← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ابْن الطَّبَرِيّ الْكَاتِب النَّصْرَانِي تجلب لَهُ التَّوْفِيق رفسة حصان وجدت فِي بعض الْكتب: أَن عبد الله، الْمَعْرُوف بـ: ابْن الطَّبَرِيّ النَّصْرَانِي الْكَاتِب، قدم سر من رأى يلْتَمس التَّصَرُّف، فَلَزِمَ الدَّوَاوِين مُدَّة، إِلَى أَن نفدت نَفَقَته، وانقطعت حيلته، وَلم يبْق إِلَّا مَا عَلَيْهِ من كسوته، فَعدم الْقُوت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها، وَهُوَ صابر خوفًا من أَن يَبِيع مَا عَلَيْهِ، فيتعطل عَن الْحَرَكَة، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع عمل على بيع مَا عَلَيْهِ ليَأْكُل بِبَعْضِه، وليشتري بِالْبَعْضِ الآخر تاسومة، ومرقعة، وركوة، وَيخرج فِي زِيّ فيج إِلَى بلد آخر؛ لِأَنَّهُ بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام لم يَأْكُل شَيْئا. ثمَّ شرهت نَفسه إِلَى الرُّجُوع إِلَى الدِّيوَان، مؤملا فرجا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن هَذَا، من تصرف، أَو غَيره. فَمشى يُرِيد الدِّيوَان، وَهُوَ مغموم مفكر، إِذْ سمع صَوت حافر من وَرَائه، وَقوم يصيحون: الطَّرِيق، الطَّرِيق. فلشدة مَا بِهِ، غفل عَن التنحي عَن الطَّرِيق، فكبسه شَهْري كَانَ رَاكِبه

стр. 807

الْمُؤَيد بِاللَّه بن المتَوَكل على الله، وَهُوَ إِذْ ذَاك أحد أَوْلِيَاء العهود، فداسه، وَسقط على وَجهه. فصعب ذَلِك على الْمُؤَيد، وَلم يكن يعرفهُ، فَاغْتَمَّ أَن يجْرِي مِنْهُ على إِنْسَان مثل ذَلِك، فَأمر أَن يحمل إِلَى دَاره، فَفعل ذَلِك، وأفردت لَهُ حجرَة، وَمن يَخْدمه، وعولج بالدواء، وَالطَّعَام، وَالشرَاب، وَالطّيب، والفرش، حَتَّى برِئ بعد أَيَّام، فأنفذ إِلَيْهِ ألفي دِرْهَم، وَسَأَلَهُ إحلاله مِمَّا جرى عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَا أقبلها، أَو تقع عَيْني على الْمُؤَيد، فأشافهه بِالدُّعَاءِ. فأوصل إِلَيْهِ، فشكره، ودعا لَهُ، وقص عَلَيْهِ قصَّته، وَسَأَلَهُ استخدامه. فخف على قلبه الْمُؤَيد، واستكتبه، وَأمر أَن يصرف فِي دَاره، وَفِي دَار والدته إِسْحَاق، جَارِيَة المتَوَكل، فتصرف فِيهَا مُدَّة، وصلحت حَاله. وَكَانَ الْمُوفق، أَخُو الْمُؤَيد من أمه، قد رأى ابْن الطَّبَرِيّ، فاجتذبه إِلَى خدمته، ونفق عَلَيْهِ، وانْتهى أمره مَعَه إِلَى أَن جعل إِلَيْهِ تربية المعتضد، وأكسبه الْأَمْوَال الجليلة.

стр. 808

أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج ينْتَقل من ضعف الْحَال إِلَى ملك مصر وجدت فِي بعض الْكتب: حدث أَبُو الطّيب بن الْجُنَيْد، الَّذِي كَانَ صاحبا لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، وَكَانَ قبل ذَلِك جارا لِأَبِيهِ أبي الْقَاسِم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن طغج بن جف ينزل قَدِيما بِالْقربِ من مَنَازلنَا بِبَغْدَاد، يقصر فرج، وَكَانَ رَقِيق الْحَال، ضَعِيفا جدا. وَكَانَ لَهُ على بَاب دويرته، دكان يجلس عَلَيْهَا دَائِما، ودابته مشدودة

стр. 809

إِلَى جَانبهَا، وَهُوَ يراعيها بالعلف وَالْمَاء بِنَفسِهِ. وَكَانَ لَهُ رزق سلطاني يسير، يتَأَخَّر عَنهُ أبدا، فَلَا يقبضهُ إِلَّا فِي الْأَحَايِين. وَكَانَ شَدِيد الاختلال، ظَاهر الْفقر، وَكَانَ لَهُ عدَّة بَنَات لَا ذكر فِيهِنَّ. وَكَانَ يجتاز بِهِ أَبُو الْقَاسِم يحيى بن زَكَرِيَّا بن شيرزاد، أَو أحد ابنيه، أَبُو الْحسن، وَأَبُو جَعْفَر، فَيقوم قَائِما، وَيظْهر التَّعَبُّد لَهما، وَلَا يزَال وَاقِفًا إِلَى أَن يبعدا عَنهُ. وَكنت رُبمَا جَلَست إِلَيْهِ، فيأنس بِي ويحدثني، ويشكو بثه، وَمَا يقاسيه من كَثْرَة العائلة، وضيق الْحَال. وَيَقُول: لَيْت كَانَ لي، فِيمَا رزقته من الْوَلَد، ذكر وَاحِد، فَكنت أتعزى بِهِ قَلِيلا، ويخف بالرجاء لَهُ، وَالسُّرُور بِهِ، بعض كربي وهمي بهؤلاء الْبَنَات. قَالَ أَبُو الطّيب: وَضرب الدَّهْر من ضربه، وتقلب من تقلبه، وَطَالَ الْعَهْد بِابْن طغج، وَخرج فِي جملَة تَجْرِيد جرد إِلَى الشَّام، وأنسيناه، وترجمت بِهِ الظنون، وترامت بِهِ الْأَحْوَال، حَتَّى بلغ أَن يُقَلّد مصر وأعمالها، وَكَانَ من علو شَأْنه، وارتفاع ملكه، وَحُصُول الْأَمر لَهُ، ولولده من بعده، مَا كَانَ، مِمَّا هُوَ مَشْهُور. وَكَانَ قد طَرَأَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة أحد التُّجَّار الواسعي الْأَحْوَال، من جوارنا، مِمَّن كَانَ يعرف ابْن طغج على تِلْكَ الْأَحْوَال الأول، فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين،

