Полный текст (1 589 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فَأقبل الْخَادِم عَليّ، فَقَالَ: إِن كنت تحسن أَن تغنيه، فغنه.
فَقلت: نعم , فعجبوا من إقدامي على صَوت لم يستطب من جَمَاعَتهمْ، فغنيته.
فَقَالَ الْخَادِم: أَحْسَنت، وَالله، فأعده، فأعدته، وَأعَاد الِاسْتِحْسَان، وَالْأَمر بإعادته على ذَلِك سبع مَرَّات.
ثمَّ قَالَ لي الْخَادِم: قُم يَا أَبَا صَدَقَة، فَادْخُلْ، حَتَّى تغني أَمِير الْمُؤمنِينَ بِحَيْثُ يراك، فَدخلت، والمغنون كلهم محجوبون، فغنيته إِيَّاه، ثَلَاث مَرَّات، فطرب فِي جَمِيعهنَّ.
стр. 702
وَقَالَ: أَحْسَنت يَا أَبَا صَدَقَة.
فَلَمَّا سَمِعت مَا خصني بِهِ من استحسانه، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لهَذَا الصَّوْت حَدِيثا عجيبا، أَفلا أحَدثك بِهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَعَلَّه يزْدَاد حسنا.
فَقَالَ: بلَى، هَات.
فَقلت: كنت يَا سَيِّدي، عبدا لبَعض آل الزبير، وَكنت خياطا مجيدا، أخيط الْقَمِيص بِدِرْهَمَيْنِ، والسراويل بدرهم، وأؤدي ضريبتي إِلَى سَيِّدي فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ، وآخذ مَا فضل عَن ذَلِك، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم منصرفا، وَقد خطت قَمِيصًا لبَعض الطالبيين، وَقد أخذت مِنْهُ دِرْهَمَيْنِ، وانصرفت إِلَى مَوضِع يجْتَمع فِيهِ المغنون، كنت أقصده إِذا فرغت من شغلي، لشغفي بِالْغنَاءِ، فَلَمَّا صرت بحذاء بركَة الْمهْدي، إِذا أَنا بسوداء على رقبَتهَا جرة، تُرِيدُ أَن تملأها من مَاء العقيق، وَهِي تغني بِهَذَا الصَّوْت، أحسن غناء يكون، فَأَصَابَنِي من الطَّرب بغنائها مَا أذهلني عَن كل شَيْء.
فَقلت لَهَا: فدَاك أبي وَأمي، ألقِي عَليّ هَذَا الصَّوْت.
فَقَالَت: استحسنته؟ فَقلت: إِي وَالله.
فَقَالَت: وَحقّ الْقَبْر وَمن فِيهِ، لَا أعدته إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَدفعت الدرهمين إِلَيْهَا، فأحدرت جرتها عَن رقبَتهَا فارغة، فَوَضَعتهَا
стр. 703
على الأَرْض، وَجَلَست عَلَيْهَا، وَكَأَنِّي أنظر إِلَى فقحتها وَقد برزت عَن الجرة نَحْو ذِرَاع، وَأَقْبَلت تلقيه عَليّ، وتوقع على الجرة، حَتَّى أَخَذته، ثمَّ أخذت الجرة على رقبَتهَا، وانصرفت.
فحين انصرفت، أنسيت الصَّوْت ولحنه، حَتَّى كَأَنِّي لم أسمعهُ قطّ، فَبَقيت متحيرا لَا أَدْرِي مَا أصنع، وانصرفت إِلَى سَيِّدي بأسوء حَال، وأكسف بَال.
فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فلجلجت فِي كَلَامي، وَقلت: يَا سَيِّدي، اسْمَع حَدِيثي.
فَقَالَ: يَا ابْن اللخناء، أبي تتعرض؟ فبطحني، وضربني مائَة مقرعة، وَحلق رَأْسِي ولحيتي، وَمَنَعَنِي قوتي، وَكَانَ أَرْبَعَة أرغفة، فَلم يكن شَيْء من ذَلِك، أَشد عَليّ، من ذهَاب الصَّوْت مني، وَبت لَيْلَتي أسوء خلق الله حَالا، وَأَنا لَا أعرف الْجَارِيَة، وَلَا موضعهَا وَلَا لمن هِيَ.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، خرجت وَلها أطلبها فِي الْموضع الَّذِي لقيتها فِيهِ، وأسأل الله أَن يحوج أَهلهَا إِلَى المَاء، حَتَّى تخرج لتأتيهم بِهِ، فأراها، فَلم أزل أطلبها، لَا أعمل شَيْئا إِلَى الْعَصْر.
فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بهَا قد أَقبلت، فَلَمَّا رأتني، وَمَا بِي من الوله، قَالَت لي: مَالك، أنسيت الصَّوْت؟ فَقلت: إِي وَالله، وَضربت مائَة مقرعة، ومنعت قوتي لَيْلَتي، وحلقت رَأْسِي ولحيتي.
стр. 704
فَقلت: دع هَذَا عَنْك، فَوَرَبِّ الْكَعْبَة، لاسمعته مني، فضلا عَن أَخذه إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَقلت: الله، الله، فِي فيمرن عَليّ اللَّيْلَة مثل مَا مر عَليّ البارحة، فارحميني.
فَقَالَت: قد سَمِعت الْيَمين، وَذَهَبت لتمضي.
فَقلت: اصْبِرِي، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ يعاملني، فرهنت عِنْده الجلمين، على دِرْهَمَيْنِ، وَجئْت بهما إِلَيْهَا، فأخذتهما، وجعلتهما فِي فِيهَا.
فَلَمَّا بدأت بالصوت، ذكرته، فَقلت: الله، الله، ردي عَليّ الدرهمين، فَلَا حَاجَة بِي إِلَى غنائك.
فَقَالَت: أَنْت أَحمَق، وَلست تعرف هَذَا الْأَمر، لَئِن لم أردده عَلَيْك مائَة مرّة مَا حصل لَك مِنْهُ شَيْء، وَجَلَست على الجرة، فغنته مائَة مرّة، أعدهَا عَلَيْهَا حَتَّى فهمته، وصرت بِهِ أمهر مِنْهَا، وانصرفت.
فساعة فارقتها، لحقتني الندامة، وَقلت: سيلحقني اللَّيْلَة أَكثر مِمَّا لَحِقَنِي البارحة، لفقد الجلمين.
فَرَجَعت إِلَى مولَايَ، فحين رَآنِي، قَالَ: هَات ضريبتك.
فَقلت لَهُ: اسْمَع مني.
قَالَ: أَي شَيْء أسمع، يَا ابْن الْفَاجِرَة، أما كَفاك مَا مر بك أمس، ووثب إِلَى السَّوْط.
فَقلت لَهُ: اسْمَع، واصنع مَا شِئْت.
فَقَالَ: هَات، فغنيته الصَّوْت.
стр. 705
فَقَالَ: أَحْسَنت، وَالله، يعز عَليّ مَا أَصَابَك، أما الضَّرْب فقد مضى، وَلَا حِيلَة فِيهِ، وَأما قوتك فمردود، وَأما ضريبتك، فساقطة عَنْك مَا عِشْنَا وَلَو مت أَنا وعيالي جوعا، فَأَنت الْيَوْم وَاحِدًا منا أبدا مَا بَقينَا، فَهَذَا خبر الصَّوْت.
وَكَانَ المغنون الَّذين حَضَرُوا، إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَابْنه إِسْحَاق، وَابْن جَامع , وَمُسلم بن سَلام.
فَأمر لكل وَاحِد مِنْهُم بِأَلف دِينَار، وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِينَار، مثل مَا أَمر لجماعتهم، ثمَّ استدعى ألف دِينَار، فَقَالَ: خُذ هَذِه بدل الْمِائَة مقرعة الَّتِي ضربت.
فَانْصَرَفت، والمغنون يتعجبون مِمَّا جرى.
стр. 706
الْوَلِيد بن يزِيد يسْتَقْبل الْبَرِيد بِمَوْت هِشَام
وَحدث الْمُنْذر بن عَمْرو، وَكَانَ كَاتبا للوليد بن يزِيد بن عبد الْملك، قَالَ: أرسل إِلَيّ الْوَلِيد صَبِيحَة الْيَوْم الَّذِي أَتَتْهُ فِيهِ الْخلَافَة، فَقَالَ لي: يَا أَبَا الزبير، مَا أَتَت عَليّ لَيْلَة أطول من البارحة، وَعرضت لي أُمُور حدثت نَفسِي فِيهَا بِأُمُور، وَهَذَا الرجل قد جد بِنَا، فاركب بِنَا.
فَرَكبْنَا جَمِيعًا، وسرنا نَحْو ميلين، فَوقف على تل، فَجعل يشكو إِلَيّ هشاما، إِذْ نظر إِلَى رهج، قد أقبل، وَقَعْقَعَة الْبَرِيد.
