← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

إِلَى أَن أخلى لنا مَجْلِسه يَوْم خَمِيس، وناظرنا مناظرة طَوِيلَة، وشدد علينا، حَتَّى كدنا أَن نجيبه، وَكَانَ علينا فِي ذَلِك ضَرَر كَبِير، وخسران ظَاهر، لَو أجبناه. فَقلت لأبي يحيى: اجْتهد أَن تدفع الْمجْلس الْيَوْم؛ لنفكر إِذا انصرفنا، كَيفَ نعمل. وَكَانَ أَبُو يُوسُف مُحدثا طيب الحَدِيث، فجره أَبُو يحيى إِلَى المحادثة، وَسكت لَهُ يستمع. وَكَانَت عَادَة أبي يُوسُف فِي كَلَامه، أَن يَقُول فِي كل قِطْعَة من حَدِيثه: أفهمت؟ فَكَانَ كلما قَالَ ذَلِك لأبي يحيى؛ قَالَ لَهُ: لَا، فَأَعَادَ أَبُو يُوسُف الحَدِيث، وَيخرج مِنْهُ إِلَى حَدِيث آخر. فَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن حميت الشَّمْس، وَقربت من موضعنا، فَرجع أَبُو يُوسُف إِلَى ذكر الضَّمَان، وطالبنا بِالْعقدِ. فَقلت: إِنَّه قد حمي الْوَقْت، وَهَذَا لَا يَتَقَرَّر فِي سَاعَة، وَلَكِن نعود غَدا، ورفقنا بِهِ، فَقَالَ: انصرفا، فانصرفنا. واستدعانا من غَد، فكتبنا إِلَيْهِ: هَذَا يَوْم جُمُعَة، يَوْم ضيق، وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى دُخُول الْحمام، وَالصَّلَاة، وَقل أَمر يتم قبل الصَّلَاة، وَلَكنَّا نبكر يَوْم السبت. فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت؛ صرنا إِلَيْهِ، وَقد وَضعنَا فِي أَنْفُسنَا الْإِجَابَة، فحين دَخَلنَا عَلَيْهِ، ورد عَلَيْهِ كتاب فقرأه، وشغل قلبه، فَقَالَ: انصرفا الْيَوْم. فانصرفنا، ورحل من الْغَد عَن الأهواز؛ لِأَن الْكتاب كَانَ يتَضَمَّن صرفه، فبادر قبل وُرُود الصَّارِف، وكفينا أمره.

стр. 737

كَيْفيَّة إغراء الْعمَّال بِأخذ الْمرَافِق وَقَالَ: ورد علينا فِي وَقت من الْأَوْقَات، بعض الْعمَّال مُتَقَلِّدًا للأهواز، من قبل السُّلْطَان، فتتبع رسومنا، ورام نقض شَيْء مِنْهَا. فَكنت أَنا وَجَمَاعَة من التناء فِي الْمُطَالبَة، وَكَانَ فِيهَا ذهَاب غلاتنا فِي تِلْكَ السّنة، لَو تمّ علينا، وَذَهَاب أَكثر قيمَة ضياعنا. فَقَالَ لي الْجَمَاعَة: لَيْسَ لنا غَيْرك، تَخْلُو بِهِ، وتبذل لَهُ مرفقا، وتكفيناه. فَجِئْته، وخلوت بِهِ، وبذلت لَهُ مرفقا جَلِيلًا، فَلم يقبله، وَدخلت عَلَيْهِ بالْكلَام من غير وَجه، فَمَا لَان، وَلَا أجَاب. فَلَمَّا يئست مِنْهُ، وكدت أَن أقوم؛ قلت لَهُ: يَا هَذَا الرجل، أَنْت مُقيم من هَذَا الْأَمر، على خطإ شَدِيد؛ لِأَنَّك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حَيْثُ لَا يحمدك السُّلْطَان، وَلَا تنْتَفع أَنْت أَيْضا بِذَاكَ. وَمَعَ هَذَا فَأَخْبرنِي، هَل تأمن أَن تكون قد صرفت، وَكتاب صرفك فِي الطَّرِيق، يرد عَلَيْك بعد يَوْمَيْنِ، أَو ثَلَاثَة، فَتكون قد أهلكتنا، وأثمت فِي أمورنا، وفاتك هَذَا الْمرْفق الْجَلِيل، ولعلنا نَحن نكفي، وَيَجِيء غَيْرك، فَلَا يطالبنا، أَو يطالبنا فنبذل لَهُ نَحن هَذَا الْمرْفق، فيقبله، وَيكون الضَّرَر يدْخل عَلَيْك. فحين سمع هَذَا وَافق، كَأَنَّهُ قد علم من أمره ضعفا بِبَغْدَاد، وتلونا،

стр. 738

وَأَنِّي قد أحسست بانحلال أمره، وَأَن لي بِبَغْدَاد من يكاتبني بالأخبار. فَأخذ يخاطبني مُخَاطبَة من أَيْن وَقع إِلَيّ هَذَا، فقويته فِي نَفسه، فَأجَاب إِلَى أَخذ الْمرْفق، وَإِزَالَة الْمُطَالبَة. فَسلمت إِلَيْهِ رِقَاعًا إِلَى الصيارف بِالْمَالِ، وَأخذت مِنْهُ حجَّة بِزَوَال الْمُطَالبَة، فَانْصَرَفت وَقد بلغت مَا أردْت. فَلَمَّا كَانَ بعد خَمْسَة أَيَّام؛ ورد عَلَيْهِ كتاب الصّرْف، فَدخلت إِلَيْهِ، فَأخذ يشكرني ويخبرني بِمَا ورد عَلَيْهِ، فأوهمته أَنِّي كنت قلت لَهُ ذَلِك عَن أصل، وكفيناه.

стр. 739

الصُّوفِي المتَوَكل وجام فالوذج حَار حَدثنِي ابْن سيار، عَن شيخ من الصُّوفِيَّة، قَالَ: صَحِبت شَيخا من الصُّوفِيَّة، وَجَمَاعَة مِنْهُم، فِي سفر، فَجرى ذكر التَّوَكُّل والأرزاق وَضعف النَّفس. فَقَالَ ذَلِك الشَّيْخ: عَليّ، وَعلي، وَحلف بأيمان مُغَلّظَة، لَا ذقت شَيْئا، أَو يبْعَث الله، ، إِلَيّ جَام فالوذج حَار، وَلَا آكله إِلَّا بعد أَن يحلف عَليّ، أَو يجرى عَليّ مَكْرُوه، وَكُنَّا نمشي فِي الصَّحرَاء. فَقَالَت الْجَمَاعَة: أَنْت جَاهِل، وَنحن نمشي، حَتَّى انتهينا إِلَى الْقرْيَة، وَقد مضى عَلَيْهِ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَلم يطعم شَيْئا، ففارقته الْجَمَاعَة، غَيْرِي. فَطرح نَفسه فِي مَسْجِد فِي الْقرْيَة، وَقد ضعفت قوته، وأشرف على الْمَوْت، فأقمت عِنْده. فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث، وَقد انتصف اللَّيْل، وَكَاد يتْلف؛ دق علينا بَاب الْمَسْجِد، ففتحته، فَإِذا بِجَارِيَة سَوْدَاء وَمَعَهَا طبق مغطى، فَلَمَّا رأتنا؛ قَالَت: أَنْتُم من أهل الْقرْيَة، أم غرباء؟

стр. 740

فَقُلْنَا: غرباء. فَكشفت عَن جَام فالوذج حَار. فَقَالَت: كلوا. فَقلت لَهُ: كل. فَقَالَ: لَا أفعل. فَقلت: وَالله، لَا أكلت، أَو تَأْكُل، وَوَاللَّه لتأكلن؛ لأبر قسمه. فَقَالَ: لَا أفعل. فشالت الْجَارِيَة يَدهَا، فصفعته صفعة عَظِيمَة، وَقَالَت: وَالله، لَئِن لم تَأْكُل، لأصفعنك هَكَذَا، إِلَى أَن تَأْكُل. فَقَالَ: كل معي، فَأكلت مَعَه، فنظفنا الْجَام. فَلَمَّا أَخَذته لتمضي؛ قلت لَهَا: بِاللَّه، حدثينا بِخَبَر هَذَا الْجَام. قَالَت: نعم، أَنا جَارِيَة رَئِيس هَذِه الْقرْيَة، وَهُوَ رجل حَدِيد، طلب منا مُنْذُ سَاعَة، فالوذج حَار، فقمنا لنصلحه، وَهُوَ شتاء وَبرد، فَإلَى أَن نخرج الْحَوَائِج، ونعقد الفالوذج، تَأَخّر عَلَيْهِ، فَطَلَبه، فَقُلْنَا: نعم، فَحلف بِالطَّلَاق، أَنه لَا يَأْكُلهُ، وَلَا أحد من أهل دَاره، وَلَا أحد من أهل الْقرْيَة، إِلَّا غَرِيب. فَأَخَذته، وَجعلت أدور فِي الْمَسَاجِد، إِلَى أَن وجدتكما، وَلَو لم يَأْكُل هَذَا الشَّيْخ؛ لقتلته صفعا، وَلَا تطلق ستي. فَقَالَ لي الشَّيْخ: كَيفَ ترى، إِذا أَرَادَ أَن يفرج؟