стр. 810

عَاد الرجل إِلَى الحضرة، فحدثنا بِعظم أَمر ابْن طغج، واتساع ملكه. وَقَالَ: رَأَيْته غير الرجل الَّذِي كُنَّا نعرفه، مكانة، ورجاحة، وَحين رَآنِي قربني وأكرمني، وَمَا زَالَ مُسْتَبْشِرًا بِي، يحادثني وأحادثه، ويسألني عَن وَاحِد وَاحِد، من بني شيرزاد، وَغَيرهم من الْجِيرَان، وَأَنا أخبرهُ. حَتَّى قَالَ فِي بعض قَوْله: الْحَمد لله الَّذِي بِيَدِهِ الْأُمُور، مَا شَاءَ فعل، يَا فلَان، أَلَسْت ذَاكِرًا مَا كنت فِيهِ بِبَغْدَاد، من تِلْكَ الْأَحْوَال الخسيسة، وَمَا كنت أُلَاقِي من الشدَّة، والفقر، والفاقة، وَالْغَرَض بالعيش، والهم بأولئك الْبَنَات؟ قلت: نعم، يَا سَيِّدي. قَالَ: وَالله لقد كنت أَتَمَنَّى وأسأل الله أَن يَرْزُقنِي ابْنا، فَكلما اجتهدت فِي ذَلِك جَاءَتْنِي ابْنة، حَتَّى تكاملن فِي بَيْتِي عشرا. وَكنت أَتَمَنَّى مُنْذُ سنّ الحداثة أَن أرزق دَابَّة أبلق، واستشعر أَنِّي إِذا ركبت ذَلِك؛ فقد حصلت لي كل فَائِدَة ونعمة؛ لشدَّة شهوتي لَهَا، فَمَا سهل الله لي مَا طلبته من هَذَا الْبَاب أَيْضا شَيْئا. وتكهلت، وعلت سني، وَأَنا على تِلْكَ الْأَحْوَال. وَضرب الدَّهْر ضربه، وَخرجت من بَغْدَاد، فابتدأ الإقبال يَأْتِي، والإدبار ينْصَرف. وَكَانَ الله، تَعَالَى، يَرْزُقنِي فِي كل سنة ابْنا، وَيقبض عني ابْنة، حَتَّى مَاتَ الْبَنَات كُلهنَّ، وَنَشَأ لي هَؤُلَاءِ البنون، وَأَوْمَأَ إِلَى أَحْدَاث بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ الطواويس حسنا وجمالا.

стр. 811

ثمَّ قَالَ: وملكت من الْخَيل الْعتاق والبراذين وَالْبِغَال وَالْحمير البلق، مَا لم يملك أحد مثله، وَلَا اجْتمع لأحد مَا يُقَارِبه، وَأكْثر من أَن يُحْصى، وَصَارَ لغلمان غلماني الكراع الْكثير، فَقُمْ بِنَا حَتَّى ندخل الإصطبلات، فتشاهدها، وتعجب. فَأخذ بيَدي، ومشينا حَتَّى دَخَلنَا إِلَى إصطبل البلق، فَمَا أَشك، أَنا عددنا من صنوف الدَّوَابّ البلق أَكثر من خمس مائَة رَأس، ثمَّ ضجرنا، وَمَا زلنا نجتاز فِي الإصطبل سنة سنة. فَيَقُول: هَذَا إصطبل الفلانيات، وَهُوَ يسْأَل صَاحب كراعه، كم فِي هَذَا؟ فَيَقُول: فِي هَذَا خمس مائَة، وَفِي هَذَا أَربع مائَة، وَنَحْو ذَلِك.

стр. 812

ثمَّ عدنا إِلَى الْمجْلس، وَقد أبهجني مَا رَأَيْت، وَهُوَ يحمد الله على تفضله وإحسانه، ولازمته، وَمَا فَارَقت دَاره حَتَّى قضيت حوائجي، ونفعني، وَأحسن إِلَيّ، وَمَا قصر، وعدت إِلَى الشَّام مكرما.

стр. 813

غَرِيب الدَّار لَيْسَ لَهُ صديق ذكر عَن رجل كَانَ بِالْبَصْرَةِ، أَنه كَانَ ذَا يسَار، وتغيرت حَاله، فَخرج عَن الْبَصْرَة، ثمَّ عَاد إِلَيْهَا وَقد أثرى، فَجعل يحدث بألوان لقيها إِلَى أَن قَالَ: تَغَيَّرت حَالي، إِلَى أَن دخلت بَغْدَاد، غَرِيبا، سليبا، لَا أهتدي إِلَى مَذْهَب وَلَا حِيلَة. قَالَ: فَجعلت أسأَل: أَيْن السُّوق؟ أَيْن الطَّرِيق؟ إِلَى أَن ضجرت، فَقلت وَأَنا مكروب: غَرِيب الدَّار لَيْسَ لَهُ صديق ... جَمِيع سُؤَاله أَيْن الطَّرِيق؟ تعلق بالسؤال بِكُل صقع ... كَمَا يتَعَلَّق الرجل الغريق وَجعلت أردد ذَلِك وأمشي، وَإِذا بِرَجُل مشرف من منظر، فَقَالَ لي: ترفق يَا غَرِيب فَكل عبد ... تطيف بِحَالهِ سَعَة وضيق وكل مُصِيبَة تَأتي ستمضي ... وَإِن الصَّبْر مسلكه وثيق فخف مَا بِي، وَرفعت رَأْسِي إِلَيْهِ، وَسَأَلته عَن خَبره. فَقَالَ: اصْعَدْ إِلَيّ أحَدثك، فَصَعدت إِلَيْهِ. فَقَالَ: وَردت هَذَا الْبَلَد، وَأَنا غَرِيب، فتحيرت، وَالله، كتحيرك،

стр. 814

إِلَى أَن مَرَرْت بِهَذِهِ الغرفة، فَأَشْرَف عَليّ رجل كَانَ فِيهَا، لَا أعرفهُ، فَقَالَ لي: اصْعَدْ. فَصَعدت، فأسكننيها، ثمَّ تقلبت بِي الْأَحْوَال، فابتعت الدَّار، وأثريت، وَأَنا أتبرك بهَا، وأجلس فِيهَا كثيرا، فلعلها أَن تكون مباركة عَلَيْك أَيْضا، فَإِن لي فِيمَا سواهَا من الدّور، مسَاكِن تجذبني. فَفعلت، وَأَقْبَلت أحوالي، واحتجت إِلَى الاتساع، فانتقلت عَنْهَا.

стр. 815

عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ يتسلم كتابا من الرشيد يُخبرهُ بمقتل جَعْفَر الْبَرْمَكِي وجدت فِي بعض الْكتب: أَن البرامكة قصدت عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ بالعداوة، وَكَانَ الرشيد حسن الرَّأْي فِيهِ، فَكَانُوا يغزونه بِهِ، حَتَّى قَالُوا لَهُ: لَا بُد من نَكْتُبهُ. فَقَالَ: مَا كنت لأَفْعَل هَذَا، وَلَكِن أبعده عَنْكُم. فَقَالُوا: ينفى. فَقَالَ: لَا، وَلَكِن أوليه ولَايَة دون قدره، وَأخرجه إِلَيْهَا. فرضوا بذلك، فَكَتَبُوا لَهُ على حران والرها فَقَط، وأمروه بِالْخرُوجِ عَن الْخَلِيفَة. قَالَ عبد الله: فودعتهم وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى صرت إِلَى جَعْفَر لأودعه. فَقَالَ لي: مَا على الأَرْض عَرَبِيّ أنبل مِنْك، يَا أَبَا الْعَبَّاس، يغْضب عَلَيْك الخليقة، فيوليك حران والرها.

