← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة، وَكنت بقميص وَاحِد، فتغطيت بالكساء، وانضجعت، وَلم يدْخل عَيْني النّوم، لما بِي من الْجُوع وَالْغَم. فَمَا لَبِثت أَن جَاءَ رجل عُرْيَان، فَدخل وعَلى رَأسه شَيْء ثقيل، فَقَامَ الَّذِي يطْبخ، فأغلق الْبَاب، وَأنزل مَا كَانَ على رَأسه. وَقَالَ لَهُ: وَيلك، غبت، حَتَّى أَيِست مِنْك. فَقَالَ: كنت يومي وليلتي، مختبئا خلف حطب لَهُم، حَتَّى تمكنت من أَخذ هَذِه البدرة، وَمَا أَدْرِي أدنانير هِيَ، أم دَرَاهِم؟ وَأَنا ميت جوعا، فأطعمني شَيْئا. قَالَ: فَأخذ الرجل يغْرف من الْقدر، وَمضى الْعُرْيَان فَلبس شَيْئا، وَجَاء إِلَى الآخر، وَقد غرف، فَجعلَا يأكلان، وَقد خرجت نَفسِي فَزعًا. فَلَمَّا أكلا؛ أخرجَا شرابًا، وَجعلا يشربان، وَأَنا متحير لَا أَدْرِي مَا أصنع، وَلست أجترئ أطلب من الرجل شَيْئا. وَأَقْبل الْعُرْيَان يشرب أَكثر من الآخر الَّذِي كَانَ يطْبخ، وَجعل الَّذِي كَانَ يطْبخ، يَقُول لَهُ: استكثر من الشّرْب لتدفأ، إِلَى أَن سكر الْعُرْيَان، ونام. فَقَامَ الأول، فَطَافَ فِي الدَّار، ثمَّ جَاءَنِي، فكلمني فسكتّ؛ خوفًا من أَن يعلم أَنِّي قد علمت بقصتهما، فَيَقْتُلنِي، فَظن أنني قد نمت. فَمضى إِلَى النَّائِم، فذبحه، ثمَّ أمْسكهُ حَتَّى مَاتَ، ثمَّ لفه فِي كسَاء، وَحمله على عَاتِقه، وَخرج من الدَّار. فَقلت لنَفْسي: لأي شَيْء قعودي؟

стр. 772

فَقُمْت، فَجئْت إِلَى البدرة، فجعلتها فِي الكساء الَّذِي كَانَ عَليّ، وَخرجت أسعى سعيا شَدِيدا. فَلم أزل كَذَلِك، حَتَّى رَأَيْت مَسْجِدا قد فَتحه إِنْسَان، وَخرج مِنْهُ، وَجلسَ يَبُول، فدخلته، وَجَاء الرجل الَّذِي كَانَ يَبُول، فدخله، وأغلق بَابه. وَقَالَ لي: أَي شَيْء أَنْت؟ فَقلت: غَرِيب، جِئْت السَّاعَة من السوَاد، وَلم أجسر أَن أتجاوز هَذَا الْموضع، فأجرني، أجارك الله. فَقَالَ: نم مَكَانك، فَتركت البدرة تَحت جَنْبي واتكأت عَلَيْهَا. فَلم ألبث حَتَّى سَمِعت فِي الطَّرِيق صَوت رجل يسْعَى سعيا شَدِيدا، وَإِذا كَلَام صَاحِبي بِعَيْنِه، وَهُوَ يَقُول: عَملهَا ابْن الزَّانِيَة، ويلي على دَمه. فأبصرته من شباك الْمَسْجِد، وَإِذا فِي يَده خنجر مُجَرّد، وَهُوَ يتَرَدَّد ذَاهِبًا وجائيا، وأعماه الله عَن دُخُول الْمَسْجِد، إِلَى أَن مضى. وَلم أزل ساهرا لَا يحملني النّوم؛ خوفًا مِنْهُ، وإشفاقا على مَا معي، إِلَى أَن أَضَاء الصُّبْح، وَأذن فِي الْمَسْجِد. وَخرجت كَأَنِّي أتوضأ، وحملت مَا معي، ومشيت، وَالنَّاس قد كَثُرُوا فِي الطَّرِيق، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى بَيْتِي، فأخفيت مَا جِئْت بِهِ، وأصلحت حَالي، وَحَال زَوْجَتي. ثمَّ خرجت إِلَى ضَيْعَة، كَانَت لأبي، خراب، فأقمت بهَا مُدَّة، حَتَّى عمرتها بِأَكْثَرَ ذَلِك المَال، وَعلمت أَنه لَا يتَّفق مثل هَذَا الِاتِّفَاق أبدا، ولزمت شأني، وصلحت حَالي.

стр. 773

قَالَ: فَقَالَ أبي: مَا حدثت بِهَذَا الحَدِيث حَتَّى مَاتَ الرجل، وَلَا أُسَمِّيهِ أبدا.

стр. 774

اللجاج شُؤْم حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَنْبَارِي الشَّاهِد، بِبَغْدَاد، أحد كتاب قضاتها وخلفائهم، وَيعرف أَيْضا بـ: صهر القَاضِي ابْن سيار، الَّذِي كَانَ يخلف القَاضِي أَبَا الْقَاسِم التنوخي، ﵀، على أَعمال نواحي وَاسِط وكور الأهواز، وَخلف بعده عدَّة قُضَاة رُؤَسَاء، وَكَانَ من شُيُوخ غلْمَان أبي الْحسن الْكَرْخِي، وَقد رَأَيْت أَنا أَبَا الْحسن هَذَا كثيرا عِنْد أبي، ﵁، وَلم أسمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْبَصرِيين، أَثِق بِهِ، قَالَ: عادلت فلَانا القَاضِي، ذكره ابْن مرغول، ﵀، وأنسيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد، إِلَى الْحَج. قَالَ: وتشاجر رجلَانِ فِي الرّفْقَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا من الْقَافِلَة. قَالَ: وجذبهما ذَلِك القَاضِي إِلَيْهِ، وَلم يزل يتوسط بَينهمَا ويترقق بهما، وَقد اسْتعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا اللجاج والمشاحنة، وَأَقَامَا عَلَيْهَا، وَهُوَ يصبر عَلَيْهِمَا، وَيَقُول: اللجاج شُؤْم فَلَا تستعملانه، ويكرر هَذِه اللَّفْظَة، إِلَى أَن فصل بَينهمَا. فَقَالَ لي: أذكرني حَدِيثا فِي اللجاج، جرى على يَدي، لَك فِيهِ، وَلكُل من سَمعه أدب. قَالَ: فأذكرته بعد وَقت.

стр. 775

فَقَالَ: كنت أتولى الْقَضَاء، فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَتقدم إِلَيّ رجلَانِ، فَادّعى أَحدهمَا على الآخر عشْرين دِينَارا. فَقلت للْمُدَّعى عَلَيْهِ: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَهُ عَليّ ذَلِك، إِلَّا أَنِّي عبد لآل فلَان، مكَاتب، مَأْذُون لي فِي التَّصَرُّف، واتجرت، فخسرت، وَلَيْسَ معي مَا أعْطِيه، وَقد عاملني هَذَا الرجل سِنِين كَثِيرَة، وَربح عَليّ أَضْعَاف هَذِه الدَّنَانِير مرَارًا، فَإِن رأى القَاضِي أَن يسْأَله الرِّفْق بِي، فَإِنِّي عبد، وَضَعِيف، وَلَا حِيلَة لي. فَسَأَلته أَن يرفق بِهِ، ويؤخره، فَامْتنعَ. فَقلت: قد سَمِعت. فَقَالَ: مَا لي حِيلَة. فَقَالَ الرجل: احبسه لي. فَعَاد العَبْد يسألني، فَسَأَلته أَن لَا يفعل، وَبكى العَبْد، فرققت لَهُ، وَسَأَلت خَصمه أَن لَا يحْبسهُ، وَأَن ينظره. فَقَالَ: لَا أفعل. فَقَالَ العَبْد: إِن حَبَسَنِي أهلكني، وَوَاللَّه مَا أرجع إِلَى شَيْء، وَإنَّهُ ليضايقني، ويلج فِي أَمْرِي، وَقد انْتفع مني بأضعاف هَذِه الدَّنَانِير، وَورث مُنْذُ أَيَّام من أخي أُلُوف دَنَانِير، فأشير عَليّ بمنازعته إِلَى القَاضِي فِي الْمِيرَاث، فَلم أفعل. قَالَ: فحين قَالَ ذَلِك، توجه لي وَجه طمع فِي خلاصه من لجاج ذَلِك الْغَرِيم، وَقد كَانَ غاظني بلجاجه ومحكه. فَقلت: كَيفَ ورث أَخَاك، وَأَرَدْت منازعته؟