стр. 741

٢٦٢ سخاء الْأَمِير سيف الدولة وحَدثني عبد الله بن مَعْرُوف، قَالَ: دخلت حلب إِلَى أبي مُحَمَّد الصلحي، وَأبي الْحسن المغربي، أسلم عَلَيْهِمَا، وَكَانَا فِي صُحْبَة سيف الدولة، وهما فِي دَار وَاحِدَة نازلان لضيق الدّور. وَكَانَ وَكيل كل وَاحِد مِنْهُمَا يبكر فيقيم لَهما جَمِيع مَا يحتاجان إِلَيْهِ من الْمَائِدَة والوظائف، فَإِذا كَانَ من الْغَد؛ بكر وَكيل الآخر، فَأَقَامَ لَهما ولغلمانهما، من الْمَائِدَة والوظائف مَا، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ على هَذَا. فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِمَا وَجَلَست؛ دخل شيخ ضَرِير، فَسلم وَجلسَ، ثمَّ قَالَ: إِن لي بالأمير، سيف الدولة، حُرْمَة واختصاص، أَيَّام مقَامه بالموصل، وَقد لحقتني محن وشدائد، أملته لكشفها، وَقد قصدته، وَهَذِه رقعتي إِلَيْهِ،

стр. 742

فَإِن رَأَيْتُمَا أَن تتفضلا بإيصالها إِلَيْهِ، فعلتما، وَأخرج رقْعَة طَوِيلَة جدا. فَلَمَّا رأيها؛ قَالَا لَهُ: هَذِه عَظِيمَة، وَلَا ينشط الْأَمِير لقراءتها، فغيرها واختصرها، وعد فِي وَقت آخر، فَإنَّا نعرضها عَلَيْهِ. فَقَالَ: الَّذِي أحب، أَن تتفضلا بِعرْض هَذِه الرقعة. فدافعاه عَن ذَلِك، فَقَامَ يجر رجلَيْهِ، منكسر الْقلب، فتداخلني رَحْمَة لَهُ، وَركبت، وَدخلت على سيف الدولة، وَهُوَ جَالس. وَكَانَ رسمه أَن لَا يصل إِلَيْهِ أحد، إِلَّا برقعة يَكْتُبهَا الْحَاجِب، باسم من حضر، فَإِذا قَرَأَ الرقعة، إِن شَاءَ أذن لَهُ، وَإِن شَاءَ صرفه. فَلَمَّا استقررت عرض الْحَاجِب عَلَيْهِ رقْعَة فِيهَا: فلَان بن فلَان، الْموصِلِي الضَّرِير. فَقَالَ لَهُ: هَذَا فِي الدُّنْيَا؟ أَيْن هُوَ؟ فَقيل: بِالْبَابِ. فَقَالَ: يدْخل، فَمَا أَظُنهُ، مَعَ مَا أعرفهُ من زهده فِي الطّلب وَقصد الْمُلُوك، قصدنا إِلَّا من شدَّة، فَدخل الشَّيْخ الَّذِي رَأَيْته عِنْد الصلحي والمغربي. فَلَمَّا رَآهُ استدناه، وبش لَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أما سَمِعت بِأَنا فِي الدُّنْيَا؟ أما علمت مَكَاننَا على وَجه الأَرْض؟ أما حَان لَك أَن تَزُورنَا إِلَى الْآن، مَعَ مَا لَك من الْحُرْمَة وَالسَّبَب الوكيد؟ لقد أَسَأْت إِلَى نَفسك، وأسأت الظَّن بِنَا. فَجعل يَدْعُو لَهُ ويشكره، وَيعْتَذر، فقربه، وَجلسَ سَاعَة، ثمَّ سلم إِلَيْهِ تِلْكَ الرقعة بِعَينهَا، فَأَخذهَا من يَده، وَقرأَهَا. ثمَّ استدعى يُونُس بن بَابا، وَكَانَ خازنه، فَحَضَرَ، فَأسر إِلَيْهِ شَيْئا. ثمَّ استدعى رَئِيس الفراشين، فخاطبه سرا. واستدعى خَادِمًا لَهُ، فخاطبه بِشَيْء.

стр. 743

واستدعى صَاحب الإصطبل، فَأمره بِشَيْء، فَانْصَرَفت الْجَمَاعَة. وَعَاد ابْن بَابا، فَوضع بَين يَدَيْهِ صرتين فيهمَا خمس مائَة دِينَار، وثيابا كَثِيرَة صحاحا، من ثِيَاب الشتَاء والصيف، وطيبا كثيرا. ثمَّ جَاءَ عريف الفراشين ببسط وَآلَة وفرش تَسَاوِي أُلُوف دَرَاهِم، فَصَارَ ذَلِك كَالتَّلِّ بَين يَدَيْهِ. وَكَانَ يُعجبهُ إِذا أَمر لإِنْسَان بِشَيْء أَن يكون بِحَضْرَتِهِ مجتمعا، فيراه بَين يَدَيْهِ، ثمَّ يَهبهُ لَهُ. فَاجْتمع ذَلِك، والضرير لَا يعلم، وَعِنْده أَنه قد تغافل عَنهُ، فَهُوَ فِي الريب. ثمَّ حضر صَاحب الكراع، وَمَعَهُ بغلة تَسَاوِي ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، ومركب ثقيل. وَجَاء غُلَام أسود عَلَيْهِ ثِيَاب جدد، فَسلمت إِلَيْهِ البغلة، فَأَمْسكهَا فِي الميدان أَسْفَل الدكة الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِير. فَقَالَ للغلام: كم جرايتك فِي السّنة؟ قَالَ: عشرُون دِينَارا. فَقَالَ: قد جَعلتهَا ثَلَاثِينَ، وخدمة هَذَا الشَّيْخ خدمَة لنا، فَلَا تقصر فِيهَا، وَلَا ينكسر قَلْبك بخروجك عَنَّا من دَارنَا، وَأَعْطوهُ سلفا لسنة، فَدفع إِلَيْهِ ذَلِك فِي الْحَال. ثمَّ قَالَ: فرغوا الدَّار الْفُلَانِيَّة لَهُ، ويحدر زورق من تل فافان إِلَى الْموصل، فِيهِ كران حِنْطَة، وكر شعير، وفواكه الشَّام ومآكلها، فاعملوا بِهَذَا ثبتا، فَفعل ذَلِك.

стр. 744

ثمَّ استدعى أَبَا إِسْحَاق بن شهرام، كَاتبه، الْمَعْرُوف بـ: ابْن ظلوم الْمُغنيَة، وَكَانَ يكْتب لَهُ، ويترسل إِلَى ملك الرّوم، ويبعثه فِي صَغِير أُمُوره وكبيرها، فساره بِشَيْء، وَكَانَ صَاحب سره. فابتدأ ابْن شهرام يعْتَذر إِلَى الضَّرِير، عَن سيف الدولة، باعتذار طَوِيل، وَأَنَّك قصدتنا فِي آخر وَقت، وَقد نفدت غلاتنا، وتقسمت أَمْوَالنَا الْحُقُوق وَالزُّوَّارِ والجيوش، وببابنا خلق من الرؤساء، ونحتاج أَن نواسيهم، وَلَوْلَا ذَلِك لأوفينا على أملك، وَقد أمرنَا لَك بِكَذَا وَكَذَا، وَجعل ابْن شهرام يقْرَأ عَلَيْهِ مَا فِي الثبت، وَسيف الدولة يسمع. فَقلت لَهُ: لَا تورد على الشَّيْخ هَذِه الْجَائِزَة جملَة، عقيب الْيَأْس الَّذِي لحقه، فَتَنْشَق مرارته. فَلَمَّا استوفى؛ بَكَى الشَّيْخ بكاء شَدِيدا، وَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، لقد زِدْت، وَالله، على أملي بطبقات، وأوفيت على غناي بدرجات، وقضيت حَقي، وَمَا هُوَ أعظم من حَقي، وَمَا أحسن أَن أشكرك، وَلَكِن الله، تَعَالَى، يتَوَلَّى مكافأتك، فَمن عَليّ يدك، فَأذن لَهُ، فقبلها. فَجَذَبَهُ سيف الدولة، وساره بِشَيْء، فَضَحِك، وَقَالَ: إِي وَالله، أَيهَا الْأَمِير. فاستدعى خَادِمًا للحرم، وساره بِشَيْء، وَقَامَ الشَّيْخ إِلَى دَاره الَّتِي أخلاها لَهُ، وَقَالَ لَهُ: أقِم فِيهَا إِلَى أَن أنظر فِي أَمرك، وَتخرج إِلَى عِيَالك. فَسَأَلت الْخَادِم عَمَّا ساره بِهِ، فَقَالَ: أَمرنِي أَن أخرج إِلَيْهِ جَارِيَة، من وصائف أُخْته، فِي نِهَايَة الْحسن، فِي ثِيَاب وَآلَة قيمتهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم، قَالَ: فحملتها إِلَيْهِ.