стр. 816

فَقلت: فَمَا ذَنبي حَتَّى غضب عَليّ، وَأي شَيْء جرى مني حَتَّى أوجب الَّذِي أَن يفعل بِي هَذَا؟ قَالَ: جزؤاك أَن يضْرب وسطك، وتصلب نصفا فِي جَانب، وَنصفا فِي جَانب. فَقلت: الْعجب مني حَيْثُ صرت إِلَيْك، ونهضت، وَخرجت. وَقطعت طريقي بالهم، وَالْغَم، مِمَّا دفعت إِلَيْهِ، وَأَنِّي لَا آمنهم، مَعَ غيبتي، على السّعَايَة عَليّ. فَبَيْنَمَا أَنا فِي عَشِيَّة يَوْم، على بَاب الدَّار الَّتِي نزلتها، جَالِسا على كرْسِي، إِذْ أقبل إِلَيّ مولى لي، فَقَالَ لي سرا: قد قتل جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي. فتوهمت أَنه هُوَ أمره بذلك ليجد عَليّ حجَّة ينكبني بهَا، فبطحته، وضربته ثَلَاث مائَة مقرعة، وحبسته، وَبت بليلة طَوِيلَة على السَّطْح فِي دَاري. فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، إِذا صَوت حلق الْبَرِيد، فارتعت، وَنزلت عَن السَّطْح. وَقلت فِي نَفسِي: إِن هجم عَليّ صَاحب الْبَرِيد فَهِيَ بلية، وَإِن ترجل لي فَفرج. فَلَمَّا بصر بِي صَاحب الْبَرِيد ترجل لي، فطابت نَفسِي، وَدفع إِلَيّ كتابا من الرشيد، يُخْبِرنِي فِيهِ بقتْله جَعْفَر، وَقَبضه على البرامكة، ويأمرني بالشخوص إِلَى حَضرته. فشخصت، فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ؛ عاملني من الْإِكْرَام والإنعام بِمَا زَاد على أمنيتي.

стр. 817

وَخرجت فَأتيت الجسر، فَوجدت جعفرا، قد ضرب وَسطه، وصلب نصفه فِي جَانب، وَنصفه فِي الْجَانِب الآخر.

стр. 818

نجاح بن سَلمَة ينصح سُلَيْمَان بن وهب برغم مَا بَينهمَا من عَدَاوَة حُكيَ أَن الواثق سخط على سُلَيْمَان بن وهب، فَرده إِلَى مُحَمَّد بن أبي إِسْحَاق، وَأمره أَن يَأْخُذ خطه بِثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم، يُؤَدِّيهَا بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا، فَإِن أذعن لذَلِك، وَإِلَّا ضربه خمس مائَة سَوط. فطالبه مُحَمَّد بكتب الْخط، فَامْتنعَ، فَدَعَا لَهُ بالسياط، وجرد لضربه. وَدخل نجاح بن سَلمَة، فَلَمَّا رَآهُ سُلَيْمَان أَيقَن بِالْمَوْتِ، واستغاث بِهِ سُلَيْمَان. فَقَالَ نجاح لمُحَمد: خله، وأخلني وإياه، فَفعل. فَقَالَ نجاح لِسُلَيْمَان: أتعلم أَن فِي الدُّنْيَا أحدا أعدى لَك مني؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فهوذا أحامي عَنْك الْيَوْم لأجل الصِّنَاعَة، أَيّمَا أحب إِلَيْك وآثر

стр. 819

فِي نَفسك؛ أَن تَمُوت السَّاعَة بِلَا شكّ، أَو يكون ذَلِك إِلَى خَمْسَة عشر يَوْمًا، قد يفرج الله فِيهَا عَنْك؟ قَالَ: بلَى أكون إِلَى خَمْسَة عشر يَوْمًا بَين الْأَمريْنِ. قَالَ: فَاكْتُبْ خطك بِمَا طولبت بِهِ. فَكتب خطه. قَالَ سُلَيْمَان: فَمَا مَضَت سِتَّة أَيَّام، حَتَّى مَاتَ الْخَلِيفَة، وَبَطل ذَلِك المَال. وَصَارَ نجاح بن سَلمَة بمشورته تِلْكَ على سُلَيْمَان، أحب إِلَيْهِ من أَخِيه وَولده، وزالت الْعَدَاوَة من بَينهمَا. قَالَ مؤلف الْكتاب: هَذَا الْخَبَر عِنْدِي أَنه مُضْطَرب؛ لِأَشْيَاء كَثِيرَة، وَلَكِنِّي كتبته، كَمَا وجدته، وَقد مضى فِيمَا تقدم من هَذَا الْكتاب خبر نكبة الواثق لِسُلَيْمَان بن وهب، بِمَا هُوَ أصح من هَذِه الْحِكَايَة.

стр. 820

الْمُعْتَمد يَأْمر بِقطع يَد غُلَام من غلمانه ثمَّ يعْفُو عَنهُ بَلغنِي أَن أَبَا مُحَمَّد بن حمدون، قَالَ: اشْتهى الْمُعْتَمد أَن يتَّخذ لَهُ فرش ديباج، بستوره وَجَمِيع آلاته، على صُورَة صورها، وألوان اقترحها. فَعمل ذَلِك بتنيس، وَحمل إِلَيْهِ، فسر بِهِ غَايَة السرُور، وَتقدم، فنجد، ونضد، وَنصب، وأحضرني والندماء، وَهُوَ يَأْكُل فِيهِ، فَمَا منا إِلَّا من وَصفه وَاسْتَحْسنهُ، ثمَّ قَامَ لينام وينتبه، فيشرب فِيهِ، وصرفنا. فَمَا شعرنَا إِلَّا وَقد امْتَلَأت الدَّار ضجة وصياحا، ودعا بِنَا، فوجدناه يزأر كالأسد. وَإِذا نصف ستر من تِلْكَ الستور قد قطع، وَهُوَ يَقُول: لَيْسَ بِي قِطْعَة، وَلَا قِيمَته؛ لِأَنَّهُ يمكنني أَن أسْتَعْمل مَكَانَهُ، وَإِنَّمَا بِي أَنه نغص عَليّ السرُور بِهِ أول يَوْم، واجترأ عَليّ بِمثل هَذَا الْفِعْل، وأصعب من هَذَا أَنه