стр. 776

فَقَالَ: إِن أخي كَانَ عبدا لَهُ، مَأْذُونا لَهُ فِي التَّصَرُّف، وَكَانَ يتجر ويتصرف، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ ضريبته، وَجمع مَالا وأمتعة، بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، ثمَّ مَاتَ، وَلم يخلف أحدا غَيْرِي، وَأَنا رجل ضَعِيف مَمْلُوك، ولي ابْنَانِ طفلان من امْرَأَة حرَّة، وهما حران، فَأَنا أعولهما، وأعول نَفسِي وزوجتي، وأؤدي إِلَى مولَايَ ضريبته، فطمعت فِي أَن أنازعه فِي الْمِيرَاث، وآخذ شَيْئا أَعُود بِهِ على نَفسِي وأولادي وعيالي، فَقيل لي: إِنَّك لَا تَرث، فَلم أحب منازعته؛ صِيَانة لَهُ، وَهُوَ الْآن يضايقني. قَالَ: فَقلت للرجل: هُوَ كَمَا قَالَ، إِن أَخَاهُ كَانَ عَبدك، وَمَات، وَخلف عَلَيْك تَرِكَة قيمتهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار؟ قَالَ: نعم. فَقلت لَهُ: وَلِهَذَا العَبْد طفلان حران؟ قَالَ: نعم. فَقلت: قُم، فَأَخَّرَهُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا تطالبه بهَا. فَقَالَ: مَا أَبْرَح إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ، أَو بحبسه. فَقلت: أقبل رَأْيِي، وَلَا تلج. فَقَالَ: لَا أفعل. فَقلت: إِنَّك مَتى لم تفعل؛ خرج من يدك مَال جليل. فَقَالَ: لَا أفعل. قَالَ: فَقلت للْعَبد: قد أَذِنت لَك أَن تَتَكَلَّم عَن ابنيك الطفلين، وهما، على مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود وَهُوَ مذهبي، أَحَق بِالْمِيرَاثِ من مَوْلَاهُ، وَإِن كنت أَنْت حَيا، فَإنَّك بِمَنْزِلَة الْمَيِّت للعبودية، فطالبه عَن ابنيك الحرين الطفلين بِالتَّرِكَةِ.

стр. 777

قَالَ: فطالبه بهَا. فأحضرت الشُّهُود، فَأَعَادَ الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى، وَلم أزل بالمولى، حَتَّى أسمعت الشُّهُود إِقْرَاره بِمَا كَانَ أقرّ بِهِ عِنْدِي، ثمَّ حكمت للابنين الطفلين بِالتَّرِكَةِ، وانتزعت جَمِيعهَا من يَده، وسلمت إِلَيْهِ مِنْهَا عشْرين دِينَارا؛ لما أقرّ لَهُ العَبْد بِهِ، وَجعلت ذَلِك دينا عَلَيْهِ لابْنَيْهِ. وسلمت مِقْدَار ثمن العَبْد، من مَال الطفلين، إِلَى أَمِين من أمنائي، وَقلت: اشْتَرِ أباهما من مَوْلَاهُ بِهَذِهِ الدَّنَانِير، واعتقه عَلَيْهِمَا، فَفعل. وَجعلت بَاقِي مَال الطفلين فِي يَد أَبِيهِمَا، وَأمين جعلته عَلَيْهِ مشرفا، وَأمرت الْأَب أَن يتجر لَهما بِالْمَالِ، وَيَأْخُذ ثلث الرِّبْح، بِحَق قِيَامه، وحكمت بِالْجَمِيعِ، وأشهدت على إنفاذي الحكم لَهُ الشُّهُود. فَقَامَ العَبْد، وَهُوَ فرحان، وَقد فرج الله عَنهُ، وآمنه أَن يحبس، وعتقت رقبته، وَصَارَ مُوسِرًا. وَقَامَ اللجوج خاسرا حائرا، وَقد أَخذ عشْرين دِينَارا، وَأعْطى ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.

стр. 778

ابْن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي يلتقط جواهره المبعثرة لم يفقد مِنْهَا شَيْئا حَدثنِي أَبُو عَليّ بن أبي عبد الله بن الْجَصَّاص، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: اتّفق أَنِّي كنت يَوْم قبض عَليّ المقتدر جَالِسا فِي دَاري، وَأَنا ضيق الصَّدْر، ضيقا شَدِيدا، لَا أعرف سَببه. وَكَانَ من عادتي إِذا لَحِقَنِي مثل ذَلِك، أَن أخرج جَوَاهِر عِنْدِي فِي درج معزولة لهَذَا، من ياقوت أَحْمَر وأزرق وأصفر، وحبا كبارًا ودرا فاخرا، يكون قيمَة الْجَمِيع خمسين ألف دِينَار، وَأكْثر، وأستدعي صينية ذهب لَطِيفَة، فأجعله فِيهَا، وألعب بِهِ، وأفلبه، فيزول ضيق صَدْرِي. فاستدعيت ذَلِك الدرج، فجاءوني بِهِ بِلَا صينية، فأنكرت ذَلِك، وَأمرت بإحضارها، وَفتحت الدرج، وفرغت مَا فِيهِ فِي حجري، ورددته على الْخَادِم، وأنفذته يجيئني بالصينية، وَأَنا جَالس فِي بُسْتَان، فِي صحن دَاري، فِي يَوْم بَارِد، طيب الشَّمْس، وَهُوَ مزهر بصنوف الشقائق والمناثير، وَأَنا أَلعَب بِتِلْكَ الْجَوَاهِر، إِذْ دخل النَّاس إِلَيّ بالصياح وَالْمَكْرُوه والكبس، فقربوا مني.

стр. 779

فدهشت، وَلم أحب أَن يظهروا على مَا فِي حجري، فنفضت جَمِيعه فِي ذَلِك الزهر فِي الْبُسْتَان، وَلم ينتبهوا لَهُ. فَأخذت فَحملت، وَجرى عَليّ مَا جرى من المصادرة، وَبقيت فِي الْحَبْس الْمدَّة الطَّوِيلَة، وتقلبت الْفُصُول على الْبُسْتَان، فجف مَا فِيهِ، وَلم يفكر أحد فِي قلعه، أَو زراعته، وإثارته، وأغلقت الدَّار، فَمَا قربهَا أحد من أَصْحَابِي وَلَا أعدائي، بعد الَّذِي أَخذ مِنْهَا، وفرغت، وَوَقع الْيَأْس من وجود شَيْء فِيهَا. ثمَّ سهل الله إطلاقي، فأطلقت، فحين جِئْت إِلَى دَاري، وَرَأَيْت الْموضع الَّذِي كنت جَالِسا فِيهِ ذَلِك الْيَوْم؛ ذكرت حَدِيث الْجَوْهَر الَّذِي كَانَ فِي حجري، ونفضي إِيَّاه فِي الْبُسْتَان. فَقلت: ترى، بَقِي مِنْهُ شَيْء؟ ثمَّ قلت: هَيْهَات، هَيْهَات، وَأَمْسَكت. فَلَمَّا كَانَ فِي الْغَد، أخليت الدَّار، وَقمت بنفسي وَمَعِي غُلَام يثير الْبُسْتَان بَين يَدي، وَأَنا أفتش شَيْئا شَيْئا مِمَّا يثيره، وَأَجد الْوَاحِدَة بعد الْوَاحِدَة، من ذَلِك الْجَوْهَر، وَكلما وجدت شَيْئا؛ حرصت على الإثارة، وَطلب الْبَاقِي، إِلَى أَن أثرت جَمِيع الْبُسْتَان، فَوجدت جَمِيع ذَلِك الْجَوْهَر، مَا ضَاعَ لي مِنْهُ وَاحِدَة. فَأَخَذته، وحمدت الله، وَعلمت أَنه قد بقيت لي بَقِيَّة من الإقبال صَالِحَة.