فتعوذ بِاللَّه من شَرّ هِشَام، وَقَالَ: إِن هَذَا الْبَرِيد، قد أقبل، بِمَوْت حَيّ، أَو هلك عَاجل.
فَقلت: لَا يسؤك الله أَيهَا الْأَمِير، بل يَسُرك وينفعك، إِذْ بدا رجلَانِ على الْبَرِيد مقبلان، أَحدهمَا مولى لآل أبي سُفْيَان بن حَرْب، فَلَمَّا رَأيا الْوَلِيد نزلا، وسلما عَلَيْهِ بالخلافة، فَوَجَمَ، فَجعلَا يكرران ﵇ بالخلافة.
فَقَالَ لَهما: ويحكما مَا الْخَبَر، أمات هِشَام؟ قَالَا: نعم.
قَالَ: فمرحبا بكما، مَا مَعَكُمَا؟ قَالَا: كتاب مَوْلَاك سَالم بن عبد الرَّحْمَن، فَقَرَأَ الْكتاب، وانصرفنا.
وَسَأَلَ عَن عِيَاض بن سَالم، كَاتبه الَّذِي كَانَ هِشَام قد حَبسه، وضربه، فَقَالَا: لم يزل مَحْبُوسًا، حَتَّى نزلت بِهِشَام مُصِيبَة الْمَوْت، فَلَمَّا بلغ إِلَى حَال لَا يُرْجَى مَعهَا الْحَيَاة لَهُ، أرسل عِيَاض إِلَى الْخزَّان: احتفظوا بِمَا فِي أَيْدِيكُم،
стр. 707
وَلَا يصل أحد إِلَى شَيْء مِنْهُ، فأفاق هِشَام إفاقة، فَطلب شَيْئا، فَمَنعه الْخزَّان، فَقَالَ: أرانا كُنَّا خزانا للوليد، وَقضى من سَاعَته.
فَخرج عِيَاض لوقته من السجْن عِنْدَمَا قضى هِشَام، فغلق الْأَبْوَاب، وختمها، وَأمر بِهِشَام، فَأنْزل عَن فرَاشه، ومنعهم أَن يكفنوه من الخزائن، فَكَفنهُ غَالب مَوْلَاهُ، وَلم يَجدوا قمقما يسخن فِيهِ المَاء، حَتَّى استعاروه.
وَذكر بَاقِي الحَدِيث مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب.
стр. 708
٢٥٤ ابْن جَامع الْمُغنِي يَأْخُذ صَوتا بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَيُفِيد مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار
حدث مُحَمَّد بن صلصال، عَن إِسْمَاعِيل بن جَامع، أَنه قَالَ: ضامني الدَّهْر ضيما شَدِيدا بِمَكَّة، فَأَقْبَلت مِنْهَا بعيالي إِلَى الْمَدِينَة، فَأَصْبَحت يَوْمًا، وَمَا معي إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم، لَا أملك غَيرهَا، وَإِذا بِجَارِيَة على رقبَتهَا جرة، تُرِيدُ الركي، وَهِي تتغنى بِهَذَا الصَّوْت:
شَكَوْنَا إِلَى أحبابنا طول ليلنا ... فَقَالُوا لنا مَا أقصر اللَّيْل عندنَا ... وَذَاكَ لِأَن النّوم يغشى عيونهم ... سَرِيعا وَلَا يغشى لنا النّوم أعينا
إِذا مَا دنا اللَّيْل المضر بِذِي الْهوى ... قلقنا وهم يستبشرون إِذا دنا
فَلَو أَنهم كَانُوا يلاقون مِثْلَمَا ... نلاقي لكانوا فِي الْمضَاجِع مثلنَا
قَالَ: فَأخذ الْغناء بقلبي، وَلم يدُرْ لي مِنْهُ حرف.
فَقلت: يَا جَارِيَة مَا أَدْرِي أوجهك أحسن، أم غناؤك؟ فَلَو شئتِ؛ لأعدتِ، فَقَالَت: حبا وكرامة، ثمَّ أسندت ظهرهَا إِلَى جِدَار قريب مِنْهَا، وَرفعت إِحْدَى رِجْلَيْهَا، فَوَضَعتهَا على الْأُخْرَى، وَوضعت الجرة على سَاقهَا، ثمَّ انبعثت، فغنته، فوَاللَّه مَا دَار لي مِنْهُ حرف.
فَقلت: قد أَحْسَنت، فَلَو تفضلت، وأعدته مرّة أُخْرَى،
стр. 709
ففطنت، وكلحت، وَقَالَت: مَا أعجب أَمركُم، لَا يزَال أحدكُم يَجِيء إِلَى الْجَارِيَة عَلَيْهَا الضريبة، فيحبسها.
فضربتُ يَدي إِلَى الثَّلَاثَة دَرَاهِم، فدفعتها إِلَيْهَا، وَقلت: أقيمي بِهَذِهِ وَجهك الْيَوْم، إِلَى أَن نَلْتَقِي.
فأخذتها كالكارهة، وَقَالَت: أَنْت الْآن تُرِيدُ أَن تَأْخُذ مني صَوتا، أحسبك ستأخذ بِهِ ألف دِينَار، وَألف دِينَار، وَألف دِينَار، وانبعثت تغني.
فأعملت فكري فِي غنائها، حَتَّى دَار لي الصَّوْت، وفهمته، فَانْصَرَفت مَسْرُورا إِلَى منزلي، وَأَنا أردده، حَتَّى خف على لساني.
ثمَّ إِنِّي خرجت إِلَى بَغْدَاد، فدخلتها، فطرحني المكاري بِبَاب محول، لَا أَدْرِي أَيْن أتوجه، فَلم أزل أَمْشِي مَعَ النَّاس، حَتَّى أتيت الجسر، فعبرته، ثمَّ انْتَهَيْت إِلَى شَارِع الميدان، فَرَأَيْت مَسْجِدا بِالْقربِ من دَار الْفضل بن الرّبيع مرتفعا، فَقلت: هَذَا مَسْجِد قوم سراة، فدخلته، وَحَضَرت صَلَاة الْمغرب، فَصليت، وأقمت بمكاني إِلَى أَن صليت الْعشَاء، وَبِي من الْجُوع والتعب أَمر عَظِيم.
فَانْصَرف أهل الْمَسْجِد، وَبَقِي رجل يُصَلِّي، وَخَلفه جمَاعَة خدم وفحول، ينتظرون فَرَاغه، فصلى مَلِيًّا، ثمَّ انْصَرف إِلَيّ بِوَجْهِهِ، وَقَالَ: أحسبك غَرِيبا.
قلت: أجل.
قَالَ: فَمَتَى كنت فِي هَذِه الْمَدِينَة؟ قلت: دَخَلتهَا آنِفا، وَلَيْسَ لي بهَا منزل وَلَا معرفَة، وَلَيْسَت صناعتي من الصَّنَائِع الَّتِي يمت بهَا إِلَى أهل الْخَيْر.
فَقَالَ: وَمَا صناعتك؟ قلت: أُغني.
فَقَامَ، وَركب مبادرا، ووكل بِي بعض من كَانَ مَعَه، فَسَأَلت الْمُوكل بِي عَنهُ، فَقَالَ لي: هَذَا سَلام الأبرش، ثمَّ عَاد، فَأخذ بيَدي، فَانْتهى بِي إِلَى قصر من قُصُور الْخَلِيفَة، فَأَدْخلنِي مَقْصُورَة فِي آخر الدهليز، ودعا بِطَعَام من طَعَام الْمُلُوك على مائدة، فَأكلت، فَإِنِّي لكذلك، إِذْ سَمِعت ركضا فِي الدهليز، وقائلا يَقُول: أَيْن الرجل؟ فَقيل: هُوَ ذَا.
стр. 710
فدعي لي بغسول، وَطيب، وخلعة، فَلبِست وتطيبت، وحملت إِلَى دَار الْخَلِيفَة على دَابَّة، فعرفتها بالحرس وَالتَّكْبِير والنيران، فجاوزت مقاصير عدَّة، حَتَّى صرت إِلَى دَار قوراء، وَسطهَا أسرة، قد أضيف بَعْضهَا إِلَى بعض، فَأمرت بالصعود، فَصَعدت، فَإِذا رجل جَالس، وَعَن يَمِينه ثَلَاث جوَار، وَإِذا حياله مجَالِس خَالِيَة، قد كَانَ فِيهَا قوم قَامُوا عَنْهَا.