стр. 821

قطعه وَأَنا أرَاهُ، وغاص الَّذِي قطعه عَن عَيْني فَلم أثْبته. ثمَّ دَعَا بنحرير الْخَادِم وَحلف لَهُ بأيمان مُغَلّظَة، أَنه إِن لم يبْحَث إِلَى أَن يحضر الْجَانِي، ليضربن عُنُقه، وَجلسَ على حَاله مغضبا. وَمضى نحرير، فَمَا أبعد حَتَّى أحضر صَبيا من الفراشين، كَأَنَّهُ الْبَدْر حسنا، وَقطعَة الديباج مَعَه، وَقد أقرّ بقطعها، وَاعْتذر، وبذل التَّوْبَة، وَهُوَ يبكي، وَيسْأل الْإِقَالَة. فَلم يسمع الْمُعْتَمد مِنْهُ ذَلِك، وَأمر نحرير أَن يُخرجهُ، فَيقطع يَده، فَأخْرج، وَمَا منا إِلَّا من آلمه قلبه عَلَيْهِ؛ لملاحة وَجهه، وَصغر سنه، وَلَيْسَ منا من يَجْسُر على مَسْأَلَة الْمُعْتَمد فِيهِ، وَنحن قيام سكُوت. حَتَّى صرخَ الْمُعْتَمد على الله من يَده صراخا عَظِيما وتأوه، وَقَالَ: قد دخل شَيْء فِي أُصْبُعِي السَّاعَة، وَزَاد الْأَلَم عَلَيْهِ، وَجِيء بِمن رَآهَا، فأحضر منقاشا، فأخرجت من إصبعه شظية من قصب كالشعرة، فَمَا نَدْرِي مِم يتعجب، من صغرها؟ أَو من دُخُولهَا فِي لَحْمه مَعَ ضعفها؟ أَو من شدَّة إيلامها إِيَّاه، وَمن كَونهَا فَوق الديباج سَاعَة طرح ونفض؟ فَلَمَّا استراح؛ قَالَ: يَا قوم، إِن كَانَ هَذَا الْقدر الْيَسِير قد آلمني هَذَا الْأَلَم الْكثير، فَمَا حَال هَذَا الصَّبِي الَّذِي أمرنَا بِقطع يَده؟ قُلْنَا: أَسْوَأ حَال وأشدها، فَيجب أَن تجْعَل الْعَفو عَنهُ شكرا لما كفيته. فَقَالَ: ابْعَثُوا إِلَى نحرير من يلْحقهُ، فَإِن كَانَ لم يقطعهُ؛ منع من قطعه. فتسابق الغلمان، فلحقوه، وَالزَّيْت يغلي، وَقد مدت يَده لتقطع، فخلوه، وَسلم.

стр. 822

مُرُوءَة عدي بن الرّقاع العاملي أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن جرير، عَن مُحَمَّد بن سَلام، قَالَ: عزل الْوَلِيد بن عبد الْملك عُبَيْدَة بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن الْأُرْدُن، وضربه، وحلقه، وأقامه للنَّاس. وَقَالَ للموكلين بِهِ: من أَتَاهُ متوجعا، وَأثْنى عَلَيْهِ؛ فأتوني بِهِ. فَأَتَاهُ عدي الرّقاع العاملي، وَكَانَ عُبَيْدَة محسنا إِلَيْهِ، فَوقف عَلَيْهِ، وَأَنْشَأَ يَقُول: وَمَا عزلوك مَسْبُوقا وَلَكِن ... إِلَى الغايات سباقا جوادا وَكنت أخي وَمَا وَلدتك أُمِّي ... وصُولا باذلا لَا مستزادا

стр. 823

فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كَذَاك الله يفعل مَا أَرَادَا فَوَثَبَ الموكلون بِهِ، فأدخلوه إِلَى الْوَلِيد، وَأَخْبرُوهُ بِمَا جرى. فتغيظ عَلَيْهِ الْوَلِيد، وَقَالَ لَهُ: أتمدح رجلا قد فعلت بِهِ مَا فعلت؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه كَانَ إِلَيّ محسنا، ولي مؤثرا، فَفِي أَي وَقت كنت أكافئه بعد هَذَا الْيَوْم؟ قَالَ: صدقت، وكرمت، وَقد عَفَوْت عَنْك وَعنهُ لَك، فَخذه وَانْصَرف. فَانْصَرف بِهِ إِلَى منزله.

стр. 824

غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة ؟ ٣: ١٣٥ ٥٢ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، عَمُّ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي ظَمْيَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَوَلَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَارِسَ قَيْسٍ، وَكَانَ عَمِيقًا، وَكَانَ أَعْوَرَ. وَكَانَ النَّبِيُّ، ﷺ ، قَدْ رُمِيَ مِنْهُ، وَمِنْ أَرْبَدَ، أَخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِمَا أَهَمَّهُ، ﵇؛

стр. 825

وَذَلِكَ أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ، فَلَقِيَهُمَا، فَوَسَّدَ عَامِرًا وِسَادَةً، وَقَالَ: «أَسْلِمْ، يَا عَامِرُ» . قَالَ: عَلَى أَنْ تَجْعَلَ لِي الْوَبَرَ، وَلَكَ الْمَدَرَ؟ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ . قَالَ: فَعَلَى أَنْ تَجْعَلَنِي الْخَلِيفَةَ بَعْدَكَ، إِنْ أَنَا أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: «لَا» . قَالَ: فَمَا الَّذِي تَجْعَلُ لِي؟ قَالَ: «أَعِنَّةَ الْخَيْلِ، تُقَاتِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ: أَوَلَيْسَتْ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ بِيَدِي الْيَوْمَ؟ وَوَلَّى عَامِرٌ مُغْضَبًا، وَهُوَ يَقُولُ: لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلا جُرْدًا، وَرِجَالا مُرْدًا، وَلأَرْبِطَنَّ عَلَى كُلِّ نَخْلَةٍ فَرَسًا. وَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَكْفِيكَهُ، وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلَهُ وَاكْفِنِيهِ. قَالَ أَرْبَدُ: اكْفِنِيهِ، وَأَنَا أَقْتُلُهُ. فَانْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَقَالَ عَامِرٌ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: «اقْتَرِبْ» . فَاقْتَرَبَ حَتَّى حَنَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَسَلَّ أَرْبَدُ سَيْفَهُ، وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَرِيقَهُ، فَتَعَوَّذَ مِنْهُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، تَعَالَى، فَأَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَيَبِسَتْ يَدُهُ عَلَى السَّيْفِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ. فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ أَرْبَدَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا؛ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَقَالَ لأَرْبَدَ: مَا مَنَعَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنِّي لَمَّا سَلَلْتُ بَعْضَ سَيْفِي؛ يَبِسَتْ يَدِي، فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَى سَلِّهِ.