стр. 780

الْوَزير ابْن مقلة ينكب رجلا ثمَّ يحسن إِلَيْهِ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد يحيى بن سُلَيْمَان بن فَهد، ﵀، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الخباز، قَالَ: كَانَ أَبُو عَليّ بن مقلة نكبني، وصادرني لشَيْء كَانَ فِي نَفسه عَليّ، فأفقرني، حَتَّى لم يدع لي شَيْئا على وَجه الأَرْض. وأطلقني من الْحَبْس، فلزمت بَيْتِي حَزينًا، فَقِيرا يتَعَذَّر عَليّ الْقُوت. ثمَّ لم أجد بدا من الِاضْطِرَاب فِي معاشي، فأشير عَليّ أَن ألزم ابْن مقلة وأستعطفه، وَقيل لي: إِنَّه إِذا نكب إنْسَانا فخدمه؛ رق عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَزِمته مديدة، لَا أرَاهُ يرفع إِلَيّ رَأْسا، وَلَا يذكرنِي. قَالَ: وَكَانَ يعرفنِي بِحسن الثِّيَاب ونظافتها، والتفقد فِي أَمر نَفسِي، أَيَّام يساري. وَاتفقَ أَنِّي حضرت دَاره فِي يَوْم جُمُعَة غدْوَة، وَلم أكن دخلت الْحمام قبل ذَلِك بأسبوع، وَلَا حلقت شعري، وَلَا غيرت ثِيَابِي، وَأَنا وسخ الْجَسَد وَالثيَاب، طَوِيل الشّعْر، وَإِنَّمَا أخرت ذَلِك؛ لإضاقتي عَن مِقْدَار مَا أحتاج إِلَيْهِ، ولشغل قلبِي أَيْضا وغمي بالفقر المدقع الَّذِي دفعت إِلَيْهِ، وهوان نَفسِي عَليّ. فَخرج ابْن مقلة ليركب، فَقُمْت إِلَيْهِ فِي جملَة النَّاس، فدعوت لَهُ.

стр. 781

فحين رَآنِي، تأملني طَويلا، ثمَّ أَوْمَأ إِلَى خَادِم لَهُ بِكَلَام لَا أفهمهُ، وَركب. فَجَاءَنِي الْخَادِم، فَقَالَ: الْوَزير يَأْمُرك أَن لَا تَبْرَح من الدَّار، إِلَى أَن يعود، وأخذني إِلَى حجرَة، فأجلسني فِيهَا. فَقَامَتْ قيامتي، وَخفت أَن يكون قدر أَن تكون لي بَقِيَّة حَال، وَيُرِيد الرُّجُوع عَليّ بالمطالبة، وَلَيْسَ ورائي شَيْء، فأتلف. فتداخلني من الْجزع أَمر عَظِيم، وحصلت فِي شدَّة كَانَت أَشد عَليّ مِمَّا مر بِي، فَلم يكن بأسرع من أَن عَاد. فَجَاءَنِي الْخَادِم، فَقَالَ: قُم إِلَى الْوَزير، فقد طَلَبك. فَجئْت، حَتَّى دخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ خَال وَحده، وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ غير أبي الْحُسَيْن، ابْنه، فَرَحَّبَ بِي، وأكرمني، وَرَأَيْت من بره مَا زَالَ عني مَعَه الْخَوْف. ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَليّ، أعرفك نظيف الثَّوْب، حسن الْقيام على نَفسك، فَلم أَنْت بِهَذِهِ الصُّورَة؟ قَالَ: ففطنت أَنه لما رَآنِي على صُورَتي تِلْكَ؛ رق لي. فَقلت: أَيهَا الْوَزير، لم يبْق لي، وَالله، حَال، وَإنَّهُ ليتعذر عَليّ مَا أغير بِهِ هَذَا الْمِقْدَار من أَمْرِي، وَفتحت أَبْوَاب الشكاية، إِلَى أَن بَكَيْت. فَقَالَ: إِنَّا لله، إِنَّا لله، مَا ظَنَنْت أَن حالك بلغت إِلَى هَذَا، وَلَقَد أسأنا إِلَيْك.

стр. 782

قَالَ: ثمَّ مد يَده إِلَى الدواة، فَكتب لي على الجهبذ، بِأَلف دِينَار صلَة، وَوَقع توقيعا آخر، بِأَن أبايع ضَيْعَة من الْمَبِيع بألفي دِينَار، بِحَيْثُ أخْتَار ذَلِك، ثمَّ قَالَ: خُذ هَذِه الدَّنَانِير فاتجر بهَا، وَأصْلح مِنْهَا حالك، وابتع بِهَذِهِ الألفي دِينَار ضَيْعَة من الْمَبِيع، تغل لَك ألف دِينَار فِي السّنة، واخترها وشاور فِيهَا، فَإِذا وَقع اختيارك عَلَيْهَا؛ فأسمها لي؛ لأكتب بمبايعتك إِيَّاهَا؛ لتستكفي بغلتها سنتك، إِلَى أَن أنظر لَك بعد هَذَا، فأرد جاهك، فشكرته ودعوت لَهُ، ونهضت. فَقَالَ: قف، فوقفت. فَقَالَ لِابْنِهِ أبي الْحُسَيْن: بحياتي عَلَيْك، عاون أَبَا عَليّ حَتَّى يحصل لَهُ هَذَا كُله فِي أُسْبُوع، وَفِي دفْعَة وَاحِدَة، وَلَا ينمحق عَلَيْهِ. قَالَ: فوعدني أَبُو الْحُسَيْن بذلك، وَأَمرَنِي بالمصير إِلَيْهِ، فَانْصَرَفت. ورحت إِلَى أبي الْحُسَيْن، فَأَعَانَنِي، فَحصل ذَلِك كُله لي فِي أَيَّام قَليلَة، وحصلت لي الضَّيْعَة، فاستغللتها فِي تِلْكَ السّنة ألف دِينَار. ولزمت أَبَا عَليّ، فعوضني بمكاسب جليلة، عَاد إِلَيّ مِنْهَا أَكثر مِمَّا خرج عَن يَدي بنكبته.

стр. 783

ابْن عبدون الْأَنْبَارِي الْكَاتِب يكْسب فِي لَيْلَة وَاحِدَة مائَة ألف دِينَار قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب (الوزراء) : حُكيَ عَن مُحَمَّد بن خلف، الْمَعْرُوف بـ: ابْن عبدون الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، أَنه قَالَ: بَيْنَمَا أَنا يَوْمًا أدرج فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة، وَكَانَت حِينَئِذٍ لَا يدخلهَا رَاكِبًا إِلَّا من لَهُ نباهة، إِذْ سَمِعت خَلْفي وَقع حوافر، فَنَظَرت فَإِذا يُوسُف بن الْوَلِيد الْأَنْبَارِي، وَكَانَت بيني وَبَينه مَوَدَّة وقرابة، فَلم أسلم عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: من أَيْن يَا أَبَا عبد الله؟ فَقلت: إِنِّي كسرت هَذِه السّنة ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ، وانصرفت وَأَنا سبروت.