فَلم ألبث أَن خرج خَادِم من وَرَاء السّتْر، فَقَالَ للرجل: تغن، فغنى صَوتا لي وَهُوَ:
لم تمش ميلًا وَلم تركب على جمل ... وَلم تَرَ الشَّمْس إِلَّا دونهَا الكلل
تمشي الهوينا كَأَن الشَّمْس بهجتها ... مشي اليعافير فِي جيآتها الوهل
فغنى بِغَيْر إِصَابَة، وأوتار مُخْتَلفَة الدساتين، وَعَاد الخدم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تليه، فَقَالَ لَهَا: غَنِي، فغنت أَيْضا، صَوتا لي، كَانَت فِيهِ أحسن حَالا، وَهُوَ:
стр. 711
يَا دَار أمست خلاء لَا أنيس بهَا ... إِلَّا الظباء وَإِلَّا الناشط الفرِد
أَيْن الَّذين إِذا مَا زرتهم جذلوا ... وطارعن قلبيَ التشواق والكمد؟
قَالَ: ثمَّ عَاد إِلَى الثَّانِيَة، فغنت صَوتا لحكم الْوَادي، وَهُوَ:
فوَاللَّه مَا أَدْرِي أيغلبني الْهوى ... إِذا جد جد الْبَين أم أَنا غالبه
فَإِن أستطع أغلب وَإِن يغلب الْهوى ... فَمثل الَّذِي لاقيت يغلب صَاحبه
ثمَّ عَاد إِلَى الثَّالِثَة، فَقَالَ لَهَا: غَنِي، فغنت بِصَوْت لحنين، وَهُوَ:
مَرَرْنَا على قيسية عامرية ... لَهَا بشر صافي الْأَدِيم هجان
فَقَالَت وَأَلْقَتْ جَانب السّتْر دونهَا ... لأية أَرض أَو لأي مَكَان
فَقلت لَهَا إِمَّا تَمِيم فأسرتي ... هديتِ وَإِمَّا صَاحِبي فيماني
رفيقان ضم السفْر بيني وَبَينه ... وَقد يلتقي الشتى فيأتلفان
стр. 712
ثمَّ عَاد إِلَى الرجل، فغنى صَوتا لي، فشبّه فِيهِ، من شعر عمر بن أبي ربيعَة:
أَمْسَى بأسماء هَذَا الْقلب معمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا
كَأَن أحور غزلان بِذِي رشإ ... أعارها سِنَة الْعَينَيْنِ والجيدا
ومشرقا كشعاع الشَّمْس بهجته ... ومسبطرّا على لبّاته سُودًا
ثمَّ عَاد إِلَى الْجَارِيَة الأولى، فغنت صَوتا لحكم الْوَادي، وَهُوَ:
تعيرنا أَنا قَلِيل عديدنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل
وَمَا ضرنا أنّا قَلِيل وجارنا ... عَزِيز وجار الْأَكْثَرين ذليل
وَإِنَّا أنَاس لَا نرى الْقَتْل سبة ... إِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول
يقرب حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
ثمَّ عَاد إِلَى الثَّانِيَة، فغنت صَوتا، فَتَقول فِيهِ:
وددتك لما كَانَ ودك خَالِصا ... وأعرضت لما صَار نهبا مقسمًا
وَلَا يلبث الْحَوْض الْجَدِيد بِنَاؤُه ... إِذا كثر الوراد أَن يتهدما
ثمَّ عَاد إِلَى الْجَارِيَة الثَّالِثَة، فغنت بِشعر الخنساء، وَهُوَ:
стр. 713
وَمَا كرّ إِلَّا كَانَ أول طَاعن ... وَمَا أبصرته الْعين إِلَّا اقشعرت
فيدرك ثارا وهْو لم يخطه الْغنى ... فَمثل أخي يَوْمًا بِهِ الْعين قرت
فلست أرزّى بعده برزية ... فأذكره إِلَّا سلت وتجلت
وغنى الرجل فِي الدّور الثَّالِث، بِهَذِهِ الأبيات:
لحى الله صعلوكا مناه وهمه ... من الدَّهْر أَن يلقى لبوسا ومطعما
ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا ليله بدا ... تنبه مسلوب الْفُؤَاد متيما
وَلَكِن صعلوكا يساور همه ... ويمضي إِلَى الهيجاء ليثا مصمما
فَذَلِك إِن يلق الْمنية يلقها ... حميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا
قَالَ: وتغنت الْجَارِيَة:
إِذا كنت رَبًّا للقلوص فَلَا يكن ... رفيقك يمشي خلفهَا غير رَاكب
أنخها فأردفه فَإِن حملتكما ... فَذَاك وَإِن كَانَ الْعقَاب فعاقب
قَالَ: وغنت الْجَارِيَة، بِشعر عَمْرو بن معدي كرب، وَهُوَ:
ألم ترني إِذْ ضمني الْبَلَد القفر ... سَمِعت نِدَاء يصدع الْقلب يَا عَمْرو
стр. 714
أغثنا فَإنَّا عصبَة مذحجية ... نراد على وفر وَلَيْسَ لنا وفر
وَأَظنهُ أغفل الثَّانِيَة، فغنت الثَّالِثَة، بِهَذِهِ الأبيات:
فَلَمَّا وقفنا للْحَدِيث وأسفرت ... وُجُوه زهاها الْحسن أَن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امْرُؤ بَاغ أضلّ وأوضعا
فَلَمَّا تواضعن الْأَحَادِيث قُلْنَ لي ... أخفت علينا أَن نغر ونخدعا
قَالَ: فتوقعت مَجِيء الْخَادِم، فَقلت للرجل: بِأبي أَنْت، خُذ الْعود، وَشد وتر كَذَا، وارفع الطَّبَقَة، وَحط دساتن كَذَا، فَفعل مَا أَمرته.
وَخرج الْخَادِم، فَقَالَ لي: تغن عافاك الله.
فغنيت بِصَوْت الرجل الأول، على غير مَا غنى، فَإِذا جمَاعَة من الخدم يُحْضِرُونَ حَتَّى استندوا إِلَى الأسرة، فَقَالُوا: وَيحك، لمن هَذَا الْغناء؟ فَقلت: لي.
فناصرفوا، وَعَاد إِلَيّ خَادِم، فَقَالَ: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع، فسكتّ.
وَدَار الدّور الثَّانِي، فَلَمَّا انْتهى إِلَيّ؛ قلت لِلْجَارِيَةِ الَّتِي تلِي الرجل: خذي الْعود، فَعلمت مَا أُرِيد، فأصلحته على غنائها، فغنيت بِهِ، فَخرج الخدم، وَقَالُوا: وَيحك، لمن هَذَا الْغناء؟ فَقلت: لي.
فَرَجَعُوا، ثمَّ عَاد ذَلِك الْخَادِم من بَينهم، فَقَالَ: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع.
стр. 715
وَدَار الدّور، فَلَمَّا انْتهى إِلَيّ الْغناء، قلت لِلْجَارِيَةِ الْأُخْرَى، سوي الْعود على كَذَا، فَعلمت مَا أُرِيد، وَخرج الْخَادِم، فَقَالَ لي: تغن، فغنيت هَذَا الصَّوْت، وَهُوَ لَا يعرف إِلَّا بِي، وَهُوَ:
عوجي عَليّ فسلمي جبر ... فيمَ الْوُقُوف وَأَنْتُم سفر؟
مَا نَلْتَقِي إِلَّا ثَلَاث منى ... حَتَّى يفرق بَيْننَا النَّفر
فتزلزلت عَلَيْهِم الدَّار، وَخرج الْخَادِم، فَقَالَ: وَيحك، لمن هَذَا الْغناء؟ فَقلت: لي.
فَمضى، ثمَّ عَاد، فَقَالَ: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع.
قلت: فَأَنا ابْن جَامع.
فَمَا شَعرت إِلَّا وأمير الْمُؤمنِينَ، وجعفر بن يحيى، قد أَقبلَا من وَرَاء السّتْر الَّذِي كَانَ يخرج مِنْهُ الْخَادِم.
فَقَالَ لي الْفضل بن
стр. 716
الرّبيع: هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد أقبل إِلَيْك، فَلَمَّا صعد السرير، وثبْتُ قَائِما.
فَقَالَ: ابْن جَامع؟ فَقلت: ابْن جَامع، جعلت فدَاك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: مَتى كنت فِي هَذِه الْمَدِينَة؟ فَقلت: دَخَلتهَا فِي الْوَقْت الَّذِي علم بِي فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ.
стр. 717
فَقَالَ: اجْلِسْ، وَمضى هُوَ وجعفر، فَجَلَسَا فِي تِلْكَ الْمجَالِس.
فَقَالَ: أبشر، وابسط أملك، فدعوت لَهُ.
فَقَالَ: غن يَابْنَ جَامع، فخطر ببالي صَوت الْجَارِيَة السَّوْدَاء، فَأمرت الرجل بإصلاح الْعود على مَا أردْت من الطَّبَقَة، فَعرف مَا أُرِيد، فوزنه وزنا.