стр. 826

قَالَ ابْنُ سَلامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ سَلَّ سَيْفِي؛ نَظَرْتُ فَإِذَا فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ قَطِمٌ، فَاغِرٌ فَاهُ، بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْوِي إِلَيَّ، فَوَاللَّهِ، لَوْ سَلَلْتُهُ لَخِفْتُ أَنْ يَبْتَلِعَ رَأْسِي. ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ، أَرِحْنِي مِنْهُمَا، وَاكْفِنِيهِمَا» . فَأَمَّا أَرْبَدُ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ، تَعَالَى، عَلَيْهِ صَاعِقَةً، فَأَحْرَقَتْهُ. وَأَمَّا عَامِرٌ؛ فَطُعِنَ فِي عُنُقِهِ، فَأَخَذَتْهُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْجَمَلِ، فَلَجَأَ إِلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولَ. فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمَوْتُ؛ جَعَلَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ! ثُمَّ مَاتَ. وَفِي أَرْبَدَ نَزَلَ قَوْلُهُ، تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرَّعْد: ١٣] وَفِي أَرْبَد يَقُول لبيد أَخُوهُ

стр. 827

: أخْشَى على أَرْبَد الحتوف وَلَا ... أرهب نوء السَّمَاء والأسل أفجعني الرَّعْد وَالصَّوَاعِق ... بالفارس يَوْم الكريهة النجل.

стр. 828

خرج ليغير فَوَقع على زيد الْخَيل أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الله بن أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، بِإِسْنَاد ذكره عَن هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي شيخ من بني شَيبَان، قَالَ: أَصَابَت بني شَيبَان سنة ذهبت بالأموال، فَخرج رجل مِنْهُم بعياله حَتَّى أنزلهم الْحيرَة. وَقَالَ لَهُم: كونُوا قَرِيبا من الْملك يُصِيبكُم من خَيره، إِلَى أَن أرجع إِلَيْكُم. وَخرج على وَجهه لما قد حل بِهِ، يؤمل أَن يكْسب مَا يعود بِهِ على عِيَاله، وَقد جهده الْفقر، وَبلغ بِهِ الطوى. فَحدث، قَالَ: مشيت يَوْمًا وَلَيْلَة، بِحَيْثُ لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أتوجه، غير أَنِّي أجوب فِي الْبِلَاد. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عشَاء، إِذا بِمهْر مُقَيّد حول خباء، فَقلت: هَذَا أول الْغَنِيمَة. فحللته، فَلم أذهب إِلَّا قَلِيلا، حَتَّى نوديت: خل عَن الْمهْر، وَإِلَّا اختلجت مهجتك. قَالَ: فَنزلت عَنهُ، وَتركته، ومضيت وَقد تحيرت فِي أَمْرِي، واغتممت غما شَدِيدا. فسرت سَبْعَة أَيَّام، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى مَوضِع عطن أباعر، مَعَ تطفيل الشَّمْس، فَإِذا خباء عَظِيم، وقبة من أَدَم.

стр. 829

فَقلت: مَا لهَذَا الخباء بُد من أهل، وَمَا لهَذِهِ الْقبَّة بُد من رب، وَمَا لهَذَا العطن بُد من إبل. فَنَظَرت فِي الخباء فَإِذا شيخ قد اخْتلفت ترقوتاه، وَكَأَنَّهُ نسر. قَالَ: فَجَلَست خَلفه، فَلَمَّا وَجَبت الشَّمْس، إِذا أَنا بِفَارِس قد أقبل، لم أر قطّ فَارِسًا أجمل مِنْهُ، وَلَا أجسم، على فرس عَظِيم، وَمَعَهُ أسودان يمشيان إِلَى جَنْبَيْهِ، وَإِذا مائَة من الْإِبِل مَعَ فَحلهَا، فبرك الْفَحْل، وبركن حوله. وَنزل الْفَارِس، وَقَالَ لأحد عبديه: احلب فُلَانَة، ثمَّ اسْقِ الشَّيْخ. قَالَ: فَحلبَ فِي عس حَتَّى ملأَهُ، ثمَّ جَاءَ بِهِ فَوَضعه بَين يَدي الشَّيْخ، وَتَنَحَّى. فكرع مِنْهُ مرّة، أَو مرَّتَيْنِ، ثمَّ نزع، فثرت، فَشَربته. فَرجع العَبْد، فَأخذ العطس، فَقَالَ: يَا مولَايَ، قد أَتَى على آخِره. قَالَ: ففرح بذلك، وَقَالَ: احلب فُلَانَة، فحلبها، ثمَّ جَاءَ بالعس، فَوَضعه بَين يَدي الشَّيْخ. فكرع مِنْهُ كرعة وَاحِدَة، ثمَّ نزع فثرت إِلَيْهِ، فَشَرِبت نصفه، وكرهت أَن أتهم، إِن أتيت على آخِره. ثمَّ جَاءَ العَبْد، وَأخذ الْعس، وَقَالَ: يَا مولَايَ، قد شرب. قَالَ: دَعه، ثمَّ أَمر بِشَاة، فذبحت، وشوى للشَّيْخ مِنْهَا، وَأكل هُوَ وعبداه. فأمهلت حَتَّى نَامُوا، وَسمعت الغطيط، فثرت إِلَى الْفَحْل، فحللت عقاله،

стр. 830

ثمَّ ركبته، فَانْدفع بِي، واتبعته الْإِبِل، فسللتها لَيْلَتي كلهَا حَتَّى أَصبَحت. فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح، نظرت فَلم أر أحدا، فسللتها سلا عنيفا، حَتَّى تَعَالَى النَّهَار، فالتفتّ التفاتة، فَإِذا بِشَيْء كَأَنَّهُ طَائِر، فَمَا زَالَ يدنو حَتَّى تبينته، فَإِذا هُوَ فَارس على فرس، وَإِذا هُوَ صَاحِبي البارحة. فعقلت الْفَحْل، ونثلت كِنَانَتِي، ووقفت بَينه وَبَين الْإِبِل. فَدَنَا مني، وَقَالَ: حل عقاله. فَقلت: كلا، وَالله، لقد أضرّ بِي الْجهد، وخلفت نسيات، وصبية بِالْحيرَةِ، وآليت أَن لَا أرجع إلَيْهِنَّ إِلَّا بعد أَن أفيدهن خيرا، أَو أَمُوت. قَالَ: فَإنَّك ميت، حل عقاله. قلت: هُوَ ذَاك. قَالَ: إِنَّك لمغرور، أنصب لي خطامه، وَفِي خطامه خمس عجر، فنصبته. قَالَ: أَيْن تُرِيدُ أَن أَضَع سهمي؟ قلت: فِي هَذَا الْموضع. قَالَ: فَكَأَنَّمَا وَضعه بِيَدِهِ، حَتَّى والى بَين خَمْسَة أسْهم. قَالَ: فرددن نبلي، ودنا هُوَ، فَأخذ الْقوس وَالسيف. وَقَالَ: ارتدف خَلْفي، فَفعلت. فَقَالَ لي: وَقد عرف أَنِّي أَنا الَّذِي شربت اللَّبن عِنْد الشَّيْخ: مَا ظَنك بِي؟ قلت: أحسن الظَّن، مَعَ مَا لقِيت مني من تَعب ليلتك، وَقد أظفرك الله بِي.