стр. 784

فَقَالَ لي: ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ؟ قلت: نعم، مضيت إِلَى مصر، فأخفقت، ثمَّ مضيت إِلَى فَارس، ثمَّ إِلَى كرمان، ثمَّ إِلَى خُرَاسَان، وانقلبت إِلَى أذربيجان، وانصرفت بِغَيْر شَيْء، وَأَنا أَتَمَنَّى أَن يهب الله، تَعَالَى، قوتا، فأتمونه فِي بلدي. فَقَالَ لي: كم يَكْفِيك من الرزق؟

стр. 785

فَقلت: إِن كَانَ فِي بلدي، فخمسة عشر دِينَارا فِي كل شهر، أتقوت بهَا أَنا وعيالي، وَهُوَ مَا لَا فضل فِيهِ لشَهْوَة وَلَا نائبة. فَقَالَ: كن معي. فاتبعته، فَصَارَ بِي إِلَى ديوَان فِيهِ كتاب، وحجرة لَطِيفَة، فدخلتها، فَإِذا فِي صدرها الْفضل بن مَرْوَان، وَهُوَ يكْتب حِينَئِذٍ للمعتصم، وَهُوَ أَمِير، فوصفني للفضل، ورغبه فِي استخدامي، فَرمى إِلَيّ الْفضل بِكِتَاب، وَقَالَ: أجب عَنهُ بِمَا يجب. فاستعلمت مِنْهُ الدُّعَاء، وأجبت الرجل عَن الْكتاب، وعرضته عَلَيْهِ، فَرضِي خطي ولفظي. وَقَالَ لي: كم يَكْفِيك فِي كل شهر الرزق؟ فَقَالَ لَهُ يُوسُف: الَّذِي ذكر أَنه يقنعه خَمْسَة عشر دِينَارا فِي كل شهر. فَقَالَ: هَذَا قوت، وَلَا بُد من استظهار لنائبة، وَلَكِن قد جَعلتهَا ثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر، فَقبلت يَده. فَقَالَ: الزمني ليلك ونهارك، طلبتك أم لم أطلبك، فَإِن الْمُلَازمَة رَأس مَال الْكَاتِب. قَالَ: فَلَزِمته كَمَا رسم.

стр. 786

وَكَانَ صَالح بن شيرزاد، يخلفه فِي دَار المعتصم، وَقد استولى على المعتصم، بحيلته وتلطفه، على حمارية كَانَت فِيهِ، وَكره ذَلِك الْفضل بن مَرْوَان، واجتهد فِي قلعه، فَلم يتَمَكَّن. فَقَالَ لي يَوْمًا، مَا فِي نَفسه من ذَلِك، وَقَالَ: أَنا أحب أَن أجعلك مَكَانَهُ، إِلَّا أَنِّي أَتَخَوَّف أَن تسلك مسلكه، فَهَل فِيك خير؟ فَقلت: قد عرفت أخلاقي وطبعي، فَإِن كنت عنْدك مِمَّن يصلح للخير، وَإِلَّا فَلَا تثق إِلَيّ. فَكَانَ فِي هَذَا التَّدْبِير، حَتَّى حدث أَمر القبط بِمصْر، فندب الْمَأْمُون أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاق؛ لمحاربتهم، فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. فَخرج أَبُو إِسْحَاق إِلَى مصر، وَمَعَهُ الْفضل بن مَرْوَان، واستخلف صَالح بن شيرزاد بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فِيمَا لَا يضرّهُ أَن يغلب عَلَيْهِ، وسله عَن المعتصم، وَجَعَلَنِي مَكَانَهُ، وشخصنا. فكسبت مَعَ المعتصم، فِي لَيْلَة وَاحِدَة، مائَة ألف دِينَار حَلَالا طيبا، وَذَلِكَ أَن الْقَتْل كثر فِي أهل مصر، وجلا الْبَاقُونَ، وأشرف الْبَلَد على الخراب.

стр. 787

وشق ذَلِك على الْمَأْمُون، وَأنْكرهُ على أبي إِسْحَاق إنكارا شَدِيدا، فَكَانَ فِيمَا رَآهُ تسكين النَّاس، وردهم إِلَى مصر. فوردت عَليّ فِي يَوْم وَاحِد، كتب جمَاعَة من رُؤَسَاء الْبَلَد، يسْأَلُون الْأمان لَهُم. فَقلت للفضل فِي ذَلِك. فَقَالَ: أجبهم إِلَى مَا التمسوا، وأجب كل من سَأَلَ مثل ذَلِك. فَكتبت فِي لَيْلَة، لمِائَة رجل، أَمَانًا، فظهروا، وَبعث إِلَيّ كل وَاحِد مِنْهُم، من ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، إِلَى ألف دِينَار، إِلَى خمس مائَة دِينَار، وَبَعْضهمْ لم يبْعَث إِلَيّ شَيْئا. فحصلت مَا اجْتمع لي، فَكَانَ مائَة ألف دِينَار، وأحييت مائَة إِنْسَان، وفرجت عَنْهُم، وَعَن أتباعهم، وَمن يلوذ بهم، وكشفت كربَة عَظِيمَة عَن أبي إِسْحَاق.

стр. 788

الْفضل بن سهل وَمُسلم بن الْوَلِيد الْأنْصَارِيّ أَخْبرنِي أَبُو الْفرج، الْمَعْرُوف بـ: الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيْمَان، عَن أبي الْخطاب الْأَزْدِيّ، قَالَ: كَانَ مُسلم بن الْوَلِيد، وَالْفضل بن سهل، متجاورين فِي قنطرة البردان، وَكَانَا صديقين. قَالَ مُسلم: فأعسرت إعسارا شَدِيدا، ولحقتني محنة، وَولي الْفضل بن سهل الوزارة، بمرو، فتحملت إِلَيْهِ على مشقة. فَلَمَّا رَآنِي رحب بِي وأدناني، وَقَالَ: أَلَسْت الْقَائِل: فَاجْرِ مَعَ الدَّهْر إِلَى غَايَة ... ترفع فِيهَا حالك الْحَال؟ فَقلت: نعم. قَالَ: صرنا إِلَى هَذِه الْحَال، وصرت بِنَا إِلَيْهَا، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم،

стр. 789

وولاني عملا اخترته. فَانْصَرَفت عني المحنة الَّتِي كنت أعانيها، وحصلت لي نعْمَة طائلة. قرئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا أسمع، فِي كِتَابه؛ كتاب (الوزراء) ، بِالْبَصْرَةِ، فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، حَدثكُمْ أَحْمد بن يزِيد المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، فَذكر بِإِسْنَادِهِ نَحوه، إِلَّا أَنه ذكر فِي الشّعْر زِيَادَة أَرْبَعَة أَبْيَات، لَا تتَعَلَّق بكتابي هَذَا فأذكرها، وَذكر أَن الْفضل ولى مُسلما بريد جرجان.

стр. 790

كَيفَ طهر عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة من الْغناء أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي بن أبي الْعَلَاء، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة الحرامي الْأَكْبَر، قَالَ: لما قدم عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة واليا عَلَيْهَا؛ قَالَ لَهُ قوم من وُجُوه النَّاس: قد وليت الْمَدِينَة على كَثْرَة من الْفساد، فَإِن كنت تُرِيدُ أَن تصلح، فطهرها من الْغناء والزناء.