فَلَمَّا أخذت الأوتار والدساتين موَاضعهَا، وتعاهدها؛ ابتدأت أُغني بِصَوْت الْجَارِيَة، فَنظر الرشيد إِلَى جَعْفَر، فَقَالَ: هَل سَمِعت كَذَا قطّ؟ قَالَ: لَا وَالله، وَلَا خرق مسامعي مثله قطّ.
فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى خَادِم كَانَ بِالْقربِ مِنْهُ، فَأتى بكيس فِيهِ ألف دِينَار، فَرمى بِهِ إِلَيّ، فصيرته تَحت فَخذي، ودعوت لَهُ.
فَقَالَ: يَابْنَ جَامع، رد عَليّ هَذَا الصَّوْت، فرددته عَلَيْهِ، وتزيدت فِي غنائي.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: أما ترى كَيفَ تزيد فِي الْغناء، وَهَذَا خلاف الأول، وَإِن كَانَ اللّحن وَاحِدًا.
فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى الخدام، فَأتى بكيس فِيهِ ألف دِينَار، فَرمى بِهِ إِلَيّ، فَجَعَلته تَحت فَخذي الآخر.
ثمَّ قَالَ: تغن، يَا إِسْمَاعِيل، بِمَا حضرك.
فَجعلت أقصد الصَّوْت بعد الصَّوْت، بِمَا كَانَ يبلغنِي أَنه يَشْتَرِي عَلَيْهِ الْجَوَارِي، فأغنيه، فَلم أزل كَذَلِك، إِلَى أَن عسعس اللَّيْل.
فَقَالَ: أتعبناك، يَا إِسْمَاعِيل، هَذِه اللَّيْلَة، فأعد عَليّ الصَّوْت؛ يَعْنِي: صَوت الْجَارِيَة، فغنيته بِهِ، فَرفع رَأسه إِلَى الْخَادِم، فَوَافى بكيس ثَالِث فِيهِ ألف دِينَار.
فَذكرت قَول الْجَارِيَة، فتبسمت، فلحظني، وَقَالَ: يَابْنَ الفاعلة، فيمَ تبسمت؟ فجثيت على ركبتي، وَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الصدْق منجاة.
قَالَ: قل.
стр. 718
فقصصت عَلَيْهِ خبر الْجَارِيَة، فَلَمَّا اسْتَوْفَيْته؛ قَالَ: صدقت، قد يكون مثل هَذَا، وَقَامَ.
وَنزلت من وَرَاء السّتْر، لَا أَدْرِي أَيْن أمضي، فابتدرني فراشان، فصارا بِي إِلَى دَار قد أَمر لي أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا، فِيهَا من الْفرش، والآلة، والخدم، جَمِيع مَا أُرِيد، فخلت فَقِيرا، وأصبحت من المياسير.
ذكر الْأَصْبَهَانِيّ: أَن صَوت إِسْمَاعِيل الَّذِي غناهُ، لَا يعرف إِلَّا بِهِ، وَهُوَ:
فَلَو كَانَ لي قلبان عشتُ بِوَاحِد ... وخلّفتُ قلبا فِي هَوَاك يعذّب
ولكنني أَحْيَا بقلب معذب ... فَلَا الْعَيْش يصفو لي وَلَا الْمَوْت يقرب
تعلمت أَسبَاب الرِّضَا خوف سخطها ... وَعلمهَا حبي لَهَا كَيفَ تغْضب
ولي ألف وَجه قد عرفت مَكَانَهُ ... وَلَكِن بِلَا قلب إِلَى أَيْن أذهب؟
стр. 719
٢٥٥ ابْن هرمة يتحدث عَن أفضال عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان
قَالَ: قَالَ رجل لِابْنِ هرمة: بِمَا اسْتحق مِنْك عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان أَن تَقول فِيهِ:
أعبد الْوَاحِد المأمول إِنِّي ... أغص حذار سخطك بالقراح
وجدنَا غَالِبا كَانَت جنَاحا ... وَكَانَ أَبوك قادمة الْجنَاح؟
فَقَالَ: إِن ذهبت أعدد صنائعه الَّتِي اسْتحق لَهَا مني هَذَا القَوْل، طَالَتْ، وَلَكِن أخْبرك بأصغر صَنِيعَة لَهُ عِنْدِي.
كنت مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ أَيَّام كَانَ يتولاها، فأغناني عَن سواهُ، ثمَّ عزل، فَظَنَنْت أَن الْوَالِي سيحسن إِلَيّ، فَلم يبرني بِشَيْء، فأنفقت مَا كَانَ معي، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء.
فَقلت لأختي: وَيحك، أما تَرين مَا أَنا فِيهِ من الشدَّة، وَتعذر الْقُوت؟ قَالَت: بِسوء اختيارك.
قلت: فبمن تشيرين؟
стр. 720
فَقَالَت: مَا أعرف لَك غير عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان.
فَقلت: وَمن لي بِهِ، وَهُوَ بِدِمَشْق، وَأَنا بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَت: أَنا أعينك على قصدك إِلَيْهِ.
فَقلت: افعلي.
فباعت حليا كَانَ لَهَا، واشترت لي رَاحِلَة، وزودتني، فوافيت دمشق بعد اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة، فأنخت عشَاء على بَاب عبد الْوَاحِد، وعقلت رَاحِلَتي، وَدخلت الْمَسْجِد، فحططت فِيهِ رحلي.
فَلَمَّا صلى عبد الْوَاحِد، وَجلسَ يسبح؛ حوّل وَجهه إِلَى جُلَسَائِهِ، فَنظر إِلَى رحلي، فَقَالَ: لمن هَذَا؟ فَوَثَبت، وَقبلت يَده، وَقلت: أَنا يَا سَيِّدي، عَبدك ابْن هرمة.
فَقَالَ: مَا خبرك يَا أَبَا إِسْحَاق؟ فَقلت: شَرّ خبر، بعْدك، أَيهَا الْأَمِير، تلاعبت بِي المحن، وجفاني الصّديق، ونبا بِي الوطن، فَلم أجد معولا إِلَّا عَلَيْك.
فوَاللَّه، مَا أجابني إِلَّا بدموعه، ثمَّ قَالَ: وَيحك، أبلغ بك الْجهد إِلَى مَا ذكرت؟ فَقلت: إِي وَالله، وَمَا أخفيه عَنْك أَكثر.
فَقَالَ: اسكن، وَلَا ترع.
ثمَّ إِنَّه نظر إِلَى فتية بَين يَدَيْهِ، كَأَنَّهُمْ الصقور، فَوَثَبُوا، فاستدعى أحدهم، وهمس إِلَيْهِ بِشَيْء، فَمضى مسرعا، ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الثَّانِي، فهمس إِلَيْهِ بِشَيْء، وَكَذَلِكَ الثَّالِث، فَمضى.
ثمَّ أقبل الأول، وَمَعَهُ خَادِم على رَأسه كيس، فَصَبَّهُ فِي حجري، فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: كم هَذَا؟ فَقَالَ: ألف دِينَار وَسبع مائَة دِينَار، وَوَاللَّه مَا فِي خزانتك غَيرهَا.
стр. 721
ثمَّ أقبل الثَّانِي، وَبَين يَدَيْهِ عبد على كتفه كارة، فصبها بَين يَدَيْهِ، فَإِذا فِيهَا حلي مخلع من بَنَاته ونسائه.
فَقَالَ: وَالله، مَا تركت لَهُنَّ شَيْئا، إِلَّا أَخَذته.
وَأَقْبل الثَّالِث، وَمَعَهُ غلامان، مَعَهُمَا كارتان عظيمتان من فاخر ثِيَابه، فَوضع ذَلِك بَين يَدي.
ثمَّ قَالَ: يَابْنَ هرمة، أَنا أعْتَذر إِلَيْك من قلَّة مَا حبوتك بِهِ، مَعَ بعد الْعَهْد، وَطول الشقة، وسعة الأمل، وَلَكِنَّك جئتنا فِي آخر السّنة، وَقد تقسمت أَمْوَالنَا الْحُقُوق، ونهبتنا أَيدي المؤملين، فَلم يبْق عندنَا غير هَذِه الصبابة، آثرناك بهَا على أَنْفُسنَا، وسللناها لَك من أفواهنا، وَلَو قدمت قبل هَذَا الْإِعْسَار؛ لأعطيناك مَا يَكْفِيك، وَلَو علمنَا بك؛ لأتاك عفوا، وَلم تتجشم الْمَشَقَّة، وَلم نحوجك إِلَى مَا سوانا، وَذَلِكَ منا لَك أبدا، مَا بقيت، فأقسم عَلَيْك، لما أَصبَحت إِلَّا على ظهر راحلتك، وتداركت أهلك، فخلصتهم من هَذِه المحنة، فَقُمْت إِلَى نَاقَتي، فَإِذا هِيَ قد ضعفت.