стр. 831

فَقَالَ: أَتَرَى كُنَّا يلحقك منا سوء، وَقد بت تنادم مهلهلا ليلتك. قلت: زيد الْخَيل أَنْت؟ قَالَ: نعم، أَنا زيد الْخَيل. قلت: كن خير آخذ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْك بَأْس. فَمضى إِلَى مَوْضِعه الَّذِي كَانَ بِهِ، ثمَّ قَالَ: أما لَو كَانَت هَذِه الْإِبِل لي لسلمتها إِلَيْك، وَلكنهَا لابنَة مهلهل، فأقم عِنْدِي، فَإِنِّي على شرف غَارة. فأقمت أَيَّامًا، ثمَّ أغار على بني نمير بالملح، فَأصَاب مائَة بعير. فَقَالَ: هَذِه أحب إِلَيْك، أم تِلْكَ؟ فَقلت: هَذِه، فَأَعْطَانِيهَا. قَالَ: فَقلت: ابْعَثْ معي خفراء، فَفعل. وعدت إِلَى وطني، وَفرج الله بكرمه عني، وَأصْلح حَالي.

стр. 832

منع الله سوارا من الطَّعَام وَالشرَاب وَجَاء بِهِ حَتَّى أقعده بَين يَديك ذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن أبي العشير، عَن إِسْحَاق بن يحيى بن معَاذ، وَقَالَ: حَدثنِي سوار، صَاحب رحبة سوار، قَالَ: انصرفت من دَار الْمهْدي، فَلَمَّا دخلت منزلي؛ دَعَوْت بالغداء، فحاشت نَفسِي، فَأمرت بِهِ فَرد. ثمَّ دَعَوْت بالنرد، ودعوت جَارِيَة لي ألاعبها، فَلم تطب نَفسِي بذلك، وَدخلت القائلة، فَلم يأخذني النّوم. فَنَهَضت، وَأمرت ببغلة لي شهباء، فأسرجت، فركبتها، فَلَمَّا خرجت استقبلني وَكيل لي وَمَعَهُ ألفا دِرْهَم. فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ألفا دِرْهَم، جبيتها من مستغلك الْجَدِيد. قَالَ: قلت: أمْسكهَا مَعَك، واتبعني. قَالَ: ومضيت، وخليت رَأس البغلة، حَتَّى عبرت الجسر، ثمَّ مَضَت بِي فِي شَارِع دَار الرَّقِيق، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الصَّحرَاء، ثمَّ رجعت إِلَى

стр. 833

بَاب الأنبار، فطوفت، فَلَمَّا صرت فِي شَارِع بَاب الأنبار؛ انْتَهَيْت إِلَى بَاب دَار لطيف، عِنْده شَجَرَة، وعَلى الْبَاب خَادِم، فوقفت، وَقد عطشت. فَقلت للخادم: أعندك مَا تسقينيه؟ قَالَ: نعم، فَأخْرج قلَّة نظيفة طيبَة الرّيح، عَلَيْهَا منديل، فناولنيها، فَشَرِبت. وَحضر وَقت الْعَصْر، فَدخلت مَسْجِدا، فَصليت فِيهِ، فَلَمَّا قضيت صَلَاتي، إِذا أَنا بأعمى يتلمس. قلت: مَا تُرِيدُ يَا هَذَا؟ قَالَ: إياك أُرِيد. قلت: وَمَا حَاجَتك؟ فجَاء، حَتَّى قعد إِلَيّ، فَقَالَ: شممت مِنْك رَائِحَة الطّيب، فتخيلت أَنَّك من أهل النِّعْمَة، فَأَرَدْت أَن ألقِي إِلَيْك شَيْئا.

стр. 834

فَقلت: قل. قَالَ: أَتَرَى هَذَا الْقصر؟ قلت: نعم. قَالَ: هَذَا قصر كَانَ لأبي، فَبَاعَهُ، وَخرج إِلَى خُرَاسَان، وَخرجت مَعَه، فَزَالَتْ عَنَّا النِّعْمَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا، فَأتيت صَاحب الدَّار؛ لأسأله شَيْئا يصلني بِهِ، فَإِنِّي فِي ضنك شَدِيد، وضغطة عَظِيمَة، ورزوح حَال قَبِيح، وأصير إِلَى سوار، فَإِنَّهُ كَانَ صديقا لأبي. قلت: وَمن أَبوك؟ قَالَ: فلَان بن فلَان، فَإِذا أصدق النَّاس، كَانَ، لي. فَقلت: يَا هَذَا، إِن الله قد أَتَاك بِسوار، مَنعه الطَّعَام وَالشرَاب وَالنَّوْم، حَتَّى جَاءَ بِهِ فأقعده بَين يَديك. ثمَّ دَعَوْت الْوَكِيل، وَأخذت مِنْهُ الألفي دِرْهَم، فدفعتها إِلَيْهِ، وَقلت لَهُ: إِذا كَانَ غَدا، فصر إِلَيّ، إِلَى الْمنزل. ثمَّ مضيت، فَقلت: مَا أحدث الْمهْدي بِشَيْء أطرف من هَذَا، فَأَتَيْته، فاستأذنت عَلَيْهِ، فَأذن لي، فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فأعجب بِهِ، وَأمر لي بألفي دِينَار، فأحضرت. فَقَالَ لي: ادفعها إِلَيْهِ. قَالَ: فَنَهَضت، فَقَالَ لي: اجْلِسْ، أعليك دين؟ قلت: نعم. قَالَ: كم مبلغه؟ قلت: خَمْسُونَ ألف دِينَار. فَقَالَ: تحمل إِلَيْك، فَاقْض بهَا دينك، فقبضتها. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ أَبْطَأَ عَليّ المكفوف، وأتاني رَسُول الْمهْدي، يدعوني، فَجِئْته.

стр. 835

فَقَالَ: فَكرت فِي أَمرك، فَقلت: يقْضِي دينه، ثمَّ يحْتَاج إِلَى الْحِيلَة وَالْقَرْض، وَقد أمرت لَك بِخَمْسِينَ ألف دِينَار أُخْرَى. قَالَ: فقبضتها، وانصرفت. فَجَاءَنِي المكفوف، فَدفعت إِلَيْهِ الألفي دِينَار، وَقلت لَهُ: قد رزق الله خيرا كثيرا، وأعطيته من مَالِي ألفي دِينَار أُخْرَى، فَقبض أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، ودعا لي، وَقَالَ: وَالله، مَا ظَنَنْت أَنِّي أصل مِنْك، وَلَا من أحد من أهل هَذِه الْبِلَاد، إِلَى عشر هَذَا المَال، فجزاك الله خيرا.