стр. 791

فصاح فِي ذَلِك، وَأجل أَهله ثَلَاثًا، يخرجُون فِيهَا من الْمَدِينَة. وَكَانَ ابْن أبي عَتيق غَائِبا، وَكَانَ من أهل الْفضل والعفاف وَالصَّلَاح، فَلَمَّا كَانَ فِي آخر لَيْلَة من الْأَجَل؛ قدم. فَقَالَ: لَا أَدخل منزلي حَتَّى أَدخل على سَلامَة القس. فَقَالَ لَهَا، وَقد دخل عَلَيْهَا: مَا دخلت منزلي، حَتَّى جِئتُكُمْ أسلم عَلَيْكُم. قَالُوا: مَا أغفلك عَن أمورنا، فأخبروه الْخَبَر. فَقَالَ: اصْبِرُوا لي اللَّيْلَة. فَقَالُوا: نَخَاف أَن لَا يمكنك شَيْء، ونؤذى. فَقَالَ: إِن خِفْتُمْ شَيْئا؛ فاخرجوا فِي السحر. ثمَّ خرج، وَاسْتَأْذَنَ على عُثْمَان بن حَيَّان، فَأذن لَهُ، فَسلم عَلَيْهِ، وَذكر غيبته، وَأَنه جَاءَ ليقضي حَقه، ثمَّ جزاه خيرا على مَا فعل من إِخْرَاج أهل الْغناء والزناء. وَقَالَ: أَرْجُو أَن لَا تكون عملت عملا، هُوَ خير لَك من ذَلِك.

стр. 792

قَالَ عُثْمَان: قد فعلت مَا بلغك، وَأَشَارَ عَليّ بِهِ أَصْحَابك. قَالَ: قد وفقت، وَلَكِن مَا تَقول، يَرْحَمك الله، فِي امْرَأَة كَانَت هَذِه صناعتها، ثمَّ تركتهَا، وَأَقْبَلت على الصّيام وَالصَّدَََقَة وَالْخَيْر، وَإِنِّي رسولها إِلَيْك، تَقول: أتوجه إِلَيْك، وَأَعُوذ بك أَن تخرجني من جوَار رَسُول الله، ﷺ ، وَمن مَسْجده. فَقَالَ: إِنِّي أدعها لَك ولكلامك. فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: لَا يدعك النَّاس، وَلَكِن تَأْتِيك، وَتسمع كَلَامهَا، وَتنظر إِلَيْهَا، فَإِن رَأَيْت أَن مثلهَا يسع أَن تتْرك، تركتهَا. قَالَ: نعم. فَجَاءَهُ بهَا، وَقَالَ لَهَا: احملي مَعَك سبْحَة، وتخشعي، فَفعلت. فَلَمَّا دخلت على عُثْمَان؛ حدثته، فَإِذا هِيَ من أعلم النَّاس بِأُمُور النَّاس، فأعجب بهَا، وحدثته عَن آبَائِهِ وأمورهم ففكه لذَلِك. فَقَالَ لَهَا ابْن أبي عَتيق: اقرئي للأمير، فَقَرَأت.

стр. 793

فَقَالَ لَهَا: احدي لَهُ، فَفعلت، فَكثر عجبه بهَا. فَقَالَ: كَيفَ لَو سَمعتهَا فِي صناعتها، فَلم يزل ينزله شَيْئا شَيْئا، حَتَّى أمرهَا بِالْغنَاءِ، فَقَالَ لَهَا ابْن أبي عَتيق، غَنِي: سددن خصاص الْبَيْت لما دخلنه ... بِكُل لبان وَاضح وجبين فغنته، فَقَامَ عُثْمَان بن حَيَّان، فَقعدَ بَين يَديهَا، ثمَّ قَالَ: لَا وَالله، مَا مثل هَذِه تخرج. فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: لَا يدعك النَّاس، يَقُولُونَ: أقرّ سَلامَة، وَأخرج غَيرهَا. فَقَالَ: دعوهم جَمِيعًا، فتركوهم. وَأصْبح النَّاس يتحدثون بذلك، يَقُولُونَ: كلم ابْن أبي عَتيق الْأَمِير فِي سَلامَة القس، فتركوا جَمِيعًا.

стр. 794

أضاع كيسه واستعاده بعد سنة أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، الْكَاتِب اللّغَوِيّ، الْمَعْرُوف بـ: الْحَاتِمِي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: أخبرنَا ثَعْلَب، قَالَ: أخبرنَا عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي سعيد بن عَامر، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن خَالِد الربعِي، قَالَ: دخلت الْمَسْجِد، وَمَعِي كيس فِيهِ ألف دِرْهَم، لَا أملك غَيره، فَوَضَعته على ركن سَارِيَة، وَصليت، ثمَّ ذهبت ونسيته. فكربني أمره، وفدحت حَالي لفقده، فَمَا حدثت بذلك أحدا سنة، وجهدني الضّر. قَالَ: فَصليت من بعد ذَلِك، إِلَى تِلْكَ السارية، ودعوت الله، وَسَأَلته رده عَليّ، وعجوز إِلَى جَانِبي تسمع قولي. فَقَالَت: يَا عبد الله، مَا الَّذِي أسمعك تذكر؟ قلت: كيسا أنسيته على هَذِه السارية عَام أول. قَالَت: هوذا عِنْدِي، وَأَنا مُنْذُ سنة أراقبك، فَجَاءَت بِهِ بِخَاتمِهِ.

стр. 795

عبد الله بن الزبير يُطَالب بني هَاشم بالبيعة أَو يضْرب أَعْنَاقهم أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، الْمَعْرُوف بـ: الْحَاتِمِي، قَالَ: أَخْبرنِي عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الطاهري، قَالَ: أَخْبرنِي الدِّمَشْقِي، عَن الزبير بن بكار، قَالَ: جمع عبد الله بن الزبير بني هَاشم بِمَكَّة، وَقَالَ: لَا تمْضِي الْجُمُعَة حَتَّى تبايعوا، أَو آمُر بِضَرْب أَعْنَاقكُم. فَنَهَضَ إِلَيْهِم قبل الْجُمُعَة يُرِيد قَتلهمْ، فَنَاشَدَهُ الْمسور بن مخرمَة الزُّهْرِيّ، أَن يدعهم إِلَى الْوَقْت الَّذِي وَقت لَهُم، وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة، فَفعل. فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة؛ دَعَا مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة، ﵁، خَادِمًا لَهُ بغِسل وَثيَاب، وَهُوَ لَا يشك فِي الْقَتْل. وَقد كَانَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد بعث أَبَا عبد الله وَأَصْحَابه إِلَيْهِم، فَجَاءَهُمْ الْخَبَر بِحَال مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة، وَمَا دفع إِلَيْهِ من ابْن الزبير، وَقد نزلُوا ذَات

стр. 796

عرق، فتخلل مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا حَتَّى وافوا مَكَّة صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة، فشهروا السِّلَاح، وَنَادَوْا: يَا مُحَمَّد. فَبلغ الْخَبَر ابْن الزبير، فراعه، وتخلص مُحَمَّد، ﵁، وَمن كَانَ مَعَه، وَأرْسل محمدٌ عليَّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ، ﵁، فَنَادَى فِي الْقَوْم الَّذين أنفذهم الْمُخْتَار: من كَانَ يرى لله، تَعَالَى، عَلَيْهِ حَقًا فليستأمر نَفسه، فَإِنَّهُ لَا حَاجَة لي بِأَمْر النَّاس لَهُ كَارِهُون، وَأَنا إِن أعطيتهَا عفوا قبلتها، وَإِن كَرهُوا ذَلِك لم أختره. فَبعث ابْن الزبير إِلَى مُحَمَّد: إِنِّي أصالحك على أَن تتنحى عني، فتلحق بأيلة، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك، وَلحق بأيلة. وكف الله، تَعَالَى، ابْن الزبير، وَقبض يَده عَمَّا حاوله من قَتله، وَقتل أهل بَيته.