فَقَالَ: مَا أرى فِي نَاقَتك خيرا، يَا غُلَام، أعْطه نَاقَتي الْفُلَانِيَّة، فجِئ بهَا برحلها، فَكَانَت، وَالله، أحب إِلَيّ من جَمِيع مَا أَعْطَانِي، ثِقَة ببلوغها، ثمَّ دَعَا بناقتين أُخْرَيَيْنِ، وأوقرهما من المَال وَالثيَاب، وَزَادا يَكْفِينِي لطريقي، ووهب لي عَبْدَيْنِ.
وَقَالَ: هَذَانِ يخدمانك فِي السَّقْي والرعي، فَإِن شِئْت بعتهما، وَإِن شِئْت أبقيتهما، أفتلومني أَنِّي أغص حذار سخطه بريقي؟ قَالَ: لَا وَالله.
стр. 722
٢٥٦ الْقَائِد هرثمة بن أعين يتحدث عَمَّا أمره بِهِ الْهَادِي فِي لَيْلَة مَوته
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، عَن مُحَمَّد بن الْفضل: أَن هرثمة بن أعين، قَالَ: كنت اختصصت بمُوسَى الْهَادِي، وَكنت، مَعَ ذَلِك، شَدِيد الحذر مِنْهُ؛ لإقدامه على سفك الدِّمَاء.
فاستدعاني نصف نَهَار، فِي يَوْم شَدِيد الْحر، قبل أكلي، فتداخلني مِنْهُ رعب، وبادرت فَدخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي حجرَة من دور حرمه، فصرف جَمِيع من كَانَ بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ لي: اخْرُج وأغلق الْبَاب، وعد إِلَيّ، فازداد جزعي، فَفعلت، وعدت إِلَيْهِ.
فَقَالَ لي: قد تأذيت بِهَذَا الْكَلْب الملحد، يحيى بن خَالِد، لَيْسَ لَهُ فكر غير تضريب الْجَيْش، واجتذابهم إِلَى صَاحبه هَارُون، يُرِيد أَن يقتلني، ويسوق إِلَيْهِ الْخلَافَة، وَأُرِيد أَن تمْضِي اللَّيْلَة إِلَى هَارُون، وتقبض عَلَيْهِ، وتذبحه، وتجيني بِرَأْسِهِ، إِمَّا فِي دَاره، وَإِمَّا أَن تخرجه برسالتي تستدعيه إِلَى حضرتي، ثمَّ تعدل بِهِ إِلَى دَارك، فتقتله، وتجيني بِرَأْسِهِ.
فورد عَليّ لأعظم وَارِد، فَقلت: تَأذن، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي الْكَلَام؟ فَقَالَ: قل.
стр. 723
فَقلت: أَخُوك، وَابْن أَبِيك، وَله بعْدك الْعَهْد، فَكيف تكون صورتنا، أَولا عِنْد الله، ثمَّ عِنْد الْجَيْش؟ فَقَالَ: إِنَّك إِن فعلت هَذَا، وَإِلَّا ضربت عُنُقك السَّاعَة.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَقَالَ: وَأُرِيد إِذا فرغت مِنْهُ هَذِه اللَّيْلَة، أَن تخرج من فِي الْحَبْس من الطالبيين، فَتضْرب رِقَاب أَكْثَرهم، وتغرق البَاقِينَ.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
قَالَ: ثمَّ ترحل إِلَى الْكُوفَة، فتجمع من تقدر عَلَيْهِ من الْجَيْش، فَتخرج من بهَا من العباسيين، وشيعتهم، وعمالنا، والمتصرفين، ثمَّ تضرمها بالنَّار، حَتَّى لَا يبْقى فِيهَا جِدَار.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أَمر عَظِيم.
فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أعداؤنا، وشيعة آل أبي طَالب، وكل آفَة ترد علينا، فَهِيَ من جهتهم، وَلَا بُد من هَذَا.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَقَالَ: لَا تَبْرَح من مَكَانك إِلَى نصف اللَّيْل؛ لتمضي إِلَى هَارُون.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
ونهض عَن مَوْضِعه، وَدخل إِلَى دور النِّسَاء، وَجَلَست مَكَاني، لَا أَشك أَنه قد قبض عَليّ ليقتلني، وَيُدبر هَذِه الْأُمُور على يَد غَيْرِي، لما أظهرت لَهُ من الْجزع عِنْد كل بَاب مِنْهَا، والتخطئة لرأيه، والامتناع عَلَيْهِ، ثمَّ الْإِجَابَة، وَقد علم الله، تَعَالَى، أَنِّي مَا أَجَبْته إِلَّا على أَن أخرج من حَضرته، فأركب فرسي من بَابه، وَألْحق بِطرف من الأَرْض، وأفارق جَمِيع نعمتي، فَأَكُون بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيّ، حَتَّى أَمُوت، أَو يَمُوت.
فَلَمَّا اعتقلني، وَدخل دَار الْحرم؛ لم أَشك فِي أَنه قد فطن لغرضي، وَأَنه سيقتلني؛ لِئَلَّا يفشو السِّرّ، فوردت عَليّ شدَّة شَدِيدَة، وغلبت عَليّ،
стр. 724
فطرحت نَفسِي فِي الْحر مغموما، جائعا، على عتبَة الْمجْلس، ونمت.
فَمَا انْتَبَهت إِلَّا بخادم قد أيقظني، وَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَنَظَرت الْوَقْت، فَإِذا هُوَ نصف اللَّيْل.
فَقلت: إِنَّا لله، عزم وَالله على قَتْلِي، فمشيت مَعَه، وَأَنا أَتَشهد، إِلَى ممرات سَمِعت مِنْهَا كَلَام النِّسَاء.
فَقلت: عزم على قَتْلِي بِحجَّة، يَقُول: من أذن لَك فِي الدُّخُول إِلَى حرمي، ويعتل عَليّ بذلك، فوقفت.
فَقَالَ لي الْخَادِم: ادخل.
فَقلت: لَا أَدخل.
فَقَالَ لي: ادخل، وَيحك.
فَقلت: هوذا أسمع صَوت الْحرم، وَلَا يجوز لي أَن أَدخل.
فجذبني، فَصحت: وَالله، لَا دخلت، وَلَو ضربت عنقِي، أَو أسمع كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ، بِالْإِذْنِ لي.
وَإِذا امْرَأَة تصيح: وَيلك يَا هرثمة، أَنا الخيزران، وَقد حدث أَمر عَظِيم، استدعيتك لَهُ، فَادْخُلْ.
فتحيرت، وَدخلت، وَإِذا ستارة ممدودة، فَقيل لي من وَرَائِهَا: إِن مُوسَى قد مَاتَ، وأراحك الله مِنْهُ، وَجَمِيع الْمُسلمين، فَانْظُر إِلَيْهِ، فَأَتَيْته، فَإِذا هُوَ
стр. 725
مسجى على فرَاشه، فمسست قلبه، ومجسه، ومناخره، فَإِذا هُوَ ميت بِلَا شكّ.
فَقلت: مَا كَانَ خَبره؟ فَقَالَت لي الخيزران: كنت بِحَيْثُ أسمع خطابه لَك فِي أَمر ابْني هَارُون، وَأمر الطالبيين، وَأهل الْكُوفَة، فَلَمَّا دخل عَليّ؛ استعطفته، وَسَأَلته أَن لَا يفعل شَيْئا من ذَلِك، فصاح عَليّ، فَلم أزل أرْفق بِهِ، إِلَى أَن كشف لَهُ ثديي، وشعري، وبكيت، وتمرغت بَين يَدَيْهِ، وَنَاشَدْته الله أَن لَا يفعل، فَانْتَهرنِي، وَقَالَ: وَالله، لَئِن لم تمسكي؛ لَأَضرِبَن عُنُقك السَّاعَة، فخفته، وَقمت، فصففت قدمي فِي الْمِحْرَاب، أُصَلِّي، وأبكي، وأدعو عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ سَاعَة، طرح نَفسه على فرشه لينام، فشرق، فتداركناه بكوز مَاء، فازداد شرقه، إِلَى أَن تلف، فَامْضِ إِلَى يحيى بن خَالِد، وعرّفه مَا جرى، وامضيا إِلَى هَارُون، وجيئا بِهِ قبل انتشار الْخَبَر، وجددا لَهُ الْبيعَة على النَّاس.