стр. 836

عُرْوَة بن أذينة يفد على هِشَام بن عبد الْملك أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، عَن يحيى بن عُرْوَة بن أذينة، قَالَ: أضاق أبي إضاقة شَدِيدَة، وتعذرت عَلَيْهِ الْأُمُور، فَعمل شعرًا امتدح بِهِ هِشَام بن عبد الْملك. وَدخل عَلَيْهِ فِي جملَة الشُّعَرَاء، فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ؛ نسبهم، فعرفهم جَمِيعًا، وَقَالَ لأبي: أَنْشدني قَوْلك: لقد علمت. . . .، فأنشده:

стр. 837

لقد علمت وَمَا الإشراف من خلقي ... أَن الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوف يأتيني أسعى لَهُ فيعنّيني تطلبه ... وَلَو جَلَست أَتَانِي لَا يعنّيني وَأي حَظّ امْرِئ لَا بُد يبلغهُ ... يَوْمًا وَلَا بُد أَن يحتازه دوني لَا خير فِي طمع يهدي إِلَى طبع ... وعلقة من قَلِيل الْعَيْش تكفيني لَا أركب الْأَمر تزري بِي عواقبه ... وَلَا يعاب بِهِ عرضي وَلَا ديني أقوم بِالْأَمر إِمَّا كَانَ من أربي ... وَأكْثر الصمت فِيمَا لَيْسَ يعنيني كم من فَقير غَنِي النَّفس تعرفه ... وَمن غَنِي فَقير النَّفس مِسْكين وَكم عَدو رماني لَو قصدت لَهُ ... لم يَأْخُذ الْبَعْض مني حِين يرميني وَكم أَخ لي طوى كشحا فَقلت لَهُ ... إِن انطواءك عني سَوف يطويني لَا أَبْتَغِي وصل من يَبْغِي مفارقتي ... وَلَا أَلين لمن لَا يَبْتَغِي ليني فَقَالَ هِشَام: أَلا جَلَست فِي بَيْتك، حَتَّى يَأْتِيك رزقك؟ قَالَ: وغفل عَنهُ هِشَام، فَخرج من وقته، وَركب رَاحِلَته، وَمضى منصرفا. فافتقده هِشَام، فَسَأَلَ عَنهُ، فَعرف خَبره، فَأتبعهُ بجائزة.

стр. 838

فَمضى الرَّسُول، فَلحقه على ثَلَاثَة فراسخ، وَقد نزل على مَاء يتغدى عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: أردْت أَن تكذبنا، وَتصدق نَفسك؟ هَذِه جائزتك. فَقَالَ: قل لَهُ: قد صدقني الله، وأتاني برزقي بِحَمْدِهِ. قَالَ يحيى: وَفرض لَهُ فريضتين، كنت فِي إِحْدَاهمَا.

стр. 839

أَبُو أَيُّوب المورياني يُجِيز ابْن شبْرمَة بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم قرئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا أسمع، فِي الْمَسْجِد الْجَامِع بِالْبَصْرَةِ، حَدثكُمْ الْغلابِي، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن ميثم، وَقد كَانَ جَازَ الْمِائَة سنة، قَالَ: سَمِعت ابْن شبْرمَة، يَقُول: زوجت ابْني على ألفي دِرْهَم، وَمَا هِيَ عِنْدِي، فطولبت بهَا، فصرت إِلَى أبي أَيُّوب المورياني، فَقلت لَهُ: إِنِّي اخْتَرْتُك لحاجتي، وعرفته خبري، فَأمر لي بألفي دِرْهَم، فشكرته وَقمت. فَقَالَ: اجْلِسْ، أَلا تُرِيدُ خَادِمًا؟ قَالَ: فَقلت: إِن رزق الله. قَالَ: وَهَذِه أَلفَانِ لخادمك، أَلا تُرِيدُ نَفَقَة؟ أَلا تُرِيدُ كَذَا؟ ، وَجعل يعدد ويعطيني. حَتَّى قُمْت على خمسين ألف دِرْهَم، وصلني بهَا. ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه، هَذَا الْخَبَر، بِلَا إِسْنَاد، على قريب من هَذَا.

стр. 840

الواثق يطرد أَحْمد بن الخصيب من حَضرته ثمَّ يعْفُو عَنهُ حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك الْكَاتِب، وَكَانَ يعرف بـ: الديناري؛ لما بَين أَبِيه الْحسن بن رَجَاء، وَبَين دِينَار بن عبد الله، من الْقَرَابَة، فَإِنَّهُمَا كَانَ ابْني خَالَة، على مَا أَخْبرنِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن سعيد الديناري الْكَاتِب، جد أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلد لأمه، قَالَ: لما تخلص أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب من نكبة الْمُعْتَمد، وَكنت أكتب لَهُ، وَجلسَ فِي منزله؛ أَمرنِي أَن أكتب إِلَى الْعمَّال الَّذين ضيَاعه فِي أَعْمَالهم، كتبا أعرفهم فِيهَا رُجُوع الْخَلِيفَة لَهُ، وتبينه بَاطِل مَا أنهِي إِلَيْهِ، وَحمل بِهِ عَلَيْهِ،

стр. 841

وأخاطبهم عَنهُ فِي أَمر ضيَاعه وأسبابه. فَكتبت نُسْخَة، قلت فِيهَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعزه الله، لما وقف على تمويه من موه عَلَيْهِ فِي أمرنَا؛ فعل وصنع. فَلَمَّا وقف على هَذَا الْفَصْل؛ خطّ على هَذَا الْحَرْف، وأبدله بِغَيْرِهِ، وَلم يُغير فِي النُّسْخَة سواهُ. وَقَالَ لي: إِذا فرغت من تَحْرِير الْكتب، فأذكرني بالتمويه، أحَدثك بِمَا كرهته لَهُ. قَالَ: فحررت الْكتب، فَلَمَّا خلا؛ سَأَلته: لم ضرب على التمويه؟ فَقَالَ: نعم لما غضب عَليّ الواثق، وعَلى أَحْمد بن الخصيب؛ بِسَبَب إيتاخ، وأشناس، كَانَت موجدته علينا بِسَبَب وَاحِد، وحبسه لنا فِي معنى وَاحِد، فَمَكثْنَا فِي الْحَبْس والقيد، إِلَى أَن كلم فِينَا، فَأمر بإحضارنا. فَقلت لِأَحْمَد بن الخصيب: قد دَعَانَا، وأظن أَنه سيوبخنا، ويعدد علينا مَا قرفنا بِهِ عِنْده؛ ليخرج مَا فِي نَفسه، فيعظم منته علينا، بِمَا يَأْتِيهِ من إطلاقنا، وَأعرف عجلتك، وتسرعك إِلَى مَا يَضرك، وَكَأَنِّي بك حِين يَبْتَدِئ