стр. 745

قَالَ ابْن مَعْرُوف: فَقُمْت قَائِما، وَقلت: أَيهَا الْأَمِير، مَا سمع بِهَذَا الْفِعْل عَن أحد من أهل الأَرْض قَدِيما، وَلَا حَدِيثا. فَقَالَ: دَعْنِي من هَذَا، مَا معنى قَوْلك لِابْنِ شهرام: لَا تورد عَلَيْهِ هَذَا كُله مَعَ الْيَأْس، فَتَنْشَق مرارته؟ فَقلت: نعم، كنت مُنْذُ سَاعَة عِنْد أبي مُحَمَّد الصلحي وَأبي الْحسن المغربي، فَجرى كَذَا وَكَذَا، وقصصت عَلَيْهِ قصَّة الضَّرِير مَعَهُمَا، وَأَنه انْصَرف أخزى منصرف، ثمَّ جَاءَ بعد الْيَأْس، فعاملته بِهَذَا الْفِعْل الْعَظِيم. فَقَالَ: أحضروا الصلحي والمغربي، فأحضرا. فَقَالَ لَهما: ويحكما، ألم أحسن إلَيْكُمَا؟ وأنوه باسمكما؟ وَأَرْفَع مِنْكُمَا؟ ، وأصطنعكما؟ وَعدد أياديه عَلَيْهِمَا. فَقَالَا: بلَى، وأخذا يشكرانه. فَقَالَ: مَا أُرِيد هَذَا، أَفَمَن حَقي عَلَيْكُمَا، أَن تقطعا عني رَجَاء مؤملي وقاصدي، وتنسباني عِنْدهم إِلَى الضجر برقاعهم؟ مَا كَانَ عَلَيْكُمَا لَو أخذتما رقْعَة الضَّرِير، فأوصلتماها إِلَيّ؟ فَإِن جرى على يَدي شَيْء؛ كنتما شريكاي فِيهِ، وَإِن ضجرت؛ كَانَ الضجر مَنْسُوبا إِلَيّ دونكما، وكنتما بريئين مِنْهُ، وَقد قضيتما حق قَصده، فَلَا حَقه قضيتما، وَلَا حق الله فِيمَا أَخذه على ذَوي الجاه، وأسرف فِي توبيخهما، كَأَنَّهُمَا قد أذنبا ذَنبا. فَجعلَا يعتذران إِلَيْهِ، ويقولان: مَا أردنَا إِلَّا التَّخْفِيف عَنهُ من قِرَاءَة شَيْء طَوِيل؛ لينقلها إِلَى أخف مِنْهَا، وَلَو علمنَا أَنه أيس؛ لأخذنا رقعته وعرضناها. فدعَتْ الْجَمَاعَة لَهُ، وَحلفت أَن هَذَا التأنيب فِي الْجُود أحسن من الْجُود، ورفقوا بِهِ حَتَّى انبسط فِي الحَدِيث.

стр. 746

ألمعية الْمَأْمُون وذكاؤه قَالَ: دَعَا الْمَأْمُون يَوْمًا بِأبي عباد، فَدفع إِلَيْهِ كتابا مَخْتُومًا، وَأمره أَن يَأْتِي عَمْرو بن مسْعدَة، فيناظره على مَا فِيهِ بَابا بَابا، وَيَأْخُذ تَحت كل بَاب خطه فِيهِ، ويختمه بِخَاتمِهِ، وَخَاتم عَمْرو، ويحتفظ بِهِ إِلَى أَن يسْأَله عَنهُ، وَلَا يذكرهُ ابْتِدَاء، وأكد على ذَلِك. قَالَ: فَعلمت أَنَّهَا وقيعة، وَقد كنت شاركت عمرا فِي أَشْيَاء، فَصَارَت إِلَيْنَا مِنْهَا أَمْوَال، فَخفت أَن تكون مَذْكُورَة فِي الْكتاب. فقصدت عمرا، فَوَجَدته فِي بُسْتَان أَحْمد بن يُوسُف، يلْعَب بالشطرنج مَعَ بعض أَصْحَابه، فعرفته أَنِّي مُحْتَاج إِلَى الْخلْوَة مَعَه. فَقَالَ: دَعْنِي السَّاعَة، فقد اسْتَوَى لي هَذَا الدست.

стр. 747

فَضَاقَ صَدْرِي، وقلبت الشطرنج، وَقلت: قد سَالَ السَّيْل، وهلكنا وَأَنت غافل، اقْرَأ هَذَا الْكتاب، فقرأه، فطالبته أَن يكْتب خطه، تَحت كل فصل مِنْهُ، بحجته. فَضَحِك، وَقَالَ: وَيحك، أما تَسْتَحي، تخْدم رجلا طول هَذِه الْمدَّة، وَلَا تعرف أخلاقه، وَلَا مذْهبه؟ فَقلت: يَا هَذَا، أَخْبرنِي عَنْك، إِن أقدمت على جحد مَا فِي هَذَا الْكتاب، لتعذر حجَّة؛ مَا شاركتك فِيهِ، أما أَنا فوَاللَّه مَا أجحد، وَلَكِن أَصْبِر لأمر الله، تَعَالَى. قَالَ: فتحب أَن أطلعك على مَا هُوَ أَشد عَلَيْك من هَذَا؟ قلت: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: كتاب دَفعه إِلَيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مُنْذُ سنة، وَأَمرَنِي فِيهِ بِمثل مَا أَمرك فِي هَذَا، فَعرفت ضيق صدرك، فَلم أذكرهُ لَك. فكدت أَمُوت إِلَى أَن أفرغ من كَلَامه، فَقلت لَهُ: أَرِنِي إِيَّاه، فَأحْضرهُ، وقرأته، وَأَنا أنتفض، وَعَمْرو يضْحك. فَلَمَّا فرغت مِنْهُ؛ قلت: عِنْد الله أحتسب نَفسِي ونعمتي. فَقَالَ: أَنْت، وَالله، مَجْنُون. فَقلت: دَعْنَا من هَذَا، وَوَقع تَحت كل فصل. فَنظر إِلَى جملَة مَا نسب إِلَيْهِ فِي الْكتاب، فَوَجَدَهُ أَرْبَعِينَ ألف ألف دِرْهَم، فَوَقع فِي آخِره: لَو قصرت همتنا فِي هَذَا الْقدر وأضعافه؛ لوسعتنا مَنَازلنَا، وَمَا يَفِي هَذَا، بدلجة فِي برد، أَو رَوْحَة فِي حر، وَأَرْجُو أَن يُطِيل الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، ويبلغنا فِيهِ مَا نؤمله بِهِ، وعَلى يَده. وَكَانَ جملَة مَا رفع عَليّ، سَبْعَة وَعِشْرُونَ ألف ألف دِرْهَم. فَقَالَ: يَا هَذَا، إِن صاحبنا لَيْسَ ببخيل، وَلكنه رجل يكره أَن يطوى

стр. 748

معروفه، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يعلمنَا أَنه قد علم بِمَا صَار إِلَيْنَا، فَأمْسك عَنهُ على علم. ثمَّ ختم الْكتاب بِخَاتمِهِ وخاتمي، وانصرفت وَأَنا فِي الْمَوْت، فَلم ألبث أَن كتبت وصيتي، وأحكمت أَمْرِي، وَكنت سنة مغموما، وذاب جسمي. فَقَالَ لي الْمَأْمُون يَوْمًا: يَا أَبَا عباد، قد أنْكرت حالك، أتشكو عِلّة؟ فَقلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِنِّي، مُنْذُ سنة، حَيّ كميت؛ لأجل الْكتاب الَّذِي دَفعه إِلَيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ لأناظر عَلَيْهِ عَمْرو بن مسْعدَة. فَقَالَ: أمسك عني، حَتَّى أُعِيد عَلَيْك جَمِيع مَا جرى بَيْنكُمَا، فَحَدثني بِجَمِيعِ مَا دَار بَيْننَا، كَأَنَّهُ كَانَ ثالثنا. فَقلت: لقد استقصى لَك الَّذِي وكلته بخبرنا، وَالله، مَا خرم مِنْهُ حرفا. فَقَالَ: وَالله، مَا وكلت بكما أحدا، وَلَكِن ظنا ظننته، وَعلمت أَنه لَا يَدُور بَيْنكُمَا غَيره، وَلَقَد عجبت من غير عجب؛ لِأَن عقول الرِّجَال يدْرك بَعْضهَا بَعْضًا، وَهَذَا عَمْرو بن مسْعدَة، أعرف بِنَا مِنْك، وأوسع صَدرا، وَأبْعد همة، وَمَا أردْت بِمَا فعلت، إِلَّا أَن تعلما أَنِّي قد عرفت مَا صَار إلَيْكُمَا، وتستكثرانه، فَأَحْبَبْت أَن أزيل عنكما غم المساترة، وَثقل المراقبة، وَأَنِّي لمتذمم لَكمَا، خجل من ضعف أثري عَلَيْكُمَا. فسررت، وصرت كَأَنِّي أطلقت من عقال، فشكرته ودعوت لَهُ. ثمَّ قلت: مَا أصنع بذلك الْكتاب؟ قَالَ: خرقه إِلَى لعنة الله، وامض مصاحبا، آمنا، فِي ستر الله، .