стр. 797

عَاقِبَة الظُّلم وجدت فِي بعض الْكتب: حدث عَليّ بن الْمُعَلَّى، عَن الزُّهْرِيّ الْبَصْرِيّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد أبي عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد، ﵇، وَذكر حَدِيثا فِيهِ: أَن أَبَا عبد الله قَالَ: إِن قوم سدوم هَلَكُوا بمجوسي. قيل: مَا سَبَب ذَلِك؟ قَالَ: أما تعرفُون بِالْبَصْرَةِ عنْدكُمْ جِسْرًا، يُقَال لَهُ: جسر الْخشب؟ قُلْنَا: بلَى. قَالَ: ذَاك جسر سدوم، جَاءَهُ رجل مَجُوسِيّ، وَمَعَهُ زَوجته حَامِلا، راكبة حمارا، تُرِيدُ العبور، فمنعوها إِلَّا أَن يَأْخُذُوا خَمْسَة دَرَاهِم، فأبيا أَن يعطيا ذَلِك، فطلبوا مِنْهُمَا عشرَة دَرَاهِم، فأبيا أَن يعطيا ذَلِك فشمصوا الْحمار، وَقَطعُوا ذَنبه، فاضطربت الْمَرْأَة، فَأسْقطت جَنِينهَا، فاشتدت بالمجوسي محنته. وَقَالَ: إِلَى من نتظلم فِيمَا فعل بِنَا؟ فَقيل: إِلَى صَاحب هَذَا الْقصر. فَدخل إِلَيْهِ، وَقَالَ: فعل بِي كَيْت وَكَيْت. قَالَ: لَا بَأْس، ادْفَعْ إِلَيْهِم حِمَارك، يعملوا عَلَيْهِ إِلَى أَن ينْبت ذَنبه، وادفع إِلَيْهِم زَوجتك، حَتَّى يطئوها إِلَى أَن تحمل. فَرفع الْمَجُوسِيّ رَأسه إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: اللَّهُمَّ، إِن كَانَ هَذَا الحكم من عنْدك، وَأَنت بِهِ رَاض، فَأَنا بِهِ أرْضى وأرضى.

стр. 798

فَبعث الله إِلَيْهِ ملكا من الْمَلَائِكَة، فَأخذ بعضده، وعضد زَوجته، فَعبر بهما الجسر. فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الله، من أَنْت؟ فَلَقَد مننت عَليّ. قَالَ: أَنا ملك من الْمَلَائِكَة، لما أَن قلت: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا حكم من عنْدك، وَأَنت بِهِ رَاض، فَأَنا أرْضى وأرضى؛ بَعَثَنِي الله لأخلصك، فالتفِتْ إِلَى الْقَوْم، وَانْظُر مَا أَصَابَهُم. فَالْتَفت الْمَجُوسِيّ، فَإِذا الْقَوْم قد خسف بهم.

стр. 799

دَوَاء عَجِيب وَضعه الطَّبِيب لِلْكَاتِبِ زنجي أَخْبرنِي عَليّ بن نصر بن فنن، الْكَاتِب النَّصْرَانِي: أَن أَبَا عبد الله زنجيا الْكَاتِب، سرق مِنْهُ مَال جليل، وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل، فناله غم شَدِيد، حَتَّى أنحل جِسْمه، واجتهد فِي صرف الْهم وَالْغَم عَنهُ، فَلم يجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا. فَشَاور الْأَطِبَّاء فِي ذَلِك، وَعمِلُوا لَهُ أَشْيَاء وصفوها لَهُ، فَمَا نجعت، إِلَى أَن اسْتَشَارَ عَليّ بن نصر، الطَّبِيب النَّصْرَانِي، جده، وَكَانَ يطب زنجيا وَيلْزمهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يصوغ إهليلجة من ذهب، ويمسكها فِي فِيهِ. فَفعل ذَلِك، فَلم تمض إِلَّا أَيَّام، حَتَّى زَالَ غمه، وَعَاد إِلَى صِحَة جِسْمه.

стр. 800

يَا غياث المستغيثين أَغِثْنِي وجدت فِي بعض الْكتب: حُكيَ أَن رجلا خرج فِي وَجه شتاء، فَابْتَاعَ بِأَرْبَع مائَة دِرْهَم، كَانَ لَا يملك غَيرهَا، فراخ الزرياب للتِّجَارَة. فَلَمَّا ورد دكانه بِبَغْدَاد؛ هبت ريح بَارِدَة، فأماتتها كلهَا إِلَّا فرخا وَاحِدًا، كَانَ أضعفها وأصغرها، فأيقن بالفقر. فَلم يزل يبتهل إِلَى الله، تَعَالَى، ليلته أجمع بِالدُّعَاءِ والاستغاثة، ويسأله الْفرج مِمَّا لحقه، وَكَانَ قَوْله: يَا غياث المستغيثين، أَغِثْنِي. فَلَمَّا انجلى الصُّبْح؛ زَالَ الْبرد، وَجعل ذَلِك الفرخ الْبَاقِي ينفش ريشه، وَيَقُول: يَا غياث المستغيثين، أَغِثْنِي. فَاجْتمع النَّاس على دكان الرجل، يرَوْنَ الفرخ، ويسمعون الصَّوْت. فاجتازت جَارِيَة راكبة، من جواري أم المقتدر، فَسمِعت صَوت الطَّائِر، ورأته، واستامته، وتقاعد الرجل، فاشترته بألفي دِرْهَم، وأعطته الدَّرَاهِم، وَأخذت الطَّائِر.

стр. 801

قصَّة سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي النَّصْرَانِي وجدت فِي بعض الْكتب: كَانَ بسر من رأى، ثَلَاثَة إخْوَة نَصَارَى أنباريون، أحدهم مُوسر، وَلم يسم، وَالثَّانِي متجمل، يُقَال لَهُ: عون، وَالثَّالِث يُقَال لَهُ: سَلمَة، فَقير، فآل أَمر سَلمَة فِيمَا يكابده من شدَّة الْفقر، إِلَى أَن تعذر عَلَيْهِ قوت يَوْمه. فَمضى إِلَى أَخِيه عون، وَسَأَلَهُ أَن يتلطف إِلَى أَخِيه المسر، فِي أَن يشْغلهُ فِيمَا يعود عَلَيْهِ نَفعه، ويخدمه فِيهِ، بَدَلا من الْغَرِيب. فَامْتنعَ الْأَخ الْمُوسر من ذَلِك، وعاوده دفعات، واستعطفه، وضره يتزايد. فَقَالَ الْمُوسر، على سَبِيل الولع: إِن شَاءَ أَن أصيره مَكَان الشاكري، وصبر على الْعَدو، فعلت. فَعرض عون على سَلمَة ذَلِك، فَقَالَ سَلمَة: مَا عرض أخونا عَليّ هَذَا إِلَّا لأمتنع، ويجعله حجَّة، وَأَنا أستجيب إِلَيْهِ وأصبر، وأرجع إِلَى الله، تَعَالَى، فِي كشف الْحَال الَّتِي أكون فِيهَا مَعَه، وَأَرْجُو الْفرج ببغيه عَليّ، وَلَا أَضَع نَفسِي بِمَسْأَلَة النَّاس، فَفعل ذَلِك. فَكَانَ أَخُوهُ يركب، وَهُوَ يمشي فِي أَثَره بطليسان ونعل، حَتَّى لَا يظْهر أَنه غُلَامه، وَإِذا نزل فِي مَوضِع؛ لحقه، وَأخذ ركابه، وتسلم المركوب، وَحفظه إِلَى أَن يخرج.

стр. 802

فَلم يزل على هَذَا، إِلَى أَن طلب وصيف الْكَبِير، رَفِيق بغا، من يجلسه بِبَاب دَاره، فَيكْتب إِلَى المطبخ، من الْحَيَوَان والحوائج؛ ليقايس بِهِ مَا يحْتَسب عَلَيْهِ. فوصف عون أَخَاهُ سَلمَة لذَلِك، وَوجه إِلَيْهِ فَأحْضرهُ، فَامْتنعَ، وَذكر أَنه لَا دربة لَهُ بِهِ، وَلَا فِيهِ آلَة لَهُ. فضمن لَهُ عون معاونته، وإجمال الْحساب فِي كل عَشِيَّة، وَأجْرِي عَلَيْهِ رزق يسير. وَجلسَ بِالْبَابِ، وَصَارَ يَدْعُو بالحمالين، فَيثبت مَا يحضرونه، وَيرْفَع فِي كل يَوْم مدرجا بتفصيل ذَلِك. فَلَمَّا انْقَضى الشَّهْر جمع وصيف المدارج، وأحضر كَاتبا غَرِيبا، وَتقدم إِلَيْهِ أَن يؤرجها على أصنافها. وَعمل كِتَابه ديوانه عملا بِمَا رَفعه الوكلاء فِي ذَلِك الشَّهْر، فظهرت فِيهِ زِيَادَة عَظِيمَة، فحطت وتوفر مَالهَا. وَحسن موقع ذَلِك من وصيف، وأحضر سَلمَة، وَمَا كَانَ رَآهُ قبل ذَلِك، وَصرف المتصرفين فِي المطبخ بِهِ، وأسنى جائزته. فتوفر على يَده فِي الشَّهْر الثَّانِي، مِمَّا كَانَ حط من الأسعار، مَا حسن موقعه.