فَخرجت وَجئْت بالرشيد، فَمَا أَصْبَحْنَا إِلَّا وَقد فَرغْنَا من بيعَته، واستقام أمره، وتوطأت الْخلَافَة لَهُ، وكفاني الله، تَعَالَى، وَالنَّاس، مَا كَانَ أظلنا من مَكْرُوه مُوسَى، وَكَانَ ذَلِك سَبَب اختصاصي الْعَظِيم بالرشيد، وتضاعف نعمتي ومحلي عِنْده.
стр. 726
٢٥٧ دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام قَالَ: كَانَ فِي يَد صاعد بن مخلد ضمانات كَثِيرَة، وَكَانَت مُعَامَلَته مَعَ أبي نوح عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ صاعد من وُجُوه النَّاس.
فَحَضَرَ صاعد بَين يَدي أبي نوح، يحاسبه فِي أَمْوَال وَجَبت عَلَيْهِ، فجرت بَينهمَا مناظرات، فشتم فِيهَا أَبُو نوح صاعدا، فَرد عَلَيْهِ صاعد، مثل مَا قَالَه لَهُ.
فاستعظم الْحَاضِرُونَ ذَلِك، واستخفوا بصاعد، وَقَالُوا لَهُ: يَا مَجْنُون، مَا هَذَا الْفِعْل؟ قتلت نَفسك، ثمَّ أقاموه، وخلصوه من أبي نوح، وَقَالُوا: هَذَا مَجْنُون، لم يدر مَا خرج من رَأسه.
فَانْصَرف إِلَى منزله، متحيرا، لَا يدْرِي مَا يصنع فِيمَا نزل بِهِ، فَحدث أَخَاهُ عبدونا بِمَا جرى.
стр. 727
فَقَالَ لَهُ: إِن لم تُطِعْنِي، قبض عَلَيْك فِي غَد، وطالبك من المصادرة بِمَا لَا يَفِي بِهِ حالك، وَلَا حَال جَمِيع أهلك، وقتلك، بِلَا شكّ، تشفيا.
قَالَ لَهُ صاعد: فَمَا الرَّأْي؟ قَالَ: كم عنْدك من المَال، واصدقني؟ قَالَ: خَمْسُونَ ألف دِينَار.
قَالَ: أتطيب نَفسك أَن تتعرى عَنْهَا، وتحرس دمك، وَمَا يبْقى من حالك وضياعك، أم لَا تسمح بذلك؟ فتؤخذ مِنْك تَحت المقارع، وَتذهب النَّفس وَالنعْمَة كلهَا؟ فَقَالَ لَهُ: قد تعريت عَنْهَا؛ كي تبقى نَفسِي.
قَالَ: فادفع إِلَيّ مِنْهَا ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، فَفعل.
فحملها عبدون، وأتى حَاجِب مُوسَى بن بغا، فَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه الْعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وأوصلني إِلَى فلَان الْخَادِم، وَكَانَ هَذَا خادمه
стр. 728
الَّذِي يتعشقه مُوسَى، ويطيعه فِي كل أُمُوره، ومُوسَى إِذْ ذَاك هُوَ الْخَلِيفَة، وكتبته كالوزارة، والأمور فِي يَده، والخليفة فِي حجره.
قَالَ: فَأخذ الْحَاجِب ذَلِك، وأوصله إِلَى الْخَادِم، فَأحْضرهُ الْعشْرين ألف دِرْهَم، وَقَالَ: خُذ هَذِه، وأوصلني إِلَى الْأَمِير السَّاعَة، وأعني عَلَيْهِ فِي حَاجَة أُرِيد أَن أسأله إِيَّاهَا، ومشورة أُشير بهَا عَلَيْهِ، فأوصله الْخَادِم إِلَيْهِ.
فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ؛ سعى إِلَيْهِ بكتابه، وَقَالَ بِهِ: قد نبهوك، وَأخذُوا مَالك، وأخربوا ضياعك، وَأخي يَجْعَل كتابتك أجلّ من الوزارة، ويغلب لَك على الْأُمُور، ويوفر عَلَيْك كَذَا، وَيحمل إِلَيْك اللَّيْلَة، من قبل أَن ينتصف اللَّيْل، خمسين ألف دِينَار عينا، هَدِيَّة لَك، لَا يُرِيد عَنْهَا مُكَافَأَة، وَلَا يرتجعها من مَالك، وتستكتبه، وتخلع عَلَيْهِ.
فَقَالَ مُوسَى: أفكر فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا فكر، وألح عَلَيْهِ.
فَقَالَ الْخَادِم: فِي الدُّنْيَا أحد جَاءَهُ مثل هَذَا المَال، فَرده؟ وَكَاتب بكاتب، فَأَجَابَهُ مُوسَى، وأنعم لَهُ.
فَقَالَ لَهُ عبدون: فتستدعي أخي السَّاعَة، وتشافهه بذلك، فأنفذ إِلَيْهِ، فَأحْضرهُ، وَقرر عَلَيْهِ ذَلِك، وَبَات عبدون فِي الدَّار لتصحيح المَال، فوفاه.
وَبكر صاعد، فَخلع عَلَيْهِ لكتابته، وأركب الْجَيْش كُله فِي خدمته، وانقلبت سامراء، بِظُهُور الْخَبَر.
стр. 729
فبكر بعض المتصرفين إِلَى الْحسن بن مخلد، وَكَانَ صديقا لأبي نوح، فَقَالَ لَهُ: قد خلع على صاعد.
فَقَالَ: لأي شَيْء؟ فَقَالَ: تقلد كِتَابَة مُوسَى بن بغا، فاستعظم ذَلِك.
وَركب فِي الْحَال إِلَى أبي نوح، وَقَالَ لَهُ: عرفت خبر صاعد؟ فَقَالَ: نعم، الْكَلْب، قد بلغك مَا عاملني بِهِ، وَالله لَأَفْعَلَنَّ بِهِ، ولأصنعن.
فَقَالَ لَهُ: أَنْت نَائِم؟ ! لَيْسَ هَذَا أردْت، قد ولي الرجل كِتَابَة الْأَمِير مُوسَى بن بغا، وخلع عَلَيْهِ، وَركب مَعَه الْجَيْش بأسرهم إِلَى دَاره.
فَقَالَ أَبُو نوح: لَيْسَ هَذَا مَا ظننته، بَات خَائفًا منا، فأصبحنا خَائِفين مِنْهُ، فَمَا الرَّأْي عنْدك؟ قَالَ: أَن أصلح بَيْنكُمَا السَّاعَة.
فَركب الْحسن بن مخلد إِلَى صاعد، فهنأه، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يُصَالح أَبَا نوح، وَقَالَ لَهُ: أَنْت بِلَا زَوْجَة، وَأَنا أجعلك صهره، وتعتضد بِهِ، وَإِن كنت قد نصرت عَلَيْهِ، فَهُوَ من تعلم مَوْضِعه وَمحله وَمحل مصاهرته ومودته، وَلم يَدعه حَتَّى أجَاب إِلَى الصُّلْح والمصاهرة.
فَقَالَ لَهُ: فتركب معي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَبُو الْبِنْت، وَالزَّوْج يقْصد الْمَرْأَة، وَلَوْلَا ذَاك لجاءك.
فَحَمله من يَوْمه إِلَى أبي نوح، واصطلحا، وَوَقع العقد فِي الْحَال بَينهمَا فِي ذَلِك الْمجْلس، وَزوج أَبُو نوح ابْنَته الْأُخْرَى بِالْعَبَّاسِ بن الْحسن بن مخلد، فَولدت لَهُ أَبَا عِيسَى، الْمَعْرُوف بـ: ابْن بنت أبي نوح، صَاحب بَيت مَال الْإِعْطَاء،
стр. 730
ثمَّ تقلد زِمَام ديوَان الْجَيْش لِعَمِّهِ سُلَيْمَان بن الْحسن، فَكَانَت كِتَابَة صاعد لمُوسَى، ومصاهرته لأبي نوح، أول مرتبَة عَظِيمَة بلغَهَا، وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال، حَتَّى بلغ الوزارة.
стр. 731
زور مناما فجَاء مطابقا للْحَقِيقَة
قَالَ رجل من شُيُوخ الْكتاب، يُقَال لَهُ: عباد بن الْحَرِيش: صَحِبت عَليّ بن الْمَرْزُبَان، وَهُوَ يتقلد شيراز، من قبل عَمْرو بن اللَّيْث الصفار، فصادر المتصرفين على أَمْوَال، ألزمهم إِيَّاهَا، فَكنت مِمَّن أَخذ خطه عَن الْعَمَل الَّذِي تَوليته، بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم، فأديت مِنْهَا أَرْبَعِينَ ألفا، ودرجت حَالي، حَتَّى لم يبْق لي شَيْء فِي الدُّنْيَا غير دَاري الَّتِي أسكنها، وَلَا قدر لثمنها فِيمَا بَقِي عَليّ، فَلم أدر مَا أصنع.