стр. 749

الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك يعِيش ببقايا هبات الْأمين أَخْبرنِي الصولي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد، قَالَ: كَانَ أبي صديقا للحسين بن الضَّحَّاك، وَكَانَ يعاشره، فَحَمَلَنِي مَعَه يَوْمًا، وَجعل يحادثه، إِلَى أَن قَالَ: يَا أَبَا عَليّ، قد تَأَخَّرت أرزاقك، وانقطعت موادك، ونفقتك كَبِيرَة، فَكيف تمشي أمورك؟ فَقَالَ لَهُ: وَالله يَا أخي، مَا قوام أَمْرِي، إِلَّا ببقايا هبات الْأمين، وهبات جَارِيَته، فَإِنِّي حظيت مِنْهُمَا، بِأَمْر طريف، على غير تعمد. وَذَلِكَ أَن الْأمين دَعَاني يَوْمًا، فَقَالَ لي: يَا حُسَيْن، إِن جليس الرجل

стр. 750

عشيره وثقته وَمَوْضِع سره وأنسه، وَإِن جاريتي، فُلَانَة، أحسن النَّاس وَجها وغناء، وَهِي مني بِمحل نَفسِي، وَقد كدرت عَليّ صفو الْحَيَاة، ونغصتها عَليّ، بعجبها بِنَفسِهَا، وبتجنيها عَليّ وإدلالها؛ لما تعلمه من حبي لَهَا، وَإِنِّي محضرها، ومحضر صَاحِبَة لَهَا لَيست مِنْهَا فِي شَيْء؛ لتغني مَعهَا، فَإِذا غنت أَوْمَأت إِلَيْك على أَن أمرهَا أبين من أَن يخفى عَلَيْك، فَلَا تستحسن غناءها، وَلَا تشرب عَلَيْهِ، وَإِذا غنت الْأُخْرَى، فَاشْرَبْ، واطرب، وَاسْتحْسن، وشق ثِيَابك، وَعلي بِكُل ثوب مائَة ثوب. فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، لأمير الْمُؤمنِينَ. فَجَلَسَ فِي حجرَة خلوته، وأحضرني، وسقاني أرطالا، فغنت المحسنة، وَقد أَخذ مني الشَّرَاب، فَمَا ملكت نَفسِي أَن استحسنت، وطربت، فَأَوْمأ إِلَيّ، وقطب فِي وَجْهي. ثمَّ غنت الاخري، فَجعلت أتكلف القَوْل، وأفعله. ثمَّ غنت المحسنة ثَانِيَة، فَأَتَت بِمَا لم أسمع مثله حسنا قطّ، فَمَا ملكت نَفسِي أَن صحت، وطربت، وشربت، وَهُوَ ينظر إِلَيّ، ويعض شَفَتَيْه غيظا عَليّ، وَقد زَالَ عَقْلِي، فَمَا أفكر فِيهِ، حَتَّى فعلت ذَلِك مرَارًا، وَكلما زَاد شربي، ذهب عَقْلِي. فَأمر بجر رجْلي وصرفي، وَأمر أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ، فَجَاءَنِي النَّاس يتوجعون لي، ويسألون عَن قصتي، فَقلت: حمل عَليّ النَّبِيذ، فأسأت أدبي، فَمَنَعَنِي من الدُّخُول إِلَيْهِ. وَمضى لما أَنا فِيهِ شهر، وَقد استمرت عَليّ المحنة. فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، إِذْ جَاءَتْنِي الْبشَارَة، بِأَنَّهُ قد رَضِي عني، وَأمر بإحضاري، فَحَضَرت، وَأَنا خَائِف، فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ؛ أَعْطَانِي يَده فَقَبلتهَا، فَضَحِك إِلَيّ، ثمَّ قَامَ وَقَالَ: اتبعني.

стр. 751

فتبعته، فَدخل تِلْكَ الْحُجْرَة بِعَينهَا، وَلم يحضر غَيْرِي وَغَيره وَغير المحسنة، الَّتِي نالني من أجلهَا مَا نالني، وأحضر الشَّرَاب، فغنت، فسكتّ. فَقَالَ: قل مَا شِئْت، وَلَا تخف، فَلَقَد خار الله لَك فِي خلافي، وَجرى الْقدر بِمَا تحب. اعْلَم أَن هَذِه الْجَارِيَة، عَادَتْ إِلَى الْحَال الَّتِي أحبها مِنْهَا، وأرضتني فِي أفعالها، واصطلحنا، فأذكرتني بك، وَسَأَلتنِي الرِّضَا عَنْك، وَالْإِحْسَان إِلَيْك، وَقد فعلت، وَأمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِينَار، ووصلتك هِيَ بِدُونِ ذَلِك، وَلَو كنت فعلت مَا أَمرتك، حَتَّى تعود إِلَى مثل هَذِه الْحَال، ثمَّ تحقد عَلَيْك، فتسألني أَن لَا تصل إِلَيّ قطّ، لأجبتها. فدعوت لَهُ، وشكرته، وحمدت الله على توفيقه إيَّايَ، وزدت فِي الِاسْتِحْسَان وَالسُّرُور إِلَى أَن انصرفت، وَحمل معي المَال. فَمَا كَانَ يمْضِي أُسْبُوع إِلَّا أَتَتْنِي ألطافها، وصلاتها، من الْجَوْهَر وَالثيَاب، بِغَيْر علم الْأمين. وَمَا جالسته يَوْمًا، إِلَّا سَأَلته أَن يصلني بِشَيْء. فَجَمِيع مَا أنفقهُ إِلَى السَّاعَة، من فضل مَا وصلني مِنْهَا.

стр. 752

من مَكَارِم البرامكة ذكر سعيد بن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ، قَالَ: أضقت إضاقة شَدِيدَة، وَكثر عَليّ الْغُرَمَاء، فاستترت مُدَّة، ثمَّ صرت إِلَى عبد الله بن مَالك، فشكوت إِلَيْهِ حَالي، وشاورته فِي أَمْرِي. فَقَالَ: لست أعرف لَك غير قصد البرامكة، ومسألتهم فِي إصْلَاح مَا اخْتَلَّ من أَمرك. فَقلت: وَمن يحْتَمل تيههم وصلفهم؟ قَالَ: تحتمله، فِي جنب مَا تقدر من صَلَاح حالك. قَالَ: فصرت إِلَى جَعْفَر وَالْفضل ابْني يحيى، فشكوت إِلَيْهِمَا أَمْرِي. فَقَالَا: نكفيك، إِن شَاءَ الله. فَانْصَرَفت إِلَى عبد الله بن مَالك، فعرفته مَا جرى. فَقَالَ: أقِم عِنْدِي، وَلَا ترجع إِلَى مَنْزِلك، وتقاسى غرماءك، فأقمت عِنْده. فَصَارَ إِلَيّ غُلَام لي، فَقَالَ: يَا مولَايَ، رحبتنا مَمْلُوءَة بالجمال عَلَيْهَا المَال، وَرجل مَعَ الْجمال، مَعَه رقْعَة يزْعم أَنَّهَا من الْفضل وجعفر، وَأَنه رسولهما. فَقَالَ لي عبد الله: أَرْجُو أَن يكون قد فرج الله عَنْك. فَضرب إِلَيّ مَنْزِلك، وَإِذا رَسُول جَعْفَر وَالْفضل، وَمَعَهُ رقْعَة يذكران فِيهَا:

стр. 753

أَنَّهُمَا عرفا أَمِير الْمُؤمنِينَ خبري، وَأَن عَليّ ثَمَان مائَة ألف دِرْهَم، دينا، فَأمر بحملها إِلَيّ. ثمَّ قَالَا لَهُ: فَإِذا قضى دينه، يرجع إِلَى الدَّين؟ فَأمر لي بثمان مائَة ألف دِرْهَم أُخْرَى، لنفقتي. وأنهما أضافا إِلَيْهَا من أموالهما، ألفي ألف دِرْهَم، فحملاها مَعَ ذَلِك. فاستوفيت من رسولهما، ثَلَاثَة آلَاف ألف، وست مائَة ألف دِرْهَم. وَقد ذكر أَبُو الْحسن القَاضِي هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه، على قريب من هَذَا اللَّفْظ وَالْمعْنَى، بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يذكر فِيهِ مبلغ المَال، وَلَا حَال الاستتار.

стр. 754

الْمَأْمُون يهب أحد كِتَابه اثْنَي عشر ألف ألف دِرْهَم وجدت فِي كتاب عَتيق، فِيهِ أَخْبَار جمعهَا يَعْقُوب بن بَيَان الْكَاتِب: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن دَاوُد بن الْجَعْد، قَالَ: حَدثنِي يزِيد بن دِينَار بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن يحيى بن خاقَان] ، قَالَ: كنت كَاتب الْحسن بن سهل، فَقدم الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام، فَقَالَ لي: يَا يحيى، خلوت بِالسَّوَادِ، ولعبت بالأموال الَّتِي لي، واحتجنتها، واقتطعتها. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا أَنا كَاتب الرجل، والمناظرة فِي الْأَمْوَال والأعمال، مَعَ صَاحِبي، لَا معي. فَقَالَ: مَا أطالب غَيْرك، وَلَا أعرف سواك، فصالحني على مائَة ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: فَضَحكت.

