته، فَقلت: الله، الله، ردي عَليّ الدرهمين، فَلَا حَاجَة بِي إِلَى غنائك.
فَقَالَت: أَنْت أَحمَق، وَلست تعرف هَذَا الْأَمر، لَئِن لم أردده عَلَيْك مائَة مرّة مَا حصل لَك مِنْهُ شَيْء، وَجَلَست على الجرة، فغنته مائَة مرّة، أعدهَا عَلَيْهَا حَتَّى فهمته، وصرت بِهِ أمهر مِنْهَا، وانصرفت.
فساعة فارقتها، لحقتني الندامة، وَقلت: سيلحقني اللَّيْلَة أَكثر مِمَّا لَحِقَنِي البارحة، لفقد الجلمين.
فَرَجَعت إِلَى مولَايَ، فحين رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فَقلت لَهُ: اسْمَع مني.
قَالَ: أَي شَيْء أسمع، يَا ابْن الْفَاجِرَة، أما كَفاك مَا مر بك أمس، ووثب إِلَى السَّوْط.
فَقلت لَهُ: اسْمَع، واصنع مَا شِئْت.
فَقَالَ: هَات، فغنيته الصَّوْت.
стр. 705
فَقَالَ: أَحْسَنت، وَالله، يعز عَليّ مَا أَصَابَك، أما الضَّرْب فقد مضى، وَلَا حِيلَة فِيهِ، وَأما قوتك فمردود، وَأما ضريبتك، فساقطة عَنْك مَا عِشْنَا وَلَو مت أَنا وعيالي جوعا، فَأَنت الْيَوْم وَاحِدًا منا أبدا مَا بَقينَا، فَهَذَا خبر الصَّوْت.
وَكَانَ المغنون الَّذين حَضَرُوا، إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَابْنه إِسْحَاق، وَابْن جَامع , وَمُسلم بن سَلام.
فَأمر لكل وَاحِد مِنْهُم بِأَلف دِينَار، وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِينَار، مثل مَا أَمر لجماعتهم، ثمَّ استدعى ألف دِينَار، فَقَالَ: خُذ هَذِه بدل الْمِائَة مقرعة الَّتِي ضربت.
فَانْصَرَفت، والمغنون يتعجبون مِمَّا جرى.
следующие страницы →