стр. 803

فَرد إِلَيْهِ قهرمة دَاره، فتتابعت التوفيرات، واتصلت جوائزه إِيَّاه، وزيادته فِي جاريه. وطالت مُدَّة خدمته لوصيف، وَغلب على حَاله، وَاتفقَ لَهُ خلْوَة المتَوَكل، وَحُضُور وصيف. فَقَالَ لوصيف: قد كثر وَلَدي، وَأُرِيد لَهُم شَيخا، عفيفا، ثِقَة، لَيْسَ فِيهِ بِأَو، وَلَا مخرقة؛ لأفرد لَهُم على يَده إقطاعات أجعلها لَهُم، فلست أحب أَن أَوسط كتابي أمره. فَوَقع فِي نفس وصيف، أَن يصف سَلمَة، وبخل بِهِ، فَلم يزل يتَرَدَّد ذَلِك فِي قلبه. ثمَّ قَالَ: اعْلَم، يَا مولَايَ، أَن الله قد رَزَقَنِي هَذِه الصّفة الَّتِي تريدها مني، وَالرجل عِنْدِي، فَإِذا فَكرت فِي حقوقك، وَأَن نعمتي مِنْك؛ لم أستحسن أَن أكتمك، وَإِذا فَكرت فِيمَا أفقده مِنْهُ؛ توقفت، والآن، فقد أنطقني إقبالك بِذكرِهِ، وَهُوَ سَلمَة بن سعيد النَّصْرَانِي. فَقَالَ: أحضرنيه السَّاعَة. فَأحْضرهُ فِي الْوَقْت، فحين عاينه المتَوَكل وَقع فِي نَفسه صِحَة مَا وَصفه، فَوَقع لكل ابْن بإقطاع ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، وَلكُل ابْنة بِمِائَة وَخمسين ألف دِرْهَم، وَقيل: إِن المتَوَكل مَاتَ عَن خمسين ابْنا، وَخمْس وَخمسين ابْنة، وَدفع إِلَيْهِ التوقيع.

стр. 804

وَقَالَ لَهُ: نجز هَذَا، واختر من الضّيَاع مَا ترى، وانصب لَهَا ديوانا، وَوَصله، وَجعل لَهُ منزلَة كَبِيرَة، بِكِتَابَة الْوَلَد. فَلَمَّا فرغ من ذَلِك، وَقَامَ بِهِ؛ جرى أَمر آخر، أوجب أَن رد إِلَيْهِ أَيْضا أَمر سَائِر الْحرم، وَجعل لَهُ قبض جراياتهن وأرزاقهن، وإنفاق ذَلِك عَلَيْهِنَّ، وَصرف وكلاءهن وأسبابهن عَنْهُن، وزادت مَنْزِلَته بذلك لِكَثْرَة الْحرم. فَبَيْنَمَا سَلمَة يتَرَدَّد فِي دَار المتَوَكل، إِلَى مقاصير الْوَلَد وَالْحرم، وَقعت عين المتَوَكل عَلَيْهِ، فاستدعاه. وَقَالَ لَهُ: يَا سَلمَة، مَا أَكثر مَا يذهب على الْمُلُوك، حفظت بك وَلَدي وحرمي، وأضعت نَفسِي، وَلَيْسَ لي مِنْك عوض، قد رددت إِلَيْك بَيت المَال، وخزائن الْفرش، وَالْكِسْوَة، وَالطّيب، وَسَائِر أَمر الدَّار، فتسلم ذَلِك، واستخلف عَلَيْهِ من تثق بِهِ. وَكَانَ قد أنكر عَلَيْهِ فِي بعض خدمته شَيْئا، فَأمر باعتقاله، ففرشت لَهُ حجرَة، وَترك خلفاؤه يعْملُونَ. ثمَّ ذكره فِي اللَّيْل، وَهُوَ يشرب، فَقَالَ لخادم: امْضِ إِلَى الْحُجْرَة الَّتِي فِيهَا سَلمَة، فَاطلع عَلَيْهِ، وعرفني الصُّورَة الَّتِي تَجدهُ عَلَيْهَا. فعاود وَذكر أَنه وجده يسود، ثمَّ أَعَادَهُ بعد وَقت آخر، فَوَجَدَهُ على ذَلِك، وَأَعَادَهُ الثَّالِثَة، فَكَانَت الصُّورَة وَاحِدَة. فَاسْتَحْضرهُ، وَقَالَ: أَنْت شيخ كَبِير، تسود ليجود خطك فِي الْآخِرَة، أَو لتصل بِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكثر مِمَّا وصلت إِلَيْهِ؟ قَالَ: لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَكِنَّك لما اعتقلتني، وأقررت أَصْحَابِي؛

стр. 805

وثقت بِحسن رَأْيك، فَلم أقطع التأهب لخدمتك، لِأَنِّي أكاتبك كثيرا، فِيمَا أستأمرك بِهِ، فَأَنا أحب أَن لَا تقع عَيْنك على مَا تستقبحه من الْخط. فَحسن موقع هَذَا القَوْل من المتَوَكل، وَأمر بإحضار حقة، فِيهَا خَاتم الْخَاصَّة، فَدفعهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا خَاتمِي، وَقد رددت إِلَيْك ختم مَا كنت أختمه بيَدي، من غير أَن تستأمرني فِيهِ؛ ليعلم الْخَاص وَالْعَام أَنِّي رفعت مِنْك، وزدت فِي محلك، وَلَا يخلقك عِنْدهم الاعتقال. ثمَّ رَآهُ المتَوَكل بعد ذَلِك، وَفِي وَقت من الْأَوْقَات، مَاشِيا فِي الدَّار، فَقَالَ: سَلمَة شيخ كَبِير، هوذا يهرم ويتلف بِهَذَا الْمَشْي؛ لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يطوف فِي كل يَوْم على الْحرم وَالْولد، وَقد رَأَيْت أَن أجريه مجْرى نَفسِي، فِي إِطْلَاق الرّكُوب لَهُ فِي دَاري. وَكَانَ المتَوَكل يركب حمارا يتخطى بِهِ فِي الممرات، ويركب سَلمَة حمارا، وَلم يكن فِي الدَّار من يركب غَيرهمَا.