стр. 755

فَقَالَ: يَا يحيى، أجد وتهزل؟ فَقلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا ضحِكت تَعَجبا، وَبِاللَّهِ، مَا أملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم. فَقَالَ: دع هَذَا عَنْك، واعطني خمسين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: فَمَا زلت أجاذبه، ويجاذبني، إِلَى أَن بلغ اثْنَا عشر ألف ألف دِرْهَم، فَلَمَّا بلغ إِلَيْهَا؛ قَالَ: نفيت من الرشيد، إِن نقصتك شَيْئا مِنْهَا. فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة. قَالَ: أقِم لي ضمينا، إِن لم تف لي بهَا؛ طالبته. قلت: صَاحِبي، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، يضمنني. فَقَالَ: أَترَانِي إِن دافعت الْأَدَاء، أطالب الْحسن بن سهل عَنْك؟ هَذَا مَا لَا يكون. فَقلت: عبد الله بن طَاهِر؟ فَقَالَ: عبد الله بن طَاهِر، سَبيله سَبِيل صَاحبك. قلت: فحميد؟ قَالَ: وَهَذِه سَبيله. قلت: فَفرج مَوْلَاك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَلِيء، وَالله، وثقة، ثمَّ الْتفت إِلَى فرج، فَقَالَ: أتضمنه يَا فرج؟ قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد ضمنته. فَقَالَ: أَنا، وَالله، محرجه بالإلحاح فِي الْمُطَالبَة، حَتَّى يهرب، أَو يسْتَتر، ثمَّ آخذك بِالْمَالِ، فتؤديه، فَإنَّك ملي بِهِ. فَقَالَ فرج: صَاحِبي ثِقَة، وَهُوَ لَا يخفرني، إِن شَاءَ الله. قَالَ يحيى: فَكتبت إِلَى الْحسن بن سهل، وَعبد الله بن طَاهِر، وَحميد،

стр. 756

ودينار بن عبد الله، وغسان، وَرِجَال الْمَأْمُون، أسألهم إعانتي فِي المَال. قَالَ: فحملوا لي ذَلِك عَن آخِره، حمل كل إِنْسَان مِنْهُم، على قدره، قَالَ يحيى: فَكتبت رقْعَة إِلَى الْمَأْمُون، أعرفهُ أَن المَال قد حضر، وأسأله أَن يَأْمر من يقبضهُ. قَالَ: فأحضرني، فَلَمَّا وَقعت عينه عَليّ؛ قَالَ لي: يَا خائن، الْحَمد لله الَّذِي بَين لي خِيَانَتك، وَأظْهر لي كَذبك، ألم تذكر أَنَّك لَا تملك إِلَّا سبع مائَة ألف دِرْهَم؟ فَكيف تهَيَّأ لَك أَن حملت فِي عشرَة أَيَّام اثْنَي عشر ألف ألف دِرْهَم؟ قَالَ: فَقلت: حُمِلَتْ، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من هَذِه الجريدة، وَدفعت إِلَيْهِ جَرِيدَة بأسماء من حمل إِلَيّ المَال، ومبلغ مَا حمل كل وَاحِد مِنْهُم. قَالَ: فَقَرَأَ الجريدة، ثمَّ أطرق مَلِيًّا، وَرفع رَأسه، فَقَالَ: لَا يكون أَصْحَابنَا، أَجود منا، هَذَا المَال قد وهبناه لَك، وأبرأنا ضمينك. قَالَ يحيى: فَانْصَرَفت، فَرددت المَال إِلَى أَصْحَابه، فَأَبَوا أَن يقبلوه، وَقَالُوا: قد وهبناه لَك، فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْت. قَالَ: فَحَلَفت أَن لَا أقبل مِنْهُ درهما، وَقلت لَهُم: أَخَذته فِي وَقت حَاجَتي، ورددته عِنْد استغنائي عَنهُ وقبولي إِيَّاه فِي هَذَا الْوَقْت ضرب من التغنم. فرددته عَلَيْهِم.

стр. 757

مَا بَقِي لَهُ غير دِرْهَمَيْنِ ثمَّ جَاءَهُ الْفرج وَوجدت فِي هَذَا الْكتاب، عَن يَعْقُوب بن بَيَان: حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة، وَقد تجارينا لُزُوم المتعطلين أَبْوَاب المتشاغلين، وَتعذر الشّغل عَلَيْهِم، بعد أَن قُلْنَا جَمِيعًا: إِن الأرزاق مقسومة، وَإِن الله، تَعَالَى، إِذا أذن فِيهَا سهلها، قَالَ: فَحَدثني عَمْرو بن حَفْص، عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ أبي حَفْص، قد صحب بعض عُمَّال فَارس إِلَى فَارس، فَأَقَامَ على بَابه سِتَّة أشهر، يلقاه كل يَوْم فِيهَا، فَلَا يكلمهُ الْعَامِل فِيهَا بِشَيْء، وينصرف أبي إِلَى منزله. قَالَ: فنفدت نَفَقَته، وَبَاعَ كل مَا كَانَ مَعَه، حَتَّى قَالَ لَهُ غُلَامه يَوْمًا: مَا بَقِي إِلَّا الدَّابَّة، والبغل، ودرهمان. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: اشْتَرِ لنا بِالدِّرْهَمَيْنِ خوخا، فَإِنَّهُ أرخص من الْخبز، لنتقوته، إِلَى أَن يفرج الله، ، عَنَّا. قَالَ: فَفعل الْغُلَام ذَلِك، وَأكل حَفْص من الخوخ شَيْئا ونام، فَمَا اسْتَيْقَظَ إِلَّا بدق الْبَاب، وَإِذا رَسُول الْعَامِل يَأْمُرهُ بالحضور، فَركب، فَوجدَ الْعَامِل قَاعِدا فِي دَاره على كرْسِي ينتظره. فَلَمَّا دخل؛ قَالَ الْعَامِل: لَا جَزَاك الله خيرا عني، وَلَا عَن نَفسك. قَالَ: وَلم ذَاك، أصلحك الله؟ قَالَ: أتستقيم على بَابي سِتَّة أشهر، وَلم تَرَ على نَفسك أَن تريني وَجهك يَوْمًا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: أعزّك الله، أَنا فِي مجلسك كل يَوْم. قَالَ: وَالله، مَا وَقعت لي عَلَيْك عين، وَلَا خطرت ببالي إِلَّا السَّاعَة،

стр. 758

فَإِنِّي ذكرتك، فَعلمت طول مقامك فِي العطلة والغربة. ودعا بكتابه، فَكتب كتبي على فسا ودرابجرد، وَخرجت من يومي إِلَى الْعَمَل، فحصلت مِنْهُ، فِي مديدة قريبَة، سوى نفقتي، سِتّ مائَة ألف دِرْهَم.

стр. 759

٢٦٨ سَبَب تَوْبَته عَن النَّبِيذ حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، وَعبيد الله بن مُحَمَّد العبقسي، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَا: حَدثنَا أَبُو الْفَتْح الْقطَّان: أَن رجلا من أَوْلَاد التُّجَّار، زَالَت نعْمَته، وَصَارَ بوابا لأبي أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى الموسوي الْعلوِي، نقيب الطالبيين، أيده الله، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي خَالِي، وَكَانَ صيرفيا، قَالَ: كنت وَجَمَاعَة من إخْوَانِي، عِنْد بَعْضنَا مُجْتَمعين نشرب، وَعِنْدنَا غُلَام أَمْرَد، وَنحن نَأْكُل بطيخا، وَفِي يَد كل وَاحِد منا سكينا.

стр. 760

فَأخذ الْغُلَام يمزح مَعَ وَاحِد منا فِي يَده سكين؛ ليأخذها مِنْهُ، فَرمي بالسكين، كالضجر من مجاذبته إِيَّاهَا، فَوَقَعت فِي قلب الْغُلَام، فَتلف فِي الْحَال، فقمنا لنهرب. فَقَالَ صَاحب الْبَيْت: مَا هَذِه فتوة، إِمَّا أَن نبتلى كلنا، أَو نتخلص كلنا. فأغلقنا بَاب الدَّار، وشققنا بطن الْغُلَام، فألقينا مَا فِيهِ فِي المستراح، وفصلنا أعضاءه، فَأخذ كل منا عضوا، وَخَرجْنَا مُتَفَرّقين؛ لنلقي ذَلِك بِحَيْثُ يخفى خَبره. فَوَقع معي الرَّأْس، فلففته فِي فوطة، وَجَعَلته فِي كمي.