стр. 842

بتقريعنا، قد قطعت كَلَامه، وأنحيت عَلَيْهِ بلسانك ويديك، فأنشأت لنا اسْتِئْنَاف غضب وموجدة، وأكسبتنا شرا مِمَّا قد أملنا الْخَلَاص مِنْهُ. فَقَالَ لي: فَمَا أعمل؟ قلت: لست أحسبك تتهمني على نَفسِي وَلَا عَلَيْك، وَلَا تشك أننا حبسنا لقضية وَاحِدَة، فولني جَوَابه، وأعرني سكوتك، وَدعنِي أرْفق بِهِ، وأخدعه بِمَا تخدع بِهِ الْمُلُوك، فَلَعَلَّنَا نتخلص من الْمَكْرُوه الَّذِي نَحن فِيهِ. قَالَ: افْعَل. فاستحلفته على ذَلِك، فَحلف لي. فَلَمَّا دَخَلنَا الصحن؛ وجدنَا الْخَلِيفَة يستاك، وَبَين يَدَيْهِ طست ذهب، وإبريق ذهب، بيد فرَاش قَائِم، وبيد الْخَلِيفَة مسواك طوله ذراعان. فَلَمَّا رآنا، قَالَ: أَحْسَنت إلَيْكُمَا واصطنعتكما، فخنتماني، وكفرتما نعمتي، وفعلتما، وصنعتما. فَكَأَنِّي، وَالله، إِنَّمَا أوصيت أَحْمد بن الخصيب، أَلا يَدعه ينْطق. فَقَالَ لَهُ، وَقد رفع يَدَيْهِ فِي وَجهه: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا بلغك عَنَّا الْحق، وَلَا فعلنَا شَيْئا مِمَّا سعي بِنَا، وَلَقَد موه عَلَيْك فِي أمرنَا. فَقَالَ: إِنَّمَا يموه على غبي مثلك، فأومأت إِلَيْهِ بعيني، فَأمْسك بعض الْإِمْسَاك. وَعَاد الواثق يتمم كَلَامه، ويعد علينا نعمه ومننه، فَمَا ملك أَحْمد نَفسه، أَن رفع يَده، وَقَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا كفرنا نِعْمَتك، وَلَا فعلنَا، وَلَا صنعنَا، إِنَّمَا موه على أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمرنَا.

стр. 843

فَقَالَ: يَا جَاهِل، قد عدت لَهَا، إِنَّمَا يجوز التمويه على أَحمَق مثلك، وأومأت إِلَيْهِ بعيني، فَأمْسك. وَعَاد الواثق فِي كَلَامه، فَمَا انضبط أَحْمد أَن رد قَوْله، وَجَاء بالتمويه. فحين سَمعهَا الواثق، انقلبت عَيناهُ فِي أم رَأسه، واستشاط غَضبا، وَأَغْلظ لَهُ فِي الشتم، وحذفه بالمسواك، فلولا أَنه زاغ عَنهُ؛ لهشم وَجهه، وأعمى عينه. ثمَّ قَالَ: يَا غلْمَان، أَخْرجُوهُ إِلَى لعنة الله، فَأخْرج أخزى خلق الله. ونالني من الْجزع وَالْغَم والحيرة فِي أمره أَمر عَظِيم، وَلم أدر أَقف، أم أمضي، وَخفت إِن وقفت أَن يَقُول: مَا وقوفك بَين يَدي، وقضيتكما وَاحِدَة؟ وَإِن مضيت أَن نرد جَمِيعًا إِلَى الْحَبْس، فَرَجَعت أتقهقر عَن موضعي قَلِيلا، كَأَنِّي أُرِيد الْخُرُوج. فَقَالَ لي: مَكَانك أَنْت يَا سُلَيْمَان، هَب هَذَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَنْت أَيْضا، تنكر أَنَّك فعلت كَذَا، وصنعت كَذَا! فَوجدت السَّيْل إِلَى مَا أردْت، فَلم أزل أعترف، وألزم نَفسِي الْجِنَايَة، وأديم الخضوع والاستعطاف، وأسأل الصفح وَالْإِقَالَة، إِلَى أَن قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك، فَقبلت الأَرْض، وبكيت. فَقَالَ: اخلعوا عَلَيْهِ، واصرفوه إِلَى منزله، وليلزم الدَّار على عَادَته ورسمه. فَلَمَّا وليت؛ قَالَ: وَذَلِكَ الْكَلْب، قد كنت أردْت الْعَفو عَنهُ، فَأَخْرجنِي عَن حلمي سوء أدبه، فاخلعوا عَلَيْهِ أَيْضا. فَخرجت، وَإِذا بِأَحْمَد فِي بعض الممرات، فعرفته الْخَبَر، ثمَّ قلت لَهُ: يَا هَذَا، كدت أَن تَأتي علينا، أَرَأَيْت أحدا يُكَرر على الْخَلِيفَة لَفْظَة قد كرها، وأنكرها، ثَلَاث مَرَّات؟ أوما علمت أَن التمويه فِي الْحَقِيقَة ضرب من السخرية؟ قَالَ: فَلم يخرج من قلبِي فزع التمويه، من ذَلِك الْوَقْت، إِلَى الْآن.

стр. 844

غضب الرشيد على مَرْوَان بن أبي حَفْصَة لمدحه معن بن زَائِدَة وضربه مائَة سَوط حَدثنِي عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج المكفوف، الْمَعْرُوف بـ: أبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي، عَن عَمه، قَالَ: بعث إِلَيّ الرشيد فِي وَقت لم تكن عَادَته أَن يستدعيني فِي مثله، وَجَاءَنِي الرَّسُول بِوَجْه مُنكر، فأحضرني إحضارا عنيفا مُنْكرا مستعجلا، فوجلت وجلا شَدِيدا، وَخفت، وَجَزِعت. فَدخلت، فَإِذا الرشيد على بِسَاط عَظِيم، وَإِلَى جَانِبه كرْسِي خيزران، عَلَيْهِ جوَيْرِية خماسية، فَسلمت، فَلم يرد عَليّ، وَلَا رفع رَأسه إِلَيّ، وَجعل ينكت الأَرْض بإصبعه. فَقلت: سعي بِي عِنْده بباطل، يهلكني قبل كشفه، وأيست من الْحَيَاة. فَرفع رَأسه، وَقَالَ: يَا أصمعي، أَلا ترى الدعي ابْن الدعي، الْيَهُودِيّ، عبد بني حنيفَة، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، يَقُول لِمَعْنٍ بن زَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ عبد من عبيدنا:

стр. 845

أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بعد معن ... مقَاما لَا نُرِيد بِهِ زيالا وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معن ... وَقد ذهب النوال فَلَا نوالا؟ وَكَانَ النَّاس كلهم لِمَعْنٍ ... إِلَى أَن زار حفرته عيالا فَقَالَ: إِن النوال قد ذهب، مَعَ بقائنا، فَمَا يصنع بِنَا إِذن؟ وَلم يرض حَتَّى جعلني وخاصتي عيالا لِمَعْنٍ، وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بِهِ ولأصنعن. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عبد من عبيدك، أَنْت أولى بأدبه، أَو الْعَفو عَنهُ. فَقَالَ: عَليّ بِمَرْوَان، فَدخل عَلَيْهِ. فَقَالَ: السِّيَاط، فَأخذ الخدم يضربونه بهَا، وَهُوَ يَصِيح: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا ذَنبي؟ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، استبقني، إِلَى أَن ضرب أَكثر من مائَة سَوط. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اعْفُ عني، وَاذْكُر قولي فِيك، وَفِي آبَائِك. فَقَالَ: يَا غُلَام، كف عَنهُ، ثمَّ قَالَ: مَا قلت، يَا كلب؟ فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا: هَل تطمسون من السَّمَاء نجومها ... بأكفكم أم تسترون هلالها؟
следующие страницы →