وفكرت، فَوجدت عَليّ بن الْمَرْزُبَان، رجلا حرا سليم الصَّدْر، فرويت لَهُ رُؤْيا، أَجمعت على أَن أَلْقَاهُ بهَا، وأجعلها سَببا لشكوى حَالي إِلَيْهِ، والتوصل إِلَى الْخَلَاص، وَكنت قد حفظت الرُّؤْيَا.
فاحتلت خمسين درهما، وبكرت إِلَيْهِ قبل طُلُوع الْفجْر، فدققت بَابه.
فَقَالَ حَاجِبه، من خلف الْبَاب: من أَنْت؟
стр. 732
فَقلت: عباد بن الْحَرِيش.
فَقَالَ: فِي هَذَا الْوَقْت؟ قلت: مُهِمّ، فَفتح الْبَاب.
فشكوت إِلَيْهِ حَالي، وَقلت: هَذِه خَمْسُونَ درهما، لَا أملك غَيرهَا، خُذْهَا، وأدخلني عَلَيْهِ، قبل أَن يتكاثر النَّاس عَلَيْهِ.
فَدخل، فَاسْتَأْذن لي، وتلطف، إِلَى أَن أوصلني إِلَيْهِ، وَهُوَ يستاك.
فَقَالَ: مَا جَاءَ بك فِي هَذَا الْوَقْت؟ فدعوت لَهُ، وَقلت: بِشَارَة رَأَيْتهَا البارحة.
فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فَقلت: رَأَيْتُك فِي النّوم، كَأَنَّك تَجِيء إِلَى شيراز، من حَضْرَة الْأَمِير، وتحتك فرس أَشهب عَال، لم تَرَ عَيْني قطّ أحسن مِنْهُ، وَعَلَيْك السوَاد، وقلنسوة الْأَمِير، وَفِي يدك خَاتمه، وحولك مائَة ألف إِنْسَان، مَا بَين فَارس وراجل، وَقد تلقوك، وَأَنا فيهم، إِلَى الْعقبَة الْفُلَانِيَّة، وَقد لقيك أَمِير الْبَلَد، فترجل لَك وَأَنت تجوز، وطريقك كُله أَخْضَر، مزهر بِالنورِ، وَالنَّاس يَقُولُونَ: إِن الْأَمِير، قد استخلفك على جَمِيع أمره.
فَقَالَ: خيرا رَأَيْت، وَخيرا يكون، فَمَا تُرِيدُ؟ فشكوت إِلَيْهِ حَالي، وَذكرت لَهُ أَمْرِي.
فَقَالَ: أنظر لَك بِعشْرين ألف، وَتُؤَدِّي عشْرين ألف دِرْهَم.
فَحَلَفت لَهُ بأيمان الْبيعَة، أَنه لم يبْق لي إِلَّا مسكني، وثمنه شَيْء يسير، وبكيت، وَقبلت يَده، واضطربت بِحَضْرَتِهِ، فرحمني، وَكتب إِلَى الدِّيوَان
стр. 733
بِإِسْقَاط مَا عَليّ، وانصرفت.
فَلم تمض إِلَّا شهور، حَتَّى كتب عَمْرو بن اللَّيْث إِلَى عَليّ بن الْمَرْزُبَان، يستدعيه، ويأمره بِحمْل مَا اجْتمع لَهُ من المَال صحبته.
وَكَانَ قد جمع من الْأَمْوَال، مَا لم يسمع أَنه اجْتمع قطّ لأحد من مَال فَارس، مبلغه سِتُّونَ ألف ألف، فحملها مَعَه إِلَى نيسابور، وَخرج عَمْرو، فَتَلقاهُ وَجَمِيع قواده.
فأعظم الْأَمْوَال، واستخلفه على فَارس وأعمالها، حَربًا وخراجا، وخلع عَلَيْهِ سوادا، وَحمله على فرس أشب عَال، وَدفع إِلَيْهِ خَاتمه، ورده إِلَى فَارس.
فَوَافى فِي وَقت الرّبيع، وَلم يحل الْحول على رُؤْيَايَ، وَخرج أَمِير الْبَلَد، يستقبله على ثَلَاثِينَ فرسخا، وَخرجت فَلَقِيته على الْعقبَة الَّتِي ذكرتها فِي الْمَنَام الْمَوْضُوع، وَالدُّنْيَا على الْحَقِيقَة خضراء بأنوار الرّبيع، وَحَوله أَكثر من مائَة ألف فَارس وراجل، وَعَلِيهِ قنسوة عَمْرو بن اللَّيْث، وَفِي يَده خَاتمه، وَعَلِيهِ السوَاد، فدعوت لَهُ.
فَلَمَّا رَآنِي تَبَسم، وَأخذ بيَدي، وأحفى بِي السُّؤَال، ثمَّ فرق الْجَيْش بَيْننَا، فلحقته إِلَى دَاره، فَلم أستطع الْقرب مِنْهُ لِكَثْرَة الدَّوَابّ، فَانْصَرَفت، وباكرته فِي السحر.
فَقَالَ لي الْحَاجِب: من أَنْت؟
стр. 734
فَقلت: عباد بن الْحَرِيش، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ، وَهُوَ يستاك.
فَضَحِك إِلَيّ، وَقَالَ: قد صحت رُؤْيَاك.
فَقلت: الْحَمد لله.
فَقَالَ: لَا تَبْرَح من الدَّار حَتَّى أنظر فِي أَمرك.
وَكَانَ بارا بأَهْله، ورسمه إِذا ولي عملا، أَن لَا ينظر فِي شَيْء من أَمر نَفسه، حَتَّى ينظر فِي أَمر أَهله، فَيصْرف من صلح مِنْهُم للتَّصَرُّف، فَإِذا فرغ؛ عدل إِلَى الْأَخَص، فالأخص من حَاشِيَته، فَإِذا فرغ من ذَلِك؛ نظر فِي أَمر نَفسه.
فَجَلَست فِي الدَّار إِلَى الْعَصْر، وَهُوَ ينظر فِي أَمر أَهله، والتوقيعات تخرج بالصلات والأرزاق، وَكتب التقليدات، إِلَى أَن صَاح الْحَاجِب: عباد بن الْحَرِيش، فَقُمْت إِلَيْهِ، فَأَدْخلنِي عَلَيْهِ.
فَقَالَ: إِنِّي مَا نظرت فِي أَمر أحد غير أَهلِي، فَلَمَّا فرغت مِنْهُم؛ بدأت بك قبل النَّاس كلهم، فاحتكم مَا تُرِيدُ؟ فَقلت: ترد عَليّ مَا أخذت مني، وتوليني الْعَمَل الَّذِي كَانَ بيَدي.
فَوَقع لي بذلك، وَقَالَ: امْضِ، فقد أوغرت لَك الْعَمَل، فَخذ ارتفاعه كُله.
فَكَانَ يستدعيني كل مُدَّة، وَلَا يَأْخُذ مني شَيْئا، وَإِنَّمَا يكْتب لي روزات من مَال الْعَمَل، وَيصْلح لي حسبانات يخلدها الدِّيوَان، فأرجع إِلَى الْعَمَل.
فَكنت على ذَلِك إِلَى أَن زَالَت أَيَّامه، فَرَجَعت إِلَى شيراز وَقد اجْتمع لي مَال عَظِيم، صودرت على بعضه، وَجَلَست فِي بَيْتِي، وعقدت نعْمَة ضخمة، وَلم أتصرف إِلَى الْآن.
стр. 735
شَرّ السُّلْطَان يدْفع بالساعات
حَدثنِي ابْن أبي عَلان، وَقد جرى حَدِيث السُّلْطَان، وَأَن شَره يدْفع بالساعات، قَالَ: ورد علينا أَبُو يُوسُف البريدي، كَاتب السيدة، يطالبني، أَنا وَأَبا يحيى الرامَهُرْمُزِي، أَن نضمن مِنْهُ ضيَاع السيدة، وشدد علينا، وَنحن ممتنعون.
стр. 736
إِلَى أَن أخلى لنا مَجْلِسه يَوْم خَمِيس، وناظرنا مناظرة طَوِيلَة، وشدد علينا، حَتَّى كدنا أَن نجيبه، وَكَانَ علينا فِي ذَلِك ضَرَر كَبِير، وخسران ظَاهر، لَو أجبناه.
فَقلت لأبي يحيى: اجْتهد أَن تدفع الْمجْلس الْيَوْم؛ لنفكر إِذا انصرفنا، كَيفَ نعمل.
وَكَانَ أَبُو يُوسُف مُحدثا طيب الحَدِيث، فجره أَبُو يحيى إِلَى المحادثة، وَسكت لَهُ يستمع.