стр. 761

فَلَمَّا مشيت؛ استقبلني رجالة الْمُحْتَسب، فقبضوا على كمي، وَقَالُوا: قد أمرنَا الْمُحْتَسب بِخَتْم كل كيس نجده، حَتَّى يفتح بِحَضْرَتِهِ، وَيخرج مَا فِيهِ، وَتُؤْخَذ مِنْهُ الزائفة. فرفقت بهم، وبذلت لَهُم دَارهم كَثِيرَة، فَلم يجيبوا، وَمَشوا بِي مَعَهم، وأمسكوني يُرِيدُونَ الْمُحْتَسب. فَنَظَرت، فَإِذا أَنا هَالك، وفكرت فِي الْحِيلَة والخلاص، فَلم تتجه، حَتَّى رَأَيْت دربا ضيقا لطيف الْبَاب، كَأَنَّهُ بَاب دَار وَأَنا أعرفهُ منفذا. فَقلت لَهُم: أَنْتُم تُرِيدُونَ ختم كيسي، فَمَا معنى تشبثكم بيَدي وكمي كَأَنِّي لص؟ أَنا مَعكُمْ إِلَى الْمُحْتَسب، فَخلوا عَن يَدي، فَفَعَلُوا، وأطافوا بِي. فَلَمَّا صرت على بَاب الدَّرْب؛ سعيت، وأغلقت بَابه، واستوثقت مِنْهُ، وسعيت إِلَى آخِره، فَإِذا بِئْر كنيف قد فتحت لتنقى، وَتركت مَفْتُوحَة، فألقيت الفوطة بِمَا فِيهَا فِي الْبِئْر، وَخرجت أسعى من طرف الدَّرْب الآخر، حَتَّى بلغت منزلي، وحمدت الله، تَعَالَى، على الْخَلَاص من الهلكة، وتبت عَن النَّبِيذ.

стр. 762

٢٦٩ حلف بِالطَّلَاق لَا يحضر دَعْوَة، وَلَا يشيع جَنَازَة حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى الموسوي الْعلوِي النَّقِيب، قَالَ: حَدثنِي شيخ كَانَ يخدمني، وَقد تجارينا أَحَادِيث النَّاس، فَقَالَ: إِنَّه حلف بِالطَّلَاق، أَلا يحضر دَعْوَة، وَلَا يشيع جَنَازَة، وَلَا يودع وَدِيعَة، فَسَأَلته عَن ذَلِك. فَقَالَ: كنت انحدرت إِلَى الْبَصْرَة من بَغْدَاد، فَصَعدت إِلَى بعض مشارع الْبَصْرَة عشَاء، فاستقبلني رجل، فكناني بِغَيْر كنيتي، وبش فِي وَجْهي، وأحفى، وَجعل يسألني عَن قوم لَا أعرفهم، وَيحلف عَليّ فِي النُّزُول عِنْده. وَكنت غَرِيبا، لَا أعرف مَكَانا، فَقلت: أَبيت عِنْده اللَّيْلَة إِلَى غَد، فأطلب موضعا. فموهت عَلَيْهِ القَوْل، فجذبني إِلَى منزله، وَكَانَ معي رَحل صَالح، وَفِي كمي دَرَاهِم كَثِيرَة. فَدخلت إِلَيْهِ، فَإِذا عِنْده دَعْوَة، وَالْقَوْم على نَبِيذ، وَقد خرج لحَاجَة،

стр. 763

فشبهني بصديق لَهُ، وتموه عَلَيْهِ أَمْرِي لسكره. وَكَانَ فِيمَن عِنْده، رجل لَهُ غُلَام أَمْرَد، فَلَمَّا أخذُوا مضاجعهم للنوم؛ أرقت من بَينهم. فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة؛ رَأَيْت وَاحِدًا من الْجَمَاعَة، قد قَامَ إِلَى الْغُلَام الْأَمْرَد، ففسق بِهِ، وَرجع إِلَى مَوْضِعه، وَكَانَ قَرِيبا من صَاحب الْغُلَام. واستيقظ فِي الْحَال صَاحب الْغُلَام، فَتقدم إِلَى غُلَامه ليفسق بِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ ألم تكن السَّاعَة عِنْدِي، وَفعلت بِي كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: قد جَاءَنِي السَّاعَة من فعل بِي، وظننته إياك، فَلم أتحرك، وَلم أَظن أَن أحدا يَجْسُر عَلَيْك. فنخر الرجل، وجرد سكينا من وَسطه، وَقَامَ، وَأَنا أرعد، فَلَو كَانَ دنا مني، حَتَّى يجدني أرعد؛ لَقَتَلَنِي، وَظن أَنِّي صَاحب الْقِصَّة. فَلَمَّا أَرَادَ الله، ، من بَقَاء حَياتِي مَا أَرَادَ، بَدَأَ بِصَاحِبِهِ، فَوضع يَده على قلبه، فَوَجَدَهُ يخْفق، وَقد تناوم عَلَيْهِ، يَرْجُو بذلك السَّلامَة، فَوضع السكين فِي قلبه، وَأمْسك فَاه، فاضطرب الرجل، وَتلف. فَأخذ الرجل بيد غُلَامه، وَفتح الْبَاب، وَانْصَرف. فورد عَليّ أَمر عَظِيم. وَقلت: أَنا غَرِيب، وينتبه صَاحب الْبَيْت، فَلَا يعرفنِي، وَلَا يشك فِي أَنِّي صَاحب الْجِنَايَة، فأقتل. فَتركت رحلي، وَأخذت رِدَائي، ونعلي، وَطلبت الْبَاب، فَلم أزل أَمْشِي، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، وَاللَّيْل منتصف، وَخفت العسس، فَرَأَيْت

стр. 764

أتون حمام لم يُوقد بعد. فَقلت: أختبئ فِيهِ، إِلَى أَن يفتح الْحمام، فَأدْخلهُ، فَجَلَست فِي كسر الأتون. فَمَا لَبِثت حينا، حَتَّى سَمِعت وَقع حافر، وَإِذا بِرَجُل يَقُول: قد رَأَيْتُك يَابْنَ الفاعلة، وَدخل الأتون، وَأَنا كالميت من الْفَزع، لَا أتحرك، فَلَمَّا لم يجد حسا، أَدخل رَأسه وَيَده، يُومِئ بِسيف مَعَه فِي الأتون، وَأَنا بعيد عَن أَن ينالني السَّيْف، صابر، مستسلم. فَلَمَّا لم يحس أحدا؛ خرج إِلَى بَابه، وَإِذا مَعَه جَارِيَة، فَأدْخلهَا الأتون، فذبحها، وَتركهَا وَمضى. فَرَأَيْت بريق خلخالين فِي رِجْلَيْهَا، فانتزعتهما مِنْهَا، وَخرجت، وَمَا زلت أَمْشِي فِي الطَّرِيق متحيرا، إِلَى أَن صرت إِلَى بَاب حمام قد فتح، فدخلته، وخبأت مَا معي فِي ثِيَابِي، عِنْد الحمامي. وَخرجت وَقد أَصبَحت، فضممت الخلخالين إِلَى مَا معي، وَطلبت الطَّرِيق، فَعرفت أَنِّي بِالْقربِ من دَار صديق لي، فطلبتها، فدققت بَابه، فَفتح لي، وسر بمقدمي، وأدخلني. فَدفعت إِلَيْهِ منديلي الَّذِي كَانَ فِيهِ دراهمي والخلخالين؛ ليخبئهما، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِمَا تغير وَجهه. فَقلت: مَا لَك؟

стр. 765

فَقَالَ: من أَيْن لَك هَذَانِ الخلخالان؟ فَأَخْبَرته بخبري كُله فِي لَيْلَتي، فَدخل مسرعا إِلَى دَار حرمه، وَخرج إِلَيّ. فَقَالَ: أتعرف الرجل الَّذِي رَأَيْته قتل الْجَارِيَة؟ قلت: أما بِوَجْهِهِ فَلَا؛ لِأَن اللَّيْل والظلمة كَانَت حائلة بَيْننَا، وَلَكِن إِن سَمِعت كَلَامه عَرفته. فأعد طَعَاما، وَغدا فِي أمره، وَعَاد بعد سَاعَة، وَمَعَهُ رجل شَاب من الْجند، فَكَلمهُ، وغمزني عَلَيْهِ. فَقلت: نعم، هَذَا هُوَ الرجل. ثمَّ أكلنَا، وَحضر الشَّرَاب، فَحمل عَلَيْهِ بالنبيذ، فَسَكِرَ، ونام مَوْضِعه، فأغلق بَاب الدَّار، وَذبح الرجل. وَقَالَ لي: إِن المقتولة أُخْتِي، وَكَانَ هَذَا قد أفسدها، ونمى الْخَبَر إِلَيّ مُنْذُ أَيَّام فَلم أصدق، إِلَّا أَنِّي طردت أُخْتِي، وأبعدتها عني، فمضت إِلَيْهِ، وَلست أَدْرِي مَا كَانَ بَينهمَا، حَتَّى قَتلهَا، وَإِنَّمَا عرفت الخلخالين وَدخلت فسألتها عَنْهَا. فَقيل لَهَا: هِيَ عِنْد فلَان. فَقلت: قد رضيت عَنْهَا، فوجهوا، فردوها، فلجلجوا فِي القَوْل، فَعلمت أَن الرجل قد قَتلهَا كَمَا ذكرت، فَقتلته، فَقُمْ حَتَّى ندفنه. فخرجنا لَيْلًا، أَنا وَالرجل، حَتَّى دفناه، وعدت إِلَى المشرعة، هَارِبا من الْبَصْرَة، حَتَّى دخلت بَغْدَاد. وَحلفت أَلا أحضر دَعْوَة أبدا، وَلَا أودع وَدِيعَة أبدا. وَأما الْجِنَازَة، فَإِنِّي خرجت بِبَغْدَاد، نصف النَّهَار، فِي يَوْم حَار، لحَاجَة، فاستقبلتني جَنَازَة يحملهَا نفسان.