стр. 806

ابْن الطَّبَرِيّ الْكَاتِب النَّصْرَانِي تجلب لَهُ التَّوْفِيق رفسة حصان وجدت فِي بعض الْكتب: أَن عبد الله، الْمَعْرُوف بـ: ابْن الطَّبَرِيّ النَّصْرَانِي الْكَاتِب، قدم سر من رأى يلْتَمس التَّصَرُّف، فَلَزِمَ الدَّوَاوِين مُدَّة، إِلَى أَن نفدت نَفَقَته، وانقطعت حيلته، وَلم يبْق إِلَّا مَا عَلَيْهِ من كسوته، فَعدم الْقُوت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها، وَهُوَ صابر خوفًا من أَن يَبِيع مَا عَلَيْهِ، فيتعطل عَن الْحَرَكَة، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع عمل على بيع مَا عَلَيْهِ ليَأْكُل بِبَعْضِه، وليشتري بِالْبَعْضِ الآخر تاسومة، ومرقعة، وركوة، وَيخرج فِي زِيّ فيج إِلَى بلد آخر؛ لِأَنَّهُ بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام لم يَأْكُل شَيْئا. ثمَّ شرهت نَفسه إِلَى الرُّجُوع إِلَى الدِّيوَان، مؤملا فرجا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن هَذَا، من تصرف، أَو غَيره. فَمشى يُرِيد الدِّيوَان، وَهُوَ مغموم مفكر، إِذْ سمع صَوت حافر من وَرَائه، وَقوم يصيحون: الطَّرِيق، الطَّرِيق. فلشدة مَا بِهِ، غفل عَن التنحي عَن الطَّرِيق، فكبسه شَهْري كَانَ رَاكِبه

стр. 807

الْمُؤَيد بِاللَّه بن المتَوَكل على الله، وَهُوَ إِذْ ذَاك أحد أَوْلِيَاء العهود، فداسه، وَسقط على وَجهه. فصعب ذَلِك على الْمُؤَيد، وَلم يكن يعرفهُ، فَاغْتَمَّ أَن يجْرِي مِنْهُ على إِنْسَان مثل ذَلِك، فَأمر أَن يحمل إِلَى دَاره، فَفعل ذَلِك، وأفردت لَهُ حجرَة، وَمن يَخْدمه، وعولج بالدواء، وَالطَّعَام، وَالشرَاب، وَالطّيب، والفرش، حَتَّى برِئ بعد أَيَّام، فأنفذ إِلَيْهِ ألفي دِرْهَم، وَسَأَلَهُ إحلاله مِمَّا جرى عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَا أقبلها، أَو تقع عَيْني على الْمُؤَيد، فأشافهه بِالدُّعَاءِ. فأوصل إِلَيْهِ، فشكره، ودعا لَهُ، وقص عَلَيْهِ قصَّته، وَسَأَلَهُ استخدامه. فخف على قلبه الْمُؤَيد، واستكتبه، وَأمر أَن يصرف فِي دَاره، وَفِي دَار والدته إِسْحَاق، جَارِيَة المتَوَكل، فتصرف فِيهَا مُدَّة، وصلحت حَاله. وَكَانَ الْمُوفق، أَخُو الْمُؤَيد من أمه، قد رأى ابْن الطَّبَرِيّ، فاجتذبه إِلَى خدمته، ونفق عَلَيْهِ، وانْتهى أمره مَعَه إِلَى أَن جعل إِلَيْهِ تربية المعتضد، وأكسبه الْأَمْوَال الجليلة.

стр. 808

أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج ينْتَقل من ضعف الْحَال إِلَى ملك مصر وجدت فِي بعض الْكتب: حدث أَبُو الطّيب بن الْجُنَيْد، الَّذِي كَانَ صاحبا لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، وَكَانَ قبل ذَلِك جارا لِأَبِيهِ أبي الْقَاسِم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج بن جف ينزل قَدِيما بِالْقربِ من مَنَازلنَا بِبَغْدَاد، يقصر فرج، وَكَانَ رَقِيق الْحَال، ضَعِيفا جدا. وَكَانَ لَهُ على بَاب دويرته، دكان يجلس عَلَيْهَا دَائِما، ودابته مشدودة

стр. 809

إِلَى جَانبهَا، وَهُوَ يراعيها بالعلف وَالْمَاء بِنَفسِهِ. وَكَانَ لَهُ رزق سلطاني يسير، يتَأَخَّر عَنهُ أبدا، فَلَا يقبضهُ إِلَّا فِي الْأَحَايِين. وَكَانَ شَدِيد الاختلال، ظَاهر الْفقر، وَكَانَ لَهُ عدَّة بَنَات لَا ذكر فِيهِنَّ. وَكَانَ يجتاز بِهِ أَبُو الْقَاسِم يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، أَو أحد ابنيه، أَبُو الْحسن، وَأَبُو جَعْفَر، فَيقوم قَائِما، وَيظْهر التَّعَبُّد لَهما، وَلَا يزَال وَاقِفًا إِلَى أَن يبعدا عَنهُ. وَكنت رُبمَا جَلَست إِلَيْهِ، فيأنس بِي ويحدثني، ويشكو بثه، وَمَا يقاسيه من كَثْرَة العائلة، وضيق الْحَال. وَيَقُول: لَيْت كَانَ لي، فِيمَا رزقته من الْوَلَد، ذكر وَاحِد، فَكنت أتعزى بِهِ قَلِيلا، ويخف بالرجاء لَهُ، وَالسُّرُور بِهِ، بعض كربي وهمي بهؤلاء الْبَنَات. قَالَ أَبُو الطّيب: وَضرب الدَّهْر من ضربه، وتقلب من تقلبه، وَطَالَ الْعَهْد بِابْن طغج، وَخرج فِي جملَة تَجْرِيد جرد إِلَى الشَّام، وأنسيناه، وترجمت بِهِ الظنون، وترامت بِهِ الْأَحْوَال، حَتَّى بلغ أَن يُقَلّد مصر وأعمالها، وَكَانَ من علو شَأْنه، وارتفاع ملكه، وَحُصُول الْأَمر لَهُ، ولولده من بعده، مَا كَانَ، مِمَّا هُوَ مَشْهُور. وَكَانَ قد طَرَأَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة أحد التُّجَّار الواسعي الْأَحْوَال، من جوارنا، مِمَّن كَانَ يعرف ابْن طغج على تِلْكَ الْأَحْوَال الأول، فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين،

стр. 810

عَاد الرجل إِلَى الحضرة، فحدثنا بِعظم أَمر ابْن طغج، واتساع ملكه. وَقَالَ: رَأَيْته غير الرجل الَّذِي كُنَّا نعرفه، مكانة، ورجاحة، وَحين رَآنِي قربني وأكرمني، وَمَا زَالَ مُسْتَبْشِرًا بِي، يحادثني وأحادثه، ويسألني عَن وَاحِد وَاحِد، من بني شيرزاد، وَغَيرهم من الْجِيرَان، وَأَنا أخبرهُ. حَتَّى قَالَ فِي بعض قَوْله: الْحَمد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأُمُور، مَا شَاءَ فعل، يَا فلَان، أَلَسْت ذَاكِرًا مَا كنت فِيهِ بِبَغْدَاد، من تِلْكَ الْأَحْوَال الخسيسة، وَمَا كنت أُلَاقِي من الشدَّة، والفقر، والفاقة، وَالْغَرَض بالعيش، والهم بأولئك الْبَنَات؟ قلت: نعم، يَا سَيِّدي. قَالَ: وَالله لقد كنت أَتَمَنَّى وأسأل الله أَن يَرْزُقنِي ابْنا، فَكلما اجتهدت فِي ذَلِك جَاءَتْنِي ابْنة، حَتَّى تكاملن فِي بَيْتِي عشرا. وَكنت أَتَمَنَّى مُنْذُ سنّ الحداثة أَن أرزق دَابَّة أبلق، واستشعر أَنِّي إِذا ركبت ذَلِك؛ فقد حصلت لي كل فَائِدَة ونعمة؛ لشدَّة شهوتي لَهَا، فَمَا سهل الله لي مَا طلبته من هَذَا الْبَاب أَيْضا شَيْئا. وتكهلت، وعلت سني، وَأَنا على تِلْكَ الْأَحْوَال. وَضرب الدَّهْر ضربه، وَخرجت من بَغْدَاد، فابتدأ الإقبال يَأْتِي، والإدبار ينْصَرف. وَكَانَ الله، تَعَالَى، يَرْزُقنِي فِي كل سنة ابْنا، وَيقبض عني ابْنة، حَتَّى مَاتَ الْبَنَات كُلهنَّ، وَنَشَأ لي هَؤُلَاءِ البنون، وَأَوْمَأَ إِلَى أَحْدَاث بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ الطواويس حسنا وجمالا.
следующие страницы →