وَكَانَت عَادَة أبي يُوسُف فِي كَلَامه، أَن يَقُول فِي كل قِطْعَة من حَدِيثه: أفهمت؟ فَكَانَ كلما قَالَ ذَلِك لأبي يحيى؛ قَالَ لَهُ: لَا، فَأَعَادَ أَبُو يُوسُف الحَدِيث، وَيخرج مِنْهُ إِلَى حَدِيث آخر.
فَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن حميت الشَّمْس، وَقربت من موضعنا، فَرجع أَبُو يُوسُف إِلَى ذكر الضَّمَان، وطالبنا بِالْعقدِ.
فَقلت: إِنَّه قد حمي الْوَقْت، وَهَذَا لَا يَتَقَرَّر فِي سَاعَة، وَلَكِن نعود غَدا، ورفقنا بِهِ، فَقَالَ: انصرفا، فانصرفنا.
واستدعانا من غَد، فكتبنا إِلَيْهِ: هَذَا يَوْم جُمُعَة، يَوْم ضيق، وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى دُخُول الْحمام، وَالصَّلَاة، وَقل أَمر يتم قبل الصَّلَاة، وَلَكنَّا نبكر يَوْم السبت.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت؛ صرنا إِلَيْهِ، وَقد وَضعنَا فِي أَنْفُسنَا الْإِجَابَة، فحين دَخَلنَا عَلَيْهِ، ورد عَلَيْهِ كتاب فقرأه، وشغل قلبه، فَقَالَ: انصرفا الْيَوْم.
فانصرفنا، ورحل من الْغَد عَن الأهواز؛ لِأَن الْكتاب كَانَ يتَضَمَّن صرفه، فبادر قبل وُرُود الصَّارِف، وكفينا أمره.
стр. 737
كَيْفيَّة إغراء الْعمَّال بِأخذ الْمرَافِق
وَقَالَ: ورد علينا فِي وَقت من الْأَوْقَات، بعض الْعمَّال مُتَقَلِّدًا للأهواز، من قبل السُّلْطَان، فتتبع رسومنا، ورام نقض شَيْء مِنْهَا.
فَكنت أَنا وَجَمَاعَة من التناء فِي الْمُطَالبَة، وَكَانَ فِيهَا ذهَاب غلاتنا فِي تِلْكَ السّنة، لَو تمّ علينا، وَذَهَاب أَكثر قيمَة ضياعنا.
فَقَالَ لي الْجَمَاعَة: لَيْسَ لنا غَيْرك، تَخْلُو بِهِ، وتبذل لَهُ مرفقا، وتكفيناه.
فَجِئْته، وخلوت بِهِ، وبذلت لَهُ مرفقا جَلِيلًا، فَلم يقبله، وَدخلت عَلَيْهِ بالْكلَام من غير وَجه، فَمَا لَان، وَلَا أجَاب.
فَلَمَّا يئست مِنْهُ، وكدت أَن أقوم؛ قلت لَهُ: يَا هَذَا الرجل، أَنْت مُقيم من هَذَا الْأَمر، على خطإ شَدِيد؛ لِأَنَّك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حَيْثُ لَا يحمدك السُّلْطَان، وَلَا تنْتَفع أَنْت أَيْضا بِذَاكَ.
وَمَعَ هَذَا فَأَخْبرنِي، هَل تأمن أَن تكون قد صرفت، وَكتاب صرفك فِي الطَّرِيق، يرد عَلَيْك بعد يَوْمَيْنِ، أَو ثَلَاثَة، فَتكون قد أهلكتنا، وأثمت فِي أمورنا، وفاتك هَذَا الْمرْفق الْجَلِيل، ولعلنا نَحن نكفي، وَيَجِيء غَيْرك، فَلَا يطالبنا، أَو يطالبنا فنبذل لَهُ نَحن هَذَا الْمرْفق، فيقبله، وَيكون الضَّرَر يدْخل عَلَيْك.
فحين سمع هَذَا وَافق، كَأَنَّهُ قد علم من أمره ضعفا بِبَغْدَاد، وتلونا،
стр. 738
وَأَنِّي قد أحسست بانحلال أمره، وَأَن لي بِبَغْدَاد من يكاتبني بالأخبار.
فَأخذ يخاطبني مُخَاطبَة من أَيْن وَقع إِلَيّ هَذَا، فقويته فِي نَفسه، فَأجَاب إِلَى أَخذ الْمرْفق، وَإِزَالَة الْمُطَالبَة.
فَسلمت إِلَيْهِ رِقَاعًا إِلَى الصيارف بِالْمَالِ، وَأخذت مِنْهُ حجَّة بِزَوَال الْمُطَالبَة، فَانْصَرَفت وَقد بلغت مَا أردْت.
فَلَمَّا كَانَ بعد خَمْسَة أَيَّام؛ ورد عَلَيْهِ كتاب الصّرْف، فَدخلت إِلَيْهِ، فَأخذ يشكرني ويخبرني بِمَا ورد عَلَيْهِ، فأوهمته أَنِّي كنت قلت لَهُ ذَلِك عَن أصل، وكفيناه.
стр. 739
الصُّوفِي المتَوَكل وجام فالوذج حَار
حَدثنِي ابْن سيار، عَن شيخ من الصُّوفِيَّة، قَالَ: صَحِبت شَيخا من الصُّوفِيَّة، وَجَمَاعَة مِنْهُم، فِي سفر، فَجرى ذكر التَّوَكُّل والأرزاق وَضعف النَّفس.
فَقَالَ ذَلِك الشَّيْخ: عَليّ، وَعلي، وَحلف بأيمان مُغَلّظَة، لَا ذقت شَيْئا، أَو يبْعَث الله، ، إِلَيّ جَام فالوذج حَار، وَلَا آكله إِلَّا بعد أَن يحلف عَليّ، أَو يجرى عَليّ مَكْرُوه، وَكُنَّا نمشي فِي الصَّحرَاء.
فَقَالَت الْجَمَاعَة: أَنْت جَاهِل، وَنحن نمشي، حَتَّى انتهينا إِلَى الْقرْيَة، وَقد مضى عَلَيْهِ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَلم يطعم شَيْئا، ففارقته الْجَمَاعَة، غَيْرِي.
فَطرح نَفسه فِي مَسْجِد فِي الْقرْيَة، وَقد ضعفت قوته، وأشرف على الْمَوْت، فأقمت عِنْده.
فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث، وَقد انتصف اللَّيْل، وَكَاد يتْلف؛ دق علينا بَاب الْمَسْجِد، ففتحته، فَإِذا بِجَارِيَة سَوْدَاء وَمَعَهَا طبق مغطى، فَلَمَّا رأتنا؛ قَالَت: أَنْتُم من أهل الْقرْيَة، أم غرباء؟
стр. 740
فَقُلْنَا: غرباء.
فَكشفت عَن جَام فالوذج حَار.
فَقَالَت: كلوا.
فَقلت لَهُ: كل.
فَقَالَ: لَا أفعل.
فَقلت: وَالله، لَا أكلت، أَو تَأْكُل، وَوَاللَّه لتأكلن؛ لأبر قسمه.
فَقَالَ: لَا أفعل.
فشالت الْجَارِيَة يَدهَا، فصفعته صفعة عَظِيمَة، وَقَالَت: وَالله، لَئِن لم تَأْكُل، لأصفعنك هَكَذَا، إِلَى أَن تَأْكُل.
فَقَالَ: كل معي، فَأكلت مَعَه، فنظفنا الْجَام.
فَلَمَّا أَخَذته لتمضي؛ قلت لَهَا: بِاللَّه، حدثينا بِخَبَر هَذَا الْجَام.
قَالَت: نعم، أَنا جَارِيَة رَئِيس هَذِه الْقرْيَة، وَهُوَ رجل حَدِيد، طلب منا مُنْذُ سَاعَة، فالوذج حَار، فقمنا لنصلحه، وَهُوَ شتاء وَبرد، فَإلَى أَن نخرج الْحَوَائِج، ونعقد الفالوذج، تَأَخّر عَلَيْهِ، فَطَلَبه، فَقُلْنَا: نعم، فَحلف بِالطَّلَاق، أَنه لَا يَأْكُلهُ، وَلَا أحد من أهل دَاره، وَلَا أحد من أهل الْقرْيَة، إِلَّا غَرِيب.
فَأَخَذته، وَجعلت أدور فِي الْمَسَاجِد، إِلَى أَن وجدتكما، وَلَو لم يَأْكُل هَذَا الشَّيْخ؛ لقتلته صفعا، وَلَا تطلق ستي.
فَقَالَ لي الشَّيْخ: كَيفَ ترى، إِذا أَرَادَ أَن يفرج؟
следующие страницы →