стр. 766

فَقلت: غَرِيب، فَقير، أحملها مَعَهُمَا فأثاب، فَدخلت تحتهَا، بَدَلا من أحد الحمالين. فحين اسْتَقَرَّتْ على كَتِفي؛ افتقدت الْحمال، فَلم أَجِدهُ، فَصحت: يَا حمال، يَا حمال. فَقَالَ الآخر: امش، واسكت، قد انْصَرف الْحمال. فَقلت: السَّاعَة، وَالله، أرمي بهَا. فَقَالَ الْحمال: وَالله، لَئِن فعلت لأصيحن. فَاسْتَحْيَيْت، وَقلت: ثَوَاب، فحملناها إِلَى مَسْجِد الْجَنَائِز، فَلَمَّا حططنا الْجِنَازَة فِي مَسْجِد الْجَنَائِز؛ هرب الْحمال الآخر. فَقلت: مَا لهَؤُلَاء الملاعين، وَالله، لأتمن الثَّوَاب، فأخرجت من كمي دَرَاهِم، وَصحت: يَا حفار، أَيْن قبر هَذِه الْجِنَازَة؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقلت: أحفر، فَأخذ مني دِرْهَمَيْنِ، وحفر قبرا. فَلَمَّا صوبت عَلَيْهِ الْجِنَازَة؛ ليَأْخُذ الْمَيِّت فيدفنه، وثب الحفار من الْقَبْر فلطمني، وَجعل عمامتي فِي رقبتي، وَصَاح: يَا قوم، قَتِيل، فَاجْتمع النَّاس، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: هَذَا الرجل، جَاءَ بِهَذَا الْمَيِّت، بِلَا رَأس؛ لأدفنه، وَحل الْكَفَن، فوجدوا الْأَمر على مَا قَالَه الْأَمر على مَا قَالَه الحفار. فدهشت، وتحيرت، وَجرى عَليّ من مَكْرُوه الْعَامَّة، مَا كَادَت نَفسِي تتْلف مَعَه. ثمَّ حملت إِلَى صَاحب الشرطة، وَأخْبر الْخَبَر، فَلم يرد شَاهدا عَليّ، فجردت للسياط، وَأَنا سَاكِت باهت.

стр. 767

وَكَانَ لَهُ كَاتب عَاقل، فحين رَآنِي، وَرَأى حيرتي، قَالَ لَهُ: أَنْظرنِي، حَتَّى أكشف حَال هَذَا الرجل، فَإِنِّي أَحْسبهُ مَظْلُوما، فأمهله. فَقَامَ، وخلا بِي، وساءلني، فَأَخْبَرته خبري، وَلم أَزْد فِيهِ وَلم أنقص. فنحى الْمَيِّت عَن الْجِنَازَة، وفتشها، فَوجدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا: إِنَّهَا لِلْمَسْجِدِ الْفُلَانِيّ، فِي النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة. فَأخذ مَعَه رِجَاله وَمضى، فَدخل الْمَسْجِد متنكرا، فَوجدَ فِيهِ خياطا، فَسَأَلَهُ عَن جَنَازَة هُنَاكَ، كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يحمل عَلَيْهَا مَيتا لَهُ. فَقَالَ الْخياط: لِلْمَسْجِدِ جَنَازَة، إِلَّا أَنَّهَا قد أخذت مِنْهُ الْغَدَاة؛ لحمل ميت، وَلم ترد. قَالَ: من أَخذهَا؟ قَالَ: أهل تِلْكَ الدَّار، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا. فكبسها الْكَاتِب برجالة الشرطة، فَوجدَ رجَالًا عزابا، فَقبض عَلَيْهِم، وَحَملهمْ إِلَى الشرطة، وَأخْبر صَاحب الشرطة بالْخبر. وَقرر الْقَوْم، فأقروا أَنهم تغايروا على غُلَام أَمْرَد كَانَ مَعَهم، فَقَتَلُوهُ، وطرحوا رَأسه فِي بِئْر حفروها فِي الدَّار، وَحَمَلُوهُ على تِلْكَ الصُّورَة، وَأَن الحمالين كَانَا من جملَة الْقَوْم، وعَلى أصل هربا. فَضربت أَعْنَاق الْقَوْم، وخلي سبيلي. فَهَذَا سَبَب يَمِيني فِي أَلا أحضر جَنَازَة.

стр. 768

٢٧٠ ابْن قمير الْموصِلِي وَقع فِي ورطة وتخلص مِنْهَا وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي ابْن قمير، مُجَلد الْكتب، كَانَ، بالموصل، قَالَ: أَعْطَانِي أَبُو عبد الله بن أبي الْعَلَاء بن حمدَان، دفترا أجلده، وأكد عَليّ الْوَصِيَّة فِي حفظه، فَأَخَذته مِنْهُ، ومضيت إِلَى دكاني. وَكَانَ طريقي على دجلة، فَنزلت إِلَى مشرعة أتوضأ، فَسقط الدفتر من كمي فِي المَاء، فتناولته عجلا قبل أَن يغرق، وَقد ابتل، فَقَامَتْ قيامتي، وَلم أَشك أَنه سيجزي عَليّ مَكْرُوه شَدِيد من أبي عبد الله، من ضرب، وَحبس، وَأخذ مَال، فَعمِلت على الْهَرَب من الْموصل. ثمَّ قلت: أجففه، وأجلده، وأجتهد فِي أَن أسلمه إِلَى غُلَام لَهُ، وَهُوَ لَا يعلم، واستتر، فَإِن ظهر الحَدِيث؛ هربت، وَإِن كفى الله، تَعَالَى، ذَلِك، وتمت عَلَيْهِ الْحِيلَة ظَهرت.

стр. 769

فحللته، وجففته، وثقلته، حَتَّى رَجَعَ واستوى، أَكثر مَا يُمكن من مثله، وجلدته، وتأنقت فِي التجليد. فَلَمَّا فرغت مِنْهُ؛ جِئْت إِلَى الْحَاجِب لأسلمه إِلَيْهِ من بَاب الدَّار وأمضي، فصادفت الْحَاجِب جَالِسا فِي الدهليز، فَسلمت إِلَيْهِ الدفتر. فَقَالَ: ادخل إِلَيْهِ، وادفعه من يدك إِلَى يَده، فَلَعَلَّهُ يتوقعك، وَلَعَلَّه يَأْمر لَك بِشَيْء. فَقلت: لَا أُرِيد، فَإِنِّي مستعجل. فَقَالَ: لَا يجوز، وَلم يدعني حَتَّى دخلت إِلَيْهِ، فَلم أَشك أَن ذَلِك من سوء الِاتِّفَاق عَليّ، الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَكْرُوه، ومشيت فِي الصحن وَأَنا فِي صُورَة عَظِيمَة من الْهم. فَوجدت أَبَا عبد الله جَالِسا على بركَة مَاء فِي صحن دَاره، والغلمان قيام على رَأسه، فأخرجت الدفتر من كمي. فَقَالَ لأحد غلمانه: خُذْهُ من يَده، وهاته. فجَاء الْغُلَام من جَانب الْبركَة، وَأَنا من الْجَانِب الآخر، وَمد يَده ليأخذه، فأعطيته إِيَّاه، فَلم يتَمَكَّن فِي يَده، حَتَّى سقط الدفتر فِي الْبركَة، وغاص إِلَى قعرها. فجن أَبُو عبد الله، وَشتم الْغُلَام، وَقَالَ: مقارع، مقارع. فحمدت الله، ، على استتار أَمْرِي من حَيْثُ لَا أحتسب، وكفايتي مَا كنت أخافه. وَخرجت، والغلام يضْرب.

стр. 770

٢٧١ واسطي أتلف مَاله وافتقر ثمَّ صلح حَاله بعد أهوال حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصُّورِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ فِي جوارنا بواسط، شَاب أتلف مَاله فِي اللّعب، فافتقر فقرا شَدِيدا، ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك بِمدَّة، وَقد أثرى، وصلحت حَاله، وَأَقْبل على شَأْنه. فَقلت لَهُ: مَا سَبَب هَذَا؟ فدافعني. ثمَّ قَالَ: أحَدثك، وتكتم عَليّ؟ فَقلت: نعم. فَقَالَ: إِن الْفقر بلغ بِي إِلَى حَال تمنيت مَعهَا الْمَوْت، وَولدت امْرَأَتي ذَات لَيْلَة، وَكَانَت لَيْلَة الْعِيد، فَلم يكن معي مَا أَشْتَرِي لَهَا مَا يمسك رمقها، فَخرجت على وَجْهي، أطلب من أَتصدق مِنْهُ شَيْئا أَعُود بِهِ إِلَى امْرَأَتي. فأفضيت إِلَى زقاق طَوِيل لَا أعرفهُ، فَدخلت، فَإِذا هُوَ لَا ينفذ، وَإِذا فِيهِ بَاب دَار مَفْتُوح، ومستراح. فَدخلت الدَّار بِغَيْر إِذن، فَإِذا بِرَجُل يطْبخ قدرا، فصاح عَليّ، وَقَالَ: من أَنْت، وَيلك؟ ، فقصصت عَلَيْهِ خبري. فَقَالَ: امْضِ إِلَى ذَلِك الْبَيْت، واجلس إِلَى أَن أفرغ من الْقدر، فأعطيك مِنْهَا مَعَ الْخبز شَيْئا إِلَى امْرَأَتك، وَنَفَقَة تكفيك أَيَّامًا. فَدخلت الْبَيْت، فَرمى إِلَيّ كسَاء، وَقَالَ: تغط بِهِ، ونم سَاعَة.

стр. 771

وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة، وَكنت بقميص وَاحِد، فتغطيت بالكساء، وانضجعت، وَلم يدْخل عَيْني النّوم، لما بِي من الْجُوع وَالْغَم. فَمَا لَبِثت أَن جَاءَ رجل عُرْيَان، فَدخل وعَلى رَأسه شَيْء ثقيل، فَقَامَ الَّذِي يطْبخ، فأغلق الْبَاب، وَأنزل مَا كَانَ على رَأسه. وَقَالَ لَهُ: وَيلك، غبت، حَتَّى أَيِست مِنْك. فَقَالَ: كنت يومي وليلتي، مختبئا خلف حطب لَهُم، حَتَّى تمكنت من أَخذ هَذِه البدرة، وَمَا أَدْرِي أدنانير هِيَ، أم دَرَاهِم؟ وَأَنا ميت جوعا، فأطعمني شَيْئا. قَالَ: فَأخذ الرجل يغْرف من الْقدر، وَمضى الْعُرْيَان فَلبس شَيْئا، وَجَاء إِلَى الآخر، وَقد غرف، فَجعلَا يأكلان، وَقد خرجت نَفسِي فَزعًا. فَلَمَّا أكلا؛ أخرجَا شرابًا، وَجعلا يشربان، وَأَنا متحير لَا أَدْرِي مَا أصنع، وَلست أجترئ أطلب من الرجل شَيْئا. وَأَقْبل الْعُرْيَان يشرب أَكثر من الآخر الَّذِي كَانَ يطْبخ، وَجعل الَّذِي كَانَ يطْبخ، يَقُول لَهُ: استكثر من الشّرْب لتدفأ، إِلَى أَن سكر الْعُرْيَان، ونام. فَقَامَ الأول، فَطَافَ فِي الدَّار، ثمَّ جَاءَنِي، فكلمني فسكتّ؛ خوفًا من أَن يعلم أَنِّي قد علمت بقصتهما، فَيَقْتُلنِي، فَظن أنني قد نمت. فَمضى إِلَى النَّائِم، فذبحه، ثمَّ أمْسكهُ حَتَّى مَاتَ، ثمَّ لفه فِي كسَاء، وَحمله على عَاتِقه، وَخرج من الدَّار. فَقلت لنَفْسي: لأي شَيْء قعودي؟

стр. 772

فَقُمْت، فَجئْت إِلَى البدرة، فجعلتها فِي الكساء الَّذِي كَانَ عَليّ، وَخرجت أسعى سعيا شَدِيدا. فَلم أزل كَذَلِك، حَتَّى رَأَيْت مَسْجِدا قد فَتحه إِنْسَان، وَخرج مِنْهُ، وَجلسَ يَبُول، فدخلته، وَجَاء الرجل الَّذِي كَانَ يَبُول، فدخله، وأغلق بَابه. وَقَالَ لي: أَي شَيْء أَنْت؟ فَقلت: غَرِيب، جِئْت السَّاعَة من السوَاد، وَلم أجسر أَن أتجاوز هَذَا الْموضع، فأجرني، أجارك الله. فَقَالَ: نم مَكَانك، فَتركت البدرة تَحت جَنْبي واتكأت عَلَيْهَا. فَلم ألبث حَتَّى سَمِعت فِي الطَّرِيق صَوت رجل يسْعَى سعيا شَدِيدا، وَإِذا كَلَام صَاحِبي بِعَيْنِه، وَهُوَ يَقُول: عَملهَا ابْن الزَّانِيَة، ويلي على دَمه. فأبصرته من شباك الْمَسْجِد، وَإِذا فِي يَده خنجر مُجَرّد، وَهُوَ يتَرَدَّد ذَاهِبًا وجائيا، وأعماه الله عَن دُخُول الْمَسْجِد، إِلَى أَن مضى. وَلم أزل ساهرا لَا يحملني النّوم؛ خوفًا مِنْهُ، وإشفاقا على مَا معي، إِلَى أَن أَضَاء الصُّبْح، وَأذن فِي الْمَسْجِد. وَخرجت كَأَنِّي أتوضأ، وحملت مَا معي، ومشيت، وَالنَّاس قد كَثُرُوا فِي الطَّرِيق، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى بَيْتِي، فأخفيت مَا جِئْت بِهِ، وأصلحت حَالي، وَحَال زَوْجَتي. ثمَّ خرجت إِلَى ضَيْعَة، كَانَت لأبي، خراب، فأقمت بهَا مُدَّة، حَتَّى عمرتها بِأَكْثَرَ ذَلِك المَال، وَعلمت أَنه لَا يتَّفق مثل هَذَا الِاتِّفَاق أبدا، ولزمت شأني، وصلحت حَالي.

стр. 773

قَالَ: فَقَالَ أبي: مَا حدثت بِهَذَا الحَدِيث حَتَّى مَاتَ الرجل، وَلَا أُسَمِّيهِ أبدا.

стр. 774

اللجاج شُؤْم حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَنْبَارِي الشَّاهِد، بِبَغْدَاد، أحد كتاب قضاتها وخلفائهم، وَيعرف أَيْضا بـ: صهر القَاضِي ابْن سيار، الَّذِي كَانَ يخلف القَاضِي أَبَا الْقَاسِم التنوخي، ﵀، على أَعمال نواحي وَاسِط وكور الأهواز، وَخلف بعده عدَّة قُضَاة رُؤَسَاء، وَكَانَ من شُيُوخ غلْمَان أبي الْحسن الْكَرْخِي، وَقد رَأَيْت أَنا أَبَا الْحسن هَذَا كثيرا عِنْد أبي، ﵁، وَلم أسمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْبَصرِيين، أَثِق بِهِ، قَالَ: عادلت فلَانا القَاضِي، ذكره ابْن مرغول، ﵀، وأنسيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد، إِلَى الْحَج. قَالَ: وتشاجر رجلَانِ فِي الرّفْقَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا من الْقَافِلَة. قَالَ: وجذبهما ذَلِك القَاضِي إِلَيْهِ، وَلم يزل يتوسط بَينهمَا ويترقق بهما، وَقد اسْتعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا اللجاج والمشاحنة، وَأَقَامَا عَلَيْهَا، وَهُوَ يصبر عَلَيْهِمَا، وَيَقُول: اللجاج شُؤْم فَلَا تستعملانه، ويكرر هَذِه اللَّفْظَة، إِلَى أَن فصل بَينهمَا. فَقَالَ لي: أذكرني حَدِيثا فِي اللجاج، جرى على يَدي، لَك فِيهِ، وَلكُل من سَمعه أدب. قَالَ: فأذكرته بعد وَقت.

стр. 775

فَقَالَ: كنت أتولى الْقَضَاء، فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَتقدم إِلَيّ رجلَانِ، فَادّعى أَحدهمَا على الآخر عشْرين دِينَارا. فَقلت للْمُدَّعى عَلَيْهِ: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَهُ عَليّ ذَلِك، إِلَّا أَنِّي عبد لآل فلَان، مكَاتب، مَأْذُون لي فِي التَّصَرُّف، واتجرت، فخسرت، وَلَيْسَ معي مَا أعْطِيه، وَقد عاملني هَذَا الرجل سِنِين كَثِيرَة، وَربح عَليّ أَضْعَاف هَذِه الدَّنَانِير مرَارًا، فَإِن رأى القَاضِي أَن يسْأَله الرِّفْق بِي، فَإِنِّي عبد، وَضَعِيف، وَلَا حِيلَة لي. فَسَأَلته أَن يرفق بِهِ، ويؤخره، فَامْتنعَ. فَقلت: قد سَمِعت. فَقَالَ: مَا لي حِيلَة. فَقَالَ الرجل: احبسه لي. فَعَاد العَبْد يسألني، فَسَأَلته أَن لَا يفعل، وَبكى العَبْد، فرققت لَهُ، وَسَأَلت خَصمه أَن لَا يحْبسهُ، وَأَن ينظره. فَقَالَ: لَا أفعل. فَقَالَ العَبْد: إِن حَبَسَنِي أهلكني، وَوَاللَّه مَا أرجع إِلَى شَيْء، وَإنَّهُ ليضايقني، ويلج فِي أَمْرِي، وَقد انْتفع مني بأضعاف هَذِه الدَّنَانِير، وَورث مُنْذُ أَيَّام من أخي أُلُوف دَنَانِير، فأشير عَليّ بمنازعته إِلَى القَاضِي فِي الْمِيرَاث، فَلم أفعل. قَالَ: فحين قَالَ ذَلِك، توجه لي وَجه طمع فِي خلاصه من لجاج ذَلِك الْغَرِيم، وَقد كَانَ غاظني بلجاجه ومحكه. فَقلت: كَيفَ ورث أَخَاك، وَأَرَدْت منازعته؟
следующие страницы →